Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
كتاب تفسير القرآن/ سورة السجدة
٤٨١٦ - حدّثنا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَبِعِ عَنْ رَوْحِ بْنِ الْقاسِمِ، عَنْ مَنْصُورٍ
عَنْ مُجاهِدٍ عَنْ أبِي مَعْمَرٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِّرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ﴾
[فصلت: ٢٢] الآيَةَ، كانَ رَجُلانِ مِنْ قُرَيْشٍ وَخَتَنَّ لَهُما مِنْ ثَقِيفِ أوْ رَجُلانٍ مِنْ ثَقِيفٍ وَخَتَنٌ
لَهُما مِنْ قُرَيْشٍ فِي بَيْتٍ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَتَرَوْنَ أنَّ اللهَ يَسْمَعُ حَدِيثَنَا؟ قَالَ بَعْضُهُمْ: يَسْمَعُ
بَعْضَهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَثْنْ كانَ يَسْمَعُ بَعْضَهُ لَقَدْ يَسْمَعُ كُلَّهُ، فَأَنْزِلَتْ: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ
يَشْهَدَ عَلَيْكُمُ سَمْعُكُمْ وَلا أبْصَارُكُمْ﴾ [فصلت: ٢٢] الآيَةَ. [الحديث ٤٨١٦ - طرفاه في ٤٨١٧،
٧٥٢١].
وبه قال: (حدّثنا الصلت بن محمد) بفتح الصاد المهملة وبعد اللام الساكنة مثناة فوقية
الخاركي بالخاء المعجمة والراء المفتوحتين والكاف قال: (حدّثنا يزيد بن زريع) بضم الزاي مصغرًا
ابن الحارث البصري (عن روح بن القاسم) بفتح الراء وبعد الواو الساكنة حاء مهملة العنبري
بالنون والموحدة (عن منصور) هو ابن المعتمر (عن مجاهد) هو ابن جبر (عن أبي معمر) بميمين
مفتوحتين بينهما عين مهملة ساكنة عبد الله بن سخبرة الكوفي (عن ابن مسعود) رضي الله عنه أنه
قال في تفسير قوله تعالى: ((وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم﴾ الآية) وزاد أبو ذر بعد
قوله سمعكم ولا أبصاركم وسقط للأصيلي أن يشهد الخ (كان) ولأبوي ذر والوقت قال بدل كان
وللأصيلي وقال في نسخة قال: كان (رجلان من قريش) صفوان وربيعة ابنا أمية بن خلف ذكره
الثعلبي وتبعه البغوي (وختن لهما) بفتح الخاء المعجمة والفوقية بعدها نون كل من كان من قبل
المرأة كالأب والأخ وهم الأختان (من ثقيف) وفي نسخة من ثقيف بالخفض منوّنًا وهو عبد
ياليل بن عمرو بن عمير رواه البغوي في تفسيره وقيل حبيب بن عمرو حكاه ابن الجوزي وقيل
الأخنس بن شريق حكاه ابن بشكوال (أو رجلان من ثقيف) وفي نسخة ثقيف بالجر والتنوين
(وختن لهما من قريش في بيت) الشك من أبي معمر الراوي عن ابن مسعود، وأخرجه
عبد الرزاق من طريق وهب بن ربيعة عن ابن مسعود بلفظ ثقفي وختناه قرشيان فلم يشك،
وأخرجه مسلم من طريق عبد الرحمن بن يزيد عن ابن مسعود فقال ثلاثة نفر ولم ينسبهم، وعند
ابن بشكوال القرشي الأسود بن عبد يغوث الزهري والثقفيان الأخنس بن شريق والآخر لم يسم
(فقال بعضهم لبعض: أترون) بضم المثناة الفوقية (أن الله يسمع حديثنا؟ قال بعضهم): ولأبي ذر
فقال بزيادة فاء وللأصيلي وابن عساكر وقال بالواو بدل الفاء (يسمع بعضه) أي ما جهرنا به (وقال
بعضهم: لئن كان يسمع بعضه لقد يسمع كله) وبيان الملازمة كما قاله الكرماني أن نسبة جميع
المسموعات إليه واحدة فالتخصيص تحكم (فأنزلت ﴿وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم
ولا أبصاركم﴾ الآية).
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في التوحيد ومسلم في التوبة والترمذي في التفسير وكذا
النسائي.

٤٢
كتاب تفسير القرآن/ سورة السجدة
٢ - باب
﴿وَذلِكُمْ ظَنْكُمْ الَّذِي ظَنْتُمْ بِرَبَّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾
هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم﴾) أنه لا يعلم كثيرًا
مما تعملون (﴿أرداكم﴾) أي أهلككم أو طرحكم في النار (﴿فأصبحتم من الخاسرين﴾)
[فصلت: ٢٣] سقط لغير الأصيلي قوله الذي ظننتم الخ.
٤٨١٧ - حدثنا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيانُ، حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ عَنْ مُجاهِدٍ عَنْ أبِي مَعْمَرٍ، عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ الله عَنْهُ قالَ: أَجْتَمَعَ عِنْدَ الْبَيْتِ قُرَشِيَّانِ وَثَقَفِيٍّ أوْ ثَقَفِيَّانِ وَقُرَشِيٍّ كَثِيرَةٌ شَخْمُ
بُطُونِهِمْ، قَلِيلَةٌ فِقْهُ قُلُوبِهِمْ. فَقالَ أحَدُهُمْ: أَتْرَوْنَ أنَّ اللهَ يَسْمَعُ ما نَقُولُ؟ قالَ الآخَرُ: يَسْمَعُ إنْ
جَهَرْنا وَلا يَسْمَعُ إنْ أخْفَيْنا، وَقَالَ الآخَرُ: إنْ كانَ يَسْمَعُ إِذَا جَهَرْنا فَإِنَّهُ يَسْمَعُ إذَا أَخْفَيْنا. فَأَنْزَلَ
الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ﴾
[فصلت: ٢٢] الآيَةَ. وَكَانَ سُفْيَانُ يُحَدِّثُنَا بِهِذَا فَيَقُولُ: حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ أَوْ ابْنُ أبِي نَجِيحِ أوْ حُمَيْدٌ،
أحَدُهُمْ أوِ اثْنَانِ مِنْهُمْ، ثُمَّ ثَبَتَ عَلى مَنْصُورٍ، وَتَرَكَ ذلِكَ مِرارًا غَيْرَ واحِدَةٍ. قَوْلُهُ: ﴿فَإِنْ يَضْبِرُوا
فَالنَّارُ مَثْوَى لَهُمْ﴾ [فصلت: ٢٤] الآيَةَ.
وبه قال: (حدّثنا الحميدي) عبد الله بن الزبير قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة قال: (حدّثنا
منصور) هو ابن المعتمر (عن مجاهد) هو ابن جبر (عن أبي معمر) عبد الله بن سخبرة (عن
عبد الله) هو ابن مسعود (رضي الله عنه) أنه (قال: اجتمع عند البيت) الحرام (قرشيان وثقفي أو
ثقفيان وقرشي) بالشك وتقدم قريبًا أسماؤهم (كثيرة) بالتنوين (شحم بطونهم) بإضافة بطون لشحم
(قليلة) بالتنوين (فقه قلوبهم) بإضافة قلوب لفقه والتاء في كثيرة وقليلة. قال الكرماني: إما أن
يكون الشحم مبتدأ واكتسب التأنيث من المضاف إليه وكثيرة خبره وإما أن تكون التاء للمبالغة نحو
رجل علامة وفيه إشارة إلى أن الفطنة قلما تكون مع البطنة (فقال أحدهم: أترون) بضم التاء (أن
الله يسمع ما نقول؟ قال الآخر: يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا، وقال الآخر: إن كان
يسمع إذا جهرنا فإنه يسمع إذا أخفينا) قال في الفتح: فيه إشعار بأن هذا الثالث أفطن أصحابه
وأخلق به أن يكون الأخنس بن شريق لأنه أسلم بعد ذل وكذا صفوان بن أمية (فأنزل الله عز
وجل: ﴿وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم﴾ الآية) إلى
آخرها. قال الحميدي عبد الله بن الزبير (وكان سفيان) بن عيينة (يحدّثنا بهذا) الحديث (فيقول:
حدّثنا منصور) هو ابن المعتمر (أو ابن أبي نجيح) بفتح النون وكسر الجيم وبعد التحتية الساكنة
مهملة عبد الله (أو حميد) بضم الحاء مصغرًا ابن قيس أبو صفوان الأعرج مولى عبد الله بن الزبير
(أحدهم أو اثنان منهم ثم ثبت على منصور وترك ذلك مرارًا غير واحدة) وللأصيلي غير مرة
واحدة .

