Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
كتاب تفسير القرآن/ سورة التوبة
وهذا عجيب فإن خط الحافظ ابن حجر على كثير من الفروع المقابلة على اليونينية بالقراءة
والسماع، وتويت هو ابن الحارث بن عبد العزى بن قصي (و) من (بني أسامة) بن أسد بن
عبد العزى (وبني أسد) ولأبي ذر من أسد. وأما الحميدات: فنسبه إلى بني حميد بن زهير بن
الحارث بن أسد بن عبد العزى وتجتمع هذه الابطن مع خويلد بن أسد جد الزبير (أن ابن أبي
العاص) بكسر الهمزة (برز) أي ظهر (يمشي القدمية) بضم القاف وفتح الدال المهملة وكسر الميم
وتشديد التحتية مشية التبختر وهو مثل يريد أنه ركب معالي الأمور وتقدم في الشرف والفضل على
أصحابه (يعني) ابن عباس (عبد الملك بن مروان) بن الحكم بن أبي العاص (وإنه) بكسر الهمزة
(لوى ذنبه) بتشديد الواو وتخفف (يعني ابن الزبير) يعني تخلف عن معالي الأمور أو كناية عن
الجبن كما تفعل السباع إذا أراد النوم أو وقف فلم يتقدم ولم يتأخر ولا وضع الأشياء مواضعها
فأدنى الناصح وأقصى الكاشح وهذا قاله الداودي. وفي رواية أبي مخنف وأن ابن الزبير يمشي
القهقرى. قال في فتح الباري: وهو المناسب لقوله في عبد الملك يمشي القدمية، وكان الأمر كما
قال ابن عباس فإن عبد الملك لم يزل في تقدم من أمره حتى استنقذ العراق من ابن الزبير وقتل
أخاه مصعبًا ثم جهز العساكر إلى ابن الزبير بمكة فكان من الأمر ما كان، ولم يزل أمر ابن الزبير
في تأخير إلى أن قتل رحمه الله ورضي عنه.
٤٦٦٦ - هقثنا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ،
قالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ دَخَلْنا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقالَ: أَلا تَعْجَبُونَ لايْنِ الزُّبَيْرِ قَامَ فِي أَمْرِهِ
هذا؟ فَقُلْتُ: لأُحاسِبَنَّ نَفْسِي لَهُ ما حَاسَبْتُها لأَّبِي بَكْرٍ وَلا لِعُمَرَ وَلَهُما كانَا أَوْلِى بِكُلِّ خَيْرٍ مِنْهُ
وَقُلْتُ ابْنُ عَمَّةِ النَّبِيِّ وَّهِ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ، وَابْنُ أَبِي بَكْرٍ، وَابْنُ أَخِي خَدِيجَةَ، وَابْنُ أُخْتِ عَائِشَةَ
فَإِذَا هُوَ يَتَعَلَّى عَنِّي وَلا يُرِيدُ ذلِكَ فَقُلْتُ: ما كُنْتُ أَظُنُّ أَنِّي أَغْرِضُ هذا مِنْ نَفْسِي فَدَعُهُ وَمَا أُرَاهُ
يُرِيدُ خَيْرًا وَإِنْ كانَ لا بُدِّ لأَنْ يَرْبِِّي بَنُو عَمِّي أَحَبُّ إِلَيٍّ مِنْ أَنْ يَرُبَّنِي غَيْرُهُمْ.
وبه قال: (حدّثنا محمد بن عبيد بن ميمون) بضم العين مصغرًا من غير إضافة لابن ميمون
المدني قال: (حدّثنا عيسى بن يونس) بن أبي إسحق الهمداني الكوفي (عن عمر بن سعيد) بضم
العين في الأول وكسرها في الثاني ابن أبي حسين النوفلي القرشي المكي أنه (قال: أخبرني) بالإفراد
(ابن أبي مليكة) عبد الله قال: (دخلنا على ابن عباس) رضي الله عنهما (فقال: ألا) بالتخفيف
(تعجبون لابن الزبير قام في أمره هذا؟) يعني الخلافة (فقلت: لأحاسبن نفسي له ما حاسبتها لأبي
بكر ولا لعمر) أي لأناقش نفسي لابن الزبير في معونته ولأستقصين عليها في النصح له والذب
عنه ما ناقشتها للعمرين، وما نافية، وقال الداودي أي لأذكرن في مناقبه ما لم أذكر في مناقبهما،
وإنما صنع ابن عباس ذلك لاشتراك الناس في معرفة مناقب أبي بكر وعمر بخلاف ابن الزبير،
فما كانت مناقبه في الشهرة كمناقبهما، فأظهر ذلك ابن عباس وبينه للناس إنصافًا منه له (ولهما)
بلام الابتداء والضمير للعمرين وفي نسخة، فإنهما (كانا أولى بكل خير منه) أي من ابن الزبير

٢٦٢
كتاب تفسير القرآن/ سورة التوبة
(وقلت) وفي نسخة: فقلت هو (ابن عمة النبي وَّه) صفية بنت عبد المطلب (وابن الزبير) حواري
رسول الله وَليزر (وابن أبي بكر) الصديق رضي الله عنه (وابن أبي خديجة) أم المؤمنين رضي الله عنها
(وابن أخت عائشة) أسماء وإنما هو ابن ابن أخي خديجة العوام وابن ابنة أبي بكر أسماء وابن ابن
صفية فهي جدته لأبيه وعبر بذلك على سبيل المجاز (فإذا هو) أي ابن الزبير (يتعلّ) بتشديد اللام
يترفع معرضًا أو متنحيًا (عني ولا يريد ذلك) قال العيني كابن حجر أي لا يريد أن أكون من
خاصته. وقال البرماوي كالكرماني: ولا يريد ذلك القول إذا عاتبته. قال ابن عباس (فقلت: ما
كنت أظن أني أعرض) أي أظهر (هذا) الخضوع (من نفسي) له (فيدعيه) أي يتركه ولا يرضى به
مني (وما أراء) بضم الهمزة أي وما أظنه (يريد) بي (خيرًا) في الرغبة عني، وللكشميهني وإنما
أراه بدل ما وهو تصحيف كما لا يخفى (وإن كان لا بد) أي الذي صدر منه لا فراق له منه (لأن)
كذا في اليونينية والذي في الفرع التنكزي أن (يربني) بفتح الموحدة (بنو عمي) بنو أمية أي يكونوا
علي أمراء (أحبّ إلي من أن يربني غيرهم) إذ هم أقرب إليّ من بني أسد كما مرّ، ومن زائدة عند
أبي ذر.
١٠ - باب قَوْلِهِ: ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾
[التوبة: ٦٠] قَالَ مُجاهِدٌ: يَتَلَّفُهُمْ بِالْعَطِيئَّةِ
(باب قوله) عز وجل وسقط لغير أبي ذر (﴿والمؤلفة قلوبهم)) [التوبة: ٦٠] بالجر كلفظ
التنزيل والرفع على الاستئناف وحذف باب وتاليه وهم قوم أسلموا ونيتهم ضعيفة فيه فيستألف
قلوبهم أو أشراف يترقب بإعطائهم ومراعاتهم إسلام نظائرهم (قال مجاهد) المفسر فيما وصله
الفريابي عن ورقاء عن ابن أبي نجيح عنه (يتألفهم بالعطية).
٤٦٦٧ - هقلنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنا سُفْيَانُ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي نُعْمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: بُعِثَ إِلَى النَّبِّي ◌َّهِ بِشَيْءٍ، فَقَسَمَهُ بَيْنَ أَرْبَعَةٍ وَقَالَ: أَتَلَّفُهُمْ فَقَالَ رَجُلٌ: ما
عَدَلْتَ فَقالَ: (يَخْرُجُ مِنْ ضِئْضِىءٍ هَذَا قَوْمٌ يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ)).
وبه قال: (حدّثنا محمد بن كثير) بالمثلثة العبدي البصري قال: (أخبرنا سفيان) الثوري (عن
أبيه) سعيد بن مسروق (عن ابن أبي نعم) بضم النون وسكون العين المهملة عبد الرحمن (عن أبي
سعيد) سعد بن مالك الخدري (رضي الله عنه) أنه (قال: بعث إلى النبي ◌َّلتر بشيء) الباعث
عليّ بن أبي طالب كما في البخاري في باب قوله تعالى: ﴿وأما عاد﴾ من كتاب الأنبياء، وعند
مسلم وهو باليمن والشيء ذهيبة (فقسمه) عليه الصلاة والسلام أي ذلك الشيء (بين أربعة)
سماهم في رواية الباب المذكور الأقرع بن حابس الحنظلي ثم المجاشعي وعيينة بن زيد الفزاري
وزيد الطائي ثم أحد بني نبهان وعلقمة بن علاثة العامري ثم أحد بني كلاب (وقال) عليه الصلاة
والسلام:

