Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
كتاب تفسير القرآن/ سورة الأنعام
(قال ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما فيما وصله ابن أبي حاتم من طريق ابن جريج عن
عطاء عنه: (﴿ثم لم تكن فتنتهم﴾﴾ [الأنعام: ٢٣] أي (معذرتهم) أي التي يتوهمون أنهم يتخلصون
بها، وسقط ﴿ثم لم تكن﴾ لغير أبي ذر، وقال ابن عباس فيما وصله ابن أبي حاتم أيضًا في قوله
تعالى: ﴿وهو الذي أنشأ جنات﴾ (﴿معروشات)) [الأنعام: ١٤١] أي (ما يعرش من الكرم وغير
ذلك) وسقط هذا لأبي ذر. وقال ابن عباس أيضًا فيما وصله ابن أبي حاتم في قوله تعالى:
(﴿حمولة﴾﴾ ﴿وفرشًا﴾ [الأنعام: ١٤٢] هي (ما يحمل عليها) كذا في اليونينية يحمل بالتحتية
وسقطت في فرعها أي الأثقال وفي قوله: (﴿وللبسنا﴾) ﴿عليهم﴾ [الأنعام: ٩] (لشبهنا) عليهم
فيقولون: ما هذا إلا بشر مثلكم، وفي قوله تعالى: (﴿وينأون﴾﴾ [الأنعام: ٢٦] عنه (يتباعدون)
عنه أي عن أن يؤمنوا به عليه الصلاة والسلام وفي (﴿تبسل﴾) من قوله: ﴿أن تبسل نفس﴾
[الأنعام: ٧] (تفضح) وفي قوله: ((أبسلوا)) أي (أفضحوا) بهمزة مضمومة وكسر الضاد
المعجمة ولأبي ذر فضحوا بغير همزة وفي قوله تعالى: ﴿والملائكة﴾ (﴿باسطو أيديهم))
[الأنعام: ٩٣] (البسط: الضرب) من قوله تعالى: ﴿لئن بسطت إلّ يدك لتقتلني﴾ [المائدة: ٢٨]
وليس البسط الضرب نفسه وفي قوله: ﴿قد﴾ (﴿استكثرتم﴾) أي (أضللتم كثيرًا) منهم وكذلك
قال مجاهد والحسن وقتادة: ولأبي ذر وقوله: استكثرتم من الإِنس وسقط لغيره وفي قوله:
(﴿ذرأ﴾) ولأبي ذر: ﴿مما ذرأ﴾ (﴿من الحرث)) [الأنعام: ١٣٦] قال: (جعلوا لله من ثمراتهم
وما لهم نصيبًا وللشيطان والأوثان نصيبًا).
وروي أنهم كانوا يصرفون ما عينوه لله إلى الضيفان والمساكين والذي لأوثانهم ينفقونه على
سدنتها ثم إن رأوا ما عينوه لله أزكى بذلوه لآلهتهم وإن رأوا ما آلهتهم أزكى تركوه لها حبًا لها
وفي قوله: ﴿مما ذرأ﴾ تنبيه على فرط جهالتهم فإنهم أشركوا الخالق في خلقه جمادًا لا يقدر على
شيء ثم رجحوه عليه بأن جعلوا الزاكي له، وسقط لغير أبي ذر لفظ مما من قوله: ﴿مما ذرأ﴾.
وقال ابن عباس أيضًا في قوله تعالى: ﴿على قلوبهم﴾ (﴿أكنة﴾﴾ [الأنعام: ٢٥] أن يفقهوه
(واحدها كنان) وهو ما يستر الشيء وهذا ثابت لأبي ذر عن المستملي ساقط لغيره وفي قوله:
((أما﴾) بإدغام الميم في الأخرى وحذفها من الكتابة ولأبي ذر: أم ما (﴿اشتملت﴾)
[الأنعام: ١٤٣] عليه أرحام الأنثيين (يعني هل تشتمل إلا على ذكر أو أنثى فلم تحرمون بعضًا
وتحلّون بعضًا) وهو رد عليهم في قولهم: ﴿ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا﴾ ومحرم على
أزواجنا. وفي قوله: ﴿أو دمًا﴾ (﴿مسفوحًا﴾) أي (مهراقًا) يعني مصبوبًا كالدم في العروق لا
كالكبد والطحال وهذا ثابت للكشميهني ساقط لغيره، وفي قوله: ((صدف﴾) أي (أعرض) عن
آيات الله، وفي قوله تعالى: (﴿أبلسوا﴾) من قوله تعالى: ﴿فإذا هم مبلسون﴾ أي (أويسوا) بضم
الهمزة مبنيًا للمفعول ولأبي ذر عن الحموي والمستملي أيسوا بفتح الهمزة وإسقاط الواو مبنيًا
للفاعل من أيس إذا انقطع رجاؤه، وفي قوله: ﴿أبلسوا﴾ بما كسبوا أي (أسلموا) أي إلى الهلاك
بسبب أعمالهم القبيحة وعقائدهم الزائغة وقد ذكر هذا قريبًا بغير هذا التفسير وفي قوله في سورة

٢٠٢
كتاب تفسير القرآن/ سورة الأنعام
القصص (سرمدًا) إلى يوم القيامة أي (دائمًا) قيل وذكره هنا لمناسبة قوله في هذه السورة وجاعل
الليل سكنّا. وفي قوله: ((استهوته﴾) أي (أضلته) الشياطين، وفي قوله: ﴿ثم أنتم﴾
(﴿تمترون﴾) أي (تشكون) وفي قوله: ﴿وفي آذانهم﴾ (﴿وقر﴾) أي (صمم وأما الوقر) بكسر
الواو (فإنه الحمل) بكسر الحاء المهملة وسقط لغير أبي ذر فإنه وقوله: (﴿أساطير﴾) الأولين
(واحدها أسطورة) بضم الهمزة وسكون السين وضم الطاء (وإسطارة) بكسر الهمزة وفتح الطاء
وبعدها ألف (وهي الترهات) بضم الفوقية وتشديد الراء أي الأباطيل وقوله: (﴿البأساء﴾) في
قوله: ﴿فأخذناهم بالبأساء﴾ (من البأس) وهو الشدّة (ويكون من البؤس) بالضم وهو ضدّ النعيم
وقوله: ﴿أو﴾ (﴿جهرة﴾) أي (معاينة) وقوله: ((الصور﴾) بضم الصاد وفتح الواو في قوله:
﴿يوم ينفخ في الصور﴾ أي (جماعة صورة) أي يوم ينفخ فيها فتحيا (كقوله: سورة وسور) بالسين
المهملة فيهما. قال ابن كثير: والصحيح أن المراد بالصور القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل عليه
السلام الأحاديث الواردة فيه، وقوله: (﴿ملكوت﴾) بفتح التاء في اليونينية في قوله تعالى:
﴿وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض﴾ [الأنعام: ٧٥] أي (ملك) وقيل الواو والتاء
زائدتان (مثل رهبوت) كذا في نسخة آل ملك بكسر ميم مثل والإضافة لتاليه والذي في اليونينية مثل
بفتح الميم والمثلثة وتنوين اللام ورهبوت رفع (خير من رحموت) أي في الوزن (وتقول: ترهب خير
من أن ترحم) ولأبي ذر ملكوت وملك رهبوت رحموت والصواب الأول فإنه فسر ملكوت بملك
وأشار إلى أن وزن ملكوت مثل رهبوت ورحموت، ويؤيده قول أبي عبيدة في تفسيره الآية حيث قال
أي ملك السموات والأرض خرجت مخرج قولهم في المثل رهبوت خير من رحموت أي رهبة خير
من رحمة وقوله: ﴿فلما﴾ (﴿جن﴾) ﴿عليه الليل﴾ أي (أظلم) وقوله: (﴿تعالى﴾) ﴿ما يصفون﴾ أي
(علا) وهذا ثابت لأبي ذر ساقط لغيره كقوله: (﴿وأن تعدل﴾) كل عدل لا يؤخذ منها أي (تقسط)
بضم الفوقية من الأقساط وهو العدل والضمير في أن تعدل يرجع إلى النفس الكافرة المذكورة قبل
(﴿لا يقبل منها﴾ في ذلك اليوم) هو يوم القيامة لأن التوبة إنما تنفع في حال الحياة قبل الموت
وقوله: وإن تعدل الخ ... ثابت لأبي ذر، وفي قوله: ﴿والشمس والقمر حسبانًا﴾ (يقال على الله
حسبانه أي حسابه) كشهبان وشهاب أي يجريان بحساب متقن مقدر لا يتغير ولا يضطرب بل كل
منهما له منازل يسكنها في الصيف والشتاء فيترتب على ذلك اختلاف الليل والنهار طولاً وقصرًا
(ويقال حسبانًا) أي (مرامي) أي سهامًا (ورجومًا للشياطين) وسقط قوله ويقال لأبي ذر.
وقوله: (﴿مستقر﴾) في قوله تعالى: ﴿أنشأكم من نفس واحدة فمستقر﴾ [الأنعام: ٩٨] أي
(في الصلب ومستودع في الرحم) كذا وقع هنا ومثله قول أبي عبيدة مستقر في صلب الأب
ومستودع في رحم الأم، وكذا أخرجه عبد بن حميد من حديث محمد ابن الحنفية، وقال معمر عن
قتادة عن عبد الرزاق مستقر في الرحم ومستودع في الصلب، وأخرج سعيد بن منصور مثله من
حديث ابن عباس بإسناد صحيح، وأخرج عبد الرزاق عن ابن مسعود قال مستقرها في الدنيا
ومستودعها في الآخرة، وعند الطبراني من حديثه المستقر الرحم والمستودع الأرض وقوله: القنو

