Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠١
كتاب تفسير القرآن/ سورة يوسف
الهمزة وسكون الفوقية وضم الراء وتشديد الجيم، ولأبي ذر الأترنج بزيادة نون بعد الراء وتخفيف
الجيم لغتان وأنشدوا:
فأهدت متكة لبني أبيها تخب بها العثمثمة الوقاح
والعثمثمة من النوق الشديدة والذكر عثمثم الأسد والوقاح بالواو المفتوحة والقاف الناقة
الصلبة (قال فضيل): هو ابن عياض فيما وصله ابن أبي حاتم من طريق يحيى بن يمان عنه
(الأترج) أي بتشديد الجيم وسقط لأبي ذر قال فضيل: الأترج (بـ) -اللغة (الحبشية متكًا) بضم الميم
وسكون التاء وتنوين الكاف من غير همز.
(وقال ابن عيينة) سفيان مما وصله في مسنده (عن رجل) لم يسم (عن مجاهد متكًا) بسكون
التاء من غير همز كالسابق (كل شيء) ولأبي ذر قال كل شيء (قطع بالسكين) كالأترج وغيره من
الفواكه وأنشدوا:
نشرب الإثم بالصواع جهارًا ونرى المتك بيننا مستعارا
قيل: وهو من متك بمعنى بتك الشيء أي قطعه، فعلى هذا يحتمل أن تكون الميم بدلاً من
الباء وهو بدل مطرد في لغة قوم، ويحتمل أن تكون مادة أخرى وافقت هذه.
(وقال قتادة) في قوله تعالى: ﴿وإنه﴾ (﴿لذو علم)) [يوسف: ٦٨] وزاد أبو ذر: لما علمناه
أي (عامل بما علم) وصله ابن أبي حاتم والضمير في وأنه ليعقوب كما يرشد إليه قوله: ﴿إلا
حاجة في نفس يعقوب قضاها﴾.
(وقال ابن جبير): فيما رواه ابن منده وابن مردويه ولأبي ذر سعيد بن جبير ((صواع﴾)
ولأبي ذر: صواع الملك (مكوك الفارسي) بفتح الميم وتشديد الكاف الأولى مضمومة مكيال معروف
لأهل العراق وهو (الذي يلتقي طرفاه كانت تشرب به الأعاجم) وكان من فضة وزاد ابن إسحق
مرصعًا بالجواهر كان يسقى به الملك ثم جعل صاعًا يكال به.
(وقال ابن عباس): في قوله: ﴿لولا أن﴾ (﴿تفندون﴾) أي (تجهلون) وقال الضحاك:
تهرمون فتقولون شيخ كبير قد ذهب عقله. وعند ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ولما
فصلت العير﴾ [يوسف: ٩٤] لما خرجت العير هاجت ريح فأتت يعقوب بريح يوسف فقال:
﴿إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون﴾ قال لولا أن تسفهون قال: فوجد ريحه من مسيرة ثلاثة
أیام .
(وقال غيره): أي غير ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وألقوه في غيابة الجب﴾ [يوسف: ١٠]
(غيابة) بالرفع (كل شيء) مبتدأ وفي نسخة غيابة بالجر والذي في اليونينية غيابة بالرفع وبالفتح
(غيب عنك شيئًا) في محل جر صفة لشيء وشيئًا مفعول غيب (فهو غيابة) خبر المبتدأ أو المبتدأ إذا

٣٠٢
كتاب تفسير القرآن/ سورة يوسف
تضمن معنى الشرط تدخل الفاء في خبره (والجب) بالجيم (الركية التي لم تطو) قاله أبو عبيدة
وسمي به لكونه محفورًا في جبوب الأرض أي ما غلظ منها والغيابة قال الهروي شبه طاق في
البئر فويق الماء يغيب ما فيه من العيون. وقال الكلبي: تكون في قعر الجب لأن أسفله واسع
ورأسه ضيق فلا يكاد الناظر يرى ما في جوانبه، والألف واللام في الجب للعهد فقيل: هو جب
بيت المقدس، وقيل بأرض الأردن، وقيل على ثلاثة فراسخ من منزل يعقوب.
وقوله: ﴿وما أنت﴾ (﴿بمؤمن لنا﴾) أي (بمصدق) لسوء ظنك بنا.
وقوله تعالى: ﴿ولما بلغ﴾ (﴿أشدّه)) [يوسف: ٢٢] أي (قبل أن يأخذ في النقصان) وهو
ما بين الثلاثين والأربعين وقيل في سن الشباب ومبدؤه قبل بلوغ الحلم (يقال: بلغ أشدّه وبلغوا
أشدّهم) أي فيكون أشد في المفرد والجمع بلفظ واحد (وقال بعضهم: واحدها) أي الأشد (شد)
بفتح الشين من غير همزة وهو قول سيبويه والكسائي.
(والمتكأ) بتشديد الفوقية وبعد الكاف همزة على قراءة الجمهور اسم مفعول (ما اتكأت عليه
الشراب أو لحديث أو لطعام) أي لأجل شراب الخ. (وأبطل) قول (الذي قال): إن المتكأ هو
(الأترج) بتشديد الجيم للإدغام، ولأبي ذر الأترنج بالنون للفك. (وليس في كلام العرب الأترج)
أي ليس مفسرًا في كلامهم به وهذا أخذه من كلام أبي عبيدة ولفظه وزعم قوم أنه الترنج وهذا
أبطل باطل في الأرض اهـ.
وتعقب بما في المحكم حيث قال: المتكأ الأترنج، ونقله الجوهري في صحاحه عن
الأخفش، وقال أبو حنيفة الدينوري: بالضم الأترنج وبالفتح السوسن، وعن أبي علي القالي
وابن فارس في مجمله نحوه، وعند عبد بن حميد أن ابن عباس كان يقرأ متكأ مخففة ويقول هو
الأترج.
(فلما احتج عليهم) بضم التاء أي على القائلين بأنه الأترج، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي
فيما احتج بالمثناة التحتية بدل اللام (بأنه) ولأبي ذر: بأن (المتكأ) بالتشديد والهمزة (من نمارق)
يعني وسائد (فرّوا إلى شرّ منه فقالوا) بالفاء ولأبي ذر وقالوا (إنما هو المتك ساكنة التاء) مخففة
وساكنة نصب (وإنما المتك) المخفف (طرف البظر) بفتح الموحدة وسكون المعجمة وهو موضع
الختان من المرأة (ومن ذلك) اللفظ (قيل لها) أي للمرأة (متكاء وابن المتكاء) بفتح الميم والتخفيف
والمد فيهما وهي التي لم تختن ويقال البظراء أيضًا (فإن كان ثمّ) بفتح المثلثة أي هناك (أترج)
بتشديد الجيم (فإنه) كان (بعد المتكأ) وقيل المتكأ طعام يحز حزًا، وقال ابن عباس وسعيد بن جبير
والحسن وقتادة ومجاهد: متكأ طعامًا سماه متكأ لأن أهل الطعام إذا جلسوا يتكئون على الوسائد
فسمي الطعام متكأ على الاستعارة، وقيل المتكأ طعام يحتاج إلى أن يقطع بالسكين لأنه متى كان
كذلك احتاج الإنسان إلى أن يتكىء عليه عند القطع وقد علم مما مرّ أن المتك المخفف يكون
بمعنى الأترج وطرف البظر وأن المشدد ما يتكأ عليه من وسادة وحينئذ فلا تعارض بين النقلين

٣٠٣
كتاب تفسير القرآن/ سورة يوسف
كما لا يخفى وكان الأولى سياق قوله والمتكأ ما اتكأت عليه عقب قوله متكا كل شيء قطع
بالسكين ويشبه أن يكون من ناسخ كغيره مما يقع غير مرتب.
وقوله: (﴿قد﴾ ﴿شغفها)) [يوسف: ٣٠] (يقال بلغ إلى شغافها) قال السفاقسي بكسر
الشين المعجمة ضبطه المحدثون في كتب اللغة بفتحها، وسقط لفظ (إلى) لأبي ذر وثبت له بلغ
(وهو غلاف قلبها) وهو جلدة رقيقة، وزاد القاضي كغيره حتى وصل إلى فؤادها حبًا وقال غيره:
أحاط بقلبها مثل إحاطة الشغاف بالقلب يعني أن اشتغالها بحبه صار حجابًا بينها وبين كل ما
سوى هذه المحبة فلا يخطر ببالها سواه. (وأما شعفها) بالعين المهملة وهي قراءة الحسن وابن
محيصن (فمن المشعوف) وهو الذي أحرق قلبه الحب وهو من شعف البعير إذا هنأه أي طلاه
بالقطران فأحرقه، وقد كشف أبو عبيد عن هذا المعنى فقال: الشعف بالمهملة إحراق الحب القلب
مع لذة يجدها كما أن البعير إذا طلي بالقطران بلغ منه مثل ذلك ثم يسترجع إليه.
وقوله: ((أصب﴾ ﴿إليهن﴾) أي (أميل) إلى إجابتهن زاد أبو ذر صبا مال.
وقوله: ((أضغاث أحلام)) هي (ما لا تأويل له) وقال قتادة فيما رواه عبد الرزاق هي
الأحلام الكاذبة وسقط لأبي ذر أحلام (والضغث) بكسر الضاد وسكون الغين المعجمتين وسقط
الواو من قوله والضغث لأبي ذر (ملء اليد من حشيش وما أشبهه) جنسًا واحدًا أو أجناسًا مختلطة
وخصه في الكشاف بما جمع من أخلاط النبات فقال وأصل الأضغاث ما جمع من أخلاط النبات،
وحزم فاستعيرت لذلك أي استعيرت الأضغاث للتخاليط والأباطيل والجامع الاختلاط من غير
تمييز بين جيد ورديء والإضافة في أضغاث أحلام بمعنى من التقدير أضغاث من أحلام (ومنه):
﴿وخذ بيدك ضغئًا﴾ [ص: ٤٤] مما هو ملء الكف من الحشيش وهو من جنس واحد روي أنه
أخذ عشكالاً من نخلة (لا من قوله) ﴿أضغاث أحلام﴾ [يوسف: ٤٤] الذي هو بمعنى لا تأويل
له (واحدها) أي الأضغاث (ضغٹ).
وقوله: (﴿نمير)) يريد قوله: ﴿هذه بضاعتنا ردّت إلينا ونمير أهلنا﴾ [يوسف: ٦٥] (من
الميرة) بكسر الميم وهي الطعام أي نجلب إلى أهلينا الطعام (﴿ونزداد كيل بعير﴾) أي (ما يحمل
بعير) بسبب حضور أخينا لأنه كان يكيل لكل رجل حمل بعير وقال مجاهد فيما رواه الفريابي من
طريق ابن أبي نجيح عنه كيل بعير أي كيل حمار وأيده ابن خالويه بأن إخوة يوسف كانوا بأرض
كنعان ولم يكن بها إبل. قال ابن عادل: وكونه البعير المعروف أصح.
وقوله: (﴿آوى إليه﴾) أي (ضم إليه) أخاه بنيامين على الطعام أو إلى المنزل روي أنه أجلس
كل اثنين على مائدة فبقي بنيامين وحده فقال لو كان أخي يوسف حيًا لأجلست معه؟ فقال
يوسف: بقي أخوكم وحيدًا فأجلسه معه على مائدته وجعل يؤاكله فلما كان الليل أمر أن ينزل كل
اثنين منهم بيتًا وقال هذا لا ثاني له آخذه معي فآواه إليه.