٤٣
كتاب تفسير القرآن/ سورة الشورى
(قوله) تعالى: (﴿فإن يصبروا فالنار مثوى لهم﴾﴾ [فصلت: ٢٤] (الآية) أي سكن لهم أي
أن أمسكوا عن الاستغاثة لفرج ينتظرونه لم يجدوا ذلك وتكون النار مقامًا لهم وسقطت الآية كلها
لأبي ذر.
١٠٠٠ - هذّثنا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا يَحيى حَدَّثَنَا سُفْيانُ الثَّوْرِيّ، قَالَ: حَدْثَنِي مَنْصُورٌ
عَنْ مُجاهِدٍ عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بِنَحْوِهِ.
وبه قال: (حدّثنا عمرو بن علي) بفتح العين وسكون الميم ابن بحر الصيرفي البصري قال:
(حدّثنا يحيى) هو ابن سعيد القطان قال: (حدّثنا سفيان الثوري قال: حدّثني) بالإفراد (منصور)
هو ابن المعتمر (عن مجاهد) هو ابن جبر (عن أبي معمر) عبد الله بن سخبرة (عن عبد الله) هو ابن
مسعود (بنحوه) أي بنحو الحديث السابق ولأبي ذر والأصيلي نحوه بإسقاط حرف الجر.
[٤٢] سورة حَم عسَّقَ
وَيُذْكَّرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿عَقِيمًا﴾: لا تَلِدُ. ﴿رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾: الْقُرْآنُ. وَقَالَ مُجاهِدٌ
﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾: نَسْلٌ بَعْدَ نَسْلِ. ﴿لا حُجَّةَ بَيْنَنا﴾: لا خُصُومَةَ. طَرْفٍ خَفِيٍّ: ذَلِيلٍ. وَقَالَ
غَيْرُهُ: فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ: يَتَحَرَّكْنَ وَلا يَجْرِينَ فِي الْبَحْرِ. ﴿شَرَعُوا﴾: ابْتَدَعُوا.
([٤٢] سورة حَم عسَقّ)
مكية ثلاث وخمسون آية. (ويذكر) بضم أوله وفتح ثالثه ولأبي ذر بسم الله الرحمن الرحيم
قال البخاري: يذكر بإسقاط العاطف (عن ابن عباس) فيما وصله ابن أبي حاتم والطبري
(﴿عقيمًا﴾) في قوله: ﴿ويجعل من يشاء عقيمًا﴾ [الشورى: ٥٠] أي (لا تلد) ولأبي ذر التي لا
تلد.
(﴿روحًا من أمرنا﴾﴾ [الشورى: ٥٢] قال ابن عباس فيما رواه ابن أبي حاتم هو (القرآن)
لأن القلوب تحيا به.
(وقال مجاهد) فيما وصله الفريابي في قوله تعالى: (﴿يذرؤكم فيه﴾) [الشورى: ١١] بالذال
المعجمة (نسل بعد نسل) أي يخلقكم في الرحمن وقال القتبي أي في الروح وخطأ من قال في
الرحم لأنها مؤنثة.
(﴿لا حجة بيننا﴾) [الشورى: ١٥] أي (لا خصومة) ولأبي ذر لا حجة بيننا وبينكم لا
خصومة بيننا وبينكم. قال في اللباب: وهذه الآية نسختها آية القتال، وقال في الأنوار: لا حجة
بيننا وبينكم لا حجاج بمعنى لا خصومة إذ الحق قد ظهر ولم يبق للمحاجة مجال ولا للخلاف
مبدأ سوى العناد وليس في الآية ما يدل على متاركة الكفار رأسًا حتى تكون منسوخة بآية القتال.

٤٤
كتاب تفسير القرآن/ سورة الشورى
(طرف) ولأبي ذر من طرف (خفي) أي (ذليل) بالمعجمة كما ينظر المصبور إلى السيف؛ فإن
قلت: إنه تعالى قال في صفة الكفار إنهم يحشرون عميًا، وقال هنا ينظرون من طرف خفي؟
أجيب: بأنه لعلهم یکونون في الابتداء کذلك ثم يصيرون عميًا.
(وقال غيره) غير مجاهد: (فيظللن رواكد على ظهره) أي (يتحركن) يعني يضطربن بالأمواج
(ولا يجرين في البحر) لسكون الربح وقول صاحب المصابيح كأنه سقط منه لا يعني قبل يتحركن
ولهذا فسر رواكد بسواكن يندفع بما سبق.
(﴿شرعوا﴾) في قوله تعالى: ﴿أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين﴾ [الشورى: ٢١] أي
(ابتدعوا) وهذا قول أبي عبيدة وهذا ساقط لأبي ذر.
١ - باب قَوْلِهِ: ﴿إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى﴾
(باب قوله) تعالى: (﴿إلا المودة في القربى)) [الشورى: ٢٣] أي أن توذوني لقرابتي منكم
أو تودوا أهل قرابتي وقيل الاستثناء منقطع إذ ليست المودة من جنس الأجر والمعنى: لا أسألكم
أجرًا قطّ ولكن أسألكم المودة وفي القربى حال منها أي إلا المودة ثابتة في ذوي القربى متمكّنة في
أهلها أو في حق القرابة ومن أجلها قاله في الأنوار، فإن قلت: لا نزاع أنه لا يجوز طلب الأجر
على تبليغ الوحي. أجيب بأنه من باب قوله:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب
يعني: أنا لا أطلب منكم إلا هذا وهذا في الحقيقة ليس أجرًا لأن حصول المودّة بين
المسلمين أمر واجب وإذا كان كذلك فهو في حق أشرف الخلق أولى فقوله: ﴿إلا المودة في
القربى﴾ تقديره والمودة في القربى ليست أجرًا فرجع الحاصل إلى أنه لا أجر البتة.
٤٨١٨ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ
مَيْسَرَةَ قالَ: سَمِعْتُ طاؤُسًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: رَضِيَ الله تَعالى عَنْهُما أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿إِلاَّ
الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى﴾ [الشورى: ٢٣] فَقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: قُرْبِى آلِ مُحَمَّدٍ وَِّهِ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ:
عَجِلْتَ، إِنَّ النَّبِيَّ وَّهِ لَمْ يَكُنْ بَطْنٌّ مِنْ قُرَيْشٍ إلاَّ كانَ لَهُ فِيهِمْ قَرابَةٌ، فَقالَ: ((إلاَّ أنْ تَصِلُوا ما بَيْنِي
وَبَيْنَكُمْ مِنَ الْقَرَابَةِ)).
وبه قال: (حدّثنا محمد بن بشار) العبدي البصري أبو بكر بندار قال: (حدّثنا محمد بن
جعفر) الهذلي البصري المعروف بغندر قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن عبد الملك بن ميسرة)
ضد الميمنة الهلالي الكوفي أنه (قال سمعت طاوسًا) هو ابن كيسان اليماني (عن ابن عباس رضي
الله تعالى عنهما أنه سئل عن قوله) تعالى: (﴿إلا المودة في القربى﴾ فقال سعيد بن جبير: قربى آل
محمد ﴿) فحمل الآية على أمر المخاطبين بأن يوادوا أقاربه بَ لتر وهو عام لجميع المكلفين (فقال ابن

٤٥
كتاب تفسير القرآن/ سورة الزخرف
عباس) لسعيد (عجلت) بفتح العين وكسر الجيم وسكون اللام أي أسرعت في تفسيرها (إن
النبي ◌َّر لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة فقال):
(إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة) فحمل الآية على أن توادّوا النبي بَّر من أجل
القرابة التي بينه وبينكم فهو خاص بقريش ويؤيده أن السورة مكية، وأما حديث ابن عباس أيضًا
عند ابن أبي حاتم قال: لما نزلت هذه الآية ﴿قل لا أسألكم عليه أجرًا إلا المودة في القربى﴾
[الشورى: ٢٣] قالوا: يا رسول الله من هؤلاء الذين أمر الله بمودّتهم؟ قال: فاطمة وولدها
عليهم السلام. فقال ابن كثير: إسناده ضعيف فيه متهم لا يعرف إلا عن شيخ شيعي مخترق وهو
حسين الأشقر ولا يقبل خبره في هذا المحل، والآية مكية ولم يكن إذ ذاك لفاطمة أولاد بالكلية
فإنها لم تتزوج بعلي إلا بعد بدر من السنة الثانية من الهجرة وتفسير الآية بما فسر به حبر الأمة
وترجمان القرآن ابن عباس أحق وأولى، ولا تنكر الوصاة بأهل البيت واحترامهم وإكرامهم إذ هم
من الذرية الطاهرة التي هي أشرف بيت وجد على الأرض فخرًا وحسبًا ونسبًا ولا سيما إذا كانوا
متبعين للسُّنّة الصحيحة كما كان عليه سلفهم كالعباس وبنيه علي وآل بيته وذريته رضي الله عنهم
أجمعین ونفعًا بمحبتهم.
[٤٣] سورة حَم الزُّخْرُفِ
وَقَالَ مُجاهِدٌ: ﴿عَلى أُمَّةٍ﴾ُ عَلى إمام. ﴿وَقِيلَهُ يا رَبِّ﴾ تَفْسِيرُهُ: أَيَحْسَبُونَ أنَّا لا نَسْمَعُ
سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَلاَ نَسْمَعُ قِيلَهُمْ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾: لَوْلا
أنْ جَعَلَ النَّاسَ كُلَّهُمْ كُفَّارًا، لَجَعَلْتُ لِبُيُوتِ الْكُفَّارِ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ مِنْ فِضَّةٍ. وَهِيَ دَرَجْ،
وَسُرُرَ فِضَّةٍ. ﴿مُقْرِنِينَ﴾: مُطِيقينَ. ﴿آسَفُونا﴾: أسْخَطُونا. ﴿يَعْشُ﴾: يَعْمى. وَقَالَ مُجاهِدٌ
﴿أَفَتَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ﴾: أيْ تُكَذِّبُونَ بِالْقُرْآنِ ثُمَّ لا تُعاقَبُونَ عَلَيْهِ؟ ﴿وَمَضى مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾: سُنَّةُ
الأوَّلِينَ. ﴿مُقْرِنِينَ﴾: يَعْنِي الإِبْلَ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ. ﴿يَنْشَأُ فِي الْحِلْيَةِ﴾: الْجَوَارِي
جَعَلْتُمُوهُنَّ لِلرَّحْمْنِ وَلَدًا ﴿فَكَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾. ﴿لَوْ شاءَ الرَّحْمُنُ ما عَبَدْنَاهُمْ﴾ يَعْنُونَ الأوثانَ،
يَقُولُ الله تَعالى: ﴿مَا لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ الأوْثانُ، إِنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ. ﴿فِي عَقِبِهِ﴾: وَلَدِهِ.
﴿مُقْتَرِنِين﴾: يَمْشُونَ مَعًا. ﴿سَلَفًا﴾ قَوْمُ فِرْعَوْنَ سَلَفًا لِكُفَّارِ أُمَّةٍ مُحَمَّدٍ وَِّ. ﴿وَمَثَلاً﴾: عِبْرَةً.
﴿يَصِدُّونَ﴾: يَضِجُونَ. ﴿مُبْرِمُونَ﴾: مُجْمِعُونَ. ﴿أوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾: أوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ. ﴿إِنَّنِي بَراءٌ
مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ الْعَرَبُ تَقُولُ: نَحْنُ مِنْكَ الْبَراءُ وَالْخَلاءُ، الْوَاحِدُ وَالإِثْنَانِ وَالْجَمِيعُ مِنَ الْمُذَكَّرِ
وَالْمُؤَنَّثِ يُقالُ فِيهِ بَراءٌ لِأَنْهُ مَصْدَرٌ، وَلَوْ قالَ: ﴿بَرِيءٌ﴾ لَقِيلَ فِي الإِثْنَيْنِ بَرِيئانِ وَفِي الْجَمِيعِ
بَرِيثُونَ وَقَرَأْ عَبْدُ الله إنَّنِي بَرِيءٌ بِالْياءِ. وَالزُّخْرُفُ الذَّهَبُ. ﴿مَلائِكَةً يَخْلُفُونَ﴾: يَخْلُفُ بَعْضُهُمْ
بَعْضًا. قَوْلُهُ: ﴿وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُون﴾ .

