Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
كتاب تفسير القرآن/ سورة البقرة
٤٤٨١ - حدثنا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنْا يَحْيِى، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ حَبِيبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ
جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَقْرَؤُنْا أَبَيِّ، وَأَقْضُانًا عَلِيٍّ، وَإِنّا لَنَدَعُ مِنْ
قَوْلٍ أُبَيِّ وَذَاكَ أنَّ أُبَيًّا يَقُولُ: لا أدَعُ شَيْئًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعْالَى: ﴿مَا
نَتْسَخُ مِنْ آيَةٍ أَوْ نَنْسَأْهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]. [الحديث ٤٤٨١ - طرفه في: ٥٠٠٥].
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (عمرو بن علي) بفتح العين وسكون الميم
البصري الصيرفي قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان قال: (حدّثنا سفيان) الثوري (عن حبيب)
هو ابن أبي ثابت واسمه قيس بن دينار الكوفي (عن سعيد بن جبير عن ابن عباس) أنه (قال: قال
عمر رضي الله عنه: أقرؤنا) أي لكتاب الله تعالى (أيّ) هو ابن كعب (وأقضانا) أي أعلمنا بالقضاء
(علي) هو ابن أبي طالب (وإنّا لندع) أي نترك (من قول أبي وذاك) بألف من غير لام (أن أبيًّا يقول
لا أدع شيئًا سمعته) ولأبي ذر سمعت (من رسول الله مَ *) كان لا يقول بنسخ تلاوة شيء من
القرآن لكونه لم يبلغه النسخ فرد عليه عمر بقوله: (وقد قال الله تعالى: ﴿ما ننسخ من آية أو
ننسأها﴾) فإنه يدل على ثبوت النسخ في البعض ولأبي ذر: أو ننسها بضم أوّله وكسر ثالثه.
وهذا الحديث موقوف، وأخرجه الترمذي عن أنس مرفوعًا، وعند البغوي مرفوعًا أيضًا:
أقضى أمتي علي بن أبي طالب.
٨ - باب ﴿وَقَالُوا أَتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ﴾ [البقرة: ١١٦]
هذا (باب) بالتنوين (﴿وقالوا اتخذ الله ولدًا سبحانه﴾﴾ [البقرة: ١١٦] نزلت ردًا على
النصارى لما قالوا: المسيح ابن الله، واليهود لما قالوا: عزير ابن الله، ومشركو العرب: الملائكة
بنات الله .
٤٤٨٢ - حدّثنا أَبُو الْيَمْانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ، حَدَّثَتْا تَافِعُ بْنُ
جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْا عَنِ النَّبِيِّ وَّرِ قَالَ: ((قُالَ اللَّهُ كَذْبَنِ ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ
ذُلِكَ، وَشَتَمَنِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذُلِكَ، فَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّيَ فَزَعَمَ أنّي لاَ أَقْدِرُ أنْ أُعِيدَهُ كَما كانَ، وَأَمَّا
شَتْمُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ لِي وَلَدٌ فَسُبْحَانِي أَنْ أَتَّخِذَ صَاحِبَةً أوْ وَلَدً)).
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن
عبد الله بن أبي حسين) بضم الحاء وفتح السين القرشي النوفلي الكوفي أنه قال: (حدّثنا نافع بن
جبير) بضم الجيم وفتح الموحدة ابن مطعم القرشي (عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي (وَفيه)
أنه (قال):
(قال الله) تعالى: (كذبني ابن آدم) بتشديد الذال المعجمة من التكذيب وهو نسبة المتكلم إلى
أن خبره خلاف الواقع والمراد البعض من بني آدم (ولم يكن له ذلك) ولأبي ذر: ولم يكن ذلك له

٢٢
كتاب تفسير القرآن/ سورة البقرة
بالتقديم والتأخير (وشتمني) من الشتم وهو توصيف الشخص بما فيه إزراء ونقص تعالى الله عن
ذلك علوًا كبيرًا (ولم يكن له ذلك) التكذيب والشتم (فأما تكذيبه إياي فزعم أني لا أقدر أن أعيده
كما كان) ووقع في رواية الأعرج في سورة الإخلاص وليس أوّل الخلق بأهون عليّ من إعادته
(وأما شتمه إياي فقوله لي ولد) وإنما كان شتمًا لما فيه من التنقيص لأن الولد إنما يكون عن والدة
تحمله ثم تضعه ويستلزم ذلك سبق النكاح والناكح يستدعي باعثًا له على ذلك والله تعالى منزه عن
ذلك (فسبحاني) أي تنزهت (أن أتخذ صاحبة أو ولدًا) أن مصدرية أي من اتخاذي الزوجة والولد لما
كان البارىء سبحانه وتعالى واجب الوجود لذاته قديمًا موجودًا قبل وجود الأشياء، وكان كل
مولود محدثًا انتفت عنه الوالدیة، ولما كان لا یشبهه أحد من خلقه ولا یجانسه. حتی یکون له من
جنسه صاحبة فيتوالد انتفت عنه الوالدية ومن هذا قوله تعالى: ﴿أَنّى يكون له ولد ولم تكن له
صاحبة﴾ [الأنعام: ١٠١].
٩ - باب ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلَّى﴾
[البقرة: ١٢٥] مَثَابَةً يَثُوبُونَ: يَرْجِعُونَ
هذا (باب) بالتنوين (﴿واتخذوا﴾) وسقط لغير أبي ذر باب وقال بدله قوله واتخذوا (﴿من
مقام إبراهيم مصلى﴾). [البقرة: ١٢٥] بكسر خاء اتخذوا بلفظ الأمر فقيل عطف على اذكروا إذا
قيل إن الخطاب هنا لبني إسرائيل أي: اذكروا نعمتي واتخذوا من مقام إبراهيم، وقرأ نافع وابن
عامر: واتخذوا ماضيًا بلفظ الخبر قبل عطفًا على جعلنا أي: واتخذ الناس مقامه الموسوم به يعني
الكعبة قبلة يصلون إليها (﴿مثابة﴾) [البقرة: ١٢٥] قال أبو عبيدة في تفسيره: (يثوبون. يرجعون)
وعن ابن عباس مما رواه الطبري قال: يأتونه ثم يرجعون إلى أهليهم ثم يعودون إليه لا يقضون
منه وطرًا.
٤٤٨٣ - حدّثنا مُسَدَّدٌ عَنْ يَخْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُ وَاقَقْتُ اللَّهَ فِي ثَلاثٍ أوْ وَافَقَنِي رَبِّي فِي ثَلاثٍ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوِ اتَّخَذْتَ مِنْ مَقْامِ
إبْرَاهِيمَ مُصَلَّى؟ وَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ يَدْخُلُ عَلَيْكَ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ فَلَوْ أمَرْتَ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ
بِالْحِجَابِ؟ فَأَنْزَّلَ اللَّهُ آيَةَ الْحِجَابِ، قالَ: وَبَلَغَنِي مُعْاتَبَةُ النَّبِيِّ ◌َّهَ بَعْضَ نِسَائِهِ فَدَخَلْتُ عَلَيْهِنَّ
قُلْتُ: إنِ أَنْتَهَيْتُنَّ أَوْ لَيُبَدَّلَنَّ اللَّهُ رَسُولَهُ وَهِ خَيْرًا مِنْكُنَّ، حَتَّى أَتَيْتُ إِحْذِى نِسَائِهِ قَالَتْ: يَا عُمَرُ
أمّا فِي رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ مَا يَعِظُ نِسَاءَهُ حَتَّى تَعِظَهُنَّ أَنْتَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلْقَكُنَّ أنْ يُبَدِّلَهُ
أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِماتٍ﴾ [التحريم: ٥] الآيَةَ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي مَرْيَّمَ، أخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ،
حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ سَمِعْتُ أَنَّسًا عَنْ عُمَّرَ.
وبه قال: (حدّثنا مسدد) بالمهملات ابن مسرهد (عن يحيى بن سعيد) القطان (عن حميد)

