Indexed OCR Text

Pages 401-420

٤٠١
كتاب تفسير القرآن/ سورة مريم
نقله عنه الحافظ ابن حجر، وذكر صاحب خلع النعلين فيما نقله في التذكرة أن الذابح له
يحيى بن زكريا بين يدي النبي ◌َّر وقال قوم: المذبوح متولي الموت وكلهم يعرفه لأنه الذي تولى
قبض أرواحهم في الدنيا.
فإن قلت: ما الحكمة في مجيء الموت في صورة الكبش دون غيره؟ أجيب: بأن ذلك إشارة
إلى حصول الفداء لهم به كما فدى ولد الخليل بالكبش وفي الأملح إشارة إلى صفتي أهل الجنة
والنار.
(ثم يقول) ذلك المنادي: (يا أهل الجنة خلود) أبد الآبدين (فلا موت ويا أهل النار خلود)
أبد الآبدين (فلا موت) وخلود إما مصدر أي أنتم خلود ووصف بالمصدر للمبالغة كرجل عدل أو
جمع أي أنتم خالدون زاد في الرقاق فيزداد أهل الجنة فرحًا إلى فرحهم ويزداد أهل النار حزنًا إلى
حزنهم وعند الترمذي فلو أن أحدًا مات فرحًا لمات أهل الجنة ولو أن أحدًا مات حزنًا لمات أهل
النار (ثم قرأ) النبي ◌َليز أو أبو سعيد (﴿وأنذرهم يوم الحسرة﴾) الخطاب للنبي والر أي أنذر جميع
الناس (إذ قضي الأمر) أي فصل بين أهل الجنة والنار ودخل كل إلى ما صار إليه مخلدًا فيه (﴿وهم
في غفلة﴾) - أي (﴿وهؤلاء في غفلة﴾) أي ((أهل الدنيا﴾) إذ الآخرة ليست دار غفلة (﴿وهم
لا يؤمنون﴾) نفى عنهم الإيمان على سبيل الدوام مع الاستمرار في الأزمنة الماضية والآتية على
سبيل التأكيد والمبالغة.
وهذا الحديث أخرجه مسلم في صفة النار والترمذي والنسائي في التفسير.
٢ - باب قَوْلِهِ: ﴿وَمَا نَتَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ
لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَمَا خَلْفَنا﴾ [مريم: ٦٤]
(باب قوله) جل وعلا وسقط لفظ قوله لأبي ذر وثبت له لفظ باب (﴿وما نتنزل إلا بأمر
ربك﴾) هو حكاية قول جبريل حين استبطأه النبي وَلقر (﴿له ما بين أيدينا﴾) أي الآخرة (﴿وما
خلفنا)) [مريم: ٦٤] الدنيا وثبت لأبي ذر له ما بين أيدينا الخ.
٤٧٣١ - حدّلْنَا أَبُو نُعَيْم، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ ذَرِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ
ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا قَالَ النَّبِيِّ وَهُ لِجِبْرِيلَ: «مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَزُورَنا أَكْثَرَ مِمَّا تَزُورُنا؟))
فَتَزَلَتْ: ﴿وَمَا نَتَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينا وَمَا خَلْفَنَا﴾.
وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين قال: (حدّثنا عمر بن ذر) بضم العين وذر
بالمعجمة المفتوحة والراء المشددة ابن عبد الله بن زرارة الهمداني الكوفي (قال سمعت أبي) ذرًا
(عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنه) وعن أبيه أنه قال: (قال النبي) وفي نسخة
رسول الله (* لجبريل) أي لما احتبس عنه:
إرشاد الساري/ ج ١٠/ م ٢٦

٤٠٢
كتاب تفسير القرآن/ سورة مريم
(ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا فنزلت ﴿وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما
خلفنا﴾) وعند ابن إسحق من وجه آخر عن ابن عباس أن قريشًا لما سألوا عن أصحاب الكهف
فمكث النبي ◌َ﴿ خمس عشرة ليلة لا يحدث الله في ذلك وحيًا فلما نزل جبريل قال له أبطأت
فذكره وعند ابن أبي حاتم أنها نزلت في احتباسه عنه وَ ل# أربعين يومًا حتى اشتاق للقاء وعند
الطبراني من وجه آخر عن ابن عباس مرفوعًا أن جبريل أبطأ عليه فذكر ذلك له فقال وكيف وأنتم
لا تستنون ولا تقلمون أظافركم ولا تقصون شواربكم ولا تنقون رواجبكم وعند أحمد نحوه.
وهذا الحديث قد سبق في بدء الخلق في ذكر الملائكة وأخرجه أيضًا في التوحيد والترمذي
والنسائي في التفسير.
٣ - باب قَوْلِهِ: ﴿أَفَرَّأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنا وَقَالَ لأَوتَيَنَّ مالاً وَوَلَدًا﴾ [مريم: ٧٧]
(باب قوله) عز وجل وسقط باب لغير أبي ذر (﴿أفرأيت الذي كفر بآياتنا﴾) عطف بالفاء
بعد الألف الاستفهام إيذانًا بإفادة التعقيب كأنه قال أخبر أيضًا بقصة هذا الكافر عقب قصة أولئك
المذكورين قبل هذه الآية ورأيت بمعنى أخبر والموصول هو المفعول الأول والثاني هو الجملة
الاستفهامية من قوله أطلع الغيب (﴿وقال لأوتين مالاً وولدًا﴾) [مريم: ٧٧]. جملة قسمية في
موضع نصب بالقول.
٤٧٣٢ - حدّثنا الْحُمَيْدِيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي الضُّحْى، عَنْ مَسْرُوقٍ قالَ:
سَمِعْتُ خَبَّبَا قالَ: جِئْتُ الْعَاصِي بْنَ وَائِلِ السَّهْمِيَّ أَتَقاضاهُ حَقًّا لِي عِنْدَهُ فَقَالَ: لا أُعْطِيكَ حَتَّى
تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ وَّهِ فَقُلْتُ: لا. حَتَّى تَمُوتَ ثُمَّ تُبْعَثَ قالَ: وَإِنِّي لَمَيْتُ ثُمَّ مَبْعُوثٌ قُلْتُ: نَعَمْ.
قالَ: إِنَّ لِي هُناكَ مالاً وَوَلَدًا فَأَقْضِيكَهُ فَزَلَتْ هذِهِ الآيَةُ: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنا وَقَالَ لأُوْتَنَّ
مالاً وَوَلَدًا﴾ رَواهُ الثَّوْرِيُّ وَشُعْبَةُ، وَحَفْصٌ. وَأَبُو مُعاوِيَةَ، وَوَكِيعٌ عَنِ الأَغْمَشِ.
وبه قال: (حدّثنا الحميدي) عبد الله بن الزبير قال: (حدَّثنا سفيان) بن عيينة (عن الأعمش)
سليمان بن مهران (عن أبي الضحى) مسلم بن صبيح مصغرًا (عن مسروق) هو ابن الأجدع أنه
(قال: سمعت خبابًا) هو ابن الأرت بالمثناة الفوقية المشددة (قال: جئت العاصي) بالعين والصاد
المهملتين آخره تحتية (ابن وائل السهمي) هو والد عمرو الصحابي رضي الله عنه (أتقاضاه) أي
أطلب منه (حقًّا لي عنده) وهو أجرة عمل سيف وكان خباب حدادًا (فقال: لا أعطيك حتى تكفر
بمحمد ◌َل﴿ فقلت: لا) أكفر (حتى تموت ثم تبعث) ومفهومه غير مرادًا إذ الكفر لا يتصوّر بعد
البعث فكأنه قال لا أكفر أبدًا (قال) أي العاصي (وإني لميت ثم مبعوث) قال خباب (قلت) له
(نعم قال: إن لي هناك مالاً وولدًا فأقضيكه فنزلت هذه الآية: ﴿أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال
لأوتين﴾) أي في الجنة (﴿مالاً وولداً﴾) بفتح الواو واللام قراءة غير حمزة والكسائي اسم مفرد
قائم مقام الجمع.