٤٦
كتاب تفسير القرآن/ سورة الزخرف
([٤٣] سورة حم الزخرف
مكية إلا قوله: ﴿واسأل من أرسلنا﴾ وآيها تسع وثمانون ولأبي ذر سورة حّم الزخرف، وله
ولابن عساكر بسم الله الرحمن الرحيم وسقطت لغيرهما.
(وقال مجاهد) في قوله: (﴿على أمة﴾)، من قوله: ﴿إنا وجدنا آباءنا على أمة﴾
[الزخرف: ٢٢] أي (على إمام) كذا فسره أبو عبيدة عند عبد بن حميد عن مجاهد على ملة وعن
ابن عباس عند الطبري علی دین.
(﴿وقيله يا رب﴾) [الزخرف: ٨٨] (تفسير: أيحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم ولا
نسمع قيلهم) وهذا يقتضي الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بجمل كثيرة.
قال الزركشي: فينبغي حمل كلامه على أنه أراد تفسير المعنى ويكون التقدير ويعلم قيله وهذا
يرده ما حكاه السفاقسي من إنكار بعضهم لهذا وقال إنما يصح ذلك أن لو كانت التلاوة
وقيلهم . اهـ.
وقيل: عطف على مفعول يكتبون المحذوف أي يكتبون ذلك ويكتبون قيله كذا أو على
مفعول يعلمون المحذوف أي يعلمون ذلك ويعلمون قيله أو أنه مصدر أي قال قيله أو بإضمار
فعل أي الله يعلم قيل رسول الله ﴿ شاكيًا إلى ربه يا رب، وقرأ عاصم وحمزة بخفض اللام
وكسر الهاء وصلتها بياء عطفًا على الساعة أي عنده علم قيله والقول والقال والقيل بمعنى واحد
جاءت المصادر على هذه الأوزان.
(وقال) ولأبي ذر قال: (ابن عباس) فيما وصله ابن أبي حاتم والطبري من طريق علي بن أبي
طلحة عنه في قوله: (﴿ولولا أن يكون الناس أمة واحدة﴾﴾ [الزخرف: ٣٣] أي (لولا أن جعل)
بلفظ الماضي وللأصيلي أن يجعل بصيغة المضارع بالياء التحتية ولأبي ذر وابن عساكر أن أجعل
(الناس كفارًا لجعلت لبيوت الكفار) ولأبي ذر عن الحموي بيوت الكفار (سقفًا) بفتح السين
وسكون القاف على إرادة الجنس وهي قراءة أبي عمرو وابن كثير ولأبي ذر سقفًا بضمهما على
الجمع وهي قراءة الباقين (من فضة ومعارج) جمع معرج (من فضة وهي درج وسرر فضة) جمع
سرير وهل قوله من فضة يشمل المعارج والسّرر وعن الحسن فيما رواه الطبري من طريق عوف
عنه قال كفارًا يميلون إلى الدنيا وقد مالت الدنيا بأكثر أهلها وما فعل فكيف لو فعل وقال في
الأنوار لولا أن يرغبوا في الكفر إذا رأوا الكفار في سعة وتنعمهم لحبهم الدنيا فيجتمعوا عليه
لجعلنا .
((مقرنين﴾). في قوله تعالى: ﴿سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين﴾
[الزخرف: ١٣] أي (مطيقين) من أقرن الشيء إذا أطاقه ومعنى الآية ليس عندنا من القوّة والطاقة
أن نقرن هذه الدابة والفلك أو نضبطها فسبحان مَن سخر لنا هذا بقدرته وحكمته.

٤٧
كتاب تفسير القرآن/ سورة الزخرف
(﴿آسفونا﴾) أي (أسخطونا) قاله ابن عباس فيما وصله ابن أبي حاتم، وقيل أغضبونا
بالإفراط في العناد والعصيان وهذا من المتشابهات فيؤوّل بإرادة العقاب.
(﴿يعش﴾) بضم الشين قال ابن عباس فيما وصله ابن أبي حاتم عن عكرمة عنه أي (بعمى)
لكن قال أبو عبيدة من قرأ بضم الشين فمعناه أنه تظلم عينه ومن فتحها فمعناه تعمى عينه، وقال
في الأنوار: ﴿ومَن يعش عن ذكر الرحمن﴾ [الزخرف: ٣٦] يتعامى ويعرض عنه بفرط اشتغاله
بالمحسوسات وانهماكه في الشهوات وقرىء يعش بالفتح أي يعمى يقال عشي إذا كان في بصره
آفة وعشي إذا تعشى بلا آفة كعرج وعرج اهـ.
وقول ابن المنير في الانتصاف وفي الآية نكتتان إحداهما أن النكرة في سياق الشرط تعم
وفي ذلك اضطراب للأصوليين وإمام الحرمين يختار العموم وبعضهم حمل كلامه على العموم البدلي
لا الاستغراقي، فإن كان مراده عموم الشمول فالآية حجة له من وجهين لأنه نكر الشيطان ولم يرد
إلا الكل لأن كل إنسان له شيطان فكيف بالعاشي عن ذكر الله والثاني أنه أعاد الضمير مجموعًا في
قوله: ﴿وإنهم ليصدونهم عن السبيل﴾ [الزخرف: ٣٧] ولولا عموم الشمول لما جاز عود الضمير
على واحد تعقبه العلاّمة البدر الدماميني فقال في كلِّ من الوجهين اللذين أبداهما نظر، أما الأول
فلا نسلم أنه أراد كل شيطان بل المقصود أنه قيض لكل فرد من العاشين عن ذكر الله شيطان
واحد لا كل شيطان وذلك واضح، وأما الثاني فعود ضمير الجماعة على شيء ليس بينه وبين
العموم الشمولي تلازم بوجه وعود الضمير في الآية بصيغة ضمير الجماعة إنما كان باعتبار تعدّد
الشياطين المفهومة مما تقدم إذ معناه على ما قررناه أن كل عاش له شيطان فبهذا الاعتبار جاء
التعديل فعاد الضمير كما يعود على الجماعة.
(وقال مجاهد) مما وصله الفريابي في قوله: (﴿أفنضرب عنكم الذكر﴾ [الزخرف: ٥] أي
تكذبون بالقرآن ثم لا تعاقبون عليه) وقال الكلبي أفنترككم سدّى لا نأمركم ولا ننهاكم.
(﴿ومضى مثل الأوّلين﴾﴾ [الزخرف: ٨] أي (سُنّة الأوّلین) قاله مجاهد فيما وصله الفريابي
أيضًا.
(﴿مقرنين﴾) وللأصيلي وما كنا له مقرنين (يعني الإبل والخيل والبغال والحمير) وهو تفسير
للمراد بالضمير في له.
(﴿ينشأ في الحلية﴾) أي (الجواري) اللاتي ينشأن في الزينة أي النبات (جعلتموهن)
وللأصيلي وأبي ذر يقول جعلتموهن (للرحمن ولد ﴿فكيف تحكمون﴾) بذلك ولا ترضونه
لأنفسكم.
(﴿لو شاء الرحمن ما عبدناهم﴾﴾ [الزخرف: ٢٠] (يعنون الأوثان) وقال قتادة يعنون الملائكة
والمعنى وإنما لم يعجل عقوبتنا على عبادتنا إياهم لرضاه منا بعبادتها (يقول الله تعالى) وللأصيلي

٤٨
كتاب تفسير القرآن/ سورة الزخرف
بقول الله تعالى بالموحدة ولأبي ذر وابن عساكر لقول الله عز وجل (﴿ما لهم بذلك من علم﴾) أي
(الأوثان أنهم لا يعلمون) نزل الأوثان منزلة مَن يعقل ونفى عنهم علم ما يصنع المشركون من
عبادتهم وقيل الضمير للكفار أي ليس لهم علم ما ذكروهم من قولهم إن الله رضي عنا لعبادتنا
وسقط للأصيلي أنهم.
(﴿في عقبه﴾) أي (ولده) فيكون منهم أبدًا مَن يوحّد الله ويدعو إلى توحيده.
(﴿مقترنين﴾) أي (يمشون معًا) قاله مجاهد أيضًا.
(﴿سلفًا﴾) في قوله: ﴿فجعلناهم سلفًا ومثلاً للآخرين﴾ [الزخرف: ٥٦] هم (قوم فرعون
سلفًا لكفار أمة محمد زهير ﴿ومثلاً﴾) أي (عبرة) لهم.
(﴿يصدّون﴾) بكسر الصاد أي (يضجون) وقرأ نافع وابن عامر والكسائي بضم الصاد فقيل
هما بمعنى واحد وهو الضجيج واللغط وقيل الضم من الصدود وهو الإعراض.
(﴿مبرمون﴾) في قوله تعالى: ﴿أم أبرموا أمرًا فإنا مبرمون﴾ [الزخرف: ٧٩] أي (مجمعون)
وقیل محكمون.
(﴿أوّل العابدين﴾) أي (أوّل المؤمنين) قاله مجاهد أيضًا.
(﴿إنني﴾) ولأبي ذر والأصيلي وقال غيره أي غير مجاهد: إنني (﴿براء مما تعبدون﴾)
[الزخرف: ٢٦] (العرب تقول نحن منك البراء) منك (والخلاء) منك (والواحد والاثنان والجميع
من المذكر والمؤنث يقال فيه براء) بلفظ واحد (لأنه مصدر) في الأصل وقع موقع الصفة وهي
بريء (ولو قال) ولأبي ذر ولو قيل (﴿بريء﴾ لقيل في الاثنين بريئان وفي الجميع بريئون) وأهل
نجد يقولون أنا بريء وهي بريئة ونحن برآء (وقرأ عبد الله) يعني ابن مسعود (إنني بريء بالياء)
وصله الفضل بن شاذان في كتاب القراءة عنه.
(والزخرف) في قوله: ﴿ولبيوتهم أبوابًا وسررًا عليها يتكئون وزخرفًا﴾ [الزخرف: ٣٤] هو
(الذهب) قاله قتادة وفي قراءة عبد الله بن مسعود أو يكون لك بيت من ذهب.
(﴿ملائكة﴾) في قوله تعالى: ﴿ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض﴾ [الزخرف: ٦٠]
(﴿يخلفون﴾) أي (يخلف بعضهم بعضًا) قاله قتادة فيما أخرجه عبد الرزاق وزاد في آخره مكان
ابن آدم ومن في قوله منکم بمعنی بدل أي بدلكم أو تبعیضیة أي لولدنا منكم يا رجال ملائكة
في الأرض يخلفونكم كما تخلفكم أولادكم كما ولدنا عيسى من أُنثى دون ذكر.
(قوله: ﴿ونادوا﴾) ولأبي ذر باب بالتنوين ونادوا (﴿يا مالك ليقض علينا ربك﴾) ليمتنا
لنستريح ﴿قال﴾ مالك مجيبًا لهم بعد ألف سنة أو أربعين أو مائة ﴿إنكم ماكثون﴾
[الزخرف: ٧٧] مقيمون في العذاب لا خلاص لكم منه بموت ولا بغيره وسقط قوله قال إنكم

