Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤١ كتاب تفسير القرآن/ سورة النساء بكسر الراء أي المعاونة (والنصيحة) والجار والمجرور متعلق بمحذوف أي والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم كما صرح به الطبري في روايته عن كريب عن أبي أسامة بهذا الإسناد (وقد ذهب الميراث) بين المتعاقدين (ويوصي له) بكسر الصاد أي للحليف. وهذا الحديث سبق في باب: والذين عاقدت أيمانكم في الكفالة. (سمع أبو أسامة) حماد بن أسامة (ادريس) بن يزيد الأودي (وسمع إدريس طلحة) بن مصرف وفيه التصريح بالتحديث، ولم يثبت هذا إلا في رواية أبي ذر عن المستملي والكشميهني كما في الفرع كأصله، وقال ابن حجر في رواية المستملي وحده وتبعه العيني. ٨ - باب ﴿إِنَّ الله لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ يَعْنِي زِنَّهَ ذَرَّةٍ هذا (باب) بالتنوين كذا لأبي ذر وله عن المستملي باب قوله بزيادة قوله مع الإضافة (﴿إن الله لا يظلم مثقال ذرة﴾) [النساء: ٤٠] أي لا ينقص من ثواب أعمالهم ذرة (يعني زنة ذرة) والذرة في الأصل أصغر النمل التي لا وزن لها وقيل ما يرفعه الريح من التراب وقيل كل جزء من أجزاء الهباء في الكوة ذر، ويقال زنتها ربع ورقة نخالة وورقة النخالة وزن ربع خردلة ووزن الخردلة ربع سمسمة، ويقال لا وزن لها. ٤٥٨١ - حدّثني مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا أبُو عُمَرَ حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ رَضِيَ الله تَعالَى عَنْهُ أَنَّ أَنْاسًا فِي زَمّنٍ النَّبِيِّ ◌َ﴿ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ هَلْ نَرَى رَبَّنا يَوْمَ الْقِيامَةِ؟ قالَ النَّبِيُّ وَِّ: ((نَعَمْ هَلْ تُضارُّونَ فِي رُؤْيَّةِ الشّمْسِ بِالظَّهِيرَةِ ضَوْءٍ لَيْسَ فِيها سَحابٌ؟)) قالُوا: لا. قالَ: ((وَهَلْ تُضارُّونَ فِي رُؤْيَةِ القَمْرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ ضَوْءٍ لَيْسَ فِيها سَحابٌ؟)) قالُوا: لا. قالَ النَّبِيِّي ◌َّرِ: ((ما تُضَّارُونَ فِي رُؤْيَةِ اللَّهِ عَزّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِلاَّ كَما تُضارُّونَ فِي رُؤْيَةِ أَحَدِهِما إذا كانَ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَذْنَ مُؤَذِّنْ تَتْبَعُ كُلُّ أُمَّةٍ ما كانَتْ تَعْبُدُ، فَلا يَبْقِى مَنْ كانَ يَعْبُدُ غَيْرَ الله مِنَ الأَضْنامِ وَالأَنْصابِ إلاَّ يَتَساقَطُونَ فِي النَّارِ، حَتَّى إذا لَمْ يَبْقَ إلاَّ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللهِ بَرِّ أَوْ فاجِرٌ وَغُبَّراتُ أَهَلِ الْكِتَابِ فَيُدْعَى الْيَهُودُ فَيُقالُ لَهُمْ: مَنْ كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ قَالُوا: كُنَّا نَعْبُد عُزَيْرَ ابْنَ اللهِ، فَيُقالُ لَهُمْ كَذَبْتُمْ، مَا آتَّخَذَ الله مِنْ صاحِبَةٍ وَلا وَلَدِ فَمَاذَا تَبْغُونَ؟ فَقالُوا: عَطِشْنا رَبَّنَا فَأَسْقِنَا فَيُشارُ أَلا تَرِدُونَ فَيُحْشَرُونَ إِلَى النَّارِ كَأَنَّهَا سَرابٌ، يَحْطِمُ بَعْضُها بَعْضًا فَيَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ ثُمَّ يُدْعَى النَّصارَى فَيُقالُ لَهُمْ: ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ قَالُوا: كُنَّا نَعْبُدُ الْمَسِيحَ ابْنَ اللهِ فَيُقالُ لَهُمْ: كَذَبْتُمْ مَا أَتَّخَذَ الله مِنْ صاحِبَةٍ وَلا وَلَدٍ فَيُقالُ لَهُمْ: ماذَا تَبْغُونَ؟ فَكَذلِكَ مِثْلَ الأَوَّلِ حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ إلاَّ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الله مِنْ بَرِّ أَوْ فاجِرٍ أَتَاهُمْ رَبُّ الْعَالَمِينَ فِي أَدْنَى صُورَةٍ مِنَ الَّتِي رَأَوْهُ فِيها، فَيُقالُ: ماذا تَنْتَظِرُونَ؟ تَتْبَعُ كُلِّ أُمَّةٍ ما كَانَتْ تَعْبُدُ، قَالُوا: فارَقْنا ١٤٢ كتاب تفسير القرآن/ سورة النساء النَّاسَ فِي الدُّنْيَا عَلَى أَفْقَرِ ما كُنَّا إِلَيْهِمْ، وَلَمْ نُصاحِبْهُمْ وَنَحْنُ نَنْتَظِرُ رَبَّنَا الَّذِي كُنَّا نَعْبُدُ فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: لا نُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا» مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا. وبه قال: (حدّثني) بالإفراد ولأبي ذر حدّثنا (محمد بن عبد العزيز) الرملي يعرف بابن الواسطي قال: (حدّثنا) ولأبي ذر أخبرنا (أبو عمر) بضم العين (حفص بن ميسرة) ضدّ الميمنة العقيلي بالضم الصنعاني نزيل عسقلان (عن زيد بن أسلم) العدوي المدني (عن عطاء بن يسار) بالسين المهملة المخففة الهلالي المدني مولى ميمونة (عن أبي سعيد) سعد بن مالك (الخدري رضي الله تعالى عنه أن أناسًا) بضم الهمزة ولأبي ذر والأصيلي وابن عساكر ناسًا بحذفها (في زمن النبي ◌َّو قالوا: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال النبي ◌َلاغير): (نعم) ترونه وهذه رؤية الامتحان المميزة بين من عبد اللَّه وبين من عبد غيره لا رؤية الكرامة التي هي ثواب أوليائه في الجنة (هل تضارّون) بضم أوله ورائه مشددة بصيغة المفاعلة أي تضرون أحدًا ولا يضركم لمنازعة ولا مجادلة ولا مضايقة (في رؤية الشمس) ثم أكده بقوله: (بالظهيرة) وهي اشتداد حر الشمس بالنهار في الصيف (ضوء) بالرفع وأعربه في الكواكب بالحر بدلاً مما قبله ولمسلم صحوًا ثم زاده تأكيدًا بقوله: (ليس فيها سحاب قالوا: لا. قال: وهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر) هي كالظهيرة في الشمس (ضوء) بالرفع أو بالجر كما مر (ليس فيها سحاب قالوا: لا. قال: وهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ضوء ليس فيها سحاب قالوا: لا). كذا في حاشية الفرع بالتكرار مصححًا عليه وليس ذلك في اليونينية وهو تكرار لا فائدة فيه ولعله سهو فيما يظهر (قال النبي صلقر: ما تضارون في رؤية الله عز وجل يوم القيامة إلاّ كما تضارّون في رؤية أحدهما). والتشبيه الواقع هنا إنما هو في الوضوح وزوال الشك لا في المقابلة والجهة وسائر الأمور العادية عند رؤية المحدثات فالرؤية له تعالى حقيقة لكنا لا نكيفها بل نكل كنه معرفتها إلى علمه تعالى (إذا كان يوم القيامة أذن مؤذن) أي نادى مناد (تتبع) بسكون المثناة الفوقية ولأبي ذر عن الحموي والكشميهني تتبع بتشديدها وله عن المستملي فتتبع بزيادة فاء مع سكون الفوقية والرفع في كلها ويجوز الجزم بتقدير اللام (كل أمة ما كانت تعبد فلا يبقى من كان يعبد غير الله من الأصنام) جمع صنم ما عبد من دون الله (والأنصاب) جمع نصب حجارة كانت تعبد من دون الله (إلا يتساقطون في النار حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله بر) هو مطيع لربه (أو فاجر) منهمك في المعاصي والفجور (وغبرات أهل الكتاب) بضم الغين المعجمة وتشديد الموحدة المفتوحة بعدها راء بالرفع والجر مع الإضافة فيهما لأبي ذر وبالجر منونًا للأصيلي أي بقايا أهل الكتاب (فيدعى اليهود فيقال لهم: من) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي ما (كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد عزير ابن الله. فيقال لهم: كذبتم) في كونه ابن الله ويلزم منه نفي عبادة ابن الله (ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد فماذا تبغون؟) أي تطلبون (فقالوا: عطشنا ربنا) بإسقاط أداة النداء (فاسقنا فيشار) أي إليهم (ألا تردون فيحشرون إلى النار كأنها سراب) بالسين المهملة هو الذي تراه .- ١٤٣ كتاب تفسير القرآن/ سورة النساء نصف النهار في الأرض القفر والقنع المستوي في الحر الشديد لامعًا مثل الماء يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا (يحطم) بكسر الطاء المهملة أي يكسر (بعضها بعضًا) لشدة اتقادها وتلاطم أمواج لهبها (فيتساقطون في النار، ثم يدعى النصارى فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد المسيح ابن الله. فيقال لهم: كذبتم. ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد. فيقال لهم: ماذا تبغون؟ فكذلك مثل الأوّل) أي فقالوا عطشنا ربنا الخ (حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من بر أو فاجر أتاهم رب العالمين) أي ظهر لهم وأشهدهم رؤيته من غير تكييف ولا حركة ولا انتقال (في أدنى صورة) أي أقرب صفة (من التي رأوه) أي عرفوه (فيها) بأنه لا يشبه شيئًا من المحدثات زاد في نسخة أوّل مرة (فيقال): ولأبي ذر فقال: (ماذا تنتظرون تتبع كل أمة ما كانت تعبد. قالوا: فارقنا الناس) الذين زاغوا في الدنيا عن الطاعة (في الدنيا على أفقر) أي أحوج (ما كنا إليهم) في معايشنا ومصالح دنيانا (ولم نصاحبهم) بل قاطعناهم (ونحن ننتظر ربنا الذي كنا نعبد) في الدنيا (فيقول: أنا ربكم فيقولون) زاد مسلم في روايته نعوذ بالله منك (لا نشرك بالله شيئًا مرتين أو ثلاثًا) وإنما قالوا ذلك لأنه سبحانه وتعالى تجلى لهم بصفة لم يعرفوها. وقال الخطابي: قيل إنما حجبهم عن تحقيق الرؤية في هذه الكرة من أجل من معهم من المنافقين الذين لا يستحقون الرؤية وهم عن ربهم محجوبون فإذا تميزوا عنهم رفعت الحجب فيقولون عندما يرونه: أنت ربنا. وبقية مباحث ذلك تأتي إن شاء الله تعالى في محلها. ٩ - باب ﴿فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِثْنَا بِكَ عَلَى هُؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ الْمُخْتَالُ: وَالْخَتَّالُ وَاحِدُ. نَطْمِسَ وُجُوهَا: نُسَوِّيها حَتَّى تَعُودَ كَأَقْفَائِهِمْ. طَمَسَ الْكِتابَ: مَحاهُ. سَعِيرًا: وُقُودًا. هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد﴾) استفهام توبيخ أي فكيف حال هؤلاء الكفار أو صنيعهم إذا جئنا من كل أمة بنبيهم يشهد على كفرهم كقوله تعالى: ﴿وكنت عليهم شهيدًا ما دمت فيهم﴾ [المائدة: ١١٧] فكيف في موضع رفع خبر مبتدأ محذوف والعامل في إذًا هو هذا المقدّر أو في محل نصب بفعل محذوف أي فكيف يكونون أو يصنعون، ويجري فيها الوجهان النصب عل التشبيه بالحال كما هو مذهب سيبويه أو على التشبيه بالظرفية كما هو مذهب الأخفش وهو العامل في إذا أيضًا ومن كل أمة متعلق بجئنا والمعنى أنه يؤتى بنبي كل أمة يشهد عليها ولها (﴿وجئنا بك﴾) يا محمد (﴿على هؤلاء شهيدًا﴾) [النساء: ٤١] أي تشهد على صدق هؤلاء الشهداء لحصول علمك بعقائدهم لدلالة كتابك وشرعك على قواعدهم. وقال أبو حيان: الأظهر أنّ هذه الجملة في موضع جر عطفًا على جئنا الأوّل أي فكيف يصنعون في وقت المجيئين. ١٤٤ كتاب تفسير القرآن/ سورة النساء (المختال والختال) بفتح الخاء المعجمة والمثناة الفوقية المشددة معناهما (واحد) كذا في رواية الأكثر ولا ينتظم هذا مع المختال لأن المختال هو صاحب الخيلاء والكبر فهو مفتعل من الخيلاء وأما ختال فهو فعال من الختل وهو الخديعة، فلا يمكن أن يكون بمعنى المختال المراد به المتكبر، وللأصيلي والخال بدون الفوقية بدل المختال وصوّبه غير واحد لأنه يطلق على معان فيكون بمعنى الخائل وهو المتكبر. وقال اليونيني: وعند أبي ذر والختال بالخاء والتاء ثالث الحروف في الأصل الذي قابلت به، وأنكر ذلك شيخنا الإمام أبو عبد الله بن مالك قال: والصواب والخال بغير تاء اهـ. ومراده قوله تعالى: ﴿إن الله لا يحب من كان مختالاً فخورًا﴾ [النساء: ٣٦]. (﴿نطمس وجوهاً﴾) [النساء: ٤٧] أي (نسؤبها حتى تعود كأقفائهم) حقيقة أو هو تمثيل وليس المراد حقيقته حسًا، وأسند الطبري عن قتادة المراد أن تعود الأوجه في الأقفية يقال (طمس الكتاب) إذا (محاه) ومراده قوله تعالى: ﴿من قبل أن نطمس وجوهًا﴾ فنطمس هنا نصب على الحكاية كما لا يخفى. وقوله تعالى: ﴿وكفى بجهنم﴾ (﴿سعيرًا﴾﴾ [النساء: ٥٥] أي (وقودًا) ولأبي ذر جهنم سعيرًا وقودًا ولا محل لسياق هذه الآيات هنا فيحتمل أن يكون من النساخ. ٤٥٨٢ - حدّثنا صَدَقَةُ أَخْبَرَنا يَحْيَىُ، عَنْ سُفْيانَ عَنْ سُلَيْمانَ، عَنْ إِبْراهِيمَ عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّه قالَ يَحْيى: بَعْضُ الْحَدِيثِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ قالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ ◌َرُ: ((أَقْرَأْ عَلَيَّ، قُلْتُ أَقْرَأْ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ قَالَ: ((فَإِنِّي أُحِبُ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي)) فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ سُورَةَ النِّساءِ حَتَّى بَلَغْتُ ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنًا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْا بِكَ عَلى هُؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ قَالَ: (أَمْسِكْ)) فَإِذْا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ. [الحديث ٤٥٨٢ - أطرافه في: ٥٠٤٩ - ٥٠٥٠. ٥٠٥٥- ٥٠٥٦]. وبه قال: (حدّثنا صدقة) بن الفضل المروزي قال: (أخبرنا) ولأبي ذر أخبرني بالإفراد (يحيى) بن سعيد القطان (عن سفيان) الثوري (عن سليمان) بن مهران الأعمش (عن إبراهيم) النخعي (عن عبيدة) بفتح العين وكسر الموحدة ابن عمرو السلماني (عن عبد الله) هو ابن مسعود (قال يحيى) بن سعيد القطان بالإسناد السابق (بعض الحديث عن عمرو بن مرة) بفتح العين ومرة بضم الميم وتشديد الراء الجملي بفتح الجيم والميم أبي عبد الله الكوفي الأعمى أي من رواية الأعمش عن عمرو بن مرة عن إبراهيم كما صرح بذلك في باب البكاء عند قراءة القرآن حيث أخرجه عن مسدد عن يحيى القطان بالإسناد المذكور، وقال بعده قال الأعمش: وبعض الحديث حدّثني عمرو بن مرة عن إبراهيم، والحاصل أن الأعمش سمع الحديث من إبراهيم النخعي وسمع بعضه من عمرو بن مرة عن إبراهيم يعني عن عبيدة عن ابن مسعود أنه (قال: قال لي النبي ڑ): ١٤٥ كتاب تفسير القرآن/ سورة النساء (اقرأ علي) زاد في باب: من أحب أن يسمع القرآن من غيره من طريق عمر بن حفص عن أبيه عن الأعمش القرآن وهو يصدق بالبعض (قلت: آقرأ) بمدّ الهمزة (عليك وعليك أنزل؟ قال): (فإني أحب أن أسمعه من غيري). قال ابن بطال: يحتمل أن يكون أحب أن يسمعه من غيره ليكون عرض القرآن سنة أو ليتدبره ويتفهمه، وذلك أن المستمع أقوى على التدبر ونفسه أخلى وأنشط لذلك من القارىء لاشتغاله بالقراءة وأحكامها وهذا بخلاف قراءته # على أبي بن كعب فإنه أراد أن يعلمه كيف أداء القراءة ومخارج الحروف. (فقرأت عليه سورة النساء حتى بلغت: ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدًا﴾ قال) عليه الصلاة والسلام: (أمسك) وفي باب: البكاء عند قراءة القرآن قال لي: كف أو أمسك على الشك (فإذا عيناه تذرفان) بالذال المعجمة وكسر الراء خبر المبتدأ وهو عيناه وإذا للمفاجأة أي تطلقان دمعهما وبكاؤه عليه الصلاة والسلام على المفرطين أو لعظم ما تضمنته الآية من هول المطلع وشدة الأمر أو هو بكاء فرح لا بكاء جزع لأنه تعالى جعل أمته شهداء على سائر الأمم كما قال الشاعر: طفح السرور عليّ حتى أنه من عظم ما قد سرّني أبكاني وهذا الأخير نقله صاحب فتوح الغيب عن الزمخشري. وفي هذا الحديث ثلاثة من التابعين على نسق واحد، وأخرجه أيضًا في فضائل القرآن وكذلك النسائي. ١٠ - باب قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ صَعِيدًا: وَجْهَ الأَرْضِ. وَقَالَ جَابِرٌ كَانَتِ الطَّوافِيتُ الَّتِي يَتَحاكَمُونَ إِلَيْها فِي جُهَيْنَةً واحِدٌ وَفِي أَسْلَمَ وَاحِدٌ وَفِي كُلِّ حَيٍّ وَاحِدٌ كُهَّانٌ، يَنْزِلُ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ. وَقَالَ عُمَرُ: الْجِبْتُ: السّخْرُ. وَالطَّاغُوتُ: الشَّيْطانُ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: الْجِبْتُ بِلِسانِ الْحَبَشَّةِ شَيْطَانٌ. وَالطَّاغُوتُ: الْكاهِنُ. (باب قوله) تعالى، وسقط الباب وتاليه لغير أبي ذر (﴿وإن كنتم