٢٣
كتاب تفسير القرآن/ سورة البقرة
الطويل (عن أنس) أنه (قال: قال عمر بن الخطاب (رضي الله عنه: وافقت الله) ولأبي الوقت:
وافقت ربي (في ثلاث) أي قضايا (أو وافقني ربي في ثلاث) بالشك وذكر الثلاث لا يقتضي نفي
غيرها، فقد روي عنه موافقات بلغت خمسة عشرًا كقصة الأساري (قلت: يا رسول الله لو اتخذت
من مقام إبراهيم مصلى) بين يدي القبلة يقوم الإمام عنده وسقط من في الفرع كأصله، وزاد في
باب ما جاء في القبلة من كتاب الصلاة فنزلت: (﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾ وقلت: يا
رسول الله يدخل عليك) أي في حجر أمهات المؤمنين (البر والفاجر) أي الفاسق وهو مقابل البر
(فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب) وجواب لو محذوف في الموضعين أو هي للتمني فلا تفتقر
لجواب، وعند ابن مالك هي لو المصدرية أغنت عن فعل التمني ( فأنزل الله آية الحجاب) وثبت
قوله فأنزل الله آية الحجاب في اليونينية وسقط من فرعها (قال) أي عمر: (وبلغني معاتبة
النبي ◌ّله بعض نسائه) حفصة وعائشة (فدخلت عليهن قلت): ولأبي ذر فقلت بزيادة الفاء (إن
انتهيتن أو ليبدلن الله رسوله $) سقطت التصلية لغير أبي ذر (خيرًا منكنّ حتى أتيت إحدى نسائه
قالت: يا عمر أما) بالتخفيف (في رسول الله (*) سقطت التصلية أيضًا لغير أبي ذر (ما يعظ
نساءه حتى تعظهن أنت) والقائلة هذا هي أم سلمة كما في سورة التحريم بلفظ فقالت أم سلمة:
عجبًا لك يا ابن الخطاب دخلت في كل شيء حتى تبتغي أن تدخل بين رسول الله صل﴿ وأزواجه.
وقال الخطيب: هي زينب بنت جحش وتبعه النووي (فأنزل الله: ﴿عسى ربه إن طلقكن أن يبدله
أزواجًا خيرًا منكن مسلمات﴾ [التحريم: ٥] الآية).
وهذا الحديث سبق في باب: ما جاء في القبلة من الصلاة.
(وقال ابن أبي مريم): هو سعيد بن محمد بن الحكم بن أبي مريم المصري مما رواه المؤلف
في الصلاة مذاكرة (أخبرنا يحيى بن أيوب) الغافقي قال: (حدّثني) بالإفراد (حميد) الطويل قال:
(سمعت أنسًا عن عمر) رضي الله تعالى عنهما.
١٠ - باب قَوْله تَعْالَى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوْاعِدَ
مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبََّا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾
[البقرة: ١٢٧] الْقَوْاعِدُ: أساسُهُ وَاحِدَتُهَا قَاعِدَةٌ وَالْقَوْاعِدُ مِنَ النَّسَاءِ وَاحِدُهَا قَاعِدٌ
(قوله تعالى: ﴿وإذ﴾) ولأبي ذر باب بالتنوين وإذ (﴿يرفع إبراهيم القواعد من البيت
وإسماعيل﴾) كان يناوله الحجارة وإنما عطفه عليه لأنه كان له مدخل في البناء (﴿ربنا تقبل منا﴾)
أي يقولان ربنا والجملة حال منهما (﴿إنك أنت السميع﴾) لدعائنا (﴿العليم)) [البقرة: ١٢٧]
بنياتنا. قال المؤلف: (القواعد أساسه واحدتها قاعدة والقواعد من النساء واحدها) ولأبي ذر
واحدتها بزيادة تاء التأنيث وفي نسخة واحدتهن بنون النسوة (قاعد) بغير تاء تأنيث، ففيه إشارة إلى
الفرق بينهما في مفرديهما.

٢٤
كتاب تفسير القرآن/ سورة البقرة
٤٤٨٤ - حدّثنا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ
عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدٍ بْنٍ أَبِي بَكْرٍ، أخْبَرَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَغْالَى عَنْهَا زَوْجِ
النّبِيِّ وَ﴿ أَنَّ النَّبِيَِِّ ◌َّ قَالَ: (أَلَمْ تَرَيْ أنْ قَوْمَكِ بَنَوا الْكَعْبَةَ وَأَقْتَصَرُوا عَنْ قَوْاعِدِ إِبْرَاهِيمَ؟))
فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله ألا تَرُدُّها عَلَى قَوْاعِدِ إِبْرَاهِيمَ؟ قَالَ: (لَوْلاَ حِدْتَانُ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ) فَقَالَ
عَبْدُ اللَّه بْنُ عُمَرَ: لَئِنْ كَانَتْ عَائِشَةُ سَمِعَتْ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وَهِ هَا أُرَى رَسُولَ اللهِوَهْ تَرَكَ
اسْتِلاَمَ الرُّكْتَيْنِ الْلَذَيْنِ يَلِيَانِ الْحِجْرَ، إلاَّ أنَّ الْبَيْتَ لَمْ يُتَمِّمْ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ.
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أويس (قال: حدثني) بالإفراد (مالك) الإمام (عن ابن
شهاب) الزهري (عن سالم بن عبد اللّه) بن عمر بن الخطاب (أن عبد الله بن محمد بن أبي بكر)
الصديق رضي الله عنه (أخبر عبد الله بن عمر عن عائشة رضي الله تعالى عنها زوج النبي وَل قر أن
النبي ◌َ﴾ قال) لها:
(ألم تري) بحذف النون للجزم أي ألم تعرفي (أن قومك) قريشًا (بنوا الكعبة واقتصروا عن
قواعد إبراهيم) قالت عائشة (فقلت: يا رسول الله ألا تردها) بضم الدال ولأبي ذر بفتحها (على
قواعد إبراهيم قال: لولا حدثان قومك) أي قريش بكسر الحاء وسكون الدال المهملتين وفتح
المثلثة مبتدأ خبره محذوف وجوبًا أي موجود يعني قرب عهدهم (بالكفر) أي لرددتها على قواعد
إبراهيم، وفي باب: فضل مكة وبنيانها من الحج لفعلت (فقال عبد الله بن عمر) رضي الله تعالى
عنهما: (لئن كانت عائشة) رضي الله تعالى عنها (سمعت هذا من رسول الله وخلي ما أرى) بضم
الهمزة أي ما أظن (رسول الله وإفي ترك استلام الركنين اللذين يليان الحجر) بكسر الحاء وسكون
الجيم أي يقربان منه (إلا أن البيت لم يتمم) بتشديد الميم الأولى مفتوحة أي ما نقص منه وهو الذي
كان في الأصل (على قواعد إبراهيم) عليه الصلاة والسلام.
وهذا الحديث سبق في الحج ومطابقته للترجمة في قوله: واقتصروا عن قواعد إبراهيم.
١١ - باب ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْتًا﴾ [البقرة: ١٣٦]
هذا (باب) بالتنوين (﴿قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا﴾﴾ [البقرة: ١٣٦] القرآن والخطاب
للمؤمنين وسقط لفظ باب لغير أبي ذر.
٤٤٨٥ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشّارٍ، حَدَّثَنْا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، أَخْبَرَنًا عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ
يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَّةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ
يَقْرَؤُونَ التَّوْرَاةَ بِالْعِبْرَانِيَّةِ وَيُفَسْرُونَها بِالْعَرَبِيَّةِ لأَهْلِ الإسْلامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((لا تُصَدَّقُوا
أهْلَ الْكِتابِ، وَلا تُكَذِّبُوهُمْ وَقُولُوا ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَّ إلَيْنا﴾ [البقرة: ١٣٦]. [الحديث
٤٤٨٥- طرفاه في: ٧٢٦٢ - ٧٥٤٢].

٢٥
كتاب تفسير القرآن/ سورة البقرة
وبه قال: (حدّثنا) بالجمع ولأبي ذر حدّثني (محمد بن بشار) بالموحدة والمعجمة المشددة
العبدي البصري يقال له بندار قال: (حدّثنا عثمان بن عمر) بضم العين ابن فارس البصري قال:
(أخبرنا علي بن المبارك) الهنائي بضم الهاء وتخفيف النون ممدودة (عن يحيى بن أبي كثير) بالمثلثة
الطائي مولاهم (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف الزهري (عن أبي هريرة رضي الله عنه)
أنه (قال: كان أهل الكتاب) اليهود (يقرؤون التوراة بالعبرانية) بكسر العين المهملة وسكون الموحدة
(ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله (ص ﴿):
(لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم) يعني إذا كان ما يخبرونكم به محتملاً لئلا يكون في
نفس الأمر صدقًا فتكذبوه أو كذبًا فتصدقوه فتقعوا في الحرج (وقولوا: ﴿آمنا بالله وما أنزل إلينا﴾)
[البقرة: ١٣٦] ولغير أبي ذر: الآية بدل قوله إلينا.
١٢ - باب ﴿سَيَقُولُ الْسُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي
كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ للَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
﴿سيقول السفهاء﴾ وفي بعض النسخ وعزاه في الفتح لأبي ذر (باب) قوله تعالى: (﴿سيقول
السفهاء من الناس﴾) المنكرين لتغيير القبلة من مشركي العرب أو أحبار يهود أو المنافقين والجار
والمجرور في محل نصب على الحال من السفهاء والعامل فيها سيقول وهي حال مبينة (﴿ما
ولاهم﴾) أي ما صرفهم (﴿عن قبلتهم التي كانوا عليها﴾) يعني بيت المقدس، ولا بد من حذف
مضاف في عليها أي على توجيهها وجملة الاستفهام في محل نصب بالقول (﴿قل الله المشرق
والمغرب﴾)، حيثما وجهنا توجهنا فالطاعة في امتثال أمره ولو وجهنا كل يوم مرات إلى جهات
متعددة فنحن عبيده وفي تصريفه وخدامه (﴿يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم)) وسقط من
قوله: (التي كانوا عليها) إلى آخره لأبي ذر، وقال بعد قوله: (عن قبلتهم) الآية.
٤٤٨٦ - حدثنا أَبُو نُعَيْمِ سَمِعَ زُهَيْرًا عَنْ أَبِي إسحقَ، عَنِ الْبَرَاءِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالَى عَنْهُ أنَّ
النَّبِيِّ ◌َ﴿ِ صَلَّى إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِنَّةَ عَشَرَ شَهْرًا - أَوْ سَبْعَةً عَشَرَ شَهْرًا - وَكَانَ يُعْجِبُهُ أنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ
قِبَلَ الْبَيْتِ، وَإِنَّهُ صَلَّى أوْ صَلاَّهَا صَلاَةَ الْعَصْرِ، وَصَلَّى مَعَهُ قَوْمٌ فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ صَلَّى مَعَهُ فَمَرَّ
عَلَى أهْلِ الْمَسْجِدِ، وَهُمْ رَاكِعُونَ قَالَ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ◌َهِ قِبَلَ مَكَّةَ، فَدَارُوا كَمَّا
هُمْ قِبَلَ الْبَيْتِ وَكَانَ الَّذِي مَاتَ عَلَى الْقِبْلَةِ قَبْلَ أَنْ تُحَوَّلَ قِبَلَ الْبَيْتِ رِجَالٌ قُتِلُوا لَمْ نَدْرِ مَا نَقُولُ
فِيهِمْ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٤٣].
وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين أنه (سمع زهيرًا) بضم الزاي مصغرًا ابن
معاوية (عن أبي إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي (عن البراء) بن عازب (رضي الله عنه أن
النبي) وفي نسخة أن رسول الله (* صلّ إلى بيت المقدس) بالمدينة (ستة عشر شهرًا أو سبعة