٣٠٤
كتاب تفسير القرآن/ سورة يوسف
(السقاية) يريد قوله: ﴿فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية﴾ [يوسف: ٧٠] (مكيال) إناء
كان يوسف عليه الصلاة والسلام يشرب به فجعله مكيالاً لئلا يكتالوا بغيره فيظلموا.
قوله: فلما (﴿استيأسوا﴾﴾ [يوسف: ٨٠] أي (يئسوا) من يوسف وإجابته إياهم وزيادة
السين والتاء للمبالغة.
قوله: ﴿ولا تيأسوا من روح الله﴾ [يوسف: ٨٧] (معناه الرجاء) وروح الله تعالى بفتح الراء
رحمته وتنفيسه وعن قتادة من فضل الله وقيل من فرج الله.
وقوله: ((خلصوا نجيّا﴾) أي (اعترفوا) وللكشميهني اعتزلوا (نجيا) وهو الصواب أي
انفردوا وليس معهم أخوهم أو خلا بعضهم إلى بعض يتشاورون ولا يخالطهم غيرهم ونجيًا حال
من فاعل خلصوا والنجي يستوي فيه المذكر والمؤنث (والجمع أنجية) بالهمز (يتناجون الواحد نَجيّ
والاثنان والجمع نجيّ) إما لأن النجي فعيل بمعنى مفاعل كالعشير والخليط بمعنى المخالط والمعاشر
كقوله تعالى: ﴿وقربناه نجيًا﴾ [مريم: ٥٢] أي مناجيًا وهذا في الاستعمال يفرد مطلقًا يقال هم
خليطك وعشيرك أي مخالطوك ومعاشروك، وإما لأنه صفة على فعيل بمنزلة صديق وبابه يوحد
لأنه بمنزلة المصادر كالصهيل والوخيد، وإما لأنه مصدر بمعنى التناجي كما قيل النجوى بمعناه
قال تعالى: ﴿وإذ هم نجوى﴾ [الإسراء: ٤٧] وحينئذٍ فيكون فيه التأويلات المذكورة في عدل
وبابه (و) قد يجمع فيقال: (أنجية) بالهمزة كما مرّ قال:
إني إذا ما القوم كانوا أنجية
وقال لبید:
وشهدت أنجية الافاقة عاليًا كعبي وأرداف الملوك شهود
وكان من حقه إذا جعل وصفًا أن يجمع على أفعلاء كغني وأغنياء وشقي وأشقياء. وقال
البغوي النجي يصلح للجماعة كما قال وقربناه نجيّا، وإنما جاز للواحد والجمع لأنه مصدر جعل
نعتًا كالعدل ومثله النجوى يكون اسمًا ومصدرًا قال تعالى: ﴿وإذ هم نجوى﴾ أي متناجون وقال:
ما يكون من نجوى ثلاثة. وقال في المصدر إنما النجوى من الشيطان. قال في المفاتيح: وأحسن
الوجوه أن يقال: إنهم تمحضوا تناجيًا لأن من كمل حصول أمر من الأمور فيه وصف بأنه صار
عين ذلك الشيء، فلما أخذوا في التناجي إلى غاية الجد صاروا كأنهم في أنفسهم نفس التناجي
وحقيقته وسقط من قوله: استيأسوا يئسوا الخ في رواية أبي ذر عن الحموي وثبت له عن
الكشميهني والمستملي.
وقوله تعالى: ﴿تالله﴾ (﴿تفتا﴾) بالألف صورة الهمزة ولأبي ذر: تفتئوا بالواو وهو جواب
القسم على حذف لا وهي ناقصة بمعنى (تزال) ومنه قول الشاعر:
تالله يبقى على الأيام ذو حيد بمشمخربه الظيان والآس

٣٠٥
كتاب تفسير القرآن/ سورة يوسف
أي لا يبقى. وقوله:
فقلت يمين الله أبرح قاعدًا
ويدل على حذفها أنه لو كان مثبتًا لاقترن بلام الابتداء ونون التوكيد عند البصريين أو
بأحدهما عند الكوفيين وتقول: والله أحبك تريد لا أحبك وهو من التورية فإن كثيرًا من الناس
يتبادر ذهنه إلى إثبات المحبة.
وقوله: ﴿حتى تكون﴾ ((حرضًا﴾) أي (محرضًا) بضم الميم وفتح الراء (يذيبك الهم)
والمعنى لا تزال تذكر يوسف بالحزن والبكاء عليه حتى تموت من الهم والحرض في الأصل مصدر
ولذلك لا يثنى ولا يجمع تقول هو حرض وهم حرض وهي حرض وهن حرض.
(﴿تحسسوا﴾) يريد قوله تعالى: ﴿يا بني اذهبوا فتحسسوا﴾ [يوسف: ٨٧] أي (تخبروا) خبرًا
من أخبار يوسف وأخيه والتحسس طلب الشيء بالحاسة.
(﴿مزجاة)) بالرفع لأبي ذر ولغيره مزجاة بالجر حكاية قوله: ﴿وجئنا ببضاعة مزجاة﴾
[يوسف: ٨٨] أي (قليلة) بالرفع لأبي ذر ولغيره قليلة بالجر وقيل رديئة وقوله تعالى: ﴿أفأمنوا أن
تأتيهم﴾ (﴿غاشية﴾) (من عذاب الله) أي عقوبة (عامة مجللة) بفتح الجيم وكسر اللام الأولى مشددة
من جلل الشيء إذا عمه صفة لغاشية.
١ - باب قَوْلِهِ: ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آل يَعْقُوبَ
كَمَا أَتَمَّها عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحُقَ﴾ [يوسف: ٦]
(باب قوله) جل وعلا خطابًا ليوسف عليه الصلاة والسلام (﴿ويتم نعمته عليك﴾) بالنبوّة
أو بسعادة الدارين (﴿وعلى آل يعقوب﴾) سائر بنيه بالنبوة وكرر على ليمكن العطف على الضمير
المجرور (﴿كما أتمها على أبويك﴾) جدك وجد أبيك بالرسالة (﴿من قبل﴾) أي من قبلك
(﴿إبراهيم وإسحلق﴾) [يوسف: ٦] بدل من أبويك أو عطف بيان وقيل إتمام النعمة على إبراهيم
بالخلة وعلى إسحق بإخراج يعقوب والأسباط من صلبه وسقط لأبي ذر إبراهيم وإسحق وقال بعد
قوله من قبل الآية.
٤٦٨٨ - حدّثْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
دِينارٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّ نَ﴿ قَالَ: (الْكَرِيمُ ابْنُ الْكَرِيمِ
أَبْنِ الْكَرِيمِ ابْنِ الْكَرِيمِ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحُقَ بْنِ إِنْراهِيمَ)).
وبه قال: (قال: حدّثنا) بالجمع ولأبي ذر حدّثني (عبد الله بن محمد) المسندي وفي الفرع
كأصله، وقال حدّثنا عبد الله بن محمد بواو العطف قبل قال وعند خلف في الأطراف كما نبه
إرشاد الساري/ ج ١٠/ م ٢٠