٢٠٣
كتاب تفسير القرآن/ سورة الأنعام
في قوله: ﴿ومن النخل من طلعها قنوان﴾ [الأنعام: ٩٩] أي (العذق) بكسر العين المهملة
وسكون الذال المعجمة آخره قاف وهو العرجون بما فيه من الشماريخ (والاثنان قنوان) بكسر
القاف (والجماعة أيضًا قنوان) فيستوي فيه التثنية والجمع. نعم يظهر الفرق بينهما في رواية أبي ذر
حيث تكرر عنده صنوان مع كسر نون الأولى ورفع الثانية التي هي نون الجمع الجاري عليها
الاعراب تقول في التثنية هذان قنوان بالكسر، وأخذت قنوين في النصب، وضربت بقنوين في
الجر فنقلب ألف التثنية فيهما وتقول في الجمع هذه قنوان بالرفع لأنه في حالة الرفع وأخذت
قنوانًا بالنصب وضربت بقنوان بالجرّ ولا تتغير فيه الألف والإعراب يجري على النون ويحصل
الفرق أيضًا بالإضافة فإن نون التثنية تحذف دون نون الجمع وسقطت قنوان الثانية لغير أبي ذر (مثل
صنو وصنوان) في التثنية والجمع والكسر في التثنية والحركات الثلاث في الجمع وهو بكسر الصاد
المهملة وسكون النون وأصله أن تطلع نخلتان من عرق واحد، ولأبي ذر: وصنوان بالرفع
والتنوين، وهذه التفاسير المذكورة مقدم بعضها على بعض في بعض النسخ ومؤخر في أخرى
وساقط في بعضها من بعض.
١ - باب ﴿وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلاَّ هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩]
هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو﴾)
[الأنعام: ٥٩] المفاتح: جمع مفتح بفتح الميم وهو الخزانة أو جمع مفتح بكسر الميم وهو المفتاح
بإثبات الألف وجمعه مفاتيح بياء بعد الألف وقرأ بها ابن السميقع وهو الآلة التي يفتح بها، فعلى
الأول يكون المعنى وعنده خزائن الغيب وهذا منقول عن السدي فيما رواه الطبري، وعلى الثاني
يكون قد جعل للغيب مفاتيح على طريق الاستعارة لأن المفاتيح هي التي يتوصل بها إلى ما في
الخزائن المستوثق منها بالإغلاق فمن علم كيف يفتح بها ويتوصل إلى ما فيها فهو عالم وكذلك ههنا
إن الله تعالى لما كان عالماً بجميع المعلومات ما غاب منها وما لم يغب عبّر عنه بهذه العبارة إشارة إلى
أنه هو المتوصل إلى المغيبات وحده لا يتوصل إليها غيره وهذا هو الفائدة في التعبير بعند، وفيه ردّ
على المنجم المخذول الذي يدعي علم الغيب والفلسفي المطرود الذي يزعم أن الله تعالى لا يعلم
الجزئيات، وجوّز الواحدي أنه جمع مفتح بفتح الميم على أنه مصدر بمعنى الفتح أي وعنده فتوح
الغيب أي يفتح الغيب على من يشاء من عباده ويطلق المفتاح على المحسوس والمعنوي، وفي
حديث أنس مما صححه ابن حبان ((أن من الناس مفاتيح للخير)).
٤٦٢٧ - حدثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّه، حَدَّثَنَا إِبْراهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ، عَنْ
سالِمٍ بْنِ عَبْدِ اللَّه عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ و ◌َ﴿ قَالَ: ((مَفَاتِحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ ﴿إِنَّ الله عِنْدَهُ عِلْمُ
السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الأَرْحَامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَدًا وَما تَذْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ
أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ الله عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٤])).

٢٠٤
كتاب تفسير القرآن/ سورة الأنعام
وبه قال: (حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله) بن يحيى القرشي العامري الأويسي قال: (حدّثنا
إبراهيم بن سعد) بسكون العين ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف (عن ابن شهاب) محمد بن
مسلم الزهري (عن سالم بن عبد اللَّه عن أبيه) عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما (أن
رسول الله ◌َاخر قال):
(مفاتح الغيب) بوزن مساجد أي خزائن الغيب (خمس) لا يعلمها إلا الله فمن ادّعى علم
شيء منها فقد كفر بالقرآن العظيم وذكر خمسًا، وإن كان الغيب لا يتناهى لأن العدد لا ينفي زائدًا
عليه أو لأن هذه الخمس هي التي كانوا يدّعون علمها (﴿إن الله عنده علم الساعة﴾) أي علم
قيامها فلا يعلم ذلك نبي مرسل ولا ملك مقرب لا يجلبها لوقتها إلا هو ومن ثمّ أنكر الداودي
على الطبري دعواه أنه بقي من الدنيا من هجرة المصطفى نصف يوم وهو خمسمائة عام قال: وتقوم
الساعة لأن دعواه مخالفة لصريح القرآن والسنّة ويكفي في الرد عليه أن الأمر وقع بخلاف ما قال
فقد مضت خمسمائة سنة ثم ثلاثمائة وزيادة لكن الطبري تمسك بحديث أبي ثعلبة رفعه: ((لن تعجز
هذه الأمة أن يؤخرها الله نصف يوم)). الحديث ... أخرجه أبو داود وغيره لكنه ليس صريحًا في
أنها لا تؤخر أكثر من ذلك (﴿وينزل الغيث﴾) فلا يعلم وقت إنزاله من غير تقديم ولا تأخير وفي
بلد لا يجاوز به إلا هو لكن إذا أمر به علمته ملائكته الموكلون به ومن شاء الله من خلقه (﴿ويعلم
ما في الأرحام﴾) مما يريد أن يخلقه أذكر أم أنثى أتام أم ناقص لا أحد سواه لكن إذا أمر بكونه
ذكرًا أو أنثى أو شقيًا أو سعيدًا علمه الملائكة الموكلون بذلك ومن شاء من خلقه (﴿وما تدري
نفس ماذا تكسب غدًا﴾) في دنياها أو أخراها من خير أو شر (﴿وما تدري نفس بأي أرض
تموت﴾) أفي بلدها أم في غيرها فليس أحد من الناس يدري أين مضجعه من الأرض أفي بحر أو
بر سهل أو جبل (﴿إن الله عليم خبير﴾) [لقمان: ٣٤]. والاستدراك من نفي علم غير البارىء
تعالى بوقت إنزال المطر قولنا لكن إذا أمر به علمته ملائكته الموكلون به الخ ... مستفاد من قوله:
علم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدًا إلا من ارتضى من رسول الآية. ومقتضاه إطلاع الرسول على
بعض المغيب والولي تابع للرسول يأخذ عنه، وسقط قوله: ﴿ويعلم ما في الأرحام﴾ الخ لأبي ذر
وقال إلى آخر السورة.
وهذا الحديث قد سبق في الاستسقاء ويأتي إن شاء الله تعالى في سورة الرعد ولقمان وبالله
المستعان .
٢ - باب قَوْلِهِ: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ
عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾
[الأنعام: ٦٥] يَلْبِسَكُمْ: يَخْلِطَكُمْ مِنَ الالْتِياسِ. يَلْبِسُوا: يَخْلِطُوا. شِيَعًا: فِرَقًا
(باب قوله) تعالى: (﴿قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابًا من فوقكم﴾) كما فعل بقوم

٢٠٥
كتاب تفسير القرآن/ سورة الأنعام
نوح ولوط وأصحاب الفيل (﴿أو من تحت أرجلكم)) [الأنعام: ٦٥] كما أغرق فرعون وخسف
بقارون، وعند ابن مردويه من حديث أبيّ بن كعب (﴿عذابًا من فوقكم﴾) قال: الرجم (﴿أو من
تحت أرجلكم﴾) الخسف. وقيل من فوقكم أكابركم وحكّامكم أو من تحت أرجلكم سفلتكم
وعبيدكم، وقيل المراد بالفوق حبس المطر وبالتحت منع الثمرات وسقط لغير أبي ذر: أو من تحت
أرجلكم، وقالوا: الآية، وثبت قوله: باب قوله لأبي ذر، وسقط للباقين.
(﴿يلبسكم﴾﴾ [الأنعام: ٦٥] في قوله: ﴿أو يلبسكم﴾ أي (يخلطكم من الالتباس يلبسوا
يخلطوا) وهذا كاللاحق من قول أبي عبيدة، وقوله: (﴿شيعاً﴾﴾ [الأنعام: ٦٥] أي (فرقًا) أي لا
تكونوا شيعة واحدة يعني يخلط أمركم خلط اضطراب لا خلط اتفاق يقاتل بعضكم بعضًا.
٤٦٢٨ - حدثنا أَبُو النُّعْمانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ، عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ
الله عَنْهُ قالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هُذِهِ الآيَةُ ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ قَالَ
رَسُولُ اللهِوََّ: ((أَعُوذُ بِوَجْهِكَ)) قالَ: ﴿أَوْ مِنْ تَخْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قَالَ: ((أَعُوذُ بِوَجْهِكَ)) ﴿أَوْ
يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((هذا أَهْوَنُ أَوْ هُذا أَيْسَرُ)).
[الحديث ٤٦٢٨ - طرفاه في: ٧٣١٣، ٧٤٠٦].
وبه قال: (حدّثنا أبو النعمان) محمد بن الفضل عارم قال: (حدّثنا حماد بن زيد) أي ابن
درهم الجهضمي (عن عمرو بن دينار عن جابر) الأنصاري (رضي الله عنه) أنه (قال: لما نزلت
هذه الآية ﴿قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابًا من فوقكم﴾ قال رسول الله (وَلا﴿):
(أعوذ بوجهك) بذاتك. وزاد الإسماعيلي من طريق حماد بن زيد عن عمرو الكريم (قال:
﴿أو من تحت أرجلكم﴾) وسقطت قال لأبي ذر (قال) عليه الصلاة والسلام: (أعوذ بوجهك) زاد
الإسماعيلي الكريم أيضًا (﴿أو يلبسكم﴾) يخلطكم في ملاحم القتال (﴿شيعًا ويذيق بعضكم بأس
بعض﴾) أي يقاتل بعضكم بعضًا. وقال مجاهد: يعني أهواء متفرقة وهو ما كان فيهم من الفتن
والاختلاف. وقال بعضهم: هو ما فيه الناس الآن من الاختلاف والأهواء وسفك الدماء (قال
رسول الله : هذا أهون) لأن الفتن بين المخلوقين وعذابهم أهون من عذاب الله فابتليت هذه
الأمة بالفتن ليكفر بها عنهم (أو) قال: (هذا أيسر) شك الراوي.
وعند ابن مردويه من حديث ابن عباس قال رسول الله وَلير: ((دعوت الله أن يرفع عن أمتي
أربعًا فرفع عنهم اثنتين وأبى أن يرفع عنهم اثنتين دعوت الله أن يرفع عنهم الرجم من السماء
والخسف من الأرض وأن لا يلبسهم شيعًا ولا يذيق بعضهم بأس بعض، فرفع الله عنهم الخسف
والرجم، وأبى أن يرفع عنهم الأخريين)) فيستفاد منه أن الخسف والرجم لا يقعان في هذه الأمة،
لكن روى أحمد من حديث أبي بن كعب في هذه الآية قال: هن أربع وكلهن واقع لا محالة
فمضت اثنتان بعد وفاة نبيهم بخمس وعشرين سنة ألبسوا شيعًا وذاق بعضهم بأس بعض، وبقيت