٢٦
كتاب تفسير القرآن/ سورة البقرة
عشر شهرًا) بالشك من الراوي، وسقط شهرًا الأول لأبي ذر (وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل
البيت) بكسر القاف وفتح الموحدة أي جهة البيت العتيق (وأنه صلى أو صلاها صلاة العصر)
بالشك من الراوي ونصب صلاة بدلاً من الضمير المنصوب في صلاها (وصلى معه) عليه الصلاة
والسلام (قوم) لم أعرف أسماءهم (فخرج رجل) هو عباد بن بشر أو عباد بن نهيك (ممن كان صلى
معه) عليه الصلاة والسلام (فمرّ على أهل المسجد) من بني حارثة والمسجد بالمدينة أو مسجد قباء
(وهم راكعون) حقيقة أو من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل (قال: أشهد) أي أحلف (بالله لقد
صليت مع النبي * قبل مكة) أي حال كونه متوجهًا إليها (فداروا كما هم) عليه (قبل البيت)
جهة البيت العتيق (وكان الذي مات على القبلة قبل أن تحوّل قبل البيت) الحرام (رجال قتلوا لم ندر
ما نقول فيهم) ذكر الواحدي في أسباب النزول منهم: أسعد بن زرارة، وأبا أمامة أحد بني
النجار، والبراء بن معرور أحد بني سلمة، لكن ذكر أن أسعد بن زرارة مات في السنة الأولى من
الهجرة، والبراء بن معرور في صفر قبل قدومه وَ ل﴿ المدينة بشهر (فأنزل الله تعالى: ﴿وما كان الله
ليضيع إيمانكم﴾)، صلاتكم إلى بيت المقدس (﴿إن الله بالناس لرؤوف رحيم﴾) [البقرة: ١٤٣]
فلا يضيع أجورهم، وفي رواية أبي ذر بعد قوله: (إيمانكم) الآية وسقط ما بعدها.
وهذا الحديث سبق في كتاب الإيمان في باب الصلاة من الإيمان.
١٣ - باب ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْتَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا
شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]
(﴿وكذلك﴾) ولأبي ذر: باب قوله تعالى: ﴿وكذلك﴾ أي وكما جعلناكم مهديين إلى
الصراط المستقيم وجعلنا قبلتكم أفضل القبل (﴿جعلناكم أمة وسطا﴾) أي خيارًا أو عدولاً وجعل
بمعنى صير فيتعدى لاثنين فالضمير مفعول أوّل وأمة ثان ووسطًا نعت وهو بالتحريك اسم لما بين
الطرفين، ويطلق على خيار الشيء، وقيل: كل ما صلح فيه لفظ بين يقال بالسكون وإلا
فبالتحريك تقول: جلست وسط القوم بالتحريك، وقيل المفتوح في الأصل مصدر والساكن ظرف
(﴿لتكونوا شهداء على الناس﴾) يوم القيامة (﴿ويكون الرسول عليكم شهيدًا﴾﴾ [البقرة: ١٤٣]
علة للجعل.
٤٤٨٧ - هقثنا يُوسُفُ بْنُ رَاشِدٍ، حَدَّثَنْا جَرِيرٌ وَأَبُو أُسَامَةَ وَاللَّفْظُ لِجَرِيرٍ، عَنِ الأَعْمَشِ،
عَنْ أَبِي صالِحٍ، وَقَالَ أُسَامَةَ: حَدَّثَنْا أَبُو صالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعْالَى عَنْهُ،
قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((يُدْعُى نُوحٌ يَوْمَ الْقِيَّامَةِ فَيَقُولُ: لَبَيْكَ وَسَعْدَيْكَ يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: هَلْ
بَلْغْتَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ. فَيُقَالُ لأُمَّتِهِ هَلْ بَلَّغَكُمْ: فَيَقُولُونَ: لما أثاثًا مِنْ نَذِيرٍ، فَيَقُولُ: مَنْ يَشْهَدُ
لَكَ؟ فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ فَيَشْهَدُونَ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ، ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ فَذْلِكَ قَوْلُهُ
جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ

٢٧
كتاب تفسير القرآن/ سورة البقرة
شَهِيدًا﴾، وَالْوَسَطُ: الْعَذْلُ. [سورة البقرة: ١٤٣].
وبه قال: (حدّثنا) بالجمع ولأبي ذر: حدّثني (يوسف بن راشد) هو يوسف بن موسى بن
راشد بن بلال القطان الكوفي قال: (حدّثنا جرير) هو ابن عبد الحميد (وأبو أسامة) حماد بن
أسامة (واللفظ) أي لفظ المتن (لجرير عن الأعمش) سليمان بن مهران (عن أبي صالح) ذكوان
الزيات (وقال أبو أسامة): حماد يعني عن الأعمش (حدّثنا أبو صالح) ذكوان ففيه تصريح الأعمش
بالتحديث (عن أبي سعيد) سعد بن مالك بن سنان (الخدري رضي الله تعالى عنه) أنه (قال: قال
رسول الله (*):
(يدعى نوح يوم القيامة فيقول: لبيك وسعديك يا رب. فيقول: هل بلغت؟ فيقول: نعم
فيقال لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير. فيقول: من يشهد لك؟ فيقول): يشهد لي
(محمد وأمته فيشهدون) له (أنه قد بلغ) زاد أبو معاوية عن الأعمش عند النسائي فقال: وما
علمكم؟ فيقولون: أخبرنا نبينا أن الرسل قد بلغوا فصدقنا. (﴿ويكون الرسول عليكم شهيدًا﴾)
فذلك قوله جل ذكره: (﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطًا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول
عليكم شهيدًا﴾ والوسط: العدل) هو مرفوع من نفس الخبر لا مدرج كما قاله في الفتح، وسقط
لأبي ذر لفظ جل ذكره.
وقد سبق الحديث في كتاب الأنبياء.
١٤ - باب ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إلاّ لِتَعْلَمَ
مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ
وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرُؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٤٣]
(﴿وما﴾) ولأبي ذر باب قوله: وما (﴿جعلنا القبلة التي كنت عليها﴾) قيل: القبلة مفعول
أول والتي كنت عليها ثان، فإن الجعل بمعنى التصيير أي الجهة التي كنت عليها وهي الكعبة،
فإنه عليه الصلاة والسلام كان يصلي إليها بمكة ثم لما هاجر أمر بالصلاة إلى بيت المقدس تألفًا
لليهود أي أن أصل أمرك أن تستقبل الكعبة وما جعلنا قبلتك بيت المقدس (﴿إلا لنعلم﴾) لنختبر
ونتبين (﴿من يتبع الرسول﴾) في الصلاة إلى الكعبة (﴿ممن ينقلب على عقبيه﴾) من يرتد عن دينه
بعد. ومن: موصول، ويتبع صلته، والموصول وصلته في محل المفعول بنعلم، وعلى عقبيه في محل
نصب على الحال.
قال البيضاوي: فإن قلت: كيف يكون علمه تعالى غاية الجعل وهو لم يزل عالمًا؟
وأجاب: بأن هذا وأشباهه باعتبار التعلق الحالي الذي هو مناط الجزاء والمعنى ليتعلق علمنا به
موجودًا، وقيل ليعلم رسوله والمؤمنون، لكنه أسند إلى نفسه لأنهم خواصه أو ليتميز الثابت عن