٣٠٦
كتاب تفسير القرآن/ سورة يوسف
عليه في الفتح، وقال عبد اللَّه قال الحافظ ابن حجر: والأوّل أولى أي لأن الثاني يقتضي المذاكرة
لا التحديث قال: (حدّثنا عبد الصمد) بن عبد الوارث التنوري (عن عبد الرحمن بن عبد الله بن
دينار عن أبيه) عبد الله (عن عبد الله بن عمر) بن الخطاب (رضي الله عنهما عن النبي (وَي) أنه
(قال) :
(الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف) رفع خبر المبتدأ وهو قوله الكريم (ابن
يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم). وقد جمع يوسف عليه الصلاة والسلام مكارم الأخلاق مع شرف
النبوّة وكونه ابنًا لثلاثة أنبياء، وقد وقع قوله الكريم ابن الكريم الخ موزونًا مقفى وهو لا ينافي
قوله تعالى: ﴿وما علمناه الشعر﴾ [يس: ٦٩] إذ لم يقع هذا منه وَّلتر قصدًا وسقط باب قوله لغير
أبي ذر وسقط له إبراهيم وإسحق وقال بعد قوله من قبل الآية.
وسبق الحديث عند المؤلف في باب الأنبياء.
٢ - باب قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾ [يوسف: ٧]
(باب قوله) جل وعز (﴿لقد كان في يوسف وإخوته﴾) قيل: هم يهوذا وروبيل وشمعون
ولاوى وربالون ويشجر ودنية ودان ونفتالي وجاد وآشر والسبعة الأوّلون كانوا من ليا بنت خالة
يعقوب والأربعة الآخرون من سريتين زلفة وبلهة، فلما توفيت ليا تزوّج أختها راحيل فولدت له
بنيامين ويوسف ولم يقم دليل على نبوّة أخوة يوسف، وذكر بعضهم أنه أوحي إليهم بعد ذلك ولم
يذكر مستندًا سوى قوله تعالى: ﴿قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل
وإسحاق ويعقوب والأسباط﴾ [البقرة: ١٣٦] وهذا لا ينهض أن يكون دليلاً لأن بطون بني
إسرائيل يقال لهم الأسباط كما يقال للعرب قبائل وللعجم شعوب ففيه أنه تعالى أوحى إلى الأنبياء
من أسباط بني إسرائيل فذكرهم إجمالاً لأنهم كثيرون، ولكن لم يقم دليل على أعيان هؤلاء أنهم
أوحي إليهم بل ظاهر ما في هذه السورة من أحوالهم وأفعالهم يدل على أنهم لم يكونوا أنبياء على
ما لا يخفى أي في قصصهم وحديثهم (﴿آيات﴾) علامات ودلائل على قدرة الله وحكمته في كل
شيء ولأبي ذر آية بالتوحيد على إرادة الجنس وهي قراءة ابن كثير (﴿للسائلين﴾) [يوسف: ٧]
عن قصتهم أو على نبوّة محمد وله وثبت لفظ باب قوله لأبي ذر عن المستملي وسقط لغيره.
٤٦٨٩ - حدثني مُحَمَّدٌ أَخْبَرَنا، عَبْدَةُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنٍ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالَى عَنْهُ قالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ أَيُّ النَّاسِ أَكْرَمُ؟ قَالَ: «أَكْرَمُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ
أَنْقَاهُمْ)) قالُوا: لَيْسَ عَنْ هذا نَسْأَلُكَ؟ قالَ: ((فَأَكْرَمُ النَّاسِ يُوسُفُ نَبِيُّ اللهِ ابْنُ نَبِيِّ اللهِ ابْنِ نَبِيِّ اللهِ
ابْنِ خَلِيلِ اللهِ» قالُوا: لَيْسَ عَنْ هذا نَسْأَلُكَ؟ قالَ: ((فَعَنْ مَعادِنِ الْعَرَبِ تَسْأَلُونِي؟)) قالُوا: نَعَمْ.
قالَ: ((فَخِيَارُكُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُكُمْ فِي الإِسْلامِ إِذا فَقِهُوا). تَابَعَهُ أَبُو أُسَامَةً عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ.

٣٠٧
كتاب تفسير القرآن/ سورة يوسف
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (محمد) هو ابن سلام قال: (أخبرنا عبدة) بفتح العين وسكون
الموحدة وبعد الدال المفتوحة هاء تأنيث ابن سليمان (عن عبيد اللَّه) بضم العين مصغرًا وهو
العمري ولغير أبي ذر عبد اللَّه بفتح العين (عن سعيد بن أبي سعيد) كيسان المقبري (عن أبي هريرة
رضي الله تعالى عنه) أنه (قال: سئل رسول الله وَلفي أي الناس أكرم؟ قال):
(أكرمهم عند الله أتقاهم) قال تعالى: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ [الحجرات: ١٣] (قالوا
ليس عن هذا نسألك؟ قال: فأكرم الناس يوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله)
فضيلة خاصة بيوسف عليه الصلاة والسلام لم يشركه فيها أحد ولا يلزم من ذلك أن يكون أفضل
من غيره مطلقًا (قالوا: ليس عن هذا نسألك قال: فعن معادن العرب) أي عن أصول العرب التي
ينسبون إليها ويتفاخرون بها (تسألوني) ولأبي ذر: تسألونني بنونين (قالوا: نعم) وإنما جعل
الأنساب معادن لما فيها من الاستعدادات المتفاوتة فمنها قابلة لفيض الله تعالى على مراتب المعدنيات
ومنها غير قابلة له وشبههم بالمعادن لأنها أوعية للعلوم كما أن المعادن أوعية للجواهر (قال:
فخياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا) بضم القاف ولأبي ذر فقهوا بكسرها فالوضيع
العالم خير من الشريف الجاهل، ولذا قيد بقوله إذا فقهوا (تابعه) أي تابع عبدة (أبو أسامة)
حماد بن أسامة (عن عبيد الله) بضم العين العمري وهذه المتابعة وصلها المؤلف في أحاديث
الأنبياء.
٣ - باب قَوْلِهِ: ﴿قَالَ بَلْ سَوَلَتْ لَكُمْ
أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [يوسف: ١٨] سَوَلَتْ: زَيَّنَتْ
(باب قوله) تعالى: ((قال)) أي يعقوب لبنيه (﴿بل سولت﴾) قبل هذه الجملة جملة محذوفة
تقديرها لم يأكله الذئب بل سوّلت (﴿لكم أنفسكم أمرًا﴾) في شأنه (فصبر جميل﴾) [يوسف: ١٨]
مبتدأ حذف خبره أي صبر جميل أمثل بي أو خبر حذف مبتدؤه أي أمري صبر جميل وروي مرفوعًا
الصبر الجميل هو الذي لا شكوى فيه فمن بث لم يصبر ويدل له ﴿إنما أشكو بثي وحزني إلى الله﴾
[يوسف: ٨٦] ودل قوله جميل على أن الصبر قسمان.
جميل وهو أن يعرف أن منزل ذلك البلاء هو الله تعالى المالك الذي لا اعتراض عليه في
تصرفه فيستغرق قلبه في هذا المقام ويكون مانعًا له من الشكاية.
وغير الجميل هو الصبر لسائر الأغراض لا لأجل الرضا بقضاء الله سبحانه وثبت قوله فصبر
جميل لأبي ذر وقوله باب ولفظ قوله له عن المستملي وسقط لغيره ﴿سوّلت﴾ (زينت) وسهلت قاله
ابن عباس.
٤٦٩٠ - حدثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا إِبْراهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صالِحٍ عَنِ ابْنِ

٣٠٨
كتاب تفسير القرآن/ سورة يوسف
شِهابٍ. قالَ: وَحَدَّثَنا الْحَجَّاجُ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ النُّمَيْرِيُّ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ الأَيْلِيُّ
قالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ سَمِعْتُ عُزْوَةً بْنَ الزُّبَيْرِ، وَسَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ وَعَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ،
وَعُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ حَدِيثٍ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ وَّهَ حِينَ قَالَ لَها أَهْلُ الإِفْكِ ما قَلُوا
فَبَرَّأَهَا اللَّهُ كُلِّ حَدَّثَنِي طَائِفَةً مِنَ الْحَدِيثِ قالَ النَِّيُّ ◌َّهِ: ((إِنْ كُنْتِ بَرِيئَةً فَسَيُبَرِّئُكِ اللَّهُ وَإِنْ كُنْتِ
أَلْمَمْتِ بِذَتْبٍ فَأُسْتَغْفِرِي الله وَتُوبِي إِلَيْهِ) قُلْتُ: إِنِّي وَالله لا أَجِدُ مَثَلاً إِلاَّ أَبَا يُوسُفَ ﴿فَصَبْرٌ
جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلَى ما تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨] وَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ
مِنْكُمْ﴾ [النور: ١١] الْعَشْرَ الآياتِ.
وبه قال: (حدّثنا عبد العزيز بن عبد اللَّه) الأويسي قال: (حدّثنا إبراهيم بن سعد) بسكون
العين ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري وسقط ابن سعد لأبي ذر (عن صالح) هو ابن
كيسان (عن ابن شهاب) الزهري (قال) المؤلف: (وحدّثنا الحجاج) بن منهال السلمي الأنماطي
البصري قال: (حذّثنا عبد الله بن عمر النميري) بضم النون مصغرًا لنمر الحيوان المشهور قال
(حدثنا يونس بن يزيد الأيلي) بفتح الهمزة وسكون التحتية (قال سمعت الزهري) بن شهاب يقول
(سمعت عروة بن الزبير) بن العوّام (وسعيد بن المسيب) بفتح التحتية وقد تكسر (وعلقمة بن
وقاص) الليثي (وعبيد الله بن عبد الله) بضم العين في الأول ابن عتبة بن مسعود أحد الفقهاء
السبعة (عن حديث عائشة) رضي الله عنها (زوج النبي وَلفي حين قال لها أهل الإفك) مسطح وحمنة
وحسان وعبد الله بن أبي وزيد بن رفاعة وغيرهم (ما قالوا) من أبلغ ما يكون من الافتراء
والكذب وسقط لأبي ذر ما قالوا (فبرأها الله) تعالى من ذلك بما أنزله في سورة النور قال الزهري
(كل حدثني طائفة من الحديث) أي بعضًا منه ولا يضر عدم التعيين إذ كل ثقة حافظ (قال
النبي (18) لعائشة بعد أن أفاض الناس في قول أصحاب الإفك كما بسط في غير ما موضع
كباب تعديل النساء بعضهن بعضًا وعقب غروة أنمار.
(إن كنت بريئة) مما نسب إليك (فسيبرئك الله) تعالى منه (وإن كنت ألممت بذنب) أي أتيته
من غير عادة (فاستغفري الله وتوبي إليه) منه. قالت عائشة: (قلت إني والله لا أجد مثلاً) وفي
الشهادات: لا أجد لي ولكم مثلاً (إلا أبا يوسف) يعقوب عليهما الصلاة والسلام إذ قال:
(﴿فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون﴾) وكأنها من شدة كربها لم تتذكر اسم يعقوب (وأنزل
الله) عز وجل: ((إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم﴾ العشر الآيات) من سورة النور وسقط
لغير أبي ذر: ﴿عصبة منكم﴾.
٤٦٩١ - حدثنا مُوسى، حَدَّثَنا أَبُو عَوانَةٍ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ أَبِي وائِلٍ، قالَ: حَدَّثَنِي
مَسْرُوقُ بْنُ الأَجْدَعِ، قالَ: حَدَّثَتْنِي أُمُ رُومانَ وَهِيَ أُمُّ عائِشَةَ قَالَتْ: بَيْنَا أَنَا وَعائِشَةُ أَخَذَتْهَا
الْحُمَّى فَقالَ النَّبِيُّ وَّرَ: ((لَعَلَّ فِي حَدِيثٍ تُحُدِّثَ)) قالَتْ: نَعَمْ، وَقَعَدَتْ عَائِشَةُ قَالَتْ: مَثَلِي