٤٠٣
كتاب تفسير القرآن/ سورة مريم
(رواه) أي الحديث (الثوري) سفيان فيما وصله المؤلف بعد (وشعبة) بن الحجاج فيما وصله
أيضًا (وحفص) هو ابن غياث فيما وصله في الإجارة (وأبو معاوية) محمد بن خازم بالخاء والزاي
المعجمتين فيما وصله أحمد (ووكيع) فيما وصله بعد كلهم (عن الأعمش) سليمان بن مهران.
وقد مرّ الحديث في البيوع.
٤ - باب قَوْله: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَم أَتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمْنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٧٨]
(قوله) ولأبي ذر باب بالتنوين أي في قوله تعالى: (﴿أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن
عهدًا)) [مريم: ٧٨]. قال في الكشاف أي أوقد بلغ من عظمة شأنه أن ارتقى إلى علم الغيب
الذي توحد به الواحد القهار والمعنى أن ما ادّعى أن يؤتاه وتألى عليه لا يتوصل إليه إلا بأحد
هذين الطريقين إما علم الغيب وإما عهد من عالم الغيب فبأيهما توصل إلى ذلك انتهى وهمزة أطلع
للاستفهام الإنكاري وحذفت همزة الوصل للاستغناء عنها، وزاد في رواية أبي ذر الآية ولغيره قال
أي في تفسير عهدًا موثقًا وقيل العهد كلمة التوحيد. قال في فتوح الغيب لأنه تعالى وعد قائلها
إخلاصًا أن يدخل الجنة البتة فهو كالعهد الموثق الذي لا بد أن يوفي به انتهى.
٤٧٣٣ - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنا سُفْيانُ، عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ
مَسْرُوقٍ، عَنْ خَبَّابِ، قالَ: كُنْتُ قَيْئًا بِمَكَّةَ فَعَمِلْتُ لِلْعاصِي بْنِ وائِلِ السَّهْمِيِّ سَيْفًا فَجِئْتُ
أَتَقاضاهُ فَقالَ: لا أُعْطِيكَ حَتَّى تَكْفُرُ بِمُحَمَّدٍ نَّهِ قُلْتُ: لا، أَكْفُرُ بِمُحَمَّدٍ وَهُ حَتَّى يُمِيتَكَ اللَّهُ ثُمَّ
يُخْبِيكَ قالَ: إِذا أَماتَنِي الله ثُمَّ بَعَثَنِي وَلِي مَالٌ وَوَلَدْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنا وَقَالَ
لِأُوتَيَنَّ مالاً ووَلَدًا أَطْلَعَ الْغَيْبَ أَمْ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمُنِ عَهْدًا﴾ قَالَ: مُؤْثِقًا. لَمْ يَقُلِ الأَشْجَعِيُّ عَنْ
سُفْيَانَ سَيْفًا وَلا مَوْثِقًا.
وبه قال: (حدَّثنا محمد بن كثير) بالمثلثة العبدي البصري قال: (أخبرنا سفيان) الثوري (عن
الأعمش) سليمان (عن أبي الضحى) مسلم (عن مسروق) هو ابن الأجدع (عن خباب) هو ابن
الأرتّ أنه (قال: كنت قيْنًا) بقاف مفتوحة فتحتية ساكنة فنون أي حدّاد (بمكة فعملت للعاصي بن
وائل السهمي سيفًا فجئت أتقاضاه) أجرة عمل السيف (فقال: لا أعطيك) أجرته (حتى تكفر
بمحمد قلت: لا أكفر بمحمد ﴿ حتى يميتك الله ثم يحييك) أي لا أكفر أبدًا كما مرّ تقريره
قريبًا (قال): أي العاصي (إذا أماتني الله ثم بعثني ولي مال وولد) زاد في السابقة فأقضيكه (فأنزل
الله) تعالى (﴿أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالاً وولدًا أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن
عهدًا﴾ قال موثقًا) وقد مرّ هذا أول هذا الباب (لم يقل الأشجعي) بهمزة مفتوحة فشين معجمة
ساكنة فجيم مفتوحة فعين مهملة مكسورة عبيد الله بن عبد الرحمن بتصغير عبد الأول في روايته
(عن سفيان سيفًا) في قوله فعملت سيفًا (ولا موثقًا) تفسير عهدًا.

٤٠٤
كتاب تفسير القرآن/ سورة مريم
٥ - باب ﴿كَلاَّ سَتَكْتُبُ ما يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدَّا﴾ [مريم: ٧٩]
هذا (باب) بالتنوين في قوله (﴿كلاً﴾) ردع وزجر ((سنكتب ما يقول﴾) من طلبه ذلك
وحكمه لنفسه ما تمناه وكفره (﴿ونمد له﴾) في الدار الآخرة (﴿من العذاب مدًّا)) [مريم: ٧٩]
علی کفره وافترائه واستهزائه.
٤٧٣٤ - حدّثنا بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمانَ سَمِعْتُ أَبَا
الضُّحى يُحَدِّثُ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ خَبَّابٍ، قالَ: كُنْتُ قَيْئًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَكانَ لِي دَيْنٌ عَلَى
الْعاصِ بْنِ وائِلٍ قَالَ: فَأَتَاهُ يَتَقاضاهُ، فَقَالَ: لا أُعْطِيكَ حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ نَّهِ فَقالَ: وَاللَّهِ لا
أَكْفُرُ حَتَّى يُمِيتَكَ اللَّهُ ثُمَّ تُبْعَثَ قالَ: فَذَرْنِي حَتَّى أَمُوتَ ثُمَّ أُبْعَثَ فَسَوْفَ أُوتُى مالاً وَوَلَدًا
فَأَقْضِيكَ فَزَّلَتْ هذِهِ الآيَةُ: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنا وَقَالَ لأُوْتَيَنَّ مالاً وَوَلَدًا﴾ [مريم: ٧٨].
وبه قال: (حذّثنا بشر بن خالد) بموحدة مكسورة فمعجمة ساكنة أبو محمد الفرائضي
العسكري قال: (حدّثنا محمد بن جعفر) غندر (عن شعبة) ولأبي ذر: حدّثنا شعبة بن الحجاج (عن
سليمان) الأعمش أنه قال: (سمعت أبا الضحى) مسلم بن صبيح (يحدث عن مسروق) هو ابن
الأجدع (عن خباب) بالخاء المعجمة والموحدتين الأولى مشدّدة بينهما ألف ابن الأرت أنه (قال:
كنت قيْتًا) جمعه قيون (في الجاهلية) بمكة (وكان لي دين) أجرة عمل سيف (على العاص بن وائل)
السهمي وسمي بالعاص لأنه تقلد العصا بدلاً من السيف فيما قيل (قال فأتاه بتقاضاه فقال: لا
أعطيك) ذلك (حتى تكفر بمحمد وَلا# فقال) أي خباب (والله لا أكفر حتى يميتك الله ثم تبعث)
بضم أوله وفتح ثالثه مبنيًا للمفعول ولأبي ذر: يبعثك (قال) العاص (فذرني) أي اتركني (حتى
أموت ثم أبعث فسوف أوتى) بضم الهمزة وفتح الفوقية (مالاً وولدًا فأقضيك) حقك (فنزلت هذه
الآية: ﴿أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالاً وولدًا﴾) بفتح الواو واللام وقرأه الأخوان بضم
فسکون جمع ولد کأسد وأُسد.
٦ - باب قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَتَرِثُهُ ما يَقُولُ وَيَأْتِينا فَرْدًا﴾ [مريم: ٨٠]
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿الْجِبالُ هَدَّا﴾ [مريم: ٩٠] هَذْمًا
(قوله عز وجل: ﴿ونرئه﴾) ولأبي ذر: باب بالتنوين ونرثه (﴿ما يقول﴾) من مال وولد
نسلبه منه عكس ما يقول (﴿ويأتينا﴾) يوم القيامة (﴿فردًا﴾﴾ [مريم: ٨٠]. لا يصحبه مال ولا
ولد.
(وقال ابن عباس): فيما وصله ابن أبي حاتم في قوله: وتخر (﴿الجبال هدًّا﴾)
[مريم: ٩٠]. أي (هدمًا) استعظامًا لفريتهم وجراءتهم لأن دعوا للرحمن ولدًا تعالى الله.

٤٠٥
كتاب تفسير القرآن/ سورة طله
٤٧٣٥ - هذّثنا يَخيلى، حَدَّثَنَا وَكِيعُ، عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي الضُّحى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ
خَبَّابِ قالَ: كُنْتُ رَجُلاً قَيْنًا وَكانَ لِي عَلَى الْعاصِ بْنٍ وائِلِ دَيْنٌ فَأَتَيْتُهُ أَتَقاضاهُ فَقالَ لِي: لا
أَقْضِيكَ حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ قالَ: قُلْتُ لَنْ أَكْفُرَ بِهِ حَتَّى تَمُوتَ ثُمَّ تُبْعَثَ قَالَ: وَإِنِّي لَمَبْعُوثْ مِنْ
بَعْدِ الْمَوْتِ فَسَوْفَ أَقْضِيكَ إِذا رَجَعْتُ إِلى مالٍ وَوَلَدٍ قالَ فَنَزَلَتْ: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنا وَقَالَ
لِأُوتَيَنَّ مالاً وَوَلَدًا أَطْلَعَ الْغَيْبَ أَم أَتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمُنِ عَهْدًا كَلاَّ سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ وَنَمُدْ لَهُ مِنَ
الْعَذَابِ مَدَّا وَثَرِثُهُ ما يَقُولُ وَيَأْتِينا فَرْدًا﴾ [مريم: ٧٨].
وبه قال: (حدّثنا يحيى) بن موسى البلخي الملقب بخت بخاء معجمة مفتوحة ففوقية مشدّدة
قال: (حدّثنا وكيع) هو ابن الجراح الكوفي (عن الأعمش) سليمان (عن أبي الضحى) مسلم (عن
مسروق) هو ابن الأجدع (عن خباب) أنه (قال: كنت رجلاً قيتًا وكان لي على العاص بن وائل
دين فأتيته أتقاضاه فقال لي: لا أقضيك حتى تكفر بمحمد. قال) خباب: (قلت) له (لن أكفر
به) وَي﴾ (حتى تموت ثم تبعث قال: وإني لمبعوث من بعد الموت؟) زاد في الحميدي قلت: نعم
(فسوف) أي قال العاص إن بعثت بعد الموت فسوف (أقضيك إذا رجعت إلى مال وولد) وفيه أنه
غير مؤمن بالبعث (قال فنزلت: ﴿أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالاً وولدًا أطلع الغيب أم
اتخذ عند الرحمن عهدًا كلا سنكتب ما يقول ونمذ له من العذاب مدَّا ونرثه ما يقول ويأتينا فردًا﴾)
وحيدًا بغير شيء، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: فردًا لا يتبعه قليل ولا كثير، وسقط لأبي
ذر من قوله: ﴿أطلع الغيب﴾ الخ ....
[٢٠] طه
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمْنِ الرَّحِيمِ) قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وَالضَّحَّاكُ: بِالنَّبْطِيَّةِ طُهُ يَا رَجُلُ. وَقَالَ مُجاهِدٌ:
أَلْقى: صَنَعَ، يُقالُ كُلّ ما لَمْ يَنْطِقْ بِحَرْفٍ أَوْ فِيهِ تَمْتَمَةٌ أَوْ فَأْفَةٌ فَهِيَ عُقْدَةٌ. أَزْرِي: ظَهْرِي.
فَيَسْحَتَكُمْ: يُهْلِكَكُمْ، الْمُثْلُى: تَأْنِيثُ الأَمْثَلِ يَقُولُ: بِدِينِكُمْ يُقالُ خُذِ الْمُثْلى: خُذِ الأَمْثَلَ. ثُمَّ
أَنْتُوا صَفًّا يُقالُ هَلْ أَتَيْتَ الصَّفِّ الْيَوْمَ يَعْنِي الْمُصَلَّى الَّذِي يُصَلَّى فِيهِ. فَأَوْجَسَ: أَضْمَرَ خَوْفًا
فَذَهَبَتِ الْوَاوُ مِنْ خَيْفَةً لِكَسْرَةِ الْخاءِ، فِي جُذُوعٍ أَيْ عَلى جُذُوعِ النَّخْلِ. خَطْبُكَ: بالُكَ،
مِساسَ: مُصْدَرُ ماسَّهُ مِساسًا، لَنَنْسِفَنَّهُ: لَتَذْرِيَتَّهُ. قاعًا: يَعْلُوهُ الْماءُ. وَالصَّفْصَفُ: الْمُسْتَوِي مِنَ
الأَرْضِ، وَقَالَ مُجاهِدٌ: أَوْزارًا: أَثْقالاً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ الْحُلْي الَّذِي اسْتَعارُوا مِنْ آَلٍ فِرْعَوْنَ.
فَقَذَفْتُها: فَأَلْقَيْتُها: أَلْقى: صَنَعَ. فَنَسِيَ مُوسى، هُمْ يَقُولُونَهُ أَخْطَأَ الرَّبَّ. لا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً:
الْعِجْلُ. هَمْسًا: حِسُّ الأَقْدَامِ، حَشَرْتَنِي أَعْمَى عَنْ جُجَّتِي وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا فِي الدُّنْيا. قَالَ ابْنُ
عَبَّاسٍ: بِقَبَسٍ ضَلُوا الطَّرِيقَ وَكانُوا شاَتَيْنَ فَقَالَ: إِنْ لَمْ أَجِدْ عَلَيْهَا مَنْ يَهْدِي الطَّرِيقَ آتِكُمْ بِنارٍ
تُوقِدُونَ. وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةٌ: أَعْدَلُهُمْ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَضْمًا لا يُظْلَمُ فَيُهْضَمُ مِنْ