٢٨
كتاب تفسير القرآن/ سورة البقرة
المتزلزل كقوله تعالى: ﴿ليميز الله الخبيث من الطيب﴾ [الأنفال: ٣٧] فوضع العلم موضع التميز
المسبب عنه.
(﴿وإن كانت﴾) أي التحويلة أو القبلة (﴿لكبيرة﴾) لثقيلة شاقة وإن مخففة من الثقيلة دخلت
على ناسخ الابتداء والخبر واللام للفرق بينها وبين النافية (﴿إلاّ على الّذين هدى الله﴾) وهم
التائبون الصادقون في اتّباع الرسول والاستثناء مفرغ وجاز ذلك وإن لم يتقدمه نفي ولا شبهه لأنه
في معنى النفي ((وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾) أي بالقبلة المنسوخة أو صلاتكم إليها (﴿إن الله
بالناس لرؤوف رحيم﴾﴾ [البقرة: ١٤٣]. ولأبي ذر بعد قوله: ﴿من يتبع الرسول﴾ الآية وسقط
ما بعدها عنده.
٤٤٨٨ - حدّثنا مُسَدِّدٌ، حَدَّثَنْا يَخْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِيثَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ
رَضِيَ اللَّهُ تَعْالَى عَنْهُمْا: بَيْنَا النَّاسُ يُصَلُونَ الصَّبْحَ فِي مَسْجِدٍ قُبَاءٍ إِذْ جَاءَ فَقَالَ: أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى
النَّبِيِّ ◌َِّ قُرْآنَا أنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ فَأَسْتَقْبِلُوهُا فَتَوَجَّهُوا إِلَى الْكَعْبَةِ.
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن سفيان)
الثوري (عن عبد اللَّه بن دينار عن ابن عمر) بن الخطاب (رضي الله تعالى عنهما) أنه قال: (بينا
الناس) بغير ميم (يصلون الصبح في مسجد قباء) بالصرف على الأشهر (إذ جاء جاءٍ) هو عباد بن
بشر (فقال) لهم: (أنزل الله على النبي ◌َ﴿ قرآنًا) هو قوله تعالى: ﴿قد نرى تقلّب وجهك في
السماء﴾ [البقرة: ١٤٤] الآيات. (أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها) بكسر الموحدة على الأمر في
اليونينية وفرعها وبفتحها على الخبر (فتوجهوا إلى الكعبة) من غير أن تتوالى خطاهم عند التوجه بل
كانت مفرقة .
وهذا الحديث سبق في باب ما جاء في القبلة في أوائل كتاب الصلاة.
١٥ - باب ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ
فَلَتُوَلْيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلْ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾ [البقرة: ١٤٤]
(باب) (﴿قد نرى﴾) ولأبي ذر باب قوله: قد نرى (﴿تقلب وجهك في السماء﴾) أي تردد
وجهك في جهة السماء تطلعًا للوحي قبل، وقد يصرف المضارع إلى معنى المضي كهذه الآية
وأشبهها، وقول الزمخشري ﴿قد نرى﴾ ربما نرى ومعناه كثرة الرؤية كقوله:
قد أترك القرن مصفرًا أنامله
تعقبه أبو حيان بأنه شرح قوله: ﴿قد نرى﴾ بربما نرى، ورب عند المحققين لتقليل الشيء
في نفسه أو لتقليل نظيره، ثم قال: ومعناه كثرة الرؤية فهو مضاد لمدلول رب على مذهب الجمهور

٢٩
كتاب تفسير القرآن/ سورة البقرة
ثم ما ادعاه من كثرة الرؤية لا يدل عليه اللفظ لأنه لم يوضع للكثرة قد مع المضارع سواء أريد
المضي أم لا، وإنما فهمت من التقلب.
(﴿فلنولينك قبلة ترضاها﴾) تحبها وتتشوق إليها لمقاصد دينية وافقت مشيئة الله تعالى وحكمه
والجملة في محل نصب صفة القبلة (﴿فولّ وجهك شطر المسجد الحرام)) [البقرة: ١٤٤] نحوه
وجهته، ولغير أبي ذر بعد قوله: ﴿في السماء﴾ إلى ﴿عما يعملون﴾ وسقط ما بعدها.
٤٤٨٩ - حدثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنْا مُعْتَمِرٌ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللَّهُ تَعْالَى عَنْهُ
قَالَ: لَمْ يَبْقَ مِمِّنْ صَلَى الْقِبْلَتَيْنِ غَيْرِي.
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد اللَّه) المديني قال: (حدّثنا معتمر) بضم الميم الأولى وسكون
العين وفتح الفوقية وكسر الميم آخره راء (عن أبيه) سليمان بن طرخان (عن أنس رضي الله تعالى
عنه) أنه (قال: لم يبق ممن صلّ القبلتين) أي الصلاة إلى بيت المقدس وإلى الكعبة من المهاجرين
والأنصار (غيري) وهذا قاله أنس في آخر عمره.
١٦ - باب ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾
إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِنَّكَ إِذَا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٤٥]
((ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب﴾) اليهود (﴿بكل آية﴾) بكل برهان وحجة على أن الكعبة
قبلة (﴿ما تبعوا قبلتك﴾) أي لم يؤمنوا بها ولا صلّوا إليها، ولام لئن أتت موطئة للقسم المحذوف
وإن شرطية فاجتمع شرط وقسم فالجواب له (إلى قوله: ﴿إِنك إذًا لمن الظالمين)) [البقرة: ١٤٥].
والمعنى: ولئن اتبعت أهواءهم على سبيل الفرض، والتقدير وحاشاه الله من ذلك، ولأبي ذر بعد
قوله: ((ما تبعوا قبلتك﴾) الآية وأسقط ما بعده.
٤٤٩٠ - حدثنا خالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنًا سُلَيْمَانُ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِيثَارٍ، عَنِ ابْنٍ
عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْا بَيْنَمَا النَّاسُ فِي الصُّبْحِ بِقُبَاءٍ جَاءَهُمْ رَجُلٌ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَّهِ قَدْ
أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ، وَقَدْ أُمِرَ أنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ ألاَ فَاسْتَقْبِلُوهُا وَكَانَ وَجْهُ النَّاسِ إِلَى الشَّامِ
فَاسْتَدَارُوا بِوُجُوهِهِمْ إِلَى الْكَعْبَةِ.
وبه قال: (حدّثنا خالد بن مخلد) بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة البجلي الكوفي قال:
(حدّثنا سليمان) هو ابن بلال (قال: حدثني) بالإفراد (عبد الله بن دينار عن ابن عمر رضي الله
عنهما) أنه (قال: بينما الناس) بالميم (في) صلاة (الصبح بقباء جاءهم رجل) اسمه عباد بن بشر
(فقال: إن رسول الله وَ ل﴿ قد أنزل عليه الليلة قرآن) بالتنكير لأن المراد البعض أي قوله تعالى:
﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء﴾ [البقرة: ١٤٤] الآيات. وأطلق الليلة على بعض اليوم
الماضي وما يليه مجازًا (وقد أمر) بضم الهمزة مبنيًا للمفعول أي أمر الله تعالى نبيه عليه الصلاة

٣٠
كتاب تفسير القرآن/ سورة البقرة
والسلام (أن يستقبل الكعبة ألا) بتخفيف اللام (فاستقبلوها) بكسر الموحدة لا بفتحها كما لا يخفى
(وكان وجه الناس إلى الشام) تفسير من الراوي (فاستداروا بوجوههم إلى الكعبة) ولم يؤمروا بإعادة
ما صلوه إلى جهة بيت المقدس لأن النسخ لا يثبت في حق المكلف حتى يبلغه.
١٧ - باب ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ
كَمَا يَعْرِفُونَ أبْتَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾
- إِلَى قَوْلِهِ - ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [البقرة: ١٤٦، ١٤٧]
(﴿الذين آتيناهم الكتاب﴾) هم علماؤهم (﴿يعرفونه﴾) وَلتر بنعته وصفته (﴿كما يعرفون
أبناءهم﴾) روي أن عمر سأل عبد الله بن سلام عن رسول الله وَلقر فقال: أنا أعلم به مني
بابني. قال: ولم؟ قال: لأني لم أشك في محمد أنه نبي، فأما ولدي فلعلّ والدته خانت. زاد
السمرقندي في روايته أقر الله عينك يا عبد الله، وقيل الضمير في يعرفونه للقرآن، وقيل لتحويل
القبلة وظاهر سياق الآية ثم يقتضي اختياره (﴿وأن فريقًا منهم﴾) طائفة من اليهود (﴿ليكتمون
الحق﴾) محمدًا وما جاء به (إلى قوله: ﴿فلا تكونن من الممترين﴾) [البقرة: ١٤٦، ١٤٧].
الشاكين في أنه من ربك أو في كتمانهم الحق عالمين به، والمراد الأمة لأن الرسول لا يشك،
وسقط لأبي ذر (﴿وإن فريقًا﴾) إلى (﴿الحق)) قال إلى قوله: ((فلا تكونن من الممترين﴾) فزاد فلا
تكوننّ.
٤٤٩١ - حدثنا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِيثَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ:
بَيْنَا النَّاسُ بِقُبَاءٍ فِي صَلاَةِ الصُّبْحِ إِذْ جَاءَهُمْ آتٍ فَقَالَ: إِنَّ النَّبِيِّ ◌َ، قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ
وَقَدْ أُمِرَ أنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ فَاسْتَقْبِلُوهَا وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّامِ فَاسْتَدَارُوا إِلَى الْكَعْبَةِ.
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن قزعة) بفتح القاف والزاي والعين المهملة المفتوحات قال: (حدّثنا
مالك) الإمام (عن عبد اللَّه بن دينار عن ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما أنه (قال: بينا الناس)
بغير ميم (بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت) هو عباد بن بشر (فقال: إن النبي ◌َّر قد أنزل
عليه الليلة قرآن) أي قوله تعالى: ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء﴾ [البقرة: ١٤٤] الآيات
(وقد أمر) بضم الهمزة (أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها) بكسر الموحدة (وكانت وجوههم إلى الشام)
من كلام الراوي (فاستداروا إلى الكعبة) وهذه طريقة أخرى للحديث السابق.
١٨ - باب ﴿وَلِكُلِّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِيهَا فَأَسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ
أَيْتَمَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٤٨]
(﴿ولكل﴾) وفي نسخة باب ولكل من أهل الملل (﴿وجهة﴾) قبلة (﴿هو موليها﴾) وجهه