مرضى﴾) مرضًا يخاف معه من استعمال الماء أو مرضًا يمنع من الوصول إليه والمرض انحراف مزاج تصدر معه الأفعال غير مستقيمة، والمراد هنا كل ما يخاف منه محذور ولو شيئًا فاحشًا في عضو ظاهر. وعن مجاهد فيما رواه ابن أبي حاتم أن قوله: ﴿وإن كنتم مرضى﴾ نزلت في رجل من الأنصار كان مريضًا فلم يستطع أن يقوم فيتوضأ ولم يكن له خادم يناوله فأتى رسول الله وَ ل﴿ فذكر ذلك له فأنزل الله تعالى هذه الآية وهذا مرسل. (﴿أو على سفر﴾) طويل أو قصير لا تجدون فيه الماء والسفر هو الخروج إرشاد الساري/ ج ١٠ / م ١٠ ١٤٦ كتاب تفسير القرآن/ سورة النساء عن الوطن، وينبغي أن يكون مباحًا (﴿أو جاء أحد منكم من الغائط﴾) [النساء: ٤٣] فأحدث بخروج الخارج من أحد السبيلين وأصل الغائط المطمئن من الأرض وكانت عادة العرب إتيانه للحدث ليسترهم عن أعين الناس فكنوا به عن الخارج تسمية للشيء باسم مكانه. (صعيدًا) يريد تفسير قوله تعالى: ﴿فتيمموا صعيدًا طيبًا﴾ قال: (وجه الأرض) بالنصب ولأبي ذر وجه الأرض بالرفع بتقدير هو والمراد بوجه الأرض ظاهرها سواء كان عليها تراب أم لا. ولذا قالت الحنفية لو ضرب المتيمم يده على حجر صلد ومسح أجزاءه. وقالت الشافعية لا بدّ أن يعلق باليد شيء من التراب لقوله تعالى في سورة المائدة: ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾ [المائدة: ٦] أي من بعضه وجعل من لابتداء الغاية تعسف إذ لا يفهم من نحو ذلك إلا التبعيض والمسح ببعض الخشب والحجر غير مقصود هذا وأنه وصف بالطيب والأرض الطيبة هي المنبتة وغير الطيبة لا تنبت وغير التراب لا ينبت، والذي لا ينبت لا يكون طيبًا فهو أمر بالتراب فقط. وقال الشافعي وهو القدوة في اللغة وقوله فيها الحجة لا يقع اسم الصعيد إلا على تراب ذي غبار، فأما البطحاء الغليظة والرقيقة فلا يقع عليها اسم الصعيد فإن خالطه تراب أو مدر يكون له غبار كان الذي خالطه هو الصعيد، وقد وافق الشافعي الفراء وأبو عبيد وفي حديث حذيفة عند الدارقطني في سننه وأبي عوانة في صحيحه مرفوعًا ((جعلت لي الأرض مسجدًا وترابها لنا طهورًا)). وعند مسلم تربتها وهذا مفسر للآية والمفسر يقضي على المجمل. (وقال جابر) هو ابن عبد الله الأنصاري فيما وصله ابن أبي حاتم في قوله تعالى: ﴿يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت﴾ [النساء: ٦٠] (كانت الطواغيت) بالمثناة جمع طاغوت (التي يتحاكمون إليها) في الجاهلية (في) قبيلة (جهينة) طاغوت (واحد وفي) قبيلة (أسلم) طاغوت (واحد وفي كل حي) من أحياء العرب (واحد) وهي (كهان) بضم الكاف وتشديد الهاء جمع كاهن (ينزل عليهم الشيطان) بالأخبار عن الكائنات في المستقبل (وقال عمر بن الخطاب مما هو موصول عند عبد بن حميد في قوله تعالى: ﴿يؤمنون بالجبت والطاغوت﴾ [النساء: ٥١] (الجبت) هو (السحر والطاغوت) هو (الشيطان وقال عكرمة) مولى ابن عباس فيما وصله عد بن حميد أيضًا (الجبت بلسان الحبشة) هو (شيطان والطاغوت) هو (الكاهن) وفيه جواز وقوع المعرّب في القرآن وحمله الشافعي على توارد اللغتين. ٤٥٨٣ - حدثنا مُحَمَّدٌ أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْها قَالَتْ: هَلَكَتْ قِلَادَةٌ لِأَسْمَاءَ فَبَعَثَ النَّبِيِّ نَّهِ فِي طَلَبِهَا رِجاَلَاً فَحَضَرَتِ الصَّلاةُ، وَلَيْسُوا عَلَى وُضُوءٍ وَلَمْ يَجِدُوا ماءٌ فَصَلّوا وَهُمْ عَلَى غَيْرٍ وُضُوءٍ فَأَنْزَلَ الله تَعالَى يَعْنِي آَيَّةَ التََّمُمِ ﴿أُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] ذَوِي الأَمْرِ. ١٤٧ كتاب تفسير القرآن/ سورة النساء وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر حدّثني بالإفراد (محمد) هو ابن سلام البيكندي كما في رواية أبي ذر في الجهاد وبه جزم الكلاباذي وابن عساكر وغيرهما قال: (أخبرنا عبدة) بفتح العين وسكون الموحدة ابن سليمان الكوفي يقال اسمه عبد الرحمن (عن هشام عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة رضي الله عنها) أنها (قالت: هلكت) أي ضاعت (قلادة) بكسر القاف كان ثمنها اثني عشر درهما (الأسماء) بنت أبي بكر كانت عائشة استعارتها منها وقولها في كتاب التيمم انقطع عقد لي فإضافتها لها إنما ذلك باعتبار حيازتها لذلك واستيلائها لمنفعته (فبعث النبي - في في طلبها رجالاً) هم أسيد بن حضير ومن تبعه (فحضرت الصلاة وليسوا على وضوء ولم يجدوا ماء فصلوا وهم على غير وضوء فأنزل الله تعالى يعني آية التيمم) وسقط لأبي ذر قوله يعني آية، وحينئذٍ على المفعولية . وهذا الحديث سبق تامًا في كتاب التيمم. (أولي الأمر) ولغير أبي ذر باب قوله تعالى: (﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر﴾ ﴿منكم﴾) [النساء: ٥٩] أي (ذوي الأمر) وهم الخلفاء الراشدون ومن سلك طريقهم في رعاية العدل ويدرج فيهم القضاة وأمراء السرية أمر الله تعالى الناس بطاعتهم بعد ما أمرهم بالعدل تنبيهًا على أن وجوب طاعتهم ما داموا على الحق وقيل علماء الشرع لقوله تعالى: ﴿ولو ردّوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذي يستنبطونه منهم﴾ [النساء: ٨٣]. ٤٥٨٤ - حدثنا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ، أَخْبَرَنا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ يَعْلَى بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عَنْهُما ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ قالَ: نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللَّه بْنِ حُذَافَةَ بْنِ قَيْسٍ بْنِ عَدِيٌّ، إذْ بَعَثَهُ النَِّيِّ نَّهِ فِي سَرِيَّةٍ. وبه قال: (حدّثنا صدقة بن الفضل) المروزي ولابن السكن فيما ذكره في الفتح حدثنا سنيد بضم المهملة وفتح النون وبعد التحتية الساكنة دال مهملة بدل صدقة واسم والد سنيد داود المصيصي ضعف أبو حاتم سنيدًا قال: (أخبرنا حجاج بن محمد) المصيصي الأعور (عن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز (عن يعلى بن مسلم) بفتح التحتية وسكون العين وفتح اللام ومسلم بضم الميم وسكون السين المهملة ابن هرمز (عن سعيد بن جبير) الأسدي مولاهم الكوفي (عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما) في قوله تعالى: (﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾ قال: نزلت في عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي) القرشي السهمي من قدماء المهاجرين توفي بمصر في خلافة عثمان رضي الله تعالى عنهما (إذ بعثه النبي ◌َّهر في سرية) وكانت فيه دعابة أي لعب فنزلوا ببعض الطريق وأوقدوا نارًا يصطلون عليها فقال: عزمت عليكم إلا تواثبتم في هذه النار فلما همَّ بعضهم بذلك قال: اجلسوا إنما كنت أمزح فذكروا ذلك للنبي وَ﴿ فقال: ((من أمركم بمعصية فلا تطيعوه)) رواه ابن سعد. ١٤٨ كتاب تفسير القرآن/ سورة النساء وبوّب عليه البخاري فقال: سرية عبد الله بن حذافة السهمي وعلقمة بن مجزز المدلجي ويقال إنها سرية الأنصاري ثم روي عن علي قال: بعث النبي ◌ّلو سرية واستعمل رجلاً من الأنصار وأمرهم أن يطيعوه فغضب فقال: أليس قد أمركم النبي ◌َّي أن تطيعوني؟ قالوا: بلى قال: فاجمعوا لي حطبًا فجمعوا فقال: أوقدوا نارًا فأوقدوها، فقال ادخلوا فهمّوا، وجعل بعضهم يمسك بعضًا ويقولون: فررنا إلى النبي ﴿ من النار فما زالوا حتى خمدت النار فسكن غضبه، فبلغ ذلك النبي وَ ل﴿ فقال: لو دخلوها ما خرجوا منها إلى يوم القيامة الطاعة في المعروف واختلاف السياقين يدل على التعدد، لا سيما وعبد الله بن حذافة مهاجري قرشي والذي في حديث عليّ أنصاري، وقد اعترض الداودي على القول بأن الآية نزلت في عبد الله بن حذافة بأنه وهم من غير ابن عباس لأن الآية إن كانت نزلت قبل هذه القصة فكيف يخص عبد الله بن حذافة بالطاعة دون غيره، وإن كانت بعد فإنما قيل لهم إنما الطاعة في المعروف وما قيل لهم لم لم تطيعوه؟. وأجاب في الفتح بأن المراد من قصة ابن حذافة قوله تعالى: ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول﴾ [النساء: ٥٩] لأن أهل السرية تنازعوا في امتثال ما أمرهم به فالذين هموا أن يطيعوه وقفوا عند امتثال الأمر بالطاعة والذين امتنعوا عارض عندهم الفرار من النار، فناسب أن ينزل في ذلك ما يرشدهم إلى ما يفعلونه عند التنازع وهو الرد إلى الله وإلى رسوله. ١١ - باب ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْتَهُمْ﴾ هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿فلا وربك﴾) أي فوربك ولا مزيدة لتأكيد القسم لا لتظاهر لا في قوله: (﴿لا يؤمنون﴾) لأنها تزاد أيضًا في الإثبات كقوله تعالى: ﴿لا أقسم بهذا البلد﴾ [البلد: ١] قاله في الأنوار كالكشاف وعبارته بعد ذكره نحو ما سبق. فإن قلت: هلا زعمت أنها زيدت لتظاهر لا في لا يؤمنون قلت: يأبى ذلك استواء النفي والإثبات فيه وذلك قوله تعالى: ﴿فلا أقسم بما تبصرون قومًا لا تبصرون إنه لقول رسول كريم﴾ [الحاقة: ٣٨ - ٤٠] انتهى. قال في الانتصاف: أراد الزمخشري أنها لما زيدت حيث لا يكون القسم نفيًا دلت على أنها إنما تزاد لتأكيد القسم فجعلت كذلك في النفي والظاهر عندي أنها هنا لتوطئة القسم وهو لم يذكر مانعًا منه إنما ذكر محملاً لغير هذا وذلك لا يأبى مجيئها في النفي على الوجه الآخر من التوطئة على أن دخولها على المثبت فيه نظر فلم تأت في الكتاب العزيز إلا مع القسم بالفعل ﴿لا أقسم بهذا البلد﴾ [البلد: ١] ﴿لا أقسم بيوم القيامة﴾ [القيامة: ١] ﴿فلا أقسم بمواقع النجوم﴾ [الواقعة: ٧٥] ﴿فلا أقسم بما تبصرون﴾ [الحاقة: ٣٨] ولم يأت إلا في القسم بغير الله وله سرّ يأبى أن يكون هلهنا لتأكيد القسم، وذلك أن المراد بها تعظيم المقسم به في الآيات المذكورة فكأنه بدخولها يقول إعظامي لهذه الأشياء المقسم بها كلا إعظام إذ هي تستوجب فوق ذلك وإنما يذكر هذا لتوهم وقوع عدم تعظيمها فيؤكد بذلك وبفعل القسم ١٤٩ كتاب تفسير القرآن/ سورة النساء ظاهرًا، وفي القسم بالله الوهم زائل فلا يحتاج إلى تأكيد فتعين حملها على التوطئة ولا تكاد تجدها في غير الكتاب العزيز داخلة على قسم مثبت أما في النفي فكثير اهـ. وقيل: إن لا الثانية زائدة والقسم معترض بين حرف النفي والمنفي، وكان التقدير فلا يؤمنون وربك (﴿حتى يحكموك فيما شجر بينهم﴾﴾ [النساء: ٦٥] أي فيما اختلف بينهم واختلط وحتى غاية متعلقة بقوله لا يؤمنون أي ينتفي عنهم الإيمان إلى هذه الغاية وهي تحكيمك وعدم وجدانهم الحرج وتسليمهم لأمرك. ٤٥٨٥ - حدثنا عَلِيَّ بْنُ عَبْدِ اللَّه، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيْ عَنْ عُزْوَةَ قالَ: خاصَمَ الزُّبَيْرُ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ فِي شَرِيجٍ مِنَ الْحَرَّةِ فَقالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((أَسْقِ يَا زُبَيْرُ ثُمَّ أَرْسِلِ الْماءَ إِلَى جَارِكَ)) فَقالَ الأَنْصارِيُّ: يا رَسُولَ الله أَنْ كانَ ابْنَ عَمَّتِكَ فَتَلَوَّنَ وَجْهُهُ ثُمَّ قَالَ: ((أَسْقِ يا زُبَيْرُ ثُمَّ أَخْبِسٍ الْمَاءَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الْجَدْرِ، ثُمَّ أَرْسِلِ الْمَاءَ إلى جارِكَ) وَأَسْتَوْعَى النَّبِيِِّلَ﴿ لِلْزُّبَيْرِ حَقَّهُ فِي صَرِيحِ الْحُكْمِ حِينَ أَحْفَظَهُ الأَنْصارِيُّ وَكَانَ أَشارَ عَلَيْهِما بِأَمْرٍ لَهُما فِيهِ سَعَةٌ قالَ الزُّبَيْرُ: فَمَا أَحْسِبُ هُذِهِ الآياتِ إلاَّ نَزَلَتْ فِي ذُلِكَ ﴿فَلا وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ . وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا محمد بن جعفر) هو غندر قال: (أخبرنا معمر) بميمين مفتوحتين بينهما عين مهملة ساكنة ابن راشد (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (عن عروة) بن الزبير أنه (قال: خاصم الزبير) بن العوّام (رجلاً من الأنصار) هو ثابت بن قيس بن شماس وقيل حميد وقيل حاطب بن أبي بلتعة (في شريج) بفتح الشين المعجمة وكسر الراء آخره جيم مسيل الماء يكون في الجبل وينزل إلى السهل (من الحرة) بفتح الحاء وتشديد الراء المهملتين خارج المدينة زاد في باب سكر الأنهار من الشرب، فقال الأنصاري سرّح الماء فأبى عليه فاختصما عند النبي ◌َّر (فقال النبي وَله: اسق يا زبير ثم أرسل الماء) بهمزة قطع مفتوحة في أرسل (إلى جارك) الأنصاري (فقال الأنصاري: يا رسول الله أن كان) بفتح الهمزة أي حكمت له بالتقديم والترجيح لأن كان (ابن عمتك) صفية بنت عبد المطلب، ولأبي ذر عن الكشميهني: آن كان بهمزة مفتوحة ممدودة استفهام انكاري وله عن الحموي والمستملي وأن كان بواو وفتح الهمزة، ووقع عند الطبري فقال: اعدل يا رسول الله وأن كان ابن عمتك أي من أجل هذا حكمت له علي (فتلون وجهه) عليه الصلاة والسلام أي تغيّر من الغضب لانتهاك حرمة النبوّة، ولأبوي ذر والوقت: فتلون وجه رسول الله وَّ﴾ (ثم قال: اسق يا زبير ثم احبس الماء) بهمزة وصل فيهما (حتى يرجع) يصير الماء (إلى الجدر) بفتح الجيم وسكون المهملة ما وضع بين شربات النخل كالجدار والمراد به جدران الشربات وهي الحفر التي تحفر في أصول النخل (ثم أرسل الماء إلى جارك) بهمزة قطع في أرسل (واستوعى النبي ◌َّو للزبير حقه) أي استوفاه كله كاملاً حتى كأنه ١٥٠ كتاب تفسير القرآن/ سورة النساء جمعه في وعاء بحيث لم يترك منه شيئًا (في صريح الحكم حين أحفظه) بالحاء المهملة والفاء والظاء المعجمة أي أغضبه (الأنصاري وكان) ◌َ ليزر (أشار عليهما) في أوّل الأمر (بأمر لهما) ولأبي ذر عن الكشميهني له أي الأنصاري (فيه سعة) وهو الصلح على ترك بعض حق الزبير، فلما لم يرض الأنصاري استقصى عليه الصلاة والسلام للزبير حقه وحكم له به على الأنصاري. (قال الزبير: فما أحسب هذه الآيات إلا نزلت) وفي باب شرب الأعلى من الأسفل من كتاب الشرب فقال الزبير: والله إن هذه الآية أنزلت (في ذلك ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم﴾) قيل: وكان هذا الرجل يهوديًا. وعورض بأنه وصف بكونه أنصاریًا ولو كان يهوديًا لم يوصف بذلك إذ هو وصف مدح ولا يبعد أن يبتلي غير المعصوم بمثل ذلك عند الغضب مما هو من الصفات البشرية. وفي المفاتح كالبغوي في معالم التنزيل، وروي أنه لما خرجا مرّا على المقداد فقال: لمن كان القضاء؟ قال الأنصاري لابن عمته ولوى شدقيه ففطن له يهودي كان مع المقداد فقال: قاتل الله هؤلاء يشهدون أنه رسول الله ثم يتهمونه في قضاء يقضي بينهم، وايم الله لقد أذنبنا ذنبًا مرة في حياة موسى عليه الصلاة والسلام فدعانا إلى التوبة فقال: اقتلوا أنفسكم فبلغ قتلانا سبعين ألفًا في طاعة ربنا حتى رضي عنا، فقال ثابت بن قيس بن شماس: إن الله ليعلم مني الصدق ولو أمرني محمد أن أقتل نفسي لفعلت. ١٢ - باب ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ الله عَلَيْهِمْ مِنَ النَِّيِينَ﴾ هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿فأولئك﴾) أي من أطاع الله والرسول (﴿مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين﴾) [النساء: ٦٩] في الجنة بحيث يتمكن كل واحد منهم من رؤية الآخر لأن الحجاب إذا زال شاهد بعضهم بعضًا، وليس المراد كون الكل في درجة واحدة لأن ذلك يقتضي التسوية في الدرجة بين الفاضل والمفضول وهو غير جائز، والأظهر أن قوله: من النبيين بيان للذين أنعم الله عليهم، وجوّز تعلق من النبيين بيطع أي: ﴿ومن يطع الله والرسول﴾ من النبيين ومن بعدهم ويكون قوله: ﴿فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم﴾ إشارة إلى الملأ الأعلى ثم قال: ﴿وحسن أولئك رفيقًا﴾. ويبين ذلك قوله عليه الصلاة والسلام عند الموت ((اللهم ألحقني بالرفيق الأعلى)) قاله الراغب، وتعقبه أبو حيان فأفسده معنى وصناعة، أما المعنى فلأن الرسول هنا هو محمد مرَّ ه وقد أخبر تعالى أنه من يطع الله ورسوله فهو مع من ذكر ولو جعل من النبيين متعلقًا بيطع لكان من النبيين تفسيرًا لمن