٤٠٦
كتاب تفسير القرآن/ سورة طه
حَسَناتِهِ، عِوَجًا: وادِيَا، وَلا أَمْتًا: رابِيَّةً. سِيرَتَها: حالَتَها الأُولى. النّهى: التُّقى. ضَنْكًا: الشَّقاءُ،
هَوى: شَقِيَ. بِالْوادِي الْمُقَدِّسِ الْمُبارَكِ طُوّى: اسْمُ الْوادِي، بِمِلْكِنا: بِأَمْرِنا، مَكانًا سُوَى،
مَنْصَفٌ بَيْنَهُمْ يَبَسًا: يابِسًا. عَلى قَدَرٍ: مَوْعِدٍ، لا تَنِيا: لا تَضْعُفا، يَفْرُطَ: عُقُوبَةٌ.
([٢٠] طه)
مکية وهي مائة وأربع وثلاثون آية ولأبي ذر سورة طه.
(بسم الله الرحمن الرحيم) سقطت البسملة لغير أبي ذر.
(قال ابن جبير): سعيد مما وصله في الجعدیات للبغوي ومصنف ابن أبي شيبة ولأبي ذر بدل
ابن جبير عكرمة فيما وصله ابن أبي حاتم (والضحاك) بن مزاحم فيما وصله الطبري (بالنبطية طه)
معناه (يا رجل) ولأبي ذر: أي طه يا رجل بسكون الهاء، والمراد النبي ◌َّله. قال ابن الأنباري:
ولغة قريش وافقت تلك اللغة في هذا لأن الله تعالى لم يخاطب نبيه وَله بلسان قريش، وعن الخليل
من قرأ طه موقوفًا فهو يا رجل ومن قرأ طه بحرفين من الهجاء فقيل معناه اطمئن وقيل طأ
الأرض والهاء كناية عنها، وقال ابن عطية: الضمير في طه للأرض وخففت الهمزة فصارت ألفًا
ساكنة وقرأ الحسن طه بسكون الهاء من غير ألف بعد الطاء على أن الأصل طأ بالهمز أمر من
وطىء يطأ ثم أبدلت الهمزة هاء كإبدالهم لها في هرقت ونحوه أو على إبدال الهمزة ألفًا كأنه
أخذه من وطىء يطأ بالبدل ثم حذف الألف حملاً للأمر على المجزوم وتناسيًا لأصل الهمز ثم ألحق
هاء السكت وأجرى الوصل مجرى الوقف، وفي حديث أنس عند عبد بن حميد كان النبي ◌َّ و إذا
صلى قام على رجل ورفع الأخرى فأنزل الله طه أي طأ الأرض.
(وقال مجاهد): في قوله تعالى: ﴿قالوا يا موسى إما أن تلقي﴾ [طه: ٦٥]. (﴿ألقى﴾)
بفتح الهمزة والقاف أي (صنع) وسقط هذا لغير أبي ذر.
(وقوله تعالى: ﴿واحلل عقدة من لساني﴾ [طه: ٢٧]. يقال: كل ما لم ينطق بحرف أو فيه
تمتمة أو فأفأة فهي عقدة) وهذا ساقط لأبي ذر وإنما سأل موسى ذلك لأنه إنما يحسن التبليغ من
البليغ وقد كان في لسانه رتة وسببها كما روي أن فرعون حمله يومًا فأخذ لحيته ونتفها فغضب
وأمر بقتله فقالت آسية: إنه صبي لا يفرق بين الجمر والياقوت فأحضرا بين يديه فأخذ الجمرة
فوضعها في فيه، قوله من لساني متعلق بمحذوف على أنه صفة لعقدة أي من عقد لساني فلم
يسأل حل عقدة لسانه مطلقًا بل عقدة تمنع الإفهام ولذلك نكرها وجعل يفقهوا جواب الأمر، ولو
سأل الجميع لزال ولكن الأنبياء عليهم السلام لا يسألون إلا بحسب الحاجة. قال الحسن: واحلل
عقدة من لساني قال احلل عقدة واحدة ولو سأل أكثر من ذلك أعطي.
(﴿أزري﴾) في قوله: ﴿واجعل لي وزيرًا من أهلي هارون أخي أشدد به أزري﴾
[طه: ٢٩ - ٣١]. أي (ظهري) وجماعته أزر ويراد به القوّة يقال أزرت فلانًا على الأمر أي قويته.

٤٠٧
كتاب تفسير القرآن/ سورة طله
(﴿فيسحتكم﴾) أي [طه: ٦٣]. (بهللكم) بعذاب ويستأصلكم به.
(﴿المثلى﴾) في قوله تعالى: ﴿ويذهبا بطريقتكم المثلى﴾ [طه: ٦٣] - (تأنيث الأمثل) وهذا
ساقط لأبي ذر (يقول) إن غلب هذان يخرجاكم من أرضكم ويذهبا (بدينكم) أي الذي أنتم عليه
وهو السحر وقد كانوا معظمين بسبب ذلك ولهم أموال وأرزاق عليه (يقال: خذ المثلى) أي (خذ
الأمثل) وهو الأفضل.
(﴿ثم ائتوا صفًا﴾ يقال هل أتيت الصف اليوم؟ يعني المصلى الذي يصلى فيه) بفتح لام
المصلى ويصلى قاله أبو عبيدة والزجاج، والمعنى أنهم تواعدوا على الحضور إلى الموضع الذي كانوا
يجتمعون فيه لعبادتهم في عيدهم وقيل ائتوا مصطفين لأنه أهيب في صدور الرائين فهو حال من
فاعل ائتوا أي ذوي صف فهو مصدر في الأصل قيل وكانوا سبعين ألفًا مع كل منهم حبل وعصا
وأقبلوا عليه إقبالة واحدة وقوله: ثم ائتوا صفا إلى آخره ساقط لأبي ذر.
(﴿فأوجس﴾) أي (أضمر) ولأبي ذر فأوجس في نفسه (خوفًا فذهبت الواو من ﴿خيفة﴾
الكسرة الخاء) قال ابن عطية خيفة يصح أن يكون أصله خوفة قلبت الواو ياء للتناسب ويحتمل أن
يكون خوفة بفتح الخاء قلبت الواو ياء ثم كسرت الخاء للتناسب والخوف كان على قومه أن
يدخلهم شك فلا يتبعوه.
(﴿في جذوع﴾ أي على جذوع النخل) وضع حرفًا موضع آخر ومن تعدي صلب بفي قوله:
وقد صلبوا العبديّ في جذع نخلة فلا عطشت شيبان إلا بأجدعا
وهو مذهب كوفي وقال البصريون ليست في بمعنى على ولكن شبه تمكنهم تمكن من حواه
الجذع واشتمل عليه بتمكن الشيء الموعى في وعائه ولذا قيل في جذوع وهذا على طريق المجاز
أي استعمال في موضع على وهو أول من صلب وسقط قوله النخل لغير أبي ذر.
(﴿خطبك﴾) في قوله تعالى: ﴿قال فما خطبك﴾ أي ما (بالك) وما الذي حملك على ما
صنعت يا سامري.
(﴿مساس﴾) في قوله: ﴿أن تقول لامساس﴾ (مصدر ماسه مساسًا) أي مصدر لفاعل
كالقتال من قاتل والمعنى أن السامري عوقب على ما فعل من إضلاله بني إسرائيل باتخاذه العجل
والدعاء إلى عبادته في الدنيا بالنفي وبأن لا يمس أحدًا ولا يمسه أحد فإن مسه أحد أصابتهما
الحمى معًا لوقتهما وسقط قوله مساس الخ لأبي ذر.
(﴿لنتسفنه﴾) أي (لنذرينه) رمادًا بعد التحريق بالنار كما قال قبل لنحرّقنه.
(﴿قاعًا﴾) في قوله: ﴿فيذرها قاعًا﴾ (يعلوه الماء) قال في الدر وفي القاع أقوال قيل هو
إرشاد الساري/ ج ١٠/ م ٢٧