٣٠٩
كتاب تفسير القرآن/ سورة يوسف
وَمَثَلُكُمْ كَيَعْقُوبَ وَبَنِيهِ ﴿بَلْ سَوَلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلَى مَا
تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨].
وبه قال: (حدثنا موسى) هو ابن إسماعيل المنقري قال: (حدّثنا أبو عوانة) الوضاح
اليشكري (عن حصين) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين ابن عبد الرحمن السلمي (عن أبي وائل)
شقيق بن سلمة أنه قال: (حدّثني) بالإفراد (مسروق بن الأجدع) بالجيم والدال والعين المهملتين
(قال: حدّثتني) بالإفراد أيضًا (أم رومان) بضم الراء وتفتح بنت عامر بن عويمر بن عبد شمس.
قال الحافظ أبو نعيم: بقيت بعد رسول الله وَ التر دهرًا طويلاً وفيه تأييد لتصريحه بسماع مسروق
منها فيكون الحديث متصلاً، وأما قول ابن سعد أنها توفيت سنة ست ونزل النبي ◌َّ قبرها،
وقول الخطيب أن مسروقًا لم يسمع منها فقال الحافظ ابن حجر: الراجح أن مستند قائل ذلك إنما
هو ما روي عن علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف أن أم رومان ماتت سنة ست، وقد نبه
البخاري في تاريخيه الأوسط والصغير على أنها رواية ضعيفة فقال في فضل من مات في خلافة
عثمان. قال علي بن زيد عن القاسم: ماتت أم رومان في زمن النبي وَّر سنة ست. قال البخاري:
وفيه نظر وحديث مسروق أسند أي أصح إسنادًا، وقد جزم إبراهيم الحربي الحافظ بأن مسروقًا إنما
سمع من أم رومان في خلافة عمر فقد ظهر أن الذي وقع في الصحيح هو الصواب.
(وهي أم عائشة) رضي الله تعالى عنهما (قالت: بينا) بغير ميم (أنا وعائشة أخذتها الحمى)
في أحاديث الأنبياء بينا أنا مع عائشة جالسة إذ ولجت علينا امرأة من الأنصار وهي تقول فعل الله
بفلان وفعل بفلان قالت فقلت لم؟ قالت: إنه نمي ذكر الحديث، فقالت عائشة: أي حديث
فأخبرتها قالت: فسمعه أبو بكر رضي الله عنه ورسول الله وَّهر قالت: نعم فخرت مغشيًا عليها
فما أفاقت إلا وعليها حمى بنافض (فقال النبي ◌َّر):
(لعل) الذي حصل لها (في حديث) أي من أجل حديث (تحدث) به في حقها وهو حديث
الإفك وتحدث بضم أوّله مبنيًا للمفعول (قالت) أم رومان (نعم وقعدت عائشة قالت: مثلي ومثلكم
كيعقوب وبنيه ﴿بل سولت لكم أنفسكم أمرًا فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون﴾) أي
صفتي كصفة يعقوب عليه الصلاة والسلام حيث صبر صبرًا جميلاً وقال: والله المستعان، وسقط
قوله: ﴿بل سوّلت لكم أنفسكم﴾ إلى جميل لغير أبي ذر.
٤ - باب قَوْلِهِ: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها
عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف: ٢٣]
وقالَ عِكْرِمَةُ هَيْتَ لَكَ بِالْحَوْرانِيَّةِ: هَلُمَّ. وَقَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: تَعالَهُ
(باب قوله) عز وجل: (﴿وراودته﴾) امرأة العزيز (﴿التي هو في بيتها﴾) بمصر (﴿عن

٣١٠
كتاب تفسير القرآن/ سورة يوسف
نفسه﴾) وذلك أنه كان في غاية الجمال والبهاء والكمال فدعاها ذلك إلى أن طلبت منه برفق ولين
قول أن يواقعها والمراودة المصدر والريادة طلب النكاح يقال: راود فلان جاريته على نفسها وراودته
هي عن نفسه إذا حاول كل واحد منهما الوطء، وتعد هنا بعن لأنه ضمن معنى خادعته أي
خادعته عن نفسه، والمفاعلة هنا من واحد نحو داويت المريض، ويحتمل أن تكون على بابها فإن
كلاً منهما كان يطلب من صاحبه شيئًا برفق هي تطلب منه الفعل وهو يطلب منها الترك
(﴿وغلقت الأبواب﴾) قيل كانت سبعة والتشديد للتكثير (﴿وقالت هيت لك﴾) [يوسف: ٢٣]
ولأبي ذر: هيت بكسر الهاء وهما لغتان.
(وقال عكرمة) مولى ابن عباس: (هيت لك بـ) اللغة (الحورانية) بالحاء المهملة (هلم) وهذا
وصله ابن جرير عن عكرمة عن ابن عباس وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: وكان الكسائي يقول
هي لغة لأهل حوران وقعت إلى أهل الحجاز وسقط لك لابن عساكر.
(وقال ابن جبير): سعيد أي (تعاله) بهاء السكت وهذا وصله الطبري وأبو الشيخ من
طريقه. وقال السدي: معرّبة من القبطية بمعنى هلم لك، وقال ابن عباس والحسن من السريانية،
وقيل من العبرانية والجمهور على أنها عربية، وقال مجاهد هي كلمة حث وإقبال أي أقبل وبادر،
ثم هي في بعض اللغات تتعين فعليتها وفي بعضها اسميتها وفي بعضها يجوز الأمران كما ستعرفه
من القراءات إن شاء الله تعالى.
٤٦٩٢ - حدثني أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمانَ، عَنْ
أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ مَسْعُودٍ: قالَتْ هَيْتَ لَكَ، قالَ: وَإِنَّمَا نَقْرَؤُها كَما عُلِّمْناها، مَثْواهُ:
مُقامُهُ، وَأَلْفَيا: وَجَدًا. أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ: أَلْفَيْنا، وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ﴾
[الصافات: ١٢].
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (أحمد بن سعيد) بكسر العين أبو جعفر الدارمي المروزي قال:
(حدّثنا بشر بن عمر) بكسر الموحدة وسكون المعجمة وعمر بضم العين الأزدي البصري قال:
(حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن سليمان) بن مهران الأعمش (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة (عن
عبد الله بن مسعود) رضي الله تعالى عنه وسقط لفظ عبد اللَّه لأبي ذر (قالت: هيت لك) بفتح
الهاء والفوقية، ولأبي ذر: هيت بكسر الهاء وضم الفوقية من غير همز فيهما (قال: وإنما نقرؤها)
بالنون لأبي ذر ولغيره يقرؤها بالياء (كما علمناها) بضم العين مبنيًا للمفعول وهذا قد أورده
المؤلف مختصرًا.
وقد أخرجه عبد الرزاق كما قاله الحافظان ابن كثير وابن حجر عن الثوري عن الأعمش
بلفظ: إني سمعت القراءة فسمعتهم متقاربين فاقرؤوا كما علمتم وإياكم والتنطع والاختلاف فإنما
هو كقول الرجل هلم وتعال ثم قرأ (﴿وقالت هيت لك﴾) فقلت إن ناسًا يقرؤنها هيت لك قال