٢٦٣
كتاب تفسير القرآن/ سورة التوبة
(أتألفهم) ليثبتوا على الإسلام رغبة فيما يصل إليهم من المال (فقال رجل) من بني تميم يقال
له ذو الخويصرة واسمه حرقوص بن زهير (ما عدلت) في العطية (فقال) وَلّهر: (يخرج من
ضئضىء) بكسر الضادين المعجمتين وسكون الهمزة الأولى أي من نسل (هذا) الرجل المسمى
بحرقوص (قوم يمرقون من الدين) يخرجون منه زاد في كتاب الأنبياء ((مروق السهم من الرمية)).
وقول صاحب التنقيح إن المؤلف كان ينبغي أن يترجم لهذا الحديث بقوله تعالى: ﴿ومنهم من
يلمزك في الصدقات﴾ [التوبة: ٥٨]. أجاب في المصابيح بأن ما صنعه ظاهر لأن الحديث اشتمل
على إعطاء المؤلفة قلوبهم صريحًا واشتمل على لمزه في الصدقات فإن ترجم له على الأول صح،
وعلى الثاني صح ولا نسلم أولوية أحدهما بالنسبة إلى الآخر فلا وجه للاعتراض.
١١ - باب قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾
[التوبة: ٧٩] يَلْمِزُونَ: يَعِيبُونَ وَجُهْدَهُمْ وَجَهْدَهُمْ: طَاقَتَهُمْ
(باب قوله) عز وجل وسقط لغير أبي ذر (﴿الذين يلمزون المطوّعين من المؤمنين))
[التوبة: ٧٩]. زاد أبو ذر في الصدقات وهذا من صفات المنافقين والذين في موضع رفع بالابتداء
ومن المؤمنين حال من المطوّعين (يلمزون) أي (يعيبون) وسقط هذا لأبي ذر (وجهدهم) بضم الجيم
(وجهدهم) بفتحها أي (طاقتهم) مصدر جهد في الأمر إذا بالغ فيه.
٤٦٦٨ - حدثني بِشْرُ بْنُ خالِدٍ أَبُو مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةً عَنْ
سُلَيْمانَ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ: لَمَّا أُمِزْنا بِالصَّدَقَةِ، كُنَّا نَتَحامَلُ فَجَاءَ أَبُو عَقِيلٍ
بِنِضْفِ صاعٍ وَجاءَ إِنْسانٌ بِأَكْثَرَ مِنْهُ، فَقالَ الْمُنَافِقُونَ: إِنَّ اللَّه لَغَنِيِّ عَنْ صَدَقَةِ هذا وَما فَعَلَ هذا
الآخَرُ إِلاَّ رِيَاءٌ فَزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ
إِلاَّ جُهْدَهُمُ﴾. الآيَةَ.
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (بشر بن خالد) بسكون الموحدة وسكون المعجمة العسكري (أبو
محمد) الفرائضي نزيل البصرة قال: (أخبرنا محمد بن جعفر) الملقب بغندر الهذلي مولاهم البصري
(عن شعبة) بن الحجاج (عن سليمان) بن مهران الأعمش (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة (عن ابن
مسعود) عقبة بن عمرو البدري الأنصاري أنه (قال: لما أمرنا) بضم الهمزة مبنيًا للمفعول ولأبي ذر
أمر (بالصدقة) بحذف الضمير المنصوب وفي الزكاة في باب اتقوا النار ولو بشق تمرة لما نزلت آية
الصدقة (كنا نتحامل) أي يحمل بعضنا لبعض بالأجرة. وقال البرماوي كالكرماني أي نتكلف في
الحمل من حطب وغيره زاد البرماوي وصوابه كنا نحامل كما سبق في بقية الروايات انتهى.
ومعناه نؤاجر أنفسنا في الحمل.
(فجاء أبو عقيل) بفتح العين المهملة وكسر القاف حبحاب بحاءين مهملتين مفتوحتين بينهما

٢٦٤
كتاب تفسير القرآن/ سورة التوبة
موحدة ساكنة وبعد الألف موحدة أخرى (بنصف صاع) من تمر وفي الزكاة بصاع، فيحتمل أنه
غير أبي عقيل أو هو هو ويكون أتى بنصف ثم بنصف (وجاء إنسان) قيل هو عبد الرحمن بن
عوف (بأكثر منه) قيل بألفين رواه البزار من حديث أبي هريرة، وعند ابن إسحق عن قتادة بأربعة
آلاف، وعند الطبري عن ابن عباس بأربعمائة أوقية من ذهب وعند عبد الرزاق عن معمر عن
قتادة ثمانية آلاف دينار قال في الفتح: وأصح الطرق ثمانية آلاف درهم (فقال المنافقون: إن الله
الغني عن صدقة هذا) الأول (وما فعل هذا الآخر) عبد الرحمن بن عوف ما فعله من العطية (إلاّ
رياء) وقد كذبوا والله بل كان متطوعًا (فنزلت: ﴿الذين يلمزون المطوّعين من المؤمنين في
الصدقات والذين لا يجدون إلاّ جهدهم﴾ الآية). فيهما أي ما يعيبون المياسير والفقراء.
٤٦٦٩ - حدثني إسْحق بْنُ إِبْراهِيمَ، قالَ: قُلْتُ لأَبِي أُسامَةَ أَحَدَّثَكُمْ زَائِدَةُ عَنْ سُلَيْمانَ،
عَنْ شَقِيقٍ عَنْ أَبِي مَسْعُودِ الأَنْصَارِيِّ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ يَأْمُرُ بِالصَّدَقَةِ فَيَحْتَالُ أَحَدُنا
حَتَّى يَجِيءَ بِالْمُدْ وَإِنَّ لأَحَدِهِمُ الْيَوْمَ مِائَةَ أَلْفٍ كَأَنَّهُ يُعَرِّضُ بِنَفْسِهِ.
وبه قال: (حدّثني) ولغير أبي ذر: حدّثنا بالجمع (إسحاق بن إبراهيم) بن راهويه (قال:
قلت لأبي أسامة) حماد بن أسامة (أحدثكم) بهمزة الاستفهام (زائدة) بن قدامة أبو الصلت الكوفي
(عن سليمان) بن مهران الأعمش (عن شقيق) هو أبو وائل بن سلمة (عن أبي مسعود) عقبة بن
عمرو (الأنصاري) البدري أنه (قال: كان رسول الله ◌َ ل# يأمر بالصدقة فيحتال) يجتهد ويسعى
(أحدنا حتى يجيء بالمد) من التمر أو القمح أو نحوهما فيتصدق به (وإن لأحدهم اليوم مائة ألف)
من الدراهم أو الدنانير لكثرة الفتوح والأموال، ومراده كما قال الزين بن المنير أنهم كانوا
يتصدقون مع قلة الشيء ويتكلفون ذلك ثم وسع الله عليهم فصاروا يتصدقون من يسر مع عدم
خشية عسر واليوم نصب على الظرفية. قال شقيق (كأنه) أي أبا مسعود (يعرض بنفسه) لكونه من
ذوي الأموال الكثيرة.
وهذا الحديث قد سبق في أوائل الزكاة.
١٢ - باب قَوْلِهِ: ﴿أَسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ
إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]
(باب قوله) عز وجل، وسقط لغير أبي ذر (﴿استغفر لهم أو لا تستغفر لهم﴾) اللفظ لفظ
الأمر ومعناه الخبر أي: إن شئت استغفر لهم وإن شئت فلا تستغفر لهم، ثم أعلمه الله تعالى أنه
لا يغفر لهم وإن استغفر لهم سبعين مرة فقال: (﴿إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم﴾)
[التوبة: ٨٠] والسبعون للتكثير وسقط ﴿فلن يغفر الله لهم﴾ لغير أبي ذر.
٤٦٧٠ - حدثنا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ أَبٍ أُسامَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ

٢٦٥
كتاب تفسير القرآن/ سورة التوبة
رَضِيَ اللَّهُ تَعالَى عَنْهُما قالَ: لَّا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِّ جاءَ أَبْتُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ إِلى
رَسُولِ اللَّهِ وَرِ فَسَأَلَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ قَمِيصَهُ يُكَفِّنُ فِيهِ أَبَاهُ فَأَعْطَاهُ ثُمَّ سَأَلَهُ أَنْ يُصَلِّ عَلَيْهِ فَقَامَ
رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ لِيُصَلِّ،ٍ فَقَامَ عُمَرُ فَأَخَذَ بِثَوْبٍ رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ فَقالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ تُصَلِيٍّ عَلَيْهِ
وَقَدْ نَهَاكَ رَبُّكَ أَنْ تُصَلِّ عَلَيْهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((إِنَّمَا خَيَّرَنِي اللَّهُ فَقالَ: ﴿أَسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا
تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ وَسَأَزِيدُهُ عَلَى السَّبْعِينَ)) قَالَ: إِنَّهُ مُنافِقٌ. قَالَ: فَصَلَى عَلَيْهِ
رَسُولُ اللَّهِ ﴿ فَأَنْزَّلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَلا تُصَلْ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ﴾
[التوبة: ٨٤].
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (عبيد بن إسماعيل) بضم العين من غير
إضافة واسمه عبد اللَّه أبو محمد القرشي الهباري من ولد هبار بن الأسود (عن أبي أسامة) حماد بن
أسامة (عن عبيد الله) بضم العين ابن عبد الله بن عمر العمري (عن نافع) مولى ابن عمر (عن
ابن عمر رضي الله تعالى عنهما) أنه (قال: لما توفي عبد اللَّه بن أبيّ) بضم الهمزة وفتح الموحدة
وتشديد التحتية ابن سلول المنافق في ذي القعدة سنة تسع بعد منصرفهم من تبوك وكان قد تخلّف
عنها كذا نقله في الفتح عن الواقدي وإكليل الحاكم وسقط لغير أبي ذر ابن أبي (جاء ابنه
عبد الله بن عبد الله) وكان من المخلصين وفضلاء الصحابة (إلى رسول الله ولاير فسأله أن يعطيه
قميصه يكفن فيه أباه فأعطاه) قميصه ليكفن فيه أباه فالإعطاء إنما وقع لابنه العبد الصالح، وقيل
إن عبد اللَّه المنافق كان أعطى العباس يوم بدر قميصًا لما أسر العباس فكافأه النبي ◌َّر على ذلك
لئلا يكون لمنافق منّة عليهم (ثم سأله أن يصلي عليه فقام رسول الله (صل﴿ ليصلي) زاد أبوا الوقت
وذر وابن عساكر والأصيلي عليه (فقام عمر) بن الخطاب رضي الله عنه (فأخذ بثوب
رسول الله ◌َل* فقال: يا رسول الله تصلي عليه) وفي نسخة: أتصلي عليه بإثبات همزة الاستفهام
الإنكاري (و) الحال أن (قد نهاك ربك أن تصلي عليه) قيل لعله قال ذلك بطريق الإلهام وإلاّ فلم
يتقدم نهي عن الصلاة على المنافقين كما يرشد إليه قوله في آخر هذا الحديث فأنزل الله: ﴿ولا
تصل على أحد منهم مات أبدًا﴾ [التوبة: ٨٤].
وزعم بعضهم أن عمر اطّلع على نهي خاص في ذلك وأحسن ما قيل إنه فهم النهي من
قوله تعالى: ﴿استغفر لهم أو لا تستغفر لهم﴾ من حيث إنه سوّى بين الاستغفار وعدمه في عدم
النفع وعلل ذلك بكفرهم، وقد ثبت في الشرع امتناع المغفرة لمن مات كافرًا والدعاء بوقوع ما
علم انتفاء وقوعه شرعًا أو عقلاً ممتنع ولا ريب أن الصلاة على الميت المشرك استغفار له ودعاء
وقد نهي عنه فتكون الصلاة عليه منهيًا عنها هذا مع ما عرف من صلابة عمر رضي الله عنه في
الدين وكثرة بغضه للمنافقين. وقال الزين بن المنير فيما حكاه عنه في الفتح: وإنما قال عمر ذلك
عرضًا على النبي ﴿ ومشورة لا إلزامًا وله عوائد بذلك، ولا يبعد أن يكون النبي وَّر أذن له في
مثل ذلك فلا يستلزم ما وقع من عمر أنه اجتهد مع وجود النص كما تمسك به قوم في جواز
ذلك وإنما أشار بالذي ظهر فقط، ولهذا احتمل منه وَلؤي أخذه بثوبه ومخاطبته له في مثل ذلك