٤٩
كتاب تفسير القرآن/ سورة الزخرف
ماکثون لغير أبي ذر وابن عساكر وقال الآية.
٤٨١٩ - حدثنا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهالٍ، حَدَّثَنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرٍو عَنْ عَطاءٍ عَنْ
صَفْوانَ بْنِ يَعْلى، عَنْ أَبِيهِ قالَ: سَمِعْتُ النَّبِيِّ ◌َّهِ يَقْرَأُ عَلَى الْمِنْبَرِ ﴿وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا
رَبُّكَ﴾. وَقالَ قَتَادَةُ: ﴿مَثَلَاً لِلْآخِرِينَ﴾ عِظَةً لِمَنْ بَعْدَهُمْ. وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿مُقْرِنِينَ﴾ ضابِطِينَ يُقالُ:
فُلانٌ مُقْرِنٌ لِفُلانٍ ضابِطْ لَهُ. وَالأكْوابُ: الأبارِيشُ الَّتِي لا خَراطِيمَ لَها. وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿فِي أُمّ
الْكِتَابِ﴾ جُمْلَةِ الْكِتَابِ أصْلِ الْكِتَابِ. ﴿أوَّلُ الْعابِدِينَ﴾ أيْ ما كانَ فَأَنَا أوَّلُ الآنِفِينَ. وَهُما
لُغَتانِ، رَجُلٌ عابِدٌ وَعَبِدٌ. وَقَرَأْ عَبْدُ الله. ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ﴾ وَيُقالُ أوَّلُ الْعابِدِينَ
الْجَاحِدِينَ. مِنْ عَبِدَ يَعْبَدُ ﴿أَفَتَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا إِنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِين﴾ [الزخرف: ٥]
مُشْرِكِينَ وَالله لَوْ أنَّ هَذَا الْقُرْآنَ رُفِعَ حَيْثُ رَدَّهُ أوائِلُ هذِهِ الأمَّةِ لَهَلَكُوا. ﴿فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بطشًا.
وَمَضَى مَثَلُ الأوّلِينَ﴾ [الزخرف: ٨] عُقُوبَةُ الأوَّلِينَ. ﴿جُزْءًا﴾ عِذْلاً.
وبه قال: (حدّثنا حجاج بن منهال) بكسر الميم الأنماطي السلمي مولاهم البصري قال:
(حدّثنا سفيان بن عيينة) الهلالي الكوفي ثم المكي الإمام الحجة (عن عمرو) هو ابن دينار (عن
عطاء) هو ابن أبي رباح (عن صفوان بن يعلى عن أبيه) يعلى بن أمية التميمي حليف قريش واسم
أمه منية بضم الميم وسكون النون وفتح التحتية أنه (قال: سمعت النبي ◌َّفه يقرأ على المنبر:
(﴿ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك﴾) وقرىء يا مال بكسر اللام على الترخيم وفيه إشعار بأنهم
لضعفهم لا يستطيعون تأدية اللفظ بالتمام.
فإن قلت: كيف قال ونادوا يا مالك بعدما وصفهم بالإبلاس؟ أجيب: بأنها أزمنة متطاولة
وأحقاب ممتدة فتختلف بهم الأحوال فيسكتون أوقاتًا لغلبة اليأس عليهم ويستغيثون أوقاتًا لشدة
ما بهم.
وهذا الحديث ذكره في باب صفة النار من بدء الخلق.
(وقال قتادة) في قوله تعالى: ((مثلاً﴾) من قوله تعالى: ﴿فجعلناهم سلفًا ومثلاً﴾
(﴿للآخرين﴾) أي (عظة لمن بعدهم) والعظة الموعظة وثبت قوله لمن بعدهم لأبي ذر.
(وقال غيره) أي غير قتادة في قوله: (﴿مقرنين﴾) من قوله تعالى: ﴿وما كنا له مقرنين﴾
السابق ذكره أي (ضابطين يقال فلان مقرن لفلان) أي (ضابط له) قاله أبو عبيدة.
(والأكواب) هي (الأباريق التي لا خراطيم لها) وقيل لا عراوي لها ولا خراطيم معًا قال
الجواليقي ليتمكن الشارب من أين شاء فإن العروة تمنع من ذلك.
(وقال قتادة) فيما رواه عبد الرزاق (﴿في أم الكتاب﴾ جملة الكتاب أصل الكتاب) وأم كل
شيء أصله والمراد المحفوظ لأنه أصل الكتب السماوية وسقط قوله وقال قتادة الخ لغير أبي ذر.
إرشاد الساري/ ج ١١ / م ٤

٥٠
كتاب تفسير القرآن/ سورة الزخرف
(﴿أول العابدين﴾) في قوله تعالى: ﴿قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين﴾
[الزخرف: ٨١] السابق تفسيره قريبًا عن مجاهد بأول المؤمنين وفسره هنا بقوله (أي ما كان) يريد
أن إن في قوله إن كان نافية لا شرطية ثم أخبر بقوله: ﴿فأنا أول العابدين﴾ أي الموحدين من
أهل مكة أن لا ولد له وتكون الفاء سببية ومنع مكي أن تكون نافية قال لأنه يوهم أنك إنما
نفيت عن الله الولد فيما مضى دون ما هو آتٍ وهذا محال ورد عليه بأن كان قد تدل على الدوام
كقوله تعالى: ﴿وكان الله غفورًا رحيمًا﴾ وعن ابن عباس فيما رواه الطبري قال يقول لم يكن
للرحمن ولد وقيل إن شرطية على بابها واختلف في تأويله فقيل إن صح ذلك فأنا أول من يعبده
لكنه لم يصح البتة بالدليل القاطع وذلك أنه علق العبادة بكينونة الولد وهي محال في نفسها فكان
المعلق بها مُحالاً مثلها فهو في صورة إثبات الكينونة والعبادة وفي معنى نفيهما على أبلغ الوجوه
وأقواها كذا قرره في الكشاف (فأنا أوّل الآنفين) أي المستنكفين وهذا تفسير قوله أول العابدين لأنه
مشتق من عبد بكسر الموحدة إذا أنف واشتدت أنفته (وهما) أي عابد وعبد (لغتان) يقال (رجل
عابد وعبد) بكسر الموحدة في ضبط الدمياطي والفرع وغيرهما وقال ابن عرفة يقال عبد بالكسر
يعبد بالفتح فهو عبد وقلما يقال عابد والقرآن لا يجيء على القليل ولا الشاذ ومراده أن تخريج من
قال إن العابدين بمعنى الآنفين لا يصح وقال الإمام فخر الدين وهذا التعليق فاسد لأن هذه الآنفة
حاصلة سواء حصل ذلك الزعم والاعتقاد أو لم يحصل.
(وقرأ عبد الله) يعني ابن مسعود (﴿وقال الرسول يا رب﴾) أي موضع قوله تعالى (وقبله با
رب) السابق ذكره قريبًا وهي قراءة شاذة مخالفة لخط المصحف (ويقال أول العابدين) أي
(الجاحدين) يقال عبدني حقي أي جحدنيه (من عبد) بكسر الموحدة (يعبد) بفتحها كذا فيما وقفت
عليه من الأصول وقال السفاقسي ضبطوه هنا بفتح الباء في الماضي وضمها في المستقبل قال ولم
يذكر أهل اللغة عبد بمعنى جحد ورد عليه بما ذكره محمد بن عزيز السختياني صاحب غريب
القرآن من أن معنى العابدين الجاحدين وفسر على هذا إن كان له ولد فأنا أول الجاحدين.
وهذا معروف من قول العرب إن كان هذا الأمر قط يعني ما كان وقال السدي معناه لو
كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين أي من عبده بذلك ولكن لا ولد له وثبت هنا قوله وقال قتادة
في أم الكتاب جملة الكتاب أصل الكتاب السابق قريبًا في رواية غير أبي ذر.
(﴿أفتضرب عنكم الذكر صفحًا أن كنتم قومًا مسرفين﴾﴾ [الزخرف: ٥] بفتح الهمزة أي
لأن كنتم. قال في الأنوار. وهو في الحقيقة علة مقتضية لترك الإعراض، وقرأ نافع وحمزة
والكسائي بكسرها على أنها شرطية وإسرافهم كان متحققًا وأن إنما تدخل على غير المحقق أو
المحقق المبهم الزمان وأجاب في الكشاف بأنه من الشرط الذي يصدر عن المدلي بصحة الأمر
والمتحقق لثبوته كقول الأجير إن كنت عملت لك عملاً فوفني حقي وهو عالم بذلك ولكنه يخيل
في كلامه أن تفريطك في إيصال حقي فعل من له شك في استحقاقه إياه تجهيلاً له وقيل المعنى