٣١١
كتاب تفسير القرآن/ سورة يوسف
لأن أقرأها كما علمت أحب إليّ، وكذا أخرجه ابن مردويه من طريق طلحة بن مصرف عن أبي
وائل أن ابن مسعود قرأها هيت لك بالفتح ومن طريق سليمان التيمي عن الأعمش بإسناده لكن
قال: بالضم، وروى عبد بن حميد من طريق أبي وائل قال: قرأها عبد الله بالفتح فقلت له: إن
الناس يقرؤونها بالضم فذكره قال في الفتح وهذا أقوى وقراءة ابن مسعود بكسر الهاء وبالضم أو
بالفتح بغير همز وروى عبد بن حميد عن أبي وائل أنه كان يقرؤها كذلك لكن بالهمز اهـ.
وفي هذه اللفظة خمس قراءات فنافع وابن ذكوان وأبو جعفر بكسر الهاء وياء ساكنة وتاء
مفتوحة، وابن كثير بفتح الهاء وياء ساكنة وتاء مضمومة، وهشام بهاء مكسورة وهمزة ساكنة وتاء
مفتوحة أو مضمومة، والباقون بفتح الهاء وياء ساكنة وتاء مفتوحة. وعن ابن محيصن فتح الهاء
وسكون الياء وكسر التاء وكسر الهاء والتاء بينهما ياء ساكنة وكسر الهاء وسكون الياء وضم التاء
وعن ابن عباس هييت بضم الهاء وكسر الياء بعدها ياء ساكنة ثم تاء مضمومة بوزن حييت فهي
أربعة في الشاذ فصارت تسعة فيتعين كونها اسم فعل في غير قراءة ابن عباس بزنة حييت، وفي
غير قراءة كسر الهاء سواء كان ذلك بالياء أو بالهمز فمن فتح التاء بناها على الفتح تخفيفًا نحو أين
وكيف، ومن ضمها فتشبيهًا بحيث، ومن كسر فعلى أصل التقاء الساكنين وتتعين فعليتها في قراءة
ابن عباس فإنها فيها فعل ماضٍ مبني للمفعول مسند لضمير المتكلم من هيأت الشيء وتحتمل
الأمرين في قراءة من كسر الهاء وضم التاء فيحتمل أن تكون فيه اسم فعل بنيت على الضم
كحيث وأن تكون فعلاً مسند الضمير المتكلم من هاء الرجل يَهِيءُ كجاء يجيء.
وقوله تعالى: أكرمي (﴿مثواه﴾) أي (مقامه) بضم الميم قاله أبو عبيدة.
(﴿وألفيا﴾) أي (وجدا ألفوا آباءهم ألفينا. وعن ابن مسعود) عبد الله مما وصله الحاكم في
مستدركه من طريق جرير عن الأعمش في قوله تعالى في سورة الصافات (﴿بل عجبت
ويسخرون﴾) [الصافات: ١٢] بضم التاء كما يقرأ هيت بالضم. وعند ابن أبي حاتم من طريق
الأعمش عن أبي وائل عن ابن مسعود أنه قرأ بل عجبتُ بالرفع وعن سعيد بن جبير بل عجبت
الله عجب، وإذا ثبت الرفع فليس لإنكاره معنى بل يحمل على ما يليق به تعالى.
٤٦٩٣ - حدّثنا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنا سُفْيانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ قُرَيْشًا لَمَّا أَبْطَؤُوا عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ بِالإِسْلامِ قَالَ: ((اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ
بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ)) فَأَصابَتْهُمْ سَنَةٌ حَصَّتْ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى أَكَلُوا الْعِظامَ حَتَّى جَعَلَ الرَّجُلُ يَنْظُرُ
إِلَى السَّماءِ فَيَرِى بَيْنَهُ وَبَيْنَها مِثْلَ الدُّخانِ قالَ الله: ﴿فَأَرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾
[الدخان: ١٥] قالَ اللَّهُ: ﴿إِنَّا كاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَائِدُونَ أَفَيُكْشِفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ يَوْمَ
الْقِيامَةِ﴾ [الدخان: ١٥] وَقَدْ مَضى الدُّخانُ وَمَضَتِ الْبَطْشَةُ.
وبه قال: (حدّثنا الحميدي) عبد الله بن الزبير المكي قال (حدثنا سفيان) بن عيينة (عن

٣١٢
كتاب تفسير القرآن/ سورة يوسف
الأعمش) سليمان (عن مسلم) هو ابن صبيح بضم الصاد المهملة وفتح الموحدة آخره حاء مهملة
مصغرًا (عن مسروق) هو ابن الأجدع (عن عبد اللَّه) هو ابن مسعود (رضي الله تعالى عنه) ذكر
(أن قريشًا لما أبطؤوا عن النبي) ولأبي ذر على النبي (َّ بالإسلام) زاد في الاستسقاء دعا عليهم
(قال):
(اللهم اكفنيهم بسبع كسبع يوسف فأصابتهم سنة) بفتح السين أي جدب وقحط (حضّت)
بالحاء والصاد المشدّدة المهملتين أي أذهبت (كل شيء حتى أكلوا العظام) زاد في الاستسقاء والميتة
(حتى جعل الرجل ينظر إلى السماء فيرى بينه وبينها مثل الدخان) من ضعف بصره بسبب الجوع
(قال الله) عز وجلّ، وفي الاستسقاء فجاء أبو سفيان فقال: يا محمد جئت تأمر بصلة الرحم وإن
قومك هلكوا فادع الله تعالى فقرأ: (﴿فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين﴾ [الدخان: ١٠] (قال
الله) عز وجل: (﴿إنا كاشفو العذاب قليلاً إنكم عائدون﴾) [الدخان: ١٥] أي إلى الكفر وفي
الاستسقاء في باب دعاء النبي ◌َّ اجعلها سنين كسني يوسف يوم تأتي السماء بدخان مبين إلى
قوله عائدون وفي سورة الدخان فاستسقى فسقوا فنزلت ﴿إنكم عائدون﴾ فلما أصابتهم الرفاهية،
فأنزل الله عز وجل: ﴿يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون﴾ [الدخان: ١٦] قال عبد الله
(﴿أفيكشف﴾) بضم الياء وفتح الشين مبنيًا (﴿عنهم العذاب يوم القيامة) وقد مضى الدخان)
الحاصل بسبب الجوع (ومضت البطشة) الكبرى يوم بدر وعن الحسن البطشة الكبرى يوم القيامة.
ووجه المناسبة بين الحديث والترجمة في قوله: فجاء أبو سفيان، فقال: يا محمد جئت تأمر
بصلة الرحم وإن قومك قد هلكوا فادع الله فدعا ففيه أنه عفا عن قومه كما عفا يوسف عليه
الصلاة والسلام عن امرأة العزيز.
٥ - باب قَوْلِهِ: ﴿فَلَمَّا جاءَهُ الرَّسُولُ قالَ أرْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَأَسْأَلْهُ ما بَالُ النِّسْوَةِ اللَّتِي
قَطَّعْنَ أَنْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ قَالَ ما خَطْبُكُنَّ إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ
حاشَ الله﴾ [يوسف: ٥٠، ٥١] وَحاشَ وَحاشا: تَنْزِيَةٌ وَأَسْتِثْنَاءٌ. حَصْحَصَ: وَضَحَ
(باب قوله) جلا وعلا (﴿فلما جاءه الرسول﴾) رسول الملك ليخرجه من السجن (﴿قال
ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن﴾) أي سله عن حقيقة شأنهن ليعلم براءتي
عن تلك التهمة وأراد بذلك حسم مادة الفساد عنه لئلا ينحط قدره عند الملك ولعل معظم غرضه
عليه الصلاة والسلام أن لا يقع خلل في الدعوة وإظهار النبوّة وقال فاسأله ما بال النسوة ولم يقل
فاسأله أن يفتش عن حالهن تهييجًا له على البحث وتحقيق الحال ولم يتعرض لامرأة العزيز مع ما
صنعت به كرمًا ومراعاة للأدب وعبر بما التي يسأل بها عن حقيقة الشيء ظاهرًا (﴿إن ربي﴾)
العالم بخفيات الأمور (﴿بكيدهن عليم﴾) حين قلن أطع مولاتك أو أن كل واحدة منهن طمعت
فيه فلما لم تجد مطلوبها منه طعنت فيه ونسبته إلى القبيح، فرجع الرسول من عند يوسف إلى الملك

٣١٣
كتاب تفسير القرآن/ سورة يوسف
فدعا النسوة وامرأة العزيز فلما حضرن (﴿قال﴾) لهن (﴿ما خطبكن﴾) أي ما شأنكن (﴿إذ
روادتن يوسف عن نفسه﴾) هل وجدتن منه ميلاً إلیکن فنزّهنه، متعجبات من كمال عفته حيث
(﴿قلن حاش لله﴾) [يوسف: ٥٠، ٥١] (وحاش) بغير ألف بعد الشين (وحاشا) بها لفظًا (تنزيه)
فتكون اسمًا ويدل له قراءة بعضهم حاشا لله بالتنوين (واستثناء) وذهب سيبويه وأكثر البصريين إلى
أنها حرف بمنزلة إلا لكنها تجر المستثنى.
وقوله: (﴿حصحص﴾): أي (وضح) الحق بانكشاف ما يغمره وهو معنى قول بعض
المفسرين، وقيل ظهر من حص شعره أي استأصل قطعه بحيث ظهرت بشرته وهذا إنما قالته امرأة
العزيز لما علمت أن هذه المناظرات والتفحصات إنما وقعت بسببها، وقيل: إن النسوة أقبلن عليها
يقررنها وقيل خافت أن يشهدن عليها فاعترفت وهذه شهادة جازمة لما راعى جانبها ولم يذكرها
البتة فعرفت أنه ترك ذكرها تعظيمًا لها فكافأته على ذلك فكشفت الغطاء واعترفت أن الذنب كله
من جانبها وأنه كان مبرأ عن الكل وسقط باب قوله لغير أبي ذر.
٤٦٩٤ - حدّثنا سَعِيدُ بْنُ تَلِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ الْقاسِمِ، عَنْ بَكْرِ بْنِ مُضَرَ، عَنْ
عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ
عَبْدِ الرَّحْمنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّرَ: ((يَرْحَمُ الله لُوطًا لَقَدْ كانَ
يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ وَلَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ ما لَبِثَ يُوسُفُ لأَجَبْتُ الدَّاعِي وَنَحْنُ أَحَقُّ مِنْ إِبْراهِيم
إِذْ قَالَ لَهُ: ﴿أَوَ لَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠].
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (سعيد بن تليد) بفتح الفوقية وكسر اللام
وبعد التحتية الساكنة دال مهملة هو سعيد بكسر العين ابن عيسى بن تليد المصري قال: (حدّثنا
عبد الرحمن بن القاسم) المصري العتقي صاحب الإمام مالك (عن بكر بن مضر) بفتح الموحدة
وسكون الكاف ومضر بضم الميم وفتح المعجمة ابن محمد المصري (عن عمرو بن الحارث) بفتح
العين ابن يعقوب بن عبد اللَّه مولى قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري المصري الفقيه المقري أحد
الأئمة الأعلام (عن يونس بن يزيد) الأيلي (عن ابن شهاب) الزهري (عن سعيد بن المسيب)
المخزومي أحد الأعلام (وأبي سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف (عن أبي هريرة رضي الله عنه) أنه
(قال: قال رسول الله إضَاء) :
(يرحم الله لوظًا) هو ابن أخي إبراهيم الخليل وكان ممن آمن وهاجر معه إلى مصر (لقد كان
يأوي إلى ركن شديد) يشير إلى قوله تعالى: ﴿قال لو أن لي بكم قوّة أو آوي إلى ركن شديد﴾ [هود: ٨٠]
(ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف) ولأبي ذر: ولو لبثت في السجن لبث يوسف بضم اللام
وسكون الموحدة، وكان قد لبث سبع سنين وسبعة أشهر وسبعة أيام وسبع ساعات كما قيل
(لأجبت الداعي) لأسرعت إلى الإجابة إلى الخروج من السجن.