٤٠٨
كتاب تفسير القرآن/ سورة طله
منتقع الماء ولا يليق معناه هنا أو هو الأرض التي لا نبات فيها ولا بناء أو المكان المستوي وجمع
القاع أقوع وأقواع وقیعان.
(والصفصف) هو (المستوي من الأرض) وسقطت هذه لأبي ذر.
(وقال مجاهد) في قوله تعالى: ﴿ولكنا حملنا﴾ (﴿أوزارًا﴾﴾ [طه: ٨٧] أي (أثقالاً) كذا
الأبوي ذر والوقت ولأبي ذر وحده أيضًا أوزارًا وهي الأثقال (﴿من زينة القوم﴾) أي (الحلي الذي)
ولأبي ذر وهي الحلي التي (استعاروا من آل فرعون) وهذا وصله الفريابي وعند الحاكم من حديث
علي قال عمد السامري إلى ما قدر عليه من الحلي فضربه عجلاً ثم ألقى القبضة في جوفه فإذا هو
عجل له خوار وعند النسائي أنه لما أخذ القبضة من أثر الرسول أي من تربة موطىء فرس الحياة
التي كان راكبها جبريل لما جاء في غرق فرعون فمر بهارون فقال له ألا تلقي ما في يدك فقال لا
ألقيها حتى تدعوا الله أن تكون ما أريد فدعا له فألقاها وقال أريد أن تكون عجلاً له جوف يخور
(فقذفتها) أي (فألقيتها) في النار وفي نسخة (فقذفناها) فألقيناها والضمير لحلي القبط التي كانوا
استعاروها منهم حين هموا بالخروج من مصر وقيل هي ما ألقاه البحر على الساحل بعد إغراقهم
فأخذوه .
(﴿ألقي﴾) من قوله: ﴿فكذلك ألقى السامري﴾ [طه: ٨٧] أي (صنع) مثلهم من إلقاء ما
کان معه من الحلي.
(﴿فنسي﴾) أي (موسى هم) أي السامري وأتباعه (يقولونه) أي (أخطأ) موسى (الرب) الذي
هو العجل أن يطلبه ههنا وذهب يطلبه عند الطور أو الضمير في نسي يعود على السامري فيكون
من كلام الله أي فنسي السامري أي ترك ما كان عليه من إظهار الإيمان وفي آل ملك وغيره الرب
بالرفع وسقط من قوله فنسي إلى هنا لأبي ذر.
(﴿لا يرجع﴾) في قوله تعالى: ﴿أفلا يرون أن لا يرجع﴾ (﴿إليهم قولاً﴾﴾ [طه: ٨٩] أي
(العجل) أي أنه لا يرجع إليهم كلامًا ولا يرد عليهم جوابًا وسقطت لا من قوله لا يرجع لأبي
ذر.
(﴿همسًا﴾) في قوله: ﴿وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسًا﴾ [طه: ١٠٨] هو
(حس الأقدام) أي وقعها على الأرض ومنه همست الإبل إذا سمع ذلك من وقع أخفافها على
الأرض قال فهن يمشين بنا هميسًا وفسر هنا بخفق أقدامهم ونقلها إلى المحشر وقيل هو تحريك
الشفتين من غير نطق والاستثناء مفرغ.
(﴿حشرتني أعمى﴾) قال مجاهد فيما وصله الفريابي أي (عن حجتي) وهو نصب على الحال
(﴿وقد كنت بصيرًا﴾﴾ [طه: ١٢٥] أي (في الدنيا) بحجتي يريد أنه كانت له حجة بزعمه في
الدنيا فلما كوشف بأمر الآخرة بطلت ولم يهتد إلى حجة حق.

٤٠٩
كتاب تفسير القرآن/ سورة طله
(قال ابن عباس) في قوله تعالى ((بقبس﴾ ضلوا) أي موسى وأهله (الطريق) في سيرهم
لمصر (وكانوا شاتين) في ليلة مظلمة مثلجة ونزلوا منزلاً بين شعاب وجبال وولد له ابن وتفرقت
ماشيته وجعل يقدح بزند معه ليوري فجعل لا يخرج منه شرر فرأى من جانب الطور نارًا (فقال)
لأهله امكثوا إني أبصرت نارًا (إن لم أجد عليها من يهدي الطريق آتكم بنار توقدون) وفي نسخة
لأبي ذر تدفؤون بفتح الفوقية والفاء بدل توقدون وقوله في الآية ((لعلكم تصطلون﴾) يدل على
البرد وبقبس على وجود الظلام (﴿أو أجد على النار هدى﴾) على أنه قد تاه عن الطريق، وقول
ابن عباس هذا ثابت هنا على هامش الفرع كأصله مخرج له بعد قوله في الدنيا في رواية أبي ذر.
(وقال ابن عيينة) سفيان مما هو في تفسيره في قوله (أمثلهم طريقة) أي (أعدلهم) أي رأيًا أو
عملاً وسقط لغير أبي ذر طريقة.
(وقال ابن عباس) فيما وصله ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة في قوله تعالى:
﴿فلا يخاف ظلمًا ولا﴾ (﴿هضمًا﴾) أي (لا يظلم فيهضم من حسناته) ولفظ ابن أبي حاتم لا
يخاف ابن آدم يوم القيامة أن يظلم فيزداد في سيئاته ولا يهضم فينقص من حسناته (﴿عوجًا﴾) أي
(واديًا ﴿ولا أمتًا﴾) أي (رابية) قاله ابن عباس فيما وصله ابن أبي حاتم وسقط لغير أبي ذر لفظ
ولا من قوله ولا أمتًا.
(﴿سيرتها﴾) في قوله تعالى: ﴿سنعيدها سيرتها الأولى﴾ أي (حالتها) وهيئتها (الأولى) وهي
فعلة من السير تجوّز بها للطريقة وانتصابها على نزل الخافض.
(﴿النهي﴾) في قوله تعالى: ﴿إن في ذلك لآيات لأولي النهي﴾ [طه: ١٢٨] أي (التقى)
وقال في الأنوار لذوي العقول الناهية عن اتباع الباطل وارتكاب القبائح جمع نهية.
((ضنكًا﴾) في قوله تعالى: ﴿فإن له معيشة ضنكًا﴾ [طه: ١٢٤] (الشقاء) قاله ابن عباس
فيما وصله ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عنه وصحح ابن حبان من حديث أبي هريرة
مرفوعًا (﴿معيشة ضنكًا﴾) قال عذاب القبر وقال في الأنوار ضنكًا ضيقًا مصدر وصف به ولذلك
يستوي فيه المذكر والمؤنث.
(﴿هوى﴾) في قوله: ﴿ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى﴾ [طه: ٨١] قال ابن عباس فيما
وصله ابن أبي حاتم أي (شقی) وقال القاضي فقد تردّى وهلك وقيل وقع في الهاوية والأول
شامل لها.
(﴿بالوادي المقدّس﴾) أي (المبارك) ولغير أبي ذر المقدس المبارك مع إسقاط بالوادي
(﴿طوی﴾) [طه: ١٢] بالتنوين وبه قرأ ابن عامر والكوفيون (اسم الوادي) ولأبي ذر واد وهو بدل
من الوادي أو عطف بيان له أو مرفوع على إضمار مبتدأ أو منصوب بإضمار أعني.
(﴿بملكنا﴾) بكسر الميم في قوله تعالى: ﴿قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا﴾ [طه: ٨٧] وهي

٤١٠
كتاب تفسير القرآن/ سورة طه
قراءة أبي عمرو وابن كثير وابن عامر أي (بأمرنا) وعاصم ونافع بفتحها وحمزة والكسائي بضمها
وثلاثتها في الأصل لغات في مصدر ملكت الشيء.
(مكانًا سوى) في قوله: ﴿لا نخلفه نحن ولا أنت مكانًا سوى﴾ [طه: ٥٨] معناه (منصف)
تستوي مسافته (بينهم) قال في الأنوار وانتصاب مكانًا بفعل دل عليه المصدر لا به فإنه موصوف
وسقط لأبي ذر قوله بملكنا الخ.
(بيسا) في قوله: ﴿فاضرب لهم طريقًا في البحر يبسًا﴾ [طه: ٧٧] أي (يابسًا) صفة لطريقًا
وصف به لما يؤول إليه لأنه لم يكن يبسًا بعد إنما مرت عليه الصبا فجففته كما ذكر وقيل هو في
الأصل مصدر وصف به مبالغة أو على حذف مضاف أو جمع يابس كخادم وخدم وصف به
الواحد مبالغة.
(﴿على قدر﴾) في قوله: ﴿ثم جئت على قدر يا موسى﴾ [طه: ٤٠] أي (موعد) قدرته لأن
أكلمك وأستنبئك غير مستقدم ولا مستأخر قال أبو البقاء وهو متعلق بمحذوف على أنه حال من
فاعل جئت أي جئت موافقًا لما قدر لك قال في الدر وهو تفسير معنى والتفسير الصناعي ثم
جئت مستقرًا أو كائنًا على مقدار معين كقوله:
نال الخلافة أو جاءت على قدر كما أتى ربه موسى على قدر
(﴿لا تنيا﴾) في قوله تعالى: ﴿ولا تنيا في ذكري﴾ [طه: ٤٢] أي (لا تضعفا) قاله قتادة
فيما وصله عبد بن حميد وقال غيره لا تفترا يقال: ونى يني ونيًا كوعد يعد وعدًا إذا فتر.
(﴿يفرط﴾) في قوله تعالى: ﴿إنا نخاف أن يفرط علينا﴾ [طه: ٤٥] قال أبو عبيدة (عقوبة)
أي يتقدم بالعقوبة ولا يصبر إلى تمام الدعوة وإظهار المعجزة وسقط يفرط عقوبة لغير أبي ذر.
١ - باب قَوْلُهُ: ﴿وَأَضْطَتَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه: ٤١]
هذا (باب) بالتنوين (قوله) تعالى ثبت لفظ باب لأبي ذر وسقط له قوله: (﴿واصطنعتك
لنفسي﴾﴾ [طه: ٤١] افتعال من الصنع فأبدلت التاء طاء لأجل حرف الاستعلاء أي اصطفيتك
لمحبتي وهذا مجاز عن قرب منزلته ودنوه من ربه لأن أحدًا لا يصطنع إلا من يختاره.
٤٧٣٦ - حدّثنا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَهَ قَالَ: (الْتَّقى آدَمُ وَمُوسى فَقالَ مُوسى لآدَمَ: أَنْتَ الَّذِي أَشْقَيْتَ
النّاسَ وَأَخْرَجْتَهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ قَالَ لَهُ آدَمُ: أَنْتَ الَّذِي أَضْطَفَاكَ اللَّهُ بِرِسالَتِهِ وَأَصْطَفَاكَ لِنَفْسِهِ وَأَنْزَلَ
عَلَيْكَ التَّوْرَاةَ قالَ: نَعَمْ. قَالَ فَوَجَدْتَها كُتِبَ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي؟ قَالَ: نَعَمْ. فَحَجِّ آدَمُ
مُوسى)). آلْيَمْ: الْبَخْرُ.