٥١
كتاب تفسير القرآن/ سورة الدخان
على المجازاة والمعنى أفنضرب عنكم الذكر صفحًا متى أسرفتم أي إنكم متروكون من الإنذار متى
كنتم قومًا مسرفين أي (مشركين) سقط مشركين لأبي ذر (والله لو أن هذا القرآن رفع حيث رده
أوائل هذه الأمة لهلكوا) قاله قتادة فيما وصله ابن أبي حاتم وزاد ولكن الله عاد عليهم بعائدته
ورحمته فكرره عليهم ودعاهم إليه وزاد غير ابن أبي حاتم عشرين سنة أو ما شاء الله.
(﴿فأهلكنا أشد منهم بطشًا﴾﴾ [الزخرف: ٨] أي من القوم المسرفين.
(﴿ومضى مثل الأولين﴾﴾ [الزخرف: ٨] أي (عقوبة الأولين) قاله قتادة فيما وصله
عبد الرزاق.
(﴿جزءًا﴾) في قوله تعالى: ﴿وجعلوا له من عباده جزءًا﴾ [الزخرف: ١٥] أي (عدلاً)
بكسر العين وسكون الدال وفي آل ملك عدلاً بفتح العين وسكون الدال أي مثلاً فالمراد بالجزء هنا
إثبات الشركاء لله تعالى لأنهم لما أثبتوا الشركاء زعموا أن كل العبادة ليست لله بل بعضها جزء له
تعالى وبعضها جزء لغيره، وقيل معنى الجعل أنهم أثبتوا لله ولدًا لأن ولد الرجل جزء منه والأول
أولى لأنّا إذا حملنا الآية على إنكار الشريك لله والآية اللاحقة على إنكار الولد كان ذلك جامعًا للرد
على جميع المبطلين.
[٤٤] سورة الدُّخان
﴿بِسْمِ الله الرَّحْمُنِ الرَّحِيمِ﴾ وَقَالَ مُجاهِدٌ ﴿رَهْوًا﴾: طريقًا يابسًا. ﴿عَلَى العالَمِينَ﴾: عَلى
مَن بَيْنَ ظَهْرَيْهِ. ﴿فَاعْتِلُوهُ﴾: آدْفَعُوهُ. ﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ﴾: أنكَخْناهُمْ حُورًا عينًا يَحارُ الطَّرْفُ.
﴿تَرْجُمُونٍ﴾: الْقَتْلُ. وَرَهْوَا: ساكِنَا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسِ ﴿كَالْمُهْلِ﴾: أَسْوَدُ كَمُهْلِ الزَّيْتِ. وَقَالَ
غَيْرُهُ ﴿تَبْعِ﴾ مُلُوكُ الْيَمَنِ، كُلُّ واحِدٍ مِنْهُمْ يُسَمَّى تُبَّعًا لأنَّهُ يَتْبَعُ صاحِبَهُ، وَالظُّلُّ يُسَمَّى تُبَّعًا لأَنَّهُ
يَتْبَعُ الشَّمْسَ.
([٤٤] سورة الدخان)
مكية إلا قوله: ﴿إنّا كاشفو العذاب﴾ الآية وهي سبع أو تسع وخمسون آية، ولأبي ذر:
سورة حّم الدخان (بسم الله الرحمن الرحيم) سقطت البسملة لغير أبي ذر.
(وقال مجاهد) فيما وصله الفريابي (﴿رهوًا﴾) في قوله تعالى: ﴿واترك البحر رهوًا﴾
[الدخان: ٢٤] أي (طريقًا يابسًا) زاد الفريابي كهيئته يوم ضربه وزاد أبو ذر ويقال رهوًا ساكنًا
يقال الخيل رهوًا أي ساكنة قال النابغة:
والخيل تمرح رهوّا في أعنتها كالطير ينجو من الشؤبوب ذي البرد
وعن أبي عبيدة رهوًا منفتحًا فرجًا على ما تركته روي أنه لما انفلق البحر لموسى وطلع منه

٥٢
كتاب تفسير القرآن/ سورة الدخان
خاف أن يدركه فرعون فأراد أن يضربه ليعود حتى لا يلحقه فقيل له اتركه إنهم جند مغرقون.
(﴿على العالمين﴾) ولأبي ذر على علم على العالمين (على من بين ظهريه) أي اخترنا مؤمني بني
إسرائيل على عالمي زمانهم.
(﴿فاعتلوه﴾) في قوله ﴿خذوه فاعتلوه﴾ [الدخان: ٤٧] أي (ادفعوه) دفعًا عنيفًا.
﴿وزوجناهم بحور﴾ [الدخان: ٥٤] (أنكحناهم) ولأبي ذر بحور عين أنكحناهم (حورًا عينًا
يحار فيها الطرف) والعين جمع عيناء العظيمة العينين من النساء الواسعتهما وليس المراد عقد التزويج
ولأبي ذر هنا فاعتلوه ادفعوه.
ويقال أن (﴿ترجمون﴾) في قوله: ﴿وإني عذت بربي وربكم أن ترجمون﴾ [الدخان: ٢٠]
المراد بالرجم هنا (القتل) وقال ابن عباس ترجمون بالقتل وهو الشتم يقولون هو ساحر وقال قتادة
بالحجارة: (ورهوا ساكنًا) كذا هو هنا في اليونينية وفرعها وسبق ذكره لأبي ذر.
(وقال ابن عباس) فيما رواه ابن أبي حاتم في (﴿كالمهل﴾) من قوله: ﴿إنّ شجرة الزقوم
طعام الأثيم كالمهل﴾ [الدخان: ٤٣- ٤٥] هو (أسود كمهل الزيت) أي كدرديه أو عكر القطران
أو ما أذيب من الذهب والفضة أو من كل المنطبعات كالحديد.
(وقال غيره) أي غير ابن عباس في (﴿تبع﴾) من قوله تعالى: ﴿أهم خير أم قوم تبع﴾
[الدخان: ٣٧] هم (ملوك اليمن كل واحد منهم يسمى تبعًا لأنه يتبع صاحبه) وقيل لأن أهل
الدنيا كانوا يتبعونه وموضع تبع في الجاهلية موضع الخليفة في الإسلام (والظل يسمى تبعًا لأنه
يتبع الشمس) قاله أبو عبيدة وقالت عائشة فيما رواه عبد الرزاق كان تبع رجلاً صالحًا.
١ - باب ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي
السَّماءُ بِدُخانٍ مُبينٍ﴾ قالَ قَتَادَةَ (فَارْتَقِبْ) فَانْتَظِرْ
هذا (باب) بالتنوين أي في قوله عز وجل: (﴿فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين﴾)
[الدخان: ١٠] وسقط لغير أبي ذر لفظ باب وقوله فارتقب فقط (قال قتادة) فيما وصله عبد بن
حميد (فارتقب) أي (فانتظر) وللأصيلي انتظر بإسقاط الفاء.
٤٨٢٠ - حدثنا عَبْدَانُ عَنْ أبي حَمْزَةَ عَنِ الأعْمَشِ عَنْ مُسْلِمٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ الله
قالَ: مَضى خَمْسٌ: الدُّخانُ، وَالرُّومُ، وَالْقَمَّرُ، وَالْبَطْشَةُ، وَاللّزامُ.
وبه قال: (حدّثنا عبدان) عبد الله بن عثمان المروزي (عن أبي حمزة) بالحاء المهملة والزاي
محمد بن ميمون السكري (عن الأعمش) سليمان (عن مسلم) هو ابن صبيح (عن مسروق) هو ابن
الأجدع (عن عبد الله) هو ابن مسعود رضي الله عنه أنه (قال: مضى خمس) من علامات الساعة