٢٦٦
كتاب تفسير القرآن/ سورة التوبة
المقام حتى التفت إليه متبسمًا كما في حديث ابن عباس في هذا الباب (فقال رسول الله (وَل﴿):
(إنما خيّرني الله) بين الاستغفار وعدمه (فقال ﴿استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر
لهم سبعين مرة) وسأزيده على السبعين) وعند عبد بن حميد من طريق قتادة فوالله لأزيدن على
السبعين، وسأل الزمخشري فقال فإن قلت: كيف خفي على رسول الله يعني أن السبعين مثل في
التكثير وهو أفصح العرب وأخبرهم بأساليب الكلام وتمثيلاته. والذي يفهم من ذكر هذا العدد
كثرة الاستغفار كيف وقد تلاه بقوله: ﴿ذلك بأنهم كفروا﴾ الآية، فبين الصارف عن المغفرة لهم
حتى قال: خيرني وسأزيد على السبعين. وأجاب: بأنه لم يخف عليه ذلك ولكنه خيل بما قال
إظهارًا لغاية رحمته ورأفته على من بعث إليه كقول إبراهيم: ﴿ومن عصاني فإنك غفور رحيم﴾
[إبراهيم: ٣٦] وفي إظهار النبي الرحمة والرأفة لطف لأمته ودعاء لهم إلى ترحم بعضهم على
بعض اهـ.
قال في فتوح الغيب: قوله خيل أي صوّر في خياله أو في خيال السامع ظاهر اللفظ وهو
العدد المخصوص دون المعنى الخفي المراد وهو التكثير كما أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام ما عدّ
عصيانه في قوله: ﴿ومن عصاني﴾ عصيان الله المراد منه عبادة الأصنام قال: وهو من أسلوب
التورية وهو أن يطلق لفظ له معنيان قريب وبعيد فيراد البعيد منهما اهـ.
وتعقب بعضهم ذلك بأنه يجب عليه الصلاة والسلام إظهار ما علم من الله في أمر الكفر
وما يترتب عليه من العقاب للزجر وبأنه يستلزم جواز الاستغفار للكفار مع العلم بأنه لا يجوز،
ولذلك قيل ما كان يعرف كفره وعند عبد الرزاق عن معمر والطبري من طريق سعيد كلاهما عن
قتادة قال: أرسل عبد الله بن أبيّ إلى النبي وَل﴿ فلما دخل عليه قال: أهلكك حب يهود، فقال:
يا رسول الله إنما أرسلت إليك لتستغفر لي ولم أرسل إليك لتوبخني ثم سأله أن يعطيه قميصه
يكفن فيه، فأجابه. قال الحافظ ابن حجر: وهذا مرسل مع ثقة رجاله ويعضده ما أخرجه الطبراني
من طريق الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس قال: لما مرض عبد الله بن أبي جاءه
النبي ◌َّ ﴿ فكلمه فقال: قد فهمت ما تقول فامتن عليّ فكفّني في قميصك وصلّ عليّ ففعل قال:
وكان عبد الله بن أبيّ أراد بذلك دفع العار عن ولده وعشيرته بعد موته فأظهر الرغبة في صلاة
النبي ﴿ عليه ووقعت إجابته إلى سؤاله على حسب ما أظهر من حاله فالنهي عن الاستغفار لمن
مات مشركًا لا يستلزم النهي عن الاستغفار لمن مات مظهرًا للإسلام.
(قال) أي عمر جريًا على ما يعلمه من أحواله (إنه منافق قال: فصلى عليه رسول الله (صل (3)
إجراء له على ظاهر حكم الإسلام واستئلافًا لقومه لا سيما ولم يقع نهي صريح عن الصلاة على
المنافقين فاستعمل أحسن الأمرين في السياسة حتى كشف الله تعالى عنه الغطاء ونهي فانتهى (فأنزل
الله تعالى: ﴿ولا تصل على أحد منهم مات أبدًا ولا تقم على قبره﴾) زاد مسدد من حديث ابن
عمر فترك الصلاة عليهم وابن أبي حاتم ولا قام على قبره وعند الطبري من حديث قتادة أنه واله

٢٦٧
كتاب تفسير القرآن/ سورة التوبة
قال: وما يغني عنه قميصي من الله وإني لأرجو أن يسلم بذلك ألف من قومه، وقد روي أن ألفًا
من الخزرج أسلموا لما رأوه يستشفي بثوبه ويتوقع اندفاع العذاب عنه به.
٤٦٧١ - هذاثنا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ وَقالَ غَيْرُهُ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ
حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ عَنِ ابْنِ شِهابٍ، قالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ عُمَرَ بْنٍ
الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا ماتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِيِّ ابْنُ سَلُولَ دُعِيَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَر
لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ وَهَ وَثَبْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُصَلِّي عَلَى ابْنِ أُبَيِّ وَقَدْ
قالَ يَوْمَ كَذا كَذَا وَكَذَا؟ قَالَ: (أُعَدِّدُ عَلَيْهِ قَوْلَهُ)) فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِوَّهِ وَقَالَ: ((أَخْرْ عَنِّي يا عُمَرُ))
فَلَمَّا أَكْثَرْتُ عَلَيْهِ قالَ: (إِنِّي خُيِّرْتُ فَأَخْتَرْتُ لَوْ أَعْلَمُ أَنِّي إِنْ زِدْتُ عَلَى السَّبْعِينَ يُغْفَرْ لَهُ لَزِدْتُ
عَلَيْهَا) قَالَ: فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ ثُمَّ أَنْصَرَفَ فَلَمْ يَمْكُثْ إِلاَّ يَسِيرًا، حَتّى نَزَلَتِ الْآيَتانِ مِنْ
بَراءَةً ﴿وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَدًا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٨٤] قالَ: فَعَجِبْتُ
بَعْدُ مِنْ جُزْأَتِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ.
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) هو ابن عبد الله بن بكير المخزومي مولاهم المصري قال:
(حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن عقيل) بضم العين وفتح القاف ابن خالد بن عقيل بفتح العين
الأيلي (وقال غيره): هو أبو صالح عبد الله بن صالح كاتب الليث (حدّثني) بالإفراد (الليث) بن
سعد قال: (حدّثني) بالإفراد أيضًا (عقيل) الأيلي (عن ابن شهاب) الزهري أنه (قال: أخبرني)
بالإفراد (عبيد الله بن عبد اللَّه) بضم العين في الأول ابن عمر بن الخطاب (عن ابن عباس)
رضي الله عنهما (عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: لما مات عبد الله بن أبي ابن سلول)
بفتح السين المهملة وضم اللام وسكون الواو بعدها لام اسم أم عبد اللَّه المذكور وابن بالرفع صفة
عبد الله لا صفة أبيه (دعي له رسول الله ويه) بضم الدال مبنيًا للمفعول (ليصلي عليه فلما قام
رسول الله (1) للصلاة عليه (وثبت إليه فقلت يا رسول الله أتصلي على ابن أبي؟) بهمزة الاستفهام
(وقد قال يوم كذا كذا وكذا؟ قال: أعدد عليه قوله) بفتح العين وكسر الدال الأولى، ولأبي ذر:
أعدّ بضم العين والدال وإسقاط الثانية يشير بذلك إلى مثل قوله: لا تنفقوا على من عند رسول الله
حتى ينفضوا، وقوله: ليخرجن الأعز منها الأذل. (فتبسم رسول الله وَ﴿) تعجبًا من صلابة عمر
وبغضه للمنافقين وتأنيسًا له وتطييبًا لقلبه كالمعتذر له عن ترك قبول كلامه (وقال):
(أخّر) أي تأخر (عني يا عمر) وقيل معناه أخّر عني رأيك فاختصر إيجازًا وبلاغة (فلما
أكثرت عليه قال: إني خيرت) بين الاستغفار وعدمه (فاخترت) الاستغفار، وقد أشكل فهم
التخيير من الآية على كثير، وقد سبق جواب الزمخشري عن ذلك. وقال صاحب الانتصاف:
مفهوم الآية قد زلت فيه الأقدام حتى أنكر القاضي أبو بكر الباقلاني صحة الحديث وقال: لا يجوز
أن يقبل هذا ولا يصح أن الرسول قاله وقال إمام الحرمين في مختصره هذا الحديث غير مخرّج في