الشرطية، فيلزم أن يكون في زمانه عليه الصلاة والسلام أو بعده أنبياء يطيعونه وهذا غير ممكن لقوله تعالى: ﴿وخاتم النبيين﴾ ولقوله عليه الصلاة والسلام ((لا نبي بعدي)). ٠ ١٥١ كتاب تفسير القرآن/ سورة النساء وأما الصناعة؛ فلأن ما قبل الفاء الواقعة جوابًا للشرط لا يعمل فيما بعدها. لو قلت إن تضرب يقم عمرو زيدًا لم يجز، وسقط قوله باب لغير أبي ذر. ٤٥٨٦ - هذّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّه بْنِ حَوْشَبٍ، حَدَّثَنا إنْراهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُزْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ الله تَعالَى عَنْها قالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: ((ما مِنْ نَبِيِّ يَمْرَضُ إِلَّ خُيْرَ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ»، وَكَانَ فِي شَكُواهُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ أَخَذَتْهُ بُحَّةٌ شَدِيدَةٌ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: ((﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ الله عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩])» فَعَلِمْتُ أنَّهُ خُيْرَ. وبه قال: (حذّثنا محمد بن عبد الله بن حوشب) بفتح الحاء المهملة والشين المعجمة بينهما واو ساكنة الطائفي نزيل الكوفة قال: (حدّثنا إبراهيم بن سعد) بسكون العين ولأبي ذر عن إبراهيم بن سعد (عن أبيه) سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري (عن عروة) بن الزبير (عن عائشة رضي الله تعالى عنها) أنها (قالت: سمعت رسول الله) ولأبوي ذر والوقت النبي (َ* يقول): (ما من نبي يمرض) بفتح التحتية والراء بينهما ميم ساكنة (إلا خيّر بين) المقام في (الدنيا و) الرحلة إلى (الآخرة) (وكان في شكواه الذي قبض فيه) ولأبي ذر عن الكشميهني: التي قبض فيها (أخذته بحة شديدة) بضم الموحدة وتشديد الحاء المهملة غلظ صوت وخشونة حلق فسمعته يقول: ((مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين﴾ فعلمت أنه) والخ- (ُخير) بضم الخاء المعجمة أي بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة، وهذا معنى قوله في الحديث الآخر: (اللهم الرفيق الأعلى) ثلاثًا. وقد ذكروا في سبب نزول هذه الآية أن رجلاً من الأنصار جاء إلى النبي وَّ وهو محزون فقال له النبي ◌َّله: ((يا فلان ما لي أراك محزونًا))؟ فقال: يا نبي الله شيء فكرت فيه. قال: ((وما هو))؟ قال: نحن نغدو عليك ونروح وننظر إلى وجهك ونجالسك غدًا ترفع مع النبيين فلا نصل إليك فلم يرد النبي وَله شيئًا فأتاه جبريل بهذه الآية ﴿ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا﴾ قال: فبعث إليه النبي ◌َ ل﴿ فبشره. رواه ابن جرير من حديث سعيد بن جبريل مرسلاً. ورواه الطبراني عن عائشة مرفوعًا بلفظ فقال: يا رسول الله إنك لأحب إليّ من نفسي وأهلي ومالي وإني لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتيك فأنظر إليك وإذا ذكرت موتك عرفت أنك ترفع مع النبيين وإني إن دخلت الجنة خشيت أني لا أراك، فلم يرد عليه النبي و لفر حتى نزل عليه جبريل عليه السلام بهذه الآية. وقد سمى الواحدي وغيره الرجل ثوبان. وقد ثبت في غير ما حديث من طرق كثيرة عن جماعة من الصحابة أن رسول الله وَالتر قال: ((المرء مع من أحب)). ١٥٢ كتاب تفسير القرآن/ سورة النساء ١٣ - باب قَوْله: ﴿وَمَا لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الله وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ﴾ الآيَةَ (قوله) تعالى: (﴿وما لكم)) ولأبي ذر باب بالتنوين في قوله تعالى: ﴿وما لكم﴾ وما مبتدأ ولكم خبره وجملة (﴿لا تقاتلون في سبيل الله﴾) الأظهر أنها في موضع نصب على الحال أي مالكم غير مقاتلين والعامل في هذه الحال الاستقرار المقدر (﴿والمستضعفين﴾) جر على الأظهر بالعطف على سبيل الله أي في سبيل الله وفي خلاص المستضعفين وهم الذين أسلموا بمكة ومنعهم المشركون من الهجرة (﴿من الرجال والنساء﴾) فبقوا بين أظهرهم مستذلين يلقون منهم الأذى الشديد (الآية) كذا لأبي ذر ولغيره بعد قوله: ﴿من الرجال والنساء﴾ إلى ﴿الظالم أهلها﴾ الظالم: صفة للقرية وهي مكة، وأهلها رفع به على الفاعلية وهم كفرة قريش وأل في الظالم موصولة بمعنى التي أي التي ظلم أهلها بالكفر، فالظالم جار علي القرية لفظًا وهو لما بعدها معنى. ٤٥٨٧ - حدثني عَبْدُ اللَّه بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنا سُفْيَانُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّه، قالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ قالَ: كُنْتُ أَنَا وَأُمِّي مِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ. وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (عبد الله بن محمد) المسندي قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن عبيد الله) بضم العين مصغرًا ابن أبي يزيد المكي أنه (قال: سمعت ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما (قال: كنت أنا وأمي) أم الفضل لبابة بنت الحرث الهلالية، (من المستضعفين) في مكة، وزاد أبو ذر من الرجال والنساء والولدان، ومراده حكاية الآية، وإلا فهو من الولدان جمع وليد وهو الصغير وأمه من المستضعفين. ٤٥٨٨ - هذّثنا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ عَنِ ابْنٍ أَبِي مُلَيْكَةً، أَنَّ ابْنَ عبَّاسٍ تَلاَ ﴿إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدَانٍ﴾ قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَأُمِّي مِمِّنْ عَذَرَ الله. وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ حَصِرَتْ: ضاقَتْ. تَلْوُوا أَلْسِنَتَكُمْ بِالشَّهادَةِ. وَقَالَ غَيْرُهُ الْمُراغَمُ: الْمُهَاجَرُ. راغَمْتُ: هاجَرْتُ قَوْمِي. مَوْقُوتًا: مُوَقًِّا وَقْتَهُ عَلَيْهِمْ. وبه قال: (حدثنا سليمان بن حرب) الواشحي بشين معجمة وحاء مهملة قال: (حدّثنا حماد بن زيد) أي ابن درهم الجهضمي الأزدي (عن أيوب) السختياني (عن ابن أبي مليكة) عبد الله بن عبد الرحمن (أن ابن عباس) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي عن ابن عباس رضي الله عنهما (تلا) قرأ قوله تعالى: (﴿إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان﴾ قال: كنت أنا وأمي ممن عذر الله) بالذال المعجمة أي ممن جعلهم الله تعالى من المعذورين المستضعفين. (ويذكر عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما مما وصله ابن أبي حاتم في تفسيره في قوله تعالى: ﴿حصرت﴾ [النساء: ٩٠] أي (ضاقت) صدورهم وعنه أيضًا مما وصله الطبري في قوله ١٥٣ كتاب تفسير القرآن/ سورة النساء تعالى: (﴿وإن﴾ ﴿تلووا)) [النساء: ١٣٥] أي (ألسنتكم بالشهادة) أو تعرضوا عنها وسقط قوله تلووا الخ لأبي ذر (وقال غيره) أي غير ابن عباس في قوله تعالى: ﴿مراغمًا كثيرًا﴾ [النساء: ١٠٠] وسعة (المراغم) بفتح الغين المعجمة هو (المهاجر) بفتح الجيم. قال أبو عبيدة: المراغم والمهاجر واحد تقول: (راغمت) أي (هاجرت قومي). وقال أبو عبيدة في قوله تعالى: ﴿كتابًا﴾ (﴿موقوتًا﴾) [النساء: ١٠٣] أي (موقتًا وقته عليهم) تبارك وتعالى وسقط قوله موقوتًا الخ لأبي ذر. ١٤ - باب ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِيَتَيْنِ وَالله أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بَدَّدَهُمْ. فِئَةٌ: جَماعَةٌ (﴿فما لكم﴾) ولأبي ذر باب بالتنوين أي في قوله تعالى: ﴿فما لكم﴾ مبتدأ وخبر (﴿في المنافقين﴾) يجوز تعلقه بما تعلق به الخبر وهو لكم ويجوز تعلقه بمحذوف على أنه حال من (﴿فئتين﴾) والمعنى ما لكم لا تتفقون في شأنهم بل افترقتم في شأنهم بالخلاف في نفاقهم مع ظهوره (﴿والله أركسهم﴾) ردهم في حكم المشركين كما كانوا (﴿بما كسبوا﴾) الباء سببية وما مصدرية أو بمعنى الذي والعائد محذوف على