٥٣
كتاب تفسير القرآن/ سورة الدخان
(الدخان) بتخفيف الخاء المذكور في قوله هنا: ﴿يوم تأتي السماء بدخان مبين﴾ [الدخان: ١٠]
(والروم) في قوله: ﴿آلم غلبت الروم﴾ [الروم: ٢] (والقمر) في قوله: ﴿اقتربت الساعة وانشق
القمر﴾ [القمر: ١] (والبطشة) في قوله هنا: ﴿يوم نبطش البطشة الكبرى﴾ [الدخان: ١٦] (واللزام)
في قوله: ﴿فسوف يكون لزامًا﴾ [الفرقان: ٧٧] وهو الهلكة أو الأسر ويدخل في ذلك يوم بدر كما
فسره به ابن مسعود وغيره فيكون أربعًا أو اللزام يكون في القيامة ولتحقق وقوعه عدّ ماضيًا.
وهذا الحديث سبق في الفرقان.
٢ - باب ﴿يَغْشَى النَّاسَ هذا عَذَابٌ ألِيمٌ﴾
هذا (باب) بالتنوين أي في قوله: (﴿يغشى الناس﴾) أي يحيط بهم الدخان (﴿هذا عذاب
أليم)) [الدخان: ١١] في محل نصب بالقول وذلك القول حال أي قائلين ذلك وسقط لفظ باب
لغير أبي ذر.
٤٨٢١ - حدثنا يَحْيِى، حَدَّثَنَا أَبُو مُعاوِيَةً عَنِ الأعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: قَالَ
عَبْدُ الله إنَّما كانَ هذا لأِنَّ قُرَيْشًا لَمَّا أَسْتَعْصَوْا عَلَى النَّبِيِّ وَِّ دَعا عَلَيْهِمْ بِسِنِينَ كْسِنِي يُوسُفَ،
فَأصابَهُمْ قَخْطٌ وَجَهْدٌ حَتَّى أكَلُوا الْعِظامَ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَنْظُرُ إِلَى السَّماءِ فَيَرِى مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا كَهَيْئَةٍ
الدُّخانِ مِنَ الْجَهْدِ. فَأَنْزَلَ الله تَعَالى ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ يَغْشَى النَّاسَ هذا
عَذَابٌ أليمٌ﴾ [الدخان: ١٠ - ١١] قالَ: فَأُتِيَ رَسُولُ اللهِ ◌ّ فَقيلَ: يَا رَسُولَ الله أَسْتَسْقِ الله
لِمُضَرَ فَإِنَّها قَدْ هَلَكَتْ قال :: (لِمُضَرَ؟ إنَّكَ لَجَرِيءٌ))، فَاسْتَسْقى، فَسُقُوا، فَنَزَلَتْ ﴿إِنَّكُم
عائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥] فَلَمَّا أصابَتْهُمُ الرَّفاهِيَةُ عادُوا إلى حالِهِمْ حينَ أصابَتْهُمُ الرَّفاهِيَةُ، فَأَنْزَلَ
الله عَزَّ وَجَلَّ ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرِى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٦] قالَ: يَعْنِي يَوْمَ بَدْرٍ.
وبه قال: (حدّثنا يحيى) بن موسى البلخي قال: (حدّثنا أبو معاوية) محمد بن خازم بالخاء
والزاي المعجمتين (عن الأعمش) سليمان بن مهران (عن مسلم) أبي الضحى بن صبيح (عن
مسروق) هو ابن الأجدع أنه (قال: قال عبد الله) هو ابن مسعود (إنما كان هذا) القحط والجهد
اللذان أصابا قريشًا حتى رأوا بينهم وبين السماء كالدخان من شدة الجوع (لأن قريشًا لما استعصوا
على النبي ◌َّ﴾﴾ أي حين أظهروا العصيان ولم يتركوا الشرك (دعا عليهم بسنين) قحط (كسني
يوسف) الصديق عليه السلام المذكورة في سورته (فأصابهم قحط وجهد حتى أكلوا العظام) زاد في
الرواية الآتية إن شاء الله تعالى والميتة (فجعل الرجل) منهم (ينظر إلى السماء فيرى ما بينه وبينها
كهيئة الدخان من الجهد) من ضعف بصره أو لأن الهواء يظلم عام القحط لقلة الأمطار وكثرة
الغبار (فأنزل الله تعالى) ولأبي ذر عز وجل (﴿فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين يغشى الناس
هذا عذاب أليم﴾ قال) أي ابن مسعود (فأتي) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول (رسول الله والفر فقيل يا

٥٤
كتاب تفسير القرآن/ سورة الدخان
رسول الله) والآتي هو أبو سفيان كما عند المؤلف لكن في المعرفة لابن منده في ترجمة كعب بن
مرة قال: دعا رسول الله وَ﴿ على مضر فأتيته فقلت: يا رسول الله قد نصرك الله وأعطاك
واستجاب لك وإن قومك قد هلكوا فادع الله لهم فهذا أولى أن يفسر به القائل بقوله يا رسول الله
بخلاف أبي سفيان، فإنه وإن كان جاء أيضًا مستشفعًا لكنه لم يكن أسلم حينئذٍ ولأبي ذر فقيل يا
رسول الله (استسق الله لمضر فإنها قد هلكت) من القحط والجهد قال في الفتح إنما قال لمضر لأن
غالبهم كان بالقرب من مياه الحجاز وكان الدعاء بالقحط على قريش وهم سكان مكة فسرى
القحط إلى مَن حولهم.
(قال) عليه الصلاة والسلام مجيبًا لأبي سفيان أو لكعب بن مرة: أتأمرني أن أستسقي
(المضر)؟ مع ما هم عليه من معصية الله والإشراك به (إنك لجريء) أي ذو جراءة حيث تشرك بالله
وتطلب رحمته (فاستسقى) عليه الصلاة والسلام وزاد أبو ذر لهم (فسقوا) بضم السين والقاف
(فنزلت ﴿إنكم عائدون﴾) [الدخان: ١٥] أي إلى الكفر غب الكشف وكانوا قد وعدوا بالإيمان
إن كشف عنهم العذاب (فلما أصابتهم الرفاهية) بتخفيف التحتية بعد الهاء المكسورة والذي في
اليونينية أصابتهم بفوقية بعد الموحدة بعد التوسع والراحة (عادوا إلى حالهم) من الشرك (حين
أصابتهم الرفاهية فأنزل الله عز وجل (﴿يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون﴾) [الدخان: ١٦]
(قال: يعني يوم بدر) ظرف ليوم.
٣ - باب قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبَّنَا أَكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾
(باب قوله تعالى: ﴿ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون﴾) [الدخان: ١٢] أي عذاب القحط
والجهد أو عذاب الدخان الآتي قرب قيام الساعة أو عذاب النار حين يدعون إليها في القيامة أو
دخان يأخذ بأسماع المنافقين وأبصارهم، ورجح الأول بأن القحط لما اشتد على أهل مكة أتاه أبو
سفيان فناشده الرحم ووعده إن كشف عنهم آمنوا فلما كشف عادوا ولو حملناه على الآخرين لم يصح
لأنه لا يصح أن يقال لهم حينئذٍ إنّا كاشفو العذاب قليلاً إنكم عائدون وسقط قوله لغير أبي ذر.
٤٨٢٢ - حدثنا يَخيى، حَدَّثَنا وَكيعٌ عَنِ الأعْمَشِ عَنْ أبي الضُّحى، عَنْ مَسْرُوقٍ قالَ:
دَخَلْتُ عَلى عَبْدِ اللهِ فَقالَ: إِنَّ مِنَ الْعِلْمِ أنْ تَقُولَ: لِمَا لا تَعْلَمُ الله أعْلَمُ، إنَّ الله قالَ لِنَبِيُّهِ وَلَ:
﴿قُلْ ما أسْألُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلْفِينَ﴾ [صَّ: ٨٦] إنَّ قُرَيْشًا لَمَّا غَلَبُوا النَّبِيَّ وَُّ
وَأَسْتَعْصَوْا عَلَيْهِ، قَالَ: ((اللَّهُمَّ أعِنِّي عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُف)). فأخَذَتْهُمْ سَنَةٌ، أكَلُوا فِيهَا الْعِظامَ
وَالْمَيْتَةِ مِنَ الْجَهْدِ، حَتَّى جَعَلَ أحَدُهُمْ يَرى ما بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّماءِ كَهَيْئَةِ الدُّخانِ مِنَ الْجُوعِ، قَالُوا:
﴿رَبَّنَا أَكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنَّا مُؤْمِنُون﴾ [الدخان: ١٢] فَقيلَ لَهُ: إنْ كَشَفْنا عَنْهُمْ عَادُوا، فَدَعا رَبَّهُ،
فَكَشَفَ عَنْهُمْ فَعادُوا فَانْتَقَّمَ الله مِنْهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ. فَذلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾
[الدخان: ١٥] إلى قَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿إِنَّا مُنْتَقِمُون﴾ [الدخان: ١٦].

٥٥
كتاب تفسير القرآن/ سورة الدخان
وبه قال: (حدّثنا يحيى) بن موسى البلخي قال: (حدّثنا وكيع) بفتح الواو وكسر الكاف
ابن الجراح (عن الأعمش) سليمان (عن أبي الضحى) مسلم بن صبيح (عن مسروق) هو ابن
الأجدع أنه (قال: دخلت على عبد الله) يعني ابن مسعود رضي الله عنه (فقال: إن من العلم أن
تقول لما لا تعلم الله أعلم) قد سبق في سورة الروم سبب قول ابن مسعود هذا من وجه آخر عن
الأعمش ولفظه عن مسروق بينا رجل يحدّث في كندة فقال يجيء دخان يوم القيامة فيأخذ بأسماع
المنافقين وأبصارهم ويأخذ المؤمن كهيئة الزكام ففزعنا فأتيت ابن مسعود وكان متكئًا فغضب فجلس
فقال من علم فليقل ومن لم يعلم فليقل الله أعلم (إن الله) تعالى (قال لنبيه وله: ﴿قل ما أسألكم
عليه من أجر وما أنا من المتكلفين﴾﴾ [ص: ٨٦] والقول فيما لا يعلم قسم من التكلف (إن قريشًا
لما غلبوا النبي) بتخفيف اللام وللأصيلي وأبي ذر عن الكشميهني لما غلبوا على النبي (مَ﴾)
بخروجهم عن طاعته وتماديهم في كفرهم (واستعصوا عليه) بفتح الصاد (قال):
(اللهم أعنّي عليهم بسبع) من السنين (كسبع يوسف) في الشدة والقحط (فأخذتهم سنة حتى
أكلوا فيها العظام والميتة من الجهد حتى يجعل أحدهم يرى ما بينه وبين السماء كهيئة الدخان من)
الظلمة التي في أبصارهم بسبب (الجوع قالوا: ﴿ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون﴾) وعد
بالإيمان إن كشف عنهم عذاب الجوع (فقيل له) وَلقر: (إن كشفنا عنهم) ذلك العذاب (عادوا) إلى
كفرهم (فدعا) عليه الصلاة والسلام (ربه فكشف عنهم) ذلك (فعادوا) إلى الكفر (فانتقم الله منهم
يوم بدر) فذلك قوله تعالى: (﴿يوم﴾) ولأبوي ذر والوقت وابن عساكر والأصيلي ﴿فارتقب يوم﴾
(﴿تأتي السماء بدخان مبين﴾ إلى قوله جل ذكره: ﴿إنّا منتقمون﴾).
وهذا الحديث سبق في سورة صّ.
٤ - باب ﴿أَنَّى لَهُمُ الذكرى
وَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ﴾ الذُكْرُ وَالذِّكْرِى واحِدٌ
هذا (باب) بالتنوين أي في قوله: (﴿أَنّى لهم الذكرى﴾) أي من أين لهم التذكّر والاتعاظ
(﴿وقد جاءهم﴾) ما هو أعظم وأدخل في وجوب الطاعة وهو (﴿رسول مبين﴾) [الدخان: ١٣]
ظاهر الصدق وهو محمد# (الذكر والذكرى واحد) وسقط باب لغير أبي ذر.
٤٨٢٣ - حدثنا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنا جَرِيرُ بْنُ حازِمٍ عَنِ الأعْمَشِ عَنْ أبي الضحى
عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلى عَبْدِ اللهِ، ثُمَّ قالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَهِ لَمَّا دَعا قُرَيْشًا كَذَّبُوهُ،
وَأَسْتَعْصَوْا عَلَيْهِ، فَقالَ: ((اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعٍ يُوسُفَ)). فَأصابَتْهُمْ سَنَةٌ حَصَّتْ كُلِّ
شَيْءٍ، حتّى كانُوا يَأْكُلُونَ الْمَيْئَةَ، وَكَانَ يَقُومُ أحَدُهُمْ فَكَانَ يَرِى بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّماءِ مِثْلِ الدُّخانِ،
مِنَ الْجَهْد وَالْجُوعِ. ثُمَّ قَرَأْ: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٥] حَتَّى بلغ إِنَّا