٢٦٨
كتاب تفسير القرآن/ سورة التوبة
الصحيح، وقال في البرهان: لا يصححه أهل الحديث، وقال الغزالي في المستصفى: الأظهر أن
هذا الخير غير صحيح، وقال الداودي الشارح: هذا الحديث غير محفوظ وهذا عجيب من هؤلاء
الأئمة كيف باحوا بذلك وطعنوا فيه مع كثرة طرقه واتفاق الصحيحين على تصحيحه بل وسائر
الذين خرجوا في الصحيح وأخرجه النسائي وابن ماجه.
(لو أعلم أني إن زدت على السبعين يغفر له) بجزم يغفر جوابًا للشرط ولأبي ذر عن
الكشميهني فغفر له بفاء وضم العين وفتح الراء بلفظ الماضي قال في الفتح: والأول أوجه (لزدت
عليها) تردّد هنا وفي الرواية السابقة قال: سأزيده ووعده صادق ولا سيما وقد ثبت قوله: لأزيدن
بصيغة المبالغة في التأكيد وروى الطبري من طريق مغيرة عن الشعبي قال: قال النبي وَلقر قال الله:
﴿إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم﴾ [التوبة: ٨٠] فأنا أستغفر سبعين وسبعين وسبعين.
وأجيب: باحتمال أن يكون فعل ذلك استصحابًا للحال لأن جواز المغفرة بالزيادة كان ثابتًا
قبل نزول الآية فجاز أن يكون باقيًا على أصله في الجواز. قال الحافظ أبو الفضل: وحاصله أن
العمل بالبقاء على حكم الأصل مع المبالغة لا يتنافيان فكأنه جوّز أن المغفرة تحصل بالزيادة على
السبعين لا أنه جازم بذلك ولا يخفى ما فيه أو يكون طلب المغفر لتعظيم المدعو، فإذا تعذرت
المغفرة عوّض الداعي عنها ما يليق به من الثواب أو دفع السوء كما ثبت في الخبر وقد يحصل
بذلك تخفيف عن المدعو له كما في قصة أبي طالب قاله ابن المنير وفيه نظر لاستلزامه مشروعية
طلب المغفرة لمن تستحيل المغفرة له شرعًا.
(قال: فصلى عليه رسول الله(#) وذكر الواقدي أن مجمع بن حارثة قال: ما رأيت
رسول الله﴿ أطال على جنازة قط ما أطال على جنازة عبد الله بن أبيّ من الوقوف (ثم انصرف)
من صلاته (فلم يمكث إلاّ يسيرًا حتى نزلت الآيتان من براءة: ﴿ولا تصل على أحد منهم مات
أبدًا﴾ إلى قوله: ﴿وهم فاسقون﴾ قال) عمر رضي الله تعالى عنه (فعجبت بعد) بالبناء على الضم
لقطعه عن الإضافة (من جرأتي) بضم الجيم وسكون الراء ثم همزة أي من إقدامي (على
رسول الله (14 والله ورسوله أعلم).
١٣ - باب قَوْلِهِ: ﴿وَلا تُصَلِّ
عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤]
(باب قوله) عز وجل وسقط لغير أبي ذر (﴿ولا تصل على أحد منهم﴾) أي من المنافقين
صلاة الجنازة (﴿مات أبدًا﴾) ظرف منصوب بالنهي، ومنهم صفة لأحد أو حال من الضمير في
مات أي مات حال كونه منهم أي متصفًا بصفة النفاق كقولهم: أنت مني أي على طريقتي، وهذا
النهي عام في كل من عرف نفاقه وإن كان سبب النزول خاصًا بابن أبي رأس المنافقين وقد ورد ما
يدل لنزولها في عدد معين منهم: ابن أبيّ وغيره لعلمه تعالى بموتهم على الكفر بخلاف غيرهم

٢٦٩
كتاب تفسير القرآن/ سورة التوبة
فإنهم تابوا، فعند الواقدي عن معمر عن الزهري عن حذيفة قال لي رسول الله وَظاهر: إني مسرّ
إليك سرًا فلا تذكره لأحد إني نهيت أن أصلي على فلان وفلان رهط ذوي عدد من المنافقين قال:
فلذلك كان عمرًا إذا أراد أن يصلي على أحد استتبع حذيفة فإن مشى معه وإلا لم يصل عليه، ومن
طريق أخرى عن جبير بن مطعم أنهم اثنا عشر رجلاً (﴿ولا تقم على قبره﴾) [التوبة: ٨٤].
٤٦٧٢ - حدثني إِبْراهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرُ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِياضٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ
ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ جَاءَ آبْتُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّه إلى
رَسُولِ اللَّهِ وَ﴿، فَأَعْطَاهُ قَمِيصَهُ وَأَمَرَهُ أَنْ يُكَفِّنَهُ فِيهِ ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي عَلَيْهِ فَأَخَذَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ
بِثَوْبِهِ فَقالَ: تُصَلِّي عَلَيْهِ وَهْوَ مُنافِقٌ وَقَدْ نَهَاكَ اللَّهُ أَنْ تَسْتَنْعِرَ لَهُمْ؟ قالَ: (إِنَّمَا خَيَّرَني الله - أَوْ
أَخْبَرَنِي الله - فَقالَ: ﴿أَسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ الله
لَهُمْ﴾ فَقالَ: سَأَزِيدُهُ عَلَى سَبْعِينَ)) قَالَ: فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ وَه وَصَلَّيْنَا مَعَهُ ثُمَّ أَنْزَلَ الله عَلَيْهِ
﴿وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِالله وَرَسُولِهِ وَماتُوا وَهُمْ
فاسِقُونَ﴾. [التوبة: ٨٤]
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (إبراهيم بن المنذر) القرشي الحزامي المدني قال: (حدّثنا أنس بن
عياض) الليثي أبو ضمرة المدني (عن عبيد الله) بضم العين وفتح الموحدة ابن عبد الله بن عمر بن
الخطاب شقيق سالم (عن نافعٍ) مولى ابن عمر (عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال): وسقط لأبي
ذر لفظ أنه (لما توفي عبد الله بن أبيّ) المنافق (جاء ابنه عبد اللَّه بن عبد اللَّه إلى رسول الله(وَ﴾)
زاد في الرواية السابقة من طريق أبي أسامة عن عبيد اللَّه فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه
(فأعطاه قميصه وأمره) ولأبي ذر فأمره بالفاء بدل الواو (أن يكفنه فيه ثم قام) عليه الصلاة والسلام
(يصلي عليه فأخذ عمر بن الخطاب بثوبه فقال: تصلي عليه؟) استفهام حذفت منه الأداة (وهو) أي
والحال أنه (منافق وقد نهاك الله أن تستغفر لهم) أي للمنافقين ومن لازم النهي عن الاستغفار عدم
الصلاة وظهر بهذه الرواية أن في قوله في طريق أبي أسامة عن عبيد اللَّه وقد نهاك ربك أن تصلي
عليه تجوّز أو حينئذ فلا منافاة بين قوله وقد نهاك ربك أن تصلي عليه وبين إخباره بأن آية النهي
عن الصلاة على كل مشرك والقيام على قبره نزلت بعد ذلك (قال) عليه الصلاة والسلام:
(إنما خيرني الله) بين الاستغفار وعدمه (أو أخبرني الله) بالموحدة بدل التحتية وزيادة همزة
أوله من الإخبار على الشك وفي أكثر الروايات بلفظ التخيير بين الاستغفار وعدمه من غير شك
وسقط لفظ الجلالة في قوله: أو أخبرني الله لأبي ذر (فقال: ﴿استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن
تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم﴾) سقط لأبي ذر قوله: ﴿فلن﴾ الخ.
(فقال) عليه الصلاة والسلام: (سأزيده) بضمير المفعول (على سبعين).

٢٧٠
كتاب تفسير القرآن/ سورة التوبة
استشكل أخذه بمفهوم العدد حتى قال: سأزيد على السبعين مع أنه قد سبق قبل ذلك بمدة
طويلة قوله تعالى في حق أبي طالب: ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو
كانوا أولي قربى﴾ [التوبة: ١١٣] وأجيب: بأن الاستغفار لابن أبي إنما هو لقصد تطييب من بقي
منهم وفي ذلك نظر فليتأمل.
(قال: فصلى عليه رسول الله (وَ ل﴿ وصلينا معه) فيه أن عمر ترك رأي نفسه وتابع النبي ◌َّ
(ثم أنزل الله عليه) ولأبي ذر: أنزل عليه بضم الهمزة مبنيًا للمفعول (﴿ولا تصل على أحد منهم
مات أبدًا ولا تقم على قبره﴾) للدفن أو الزيارة (﴿إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون﴾)
[التوبة: ٨٤] تعليل للنهي والتعليل بالفسق مع أن الكفر أعظم قيل للإشعار بأنه كان عندهم
موصوفًا بالفسق أيضًا فإن الكافر قد يكون عدلاً عند أهله، وإنما نهي عن الصلاة دون التكفين
لأن البخل به مخلّ بكرمه عليه الصلاة والسلام أو لإلباسه العباس قميصه حين أُسر ببدر كما مرّ
أو لأنه ما كان يردّ سائلاً وتكفينه فيه وإن علم عليه الصلاة والسلام أنه لا يردّ عنه العذاب فلأن
ابنه قال: لا تشمت به الأعداء، ولأحمد من حديث قتادة قال ابنه: يا رسول الله إن لم تأته لم يزل
يعير بهذا أو رجا إسلام غيره كما مرّ، وسقط لأبي ذر قوله: ﴿ولا تقم على قبره﴾ الخ ...
١٤ - باب قَوْلِهِ: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا أَنْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ
فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزاءَ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [التوبة: ٩٥]
(باب قوله) تعالى، التبويب وتاليه ثابت لأبي ذر ساقط لغيره ((سيحلفون بالله لكم)) أيمانًا
كاذبة والمحلوف عليه أنهم ما قدروا على الخروج في غزوة تبوك (﴿إذا انقلبتم﴾) رجعتم من الغزو
(﴿إليهم لتعرضوا عنهم﴾) فلا تعاتبوهم (﴿فأعرضوا عنهم﴾) احتقارًا لهم ولا توبخوهم (﴿إنهم
رجس﴾) قذر نجس بواطنهم واعتقاداتهم وهو علة للإعراض وترك المعاتبة (﴿ومأواهم جهنم))
مصيرهم في الآخرة إليها وهو من تمام التعليل (﴿جزاء بما كانوا يكسبون)) [التوبة: ٩٥]. من
النفاق ونصب جزاء على المصدر بفعل من لفظه مقدر أي يجزون جزاء وسقط قوله فأعرضوا عنهم
الخ لأبي ذر وقال ابن حجر: سقط لكم أي قوله: ﴿سيحلفون بالله لكم﴾ من رواية الأصيلي
والصواب إثباتها .
٤٦٧٣ - حدّثنا يَحْيَىُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمْنِ بْنِ
عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبٍ قالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مالِكِ حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ تَبُوكَ وَاللَّهِ ما
أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ نِعْمَةٍ بَعْدَ إِذْ هَدَانِي أَعْظَمَ مِنْ صِدْقِي رَسُولَ اللَّهِ ﴿ أَنْ لا أَكُونَ كَذَبْتُهُ فَأَهْلِكَ
كَمَا هَلَكَ الَّذِينَ كَذَّبُوا حِينَ أُنْزِلَ الْوَحْيُ ﴿سَيَخْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ .
﴿الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٩٥ - ٩٦].