الثاني لا الأوّل وسقط لغير أبوي ذر والوقت بما کسبوا. (قال ابن عباس) رضي الله عنهما مما وصله الطبري في قوله: (أركسهم) أي (بددهم) يعني فرقهم ومزق شملهم وقوله: (فئة) واحد فئتين ومعناه (جماعة) كقوله تعالى: ﴿كم من فئة قليلة﴾ [البقرة: ٢٤٩] ﴿وفئة تقاتل في سبيل الله﴾ [آل عمران: ١٣]. ٤٥٨٩ - حقثني مُحَمَّدُ بْنُ بَشّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدرٌ وَعَبْدُ الرَّحْمُنِ، قالا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَدِيٍّ، عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ يَزِيدَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ رَضِيَ الله تَعالى عَنْهُ ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئْتَيْنِ﴾ رَجَعَ ناسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ وَّهِ مِنْ أُحُدٍ وَكَانَ النَّاسُ فِيهِمْ فِرْقَتَيْنٍ، فَرِيقٌ يَقُولُ: آقْتُلُهُمْ، وَفَرِيقٌ يَقُولُ: لا. فَنَزَلَتْ: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنٍ﴾ وَقَالَ: إِنَّها طَيْبَةُ، تَنْفِي الْخَبَثَ كَما تَنْفِي النَّارُ خَبَثَ الْفِضَّةِ. وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (محمد بن بشار) هو بندار العبدي قال: (حدّثنا غندر) محمد بن جعفر (وعبد الرحمن) بن مهدي (قالا: حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن عدي) بفتح العين وكسر الدال المهملتين ابن ثابت التابعي (عن عبد الله بن يزيد) الخطمي الصحابي (عن زيد بن ثابت) الأنصاري (رضي الله تعالى عنه) أنه قال في قوله تعالى: (﴿فما لكم في المنافقين فئتين﴾ رجع ناس من أصحاب النبي صل# من أحد) وهم عبد اللَّه بن أبيّ المنافق وأتباعه وكانوا ثلاثمائة وبقي النبي ◌َّر في سبعمائة (وكان الناس فيهم فرقتين فريق يقول اقتلهم) يا رسول الله فإنهم منافقون ١٥٤ كتاب تفسير القرآن/ سورة النساء (وفريق يقول لا) تقتلهم فإنهم تكلموا بكلمة الإسلام (فنزلت: ﴿فما لكم في المنافقين فئتين﴾ وقال): أي النبي ﴿، ولأبي ذر: فقال: (إنها) أي المدينة (طيبة تنفي الخبث كما تنفي النار خبث الفضة) ولأبي ذر عن الحموي خبث الحديد بدل الفضة، وقيل نزلت في قوم رجعوا إلى مكة وارتدوا وقيل في عبد الله بن أبي المنافق لما تكلم في حديث الإفك وتقاولت الأوس والخزرج بسببه. قال ابن كثير: وهذا غريب وقيل غير ذلك. ٠٠٠٠ باب ﴿وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ﴾ أَنْ أَفْشَوْهُ. يَسْتَقْبِطُونَهُ: يَسْتَخْرِجُونَهُ. حَسِيبًا: كافِيًا. إِلاَّ إِنَاثًا: يَعْنِي الْمَواتَ حَجَرًا أَوْ مَدَرًا وَمَا أَشْيَهَهُ. مَرِيدًا: مُتَمَرِّدًا. فَلَيُبَتَكُنَّ: بَتَّكَهُ قَطَّعَهُ. قِيلاً وَقَوْلاً: وَاحِدٌ. طُبعَ: خُتِمَ. هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿وإذا جاءهم﴾) أي ضعفاء المؤمنين أو المنافقين (﴿أمر من الأمن﴾) كفتح أو غنيمة (﴿أو الخوف)) كقتل وهزيمة عن سرايا رسول الله وَلي وبعوثه (﴿أذاعوا به﴾ أي أنشوه) بين الناس قبل أن يخبر به الرسول وَلهر فيضعف بذلك قلوب المؤمنين؛ ولو ردّوا ذلك الأمر إلى الرسول وإلى كبار الصحابة العارفين بمصالح الأمور ومفاسدها لعلم تدبير ما أخبروا به الذين (﴿يستنبطونه)) [النساء: ٨٣] أي (يستخرجونه) وفيه إنكار على من يبادر إلى الأمور قبل تحققها فيخبر بها ويفشيها وينشرها وقد لا يكون لها صحة. وفي حديث أبي هريرة مرفوعًا (كفى بالمرء إثمًا أن يحدّث بكل ما سمع) رواه مسلم وسقط التبويب، وقوله: (﴿وإذا جاءهم أمر من الأمن﴾) لغير أبوي ذر والوقت ولغير أبي ذر لفظة أي من قوله أي أنشوه. (﴿حسيبًا﴾) يريد قوله تعالى: ﴿إن الله كان على كل شيء حسيبًا﴾ [النساء: ٨٦] أي (كافيًا) وسقط هذا لأبي ذر (﴿إلا أناثًا﴾) يريد قوله تعالى: ﴿إن يدعون من دونه إلا إناثًا﴾ [النساء: ١١٧] أي ما يعبدون من دون الله إلا إناثًا لأن كل من عبد شيئًا فقد دعاه لحاجته وإناثًا (يعني الموات حجرًا أو مدرًا وما أشبهه) قال الحسن: كل شيء لا روح فيه كالحجر والخشبة في إناث، وقد كانوا يسمون أصنامهم بأسماء الإناث فيقولون: اللات والعزى ومناة، وعن الحسن أن لكل قبيلة صنمًا يدعى أنثى بني فلان وذلك لقولهم: هنهن بنات الله أو قولهم الملائكة بنات الله، وإنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى اتخذوا أربابًا وصوروهن صور الجواري وقالوا هؤلاء يشبهن بنات الله الذي نعبده يعنون الملائكة. وعن كعب في الآية قال: مع كل صنم جنية: رواه ابن أبي حاتم وسقط لفظ يعني لغير أبي ذر. (﴿مريدًا﴾) يريد قوله تعالى: ﴿وإن يدعون﴾ أي ما يدعون بعبادة الأصنام ﴿إلا شيطانًا مريدًا﴾ [النساء: ١١٧] أي (متمردًا) قال قتادة فيما رواه ابن أبي حاتم متمردًا على معصية الله ١٥٥ كتاب تفسير القرآن/ سورة النساء تعالى. قال تعالى: ﴿ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان﴾ [يس: ٦٠] وسقط قوله: ﴿مريدًا﴾ متمردًا للكشميهني والحموي. (﴿فليبتكن﴾) هو من حكاية قول الشيطان في قوله تعالى: ﴿وقال لأتخذنّ من عبادك نصيبًا مفروضًا [النساء: ١١٨] أي حظًا مقدرًا معلومًا ﴿ولأضلّنهم﴾ أي عن طريق الحق ﴿ولأمنينّهم﴾ من طول العمر وبلوغ الأمل وتوقع الرحمة للمذنب بغير توبة أو الخروج من النار بالشفاعة ﴿ولآمرنهم فليبتّكن آذان الأنعام﴾ [النساء: ١١٨، ١١٩] (بتكه) أي (قطعه) وقد كانوا يشقون أذني الناقة إذا ولدت خمسة أبطن وجاء الخامس ذكرًا وحرموا على أنفسهم الانتفاع بها ولا يردونها عن ماء ولا مرعى. (﴿قيلاً﴾) يريد قوله تعالى: ﴿ومن أصدق من الله قيلاً﴾ [النساء: ١٢٢] والنصب على التمييز وقيلاً (وقولاً واحد) وقالاً الثلاثة مصادر بمعنى (طبع) بضم الطاء وكسر الموحدة أي (ختم) يريد تفسير قوله تعالى: ﴿طبع الله على قلوبهم﴾ [النحل: ١٠٨] ولم يذكر المؤلف حديثًا في هذا الباب. قال الحافظ ابن كثير: فنذكر هنا عند تفسير آية الباب حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه المتفق عليه حين بلغه أن رسول الله # طلّق نساءه فجاء من منزله حتى دخل المسجد فوجد الناس يقولون ذلك فلم يصبر حتى استأذن على النبي وَلجر فاستفهمه أطلقت نساءك؟ قال ((لا)) فقلت الله أكبر وذكر الحديث بطوله: وعند مسلم فقلت: أطلقتهن؟ فقال: ((لا)) فقمت على باب المسجد فناديت بأعلى صوتي لم يطلق نساءه ونزلت هذه الآية ﴿وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم﴾ فكنت أنا أستنبط ذلك الأمر. قال الحافظ ابن حجر: وهذه القصة عند البخاري لكن بدون هذه الزيادة فليست على شرطه فكأنه أشار إليها بهذه الترجمة اهـ. وظاهر قول المفسرين السابق أن سبب نزول هذه الآية الأخبار عن السرايا والبعوث بالأمن أو الخوف وهو خلاف ما في حديث مسلم. ٠ ١٥ - باب ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنَا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمْ﴾ هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: ((ومن يقتل مؤمنًا﴾) حال كونه (﴿متعمدًا فجزاؤه جهنم﴾﴾ [النساء: ٩٣] خبر ومن يقتل ودخلت الفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط وتمام الآية ﴿خالدًا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعدّ له عذابًا عظيمًا﴾ [النساء: ٩٣] وهذا تهديد شديد، ووعيد أكيد. اشتمل على أنواع من العذاب لم تجتمع في غير هذا الذنب العظيم المقرون بالشرك في غير ما آية، ومن ثم قال ابن عباس: إن قاتل المؤمن عمدًا لا تقبل توبته. ١٥٦ كتاب تفسير القرآن/ سورة النساء ٤٥٩٠ - حدثنا آدَمُ بْنُ أَبِي إياسٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا مُغِيرَةُ بْنُ الثَّعْمَانِ، قالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ قَالَ: آيَّةٌ أَخْتَلَفَ فِيهَا أَهْلُ الْكُوفَةِ، فَرَحَلْتُ فِيها إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَسَأَلْتُهُ عَنْهَا، فَقالَ: نَزَّلَتْ هذِهِ الآيَةُ ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣] هِيَ آخِرُ ما نَزَلَ وَمَا نَسَخَها شَيْءٌ. وبه قال: (حدّثنا آدم بن أبي إياس) العسقلاني الخراساني الأصل قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج قال: (حذّثنا مغيرة بن النعمان) النخعي الكوفي (قال: سمعت سعيد بن جبير) الأسدي مولاهم الكوفي (قال: آية اختلف فيها) أي في حكمها (أهل الكوفة) وسقط قوله آية لغير أبوي ذر والوقت (فرحلت فيها) بالراء والحاء المهملة ولأبي ذر فدخلت بالدال والخاء المعجمة أي بعد رحلتي (إلى ابن عباس فسألته عنها؟ فقال: نزلت هذه الآية: ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدًا فجزاؤه جهنم﴾ هي آخر ما نزل) في هذا الباب (وما نسخها شيء). وروى أحمد والطبري من طريق يحيى الجابر والنسائي وابن ماجة من طريق عمار الذهبي كلاهما عن سالم بن أبي الجعد قال: كنا عند ابن عباس بعدما كف بصره فأتاه رجل فناداه: يا عبد الله بن عباس ما ترى في رجل قتل مؤمنًا متعمدًا؟ فقال: ﴿جزاؤه جهنم خالدًا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعدّ له عذابًا عظيمًا﴾. قال: أفرأيت إن تاب وعمل صالحا ثم اهتدى؟ قال ابن عباس: ثكلته أمه وأنى له التوبة والهدى والذي نفسي بيده لقد سمعت نبيكم يقول: ثكلته أمه قاتل مؤمن متعمدًا جاء يوم القيامة آخذ بيمينه تشخب أوداجه، ثم قال: وايم الذي نفسي بيده لقد أنزلت هذه الآية وما نسختها من آية حتى قبض نبيكم وَّر. وقد روي هذا عن ابن عباس من طرق كثيرة وقال به جماعة من السلف وهو محمول عند الجمهور على الزجر والتغليظ للدلائل الدالة على خلافه، وإلا فكل ذنب ممحوّ بالتوبة وناهيك بمحو الشرك دليلاً فهو في التغليظ كحديث ((لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مسلم)) وحديث ((من أعان على قتل مسلم ولو بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوبًا بين عينيه آيسًا من رحمة الله)) وكقوله تعالى: (﴿ومن كفر فإن الله غني عن العالمين)) [آل عمران: ٩٧] أي لم يحج تغليظًا وتشديدًا، وكل ذلك لا يعارض نصوص الكتاب الدالة على عموم العفو فلا بد من التخصيص بمن لم يتب أو فعله مستحلاً أو الخلود المكث الطويل، فإن الدلائل متظاهرة على أن عصاة المسلمين لا يدوم عذابهم والحق أنه متى صدر عن المؤمن مثل هذا الذنب فمات ولم يتب فحكمه إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه بقدر ما يشاء ثم يخرجه إلى الجنة وفي سنن أبي داود عن أبي مجلز هي جزاؤه فإن شاء الله أن يتجاوز عن جزائه فعل قال الواحدي والأصل أن الله تعالى يجوز أن يخلف الوعيد وإن كان لا يجوز أن يخلف الوعد وبهذا وردت السنة فإذن لا مدخل لذكر التوبة وتركها في الآية ولا يفتقر إخراج المؤمن من النار إلى دليل ولا إلى تخصيص عام ولا إلى تفسير الخلود بالمكث الطويل قاله في فتوح الغيب، وسيكون لنا إن شاء الله عودة إلى البحث في ذلك في سورة الفرقان بعون الله وقوته. ١٥٧ كتاب تفسير القرآن/ سورة النساء ١٦ - باب ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقُى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء: ٩٤] السِّلْمُ وَالسَّلَمُ وَالسَّلامُ: واحِدٌ هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السّلام لست مؤمنًا﴾) [النساء: ٩٤] اللام في لمن للتبليغ، ومن موصولة أو موصوفة وألقى ماضي اللفظ لكنه بمعنى المستقبل أي لمن يلقي لأن النهي لا يكون عما انقضى أي لا تقولوا لمن حياكم بتحية السلام أنه إنما قالها تعوذا فتقدموا عليه بالسيف لتأخذوا ماله ولكن كفوا واقبلوا منه ما أظهر لكم (السلم) بكسر السين وسكون اللام وهي قراءة رويس عن عاصم بن أبي النجود (والسلم) بفتحهما من غير ألف وهي قراءة نافع وابن عامر وحمزة وفي الفرع والسلم بسكون اللام بعد فتح وروي عن عاصم الجحدري (والسلام) بفتحهما ثم ألف وهي قراءة الباقين (واحد) أي في المعنى وهو الاستسلام والانقياد واستعمال ذي الألف في التحتية أكثر. ٤٥٩١ - حدثني عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّه، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عَطاءِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَّيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كانَ رَجُلٌ فِي غُنَيْمَةٍ لَهُ فَلَحِقَهُ الْمُسْلِمُونَ فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكُم فَقَتَلُوهُ، وَأَخَذُوا غُنَيْمَتَهُ فَأَنْزَلَ الله فِي ذَلِكَ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيَا﴾ُ تِلْكَ الْغُنَيْمَةُ قَالَ: قَرَّأَ ابْنُ عَبَّاسِ السَّلاَمَ. وبه قال: (حدّثني) بالإفراد ولأبي ذر حدّثنا (علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن عمرو) هو ابن دينار (عن عطاء) هو ابن أبي رباح (عن ابن عباس رضي الله عنهما) في قوله تعالى: (﴿ولا تقولوا لمن ألق إليكم السلام لست مؤمنًا﴾ قال) عطاء: (قال ابن عباس: كان رجل) هو عامر بن الأضبط (في غنيمة له) بضم الغين وفتح النون تصغير غنم (فلحقه المسلمون) وكانوا في سرية (فقال) أي الرجل لهم (السلام عليكم) وعند أحمد والترمذي من طريق سماك عن عكرمة عن ابن عباس قالوا: ما سلم علينا إلا ليتعوذ منا (فقتلوه) وكان الذي قتله محلم بن جثامة كما ذكره البغوي في معجم الصحابة وكان أمير السرية أبو قتادة كذا نقله في المقدمة، وكذا رواه ابن إسحق في المغازي وأحمد من طريقه عن عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي بلفظ رسول الله وَّر في نفر من المسلمين فيهم أبو قتادة ومحلم بن جثامة فمر بنا عامر بن الأضبط الأشجعي فسلم علينا فحمل عليه محلم فقتله (وأخذوا غنيمته) وفي رواية سماك وأتوا بغنمه النبي ◌َّير (فأنزل الله في ذلك) يعني قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله﴾ ولأبي ذر وذلك (إلى قوله: ﴿عرض الحياة﴾) ولأبي ذر إلى قوله تبتغون عرض الحياة ((الدنيا)) أي حطامها وهو (تلك الغنيمة). وروى الثعلبي من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أن اسم المقتول مرداس بكسر الميم وسكون الراء وبالمهملتين ابن نهيك بفتح النون وكسر الهاء آخره كاف قبلها تحتية ساكنة من ١٥٨ كتاب تفسير القرآن/ سورة النساء أهل فدك، وأن اسم القاتل أسامة بن زيد وأن اسم أمير السرية غالب بن فضالة الكعبي، وأن قوم مرداس لما انهزموا بقي وحده وكان ألجأ غنمه إلى جبل فلما لحقوه قال لا إله إلا الله محمد رسول الله السلام عليكم فقتله أسامة بن زيد فلما رجعوا نزلت الآية. وأخرج عبد بن حميد من طريق قتادة نحوه وكذا الطبري من طريق السدي ولا مانع من التعدد ونزول الآية مرتين. (قال) عطاء بن أبي رباح: (قرأ ابن عباس) رضي الله عنهما (السلام) بألف بعد اللام المفتوحة وهو موصول بالإسناد السابق. وحديث الباب أخرجه مسلم في آخر كتابه وأبو داود في الحروب والنسائي في السير والتفسير. ١٧ - باب ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله﴾ [النساء: ٩٥] هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين﴾ ﴿والمجاهدون في سبيل الله)) [النساء: ٩٥] كذا في الفرع وأصله وغيرهما بإسقاط ﴿غير أولي الضرر﴾ وثبت ذلك في بعضها، ولأبي ذر ﴿من المؤمنين﴾ الآية وسقط ما بعد ذلك. ٤٥٩٢ - حدثنا إسْماعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّه قالَ: حَدَّثَنِي إِنْراهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صالِحِ بْنِ كَيْسانَ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ قالَ: حَدَّثَنِي سَهْلُ بْنُ سَعْدِ السَّاعِدِيُّ أَنَّهُ رَأَى مَرْوَانَ بْنَ الْحَكُمِ فِي الْمَسْجِدِ، فَأَقْبَلْتُ حَتَّى جَلَسْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَأَخْبَرَنَا أنَّ زَيْدَ بْنَ ثابِتٍ أَخْبَرَهُ، أنَّ رَسُولَ اللهِ وَ أَمْلَى