٢٠٦
كتاب تفسير القرآن/ سورة الأنعام
اثنتان واقعتان. لا محالة الخسف والرجم، لكنه أعلّ بأنه مخالف لحديث جابر وغيره، وبأن أبيّ بن
كعب لم يدرك سنة خمس وعشرين من الوفاة النبوية فكأن حديثه انتهى عند قوله: لا محالة،
والباقي كلام بعض الرواة، وجمع بينهما بأن حديث جابر مقيد بزمان وجود الصحابة وبعد ذلك
يجوز وقوعهما، وعند أحمد بإسناد صحيح من حديث صحار بضم الصاد وبالحاء المخففة المهملتين
العبدي رفعه: ((لا تقوم الساعة حتى يخسف بقبائل)) الحديث ... ذكره في فتح الباري، وفي
حديث ربيعة الجرشي عند ابن أبي خيثمة رفعه: ((يكون في أمتي الخسف والقذف والمسخ)).
وحديث الباب أخرجه المؤلف أيضًا في التوحيد والنسائي في التفسير.
٣ - باب ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِنْمانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢]
هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿ولم يلبسوا إيمانهم بظلم)) [الأنعام: ٨٢] أي
بشرك، وسقط لفظ باب لغير أبي ذر.
٤٦٢٩ - حدثني مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، حَدَّثَنا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ عَنْ سُلَيْمانَ، عَنْ
إِبْراهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّه رَضِيَ الله عَنْهُ قالَ: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِنْمانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ قَالَ
أَصْحابُهُ: وَأَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ فَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ .
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (محمد بن بشار) بالموحدة والمعجمة المشددة بندار العبدي قال:
(حذّثنا ابن أبي عدي) هو محمد واسم أبي عدي إبراهيم البصري (عن شعبة) بن الحجاج (عن
سليمان) بن مهران الأعمش (عن إبراهيم) النخعي (عن علقمة) بن قيس (عن عبد الله) بن
مسعود (رضي الله عنه) أنه (قال: لما نزلت ﴿ولم يلبسوا إيمانهم بظلم﴾) أي عظيم أي لم يخلطوه
بشرك كما سيأتي، واستشكل تصوير خلط الإيمان بالشرك وحمله بعضهم على خلطهما ظاهرًا
وباطنًا أي لم ينافقوا؛ أو المراد بالإيمان مجرد التصديق بالصانع وحده فيكون لغويًا وحينئذ فلا
إشكال. (قال أصحابه) وَّ ورضي الله عنهم: (وأينا لم يظلم) وفي نسخة لأبي ذر عن الحموي:
لا يظلم (فنزلت) عقب ذلك (﴿إِن الشرك لظلم عظيم﴾﴾ [لقمان: ١٣] فبينّ أن عموم الظلم
المفهوم من الإتيان به نكرة في سياق النفي غير مراد بل هو من العام الذي أريد به الخاص وهو
الشرك الذي هو أعلى أنواع الظلم.
وهذا الحديث قد سبق في باب الإيمان.
٤ - باب قَوْلِهِ: ﴿وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلاًّ فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٨٦]
(باب قوله) جل وعلا: (﴿ويونس ولوطًا﴾) هو ابن هاران ابن أخي إبراهيم الخليل عليه
السلام (﴿وكلاً فضلنا على العالمين﴾) [الأنعام: ٨٦] أي عالمي زمانهم، وتمسك به من قال: إن
الأنبياء أفضل من الملائكة لدخولهم في عموم الجمع المحلى.

٢٠٧
كتاب تفسير القرآن/ سورة الأنعام
٤٦٣٠ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنا ابْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنا شُعْبَةُ، عَنْ قَتادَةَ، عَنْ أَبِي
الْعَالِيَةِ، قالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ عَمِّ نَبِيِّكُمْ يَعْنِي ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عَنْهُما عَنِ النَّبِيِّ وَّ قَالَ: ((ما
يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى)).
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (محمد بن بشار) بندار العبدي قال: (حدّثنا
ابن مهدي) عبد الرحمن قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن قتادة) بن دعامة (عن أبي العالية)
رفيع بضم الراء وفتح الفاء وبعد التحتية الساكنة عين مهملة ابن مهران الرياحي أنه (قال: حدّثني)
بالإفراد (ابن عم نبيكم يعني ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي (وَ﴿) أنه (قال):
(ما ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى) بفتح الميم والفوقية المشددة وضمير
المتكلم يحتمل أن يعود إلى كل قائل، أي: لا يقول بعض الجاهلين من المجتهدين في العبادة أو
العلم أو غير ذلك من الفضائل فإنه ولو بلغ لم يبلغ درجة النبوة، ويؤيده ما في بعض الروايات ما
ينبغي لعبد أن يقول: وقيل يعود إلى الرسول #في أي لا ينبغي لأحد أن يفضلني عليه قاله على
سبيل التواضع أو قبل أن يعلم أنه سيد ولد آدم وفيه نظر من جهة معرفة المتقدم تاريخيًّا.
٤٦٣١ - حدثنا آدَمُ بْنُ أَبِي إِياسٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنا سَعْدُ بْنُ إِبْراهِيمَ، قَالَ: سَمِعْتُ
حُمَّيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ قالَ: ((مَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ
أَنْ يَقُولَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى)).
وبه قال: (حدّثنا آدم بن أبي إياس) بكسر الهمزة وتخفيف التحتية قال: (حدّثنا شعبة) بن
الحجاج قال: (أخبرنا سعد بن إبراهيم) بسكون العين (قال: سمعت حميد بن عبد الرحمن بن
عوف عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي وَا﴾) أنه (قال):
(ما ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى) فيه الكف عن الخوض في التفضيل بين
الأنبياء بالرأي فيوقف عند المروي من ذلك والدلائل متظافرة على تفضيل نبينا ور على جميع
الأنبياء، وخص يونس بالذكر خوفًا من توهم حط مرتبته العلية بقصة الحوت.
وهذا الحديث قد سبق مرارًا وقد ثبت باب قوله لأبي ذر عن المستملي وسقط لغيره.
٥ - باب قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى الله فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهُ﴾ [الأنعام: ٩٠]
(باب قوله) سبحانه وتعالى: (﴿أولئك الذين هدى الله﴾) قال الزجاج الأنبياء الذين ذكرهم
(﴿فبهداهم اقتده﴾﴾ [الأنعام: ٩٠] الهاء من اقتده للوقف ومن أثبتها في الوصل ساكنة.
كالحرمين، والبصري وعاصم أجرى الوصل مجرى الوقف وأشبعها ابن عامر على أنها كناية المصدر
أي اقتد اقتداء وحذفها الأخوان على أنها هاء السكت وقياسها في الوصل الحذف.