٣١
كتاب تفسير القرآن/ سورة البقرة
(﴿فاستبقوا الخيرات﴾) من أمر القبلة وغيرها (﴿أينما تكونوا يأت بكم الله جميعًا إن الله على كل
شيء قدير﴾﴾ [البقرة: ١٤٨]. أي هو قادر على جمعكم من الأرض وإن تفرقت أجسادكم
وأبدانكم، ووقع في رواية أبي ذر بعد قوله هو موليها الآية وسقط ما بعدها.
٤٤٩٢ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا يَخْيَى عَنْ سُفْيَانَ، حَدَّثَنِي أَبُو إِسْحُقَ
قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ رَضِيَ اللَّهُ تَعْالَى عَنْهُ قَالَ: صَلَيْنَا مَعَ النَّبِيِّ وََّ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَّرَ
- أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا - ثُمَّ صَرَفَهُ نَحْوَ الْقِبْلَةِ.
وبه قال: (حدّثنا) بالجمع ولأبي ذر: حدّثني (محمد بن المثنى) العنزي الزمن البصري (قال:
حذّثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن سفيان) الثوري أنه قال: (حدّثني) بالإفراد (أبو إسحاق)
عمرو بن عبد الله السبيعي (قال: سمعت البراء) بن عازب (رضي الله تعالى عنه قال: صلينا مع
النبي ( 98 نحو بيت المقدس) أي ونحن بالمدينة (ستة عشر أو سبعة عشر شهرًا) بالشك من الراوي
(ثم صرفه) أي صرف الله عز وجل نبيه و 98، ولأبي ذر عن الكشميهني ثم صرفوا بضم أوله مبنيًا
للمفعول أي صرف الله تعالى نبيه وأصحابه (نحو القبلة) أي الكعبة الحرام.
وهذا الحديث أخرجه مسلم في الصلاة والنسائي فيها وفي التفسير.
١٩ - باب ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ
فَوَّلْ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ
مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٤٩] شَطْرَهُ: تِلْقَاءَهُ
(﴿ومن حيث خرجت﴾) أي ومن أي مكان خرجت للسفر (﴿فولّ وجهك شطر المسجد
الحرام﴾) إذا صليت (﴿وإنه﴾) أي المأمور به وهو التوجه للكعبة (﴿للحق من ربك وما الله بغافل
عما تعملون﴾) [البقرة: ١٤٩]. فيجازيكم بأعمالكم، وفي رواية أبي ذر بعد قوله شطر المسجد
الحرام الآية وحذف ما بعدها (شطره) مبتدأ أي شطر المسجد الحرام وخبره (تلقاؤه).
٤٤٩٣ - حدثنا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدِّثَنْا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ
دِيثارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعْالَى عَنْهُمْا يَقُولُ: بَيْئَمَا النَّاسُ فِي الصُّبْحِ بِقُبَاءٍ إِذْ
جَاءَهُمْ رَجُلٌ فَقَالَ: أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ، فَأُمِرَ أنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ، فَاسْتَقْبِلُوهَا فَأَسْتَدَارُوا كَهَيْئَتِهِمْ
فَتَوَجَّهُوا إِلَى الْكَعْبَةِ، وَكَانَ وَجْهُ النَّاسِ إِلَى الشَّامِ .
وبه قال: (حدثنا موسى بن إسماعيل) التبوذكي قال: (حدّثنا عبد العزيز بن مسلم) القسملي
قال: (حدّثنا عبد الله بن دينار) العدوي مولاهم أبو عبد الرحمن المدني مولى ابن عمر (قال:

٣٢
كتاب تفسير القرآن/ سورة البقرة
سمعت ابن عمر رضي الله تعالى عنهما يقول: بينما الناس) بالميم وفي نسخة بإسقاطها (في) صلاة
(الصبح بقباء) في مسجده (إذ جاءهم رجل) هو عباد بن بشر (فقال) لهم: (أنزل الليلة) بضم
الهمزة (قرآن فأمر) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول أي النبي صل﴿ ولأبي ذر: وأمر بالواو بدل الفاء (أن
يستقبل الكعبة) إذا صلى (فاستقبلوها) بكسر الموحدة (فاستداروا) بالفاء ولغير أبي ذر: واستداروا
(كهيئتهم) من غير تغير (فتوجهوا إلى الكعبة) من غير أن تتوالى خطاهم عند التوجه (وكان وجه
الناس إلى الشام) تفسير من الراوي كما سبق.
٢٠ - باب ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلٌ وَجْهَكَ
شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرام وحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلَّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٥٠]
(﴿ومن حيث خرجت فولّ وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم
شطره﴾﴾ [البقرة: ١٥٠]. هذا أمر ثالث منه تعالى باستقبال الكعبة.
واختلف في حكمة التكرار فقيل: تأكيد لأنه أول ناسخ وقع في الإسلام على ما نص عليه
ابن عباس وغيره والنسخ من مظان الفتنة والشبهة، فبالحري أن يؤكد أمرها ويعاد ذكرها مرة بعد
أخرى، وقيل إنه منزل على أحوال. فالأول لمن هو مشاهد للكعبة، والثاني: لمن هو في مكة غائبًا
عن مشاهدة الكعبة، والثالث: لمن هو في غيرها من البلدان، أو الأول لمن بمكة، والثاني لمن هو
بغيرها من البلدان، والثالث لمن خرج في الأسفار، ولأبي ذر عن الكشميهني: شطره بالنصب
تلقاءه، وزاد في رواية غير أبي ذر قوله: ﴿وحيث ما كنتم﴾ إلى قوله: ﴿ولعلكم تهتدون﴾ أي إلى
ما ضلت عنه الأمم، ولذا كانت هذه الأمة أفضل الأمم وأشرفها.
٤٤٩٤ - حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ:
بَيْنَمَا النَّاسُ فِي صَلاَةِ الصُّبْحِ بِقُبَاءٍ إِذْ جَاءَهُمْ آتٍ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ﴿ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ،
وَقَدْ أُمِرَ أنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ فَأَسْتَقْبِلُوهُا وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّامِ فَأَسْتَدَارُوا إِلَى الْقِبْلَةِ.
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) الثقفي أبو رجاء البغلاني وسقط لأبي ذر ابن سعيد (عن
مالك) الإمام الأعظم (عن عبد الله بن دينار) مولى ابن عمر (عن ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما
أنه (قال: بينما) بالميم (الناس في صلاة الصبح بقباء إذ جاءهم آت) عباد (فقال) لهم: (إن
رسول الله ﴿ قد أنزل عليه الليلة) نصب على الظرفية وفي نسخة قرآن كالرواية السابقة، والمراد
﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء﴾ الآيات. (وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها) بكسر
الموحدة قال الراوي: (وكانت وجوههم) أي أهل قباء (إلى الشام فاستداروا إلى القبلة). ولأبي ذر
في نسخة أيضًا إلى الكعبة.