٣١٤
كتاب تفسير القرآن/ سورة يوسف
قال محيي السنّة إنه وَلهو وصف يوسف عليه الصلاة والسلام بالأناة والصبر حيث لم يبادر إلى
الخروج حين جاءه رسول الملك فعل المذنب حين يعفى عنه مع طول لبثه في السجن، بل قال
﴿ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن﴾ [يوسف: ٥٠] أراد أن يقيم الحجة في حبسهم
إياه ظلمًا فقال وَّر على سبيل التواضع لا أنه صلوات الله وسلامه عليه كان في الأمر منه مبادرة
وعجلة لو كان مكان يوسف وَلير والتواضع لا يصغر كبيرًا ولا يضع رفيعًا ولا يبطل لذي حق
حقًّا لكنه يوجب لصاحبه فضلاً ويكسبه جلالاً وقدرًا (ونحن أحق من إبراهيم) في سورة البقرة
وغيرها ونحن أحق بالشك من إبراهيم يعني لو كان الشك متطرقًا إلى الأنبياء لكنت أنا أحق به
وقد علمتم أني لم أشك فإبراهيم وَله لم يشك (﴿إذ قال له﴾) ربه جلا وعلا (﴿أو لم تؤمن﴾) بعد
قوله: ﴿رب أرني كيف تحيي الموتى﴾ ((قال بلى﴾) آمنت (﴿ولكن﴾) سألتك أن تريني كيف
الإحياء (﴿ليطمئن قلبي)) [البقرة: ٢٦٠] فلم يكن شك في القدرة على الإحياء، بل أراد الترقي
من علم اليقين إلى عين اليقين مع مشاهدة الكيفية.
٦ - باب قَوْلِهِ: ﴿حَتَّى إِذا أَسْتَيْأَسَ الرَّسُلُ﴾ [يوسف: ١١٠]
(باب قوله) تعالى: ((حتى إذا استيأس الرسل)) [يوسف: ١١٠] ليس في الكلام شيء
تكون حتى غاية له ولذا اختلف في تقدير شيء يصح تغييته بحتى فقدره الزمخشري وما أرسلنا من
قبلك إلا رجالاً فتراخى نصرهم حتى وقدره القرطبي وما أرسلنا من قبلك يا محمد إلا رجالاً ثم
لم نعاقب أمتهم بالعقاب حتى إذا وقدره ابن الجوزي وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً فدعوا قومهم
فكذبوهم وطال دعاؤهم وتكذيب قومهم حتى. قال في اللباب وأحسنها الأول اهـ.
٤٦٩٥ - حدثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا إِبْراهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صالِحٍ عَنِ ابْنِ
شِهابٍ قالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ الله تَعالى عَنْهَا قالَتْ لَهُ وَهُوَ يَسْأَلُها عَنْ
قَوْلِ الله تَعالى: ﴿حَتَّى إِذا أَسْتَيْأَسَ الرَّسُلُ﴾ قالَ: قُلْتُ أَكْذِيبُوا أَمْ كُذْبُوا؟ قالَتْ عَائِشَةُ: كُذْبُوا،
قُلْتُ: فَقَدِ اسْتَيْقَنُوا أَنَّ قَوْمَهُمْ كَذَّبُوهُمْ، فَمَا هُوَ بِالظَّنِّ قَالَتْ: أَجَلْ لَعَمْرِي لَقَدِ اسْتَيْقَنُوا بِذلِكَ،
فَقُلْتُ لَها وَظَنُوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا، قالَتْ: مَعاذَ الله لَمْ تَكُنِ الرُّسُلُ تَظُنُّ ذلِكَ بِرَبِّها قُلْتُ: فَما هذِهِ
الآيَةُ قَالَتْ: هُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ الَّذِينَ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَصَدَّقُوهُمْ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْبَلاءُ وَاسْتَأْخَرَ عَنْهُمُ
النَّصْرُ حَتَّى إِذَا أَسْتَيْأَسَ الرَّسُلُ مِمَّنْ كَذْبَهُمْ مِنْ قَوْمِهِمْ وَظَنَّتِ الرَّسُلُ أَنَّ أَتْبَاعَهُمْ قَدْ كَذَّبُوهُمْ
جاءَهُمْ نَصْرُ اللهِ عِنْدَ ذَلِكَ.
وبه قال: (حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله) بن أويس أبو القاسم القرشي الأويسي المدني
الأعرج قال: (حدّثنا إبراهيم بن سعد) بسكون العين ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف
الزهري (عن صالح) هو ابن كيسان (عن ابن شهاب) الزهري أنه (قال: أخبرني) بالإفراد
(عروة بن الزبير) بن العوام (عن عائشة رضي الله عنها) أنها (قالت له) أي لعروة وسقط لفظ له

٣١٥
كتاب تفسير القرآن/ سورة الرعد
لأبي ذر: (وهو) أي والحال أنه (يسألها عن قول الله تعالى ﴿حتى إذا استيأس الرسل﴾ قال) أي
عروة: (قلت) لها: (أكذبوا) بتخفيف المعجمة المكسورة بعد ضم الكاف (أم كذبوا) بتشديدها
(قالت عائشة كذبوا) مشددة كما صرح به في الثلاثة في رواية الإسماعيلي تخفيفًا وتشديدًا قال
عروة (قلت) لها: (فقد استيقنوا أن قومهم كذبوهم فما هو بالظن قالت) أي عائشة (أجل) تعني
نعم (لعمري لقد استيقنوا بذلك) ولم يظنوا قال عروة (فقلت لها وظنوا أنهم قد كذبوا) بالتخفيف
فردت عليه حيث (قالت: معاذ الله لم تكن الرسل تظن ذلك بربها) وهذا ظاهره أنها أنكرت قراءة
التخفيف بناء على أن الضمير للرسل ولعلها لم تبلغها، فقد ثبتت متواترة في قراءة الكوفيين في
آخرين ووجهت بأن الضمير في وظنوا عائد على المرسل إليهم لتقدمهم في قوله: كيف كان عاقبة
الذين من قبلهم، والضمير أن في أنهم وكذبوا على الرسل أي وظن المرسل إليهم أن الرسل قد
كذبوا أي كذبهم من أرسلوا إليه بالوحي وبنصرهم عليهم أو أن الضمائر كلها ترجع إلى المرسل
إليهم أي ظن المرسل إليهم أن الرسل قد كذبوهم فيما ادعوا من النبوّة فيما يوعدون به من لم
يؤمن من العقاب أو كذبهم المرسل إليهم بوعد الإيمان، وقول الكرماني لم تنكر عائشة القراءة
وإنما أنكرت التأويل خلاف الظاهر.
قال عروة: (قلت) لها: (فما هذه الآية؟ قالت هم أتباع الرسل الذين آمنوا بربهم
وصدقوهم) أي وصدقوا الرسل (فطال عليهم البلاء واستأخر عنهم النصر حتى إذا استيأس الرسل
ممن كذبهم من قومهم وظنت الرسل أن أتباعهم قد كذبوهم) فالضمائر كلها على قراءة التشديد
عائدة على الرسل أي وظن الرسل أنهم قد كذبهم أمهم فيما جاؤوا به لطول البلاء عليهم (جاءهم
نصر الله عند ذلك) وحصلت النجاة لمن تعلقت به مشيئته وهم النبي والمؤمنون والظن هنا بمعنى
اليقين أو على حقيقته وهو رجحان أحد الطرفين.
٤٦٩٦ - حدّثنا أَبُو الْيَمانِ، أَخْبَرَنا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ فَقُلْتُ لَعَلَّها
كُذِبُوا مُخَفَّفَةً قَالَتْ: مَعاذَ اللهِ نَحْوَهُ.
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن
الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (عروة) بن الزبير (فقلت) أي
لعائشة (لعلها كذبوا مخففة قالت معاذ الله نحوه) أي فذكرت نحو حديث صالح بن كيسان، وقد
ساقه المؤلف مختصرًا وأورده أبو نعيم في مستخرجه تامًا ولفظه عن عروة أنه سأل عائشة فذكره
نحو السابقة.
[١٣] سُورَةُ الرَّعْدِ
(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمْنِ الرَّحِيمِ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: ﴿كَباسِطِ كَفَّيْهِ﴾: مَثَلُ الْمُشْرِكِ الَّذِي عَبَدَ مَعَ
اللهِ إِلَّهَا غَيْرَهُ كَمَثَلِ الْعَطْشَانِ الَّذِي يَنْظُرُ إِلى خَيالِهِ فِي الْمَاءِ مِنْ بَعِيدٍ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَتَناوَلَهُ وَلا