٤١١
كتاب تفسير القرآن/ سورة طله
وبه قال: (حدّثنا الصلت بن محمد) بفتح الصاد المهملة وسكون اللام آخره فوقية الخاركي
بالخاء المعجمة والراء والكاف قال: (حدّثنا) ولأبي ذر حدّثني: بالإفراد (مهدي بن ميمون) الأزدي
المعولي بكسر الميم وسكون العين المهملة وفتح الواو البصري قال: (حدّثنا محمد بن سيرين)
الأنصاري البصري (عن أبي هريرة) رضي الله عنه (عن رسول الله وَ لي) أنه (قال):
(التقى آدم وموسى) بأشخاصهما أو بأرواحهما أو يوم القيامة أو في حياة موسى الدنيوية
أراه الله آدم فالتقيا أو بعد وفاته (فقال) ولأبي ذر قال (موسى لآدم: أنت الذي) وفي أحاديث
الأنبياء من طريق حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة أنت آدم الذي (أشقيت الناس) من الشقاوة
(وأخرجتهم من الجنة) أي بتناولك من الشجرة (قال له آدم: أنت الذي) ولأبي ذر قال آدم أنت
موسى الذي (اصطفاك الله برسالته) أي جعلك خالصًا صافيًا عن شائبة ما لا يليق بك (واصطفاك
لنفسه) وهذا موضع الترجمة (وأنزل عليك التوراة) فيها تبيان كل شيء من الأخبار بالغيوب
والقصص وغير ذلك من قوله وكتبنا له في الألواح من كل شيء (قال نعم. قال: فوجدتها) أي
الخطيئة (كتب علي) وللكشميهني كتبت بزيادة تاء التأنيث وللحموي والمستملي فوجدته أي الذنب
كتب عليّ في التوراة (قبل أن يخلقني)؟ أو الضمير في فوجدتها بالتأنيث يرجع إلى التوراة باعتبار
اللفظ وبالتذكير باعتبار المعنى أي الكتاب وعند ابن أبي حاتم من طريق يزيد بن هرمز عن أبي
هريرة قال: آدم فهل وجدت فيها يعني في التوراة ﴿وعصى آدم ربه فغوى﴾ (قال نعم فحج آدم
موسى) برفع آدم على الفاعلية أي غلبه بالحجة ويأتي مزيد لذلك قريبًا.
وهذا الحديث من إفراده من هذا الوجه.
(﴿اليمٌ﴾) في قوله تعالى: ﴿فاقذفيه في اليم﴾ [طه: ٣٩] هو (البحر) أي إطرحيه فيه.
٢ - باب ﴿وَأَوْحَيّنا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لا
تَخافُ دَرَكًا وَلا تَخْشَى فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنَ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ وَأَضَلَّ
فِرْعَوْنَ قَوْمَهُ وَمَا هَذَى﴾ [طه: ٧٧ - ٧٩]
(﴿وأوحينا﴾) ولأبي ذر باب بالتنوين ولقد أوحينا (﴿موسى أن أسر بعبادي﴾) أي أسر بهم
في الليل من أرض مصر (﴿فاضرب لهم طريقًا في البحر﴾) طريقًا نصب مفعول به وذلك على
سبيل المجاز وهو أن الطريق متسبب عن ضرب البحر إذ المعنى اضرب البحر لينفلق لهم فيصير
طريقًا فبذا صح نسبة الضرب إلى الطريق أو المعنى اجعل لهم طريقًا وقيل هو نصب على الظرف
قال أبو البقاء أي موضع طريق فهو مفعول فيه (﴿يبسّا﴾) ليس فيه ماء ولا طين (﴿لا تخاف
دوکًا﴾) أي يدركك فرعون من ورائك (﴿ولا تخشى﴾) أن يغرقك البحر أمامك (﴿فأتبعهم فرعون
بجنوده﴾) أي فأتبعهم فرعون نفسه ومعه جنوده فحذف المفعول الثاني والباء للتعدية أو زائدة في
المفعول الثاني أي فأتبعهم فرعون وجنوده (﴿فغشيهم من اليم ما غشيهم﴾) هو من باب الاختصار

٤١٢
كتاب تفسير القرآن/ سورة طله
وجوامع الكلم التي يقل لفظها ويكثر معناها أي فغشيهم ما لا يعلم كنهه إلا الله ولا ضمير في
غشيهم لجنوده أوله ولهم والفاعل هو الله تعالى أو ما غشيهم أو فرعون لأنه الذي ورطهم للهلاك
(﴿وأضل فرعون قومه﴾) في الدين (﴿وما هدى)) [طه: ٧٧ - ٧٩] وهو تكذيب له في قوله وما
أهديكم إلا سبيل الرشاد وأضلهم في البحر وما نجا، وسقط قوله لا تخاف الخ ولأبي ذر وقال
بعد قوله ییسًا إلى قوله وما هدى.
٤٧٣٧ - حدثني يَعْقُوبُ بْنُ إِبْراهِيمَ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدْثَنا أَبُو بِشْرٍ، عَنْ
سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ الْمَدِينَةَ وَالْيَهُودُ
تَصُومُ عاشوراءَ فَسَأَلَهُمْ فَقالُوا: هذا الْيَوْمُ الَّذِي ظَهَرَ فِيهِ مُوسَى عَلَى فِرْعَوْنَ فَقالَ النّبِيُّ ◌َّ:
(نَحْنُ أَوْلِى بِمُوسى مِنْهُمْ فَصُومُوهُ)).
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد ولأبي ذر: حدّثنا (يعقوب بن إبراهيم) الدورقي قال: (حدّثنا
روح) بفتح الراء وسكون الراء وسكون الواو آخره مهملة ابن عبادة قال: (حدّثنا شعبة) بن
الحجاج قال: (حدَّثنا أبو بشر) بكسر الموحدة وسكون المعجمة جعفر بن أبي وحشية (عن
سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما) أنه (قال: لما قدم رسول الله وَّلقر المدينة واليهود
تصوم عاشوراء) قال الطيبي: هو من باب الصفة التي لم يرد لها فعل والتقدير يوم مدته عاشوراء
أو صورته عاشوراء، قيل: وليس في كلامهم فاعولاء غيره وقد يلحق به تاسوعاء، وذهب
بعضهم إلى أنه أخذ من العشر الذي هو من إظماء الإبل ولهذا زعموا أنه اليوم التاسع وسبق تقرير
ذلك في الصوم فليراجع ولأبي ذر تصوم يوم عاشوراء (فسألهم) ما هذا الصوم وكان هذا في
السنة الثانية من قدومه و 9 (فقالوا): أي اليهود (هذا اليوم الذي ظهر فيه موسى) عليه السلام
(على فرعون) أي غلب عليه وفي الصوم من طريق أيوب عن عبد الله بن سعيد بن جبير عن أبيه
قالوا: هذا يوم صالح هذا يوم نجى الله فيه بني إسرائيل من عدوّهم (فقال النبي وَّر): وسقط
لأبي ذر قوله النبي الخ لأبي ذر:
(نحن أولى بموسى منهم) بضمير الغيبة (فصوموه) وفي الصوم فصامه وأمر بصيامه.
٣ - باب قَوْلِهِ: ﴿فَلا يُخْرِ جَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى﴾ [طه: ١١٧]
(باب قوله) تعالى: ((فلا يخرجنكما﴾) فلا يكونن سببًا لإخراجكما (﴿من الجنة فتشقى﴾)
[طه: ١١٧] أسند إلى آدم الشقاء وحده دون حواء بعد اشتراكهما في الخروج لأن في ضمن شقاء
الرجل وهو قيّم أهله شقاءهم فاختصر الكلام بإسناده إليه دونها أو لأن المراد بالشقاء التعب في
طلب المعاش الذي هو وظيفة الرجال وسقط باب قوله لغير أبي ذر.
٤٧٣٨ - حدّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ النَّارِ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي

٤١٣
كتاب تفسير القرآن/ سورة الأنبياء
سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ نَ قالَ: ((حاجَّ مُوسَى آدَمَ فَقالَ
لَهُ: أَنْتَ الَّذِي أَخْرَجْتَ النَّاسَ مِنَ الْجَنَّةِ بِذَنْبِكَ فَأَشْقَيْتَهُمْ قالَ: قَالَ آدَمُ يا مُوسَى أَنْتَ الَّذِي
أَضْطَفاكَ اللَّهُ بِرِسالاتِهِ وَبِكَلامِهِ أَتَلُومُنِي عَلى أَمْرٍ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي أَوْ قَدَّرَهُ عَلَيَّ قَبْلَ
أَنْ يَخْلُقَنِي، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ: ((فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى)).
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) الثقفي البغلاني وسقط لغير أبي ذر ابن سعيد قال: (حدّثنا
أيوب بن النجار) بالنون والجيم المشددة وبعد الألف راء الحنفي اليمامي كان يقال إنه من الإبدال
(عن يحيى بن أبي كثير) بالمثلثة الطائي مولاهم (عن أبي سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف (عن أبي
هريرة رضي الله عنه عن النبي وٍَّ) أنه (قال):
(حاج موسى آدم) بالنصب على المفعولية (فقال) موسى (له أنت الذي أخرجت الناس من
الجنة بذنبك) وهو الأكل من الشجرة التي نهي عنها (فأشقيتهم) بكدّ الدنيا وتعبها والجملة مبنية
لمعنى حاج موسى آدم (قال: قال آدم) مجيبًا له (يا موسى أنت الذي اصطفاك الله برسالاته) بالجمع
باعتبار الأنواع وبالإفراد فقط في اليونينية (بكلامه) على الناس الموجودين في زمانك وفي الرواية
السابقة قريب وأنزل عليك التوراة (أتلومني) بهمزة الإنكار ولمسلم أفتلومني بفاء بعد الهمزة وفيه
حذف ما تقتضيه الهمزة وفاء العطف من الفعل أي أتجد في التوراة هذا النص الجلي وأنه ثابت قبل
كوني وقد حكم بأن ذلك كائن لا محالة فكيف تغفل عن العلم السابق وتذكر الكسب الذي هو
السبب وتنسى الأصل الذي هو القدر وأنت ممن اصطفاك الله من المصطفين الأخيار الذين
يشاهدون سر الله من وراء الأستار فتلومني (على أمر كتبه الله علي قبل أن يخلقتي أو قدره علي) بأن
كتبه في اللوح المحفوظ أو صحف التوراة وألواحها (قبل أن يخلقني) زاد مسلم بأربعين سنة
والشك من الراوي (قال رسول الله وي: فحج آدم موسى) برفع آدم على الفاعلية أي غلب عليه
بالحجة بأن ما صدر منه لم يكن مستقلاً به متمكنًا من تركه بل كان أمرًا مقضيًا وقيل إنما احتج
في خروجه من الجنة بأن الله خلقه ليجعله خليفة في الأرض ولم ينف عن نفسه الأكل من الشجرة
التي نهي عنها، وقيل: إنما احتج بأن التائب لا يلام بعد توبته على ما كان منه.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
[٢١] سُورَةُ الأَنْبِياءِ
([٢١] [سورة الأنبياء)
مكية وهي مائة واثنتا عشر آية .
(بسم الله الرحمن الرحيم).
سقطت البسملة لغير أبي ذر.