٣٣
كتاب تفسير القرآن/ سورة البقرة
٢١ - باب ﴿إِنَّ الصَّفْا وَالْمَزْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُتَاحَ عَلَيْهِ
أنْ يَطَّوَّفَ بِهِمْا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّه شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾. شَغَائِرُ: عَلامَاتٌ وَاحِدَتُها
شَعِيرَةٌ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: الصَّفْوَانُ: الْحَجَرُ وَيُقَالُ الْحِجَارَةُ الْمُلْسُ الَّتِي لاَ تُثْبِتُ شَيْئًا
وَالْوَاحِدَةُ صَفْوَانَةٌ بِمَعْنَى الصَّفْا، وَالصَّفْا لِلْجَمِيعِ
(﴿إن الصفا﴾) ولأبي ذر قوله إن الصفا (﴿والمروة﴾) إن واسمها وثم محذوف أي أن طواف
الصفا أو سعي الصفا أي الصفا والمروة علمين لجبلين معروفين واللام فيهما للغلبة والمروة الحجارة
الصغار والخبر قوله: (﴿من شعائر الله﴾) أي من مناسك الحج (﴿فمن حج البيت أو اعتمر﴾)
شرط في محل رفع الابتداء وحج في موضع جزم والبيت نصب على المفعول به لا على الظرف
والجواب قوله: (﴿فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾) الإجماع على مشروعية الطواف بهما في الحج
والعمرة، واختلف في وجوبه فعن مالك والشافعي أنه ركن لقوله عليه الصلاة والسلام: اسعوا
فإن الله كتب عليكم السعي. رواه أحمد، وعن الإمام أحمد أنه سنّة لقوله تعالى: (﴿فلا جناح
عليه﴾) فإنه يفهم منه التخيير وهو ضعيف لأن نفي الجناح يدل على الجواز الداخل في معنى
الوجوب فلا يدفعه، وعن أبي حنيفة أنه واجب يجبر الدم (﴿ومن تطوع خيرًا﴾) فعل طاعة وخيرًا
نصب على أنه صفة مصدر محذوف أي تطوع خيرًا (﴿فإن الله شاكر﴾) يقبل اليسير ويعطي الجزيل
أو شاكر بقبول أعمالكم (﴿عليم)) [البقرة: ١٥٨] بالثواب لا يخفى عليه طاعتكم.
(شعائر): ولأبي ذر الشعار (علامات، واحدتها شعيرة) وهي العلامة، والأجود في شعائر
الهمزة عكس معايش.
(وقال ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما فيما وصله الطبري من طريق علي بن أبي طلحة
عنه (الصفوان: الحجر، ويقال الحجارة الملس) بضم الميم وسكون اللام جمع أملس (التي لا تنبت
شيئًا) أبدًا كذا قاله أهل اللغة (والواحدة) أي واحدة الصفوان (صفوانة بمعنى الصفا، والصفا)
بالقصر (للجميع) وهي الصخرة الصماء وألف الصفا عن واو لقولهم صفوان والاشتقاق يدل عليه
لأنه من الصفر، وسقط للحموي من قوله وقال ابن عباس الخ.
٤٤٩٥ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنْا مَالِكٌ، عَنْ هِشْامِ بْنِ عُزْوَةً عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ
قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ◌َ﴿ وَأَنَا يَوْمَئِذٍ حَدِيثُ السِّنِّ أَرَأيْتِ قَوْلَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعالى: ﴿إِنَّ
الصَّفْا وَالْمَزْوَةَ مِنْ شَغَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ فَمْا
أُرِى عَلى أحَدٍ شَيْئًا أنْ لاَ يَطّوَّفَ بِهِمْا؟ فَقَالَتْ: عَائِشَةُ كَلاَّ. لَوْ كَانَتْ كَمَا تَقُولُ: كَانَتْ فَلا
◌ُتَاحَ عَلَيْهِ أنْ لاَ يَطَّوَّفَ بِهِمْا إِنَّمْا أُنْزِلَتْ هُذِهِ الآيَةُ فِي الأَنْصَارِ كَانُوا يُهِلُونَ لِمَنْاةَ، وَكَانَتْ مَنَّةٌ
حَذْوَ قُدَيْدٍ، وَكَانُوا يَتَحَرَّجُونَ أنْ يَطَّوَّفُوا بَيْنَ الصَّفْا وَالْمَزْوَةِ، فَلَمَّا جَاءَ الإسْلامُ سَأَلُوا
إرشاد الساري/ ج ١٠/ م ٣

٣٤
كتاب تفسير القرآن/ سورة البقرة
رَسُولَ اللَّهِ وَ﴿ عَنْ ذُلِكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿إِنَّ الصَّفْا وَالْمَزْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ
أَعْتَمَرَ فَلأْ جُنَاحَ عَلَيْهِ أنْ يَطَّوَّفَ بِهِمْا﴾ [البقرة: ١٥٨].
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن هشام بن
عروة عن أبيه) عروة بن الزبير بن العوّام (أنه قال: قلت لعائشة زوج النبي ◌َلي وأنا يومئذ حديث
السن أرأيت قول الله تبارك وتعالى: (﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر
فلا جناح عليه أن يطوّف بهما﴾ فما أرى) بضم الهمزة أي فما أظن ولأبي ذر فما أرى بفتحها
(على أحد شيئًا) من الإثم (أن لا يطوف بهما) لأن مفهوم الآية أن السعي ليس بواجب لأنها دلت
على رفع الجناح وهو الإثم وذلك يدل على الإباحة لأنه لو كان واجبًا لما قيل فيه مثل هذا (فقالت
عائشة)، رادة عليه قوله: (كلّ لو كانت كما تقول كانت فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما) بزيادة
((لا)) بعد ((أن)) فإنها كانت حينئذ تدل على رفع الإثم عن تاركه وذلك حقيقة المباح فلم يكن في
الآية نص على الوجوب ولا عدمه ثم بينت أن الاقتصار في الآية علی نفي الإثم له سبب خاص
فقالت: (إنما أنزلت هذه الآية في الأنصار كانوا) زاد في الحج قبل أن يسلموا (يهلون لمناة) بفتح
الميم والنون المخففة مجرور بالفتحة للعلمية والتأنيث وسميت بذلك لأن النسائك كانت تمنى أي
تراق عندها (وكانت مناة حذو قديد) بفتح الحاء المهملة وسكون الذال المعجمة آخره واو أي مقابل
قديد بضم القاف وفتح الدال موضع من منازل طريق مكة إلى المدينة (وكانوا يتحرجون) أي
يحترزون من الإثم (أن يطوفوا) بالتشديد وفي اليونينية بالتخفيف (بين الصفا والمروة) كراهية
لصنمي غيرهم أساف الذي كان على الصفا ونائلة الذي كان بالمروة وحبهم صنمهم الذي بقديد،
وكان ذلك سنّة في آبائهم من أحرم لمناة لم يطف بين الصفا والمروة (فلما جاء الإسلام سألوا
رسول الله ﴿ عن ذلك) الطواف بينهما (فأنزل الله) تعالى: (﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن
حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوّف بهما﴾).
وهذا الحديث سقط للحموي وقد سبق في باب وجوب الصفا والمروة من كتاب الحج
مطولاً.
٤٤٩٦ - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ غَاصِمِ بْنِ سُلَيْمَانَ قَالَ: سَأَلْتُ
أَنَسَ بْنَ مَالِكِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ الصَّفَا وَالْعَزْوَةِ فَقَالَ: كُنَّا نَرِى أَنَّهُمْا مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا
كَانَ الإِسْلاَمُ أمْسَكْنَا عَنْهُمْا فَأَنْزَّلَ اللَّهُ تَعْالَى: ﴿إِنَّ الصَّفْا وَالْمَزْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجِّ الْبَيْتَ
أوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ﴾.
وبه قال: (حدّثنا محمد بن يوسف) بن واقد الفريابي قال: (حدّثنا سفيان) هو الثوري (من
عاصم بن سليمان) الأحول البصري أبي عبد الرحمن أنه (قال: سألت أنس بن مالك رضي الله عنه
عن الصفا والمروة) في باب ما جاء في السعي بين الصفا والمروة؟ قال: قلت لأنس أكنتم تكرهون