٣١٦
كتاب تفسير القرآن/ سورة الرعد
يَقْدِرُ، وَقَالَ غَيْرُهُ: سَخَّرَ: ذَلَّلَ، ﴿مُتَجاوِراتٌ﴾: مُتَدانِياتٌ ﴿الْمَثُلاتُ﴾: وَاحِدُها مَثْلَةٌ، وَهِيَ
الأَشْبَاهُ وَالأَمْثالُ. وَقالَ: ﴿إِلَّ مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا﴾ [يونس: ١٠٢] بِمِقْدارٍ: بِقَدَرٍ ﴿مُعَقِّبَاتٌ﴾:
مَلائِكَةٌ حَفَظَةٌ تُعَقْبُ الأُولى مِنْها الأُخْرَى وَمِنْهُ قِيلَ الْعَقِيبُ يُقالَ: عَقَّبْتُ فِي أَثَرِهِ. ﴿الْمِحالُ﴾:
الْعُقُوبَةُ. ﴿كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلى الْماءِ﴾: لِيَقْبِضَ عَلَى الْماءِ. ﴿رابِيًا﴾: مِنْ رَبا يَرْبُو. ﴿أَوْ مَتَاعِ زَيَدْ﴾:
مِثْلُهُ الْمَتَاعُ، مَا تَمَتَّعْتَ بِهِ. ﴿جُفاءٌ﴾: أَجْفَتِ الْقِدْرُ: إِذا غَلَتْ فَعَلَاها الزَّبَدُ ثُمَّ تَسْكُنُ فَيَذْهَبُ الزَّبَدُ
بِلا مَنْفَعَةٍ فَكَذلِكَ يُمَيَّزُ الْحَقُّ مِنَ الْبَاطِلِ. ﴿الْمِهَادُ﴾: الْفِراشُ. ﴿يَدْرُؤُونَ﴾: يَدْفَعُونَ دَرَأْتُهُ عَنِي
دَفَعْتُهُ. ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾: أَنْ يَقُولُونَ: سَلامٌ عَلَيْكُمْ. ﴿وَإِلَيْهِ مَتَابٍ﴾: تَوْبَتِي. ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسْ﴾: لَمْ
يَتَبَيِّنْ. ﴿قَارِعَةٌ﴾: داهِيَةٌ. ﴿فَأَمْلَيْتُ﴾: أَطَلْتُ مِنَ الْمَلِيِّ وَالْمِلاوَةِ وَمِنْهُ. ﴿مَلِيًّا﴾: وَيُقالُ لِلْواسِعِ
الطَّوِيلِ مِنَ الأَرْضِ مَلَى مِنَ الأَرْضِ. ﴿أَشَقُ﴾: أَشَدُ مِنَ الْمَشَقَّةِ. ﴿مُعَقْبٌ﴾: مُغَيِّرٌ، وَقَالَّ
مُجاهِدٌ: ﴿مُتَجَاوِراتٌ﴾: طَيِبُها وَخَبِيتُها السّباخُ. ﴿صِنْوانٌ﴾: النَّخْلَتانِ، أَوْ أَكْثَرُ فِي أَصْلِ واحِدٍ.
﴿وَغَيْرُ صِنْوانٍ﴾: وَخْدَها. ﴿بِماءٍ واحِدٍ﴾: كَصالِحِ بَنِي آدَمَ وَخَبِيثِهِمْ أَبُوهُمْ وَاحِدٌ. ﴿السَّحابَ
الثّقالَ﴾: الَّذِي فِيهِ الْماءُ. ﴿كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ﴾: يَدْعُو الْمَاءَ بِلِسانِهِ وَيُشِيرُ إِلَيْهِ بِيَدِهِ فَلا يَأْتِيهِ أَبَدًا.
﴿سالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها﴾: تَمْلأُ بَطْنَ وادٍ. ﴿رَبَدًا رابًِا﴾: زَبَدُ السَّيْلِ: خَبَثُ الْحَدِيدِ وَالْحِلْيَةِ.
([١٣] سورة الرعد)
مكية في قول ابن عباس ومجاهد وابن جبير مدنية في قول قتادة إلا ﴿ولا يزال الذين
كفروا﴾ وعنه من أولها إلى ﴿ولو أن قرآنًا﴾ وهي خمس وأربعون آية .
(بسم الله الرحمن الرحيم).
(قال ابن عباس): سقطت البسملة لغير أبي ذر وزاد واوًا قبل قال ابن عباس: (﴿كباسط
كفيه﴾) يريد قوله تعالى: ﴿له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا
كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه﴾ [الرعد: ١٤] أي (مثل المشرك الذي عبد مع الله
إلها غيره) ولأبي ذر إلهًا آخر غيره (كمثل العطشان الذي ينظر إلى خياله) ولأبي ذر: إلى ظل خياله
(في الماء من بعيد وهو يريد أن يتناوله ولا يقدر) أي عليه وهذا وصله ابن أبي حاتم وابن جرير
من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ويجوز أن يراد بالموصول في قوله والذين يدعون
المشركون فالواو في يدعون عائده ومفعوله محذوف وهو الأصنام والواو في لا يستجيبون عائد على
مفعول يدعون المحذوف وعاد عليه الضمير كالعقلاء لمعاملتهم إياه معاملتهم، والتقدير والمشركون
الذين يدعون الأصنام لا تستجيب لهم الأصنام إلا استجابة كاستجابة الماء من بسط كفيه إليه
يطلب منه أن يبلغ فاه والماء جماد لا يشعر ببسط كفيه ولا بعطشه ولا يقدر أن يجيبه ويبلغ فاه
فوجه التشبيه عدم قدره المدعو على تحصيل مراده بل عدم العلم بحال الداعي أو شبهوه في عدم
فائدة دعائهم بمن بلغه العطش حتى كربه الموت وكفاه في الماء قد وضعهما لا يبلغان فاه رواه

٣١٧
كتاب تفسير القرآن/ سورة الرعد
الطبري من طريق العوفي عن ابن عباس أو كطالب الماء من البئر بلا دلو ولا رشاء يمدّ يده إليها
ليرتفع الماء إليه. رواه الطبري أيضًا من طريق أبي أيوب عن علي.
(وقال غيره) أي غير ابن عباس في قوله تعالى: ((سخر﴾) أي (ذلل) الشمس والقمر لما يقصد
منهما كتذليل المركوب للراكب أو لنيل منافعهما، وسقط هذا لأبي ذر، وفي اليونينية سخر ذلك بكاف
بعد اللام وهي مصلحة في الفرع لامَا هو الذي رأيته في النسخ المعتمدة كنسخة آل ملك.
(﴿متجاورات)) ومراده قوله تعالى: ﴿وفي الأرض قطع متجاورات﴾ [الرعد: ٤] أي
(متدانيات) في الأوضاع مختلفة باعتبار كونها طيبة وسبخة رخوة وصلبة صالحة للزرع والشجر أو
لأحدهما وغير صالحة لشيء مع أن تأثير الشمس وسائر الكواكب فيها على السواء فلم يكن ذلك
بسبب الاتصالات الفلكية والحركات الكوكبية وكذلك أشجارها وزروعها مختلفة جنسًا ونوعًا
وطعمًا مع أنها تسقى بماء واحد فلا بد من مخصص يخصص كلاً منها بخاصية دون أخرى وما
ذلك إلا إرادة الفاعل المختار وفي نسخة هنا وقال مجاهد متجاورات طيبها عذبها وخبيثها السباخ
هذا وصله أبو بكر بن المنذر من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(﴿المثلات﴾) في قوله: ﴿وقد خلت من قبلهم المثلات﴾ [الرعد: ٦] ولأبي ذر وقال غيره
المثلات (واحدها مثلة) بفتح الميم وضم المثلثة كسمرة وسمرات (وهي الأشباه والأمثال) قال أبو
عبيدة وعند الطبري من طريق معمر عن قتادة قال: المثلات العقوبات. وقال ابن عباس:
العقوبات المستأصلات كمثلة قطع الأذن والأنف ونحوهما وسميت بذلك لما بين العقاب والمعاقب
من المماثلة كقوله: ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾ [الشورى: ٤٠] (وقال) تعالى: (﴿إلا مثل أيام
الذين خلوا﴾) [يونس: ١٠٢].
وقوله تعالى: ﴿وكل شيء عنده﴾ (﴿بمقدار)) [الرعد: ٨] أي (بقدر) لا يجاوزه ولا ينقص
عنه والعندية يحتمل أن يكون المراد بها أنه تعالى خصص كل حادث بوقت معين وحالة معينة
بمشيئته الأزلية وإرادته السرمدية وعند حكماء الإسلام أنه تعالى وضع أشياء كلية وأودع فيها قوى
وخواص وحرّكها بحيث يلزم من حركاتها المقدرة بالمقادير المخصوصة أحوال جزئية متعينة
ومناسبات مخصوصة متقدرة ويدخل في هذه الآية أفعال العباد وأحوالهم وخواطرهم وهي من أدل
الدلائل على بطلان قول المعتزلة.
وقوله: له (﴿معقبات﴾) ولأبي ذر يقال معقبات أي (ملائكة حفظة) يحفظونه في نومه
ويقظته من الجن والإنس والهوام من بين يديه ومن خلفه ليلاً ونهارا (تعقب) في حفظه (الأولى
منها الأخرى) فإذا صعدت ملائكة النهار عقبتها ملائكة الليل وبالعكس.
وأخرج الطبري من طريق كنانة العدوي أن عثمان سأل النبي وَلّ عن عدد الملائكة الموكلين
بالآدمي فقال: لكل آدمي عشرة بالليل وعشرة بالنهار واحد عن يمينه وآخر عن شماله واثنان من بين
يديه ومن خلفه واثنان على جبينه وآخر قابض على ناصيته فإن تواضع رفعه وإن تكبر وضعه واثنان على
شفتيه ليس يحفظان عليه إلا الصلاة على محمد وَل﴿ والعاشر يحرسه من الحية أن تدخل فاه يعني إذا نام.
.