٢٧١
كتاب تفسير القرآن/ سورة التوبة
وبه قال: (حدّثنا يحيى) هو ابن عبد الله بن بكير المخزومي المصري قال: (حدّثنا
الليث) بن سعد الإمام (عن عقيل) بضم العين ابن خالد الأيلي (عن ابن شهاب) الزهري (عن
عبد الرحمن بن عبد الله أن) أباه (عبد اللَّه بن كعب) ولغير أبي ذر زيادة ابن مالك (قال:
سمعت) أبي (كعب بن مالك حين تخلف عن) غزوة (تبوك) غير منصرف يقول: (والله ما أنعم الله
علّ من نعمة بعد إذ هداني) وزاد في المغازي للإسلام، ولأبي ذر عن المستملي على عبد قال الحافظ
ابن حجر: والأول هو الصواب (أعظم من صدقي رسول الله ◌َفي أن لا أكون كذبته) لا زائدة
والمعنى أن أكون كذبته. واستشكل كون أكون مستقبلاً وكذبت ماضيًا وأجيب بأن المستقبل في
معنى الاستمرار المتناول للماضي فلا منافاة بينهما (فأهلك) بكسر اللام وتفتح والنصب أي فإن
أهلك (كما هلك) أي كهلاك (الذين كذبوا حين أنزل الوحي) بقوله تعالى: (﴿سيحلفون بالله لكم
إذا انقلبتم إليهم﴾ - إلى قوله - ﴿الفاسقين)) [التوبة: ٩٥ - ٩٦] الخارجين عن طاعته وطاعة
رسوله ◌َا﴾.
وهذا الحديث قد ذكره المؤلف في غزوة تبوك مطولاً.
٠٠ - باب قَوْلِهِ: ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ﴾
- إِلى قَوْلِهِ - ﴿الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٩٦]
(باب قوله) جل وعلا: ((يحلفون لكم لترضوا عنهم﴾) بحلفهم (﴿فإن ترضوا عنهم﴾ - إلى
قوله - ﴿الفاسقين)) [التوبة: ٩٦]. والمراد النهي عن الرضا عنهم. قال في المفاتح: لا تكرار في
هذه المعاني لأن الأول يعني قوله: سيحلفون خطاب منافقي المدينة وهذه مع المنافقين من
الأعراب.
وهذا الباب وتاليه ثابت لأبي ذر وحده من غير ذكر حديث ساقط لغيره.
١٥ - باب ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحًا
وَآخَرَ سَيْئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٢]
(﴿وآخرون﴾) نسق على قوله منافقون أي وممن حولكم قوم آخرون غير المذكورين ولأبي ذر
قوله: ﴿وآخرون﴾ (﴿اعترفوا﴾) أقروا (﴿بذنوبهم﴾) ولم يعتذروا من تخلفهم بالمعاذير الكاذبة
(﴿خلطوا عملاً صالحًا وآخر سيئًا﴾) الجهاد والتخلف عنه أو إظهار الندم والاعتراف بآخر سيىء
وهو التخلف وموافقة أهل النفاق ومجرد الاعتراف ليس بتوبة لكن روي أنهم تابوا وكان الاعتراف
مقدمة التوبة وكل منهما مخلوط بالآخر كقولك: خلطت الماء واللبن فكل مخلوط ومخلوط به
الآخر، ولو قلت خلطت الماء باللبن كان الماء مخلوطًا واللبن مخلوطًا به وهو استعارة عن الجمع
بينهما (﴿عسى الله أن يتوب عليهم﴾) جملة مستأنفة وعسى من الله واجب وإنما عبّر بها للإشعار

٢٧٢
كتاب تفسير القرآن/ سورة التوبة
بأن ما يفعله تعالى ليس إلا على سبيل التفضل منه سبحانه حتى لا يتكل المرء بل يكون على خوف
وحذر والمعنى: عسى الله أن يقبل توبتهم.
فإن قلت: كيف قال أن يتوب عليهم ولم يسبق للتوبة ذكر؟ أجيب: بأنه مدلول عليها بقوله
اعترفوا بذنوبهم قاله في الأنوار كالكشاف.
(﴿إن الله غفور رحيم﴾) [التوبة: ١٠٢] وسقط قوله خلطوا الخ لأبي ذر وقال بعد قوله
بذنوبهم الآية. قال ابن كثير: وهذه الآية وإن كانت في أناس معينين إلا أنها عامة في كل المذنبين
الخطّائين، وقد قال مجاهد نزلت في أبي لبابة لما قال لبني قريظة أنه الذبح وأشار بيده إلى حلقه.
قال ابن عباس في أبي لبابة وجماعة من أصحابه تخلفوا عن غزوة تبوك وقال بعضهم: أبو لبابة
وخمسة معه، وقيل وسبعة، وقيل وتسعة، فلما رجع النبي # من غزوته ربطوا أنفسهم بسواري
المسجد وحلفوا لا يحلهم إلا رسول الله وَل﴾، فلما أنزل الله الآية أطلقهم وَ لجر وعفا عنهم.
٤٦٧٤ - حدثنا مُؤَمَّلٌ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْراهِيمَ، حَدَّثَنَا عَوْفٌ، حَدَّثَنَا أَبُو رَجاءٍ حَدَّثَنَا
سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌ِ﴿ لَنَا: {َ﴿ ((أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتِيَانِ فَأَبْتَعَثانِي
فَأَنْتَهَيَا إِلى مَدِينَةٍ مَبْنِيّةٍ بِلَبِنِ ذَهَبٍ وَلَبِنِ فِضَّةٍ، فَتَلَقَّانا رِجَالٌ شَطْرٌ مِنْ خَلْقِهِمْ كَأَحْسَنِ ما أَنْتَ رَاءٍ،
وَشَطْرٌ كَأَقْبَحِ مَا أَنْتَ رَاءٍ، قالاَ لَهُمْ: أَذْهَبُوا فَقَعُوا فِي ذلِكَ النَّهْرِ فَوَقَعُوا فِيهِ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَيْنَا قَدْ
ذَهَبَ ذَلِكَ السُّوءُ عَنْهُمْ، فَصَارُوا فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ قالاْ لِي: هذِهِ جَنَّهُ عَذْنٍ وَهذاكَ مَنْزِلُكَ قالاً:
أَمَّا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَانُوا شَطْرٌ مِنْهُمْ حَسَنٌّ وَشَطْرٌ مِنْهُمْ قَبِيحٌ فَإِنَّهُمْ خَلَطُوا عَمَلاً صالِحًا وَآَخْرَ سَيْئًا
تَجاوَزَ اللَّهُ عَنْهُمْ)).
وبه قال: (حدّثنا) بالجمع ولأبي ذر: حدَّثني (مؤمل) بضم الميم الأولى وفتح الثانية مشددة
وقد تكسر بينهما همزة مفتوحة آخره لام زاد في غير رواية أبي ذر هو ابن هشام وهو اليشكري
بتحتية ومعجمة أبو هشام البصري قال: (حدّثنا إسماعيل بن إبراهيم) المعروف بابن علية اسم أمه
الأسدي مولاهم البصري قال: (حدّثنا عوف) بفتح العين المهملة وسكون الواو آخره فاء ابن أبي
جميلة بفتح الجيم الأعرابي العبدي المصري قال: (حدّثنا أبو رجاء) عمران العطاردي قال: (حدّثنا
سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَ ل﴿ لنا) في حكاية منامه الطويل:
(أتاني الليلة آتيان) بهمزة ممدودة ففوقية مكسورة فتحتية أي ملكان (فابتعثاني) من النوم
(فانتهيا) وأنا معهما ولغير أبي ذر: فانتهينا (إلى مدينة مبنية بلبن ذهب ولبن فضة) بكسر الموحدتين
من لبن (فتلقانا رجال شطر) نصف (من خلقهم كأحسن ما أنت راء وشطر) أي نصف (كأقبح ما
أنت راء قالا) الملكان (لهم) للرجال (اذهبوا فقعوا في ذلك النهر) بفتح الهاء (فوقعوا فيه ثم
رجعوا إلينا قد ذهب ذلك السوء عنهم فصاروا في أحسن صورة قالا) الملكان (لي: هذه جنة عدن
وهذاك منزلك قالا: أما القوم الذين كانوا شطر منهم حسن وشطر منهم قبيح) قيل الصواب حسنًا

٢٧٣
كتاب تفسير القرآن/ سورة التوبة
وقبيحًا لكن كان تامة وشطر مبتدأ وحسن خبره والجملة حال بدون الواو وهو فصيح كقوله
اهبطوا بعضكم لبعض عدوّ قاله الكرماني وغيره (فإنهم خلطوا عملاً صالحًا وآخر سيئًا تجاوز الله
عنهم) كذا أورده مختصرًا هنا، ويأتي بتمامه إن شاء الله تعالى بعون الله وقوّته في التعبير.
١٦ - باب قَوْلِهِ:
﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٢]
(باب قوله) تعالى (﴿ما كان﴾) أي ما ينبغي (﴿للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين﴾)
[التوبة: ١١٢] لأن النبوّة والإيمان يمنعان من ذلك وسقط باب وتاليه لغير أبي ذر.
٤٦٧٥ - حدثنا إِسْحُقُ بْنُ إِبْراهِيمَ، حَدِّثَنَا عَبْدُ الرِّزْاقِ، أَخْبَرَنا مَعْمَرْ، عَنِ الزّهْرِيِّ، عَنْ
سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِهِ قالَ: لَمَّا حَضَرَتْ أَبا طالِبِ الْوَفاءُ دَخَلَ النَّبِيَِِّ﴿ وَعِنْدَهُ أَبُو جَهْلٍ
وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمَيَّةٍ فَقَالَ النَّبِيِّ ◌َ: ((أَنْ عَمَّ قُلْ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ أُحَاجُ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ)) فَقَالَ أَبُو
جَهْلٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: يا أَبا طالِبٍ أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطْلِبٍ؟ فَقالَ النَّبِيِّ ◌ِل ◌ّ:
(الأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنَّهَ عَنْكَ)) فَزَلَتْ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ
كَانُوا أُولِي قُزْنِى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيِّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾.
وبه قال: (حدّثنا) بالجمع ولأبي ذر حدَّثني (إسحاق بن إبراهيم) بن نصر أبو إبراهيم
السعدي المروزي وقيل البخاري قال: (حذّثنا) ولأبي ذر أخبرنا (عبد الرزاق) بن همام الصنعاني
قال: (أخبرنا) ولأبي ذر حدّثنا (معمر) بسكون العين ابن رشاد البصري (عن الزهري) محمد بن
مسلم بن شهاب (عن سعيد بن المسيب) بفتح التحتية وقد تكسر (عن أبيه) المسيب بن خزن أنه
(قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة) أي علاماتها (دخل النبي) ولغير أبي ذر دخل عليه النبي (مختلفه
وعنده أبو جهل) عمرو بن هشام (وعبد الله بن أبي أمية) المخزومي أسلم عام الفتح (فقال
النبي (*):
(أي عم) أي يا عمي وحذفت ياء الإضافة للتخفيف (قل لا إله إلا الله) وجواب الأمر قوله
(أحاج) بضم الهمزة وتشديد الجيم آخره (لك بها عند الله فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية:
يا أبا طالب أترغب) بهمزة الاستفهام الإنكاري أي أتعرض (عن ملة عبد المطلب؟) أبيك (فقال
النبي (*) لما أبى أن يقول كلمة الإخلاص (لأستغفرن لك) كما استغفر إبراهيم لأبيه (ما لم أنه
عنك) بضم الهمزة وسكون النون مبنيًا للمفعول (فنزلت) في أبي طالب آية: (﴿ما كان للنبي
والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب
الجحيم﴾) لموتهم على الشرك.
وقيل: إن سبب نزولها ما في مسلم ومسند أحمد وسنن أبي داود والنسائي وابن ماجه عن
إرشاد الساري/ ج ١٠/ م ١٨