٣٥
كتاب تفسير القرآن/ سورة البقرة
السعي بين الصفا والمروة؟ (فقال: كنا نرى) بفتح النون، ولأبي ذر: نري بضمها (أنهما من أمر
الجاهلية) الذي كانوا يتعبدون به (فلما كان الإسلام أمسكنا عنهما) فأنزل الله تعالى: (﴿إن الصفا
والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه﴾) كذا لأبي ذر ولغيره بعد ﴿إن
الصفا والمروة﴾ إلى قوله: ﴿أن يطوّف بهما﴾.
وهذا الحديث قد مرّ في الحج.
٢٢ - باب قَوْلِهِ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ
مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا﴾ [البقرة: ١٦٥] أَضْدَادًا: واحِدُها نِدٌّ
(باب قوله) تعالى: (﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادًا﴾) [البقرة: ١٦٥]. من
الأصنام (أضدادًا) كذا فسره أبو عبيدة وهو تفسير باللازم، لأن الندّ في اللغة المثل، وزاد أبو ذر
في روايته بعد قوله: ﴿أندادًا يحبونهم كحب الله﴾ يعني أضدادًا (واحدها ندّ) بكسر النون وتشديد
الدال المهملة، والكاف في ﴿كحب الله﴾ في محل نصب نعت لمصدر محذوف. وقال ابن عطية: حب
مصدر مضاف للمفعول في اللفظ، وهو في التقدير مضاف للفاعل المضمر التقدير: كحبكم الله أو
كحبهم الله، ومراده بالمضمر أن ذلك الفاعل من جنس الضمائر، ولا يريد أن الفاعل مضمر في
المصدر كما يضمر في الأفعال لأن هذا قول مردود، لأن المصدر اسم جنس لا يضمر فيه لجموده،
والمعنى أنهم يعظمونهم كتعظيم الله ويسوون بينه وبينهم في المحبة وسقط باب قوله لأبي ذر.
٤٤٩٧ - حدثنا عَبْدَانُ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبَدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ
النَّبِيُّ وَّهَ كَلِمَةً وَقُلْتُ أُخْرُى قالَ النَّبِيِّ بَّهِ: (مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ نِذَا دَخَلَ النَّارَ))
وَقُلْتُ: أَنَا مَنْ مُاتَ وَهُوَ لأُ يَدْعُو للَّهِ نِذَا دَخَلَ الْجَنَّةَ.
وبه قال: (حذّثنا عبدان) هو عبد اللَّه بن عثمان المروزي (عن أبي حمزة) بالحاء المهملة
والزاي محمد بن ميمون (عن الأعمش) سليمان بن مهران (عن شقيق) أبي وائل بن سلمة (عن
عبد اللَّه) بن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه (قال: قال النبي وَلتر كلمة وقلت أخرى قال
النبي ◌َڑ):
(من مات وهو يدعو من دون الله ندًا) مثلاً (دخل النار) والندّ المثل من ندّ ندودًا إذا نفر،
وناددت الرجل خالفته خص بالمخالف المماثل في الذات كما خص المساوي للمماثل في القدر،
وتسمية ما يعبده المشركون من دون الله أنداد لأنهم لما تركوا عبادته إلى عبادتها شابهت حالهم حال
من يعتقد أنها ذوات واجبة بالذات قادرة على أن تدفع عنهم بأس الله، وتمنحهم ما لم يرد الله تعالى
بهم من خیر فتهکم بهم وشنع عليهم بأن جعلوا أندادا لمن يمتنع أن یکون له ند.
(وقلت أنا: من مات وهو لا يدعوا الله ندًا دخل الجنة) لأن انتفاء السبب يقتضي انتفاء

٣٦
كتاب تفسير القرآن/ سورة البقرة
المسبب، فإذا انتفى دعوى الندّ انتفى دخول النار، وإذا انتفى دخولها لزم دخول الجنة إذا لا دار
بينهما، وأما أصحاب الأعراف فقد عرف استثناؤهم من العموم.
٢٣ - باب ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى
آلْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ - إلى قَوْلِهِ - ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] ﴿عُفِيَ﴾: تُرِكَ
(﴿يا أيها الذين آمنوا﴾) ولأبي ذر: باب بالتنوين (﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ ﴿كتب عليكم
القصاص في القتلى﴾) أي بسبب القتلى كقوله: ((دخلت امرأة النار في هرة)) والقصاص مأخوذ من
قصّ الأثر فكأن القاتل سلك طريقًا من القتل يقص أثره فيها ويمشي على سبيله في ذلك، والقتلى
جمع قتيل لفظ مؤنث تأنيث الجماعة أي فرض عليكم على التخيير إذا كان القتل عمدًا ظلمًا أن
يقتل (﴿الحر بالحر﴾ - إلى قوله - ﴿عذاب أليم)) [البقرة: ١٧٨]. وسقط لأبي ذر ﴿الحر بالحر﴾
وقال إلى ﴿أليم﴾ .
وقد روى ابن أبي حاتم في سبب نزول هذه الآية أن حيين من العرب اقتتلوا في الجاهلية
قبل الإسلام بقليل، وكان بينهم قتل وجراحات حتى قتلوا العبيد والنساء فلم يأخذ بعضهم من
بعض حتى أسلموا، وكان أحد الحيين يتطاول على الآخر في العدة والأموال، فحلفوا أن لا
يرضوا حتى يقتل الحر منكم بالعبد والذكر بالأنثى فنزلت. واستدل بها المالكية والشافعية على أنه
لا يقتل الحر بالعبد، لكن قال البيضاوي: لا دلالة فيها على أنه لا يقتل الحر بالعبد والذكر بالأنثى
كما لا يدل على عكسه فإن المفهوم إنما يعتبر حيث لم يظهر للتخصیص غرض سوى اختصاص
الحكم، وقد بيّنا ما كان الغرض وإنما منع مالك والشافعي قتل الحر بالعبد سواء كان عبده أو عبد
غيره لحديث: ((لا يقتل حر بعبد)) رواه الدارقطني.
وقال الحنفية: آية البقرة منسوخة بآية المائدة. ﴿النفس بالنفس) فالقصاص ثابت بين العبد
والحر والذكر والأنثى، ويستدلون بقوله عليه الصلاة والسلام: ((المسلمون تتكافأ دماؤهم)) وبأن
التفاضل غير معتبر في الأنفس بدليل أن جماعة لو قتلوا واحدًا قتلوا به. وأجيب: بأن دعوى
النسخ بآية المائدة غير سائغة لأنه حكاية ما في التوراة فلا ينسخ ما في القرآن. وعن الحسن وغيره
لا يقتل الرجل بالمرأة لهذه الآية، وخالفهم الجمهور وهو مذهب الأئمة الأربعة فقالوا: يقتل الذكر
بالأنثى والأنثى بالذكر بالإجماع، وحينئذ فما نقله في الكشاف عن الشافعي ومالك أنه لا يقتل
الذكر بالأنثى لا عمل عليه (﴿عفي﴾) [البقرة: ١٧٨] أي (ترك) وسقط ذلك في نسخ.
٤٤٩٨ - حدّثنا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنْا سُفْيَانُ، حَدَّثَنْا عَمْرٌو قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا، قالَ:
سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْا يَقُولُ: كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ الْقِصَاصُ، وَلَمْ تَكُنْ فِيهِمُ الدِّيَةُ.
فَقَالَ اللَّهُ تَغْالْى لِهَذِهِ الأُمَّةِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأَنْتُى

٣٧
كتاب تفسير القرآن/ سورة البقرة
بِالأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] فَالْعَفْوُ أنْ يَقْبَلَ الدِّيَةَ فِي الْعَمْدِ. ﴿فَاتَّبَاعٌ
بِالْمَعْرُوفِ وَأَذَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ يَتْبِعُ بِالْمَعْرُوفِ وَيُؤَدِّي بِإِحْسَانٍ ﴿ذُلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾
مِمَا كُتِبَ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذُلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ قَتَلَ بَعْدَ قَبُولِ الذِّيّةِ.
[الحديث ٤٤٩٨ - أطرافه في: ٦٨٨١].
وبه قال: (حدّثنا الحميدي) عبد الله بن الزبير بن عيسى المكي قال: (حدّثنا سفيان) بن
عيينة قال: (حدّثنا عمرو) هو ابن دينار (قال: سمعت مجاهدًا) هو ابن جبر المفسر (قال: سمعت
ابن عباس رضي الله عنهما يقول): كان في بني إسرائيل القصاص ولم تكن فيهم الدية فقال الله
تعالى لهذه الأمة: (﴿كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن
عُفي له من أخيه شيءٍ﴾) أي شيء من العفو لأن عفا لازم وفائدته الإشعار بأن بعض العفو
كالعفو التام في إسقاط القصاص، وقيل عُفي بمعنى ترك وشيء مفعول به وهو ضعيف إذ لم
يثبت عفا الشيء بمعنى تركه بل أعفاه وعفا يعدى بعن إلى الجاني وإلى الذنب. قال الله تعالى:
﴿عفا الله عنك﴾ [التوبة: ٤٣] وقال: ﴿عفا الله عنها﴾ [المائدة: ١٠١] فإذا عدى به إلى الذنب
عدى إلى الجاني باللام كأنه قيل: فمن عفى له عن جنايته من جهة أخيه يعني ولّ الدم، وذكره
بلفظ الأخوة الثابتة بينهما من الجنسية والإسلام ليرق له بعطف عليه قاله القاضي في تفسيره
(فالعفو أن يقبل) الولي (الدية) من المعفو عنه (في) القتل العمد ﴿فاتباع بالمعروف وأداء بإحسان﴾
يتبع) بتشديد الفوقية وكسر الموحدة ولأبي ذر يتبع بفتح التحتية وسكون الفوقية وفتح الموحدة أي
يطلب ولي المقتول الدية (بالمعروف) من غير عنف (ويؤدي) المعفو عنه الدية (بإحسان) من غير
مطل ولا بخس.
(﴿ذلك﴾) الحكم المذكور من العفو والدية (﴿تخفيف من ربكم﴾ مما كتب على من كان
قبلكم) [البقرة: ١٧٨] لأن أهل التوراة كتب عليهم القصاص فقط وحرم عليهم العفو وأخذ الدية
وأهل الإنجيل العفو، وحرم عليهم القصاص والدية، وخيرت هذه الأمة المحمدية بين الثلاثة:
القصاص والدية والعفو تيسيرًا عليهم وتوسعة (﴿فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم))
[البقرة: ١٧٨] أي (قتل) بفتحات (بعد قبول الدية) فله عذاب موجع في الآخرة أو في الدنيا بأن
يقتل لا محالة. قال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، عن الحسن عن سمرة قال: قال
رسول الله صلى: ((لا أعافي رجلاً) وفي رواية ((أحدًا قتل بعد أخذه الدية)) يعني لا أقبل منه الدية
بل أقتله.
٤٤٩٩ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ أنَّ أنَسّا حَدَّثَهُمْ عَنِ النَّبِيِّ ◌َُّ
قَالَ: ((كِتَابُ اللَّه الْقِصَاصُ)).
وبه قال: (حدّثنا محمد بن عبد اللَّه) بن المثنى بن عبد اللَّه بن أنس بن مالك بن النضر