٢٠٨
كتاب تفسير القرآن/ سورة الأنعام
وفي هذه الآية دلالة على فضل نبينا وَلقر على سائر الأنبياء لأنه سبحانه أمره بالاقتداء
بهداهم، ولا بد من امتثاله لذلك الأمر فوجب أن يجتمع فيه جميع فضائلهم وأخلاقهم المتفرقة،
فثبت بهذا أنه تلقى أفضل الأنبياء وتقديم قوله: ﴿فبهداهم اقتده﴾ يفيد حصر الأمر في هذا
الاقتداء وأنه لا هدى غيره، والمراد أصول الدين وهو الذي يستحق أن يسمى الهدى المطلق فإنه
لا يقبل النسخ، وكذا في مكارم الأخلاق والصفات الحميدة المشهورة عن كل واحد من هؤلاء
الأنبياء ولو أمر بالاقتداء في مشروع تلك الأديان لم يكن دينًا ناسخًا وكان يجب محافظة كتبهم
ومراجعتها عند الحاجة وبطلان اللازم بالاتفاق يدل على بطلان الملزوم، وسقط لغير أبي ذر
قوله: باب قوله.
٤٦٣٢ - حدثني إِبْراهِيمُ بْنُ مُوسى، أَخْبَرَنا هِشاٌ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ، قالَ: أَخْبَرَنِي
سُلَيْمَانُ الأَخوَلُ أَنَّ مُجاهِدًا أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ أَفِي (صَّ) سَجْدَةٌ فَقالَ: نَعَمْ، ثُمَّ ثَلا:
﴿وَوَهَبْنَا﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ ثُمَّ قَالَ: هُوَ مِنْهُمْ. زادَ يَزِيدُ بْنُ هارُونَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ
عُبَيْدٍ، وَسَهْلُ بْنُ يُوسُفَ، عَنِ الْعَوَّامِ عَنْ مُجاهِدٍ، قُلْتُ لايْنِ عَبَّاسٍ: فَقالَ نَبِيُكُمْ وَّهِ: مِمَّنْ أُمِرَ
أَنْ یقْتَدِيَ بِهِمْ.
وبه قال: (حدّثني) بالتوحيد (إبراهيم بن موسى) الفراء الرازي الصغير قال: (أخبرنا هشام)
هو ابن يوسف الصنعاني (أن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز (أخبرهم قال: أخبرني) بالإفراد
(سليمان) بن أبي مسلم (الأحول) المكي قيل اسم أبيه عبد الله (أن مجاهدًا) هو ابن جبر بفتح
الجيم وسكون الموحدة المخزومي مولاهم المكي الإمام في التفسير (أخبره أنه سأل ابن عباس)
رضي الله عنهما (أني) سورة (صّ سجدة؟ فقال: نعم، ثم تلا ﴿ووهبنا﴾) زاد أبو ذر: ﴿له
إسحق ويعقوب﴾ (- إلى قوله - ﴿فبهداهم اقتده﴾ ثم قال: هو منهم). أي داود من الأنبياء
المذكورين في هذه الآية.
(زاد) على الرواية الماضية (يزيد بن هارون) الواسطي فيما وصله الإسماعيلي (ومحمد بن
عبيد) مصغرًا من غير إضافة الطيالسي الكوفي فيما وصله البخاري في سورة صّ (وسهل بن
يوسف) بسكون الهاء الأنماطي فيما وصله المؤلف في أحاديث الأنبياء ثلاثتهم (عن العوّام)
بتشديد الواو ابن حوشب بفتح الحاء المهملة وسكون الواو وفتح المعجمة آخره موحدة (عن مجاهد)
المذكور آنفًا أنه قال: (قلت لابن عباس: فقال: نبيكم ◌َ﴿ ممن أمر أن يقتدي بهم) أي وقد
سجدها داود فسجدها رسول الله اقتداء به، واستدل بهذا على أن شرع من قبلنا شرع لنا وهي
مسألة مشهورة في الأصول.
ويأتي هذا الحديث إن شاء الله تعالى في سورة ص بعون الله تعالى وقوته.

٢٠٩
كتاب تفسير القرآن/ سورة الأنعام
٦ - باب قَوْلِهِ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا
حَرَّمْنا كُلَّ ذِي تُفْرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَتَم حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا﴾
[الأنعام: ١٤٦] الآيَةَ: وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كُلَّ ذِي ◌ُفُرِ: الْبَعِيرُ وَالنَّعامَةُ. الْحَوايا:
الْمَبْعَرُ، وَقَالَ غَيْرُهُ: هَادُوا: صارُوا يَهُودًا. وأَمَّا قَوْلُهُ هُذنا: تُبْتًا. هائِدٌ: تائِبٌ
(باب قوله) عز وجل (﴿وعلى الذين هادوا﴾) أي وعلى اليهود (﴿حرمنا كل ذي ظفر﴾) أي
لم يكن منفرج الأصابع مشقوقها. رواه ابن أبي حاتم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس
بإسناد حسن وذلك لشؤم ظلمهم لقوله تعالى: ﴿فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم﴾
[النساء: ١٦٠] (﴿ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما﴾) [الأنعام: ١٤٦] (الآية). أي
الثروب بالثاء المثلثة المضمومة والراء آخره موحدة وهو شحم قد غشي الكرش والأمعاء رقيق
وشحم الكلى وترك البقر والغنم على التحليل لم يحرم منها إلا الشحوم الخاصة، واستثنى من
الشحم ما علق بظهورهما أو ما اشتمل على الأمعاء فإنه غير محرم، وهو المراد بقوله: ﴿أو الحوايا﴾
جمع حاوية أو حاوياء كقاصعاء وقواصع أو حوية كسفينة وسفائن. ومن عطف على شحومهما
جعل أو بمعنى الواو فهي بمنزلة قولك: لا تطع زيدًا أو عمرًا أو خالدًا أي هؤلاء كلهم أهل أن
لا يطاع فلا تطع واحدًا منهم ولا تطع الجماعة، ومثله الحسن أو ابن سيرين أو الشعبي فليس
المعنى أني أمرتك بمجالسة واحد منهم بل المعنى كلهم أهل أن يجالس فإن جالست واحدًا منهم
فأنت مصيب وإن جالست الجماعة فأنت مصيب.
وقال ابن الحاجب: أو في قوله: ﴿ولا تطع منه آئمًا وكفورًا﴾ [الإنسان: ٢٤] بمعناها وهو
أحد الأمرين وإنما جاء التعميم من النهي الذي فيه معنى النفي، لأن المعنى قبل وجود النهي
فيهما تطيع آئمًا أو كفورًا أي واحدًا منهما فإذا جاء النهي ورد على ما كان ثابتًا في المعنى، فيصير
المعنى ولا تطع أحدًا منهما فيجيء العموم فيهما من جهة النهي الداخل بخلاف الإثبات فإنه قد
يفعل أحدهما دون الآخر وهو معنى دقيق، والحاصل أنك إذا عطفت أو الحوايا أو ما اختلط بعظم
على شحومهما دخلت الثلاث تحت حكم النفي فيحرم الكل سوى ما استثني منها وإذا عطفت على
المستثنى لم يحرم سوى الشحوم وأو على الأول للإباحة وعلى الثاني للتنويع قاله في فتوح الغيب،
وسقط في رواية أبي ذر قوله: ﴿ومن البقر﴾ إلى آخره، وقال بعد قوله: ﴿ظفر﴾ إلى قوله: ﴿وإنا
لصادقون﴾ .
(وقال ابن عباس): فيما وصله ابن جرير من طريق علي بن أبي طلحة عنه في تفسير قوله:
(﴿كل ذي ظفر﴾ البعير والنعامة) ونحوهما (الحوايا المبعر) بفتح الميم وصله ابن جرير عن ابن
عباس من طريق علي بن أبي طلحة وعبد الرزاق عن معمر عن قتادة، وفي رواية أبي الوقت المباعر
بالجمع، وكذا قاله سعيد بن جبير فيما أخرجه ابن جرير. وقال: الحوايا جمع حوية وهي ما تحوّى
إرشاد الساري/ ج ١٠ / م ١٤

٢١٠
كتاب تفسير القرآن/ سورة الأنعام
واجتمع واستدار من البطن وهو بنات اللبن وهي المباعر وفيها الأمعاء.
(وقال غيره): غير ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وعلى الذين هادوا﴾ [الأنعام: ١٤٦] (صاروا
يهودًا. وأما قوله) تعالى: إنا (﴿هدنا﴾) إليك بالأعراف فمعناه (تبنا هائد تائب) كذا نقل ابن عباس
ومجاهد وسعيد بن جبير، وغيره الخ لأبي ذر.
٤٦٣٣ - حدّثنا عَمْرُو بْنُ خالِدٍ، حَدَّثَنا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، قَالَ عَطاءٌ:
سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّه رَضِيَ الله عَنْهُمَا سَمِعْتُ النَّبِيَّ نَّهِ قالَ: ((قاتَلَ الله الْيَهُودَ لَمَّا حَرَّمَ الله
عَلَيْهِمْ شُحُومَها جَمَلُوهُ ثُمَّ باعُوهُ فَأَكَلُوها)) وَقَالَ أَبُو عاصِمٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيد، حَدَّثَنَا يَزِيدُ كَتَبَ
إِلَيَّ عَطاءٌ سَمِعْتُ جَابِرًا عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ.
وبه قال: (حدّثنا عمرو بن خالد) بفتح العين ابن فروخ بن سعيد الحراني التميمي نزيل
مصر قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام المصري (عن يزيد بن أبي حبيب) أبي رجاء البصري
واسم أبيه سويد أنه قال: (قال عطاء): هو ابن أبي رباح (سمعت جابر بن عبد اللَّه) الأنصاري
(رضي الله عنهما) يقول: (سمعت النبي (98) زاد في باب بيع الميتة من كتاب البيع عام الفتح
وهو بمكة (قال):
(قاتل الله اليهود) أي لعنهم (لما حرم الله عليهم شحومها) أي أكل شحوم الميتة (جملوه) أي
أذابوا المذكور واستخرجوا دهنه (ثم باعوه) ولأبي الوقت وأبي ذر عن الكشميهني: جملوها على
الأصل (فأكلوها) أي أثمانها .
(وقال أبو عاصم) الضحاك النبيل شيخ البخاري مما وصله أحمد (حدّثنا عبد الحميد) بن
جعفر الأنصاري قال: (حدّثنا يزيد) بن أبي حبيب قال: (كتب إلي) بتشديد الياء (عطاء) هو ابن
أبي رباح قال: (سمعت جابرًا) هو ابن عبد الله رضي الله تعالى عنهما (عن النبي(وَ﴿). زاد أبو
ذر مثله أي مثل المذكور من الحديث.
٧ - باب قَوْلِهِ:
﴿وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ﴾ [الأنعام: ١٥١]
(باب قوله) تعالى: (﴿ولا تقربوا الفواحش﴾) الكبائر أو الزنا (﴿ما ظهر منها وما بطن﴾)
[الأنعام: ١٥١] في محل نصب بدل اشتمال من الفواحش أي لا تقربوا ظاهرها وباطنها وهو الزنا
سرًا أو جهرًا أو عمل الجوارح والنية أو عموم الآثام ولفظ الباب ثابت لأبي ذر.
٤٦٣٤ - حدّثنا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرٍو عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّه

٢١١
كتاب تفسير القرآن/ سورة الأنعام
رَضِيَ الله تَعالَى عَنْهُ قالَ: ((لا أَحَدَ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ وَلِذلِكَ حَرَّمَ الْفَواحِشَ، مَا ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ
وَلَا شَيْءَ أَحَبْ إِلَيْهِ الْمَدْحُ مِنَ اللهِ وَلِذْلِكَ مَدَحَ نَفْسَهُ)). قُلْتُ سَمِعْتَهُ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: وَرَفَعَهُ قالَ: نَعَمْ. [الحديث ٤٦٣٤ - أطرافه في: ٤٦٣٧، ٥٢٢٠، ٧٤٠٣].
وبه قال: (حدّثنا حفص بن عمر) بضم العين الحوضي قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (من
عمرو) بفتح العين بن مرة المرادي الكوفي الأعمى (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة (عن
عبد الله) بن مسعود (رضي الله تعالى عنه) أنه (قال: لا أحد أغير من الله) أفعل التفضيل من
الغيرة بفتح الغين وهي الأنفة والحمية في حق المخلوق وفي حق الخالق تحريمه ومنعه أن يأتي
المؤمن ما حرمه عليه. قال ابن جني: تقول لا أحد أفضل منك برفع أفضل لأنه خبر لا كما يرفع
خبر إن وتقول لا غلام لك فإن فصلت بينهما بطل عملها تقول لا لك غلام، فإن وصفت اسم
لا كان لك ثلاثة أوجه النصب بغير تنوين وبتنوين والرفع بتنوين، (ولذلك) أي ولأجل غيرته
(حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا شيء أحب إليه المدح من الله ولذلك مدح نفسه) بالرفع
والنصب في أحب وهو أفعل تفضيل بمعنى المفعول والمدح فاعله نحو: ما رأيت رجلاً أحسن في
عينه الكحل منه في عين زيد، ونقل البرماوي كالزركشي أن عبد اللطيف البغدادي استنبط من
هذا جواز قول مدحت الله. قال: وليس صريحًا لاحتمال أن يكون المراد أن الله يحب أن يمدح
غيره ترغيبًا للعبد في الازدياد مما يقتضي المدح، ولذلك مدح نفسه لا أن المراد يحب أن يمدحه
غيره.
قال في المصابيح: وما اعترض به الزركشي على عدم الصراحة بإبداء الاحتمال المذكور ليس
من قبل نفسه بل ذكره الشيخ بهاء الدين السبكي في أوّل شرح التلخيص اهـ.
وهذا الذي قاله عبد اللطيف هو في شرحه على الخطب النباتية وعبارة شرح التلخيص
المذكور ومراد عبد اللطيف بقوله قد يطلق المدح على الله تعالى إنك تقول: مدحت الله وما ذكره
هو ما فهمه النووي وليس صريحا لاحتمال أن يكون المراد الخ. قال في المصابيح: الظاهر الجواز
ولذلك مدح نفسه شاهد صدق على صحته وحبه تعالى المدح ليثيب عليه فينتفع المكلف لا لينتفع
هو بالمدح تعالی الله علوًّا كبيرًا.
قال عمرو بن مرة (قلت): لأبي وائل هل (سمعته) أي هذا الحديث (من عبد اللَّه) بن
مسعود (قال) أبو وائل (نعم). سمعته من عبد اللَّه (قلت ورفعه) عبد اللّه إلى النبي وَّر (قال:
نعم) رفعه إليه مَ﴾.
وهذا الحديث أخرجه مسلم في التوبة والنسائي في التفسير والترمذي في الدعوات.

٢١٢
كتاب تفسير القرآن/ سورة الأنعام
٨٠ - باب وَكِيلٌ: حَفِيظٌ وَمُحِيطٌ بِهِ. قُبُلاَ: جَمْعُ قَبِيلِ، وَالْمَعْتَى أَنَّهُ ضُرُوبٌ لِلْعَذابِ،
كُلَّ ضَرْبٍ مِنْها قَبِيلٌ. زُخرُفَ الْقَوْلِ: كُلُّ شَيْءٍ حَسَّنْتَهُ وَوَشَّيْتَهُ، وَهُوَ بَاطِلٌ فَهُوَ
زُخْرُفٌ. وَحَرْثٌ حِجْرٌ: حَرامٌ وَكُلَّ مَمْنُوعٍ فَهُوَ حِجْرٌ مَحْجُورٌ وَالْحِجْرُ كُلُّ بِناءٍ بَنَيْتَهُ
وَيُقالُ لِلأَنْثَى مِنَ الْخَيْلِ حِجْرٌ وَيُقالُ لِلْعَقْلِ: حِجْرٌ وَحِجَى وَأَمَّا الْحِجْرُ فَمَوْضِعُ ثَمُودَ،
وَمَا حَجَّرْتَ عَلَيْهِ مِنَ الأَرْضِ فَهْوَ حِجْرٌ وَمِنْهُ سُمِّيَ خَطِيمُ الْبَيْتِ حِجْرًا، كَأَنَّهُ مُشْتَقِّ
مِنْ مَخْطُورٍ مِثْلُ قَتِيلِ مِنْ مَقْتُولٍ وَأَمَّا حَجْرُ الْيَمامَةِ فَهْوَ مَنْزِلَ.
(﴿و کیل﴾) ولأبي ذر: ووكيل بزيادة واو ومراده تفسير ﴿وهو على كل شيء وكيل﴾ أي
(حفيظ ومحيط به). كذا فسره أبو عبيدة.
وقوله: ﴿وحشرنا عليهم كل شيء﴾ (﴿قبلاً﴾) [الأنعام: ١١١]. هو (جمع قبيل، والمعنى
أنه ضروب للعذاب كل ضرب منها قبيل). قال أبو عبيدة: وحشرنا جمعنا. وقبلاً جمع قبيل أي
صنف. وقال مجاهد: قبلاً أفواجًا قبيلاً قبيلاً أي تعرض عليهم كل أمة من الأمم فتخبرهم بصدق
الرسل فيما جاؤوهم به ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله. وقال ابن جرير ويحتمل أن يكون القبل
جمع قبيل وهو الضمين والكفيل أي وحشرنا عليهم كل شيء كفلاء يكفلون لهم أن الذي نعدهم
حق وهو معنى قوله في الآية الأخرى: أو تأتي بالله والملائكة قبيلاً. اهـ.
وبالكفيل فسره البيضاوي كالزمخشري والسمرقندي وابن عادل وغيرهم. قال في الفتح: ولم
أر من فسره بأصناف العذاب فلیحرر.
(﴿زخرف القول﴾﴾ [الأنعام: ١١٢] (كل شيء حسنته ووشيته) بتشديد السين المهملة في
الأولى والشين المعجمة في الثانية من التوشية أي زينته وكل شيء مبتدأ وتاليه عطف عليه (وهو
باطل) جملة حالية (فهو زخرف) خبر المبتدأ ودخلت الفاء فيه لتضمن المبتدأ معنى الشرط وسقط
قوله وكيل حفيظ إلى هنا للحموي، وثبت للمستملي والكشميهني.
(﴿وحرث حِجْرٌ﴾﴾ [الأنعام: ١٣٨] أي (حرام) والإشارة إلى ما عينوا من الحرث والأنعام
للأصنام أو البحيرة ونحوها (وكل ممنوع فهو حجر محجور)، بمعنى مفعول ويطلق على المذكر
والمؤنث والواحد والجمع (والحجر: كل بناء بنينه، ويقال للأنثى من الخيل حجر) بغير هاء تأنيث
(ويقال: للعقل حجر وحجى) بالحاء المكسورة والجيم (وأما الحجر فموضع ثمود وما حجرت عليه
من الأرض فهو حجر، ومنه سمي حطيم البيت) الحرام (حجرًا كأنه مشتق من محطوم مثل قتيل
من مقتول، وأما حجر اليمامة) بفتح الحاء (فهو منزل) وسقط قوله وحرث حجر إلى هنا لأبي ذر
والنسفي. قال في الفتح: وهو أولى.

٢١٣
كتاب تفسير القرآن/ سورة الأنعام
٩ - باب قَوْلِهِ: ﴿هَلُمَّ شُهَداءَكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٠]
لُغَةُ أَهْلِ الْحِجَازِ هَلُمَّ لِلْوَاحِدِ وَالاثْنَيْنِ وَالْجَمْعِ
(باب قوله) تعالى (﴿هلم شهداءكم)) [الأنعام: ١٥٠] (لغة أهل الحجاز هلم للواحد
والاثنين والجمع) وأهل نجد يقولون للاثنين هلما، وللجمع هلموا، وللمرأة هلمي، وللنساء
هلممن، والمعنی هاتوا شهداءكم وأحضروهم وسقط قوله: باب قوله لغير أبي ذر.
١٠ - باب ﴿لا يَتْفَعُ نَفْسًا إِنِمانُها﴾ [الأنعام: ١٥٨]
(باب قوله) تعالى (﴿لا ينفع نفسًا إيمانها﴾) [الأنعام: ١٥٨] أي: يوم يأتي بعض آيات ربك
كالدخان ودابة الأرض والدجال ويأجوج ومأجوج وحضور الموت ﴿لا ينفع نفسًا إيمانها﴾ إذا
صار الأمر عيانًا والإيمان برهانيًا. وقول الزمخشري فلم يفرق كما ترى بين النفس الكافرة إذا
آمنت في غير وقت الإيمان وبين النفس التي آمنت في وقته ولم تکسب خيرًا، ومراده بذلك كما
في الانتصاف الاستدلال على أن الكافر والعاصي في الخلود سواء حيث سوّى في الآية بينهما في
عدم الانتفاع بما يستدر كأنه بعد ظهور الآيات مدفوع بما قاله المحققون أن التقدير: ﴿يوم يأتي
بعض آيات ربك لا ينفع نفسًا إيمانها﴾ أو كسبها في إيمانها حينئذٍ لم تكن آمنت من قبل أو كسبت
في إيمانها خيرًا من قبل، فيوافق الآيات والأحاديث الشاهدة بأن مجرد الإيمان ينفع ويورث النجاة
ولو بعد حين، وفي الآية لف وأصله: يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسًا لم تكن مؤمنة قبل
إيمانها بعد ولا نفسًا لم تكسب في إيمانها خيرًا قبل ما تكسبه من الخير بعد، لكن حذف إحدى
القرينتين. وحاصله أن الإيمان المجرد قبل كشف قوارع الساعة نافع وأن الإيمان المقارن بالعمل
الصالح أنفع وأما بعدها فلا ينفع شيء أصلاً ويأتي مزيد لذلك إن شاء الله تعالى في كتاب الفتن
بعون الله وقوته.
٤٦٣٥ - حدثنا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا عُمارَةُ حَدَّثَنَا أَبُو زُزْعَةَ،
حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ
مَغْرِبِها، فَإِذَا رَآهَا النَّاسُ آمَنَ مَنْ عَلَيْها فَذاكَ حِينَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ)).
وبه قال: (حدثنا موسى بن إسماعيل) التبوذكي قال: (حدّثنا عبد الواحد) بن زياد قال:
(حدّثنا عمارة) بضم العين وتخفيف الميم ابن القعقاع الضبي الكوفي قال: (حدّثنا أبو زرعة)
هرم بن عمرو البجلي الكوفي قال: (حدّثنا أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (وَ ﴾):
(لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها) غاية لعدم قيام الساعة، ويؤيده ما رواه
البيهقي في كتاب البعث والنشور عن الحاكم أبي عبد اللّه: أن أوّل الآيات ظهور الدجال ثم نزول
عيسى، ثم خروج يأجوج ومأجوج، ثم خروج الدابة، ثم طلوع الشمس من مغربها وهو أوّل