٢٧٤
كتاب تفسير القرآن/ سورة التوبة
أبي هريرة رضي الله عنه أتى رسول الله ◌َفي قبر أمه فبكى وأبكى من حوله فقال رسول الله ومتليفون:
((استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يأذن لي واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي فزوروا القبور فإنها
تذكر الآخرة)) قال في الكشاف: وهذا أصح لأن موت أبي طالب كان قبل الهجرة وهذا آخر ما
نزل بالمدينة وتعقبه صاحب التقريب فيما حكاه الطيبي بأنه يجوز أن النبي و # كان يستغفر لأبي
طالب إلى حين نزولها والتشديد مع الكفار إنما ظهر في هذه السورة. قال في فتوح الغيب: وهذا
هو الحق ورواية نزولها في أبي طالب هي الصحيحة وسقط قوله: ولو كانوا أولي قربى الخ لأبي
ذر وقال بعد قوله للمشركين الآية.
١٧ - باب قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيّ
وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ تَزِيغُ
قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٧]
(باب قوله) سبحانه وتعالى: ((لقد تاب الله على النبي﴾) من إذنه للمنافقين في التخلف في
غزوة تبوك والأحسن أن يكون من قبيل ﴿ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ وقيل هو
بعث على التوبة على سبيل التعريض لأنه * ممن يستغني عن التوبة فوصف بها ليكون بعثًا
للمؤمنين على التوبة على سبيل التعريض وإبانة لفضلها (﴿والمهاجرين والأنصار﴾) أي وتاب عليهم
حقيقة لأنه لا ينفك الإنسان عن الزلات أو كانوا يتوبون على وساوس تقع في قلوبهم (﴿الذين
اتبعوه﴾) حقيقة بأن خرج أوّلاً وتبعوه أو مجازًا عن اتباعهم أمره ونهيه (﴿في ساعة العسرة﴾) في
وقت الشدة الحاصلة لهم في غزوة تبوك أي من عسرة الزاد والماء والظهر والقيظ وبعد الشقة إذ
السفرة كلها تبع لتلك الساعة وبها يقع الأجر على الله تعالى وإن كان عرف الساعة لما قل من الزمن
كالقطعة من النهار كساعات الرواح إلى الجمعة، فالمراد بها هنا من وقت الخروج إلى العود روي أنه
لما نفد زادهم كان النفر منهم يمصون التمرة تداولاً بینهم وإنهم عطشوا حتى نحروا بعض إبلهم
فشربوا عصارة ما في كروشها حتى استسقى لهم وَ فأمطرت عليهم سحابة لم تتجاوزهم وكان
الرجلان والثلاثة يتعقبون البعير الواحد (﴿من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم﴾) عن الثبات
على الإيمان أو اتباع الرسول ما نالهم من المشقة والشدة (﴿ثم تاب عليهم)) تكرير للتوكيد من
حيث المعنى فيكون الضمير للنبي ﴿ والمهاجرين والأنصار ويجوز أن يكون الضمير للفريق
المذكور في قوله كاد تزيغ قلوب فريق منهم لصدور الكيدودة منهم (﴿إنه بهم رؤوف رحيم﴾)
[التوبة: ١١٧] حتى تاب عليهم وسقط قوله في ساعة العسرة الخ لأبي ذر وقال: بعد قوله
﴿اتبعوه﴾ الآية.
٤٦٧٦ - حدثنا أَحْمَدُ بْنُ صالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ.
قالَ أَحْمَدُ: وَحَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ، حَدْثَنَا يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ

٢٧٥
كتاب تفسير القرآن/ سورة التوبة
كَعْبٍ، قالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبٍ، وَكانَ قَائِدَ كَعْبٍ مِنْ بَنِيهِ حِينَ عَمِيَ قالَ: سَمِعْتُ
كَعْبَ بْنَ مَالِكِ فِي حَدِيثِهِ وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلْفُوا قَالَ فِي آخِرِ حَدِيثِهِ: إِنْ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ
مِنْ مالِي صَدَقَّةً إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ وَّهِ: ((أَمْسِكْ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ)).
وبه قال: (حدّثنا أحمد بن صالح) أبو جعفر بن الطبري المصري (قال: حدّثني) بالإفراد
ولأبي ذر حدّثنا (ابن وهب) عبد الله المصري (قال: أخبرني) بالإفراد (يونس) بن يزيد الأيلي (قال
أحمد): هو ابن صالح شيخ المؤلف المذكور (وحدّثنا) أيضًا (عنبسة) بفتح العين المهملة وسكون
النون وفتح الموحدة والسين المهملة ابن خالد بن يزيد الأيلي ابن أخي يونس قال: (حدّثنا) عمي
(يونس) الأيلي (عن ابن شهاب) الزهري أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (عبد الرحمن بن كعب) نسبه
لجده واسم أبيه عبد اللّه ولأبي ذر زيادة ابن مالك (قال: أخبرني) بالإفراد أيضًا أبي (عبد الله بن
كعب) الأنصاري المدني الشاعر.
قال في فتح الباري: والحاصل أن أحمد بن صالح روى هذا الحديث عن شيخين عن يونس
لكن فرقهما لاختلاف الصيغة، ثم ظاهره أن السند بينهما متحد وليس كذلك لأن في رواية ابن
وهب أن شيخ ابن شهاب هنا هو عبد الرحمن بن كعب كما في رواية عنبسة وليس كذلك بل هو
في رواية عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب كذلك أخرجه النسائي عن سليمان بن مهران عن ابن
وهب، ولعل البخاري بناه على أن عبد الرحمن نسب لجده فتتحد الروايتان على ذلك الحافظ أبو
علي الصدفي فيما قرأته بخطه بهامش نسخته وقد أفرد البخاري رواية ابن وهب بهذا الإسناد في
النذر فوقع في رواية أبي ذر عبد الرحمن بن كعب، وإنما أخرج النسائي بعض الحديث وقد
وجدت بعض الحديث أيضًا في سنن أبي داود عن سليمان بن داود شيخ البخاري فيه كما في
النسائي، وعن أبي الطاهر بن السراج عن ابن وهب كذلك.
وقد تعقبه تلميذه شيخنا الحافظ أبو الخير السخاوي رحمه الله تعالى فيما وجد بخطه في
حاشية نسخته من فتح الباري بأن البخاري قد أخرج حديث عنبسة في وفود الأنصار فيما مضى
ووقع هناك عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن كعب بن مالك، وأخرج حديث ابن وهب في النذر فيما
سيأتي، ووقع أيضًا فيه كذلك وحينئذٍ فسندهما متحد وكذا رأيت الدمياطي ألحق هنا في نسخته مما
صحح عليه عبد اللَّه في نسب عبد الرحمن وكذا ثبت عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب في سنن
أبي داود حسبما ثبت في رواية اللؤلؤي وابن داسة عنه عن شيخه ابن السراج وسليمان بن داود
المهري كلاهما عن ابن وهب. نعم قيل إن الذي في رواية ابن داسة عبد الله بن عبد الله بن
كعب وهو وهم لأن عبد اللَّه الأول إنما هو عبد الرحمن وأما روايته فهي كما مر في روايتي ابن
السني وابن الأحمر عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك بدونها وحينئذٍ فهذا خلاف ما اقتضاه كلام
شيخنا من اتحاد سند أبي داود والنسائي، ثم إن قوله سليمان بن مهران سهو إما من الكاتب أو
من غيره فإنما هو ابن داود اهـ.