٤١٤
كتاب تفسير القرآن/ سورة الأنبياء
٤٧٣٩ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحُقَ قالَ: سَمِعْتُ
عَبْدَ الرَّحْمُنِ بْنَ يَزِيدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قالَ بَنِي إِسْرائِيلَ، وَالْكَهْفُ وَمَرْيَمُ، وَطْهُ، وَالأَنْبِياءُ هُنَّ مِنَ
الْعِتاقِ الأُوَلِ وَهُنَّ مِنْ تِلادِي. وَقَالَ قَتَادَةُ جُذاذًا: قَطَّعَهُنَّ. وَقَالَ الْحَسَنُ فِي فَلَكِ: مِثْلٍ فَلَكَةٍ
الْمِغْزَلِ، يَسْبَحُونَ: يَدُورُونَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ نَفَشَتْ: رَعَتْ يُصْحَبُونَ: يُمْتَعُونَ. أُمَّتُكُمْ أُمَّةً
واحِدَةً قالَ: دِينُكُمْ دِينٌ واحِدٌ، وَقالَ عِكْرِمَةُ: حَصَبُ: حَطَبُ بِالْحَبَشِيَّةِ، وَقَالَ غَيْرُهُ أَحَسُوا:
تَوَقَّعُوهُ مِنْ أَحْسَسْتُ. خامِدِينَ: هامِدِينَ، حَصِيدٌ مُسْتَأْصَلٌ يَقَعُ عَلَى الْوَاحِدِ وَالاثْنَيْنِ وَالْجَمِيعِ،
لا يَسْتَحْسِرُونَ: لا يُعْيُونَ وَمِنْهُ حَسِيرٌ وَحَسَرْتُ بَعِيرِي، عَمِيقٍ: بَعِيدٍ. نُكِسُوا: رُدُّوا، صَنْعَةً
لَبُوسٍ: الدُّرُوعُ. تَقَطَّعُوا أَمْرَهُمُ: أَخْتَلَفُوا، الْحَسِيسُ: وَالْحِسُّ وَالْجَرْسُ وَالْهَمْسُ واحِدٌ وَهُوَ مِنَ
الصَّوْتِ الْخَفِيِّ. آذَنَّاكَ: أَعْلَمْناكَ، آذَنْتُكُمْ إِذا أَعْلَمْتَهُ فَأَنْتَ وَهُوَ عَلى سَواءٍ لَمْ تَغْدِرْ، وَقالَ
مُجاهِدٌ: لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ: تُفْهَمُونَ. أَرْتَضْى: رَضِيَ. التَّمائِيلُ: الأَصْنامُ، السّجِلُ: الصَّحِيفَةُ.
وبه قال: (حدّثنا) بالجمع ولأبي ذر: حدّثني (محمد بن بشار) بالموحدة المفتوحة والمعجمة
المشددة بندار العبدي البصري قال: (حدّثنا غندر) محمد بن جعفر الهذلي البصري قال: (حدّثنا
شعبة) بن الحجاج (عن أبي إسحلق) عمرو بن عبد الله السبيعي أنه (قال: سمعت
عبد الرحمن بن يزيد) النخعي الكوفي (عن عبد الله) يعني ابن مسعود رضي الله عنه (قال بني
إسرائيل) فيه حذف المضاف وإبقاء المضاف إليه على حاله أي سورة إسرائيل (والكهف) بالرفع أي
والثاني الكهف فهو خبر مبتدأ محذوف (ومريم وطه والأنبياء) رفع كالأول (هن) الأربعة (من
العتاق الأول) بكسر العين المهملة وتخفيف الفوقية جمع عتيق وهو ما بلغ الغاية في الجودة والأول
بضم الهمزة وفتح الواو المخففة والأولية باعتبار النزول لأنهن نزلن بمكة (وهن من تلادي) بكسر
الفوقية وتخفيف اللام وكسر الدال المهملة أي مما حفظته قديمًا من القرآن ضد الطارف وإنما كانت
الأنبياء بهذا الوصف لتضمنها أخبار جلة الأنبياء وغير ذلك.
وقد سبق هذا الحديث أول سورة بني إسرائيل.
(وقال قتادة): فيما وصله الطبري من طريق سعيد عنه في تفسير قوله تعالى: ﴿فجعلهم﴾
(﴿جذاذًا﴾) بضم الجيم (قطعهن) وعبّر بقوله جعلهم وهو ضمير العقلاء معاملة للأصنام معاملة
العقلاء حيث اعتقدوا فيها ذلك وقرأ الكسائي بكسر الجيم لغتان بمعنى.
(وقال الحسن) البصري في قوله تعالى: (﴿في ذلك﴾) أي في (مثل فلكة المغزل) بكسر
الميم وفتح الزاي وهذا وصله ابن عيينة وقال الفلك مدار النجوم والفلك في كلام العرب كل
مستدير وجمعه أفلاك ومنه فلكة المغزل، وقال آخر: الفلك ماء مجموع تجري فيه الكواكب واحتج
بأن السباحة لا تكون إلا في الماء وأجيب: بأنه يقال في الفرس الذي يمد يديه في الجري سابح
فلا دليل فيما احتج به .

٤١٥
كتاب تفسير القرآن/ سورة الأنبياء
(﴿يسبحون﴾) قال ابن عباس: (يدورون) كما يدور المغزل في الفلكة، ولذا قال مجاهد فلا
يدور المغزل إلا بالفلكة ولا الفلكة إلا بالمغزل كذلك النجوم والقمران لا يدرن إلا به ولا يدور
إلا بهن.
(قال ابن عباس): مما وصله ابن أبي حاتم في قوله تعالى: إذ (﴿نقشت﴾) أي (رعت)
(﴿فيه غنم القوم﴾) وزاد أبو ذر ليلاً (﴿يصحبون﴾) في قوله: ﴿ولا هم منا يصحبون﴾ أي
(يمنعون) قاله ابن عباس فيما وصله ابن المنذر، وقال مجاهد: ينصرون.
(أمتكم أمة واحدة قال): أي ابن عباس أي (دينكم دين واحد) وأصل الأمة الجماعة التي
هي على مقصد واحد فجعلت الشريعة أمة لاجتماع أهلها على مقصد واحد.
(وقال عكرمة) في قوله ((حصب﴾) أي (حطب) بالطاء بدل الصاد (بالحبشية) وقيل
باليمانية وهي قراءة أبي وعائشة والظاهر أنها تفسير لا تلاوة والحصب بالصاد ما يرمى به في النار
ولا يقال له حطب إلا وهو في النار فأما قبل ذلك فحطب وشجر وهذه ساقطة لأبي ذر.
(وقال غيره): غير عكرمة (﴿أحسوا﴾) في قوله تعالى: ﴿فلما أحسوا بأسنا﴾
[الأنبياء: ١٢] أي (توقعوه) ولأبي ذر توقعوا بحذف الضمير مشتق (من أحسست) من الإحساس
وقال في الأنوار فلما أدركوا شدة عذابنا إدراك المشاهد المحسوس (﴿خامدين﴾) أي (هامدين) قاله
أبو عبيدة.
((حصيدًا﴾) ولأبي ذر والحصيد أي في قوله تعالى: ﴿حتى جعلناهم حصيدًا خامدين﴾
[الأنبياء: ١٥] معناه (مستأصل) كالنبت المحصود شبههم في استئصالهم به كما تقول جعلناهم
رمادًا أي مثل الرماد ولفظه (يقع على الواحد والاثنين والجميع) وهو مفعول ثان لأن الجعل هنا
تصيير .
فإن قلت: کیف ینصب جعل ثلاثة مفاعيل؟ أجیب: بأن حصیدًا وخامدین يجوز أن يكونا
من باب هذا حلو حامض كأنه قيل جعلناهم جامعين بين الوصفين جميعًا والمعنى أنهم هلكوا بذلك
العذاب حتى لم يبق حس ولا حركة وجفوا كما يجف الحصيد وخمدوا كما تخمد النار.
(﴿لا يستحسرون﴾) قال أبو عبيدة (لا يعيون) في الفرع وأصله بضم أوله مصححًا عليه
وثالثه وكلاهما مصلح على كشط من أعيا وفي نسخة عن أبي ذر يعيون بفتحهما ورده ابن التين
والسفاقسي وصوّب الضم وأجاب العيني بأن الصواب الفتح لأن معناه لا يعجزون وقيل لا
ینقطعون (ومنه حسیر وحسرت بعيري) أي أعييته.
وقوله: (﴿عميق)) في سورة الحج أي (بعيد) ويحتمل أن يكون ذكره هنا سهوًا من ناسخ
أو غيره.