٢١٤
كتاب تفسير القرآن/ سورة الأنعام
الآيات العظام المؤذنة بتغيير أحوال العالم العلوي، وذلك أن الكفار يسلمون في زمن عيسى، ولو
لم ينفع الكفار هيمانهم أيام عيسى لما صار الدين واحدًا فإذا قبض عيسى عليه السلام ومن معه من
المسلمين رجع أكثرهم إلى الكفر فعند ذلك تطلع الشمس من مغربها (فإذا رآها الناس آمن من
عليها) أي من على الأرض (فذاك حين ﴿لا ينفع نفسًا إيمانها﴾ لم تكن آمنت من قبل) أي لا ينفع
كافرًا لم يكن آمن قبل طلوعها إيمان بعد الطلوع ولا ينفع مؤمنًا لم يكن عمل صالحًا قبل الطلوع
عمل صالح بعد الطلوع، لأن حكم الإيمان والعمل الصالح حينئذٍ حكم من آمن أو عمل عند
الغرغرة وذلك لا يفيد شيئًا كما قال تعالى: ﴿فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا﴾
[غافر: ٨٥].
وهذا الحديث أخرجه مسلم في الإيمان وأبو داود في الملاحم والنسائي في الوصايا وابن
ماجه في الفتن.
٤٦٣٦ - حدثني إِسْحُقُ أَخْبَرَنا عَبْدُ الرَّزَاقِ، أَخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشّمْسُ مِنْ مَغْرِبِها فَإِذَا
طَلَعَتْ وَرَآهَا النَّاسُ آمَنُوا أَجْمَعُونَ وَذلِكَ حِينَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها)) ثُمَّ قَرَأَ الآيَةَ.
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (إسحلق) هو ابن نصر أبو إبراهيم السعدي كما جزم به خلف
أو هو ابن منصور أبو يعقوب المروزي الكوسج كما جزم به أبو مسعود الدمشقي، لكن قال
الحافظ ابن حجر: إن الأوّل أقوى قال: (أخبرنا عبد الرزاق) بن همام الصنعاني قال: (أخبرنا
معمر) هو ابن راشد (عن همام) هو ابن منبه الصنعاني (عن أبي هريرة رضي الله عنه) أنه (قال:
قال رسول الله (وَ):
(لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها) وآية ذلك أن تطول الليلة حتى تكون قدر
ليلتين. رواه ابن مردويه من حديث حذيفة مرفوعًا (فإذا طلعت) من مغربها (ورآها الناس آمنوا
أجمعون وذلك حين ﴿لا ينفع نفسًا إيمانها﴾ ثم قرأ الآية) ولمسلم عن ابن عمر مرفوعًا: ((إن أوّل
الآيات خروجًا طلوع الشمس من مغربها)) الحديث.
واستشكل بأن طلوع الشمس ليس بأوّل الآيات لأن الدخان والدجال قبله وأجيب: بأن
الآيات إما أمارات دالة على قرب قيام الساعة، وإما أمارات دالة على وجود قيام الساعة
وحصولها، ومن الأوّل الدخان وخروج الدجال ونحوهما، ومن الثاني طلوع الشمس من مغربها
وسمي أوّلاً لأنه مبدأ القسم الثاني.
ويأتي إن شاء الله تعالى نبذة من فرائد الفوائد المتعلقة بهذه المباحث في محالها من هذا الكتاب
وبالله المستعان وعليه التكلان.

٢١٥
كتاب تفسير القرآن/ سورة الأعراف
[٧] سُورةُ الأَغْرافِ
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَرِياشًا: الْمَالُ ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ فِي الدُّعاءِ وَفِي غَيْرِهِ. عَفَوْا:
كَثُرُوا وَكَثُرَتْ أَمْوَالُهُمْ. الْفَتَّاحُ: الْقَاضِي. افْتَحْ بَيْنَنَا: أَقْضٍ بَيْتَنا. نَتَقْنَا الْجَبَلَ: رَفَعْنا. أنْبَجَسَتِ:
أَنْفَجَرَتْ. مُتَبَّرَ: خُسْرانٌ. آسى: أَحْزَنُ. تَأْسَ: تَحْزَنْ. وَقَالَ غَيْرُهُ: ما مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ يُقالُ ما
مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ؟ يَخْصِفانٍ: أَخَذَا الْخِصافَ مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ. يُؤَلِّفَانِ الْوَرَقَ: يَخْصِفَانِ الْوَرَقَ
بَعْضَهُ إلى بَعْضٍ. سَوْءَاتِهِما: كِنايَةٌ عَنْ فَرْجَيْهِما. وَمَتَاعٌ إلى حِينٍ: هُوَ هُهُنا إلى يَوْمِ الْقِيامَةِ
وَالْحِينُ عِنْدَ الْعَرَبِ مِنْ ساعَةٍ إِلَى ما لا يُخْصِى عَدَدُها. الرِّياشُ وَالرِّيشُ: وَاحِدٌ وَهُوَ مَا ظَهَرَ مِنَ
اللباسِ. قَبِيلُهُ: جِيلُهُ الَّذِي هُوَ مِنْهُمْ. إِذَّارَكُوا: أَجْتَمَعُوا. وَمَشَّاقُ الإِنْسانِ وَالدَّابَّةِ كُلُّهُمْ يُسَمَّى
سُمُومًا وَاحِدُها سَمَّ وَهِيَ عَيْنَاهُ وَمَنْخِرَاهُ وَقَمُهُ وَأُذُنَهُ وَدُبُرُهُ وَإِحْلِيلُهُ. غَواشٍ: ما غُشُوا بِهِ. تُشُرًا:
مُتَفَرْقَةٌ. نَكِدًا: قَلِيلاً. يَغْنَوا: يَعِيشُوا. حَقِيقٌ: حَقُّ. اسْتَرْهَبُوهُمْ: مِنَ الرَّهْبَةِ. تَلَقْفُ: تَلَقِّمُ.
طائِرُهُمْ: حَظُهُمْ. طُوفَانٌ: مِنَ السَّيْلِ وَيُقالُ لِلْمَوْتِ الْكَثِيرِ الطُّوفانُ. الْقُمَّلُ: الْحَمْنانُ يُشْبِهُ صِغَارَ
الْحَلَمِ. عُرُوشٌ وَعَرِيشٌ: بِناءٌ. سُقِطَ كُلُّ مَنْ نَدِمَ: فَقَدْ سُقِطَ فِي يَدِهِ. الأَسْباطُ: قَبائِلُ بَنِي
إِسْرَائِيلَ. يَعْدُونَ فِي الْسَّبْتِ: يَتَعَدَّوْنَ لَهُ يُجاوِزُونَ. تَعْدُ: تُجاوِزْ. شُرَّعًا: شَوارِعَ. بَئِيسٍ:
شَدِيدٍ. أَخْلَدَ إلَى الأَرْضِ: فَعَدَ وَتَقَاعَسَ. سَنَسْتَدْرِجُهُمْ: أَيْ نَأْتِيهِمْ مِنْ مَأْمَنِهِمْ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿فَأَتَاهُمُ الله مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾. مِنْ جِئَّةٍ: مِنْ جُنُونٍ. أَيَّانَ مُرْساها: مَتى خُرُوجُها. فَمَرَّتْ
بِهِ: أَسْتَمَرَّ بِهَا الْحَمْلُ فَتَمَّتْهُ. يَنْزَغَنَّكَ: يَسْتَخِفْنَّكَ. طَيْفٌ: مُلِمٍّ بِهِ لَمَمْ. وَيُقالُ طائِفٌ: وَهُوَ
واحِدٌّ. يَمُدُّونَهُمْ: يُزَيُّونَ. وَخِيفَةً: خَوْفًا. وَخُفَية: مِنَ الإِخْفاءِ. وَالآصالُ: واحِدُها أَصِيلٌ وَهُوَ
ما بَيْنَ الْعَصْرِ إِلَى الْمَغْرِبِ كَقَوْلِكَ: بَكْرَةً، وَأَصِيلاً.
([٧] سورة الأعراف)
مكية إلا ثمان آيات من قوله تعالى: ﴿واسألهم﴾ - إلى قوله - ﴿وإذ نتقنا الجبل﴾
[الأعراف: ١٦٣ - ١٧١] وزاد أبو ذر هنا بسم الله الرحمن الرحيم.
(قال ابن عباس) رضي الله عنهما فيما وصله ابن جرير من طريق عليّ بن أبي طلحة عنه
(ورياشًا) بالجمع وهي قراءة الحسن جمع ريش كشعب وشعاب وقراءة الباقين وريشًا بالإفراد (المال)
يقال: تريش أي تموّل. وعند ابن جرير من وجه آخر عن ابن عباس: الرياش اللباس والعيش
والنعيم، وقيل: الريش لباس الزينة استعير من ريش الطير بعلاقة الزينة.
وعن ابن عباس أيضًا من طريق ابن جريج عن عطاء عنه مما وصله ابن جرير أيضًا في قوله
تعالى: (﴿إنه لا يحب المعتدين﴾﴾ [الأعراف: ٥٥] أي (في الدعاء) كالذي يسأل درجة الأنبياء أو