٢٧٦
كتاب تفسير القرآن/ سورة التوبة
(وكان) أي عبد الله (قائد كعب) أبيه (من) بين (بنيه) بني بفتح الموحدة وكسر النون
وسكون التحتية (حين عمي) وكان أبناؤه أربعة عبد الله وعبد الرحمن ومحمد وعبيد اللَّه (قال:
سمعت) أبي (كعب بن مالك في حديثه) الطويل في قصة توبته المسوق هنا مختصرًا مقتصرًا على
المحتاج منه كالوصايا المنزل فيه قوله تعالى: ﴿وعلى الثلاثة الذين خلفوا﴾ زاد في نسخة حتى إذا
ضاقت عليهم الأرض بما رحبت (قال في آخر حديثه) يا رسول الله (إن من توبتي أن أنخلع) أن
أخرج (من) جميع (مالي صدقة إلى الله ورسوله) بنصب صدقة أي لأجل التصدق أو حالاً بمعنى
متصدقًا وإلى بمعنى اللام أي صدقة خالصة لله ولرسوله، ولأبي ذر: وإلى رسوله (فقال) له
(النبي ◌َلِر):
(امسك) عليك (بعض مالك فهو خير لك) من أن تضرر بالفقر وتجرع الصبر على الإضافة.
١٨ - باب ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلْفُوا حَتَّى إِذَا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ
الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ الله
إِلَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللّه هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ١١٨]
(﴿وعلى الثلاثة﴾) أي وتاب على الثلاثة فهو نسق على النبي أو على الضمير في عليهم: أي
ثم تاب عليهم وعلى الثلاثة ولذا كرر حرف الجر والثلاثة هم كعب بن مالك الأسلمي وهلال بن
أمية الواقفي ومرارة بن الربيع العمري (﴿الذين خلفوا﴾) تخلفوا عن غزوة تبوك أو خلف أمرهم
فإنهم المرجون (﴿حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت﴾) برحبها أي مع سعتها لشدة حيرتهم
وقلقهم (﴿وضاقت عليهم أنفسهم)) فلم تتسع لصبر ما نزل بها من الهم والإشفاق (﴿وظنوا﴾)
علموا (﴿أن لا ملجأ من الله﴾) أن لا مفر من عذاب الله (﴿إلا إليه﴾) بالتوبة والاستغفار
والاستثناء من العام المحذوف أي لا ملجأ لأحد إلا إليه (﴿ثم تاب عليهم﴾) رجع عليهم بالقبول
والرحمة كرة بعد أخرى (﴿ليتوبوا﴾) ليستقيموا على توبتهم ويثبتوا أو ليتوبوا أيضًا فيما يستقبل
كلما فرطت منهم زلة لأنهم علموا بالنصوص الصحيحة أن طريان الخطيئة يستدعي تجدد التوبة
(﴿إن الله هو التوّاب﴾) على من تاب ولو عاد في اليوم مائة مرة كما روي ما أصرّ من استغفر
ولو عاد في اليوم مائة مرة (﴿الرحيم)) [التوبة: ١١٨] به بعد التوبة وسقط قوله وضاقت عليهم
أنفسهم الخ ولأبي ذر وقال بعد قوله رحبت الآية.
٤٦٧٧ - حدثني مُحَمَّدٌ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي شُعَيْبٍ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنا
إِسْحُقُ بْنُ راشِدٍ، أَنَّ الزُّهْرِيَّ حَدَّثَهُ قالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمِنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مالِكِ
عَنْ أَبِهِ قالَ: سَمِعْتُ أَبِي كَعْبَ بْنَ مالِكِ وَهُوَ أَحَدُ الثَّلاثَةِ الَّذِينَ تِيبَ عَلَيْهِمْ أَنَّهُ لَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْ
رَسُولِ اللَّهِ نَّهِ فِي غَزْوَةٍ غَزالها قَطُ غَيْرَ غَزْوَتَيْنِ: غَزْوَةِ الْعُسْرَةِ، وَغَزْوَةِ بَدْرٍ، قَالَ: فَأَجْمَعْتُ

٢٧٧
كتاب تفسير القرآن/ سورة التوبة
صِدْقَ رَسُولِ اللَّهِ وَ﴿َ ضُحَى وَكَانَ قَلَّمَا يَقْدَمُ مِنْ سَفَرِ سافَرَهُ إِلاَّ ضُحَى، وَكَانَ يَبْدَأُ بِالْمَسْجِدِ
فَيَرْكَعُ رَكْعَتَيْنٍ وَنَّهِى النَّبِيِّ بَّهَ عَنْ كَلامِي وَكَلامِ صاحِبَيّ، وَلَمْ يَنْهَ عَنْ كَلامِ أَحَدٍ مِنَ الْمُتَخَلِّفِينَ
غَيْرِنا فَاجْتَنَبَ النَّاسُ كَلامَنا فَلَبِثْتُ كَذلِكَ حَتَّى طالَ عَلَيَّ الأَمْرُ وَمَا مِنْ شَيْءٍ أَهَمُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ
أَمُوتَ فَلا يُصَلِّيَ عَلَيَّ النَّبِيُّ وَ أَوْ يَمُوتَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ فَأَكُونَ مِنَ النَّاسِ بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ فَلا
يُكَلْمُنِي أَحَدٌ مِنْهُمْ وَلاَ يُصَلِّي عَلَيَّ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَوْبَتَنَا عَلَى نَبِّهِ وَيَ حِينَ بَقِيَ الثُّلُثُ الآخِرُ مِنْ
اللَّيْلِ، وَرَسُولُ اللَّهِ وَ عِنْدَ أُمْ سَلَمَةَ وَكانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ مُخْسِنَةٌ فِي شَأْنِي مَعْنِيَّةٌ فِي أَمْرِي فَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: (يَا أُمَّ سَلَمَةَ تِيبَ عَلَى كَعْبٍ)) قَالَتْ: أَفَلا أُرْسِلُ إِلَيْهِ فَأُبَشِّرُهُ؟ قَالَ: ((إِذَا
يَخْطِمُكُمُ النَّاسُ فَيَمْنَعُونَكُمُ النَّوْمَ سَائِرَ اللَّيْلَةِ) حَتَّى إِذَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ وَهِ صَلاةَ الْفَجْرِ أَذْنَ
بِتَوْبَةِ اللهِ عَلَيْنا وَكَانَ إِذَا أَسْتَبْشَرَ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ حَتَّى كَأَنَّهُ قِطْعَةٌ مِنَ الْقَمَرِ وَكُنَّا أَيُّها الثَّلاثَةُ الَّذِينَ
خُلْفُوا عَنِ الأَمْرِ الَّذِي قُبِلَ مِنْ هَؤُلاءِ الَّذِينَ آغْتَذَرُوا حِينَ أَنْزَلَ اللَّه لَنا الثَّوْبَةَ، فَلَمَّا ذُكِرَ الَّذِينَ
كَذَبُوا رَسُولَ اللَّهِ وَهَ مِنَ الْمُتَخَلْفِينَ فَأَعْتَذَرُوا بِالْبَاطِلِ ذُكِرُوا بِشَرُ ما ذُكِرَ بِهِ أَحَدٌ قَالَ اللَّهُ
سُبْحانَهُ: ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ
أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٩٤] الآيَةَ.
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (محمد) هو ابن النضر النيسابوري أو ابن إبراهيم البوشنجي أو
ابن يحيى الذهلي وبالأوّلين قال الحاكم وبالأخير أبو علي الغساني قال: (حدّثنا أحمد بن أبي
شعيب) نسبه لجده واسم أبيه عبد الله بن أبي شعيب مسلم. قال الحافظ ابن حجر: وقع في
رواية ابن السكن حدّثني أحمد بن أبي شعيب من غير ذكر محمد المختلف فيه والأوّل هو المشهور
وإن كان أحمد بن أبي شعيب من مشايخ المؤلف قال: (حدّثنا موسى بن أعين) بفتح الهمزة
والتحتية بينهما عين ساكنة وآخره نون الجزري بالجيم والزاي والراء قال: (حدّثنا إسحاق بن
راشد) الجزري أيضًا (إن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (حدّثه قال: أخبرني) بالإفراد
(عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه) عبد اللَّه (قال: سمعت أبي كعب بن
مالك وهو) أي كعب (أحد الثلاثة) هو وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع (الذين تيب عليهم)
بكسر الفوقية وسكون التحتية مجهول تاب يتوب توبة (أنه لم يتخلف عن رسول الله وَّر في غزوة
غزاها قط غير غزوتين غزوة العسرة) بضم العين وسكون السين المهملتين وهي غزوة تبوك (وغزوة
بدر قال: فأجمعت صدق رسول الله) ولأبي ذر عن الكشميهني صدقي رسول الله (وَليّ) أي بعد أن
بلغه أنه عليه الصلاة والسلام توجه قافلاً من الغزو واهتم لتخلفه من غير عذر وتفكر فيما يخرج
به من سخط الرسول وطفق يتذكر الكذب لذلك فأزاح الله عنه الباطل فأجمع على الصدق. أي
جزم به وعقد عليه قصده وأصبح رسول الله وَّر قادمًا في رمضان (ضحى) وسقطت هذه اللفظة
من كثير من الأصول.

٢٧٨
كتاب تفسير القرآن/ سورة التوبة
(وكان) عليه الصلاة والسلام (قلما يقدم من سفر سافره إلا ضحى وكان يبدأ بالمسجد
فيركع) فيه (ركعتين) قبل أن يدخل منزله (ونهى النبي وَل*) أي بعد أن اعترف بين يديه أنه تخلف
من غير عذر وقوله عليه الصلاة والسلام له قم حتى يقضي الله فيك (عن كلامي وكلام صاحبي)
هلال ومرارة لكونهما تخلفا من غير عذر واعترفا كذلك (ولم ينه عن كلام أحد من المتخلفين غيرنا)
وهم الذين اعتذروا إليه وقبل منهم علانيتهم واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى الله تعالى وكانوا
بضعة وثمانين رجلاً (فاجتنب الناس كلامنا) أيها الثلاثة قال كعب (فلبثت كذلك حتى طال علّ
الأمر وما من شيء أهم إلي من أن أموت فلا يصلي على النبي وَ ليل أو يموت رسول الله وَلخير فأكون
من الناس بتلك المنزلة فلا يكلمني أحد منهم ولا يصلي عليّ) بكسر لام يصلي، وفي نسخة يصلى
بفتحها ولأبي ذر عن الكشميهني ولا يسلم عليّ بدل يصلي، وفي نسخة حكاها القاضي عياض عن
بعض الرواة ولا يسلمني والمعروف أن فعل السلام إنما يتعدى بعلى وقد يكون أتباعًا ليكلمني.
قال القاضي: أو يرجع إلى قول من فسر السلام بأن معناه إنك مسلم مني. قال في المصابيح:
وسقطت ولا يسلمني للأصيلي كذا قال فليحرر (فأنزل الله) عز وجل (توبتنا على نبيه وَلقر حين بقي
الثلث الآخر من الليل) بعد مضي خمسين ليلة من النهي عن كلامهم (ورسول الله وكل عند أم
سلمة) رضي الله تعالى عنها والواو للحال، (وكانت أم سلمة محسنة في شأني معنية) بفتح الميم
وسكون العين المهملة وكسر النون وتشديد التحتية أي ذات اعتناء ولأبي ذر عن الكشميهني معينة
بضم الميم وكسر العين فتحتية ساكنة فنون مفتوحة أي ذات إعانة (في أمري) قال العيني: وليست
بمشتقة من العون كما قاله بعضهم يريد الحافظ ابن حجر، وقد رأيت في هامش الفرع مما عزاه
لليونينية ورأيته فيها عن عياض معنية يعني بفتح الميم وسكون العين كذا عند الأصيلي ولغيره معينة
بضم الميم أي وكسر العين من العون قال والأوّل أليق بالحديث.
(فقال رسول الله وَله: يا أم سلمة تيب على كعب، قالت: أفلا) بهمزة الاستفهام (أرسل
إليه فأبشره قال: إذًا يحطمكم الناس) بفتح أوّله وكسر ثالثه منصوب بإذا من الحطم بالحاء والطاء
المهملتين وهو الدرس وللمستملي والكشميهني يخطفكم بفتح ثالثه والنصب من الخطف بالخاء
المعجمة والفاء وهو مجاز عن الازدحام (فيمنعونكم النوم) بإثبات النون بعد الواو وللأصيلي
فيمنعوكم بحذفها (سائر الليلة) أي باقيها (حتى إذا صلى رسول الله وَفي صلاة الفجر آذن) بمد
الهمزة أي أعلم (بتوبة الله علينا وكان) عليه الصلاة والسلام (إذا استبشر استنار وجهه حتى كأنه قطعة
من القمر) شبه به دون الشمس لأنه يملأ الأرض بنوره ويؤنس كل من شاهده ومجمع النور من
غير أذى ويتمكن من النظر إليه بخلاف الشمس فإنها تكل البصر فلا يتمكن البصر من رؤيتها
بالقطعة مع كثرة ما ورد في كثير من كلام البلغاء من التشبيه بالقمر من غير تقييد، وقد كان
كعب قائل هذا من شعراء الصحابة فلا بد في التقييد بذلك من حكمة وما قيل في ذلك من أنه
احتراز من السواد الذي في القمر ليس بقوي لأن المراد بتشبيهه ما في القمر من الضياء
والاستنارة وهو في تمامه لا يكون فيها أقل مما في القطعة المجردة فكأن التشبيه وقع على بعض