٤١٦
كتاب تفسير القرآن/ سورة الأنبياء
(﴿نكسوا﴾) بتشديد الكاف مبنيًا للمفعول وهي قراءة أبي حيوة وغيره لغة في المخففة في
قوله: ﴿ثم نكسوا على رؤوسهم﴾ [الأنبياء: ٦٥] أي (ردوا) بضم الراء إلى الكفر بعد أن أقروا
على أنفسهم بالظلم أو قلبوا على رؤوسهم حقيقة بفرط إطراقهم خجلاً وانكسارًا وانخزالاً مما بهتهم
إبراهيم عليه السلام فما أحاروا جوابًا إلا ما حجة لإبراهيم حين جادلهم فقالوا لقد علمت ما
هؤلاء ينطقون فأقروا بهذه الحجة التي لحقتهم.
((صنعة لبوس﴾) هي (الدروع) لأنها تلبس وهو بمعنى الملبوس كالحلوب والركوب.
(تقطعوا أمرهم) أي (اختلفوا) أي في الدين فصاروا فرقًا أحزابًا والأصل وتقطعتم إلا أنه
صرف إلى الغيبة على طريق الالتفات كأنه ينعى عليهم ما أفسدوه إلى آخرين ويقبح عندهم فعلهم
ويقول لهم: ألا ترون إلى عظيم ما ارتكب هؤلاء في دين الله والمعنى اختلفوا في الدين فصاروا
فرقًا وأحزابًا قاله في الكشاف.
(الحسيس والحس) في قوله: ﴿لا يسمعون حسيسها﴾ [الأنبياء: ١٠٢] (والجرس) بفتح الجيم وسكون
الراء (والهمس) بفتح الهاء وسكون الميم (واحد) في المعنى (وهو من الصوت الخفي) بالرفع خبر المبتدأ
الذي هو قوله وهو معنى الآية: لا يسمعون صوتها وحركة تلهبها إذا نزلوا منازلهم في الجنة.
(﴿آذناك﴾) ﴿ما منا من شهيد﴾ [فصلت: ٤٧] بفصلت معناه (أعلمناك) وذكره مناسبة لقوله: فإن
تولوا فقل: ((آذنتكم)) قال أبو عبيدة: (إذا) أنذرت عدوّك و(أعلمته) بالحرب (فأنت وهو على سواء
لم تغدر) ومعنى الآية أعلمتكم بالحرب وأنه لا صلح بيننا على سواء لتتأهبوا لما يراد بكم فلا غدر
ولا خداع (وقال مجاهد) فيما وصله الفريابي في قوله: ((لعلكم تسألون﴾) أي (تفهمون) بضم
الفوقية وسكون الفاء وفتح الهاء مخففة وفي نسخة تفهمون بفتح فسكون ففتح مخففًا، ولابن المنذر
من وجه آخر تفقهون، وقال بعضهم: أي ارجعوا إلى نعمتكم ومساكنكم لعلكم تسئلون عما
جرى عليكم ونزل بأموالكم ومساكنكم فتجيبوا السائل عن علم ومشاهدة.
(﴿ارتضى﴾) في قوله: ﴿ولا يشفعون إلا لمن ارتضى﴾ [الأنبياء: ٢٨] أي (رضي) أن
يشفع له مهابة منه وسقطت هذه لأبي ذر.
(﴿التماثيل﴾) هي (الأصنام) والتمثال اسم للشيء الموضوع مشبهًا بخلق من خلق الله.
(﴿السجل﴾) في قوله: ﴿كطي السجل﴾ [الأنبياء: ١٠٤] هو (الصحيفة) مطلقًا أو مخصوص بصحيفة
العهد وطيّ مصدر مضاف للمفعول والفاعل محذوف تقديره كما يطوي الرجل الصحيفة ليكتب فيها.
١ - باب ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنا﴾ [الأنبياء: ١٠٤]
هذا (باب) بالتنوين في قوله: (﴿كما بدأنا أول خلق نعيده﴾) الكاف تتعلق بنعيد وما
مصدرية وبدأنا صلتها وأول خلق مفعول بدأنا قاله أبو البقاء أي نعيد أول خلق إعادة مثل بداءتنا

٤١٧
كتاب تفسير القرآن/ سورة الأنبياء
له أي كما أبرزناه من العدم إلى الوجود نعيده من العدم إلى الوجود وقد اختلف في كيفية الإعادة
فقيل إن الله يفرّق أجزاء الأجسام ولا يعدمها ثم يعيد تركيبها أو يعدمها بالكلية ثم يوجدها بعينها
والآية تدل على ذلك لأنه شبه الإعادة باللابتداء وهو عن الوجود بعد العدم (﴿وعدًا علينا﴾)
[الأنبياء: ١٠٤] الإعادة وقيل المراد حقًا علينا بسبب الإخبار عن ذلك وتعلق العلم بوقوعه وإن
وقوع ما علم الله وقوعه واجب وسقط باب لغير أبي ذر وكذا وعدًا علينا.
٤٧٤٠ - حدثنا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدِّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ الثَّعْمانِ شَيْخٍ مِنَ النَّخَعِ،
عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: خَطَبَ النَّبِيِّ وَ﴿ فَقالَ: ((إِنَّكُمْ
مَحْشُورُونَ إِلَى اللَّهِ حُفاةً عُراةً غُزْلاً ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوْلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ﴾
[الأنبياء: ١٠٤] ثُمَّ إِنَّ أَوَّلَ مَنْ يُكْسى يَوْمَ الْقِيامَةِ إِبْراهِيمُ، أَلا إِنَّهُ يُجاءُ بِرِجالٍ مِنْ أُمَّتِي فَيُؤْخَذُ بِهِمْ
ذاتَ الشّمالِ فَأَقُولُ: يا رَبِّ أَصْحابِي فَيُقالُ: لا تَدْرِي ما أحْدَثُوا بَعْدَكَ؟ فَأَقُولُ كَما قالَ الْعَبْدُ
الصَّالِحُ: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ﴾ إِلى قَوْلِهِ: ﴿شَهِيدٌ﴾ [المائدة: ١١٧] فَيُقالُ إِنَّ هَؤُلاءِ لَمْ
يَزالُوا مُرْتَدِينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ)).
وبه قال: (حدثنا سليمان بن حرب) الواشحي قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن
المغيرة بن النعمان) بضم النون وسكون العين النخعي الكوفي (شيخ) بالجر بدلاً من سابقه (من
النخع) بفتح الخاء (عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما) أنه (قال: خطب
النبي ◌َ﴾ فقال):
(إنكم محشورون) مجموعون (إلى الله حفاة) بالحاء المهملة كذا في الفرع وأصله وسقطت في
بعض النسخ (عراة) من الثياب (غرلاً) بغين معجمة مضمومة فراء ساكنة جمع أغرل وهو الأقلف
الذي لم يختن، قال أبو الوفاء بن عقيل: لما أزالوا تلك القطعة في الدنيا أعادها الله ليذيقها من
حلاوة فضله (﴿كما بدأنا أول خلق نعيده وعدًا علينا إنا كنا فاعلين﴾ ثم إن أول من يكسى يوم
القيامة إبراهيم) وسقط لفظ إن لغير الكشميهني فالتالي رفع قيل وخصوصية إبراهيم بهذه الأولية
لكونه ألقي في النار عريانًا وزاد الحليمي في منهاجه من حديث جابر ثم محمد ثم النبيون (ألا)
بالتخفيف (إنه) أي لكن إن الشأن (يجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال) أي جهة النار
(فأقول يا رب أصحابي فيقال لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول كما قال العبد الصالح) عيسى عليه
الصلاة والسلام: (﴿وكنت عليهم شهيدًا ما دمت﴾) ولأبي ذر فيهم (﴿إلى قوله: شهيد﴾ فيقال إن
هؤلاء لم يزالوا مرتدين على أعقابهم) ولأبي ذر عن المستملي إلى أعقابهم (منذ فارقتهم) والمراد
بمرتدين التخلف عن الحقوق الواجبة.
وقد مرّ هذا الحديث في آخر سورة المائدة.
إرشاد الساري/ ج ١٠/ م ٢٧