٢١٦
كتاب تفسير القرآن/ سورة الأعراف
على من لا يستحقه أو الذي يرفع صوته عند الدعاء.
وفي حديث سعد بن أبي وقاص عند أبي داود أن رسول الله وي لغير قال: ((سيكون قوم
يعتدون في الدعاء» وقرأ هذه الآية.
وعند الإمام أحمد من حديث عبد الله بن مغفل أنه سمع ابنه يقول: اللهم إني أسألك
القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها، فقال: يا بني سل الله الجنة وَعِذْ به من النار فإني
سمعت رسول الله له﴿ يقول: ((يكون قوم يعتدون في الدعاء والطهور)). وهكذا أخرجه ابن ماجه
عن أبي بكر بن أبي شيبة عن عفان به.
(وفي غيره) أي غير الدعاء. وسقط: إنه لا يحب لغير أبوي ذر والوقت، وقوله وفي غيره
للمستملي.
وقوله تعالى: ﴿ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى﴾ (﴿عفوا)) [الأعراف: ٩٥] أي (كثروا
وكثرت أموالهم) يقال: عفا الشعر إذا كثر.
وقوله تعالى في سورة سبأ: ((الفتاح﴾) أي (القاضي) قيل وذكره هنا توطئة لقوله في هذه
السورة (﴿افتح بيننا﴾) أي (اقض بيننا) وسقط قوله بيننا لأبي ذر.
وقوله: (﴿نتقنا الجبل﴾) أي (رفعنا) الجبل وسقط قوله الجبل لغير أبوي ذر والوقت.
وقوله: (﴿انبجست﴾) أي (انفجرت).
وقوله: (﴿متبر﴾) أي (خسران).
وقوله: (﴿آسی﴾) أي فكيف (أحزن) على قوم كافرين.
وقوله في سورة المائدة: ((تأس﴾) أي (تحزن) ذكره استطراداً هذا كله تفسير ابن عباس.
(وقال غيره): أي غير ابن عباس في قوله تعالى: ((ما منعك ألاّ تسجد﴾)
[الأعراف: ١٢] (يقال: ما منعك أن تسجد) فلا صلة مثلها في لئلا يعلم مؤكدة معنى الفعل
الذي دخلت عليه ومنبهة على أن الموبخ عليه ترك السجود.
وقوله: وطفقا (﴿يخصفان﴾: أخذا) أي آدم وحوّاء (الخصاف) بكسر الخاء (﴿من ورق
الجنة)) [الأعراف: ٢٢] (يؤلفان الورق يخصفان الورق بعضه إلى بعض) لما ذاقا طعم الشجرة
آخذين في الأكل نالهما شؤم المخالفة، وسقطت عنهما ثيابهما وظهرت لهما سوآتهما، وقيل كانت
من نور، وكان أحدهما لا يرى سوأة الآخرة فأخذا يجعلان ورقة على ورقة لستر السوأة كما
تخصف النعل بأن تجعل طرقة على طرقة وتوثق بالسيور حتى صارت الأوراق كالثوب وهو ورق
التين، وقيل اللوز. والخصفة بالتحريك الجلة أي القفة الكبيرة التي تعمل من الخوص للتمر وجمعها
خصف وخصاف. قال أبو البقاء: يخصفان ماضيه خصف وهو متعد إلى مفعول واحد والمفعول
شيئًا من ورق الجنة.

٢١٧
كتاب تفسير القرآن/ سوة الأعراف
وقال أبو عبيدة في قوله: ((سوآتهما﴾ كناية عن فرجيهما) وسقط هذا لأبي ذر.
(﴿ومتاع إلى حين﴾﴾ [الأعراف: ٢٤] (هو ههنا إلى يوم القيامة) وثبت للأبوين هو وسقط
لأبي ذر يوم (والحين عند العرب من ساعة إلى ما لا يحصى عددها) ولأبوي ذر والوقت عدده وأقله
ساعة (الرياش والريش واحد وهو ما ظهر من اللباس) وذكره قريبًا مفسرًا بالمال وغيره.
وقوله تعالى عن إبليس: ﴿إنه يراكم هو و﴾ (﴿قبيله﴾﴾ [الأعراف: ٢٧] أي (جيله) بالجيم
المكسورة وهم الجن والشياطين (الذي هو منهم) وثبت للأبوين هو وهو من كلام أبي عبيدة، وعند
المعتزلة أن سبب عدم رؤيتنا إياهم لطافتهم ورؤيتهم إيانا لكثافتنا، واستدلوا بالآية على امتناع
رؤيتهم، ولا يخفى أن ما قالوه مجرد دعوى من غير دليل وأن الخبر عن عدم الرؤية من حيث لا
ترونهم لا يدل على استحالته، ويمكن أن يستدل على فساد مذهبهم بقوله وَّفي: (تفلت عليّ
البارحة عفريت فأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد لتنظروا إليه فذكرت دعوة أخي
سلیمان فرددته خاستا».
وقوله تعالى: حتى إذا (﴿إِدّاركوا﴾﴾ [الأعراف: ٣٨] أي (اجتمعوا) فيها جميعًا.
(ومشاق الإنسان) بتشديد القاف، وفي نسخة ومسام الإنسان بالسين المهملة والميم المشددة
بدل المعجمة والقاف وهما بمعنى واحد (و) مسام (الدابة كلهم) وللأبوين كلها (يسمى سمومًا)
بضم السين المهملة (واحدها سم وهي) تسعة (عيناه ومنخراه وفمه وأذناه ودبره وإحليله) قاله أبو
عبيدة. وقال الراغب: السم والسم كل ثقب ضيق كخرم الإبرة وثقب الأنف وجمعه سموم وقد
سمه أدخله فيه، وفي السم ثلاث لغات فتح سينه وضمها وكسرها، ومراد المؤلف بذلك تفسير
قوله تعالى: ﴿ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط﴾ [الأعراف: ٤٠] ودخل تحت
عموم قوله تعالى: ﴿إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء﴾
[الأعراف: ٤٠] الدهرية منكرو دلائل الذات والصفات ومنكرو دلائل التوحيد وهم المشركون
والبراهمة منكرو صحة النبوّات ومنكرو صحة المعاد الذين استكبروا عن الإيمان بها لا تفتح أبواب
السماء لأرواحهم ولا لأدعيتهم كما تفتح لأرواح المؤمنين وأعمالهم، والولوج الدخول وسم
الخياط ثقب الأبرة، فإذا علق على محال كان محالاً لأن الجمل أعظم الحيوانات عند العرب وثقب
الإبرة أضيق الثقب، وقوله تعالى: ومن فوقهم (﴿غواش﴾﴾ [الأعراف: ٤١] أي (ما غشوا) أي
غطوا (به). قال محمد بن كعب القرظي: ﴿لهم من جهنم مهاد﴾ الفرش ﴿ومن فوقهم غواش﴾
اللحف .
وقوله: ﴿الرياح﴾ (﴿نشرًا﴾﴾ [الأعراف: ٥٧] بالنون المضمومة أي (متفرقة) قيل لا تقع
قطرة من الغيث إلا بعد عمل أربع رياح: الصباح تهيج السحاب، والشمال تجمعه، والجنوب
تدره، والدبور تفرّقه.