٥٦
كتاب تفسير القرآن/ سورة الدخان
كاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عائِدُون﴾ [الدخان: ١٥] قالَ عَبْدُ الله: أَفَيُكْشَفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ؟
قالَ: وَالْبَطْشَةُ الْكُبْرِى يَوْمَ بَدْرٍ.
وبه قال: (حدّثنا سليمان بن حرب) الواشحي قال: (حدّثنا جرير بن حازم) بالحاء المهملة
والزاي البصري الأزدي (عن الأعمش) سليمان (عن أبي الضحى) مسلم بن صبيح (عن مسروق)
هو ابن الأجدع أنه (قال: دخلت على عبد الله) يعني ابن مسعود رضي الله عنه (ثم قال) فيه
حذف اختصره والظاهر أن الذي اختصره قول مسروق بينا رجل يحدّث في كندة إلى قوله؛ فأتيت
ابن مسعود وكان متكئًا فغضب فجلس فقال من علم فليقل ومن لم يعلم فليقل الله أعلم ثم قال:
(إن رسول الله وَّ لما دعا قريشًا) إلى الإسلام (كذبوه واستعصوا عليه فقال):
(اللهم أعنّي عليهم بسبع كسبع يوسف. فأصابتهم سنة حصّت) بالحاء والصاد المشددة
المهملتين أي أذهبت (كل شيء) ولغير الأصيلي وأبي ذر يعني كل شيء (حتى كانوا يأكلون الميتة
وكان يقوم أحدهم فكان يرى بينه وبين السماء مثل الدخان من الجهد والجوع) زاد في الروم
فجاءه أبو سفيان فقال: يا محمد جئت تأمرنا بصلة الرحم وإن قومك قد هلكوا فادع الله (ثم
قرأ) عليه السلام (﴿فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين﴾ [الدخان: ١٥]). زاد أبو ذر
والأصيلي ﴿يغشى الناس هذا عذاب أليم﴾ [الدخان: ١١] (حتى بلغ ﴿إنا كاشفو العذاب قليلاً
إنكم عائدون﴾. قال عبد الله) يعني ابن مسعود (أفيكشف عنهم العذاب)؟ بهمزة الاستفهام
وضم الياء مبنيًّا للمفعول (يوم القيامة؟ قال) أي عبد الله (والبطشة الكبرى يوم بدر) يريد تفسير
قوله: ﴿يوم نبطش البطشة الكبرى﴾ [الدخان: ١٦].
٥ - باب ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مَعَلَّمْ مَجْنُونٌ﴾
هذا (باب) بالتنوين أي في قوله: (﴿ثم تولوا﴾) أي أعرضوا (﴿عنه وقالوا معلم﴾) هذا
القرآن من بعض الناس وقال آخرون إنه (﴿مجنون﴾) [الدخان: ١٤] والجن يلقون إليه ذلك حاشاه
الله من ذلك وسقط لفظ باب لغير أبي ذر.
٤٨٢٤ - حدثنا بِشْرُ بْنُ خالِدٍ، أخْبَرَنا مُحَمَّدٌ عَنْ شُعْبَةً عَنْ سُلَيْمانَ، وَمَنْصُورٍ عَنْ أبِي
الضُّحى عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ الله إنَّ الله بَعَثَ مُحَمَّدًا وَّهِ، وَقالَ: ﴿قُلْ ما أسْألُكُمْ عَلَيْهِ
مِنْ أجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلْفِينَ﴾ [ص: ٨٦] فَإِنَّ رَسُولَ اللهِوَ ﴿ لَمَّا رَأْى قُرَيْشًا اسْتَعْصَوْا عَلَيْهِ
فَقالَ: ((اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَيْهِمْ بِسَبْعِ كَسَبْعِ يُوسُفَ)) فَأَخَذَتْهُمُ السَّنَّةُ حَتَّى حَصَّتْ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى أكَلُوا
الْعِظَامَ وَالْجُلُودَ، فَقالَ أحَدُهُمَّ: حَتَّى أكَلُوا الْجُلُودَ وَالْمَيْئَةَ، وَجَعَلَ يَخْرُجُ مِنَ الأرْضِ كُهَيْئَةٍ
الدَّخانِ، فَأَتَاهُ أَبُو سُفْيَانَ فَقالَ: أَيْ مُحَمَّدُ: إنَّ قَوْمَكَ هَلَكُوا، فَدْعُ الله أنْ يَكْشِفَ عَنْهُمْ. فَدَعا،
ثُمَّ قالَ: ((تَعُودُوا بَعْدَ هذا». في حَديث مَنْصُورٍ: ثُمَّ قَرَأ ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾

٥٧
كتاب تفسير القرآن/ سورة الدخان
- إلى - ﴿عَائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥] أيُكْشَفُ عَذابُ الآخِرَةِ؟ فَقَدْ مَضَى الدُّخانُ وَالْبَطْشَةُ وَاللَّزامُ،
وَقَالَ أحَدُهُمُ: الْقَمَرُ وَقَالَ الآخَرُ: الرُّومُ.
وبه قال: (حدّثنا بشر بن خالد) أبو محمد العسكري قال: (أخبرنا) وللأصيلي حدّثنا (محمد)
هو ابن جعفر الملقب بغندر (عن شعبة) بن الحجاج وللأصيلي حدّثنا شعبة (عن سليمان) بن مهران
الأعمش (ومنصور) هو ابن المعتمر كلاهما (عن أبي الضحى) مسلم بن صبيح (عن مسروق) هو
ابن الأجدع أنه (قال: قال عبد الله) هو ابن مسعود (إن الله بعث محمدًاً وَّ﴿ وقال: ﴿قل ما
أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين﴾﴾ [ص: ٨٦] فيه حذف اختصره أيضًا كما دلّ عليه
السابق (فإن رسول الله وَلج لما رأى قريشًا استعصوا عليه) فلم يؤمنوا (فقال) ولأبوي ذر والوقت
والأصيلي وابن عساكر قال:
(اللهم أعني عليهم بسبع) من السنين (كسبع يوسف) بن يعقوب عليهما السلام (فأخذتهم
السنة حتى حصت) أذهبت (كل شيء حتى أكلوا العظام والجلود فقال) ولأبوي ذر الوقت
والأصيلي وقال بالواو بدل الفاء (أحدهم) القياس أن يقول أحدهما بالتثنية لأن المراد سليمان
ومنصور فيحتمل أن يكون على قول إن أقل الجمع اثنان (حتى أكلوا الجلود والميتة وجعل يخرج من
الأرض كهيئة الدخان).
استشكل بما سبق فكان يرى بينه وبين السماء مثل الدخان من الجوع. وأجيب: بالحمل
على أن مبدأه كان من الأرض ومنتهاه ما بين السماء والأرض وباحتمال وجود الأمرين بأن يخرج
من الأرض بخار كهيئة الدخان من شدة حرارة الأرض ووهجها من عدم المطر ويرون بينهم وبين
السماء مثل الدخان من فرط حرارة الجوع.
(فأتاه) عليه الصلاة والسلام (أبو سفيان فقال: أي محمد إن قومك هلكوا) ولغير أبي ذر
والأصيلي قد هلكوا (فادع الله أن يكشف عنهم). ما أصابهم (فدعا) لهم عليه الصلاة والسلام أن
يكشف الله عنهم (ثم قال: تعودوا) إلى الكفر (بعد هذا) قال الزركشي: كذا وقع تعودوا بحذف
نون الرفع وصوابه تعودون بإثباتها. قال العلامة البدر الدماميني: ليس حذفها خطأ بل هو ثابت
في الكلام الفصيح نظمًا ونثرًا ومنه قراءة الحسن واليزيدي تظاهرًا بتشديد الظاء أي أنتما ساحران
تتظاهران فحذف المبتدأ وهو ضمير المخاطبين وأدغمت التاء في الظاء وحذفت النون تخفيفًا وفي
الحديث لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا وللأصيلي تعودون بإثبات النون على
الأصل (في حديث منصور) هو ابن المعتمر ثم قرأ (﴿فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين﴾
- إلى - ﴿عائدون﴾) قال ابن مسعود: (أيكشف عذاب الآخرة)؟ ولأبي ذر عن الحموي والمستملي
أنكشف بالنون مبنيًّا للفاعل عنهم عذاب الآخرة (فقد مضى الدخان والبطشة واللزام، وقال
أحدهم): سليمان ومنصور وثالث معهما أو أحدهما كما مرّ (القمر) يعني انشقاقه (وقال الآخر:
الروم) يعني ﴿غلبت الروم﴾ ولأبي ذر والروم بالواو.