٢٧٩
كتاب تفسير القرآن/ سورة التوبة
الوجه فناسب أن يشبه ببعض القمر.
(وكنا أيها الثلاثة) بلفظ النداء ومعناه الاختصاص (الذين خلفوا) ولأبي ذر خلفنا (عن الأمر
الذي قبل) بضم أوّله مبنيًّا للمفعول كالسابق (من هؤلاء الذين اعتذروا) ووكّل سرائرهم إلى الله عز
وجل وليس المراد التخلف عن الغزو بل التخلف عن حكم أمثالهم من المتخلفين عن الغزو الذين
اعتذروا وقبلوا (حين أنزل الله) عز وجل (لنا التوبة، فلما ذكر) بالضم (الذين كذبوا رسول
الله وَله من المتخلفين) كذب يتعدى بدون الصلة (فاعتذروا بالباطل ذكروا بشر ما ذكر به أحد قال
الله سبحانه وتعالى: ﴿يعتذرون إليكم﴾) أي في التخلف (﴿إذا رجعتم إليهم﴾) من الغزو (﴿قل
لا تعتذروا﴾) بالمعاذير الكاذبة (﴿لن نؤمن لكم﴾) لن نصدقكم أن لكم عذرًا (﴿قد نبأنا الله من
أخباركم وسيرى الله عملكم ورسوله﴾﴾ [التوبة: ٩٤] (الآية) يعني إن تبتم وأصلحتم رأى الله
عملكم وجازاكم عليه وذكر الرسول لأنه شهيد عليهم ولهم سقط قوله الآية لأبي ذر.
وهذا الحديث قطعة من حديث كعب وقد ذكره المؤلف تامًّا في المغازي.
١٩ - باب ﴿يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا
اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩]
هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾)
الذين صدقت نياتهم واستقامت قلوبهم وأعمالهم وخرجوا إلى الغزو بإخلاص أو الخطاب للمنافقين
أي: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ في العلانية اتقوا الله وكونوا مع الذين صدقوا وأخلصوا النية. عن ابن
عمر فيما ذكره ابن كثير ﴿وكونوا مع الصادقين﴾ مع محمد وأصحابه وسقط التبويب لغير أبي ذر.
٤٦٧٨ - هذّثنا يَخيِى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهابٍ، عَنْ
عَبْدِ الرَّحْمْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مالِكِ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبٍ بنِ مالِكِ وَكَانَ قَائِدَ
كَعْبَ بْنَ مالِكِ قالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مالِكٍ يُحَدِّثُ حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ قِصَّةٍ تَبُوكَ فَواللَّهِ ما أَعْلَمُ
أَحَدًا أَبْلاهُ اللَّهُ فِي صِدْقِ الْحَدِيثِ أَحْسَنَ مِمَّا أَبْلانِ ما تَعَمَّدْتُ مُنْذُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ وَلـ
إِلَى يَوْمِي هَذا كَذِبًا وَأَنْزَّلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى رَسُولِهِ نَّهِ: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾
- إِلى قَوْلِهِ - ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ .
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) هو يحيى بن عبد الله بن بكير ونسبه لجده قال: (حدّثنا
الليث) بن سعد الإمام المجتهد (عن عقيل) بضم العين ابن خالد الأيلي (عن ابن شهاب) الزهري
(عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أن) أباه (عبد الله بن كعب بن مالك) ولأبي ذر
عن عبد الله بن كعب بن مالك (وكان) عبد اللَّه (قائد كعب بن مالك) زاد في السابقة من بنيه
حين عمي (قال: سمعت كعب بن مالك يحدث) عن خبره (حين تخلف عن قصة تبوك) وإخباره

٢٨٠
كتاب تفسير القرآن/ سورة التوبة
الرسول عليه الصلاة والسلام بالصدق من شأنه بأنه لم يكن له عذر عن التخلف (فوالله ما أعلم
أحدًا أبلاه الله) بالموحدة الساكنة أي أنعم الله عليه (في صدق الحديث أحسن مما أبلاني ما تعمدت
منذ) بالنون ولأبي ذر مذ (ذكرت ذلك) القول الصدق (لرسول الله وَير إلى يومي هذا كذبًا وأنزل
الله عز وجل على رسوله وَله: ﴿لقد تاب الله على النبي والمهاجرين﴾) ولأبي ذر زيادة
﴿والأنصار﴾ (إلى قوله ﴿وكونوا مع الصادقين﴾).
٢٠ - باب قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنْتُمْ
حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] مِنَ الرَّأْقَةِ
(باب قوله) عز وجل (﴿لقد جاءكم رسول﴾) يعني محمدًا ((من أنفسكم)) من جنسكم
صفة لرسول أي من صميم العرب وقرأ ابن عباس وأبو العالية وابن محيصن ومحبوب عن أبي
عمرو ويعقوب من بعض طرقه وهي قراءته وَ # وفاطمة وعائشة بفتح الفاء أي من أشرفكم، وقال
الزجاج هي مخاطبة لجميع العالم والمعنى: لقد جاءكم رسول من البشر وإنما كان من الجنس لأن
الجنس إلى الجنس أميل ثم رتب عليه صفات أخرى لتعداد المنن على المرسل إليهم فقال (﴿عزيز
عليه﴾) أي شديد شاق (﴿ما عنتم﴾) عنتكم أي إثمكم وعصيانكم فما مصدرية وهي مبتدأ وعزيز
خبر مقدم ويجوز أن يكون ما عنتم فاعلاً بعزيز وعزيز صفة لرسول ويجوز أن تكون ما موصولة
أي يعز عليه الذي عنتموه أي عنتم بسببه فحذف العائد على التدريج كقوله:
يسر المرء ما ذهب الليالي وكان ذهابهن له ذهابا
أي يسره ذهاب الليالي (﴿حريص عليكم﴾) أن تدخلوا الجنة (﴿بالمؤمنين رؤوف رحيم﴾)
[التوبة: ١٢٨] وهي أشد الرحمة ولم يجمع الله اسمين من أسمائه لأحد غير نبينا وَ ﴾ قاله
الحسين بن الفضل وسقط لأبي ذر قوله: ﴿حريص﴾ الخ وقال بعد قوله: ﴿عنتم﴾ الآية.
٤٦٧٩ - حدّثنا أَبُو الْيَمانِ أَخْبَرَنا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِ ابْنُ السَّبَّاقِ أَنَّ زَيْدَ بْنَ
ثابِتِ الأَنْصَارِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَكَانَ مِمَّنْ يَكْتُبُ الْوَحْيَ قالَ: أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ مَقْتَلَ أَهْلِ
الْيَمامَةِ وَعِنْدَهُ عُمَرُ فَقالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ عُمَرَ أَتَانِي فَقالَ: إِنَّ الْقَتْلَ قَدِ أَسْتَحَرَّ يَوْمَ الْيَمامَةِ بِالنَّاسِ،
وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَسْتَحِرَّ الْقَتْلُ بِالْقُرَّاءِ فِي الْمَواطِنِ فَيَذْهَبَ كَثِيرٌ مِنَ الْقُرْآنِ إِلاَّ أَنْ تَجْمَعُوهُ، وَإِنِّي
لأَرَى أَنْ تَجْمَعَ الْقُرْآنَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قُلْتُ لِعُمَرَ: كَيْفَ أَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ ◌ِ؟
فَقالَ عُمَرُ: هُوَ وَاللهِ خَيْرٌ فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُراجِعُنِي فِيهِ حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ لِذلِكَ صَدْرِي وَرَأَيْتُ الَّذِي
رَأَى عُمَرُ قالَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ: وَعُمَرُ عِنْدَهُ جالِسٌ لا يَتَكَلَّمُ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّكَ رَجُلٌ شَابٌ عاقِلٌ،
وَلا نَتْهِمُكَ كُنْتَ تُكْتُبُ الْوَحْيَ لِرَسُولِ اللّهِ وَّهِ فَتَتَبَّعِ الْقُرْآنَ فَأَجْمَعْهُ فَوَالله لَوْ كَلَفَتِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ
الْجَبَالِ ما كَانَ أَتْقَلَ عَلَيَّ مِمَّا أَمَرَنِي بِهِ مِنْ جَمْعِ الْقُرْآنِ قُلْتُ: كَيْفَ تَفْعَلانِ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