٢١٨
كتاب تفسير القرآن/ سورة الأعراف
وقوله: ﴿والذي خبث لا يخرج إلا﴾ (﴿نكدًا﴾﴾ [الأعراف: ٥٨] أي (قليلاً) عديم النفع
ونصبه على الحال وتقدير الكلام والبلد الذي خبث لا يخرج نباته إلا نكدًا فحذف المضاف وأقيم
المضاف إليه مقامه فصار مرفوعًا مستترًا وهذا مثل من يسمع الآيات وينتفع بها ومن لا يرفع رأسه
ولم يتأثر بالمواعظ.
وقوله تعالى: كأن لم (﴿يغنوا﴾) أي (يعيشوا) فيها والغناء بالفتح النفع.
وقوله تعالى: ﴿إني رسول من رب العالمين﴾ (﴿حقيق﴾) أي (حق) واجب عليّ. وقوله:
(﴿استرهبوهم﴾ من الرهبة) وهي الخوف.
وقوله: ﴿فإذا هي﴾ (﴿تلقف﴾) أي (تلقم) تأكل ما يلقونه ويوهمون أنه حق.
وقوله: ﴿ألا إنما﴾ (﴿طائرهم﴾) أي (حظهم) ونصيبهم عند الله.
(﴿طوفان﴾) يشير إلى قوله تعالى: ﴿فأرسلنا عليهم الطوفان﴾ أي (من السيل) المتلف للزرع
والثمار (ويقال) أيضًا (للموت الكثير الطوفان) وهو مروي عن ابن عباس ورواه ابن مردويه
بإسنادين ضعيفين عن عائشة مرفوعًا.
(﴿القمل﴾) هو (الحمنان) بفتح الحاء المهملة ضبطه البرماوي والدماميني كالكرماني وضبطه
ابن حجر بضمها كالفرع وأصله وسكون الميم (يشبه) ولأبي ذر شبه (صغار الحلم) بفتح الحاء
واللام قال الأصمعي فيما ذكره الجوهري أوّله قمقامة ثم حمنانة ثم قرادة ثم حلمة وهي القراد
العظيم.
(عروش وعريش) يريد تفسير قوله تعالى: ﴿وما كانوا يعرشون﴾ أي (بناء، سقط من كل
من ندم. فقد سقط في يده). قال ابن عباس فيما رواه الطبري وما كانوا يعرشون أي يبنون ولا
مطابقة بين قوله يعرشون وقول البخاري عروش وعريش لأن العروش جمع عرش وهو سرير الملك
ولو قال يعرشون يبنون لكان أنسب.
(﴿الأسباط﴾) يريد قوله تعالى: ﴿وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطًا﴾ [الأعراف: ١٦٠] قال أبو
عبيدة: هم (قبائل بني إسرائيل) والسبط من السبط بالتحريك وهو شجر تعتلفه الإبل وكذلك
القبيلة جعل الأب كالشجرة والأولاد كالأغصان.
وقوله تعالى: (﴿يعدون في السبت﴾﴾ [الأعراف: ١٦٣] قال أبو عبيدة أي (يتعدون له)
وسقط لأبي ذر لفظ له وفي نسخة به بالموحدة بدل اللام (يجاوزون). وفي نسخة يتجاوزون أي
حدود الله بالصيد فيه وقد نهوا عنه، ولأبي ذر: تجاوز بفتح الفوقية وضم الواو بعد تجاوز بموحدة
وسكون العين (﴿تعد﴾) بفتح الفوقية وسكون العين المهملة (تجاوز) بضم أوّله وکسر الواو وفي
نسخة تعدّ تجاوز بتشديد الدال وتجاوز بفتح الواو والزاي.

٢١٩
كتاب تفسير القرآن/ سورة الأعراف
وقوله: (﴿شرعًا﴾) أي (شوارع) ظاهرة على وجه الماء من شرع علينا إذا دنا وأشرف.
وقوله: ﴿بعذاب﴾ (﴿بتيس﴾) أي (شديد) فعيل من بؤس يبؤس بأسّا إذا اشتد.
وقوله: ((أخلد إلى الأرض﴾ قعد وتقاعس) أي تأخر وأبطأ وهو عبارة عن شدة ميله إلى
زهرة الدنيا وزينتها وإقباله على لذاتها ونعيمها وقوله: (إلى الأرض) ثابت لأبوي ذر والوقت.
وقوله: ((سنستدرجهم﴾ أي نأتيهم من مأمنهم) أي من موضع أمنهم وثبت قوله أي
للأبوين (كقوله تعالى: ﴿فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا﴾) [الحشر: ٢] وجه التشبيه أخذ الله
إياهم بغتة، وأصل الاستدراج الاستصعاد أو الاستنزال درجة بعد درجة أي نأخذهم قليلاً إلى أن
تدركهم العقوبة وذلك أنهم كلما جددوا خطيئة لهم نعمة فظنوا ذلك تقريبًا من الله تعالى وأنساهم
الاستغفار.
وقوله: ﴿أو لم يتفكروا ما بصاحبهم﴾ (﴿من جنة﴾) [الأعراف: ١٨٤] أي (من جنون)
والاستفهام بمعنى التقريع أو التحريض أي أو لم ينظروا بعقولهم لأن الفكر طلب المعنى بالقلب،
وذلك أنه كما يتقدم رؤية البصر بقلب الحدقة نحو المرئي تتقدم رؤية البصيرة بقلب حدقة العقل
إلى الجوانب أي أنه كيف يتصور منه وَل زر الجنون وهو يدعوهم إلى الله تعالى، ويقيم على ذلك
الدلائل القاطعة بألفاظ بلغت في الفصاحة إلى حقيقة يعجز عنها الأوّلون والآخرون.
وقوله: (﴿أيان مرساها﴾﴾ [الأعراف: ١٨٧] أي (متى خروجها) واشتقاق أيان من أي لأن
معناه أي وقت وسقط لغير أبوي ذر والوقت: أيان مرساها الخ.
وقوله: ﴿حملاً خفيفًا﴾ (﴿فمرت به﴾) [الأعراف: ١٨٩] أي (استمر بها) أي بحواء (الحمل
فأتمته) وعن ابن عباس استمرت به فشكت أحبلت أم لا وسقط قوله فمرت الخ من رواية أبي ذر.
قوله: ﴿وإما﴾ (﴿ينزغنك)) قال أبو عبيدة: أي (يستخفنك) وقال غيره: وإما ينخسنك
من الشيطان نخس أي وسوسة تحملك على خلاف ما أرمت به فاستعذ بالله من نزغه.
وقوله: ﴿إن الذين اتقوا إذا مسهم﴾ (﴿طيف)) [الأعراف: ٢٠١] من الشيطان قال أبو
عبيدة (ملم) يقال (به لمم) صرع منه أو إصابة ذنب أوهم به (ويقال طائف) بالألف اسم فاعل من
طاف يطوف كأنها طافت بهم ودارت حولهم وهي قراءة نافع وابن عامر وعاصم وحمزة (وهو)
كالسابق (واحد) في المعنى.
وقوله: ﴿وإخوانهم﴾ (﴿يمدونهم﴾) قال أبو عبيدة أي وإخوان الشياطين الذين لم يتقوا
(يزينون) لهم الغيّ والكفر.
وقوله: ﴿واذكر ربك في نفسك تضرعًا﴾ (﴿وخيفة﴾) [الأعراف: ٢٠٥] أي خوفًا. قال
أبو عبيدة وقال ابن جريج في قوله تعالى: ﴿ادعوا ربكم تضرعًا﴾ (﴿وخفية﴾) أي سرًّا (من

٢٢٠
كتاب تفسير القرآن/ سورة الأعراف
الإخفاء) المشهور أن المزيد فيه مأخوذ من الثلاثي وهو الخفاء دون العكس وإنما قال من الإخفاء
نظرًا إلى أن الاشتقاق أن تنتظم الصيغتان معنًى واحدًا.
وقوله: (﴿والآصال﴾) في قوله تعالى: ﴿بالغدو والآصال﴾ [الأعراف: ٢٠٥] قال أبو
عبيدة: (واحدها أصيل وهو ما بين العصر إلى المغرب كقولك) وفي نسخة وهي التي في اليونينية
كقوله: (بكرة وأصيلا) والتقييد بالوقتين لأن بالغداة ينقلب من الموت إلى الحياة ومن الظلمة التي
تشاء كل العدم إلى النور المناسب للوجود وفي الآخر بالعكس وثبت قوله وهو للأبوين.
١ - باب ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِيَ الْفَواحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ﴾ [الأعراف: ٣٣]
(﴿إنما﴾) وفي نسخة قل إنما، ولأبي ذر باب قول الله عز وجل: قل إنما (﴿حرم ربي
الفواحش﴾) ما تزايد قبحه وقيل ما يتعلق بالفروج وقيل الكبائر وقيل الطواف بالبيت عراة وهو
قول ابن عباس ويؤيده السياق فإن قوله: ﴿ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما﴾ يدل على وجه
التشبيه في قوله: ﴿لا يفتننكم الشيطان﴾ أي لا تتصفوا بصفة يوقعكم الشيطان بسببها في الفتنة
وهي العري في الطواف فتحرموا دخول الجنة كما حرمها على أبويكم حين أخرجهما من الجنة وقد
يقال الحمل على الأعم من جميعها أولى محافظة على الحصر المستفاد من إنما لكن إن فسر الإثم بكل
الذنوب كما قيل لم يحتج إليه وقيل الخمر وعورض بأن تحريمها بالمدينة وهذه مكية (﴿ما ظهر منها
وما بطن﴾﴾ [الأعراف: ٣٣] جهرها وسرها وعن ابن عباس فيما رواه ابن جرير قال: كانوا في
الجاهلية لا يرون بالزنا بأسًا في السر ويستقبحونه في العلانية فحرم الله الزنا في السر والعلانية.
٤٦٣٧ - حدثنا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرْةَ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ
عَبْدِ اللَّه رَضِيَ الله عَنْهُ قالَ: قُلْتُ أَنْتَ سَمِعْتَ هذا مِنْ عَبْدِ اللَّه قالَ: نَعَمْ، وَرَفَعَهُ قالَ: لَا أَحَدَ
أَغْيَرُ مِنَ اللهِ فَلِذْلِكَ حَرَّمَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَلا أَحَدَ أَحَبْ إِلَيْهِ الْمِدْحَةُ مِنَ الله
فَلِذُلِكَ مَدَحَ نَفْسَهُ.
وبه قال: (حدّثنا سليمان بن حرب) الواشحي قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن
عمرو بن مرة) بفتح العين الأعمى الكوفي (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة (عن عبد الله) بن
مسعود (رضي الله عنه قال) عمرو بن مرة: (قلت) لأبي وائل (أنت سمعت هذا) الحديث (من
عبد الله) يعني ابن مسعود (قال) أبو وائل (نعم) سمعته منه (ورفعه) إلى رسول الله وَالخير (قال: لا
أحد) بالنصب من غير تنوين على أن لا نافية للجنس و (أغير من الله) خبرها ولأبي ذر لا أحد
بالرفع منوّنًا (فلذلك حرّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن)، قال قتادة فيما ذكره ابن جرير المراد
سر الفواحش وقال سعيد بن جبير ومجاهد: ما ظهر نكاح الأمهات وما بطن الزنا والحمل على
العموم أولى كما مرّ آنفًا (ولا أحد) ولأبي ذر أحد بالرفع (أحب إليه المدحة) بكسر الميم آخره تاء
تأنيث (من الله فلذلك) أي فلأجل حبه المدحة من خلقه ليثيبهم عليها (مدح نفسه) المقدسة.