٥٨
كتاب تفسير القرآن/ سورة الجاثية
٦ - باب ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرِى إِنَّا مِنْتَقِمُونَ﴾
(باب ﴿يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون﴾) [الدخان: ١٦] وسقط لأبي ذر يوم نبطش
الخ.
٤٨٢٥ - هذّثنا يحيى، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنِ الأعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ الله
قالَ: خَمْسٌ قَدْ مَضَيْنَ: اللَّزامُ، وَالرُّومُ، وَالْبَطْشَةُ، وَالْقَمَرُ، وَالدُّخانُ.
وبه قال: (حدّثنا يحيى) بن موسى البلخي قال: (حدّثنا وكيع) هو ابن الجراح (عن
الأعمش) سليمان (عن مسلم) هو أبو الضحى (عن مسروق) هو ابن الأجدع (عن عبد الله) بن
مسعود رضي الله عنه أنه (قال: خمس قد مضين) أي وقعن (اللزام) وهو الأسر والهلكة يوم بدر
(والروم) أي غلبتهم (والبطشة) الكبرى يوم بدر (والقمر) يعني انشقاقه (والدخان) الحاصل لقريش
بسبب القحط لكن أخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم عن علي قال آية الدخان لم تمض بعد يأخذ
المؤمن كهيئة الزكام وينفخ الكافر حتى ينقدّ، ولمسلم من حديث أبي سريحة بمهملتين الأولى مفتوحة
حذيفة بن أسيد بفتح الهمزة الغفاري رفعه ((لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات طلوع الشمس
من مغربها والدخان والدابة)) الحديث.
[٤٥] سورة الجاثية
(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمُنِ الرَّحيم) ﴿جائِيَةٌ﴾: مُسْتَوْفِزينَ عَلَى الرُّكَبِ. وَقَالَ مُجاهِدٌ:
﴿نَسْتَنْسِخُ﴾: نَكْتُبُ. ﴿نَنْسَاكُمْ﴾: نَتْرُكُكُمْ.
([٤٥] سورة الجاثية)
مكية وهي سبع أو ست وثلاثون آية ولأبي ذر سورة حم الجائية (بسم الله الرحمن الرحيم)
سقطت البسملة لغير أبي ذر.
(﴿جائية﴾) في قوله تعالى: ﴿وترى كل أمة جائية﴾ [الجاثية: ٢٨] أي (مستوفزين) بالزاي
(على الركب) من الخوف. (وقال مجاهد) فيما وصله عبد بن حميد في قوله تعالى: ((نستنسخ﴾)
أي (نكتب) أي أمر الملائكة أن تكتب أعمالكم وسقط لأبي ذر وقال مجاهد فقط.
(﴿ننساكم﴾) في قوله تعالى: ﴿اليوم ننساكم﴾ [الجاثية: ٣٤] أي (نترككم) في العذاب كما
تركتم الإيمان والعمل ولقاء هذا اليوم.
١ - باب ﴿وَما يُهْلِكُنا إلاَّ الدَّهْرُ﴾ الآيَةَ
هذا (باب) بالتنوين أي في قوله تعالى: (﴿وما يهلكنا﴾) وما يفنينا (﴿إلا الدهر﴾)
[الجاثية: ٢٤] الأمر الزمان وطول العمر واختلاف الليل والنهار (الآية). وزاد في الفرع وما لهم

٥٩
كتاب تفسير القرآن/ سورة الأحقاف
بذلك الذي قالوه من علم علموه إن هم إلا يظنون إذ لا دليل لهم عليه وضرب على ذلك في
الأصل.
٤٨٢٦ - حدثنا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ عَنْ سَعيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أبي
هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((قَالَ الله عَزَّ وَجَلَّ: يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَسُبُ الدَّهْرَ،
وَأَنَّا الدَّهْرُ، بِيَدِي الأمْرُ أُقَلْبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ)).
وبه قال: (حدّثنا الحميدي) عبد الله بن الزبير قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة قال: (حدّثنا
الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (عن سعيد بن المسيب) بفتح التحتية المشددة (عن أبي هريرة
رضي الله عنه) أنه (قال: قال رسول الله) ولأبوي ذر والوقت قال النبي (مَ﴿):
(قال الله عز وجل يؤذيني ابن آدم) أي يخاطبني من القول بما يتأذى به من يجوز في حقه
التأذي والله تعالى منزّه عن أن يصير في حقه الأذى إذ هو محال عليه، وإنما هذا من التوسع في
الكلام والمراد أن من وقع ذلك منه تعرض لسخط الله عز وجل (يسب الدهر) يقول إذا أصابه
مكروه بؤسًا للدهر وتبًّا له (وأنا الدهر) بالرفع في الفرع كالأصول المعتمدة وضبط الأكثرين
والمحققين أي أنا خالق الدهر (بيدي الأمر) الذي ينسبونه إلى الدهر (أقلب الليل والنهار).
وروي نصب الدهر من قوله أنا الدهر أي أقلب الليل والنهار في الدهر والرفع كما مر
أوجه قال في شرح المشكاة لأنه لا طائل تحته على تقدير النصب لأن تقديم الظرف إما للاهتمام أو
للاختصاص ولا يقتضي المقام ذلك لأن الكلام مفرغ في شأن المتكلم لا في الظرف ولهذا عرف
الخبر لإفادة الحصر فكأنه قيل أنا أقلب الليل والنهار لا ما تنسبونه إليه، قيل الدهر الثاني غير
الأول وإنما هو مصدر بمعنى الفاعل ومعناه أنا الداهر المصرف المدبر المقدر لما يحدث فإذا سب ابن
آدم الدهر من أجل أنه فاعل هذه الأمور عاد سبّه إلي لأني فاعلها، وإنما الدهر زمان جعلته ظرفًا
لمواقع الأمور قاله الشافعي والخطابي وغيرهما. وهذا مذهب الدهرية من الكفار ومن وافقهم من
مشركي العرب المنكرين للمعاد والفلاسفة الدهرية الدورية المنكرين للصانع المعتقدين أن في كل
ستة وثلاثين ألف سنة يعود كل شيء إلى ما كان عليه وكابروا المعقول وكذبوا المنقول قال ابن كثير
وقد غلط ابن حزم ومَن نحا نحوه من الظاهرية في عدّهم الدهر من الأسماء الحسنى أخذًا من
هذا الحديث.
وهذا الحديث أخرجه المؤلف أيضًا في التوحيد ومسلم وأبو داود في الأدب والنسائي في
التفسير .
[٤٦] سورة الأحقاف
(بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) وَقَالَ مُجاهِدٌ ﴿تُفِيضُونَ﴾ تَقُولُونَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ (أَثَرَةٌ وَأَثْرَةٌ

٦٠
كتاب تفسير القرآن/ سورة الأحقاف
وَأثارَةٌ بَقِيَّةُ عِلْم). وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٩] لَسْتُ بِأوَّلِ الرُّسُلِ. وَقَالَ
غَيْرُهُ ﴿أَرَأيْتُمْ﴾ هذِهِ الألِفُ إنَّما هِيَ تَوَعُدْ، إنْ صَحَّ ما تَذَّعُونَ لا يَسْتَحِقُّ أنْ يُعْبَدَ، وَلَيْسَ قَوْلُهُ
﴿أَرَأيْتُمْ﴾ بِرُؤْيَةِ الْعَيْنِ، إنَّما هُوَ: أَتَعْلَمُونَ أَبَلَغَكُمْ أنَّ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ الله خَلَقُوا شَيْئًا.
([٤٦] سورة الأحقاف)
مكية وآيها أربع أو خمس وثلاثون، ولأبي ذر سورة حم الأحقاف (بسم الله الرحمن الرحيم).
(وقال مجاهد) مما وصله الطبري في (﴿تفيضون﴾) من قوله تعالى: ﴿هو أعلم بما تفيضون
فيه﴾ [الأحقاف: ٨] أي (تقولون) من التكذيب بالقرآن والقول فيه بأنه سحر وهذا ساقط لأبي ذر
(وقال بعضهم: أثرة) بفتحات من غير ألف وعزيت لقراءة علي وابن عباس وغيرهما (وأُثرة) بضم
فسكون ففتح وعزيت لقراءة الكسائي في غير المشهور (وأثارة) بالألف بعد المثلثة وهي قراءة العامة
مصدر على فعالة كضلالة ومراده قوله تعالى: ﴿إيتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم﴾
[الأحقاف: ٤] هي (بقية علم) ولأبي ذر من علم وأثرة وإثرة وإثارة برفع الثلاثة والتنزيل بالجر
وبهذا قاله أبو عبيدة والفرّاء.
(وقال ابن عباس) فيما وصله ابن أبي حاتم (﴿بدعًا من الرسل)) [الأحقاف: ٩] أي
(لست بأوّل الرسل) ولأبي ذر ما كنت بأول الرسل فكيف تنكرون نبوّتي وإخباري بأني رسول الله.
(وقال غيره) أي غير ابن عباس (﴿أرأيتم﴾) من قوله: ﴿قل أرأيتم إن كان من عند الله﴾
[الأحقاف: ١٠] (هذه الألف) التي في أوّل أرأيتم المستفهم بها (إنما هي توعد) لكفار مكة
حيث ادعوا صحة ما عبدوه من دون الله (إن صح ما تدّعون) بتشديد الدال في زعمكم ذلك (لا
يستحق أن يعبد) لأنه مخلوق ولا يستحق أن يعبد إلا الخالق (وليس قوله: ﴿أرأيتم﴾ برؤية
العين) التي هي الإبصار (إنما هو) أي معناه (أتعلمون أبلغكم أن ما تدعون) بسكون الدال مخففة
(من دون الله خلقوا شيئًا) ومفعولا أرأيتم محذوفان تقديره أرأيتم حالكم إن كان كذا ألستم
ظالمين وجواب الشرط أيضًا محذوف تقديره فقد ظلمتم ولهذا أَتِيَ بفعل الشرط ماضيًا وسقط
من قوله وقال غيره إلى هنا لأبي ذر.
١ - باب ﴿وَالَّذي قالَ لِوالِدَيْهِ أُنَّ لَكُما أَتَعِدانني
أن أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُما يَسْتَغِيثَانِ الله
وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَيَقُولُ ما هذا إلاَّ أساطيرُ الأوَّلِينَ﴾
هذا (باب) بالتنوين أي في قوله تعالى: ((والذي قال لوالديه أُفْ لكما﴾) أي التأفيف لكما
وهي كلمة كراهية (﴿أتعدانني أن أخرج﴾) من قبري حيًّا ((وقد خلت القرون من قبلي﴾) فلم