٤١٨
كتاب تفسير القرآن/ سورة الحج
[٢٢] سُورَةُ الْحَجْ
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ الْمُخْبِتِينَ: الْمُطْمَئِنِينَ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي
﴿إِذَا تَمَنَّى أَلْقى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ إِذا حَدَّثَ أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي حَدِيثِهِ فَيُبْطِلُ اللَّهُ ما يُلْقِي
الشَّيْطانُ وَيُحْكِمُ آيَاتِهِ. وَيُقالُ: أُمْنِيَّتُهُ: قِراءَتُهُ، إِلاَّ أَمانِيَّ يَقْرَؤُونَ وَلاَ يَكْتُبُونَ. وَقالَ مُجاهِدٌ:
مَشِيدٍ بِالْقَصَّةِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: يَسْطُونَ: يَفْرُطُونَ مِنَ السَّطْوَةِ، وَيُقالُ يَسْطُونَ يَبْطُشُونَ. ﴿وَهُدُوا إِلَى
الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ أُلْهِمُوا. ﴿وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ﴾ الإِسْلامِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بِسَبَبٍ
بِحَبْلٍ إِلى سَقْفِ الْبَيْتِ. تَذْهَلُ: تُشْغَلُ.
([٢٢] سورة الحج)
مكية إلا ﴿هذان خصمان﴾ إلى تمام ثلاث آيات أو أربع إلى قوله: ﴿عذاب الحريق) وهي
ثمان وسبعون آية .
(بسم الله الرحمن الرحيم) ثبتت البسملة لأبي ذر.
(وقال ابن عيينة) سفيان فيما أسنده في تفسيره عن ابن أبي نجيح عن مجاهد (﴿المخبتين))
في قوله تعالى: ﴿وبشّر المخبتين﴾ [الحج: ٣٤]. أي (المطمئنين) إلى الله. وقال ابن عباس
المتواضعين الخاشعين، وقال الكلبي: هم الرقيقة قلوبهم، وقال عمرو بن أوس هم الذين لا
يظلمون وإذا ظلموا لم ينتصروا.
(وقال ابن عباس): فيما وصله الطبري (في) قوله تعالى: (﴿إذا تمنى ألقى الشيطان في
أمنيته﴾) [الحج: ٥٢]. أي (إذا حدث) أي إذا تلا النبي وَّر شيئًا من الآيات المنزلة عليه من الله
(ألقى الشيطان في حديثه) في تلاوته عند سكتة من السكتات بمثل نغمة ذلك النبي ما يوافق رأي
أهل الشرك من الباطل فيسمعونه فيتوهمون أنه مما تلاه النبي بَل وهو منزه عنه لا يخلط حقًّا بباطل
حاشاه الله من ذلك (فيبطل الله ما يلقي) ولأبي ذر عن الكشميهني ما ألقى (الشيطان ويحكم آياته)
أي يثبتها (ويقال) إن (أمنيته) هي (قراءته) وفي اليونينية أمنيته قراءته بالرفع فيهما وفي بعض
الأصول وكثير من النسخ أمنيته قراءته بجرهما على ما لا يخفى.
(﴿إلا أماني﴾) بالبقرة أي (يقرؤون ولا يكتبون) وهذا أورده المؤلف رحمه الله استشهادًا على
أن تمنى في قوله تعالى في هذه السورة ﴿إلا إذا تمنى﴾ بمعنى قرأ وهو خلاف ما فسره به صاحب
الأنوار حيث قال: إذا تمنى إذا زوّر في نفسه ما يهواه ألقى الشيطان في أمنيته في نشهيه ما يوجب
اشتغاله بالدنيا كما قال عليه السلام: إنه ليغان على قلبي فاستغفر الله في اليوم سبعين مرة فينسخ
الله ما يلقى الشيطان فيبطله الله ويذهب به بعصمته عن الركون إليه والإرشاد إلى ما يزيحه ثم يحكم
الله آياته ثم يثبت آياته الداعية إلى الاستغراق في أمر الآخرة قيل إنه حدّث نفسه يعني النبي وَلقر
بزوال المسكنة فنزلت انتهى.

٤١٩
كتاب تفسير القرآن/ سورة الحج
والحامل له على هذا التفسير كغيره ما في ظاهر هذه القصة من البشاعة وقد رواها ابن أبي
حاتم والطبري وابن المنذر من طرق عن شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير قال: قرأ
رسول الله ولو بمكة النجم فلما بلغ: ﴿أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى﴾
[النجم: ١٩، ٢٠] ألقى الشيطان على لسانه تلك الغرانيق العلا وأن شفاعتهن لترتجى. فقال
المشركون ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم فسجد وسجدوا فنزلت هذه الآية. ورواها البزار وابن
مردويه من طريق أمية بن خالد عن شعبة فقال في إسناده عن سعيد بن جبير عن ابن عباس فيما
أحسب ثم ساق الحديث، وقال البزار: لا يروى متصلاً إلا بهذا الإسناد تفرد بوصله أمية بن
خالد وهو ثقة مشهور قال: وإنما يروى هذا من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس
انتھی.
والكلبي متروك لا يعتمد عليه، ورواها أيضًا ابن إسحق في سيرته وموسى بن عقبة في
مغازيه وأبو معشر في آخرين وكلها مراسيل وقد طعن فيها غير واحد من الأئمة حتى قال ابن
إسحاق: وقد سئل عنها هي من وضع الزنادقة وقال البيهقي غير ثابتة نقلاً ورواتها مطعونون،
وأطنب القاضي عياض في الشفاء في توهين أصلها فشفى وكفى إذ سدّ هذا الباب هو الصواب،
وأربح للثواب، وإن كانت كثرة الطرق تدل على أن لها أصلاً لا سيما وقد رواها الطبري من
طريقين مرسلين رجالهما على شرط الصحيح. أولهما: طريق يونس بن يزيد عن ابن شهاب
حدثني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فذكر نحوه، وثانيهما: طريق المعتمر بن
سليمان وحماد بن سلمة فرقهما عن داود بن أبي هند عن أبي العالية وكذا طريق سعيد بن جبير
السابقة وحينئذ فردها لا يتمشى على القواعد الحديثية بل ينبغي أن يحتج بهذه الثلاثة من يحتج
بالمرسل ومن لا يحتج به لاعتضاد بعضها ببعض كما قرره شيخ الصنعة وإمامها الحافظ أبو
الفضل بن حجر.
وإذا سلمنا أن لها أصلاً وجب تأويلها وأحسن ما قيل في ذلك أن الشيطان نطق بتلك
الكلمات أثناء قراءة النبي ◌َّه عند سكتة من السكتات محاكيًا نغمته فسمعها القريب منه فظنها من
قوله وأشاعها .
وفي كتابي المواهب اللدنية بالمنح المحمدية زيادات على ما ذكرته هنا، وقد قال مجاهد أنه
عليه السلام كان يتمنى إنزال الوحي عليه بسرعة دون تأخير فنسخ الله ذلك بأن عرّفه أن إنزال
ذلك بحسب المصالح في الحوارث والنوازل، وقيل إنه وَّ كان يتفكر عند نزول الوحي في تأويله
إذا كان مجملاً فيلقي الشيطان في جملته ما لم يرده فبين تعالى أنه ينسخ ذلك بالإبطال ويحكم ما أراد
بأدلته وآياته، وقيل إذا تمنى أي إذا أراد فعلاً مقربًا إلى الله ألقى الشيطان في فكره ما يخالفه فرجع
إلى الله في ذلك وهو كقوله: ﴿وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله﴾ [الأعراف: ٢٠٠]
لكن قال بعضهم لا يجوز حمل الأمنية على تمني القلب لأنه لو كان كذلك لم يكن ما يخطر بباله

٤٢٠
كتاب تفسير القرآن/ سورة الحج
عليه السلام فتنة للكفار وذلك يبطله قوله تعالى: ﴿ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم
مرض﴾ [الحج: ٥٣]. وأجيب: بأنه لا يبعد أنه إذا قوي التمني يشتغل الخاطر فيحصل السهو
في الأفعال الظاهرة بسببه فيصير ذلك فتنة لهم.
(وقال مجاهد): مما وصله الطبري من طريق ابن أبي نجيح عنه (﴿مشيد﴾) في قوله: ﴿وبتر
معطلة وقصر مشيد﴾ [الحج: ٤٥]. أي (بالقصة) بفتح القاف والصاد المهملة المشددة ولأبي ذر
جص بكسر الجيم وتشديد الصاد المهملة والرفع أي هي حص وهذه ثابتة لأبي ذر والمشيد بكسر
المعجمة الجص وهو الكلس وقيل المشيد المرفوع البنيان، والمعنى كم من قرية أهلكنا وكم بئر عطلنا
عن سقاتها وقصر مشيد أخليناه عن ساكنيه وجعلنا ذلك عبرة لمن اعتبر، وقيل إن البئر المعطلة
والقصر المشيد باليمن ولكل أهل فكفروا فأهلكهم الله وبقيا خاليين.
وذكر الإخباريون أن القصر من بناء شداد بن عاد فصار معطلاً لا يستطيع أحد أن يقرب
منه على أميال مما يسمع فيه من أصوات الجن المنكرة.
(وقال غيره) أي غير مجاهد في قوله تعالى: ﴿يكادون﴾ (﴿يسطون﴾) أي (يفرطون) بفتح
التحتية وسكون الفاء وضم الراء المهملة من باب نصر ينصر مشتق (من السطوة) وهي القهر
والغلبة وقيل إظهار ما يهول للإخافة (ويقال) هو قول الفراء والزجاج (يسطون) أي (يبطشون)
بكسر الطاء وضمها والأول لأبي ذر والمعنى أنهم يهمون بالبطش والوثوب تعظيمًا لإنكار ما
خوطبوا به أي يكادون يبطشون بالذين يتلون عليهم آياتنا بمحمد والتر وأصحابه من شدّة الغيظ
ويسطون ضمن معنى يبطشون فتعدى تعديته وإلا فهو متعد بعلى يقال سطا عليه.
(﴿وهدوا إلى الطيب من القول﴾) [الحج: ٢٤] قال ابن عباس فيما أخرجه الطبري من طريق عليّ بن أبي
طلحة أي (ألهموا) ولأبي ذر وهدوا إلى الطيب من القول أي ألهموا القرآن وفي رواية له أيضًا إلى القرآن
ورواه ابن المنذر من طريق سفيان عن إسمعيل بن أبي خالد. وقال ابن عباس: الطيب من القول شهادة أن
لا إله إلا الله ويؤيده قوله: ﴿مثل كلمة طيبة﴾ [إبراهيم: ٢٤] وقوله: ﴿إليه يصعد الكلم الطيب﴾
[فاطر: ١٠] وعنه في رواية عطاء هو قول أهل الجنة: ﴿الحمد لله الذي صدقنا وعده﴾ [الزمر: ٧٤].
(﴿وهدوا إلى صراط الحميد﴾) [الحج: ٢٤] هو (الإسلام) ولأبوي ذر والوقت الإسلام بالجرّ
أي إلى الإسلام والحميد هو الله المحمود في أفعاله وهذا ثابت لأبي ذر عن الحموي ساقط لغيره.
(وقال ابن عباس) فيما وصله ابن المنذر بمعناه (﴿بسبب﴾) في قوله: ﴿فليمدد بسبب﴾
[الحج: ١٥] أي (بحبل إلى سقف البيت) ولفظ ابن المنذر فليمدد بسبب إلى سماء بيته فليختنق به
والمعنى من كان يظن أن لن ينصر الله نبيه ◌َّ* في الدنيا بإعلاء كلمته وإظهار دينه وفي الآخرة
بإعلاء درجته والانتقام من عدوّه فليشدد حبلاً في سقف بيته فليختنق به حتى يموت إن كان ذلك
غائظه فإن الله ناصره لا محالة. قال الله تعالى: ﴿إنا لننصر رسلنا﴾ [غافر: ٥١] الآية. وقال