عَلَيْهِ ﴿لأُ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله﴾ فَجاءَهُ ابْنُ أُمّ مَكْتُومٍ وَهُوَ يُمِلُها عَلَيَّ قالَ: يَا رَسُولَ الله وَالله لَوْ أَسْتَطِيعُ الْجِهَادَ لَجَاهَدْتُ وَكَانَ أَعْمَى فَأَنْزَلَ الله عَلَى رَسُولِهِ وَ﴿ وَفَخِذُهُ عَلَى فَخِذِي فَتَقُلَتْ عَلَيَّ حَتَّى خِفْتُ أَنْ تُرَضِّ فَخِذِي ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ فَأَنْزَلَ الله: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾. وبه قال: (حدّثنا إسماعيل بن عبد اللَّه) الأويسي المدني (قال: حدّثني) بالإفراد (إبراهيم بن سعد) بسكون العين ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف (عن صالح بن كيسان) بفتح الكاف التابعي (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري أنه (قال: حدّثني) بالإفراد (سهل بن سعد الساعدي) الصحابي (أنه رأى مروان بن الحكم) بن أبي العاص التابعي (في المسجد) قال: (فأقبلت حتى جلست إلى جنبه فأخبرنا) بفتح الراء (أن زيد بن ثابت أخبره أن رسول الله وَ لا أملى عليه ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين﴾ ﴿والمجاهدون في سبيل الله﴾) بدون ﴿غير أولي الضرر﴾ (فجاءه) عليه الصلاة والسلام (ابن أم مكتوم) عبد اللَّه أو عمرو واسم أبيه زائدة (وهو) وَالر (يملها) بضم التحتية وكسر الميم وتشديد اللام أي يلقي الآية (علّ قال): ولأبي ذر فقال: (يا رسول الله والله لو ١٥٩ كتاب تفسير القرآن/ سورة النساء أستطيع الجهاد لجاهدت وكان أعمى، فأنزل الله على رسوله ﴿ وفخذه على فخذي فثقلت علّ) فخذه من ثقل الوحي (حتى خفت أن ترضّ) بضم الفوقية وفتح الراء وتشديد الضاد المعجمة في الفرع كأصله بفتح التاء وضم الراء أي تدق (فخذي ثم سري) بضم المهملة وتشديد الراء المكسورة انكشف (عنه) وأزيل يقال سروت الثوب وسريته إذا خلعته والتشديد فيه للمبالغة أي أزيل عنه ما نزل به من برحاء الوحي (فأنزل الله ﴿غير أولي الضرر﴾) بالحركات الثلاث في غير بالنصب نافع وابن عامر والكسائي على الاستثناء أو على الحال، وبالرفع ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وعاصم على الصفة للقاعدون لأن القاعدون غير معين فهو مثل قوله: ولقد أمرّ على اللئيم يسبني. قال الزجاج: غير صفة للقاعدين وإن كان أصلها أن تكون صفة للنكرة. المعنى: لا يستوي القاعدون الذين هم غير أولي الضرر أي الأصحاء والمجاهدون وإن كانوا كلهم مؤمنين، وبالجر في الشاذ على الصفة للمؤمنين أو البدل منه. وهذا الحديث سبق في الجهاد. ٤٥٩٣ - حدثني حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحُقَ عَنِ الْبَراءِ رَضِيَ الله تَعالى عَنْهُ قالَ: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ دَعا رَسُولُ اللهِوَلِّ زَيْدًا فَكَتَبَهَا فَجاءَ ابْنُ أُمّ مَكْتُومٍ فَشَكا ضَرارَتَهُ فَأَنْزَلَ الله ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾. وبه قال: (حذّثنا حفص بن عمر) بن الحارث الحوضي قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن أبي إسحق) عمرو بن عبد الله السبيعي (عن البراء) بن عازم (رضي الله تعالى عنه) أنه (قال: لما نزلت ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين) دعا رسول الله ﴿ زيدًا) هو ابن ثابت كاتب الوحي فأمره بكتابتها (فكتبها فجاء ابن أم مكتوم) الأعمى (فشكا) إلى رسول الله وَالقير (ضرارته) بفتح الضاد المعجمة أي عماه. قال الراغب: الضرر اسم عام لكل ما يضر بالإنسان في بدنه ونفسه وعلى سبيل الكناية عبر عن الأعمى بالضرير (فأنزل الله ﴿غير أولي الضرر﴾). وسبق هذا الحديث في الجهاد. ٤٥٩٤ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ إسْرائِيلَ، عَنْ أَبِي إسْحُقَ عَنِ الْبَراءِ، قالَ: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿لاَ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قالَ النَّبِيِّ نَّرِ: ((آذعُوا فُلانًا)) فَجَاءَهُ وَمَعَهُ الدَّواةُ وَاللَّوْحُ أَوِ الْكَتِفُ فَقَالَ: ((آكْتُبْ: ﴿لاَ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَالْمُجْاهِدُونَ فِي سَبِيل الله﴾ وَخَلْفَ النَّبِيِّ ◌َ﴿َ ابْنُ أُمْ مَكْتُومٍ فَقالَ: يَا رَسُولَ الله أَنَا ضَرِيرٌ فَنَزَلَتْ مَكانَها ﴿لاَ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَّرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ [النساء: ٩٥]. وبه قال: (حدّثنا محمد بن يوسف) الفريابي (عن إسرائيل) بن يونس (عن) جده (أبي ١٦٠ كتاب تفسير القرآن/ سورة النساء إسحلق) عمرو بن عبد الله السبيعي (عن البراء) بن عازب رضي الله عنه أنه (قال: لما نزلت ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين﴾ قال النبي ◌َّ): (ادعوا فلانًا) أي زيد بن ثابت فدعوه (فجاءه ومعه الدواة واللوح أو الكتف) شك من الراوي (فقال: اكتب ولا يستوي القاعدون من المؤمنين﴾ ﴿والمجاهدون في سبيل الله﴾ وخلف النبي ◌َّ﴿ ابن أم مكتوم) ويجمع بين قوله هنا أن ابن أم مكتوم كان خلف النبي وَّر وبين قوله في رواية شعبة السابقة دعا زيدًا فكتبها فجاء ابن أم مكتوم بأنه قام من مقامه خلف النبي ◌َّ حتى جاء مواجهه فخاطبه (فقال: يا رسول الله أنا ضرير) أي لا أستطيع الجهاد (فنزلت مكانها) أي في مكان الكتابة في الحال قيل قبل أن يجف القلم (﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله﴾) لم يقتصر الراوي هنا على ذكر الكلمة الزائدة وهي غير أولي الضرر كما في السابقة، فيحتمل أن يكون الوحي نزل بإعادة الآية بالزيادة بعد أن نزل بدونها، فحكى الراوي صورة الحال أو نزل بقوله (غير أولي الضرر) فقط وأعاد الراوي الآية من أوّلها حتى يتصل المستثنى بالمستثنى منه قاله ابن التين، وأيد الأخير الحافظ ابن حجر برواية خارجة بن زيد عن أبيه عند أحمد فإن فيها: ثم سري عنه فقال: اقرأ فقرأت عليه (﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين﴾) فقال النبي وَلجر: (﴿غير أولي الضرر﴾) قال زيد فألحقتها فوالله لكأني أنظر إلى ملحقها عند صدع كان في الكتف، وعند الطبراني والبزار وصححه ابن حبان من حديث الفلتان بالفاء واللام والفوقية المفتوحات ابن عاصم فقال النبي وَطير للكاتب: اكتب غير أولي الضرر. ٤٥٩٥ - حدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسى، أَخْبَرَنا هِشامٌ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَهُمْ ح وَحَدَّثَنِي إِسْحُقُ أَخْبَرَنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِ عَبْدُ الْكَرِيمِ، أَنَّ مِفْسَمًا مَوْلَى عَبْدِ اللَّه بْنِ الْحَارِثِ أَخْبَرَهُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسِ رَضِيَ الله عَنْهُمَا أَخْبَرَهُ ﴿لاَ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ عَنْ بَدْرٍ وَالْخَارِجُونَ إِلَى بَذْرٍ . وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر حدّثني بالإفراد (إبراهيم بن موسى) بن يزيد الفراء الرازي الصغير قال: (أخبرنا هشام) هو ابن يوسف (أن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز (أخبرهم ح) لتحويل السند قال المؤلف: (وحدّثني) بالإفراد (إسحلق) هو ابن منصور لا ابن راهويه قال: (أخبرنا عبد الرزاق) بن همام قال: (أخبرنا ابن جريج) عبد الملك قال: (أخبرني) بالإفراد (عبد الكريم) الجزري بالجيم والزاي والراء (أن مقسمًا) بكسر الميم وسكون القاف وفتح السين المهملة ابن بجرة بضم الموحدة وسكون الجيم ويقال نجدة بفتح النون وبدال (مولى عبد الله بن الحارث) بن نوفل بن عبد المطلب (أخبره أن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أخبره) عن قوله تعالى: (﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين﴾) أي (عن) غزوة (بدر والخارجون إلى بدر) انفرد بإخراجه المؤلف دون مسلم.