٣١٨
كتاب تفسير القرآن/ سورة الرعد
(ومنه) أي ومن أصل المعقبات (قيل العقيب) للذي يأتي في أثر الشيء (يقال عقبت) ولأبي
ذر قيل العقيب أي عقبت (في أثره) بتشديد القاف في الفرع كأصله وضبطه الدمياطي.
قال الزمخشري: وأصل معقبات متعقبات فأدغمت التاء في القاف كقوله وجاء المعذرون أي
المعتذرون ويجوز معقبات بكسر العين وتعقبه أبو حيان فقال هذا وهم فاحش فإن التاء لا تدعم في
القاف ولا القاف فى التاء لا من كلمة ولا من كلمتين وقد نص التصريفيون على أن القاف
والكاف كل منهما يدعم في القاف ولا يدغمان في غيرها ولا يدغم غيرهما فيهما، وأما تشبيهه
بقوله تعالى: ﴿وجاء المعذرون﴾ [التوبة: ٩٠] فلا يتعين أن يكون أصله المعتذرون، وأما قوله
ويجوز معقبات بكسر العين فهذا لا يجوز لأنه بناه على أن أصله معتقبات فأدغمت التاء في القاف،
وقد بينا أن ذلك وهم فاحش والضمير في له يعود على المكررة أي لمن أسر القول ولمن جهر به
ولمن استخفى ولمن سرب جماعة من الملائكة يعقب بعضهم بعضًا أو يعود على من الأخيرة وهو
قول ابن عباس. قال ابن عطية: فالمعقبات على هذا حرس الرجل الذين يحفظونه. قالوا: والآية
على هذا في الرؤساء الكفار، واختاره الطبري في آخرين إلا أن الماوردي ذكر على هذا التأويل أن
الكلام نفي والتقدير لا يحفظونه، وهذا ينبغي أن لا يسمع البتة كيف يبرز كلام موجب ويراد به
نفي وحذف لا إنما يجوز إذا كان المنفي مضارعًا في جواب قسم نحو تالله تفتأ وقد تقدم تحريره
وإنما معنى الكلام كما قال المهدوي يحفظونه من أمر الله في زعمه وظنه اهـ.
ومن إما للسبب أي بسبب أمر الله أو على بابها. قال أبو البقاء: من أمر الله من الجن
والأنس وذكر الفراء أنه على التقديم والتأخير أي له معقبات من أمر الله يحفظونه لكن قال في
الدر: والأصل عدم ذلك مع الاستغناء عنه وأخرج الطبري من طريق سعيد بن جبير قال حفظهم
إياه من أمر الله .
(﴿المحال﴾) يريد قوله: ﴿وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال﴾ [الرعد: ١٣] هو
(العقوبة) قاله أبو عبيدة.
(وقوله تعالى: ﴿كباسط كفيه على الماء﴾ [الرعد: ١٤] ليقبض على الماء) فلا يحصل منه على
شيء قال :
فأصبحت مما كان بيني وبينها من الودّ مثل القابض الماء باليد
والمعنى أن الذي يبسط يده إلى الماء ليقبضه كما لا ينتفع به كذلك المشركون الذين يعبدون
مع الله آلهة غيره لا ينتفعون بها أبدًا وقد مر قريبًا مزيد لهذا.
وقوله تعالى: ﴿فاحتمل السيل زبدًا﴾ (﴿رابيًا﴾) [الرعد: ١٧] (من ربا يربو) أي إذا زاد
وقال الزجاج: طافيًا فوق الماء والزبد وضر الغليان وخبثه أو ما يحمله السيل من غثاء ونحوه.
(﴿أو متاع زبد﴾ مثله المتاع ما تمتعت به) كالأواني وآلات الحرث والحرب.

٣١٩
كتاب تفسير القرآن/ سورة الرعد
((جفاء)) قال أبو عمرو بن العلاء (أجفأت القدر) ولأبي ذر يقال أجفأت القدر (إذا غلت
فعلاها الزبد ثم تسكن فيذهب الزبد بلا منفعة فكذلك يميز الحق من الباطل) وذلك أن هذا الكلام
ضربه للحق وأهله الشامل للقرآن وغيره والباطل وحزبه فقوله: ﴿أنزل من السماء ماء﴾ مثل
للقرآن والأودية مثل للقولب أي أنزل القرآن فاحتملت منه القلوب على قدر اليقين فالقلب الذي
يأخذ منه ما ينتفع به فيحفظه ويتدبره تظهر عليه ثمرته ولا يخفى أن بين القلوب في ذلك تفاوتًا
عظيمًا وقوله: ﴿وأما الزبد﴾ فهو مثل الباطل في قلة نفعه وسرعة زواله.
(﴿المهاد﴾) في قوله: ﴿ومأواهم جهنم وبئس المهاد﴾ [الرعد: ١٨] هو (الفراش) وهذا
ساقط لأبي ذر ثابت لغيره.
(يدرؤون) في قوله: (﴿ويدرؤون﴾) [الرعد: ٢٢] أي (يدفعون) السيئة بمقابلتها بالحسنة
وهذا وصف سيدنا رسول الله ◌َ في التوراة فيندرج تحته الدفع بالحسن من الكلام والوصل في
مقابلة قطع الأرحام وغيرهما من أخلاق الكرام وتغيير منكرات أفعال اللئام (درأته عني) أي
(دفعته) وسقط لغير أبي ذر عني.
(﴿سلام عليكم﴾) يريد قوله تعالى: ﴿والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم﴾
[الرعد: ٢٣] (أي يقولون سلام عليكم) فأضمر القول ههنا لأن في الكلام دليلاً عليه والقول
المضمر حال من فاعل يدخلون أي يدخلون قائلين سلام عليكم بشارة بدوام السلامة.
(﴿وإليه متاب﴾﴾ [الرعد: ٣٠] أي (توبتي). ومرجعي فيثيبني على المشاق أو إليه أتوب عن
سالف خطيئتي ولأبي ذر والمتاب إليه توبتي.
وقوله: ((أفلم ييأس﴾) [الرعد: ٣١] أي (م) ولأبي ذر فلم (يتبين) وبها قرأ علي وابن
عباس وغيرهما وردّه الفرّاء بأنه لم يسمع يئست بمعنى علمت وأجيب: بأن من حفظ حجةٌ على
من لم يحفظ ويدل على ذلك قراءة علي وغيره كما مر وقد قال القاسم بن معن وهو من ثقات
الكوفيين: هي لغة هوازن وقال ابن الكلبي: هي لغة حيّ من النخع ومنه قول رباح بن عدي:
ألم ييأس الأقوام أني أنا ابنه وإن كنت عن أرض العشيرة نائيا
وقول سحيم الرياحي:
أقول لهم بالشعب إذ يأسرونني ألم تيأسوا أني ابن فارس زهدم
والمعنى أفلم يعلم المؤمنون أنه لو تعلقت مشيئة الله تعالى على وجه الالجاء بإيمان الناس
جميعًا لآمنوا.
((قارعة﴾) أي (داهية) تقرعهم وتقلقلهم.
(﴿فأمليت﴾) أي (أطلت) للذين كفروا المدة بتأخير العقوبة (من الملّ) بفتح الميم وكسر اللام

٣٢٠
كتاب تفسير القرآن/ سورة الرعد
وتشديد التحتية قال في الصحاح الهويّ من الدهر يقال أقام مليّا من الدهر قال تعالى: ﴿واهجرني
مليًا﴾ [مريم: ٤٦] أي طويلاً ومضى ملي من النهار أي ساعة طويلة (والملاوة) بكسر الميم ولأبي
ذر والملاوة بضمها يقال أقمت عنده ملاوة من الدهر أي حينًا وبرهة (ومنه ﴿مليّا﴾) كما مر
(ويقال للواسع الطويل من الأرض): وهو الصحراء (ملى) بفتح الميم مقصورًا كما في اليونينية
وفرعها لأبي ذر وفي أصل اليونينية ملى كذا (من الأرض) وسقط لأبي ذر من الأرض الثاني.
(﴿أشق﴾) أي (أشد من المشقة) قاله أبو عبيدة.
(﴿معقب﴾ مغير) يريد قوله: ﴿لا معقب لحكمه﴾ [الرعد: ٤١] أي لا مغير لإرادته ولا
يعقبه أحد بالرد والإبطال.
(وقال مجاهد) فيما وصله الفريابي في قوله تعالى: (﴿متجاورات﴾ طيبها وخبيثها السباخ)
وهذا قد ثبت في نسخة قبل قوله المثلات كما مر.
(﴿صنوان﴾) جمع صنو كقنوان جمع قنو (النخلتان أو أكثر في أصل واحد) وفي الحديث
((عم الرجل صنو أبيه)) أي يجمعهما أصل واحد (﴿وغير صنوان﴾) النخلة (وحدها ﴿بماء واحد)
كصالح بني آدم وخبيثهم) قال الحسن: هذا مثل ضربه الله لقلوب بني آدم فقلب يرق فيخشع
ويخضع وقلب يسهو ويلهو والكل (أبوهم واحد).
وقوله: (﴿السحاب الثقال﴾) يريد قوله تعالى: ﴿وينشىء السحاب الثقال﴾ [الرعد: ١٢]
أي (الذي فيه الماء) قال: والسحاب اسم جنس والواحد سحابة والثقال جمع ثقيلة لأنك تقول
سحابة ثقيلة وسحاب ثقال كما تقول امرأة كريمة ونساء كرام وقال عليّ: السحاب غربال الماء.
وقوله تعالى: (﴿كباسط كفيه﴾) زاد أبو ذر إلى الماء أي (يدعو الماء بلسانه ويشير إليه بيده
فلا يأتيه أبدًا) إذ لا إشعار له به وهذا وصله الفريابي والطبري من طرق عن مجاهد وهو مثل الذين
يدعون آلهة غير الله وسبق هذا في موضعين من هذه السورة (﴿سالت﴾) ولأبي ذر: فسالت
(﴿أودية بقدرها﴾ تملأ بطن واد) ولأبي ذر كل واد بحسبه فهذا كبير يسع كثيرًا من الماء وهذا صغير
يسع بقدره (﴿زبدًا رابيًا﴾ زبد السيل): ولأبي ذر الزبد زبد السيل ولأبي ذر زبد مثله أي ومما
توقدون عليه من الذهب والفضة والحديد وغيرهما زبد مثل زبد الماء هو (خبث الحديد والحلية)
وقوله زبد مثله ثابت لأبي ذر وسبق ما في ذلك من البحث قريبًا.
١ - باب قَوْلِهِ: ﴿الله يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ
كُلُّ أُنْثَى وَما تَغِيضُ الأَرْحامُ﴾ [الرعد: ٨] غِيضَ: نُقِصَ
(باب قوله ﴿الله يعلم ما تحمل كل أنثى﴾) أي الذي تحمله أو حملها فعلى الموصولية فالمعنى
أنه تعالى يعلم ما تحمله من الولد أهو ذكر أم أنثى وتام أم ناقص وحسن أم قبيح وطويل أم قصير