٣٨
كتاب تفسير القرآن/ سورة البقرة
(الأنصاري) وسقط ابن عبد الله لأبي ذر قال: (حدّثنا حميد) الطويل (أن أنسّا حدثهم عن
النبي ◌َلقر قال):
(كتاب الله القصاص) برفعهما على أن كتاب الله مبتدأ والقصاص خبره ونصبهما على أن
الأول إغراء، والثاني بدل منه، ونصب الأول ورفع الثاني على أنه مبتدأ محذوف الخبر أي اتبعوا
كتاب الله ففيه القصاص، والمعنى حكم كتاب الله القصاص ففيه حذف مضاف وهو يشير إلى قوله
تعالى: ﴿والجروح قصاص﴾ وقوله: ﴿والسن بالسن﴾ [المائدة: ٤٥] وهو ثلاثي الإسناد مختصر
هنا ساقه مطوّلاً في الصلح، وفي هذا الباب بنحوه رباعيًا فقال بالسند إليه:
٤٥٠٠ - حدثني عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنِيرٍ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ بَكْرِ السَّهْمِيِّ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ عَنْ أَنَسِ أنَّ
الرُبَيِّعَ عَمَّتَهُ كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ جَارِيَةٍ فَطَلَبُوا إِلَيْهَا الْعَفْوَ، فَأَبَوْا فَعَرَضُوا الأَرْشَ فَأَبَوْا فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ وَهـ
وَأَبَوْا إِلاَّ الْقِصْاصَ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ وَهَ بِالْقِصْاصِ فَقَالَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتْكْسَرُ ثَنِيَّةُ
الرَّبَيْعِ، لاَ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقُ لاَ تُكْسَرُ ثَنِيَّتُها فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ هِ: (يا أَنَسُ كِتَابُ اللَّهِ
الْقِصْاصُ، فَرَضِيَ الْقَوْمُ فَعَفَوْا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ
لاَبَرَّهُ)).
(حذّثني) بالإفراد (عبد الله بن منير) بضم الميم وكسر النون وبعد التحتية الساكنة راء أبو
عبد الرحمن الزاهد المروزي أنه (سمع عبد الله بن بكر) بسكون الكاف (السهمي) قال: (حدّثنا
حميد) الطويل (عن أنس) رضي الله عنه (أن الربيع) بضم الراء وفتح الموحدة وتشديد التحتية
المكسورة بنت النضر (عمته) أي عمة أنس (كسرت ثنية جارية) أي امرأة شابة لا أمة إذ لا
قصاص بين الأمة والحرّة (فطلبوا) أي قوم الربيع (إليها العفو) عن الربيع (فأبوا) أي قوم الجارية
(فعرضوا) يعني قوم الربيع (الأرش فأبوا) إلا القصاص (فأتوا رسول الله (جَلي) ليقضي بينهم بحكم
الله (وأبوا) أي امتنعوا من أخذ الأرش والعفو (إلا القصاص فأمر رسول الله (صل* بالقصاص)
يحتمل أن يكون المراد بالكسر القلع أو كسرًا يمكن المماثلة فيه ليتصور القصاص المأمور به، وإلاّ
فلا قصاص في كسر عظم غير منضبط (فقال أنس بن النضر): بفتح النون وسكون الضاد المعجمة
عم أنس بن مالك (يا رسول الله أتكسر ثنية الربيع لا والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنيتها) ردّا
لحكم الشرع بل نفي لوقوعه توقعًا ورجاء من فضل الله تعالى أن يرضي خصمها ويلقي في قلبه
العفو عنها (فقال رسول الله (صَار):
(يا أنس كتاب الله) أي حكم كتاب الله (القصاص) وسقط قوله فقال رسول الله وَل فر إلى
آخره من الفرع (فرضي القوم فعفوا) عن الربيع (فقال رسول الله ◌َ له: إن من عباد الله من لو
أقسم على الله لأبره) أي جعله بارًا في قسمه وفعل ما أراده.

٣٩
كتاب تفسير القرآن/ سورة البقرة
٢٤ - باب ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ
الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾
(باب) ذكر قوله تعالى: (﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام﴾) مصدر صام يصوم
صيامًا الأصل صوامًا فأبدلت الواو ياء، والصوم لغة الإمساك وشرعًا الإمساك عن المفطرات
الثلاث الأكل والشرب والجماع نهارًا مع النية (﴿كما كتب على الذين من قبلكم﴾) قيل موضعه
نصب نعت مصدر محذوف أي كتب كتبًا وقيل كاف كما في موضع نصب على النعت تقديره كتابًا
كما أو صومًا كما أو علي الحال كأن الكلام كتب عليكم الصيام مشبهًا ما كتب على الذين من
قبلكم، والمعنی کما قیل صومکم کصومهم في عدد الأيام كما روي أن رمضان كتب على
النصارى فوقع في برد أو حر شديد فحوّلوه إلى الربيع وزادوا عليه عشرين يومًا كفارة لتحويله
فالتشبيه حقيقة. وروى ابن أبي حاتم من حديث ابن عمر مرفوعًا بإسناد فيه مجهول صيام رمضان
كتبه الله على الأمم قبلكم، أو المراد مطلق الصيام دون وقته وقدره، فالتشبيه واقع على نفس
الصوم فقط وكان الصوم على آدم عليه الصلاة والسلام أيام البيض وعلى قوم موسى عاشوراء
فالتشبيه لا يقتضي التسوية من كل وجه (﴿لعلكم تتقون)) [البقرة: ١٨٣] لأن الصوم فيه تزكية
للبدن وتضييق لمسالك الشيطان .
٤٥٠١ - حدّثنا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحيى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُمْا قَالَ: كَانَ عاشُورَاءُ يَصُومُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا نَزَلَ رَمَضَانُ قَالَ: مَنْ شاءَ صَامَهُ وَمَنْ
شاءَ لَمْ يَصُمْهُ.
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن
عبيد الله) بضم العين مصغرًا ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب أنه (قال:
أخبرني) بالإفراد (نافع) مولى ابن عمر (عن ابن عمر رضي الله عنهما) أنه (قال: كان عاشوراء
بصومه أهل الجاهلية) قریش ولعلهم اقتدوا في ذلك بشرع سبق (فلما نزل رمضان) أي صوم
رمضان في شعبان في السنة الثانية من الهجرة (قال) عليه الصلاة والسلام: (من شاء صامه ومن
شاء لم يصمه).
٤٥٠٢ - حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ
رَضِيَ اللَّهُ تَعالَى عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ عَاشُورَاءُ يُصْامُ قَبْلَ رَمَضَانَ، فَلَمَّا نَزَّلَ رَمَضَانُ مَنْ شاءَ صَامَ
وَمَنْ شَاءَ أَقْطَرَ.
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر حدّثني (عبد الله بن محمد) المسندي قال: (حدّثنا ابن عيينة)
سفيان (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (عن عروة) بن الزبير (عن عائشة رضي الله تعالى
١

٤٠
كتاب تفسير القرآن/ سورة البقرة
عنها) أنها (قالت: كان عاشوراء يصام قبل رمضان فلما نزل رمضان) أي فرض صومه زاد هنا
لغير أبي ذر لفظة قال: (من شاء صام) أي عاشوراء (ومن شاء أفطر).
٤٥٠٣ - حدثني مَحْمُودٌ أَخْبَرَنْا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ
عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: دَخَلَ عَلَيْهِ الأَشْعَثُ وَهُوَ يَطْعَمُ فَتْالَ: الْيَوْمُ عَاشُورَاءُ فَقَالَ: كَانَ يُضْامُ
قَبْلَ أنْ يَنْزِلَ رَمَضَانُ، فَلَمَّا نَزَلَ رَمَضَانُ تُرِكَ فَاذْنُ فَكُلْ.
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (محمود) هو ابن غيلان قال: (أخبرنا عبيد الله) بضم العين
مصغرًا ابن موسى بن باذام الكوفي (عن إسرائيل) بن يونس (عن منصور) هو ابن المعتمر (عن
إبراهيم) النخعي (عن علقمة) بن قيس (عن عبد الله) بن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه (قال:
دخل عليه الأشعث) بفتح الهمزة وسكون الشين المعجمة وبعد العين المهملة المفتحة مثلثة ابن قيس
الكندي، وكان ممن أسلم ثم ارتدّ بعد النبي ◌َّله، ثم رجع إلى الإسلام في خلافة الصديق رضي
الله تعالى عنه (وهو يطعم) بفتح أوّله وثالثه أي والحال أن عبد الله كان يأكل (فقال) أي
الأشعث: (اليوم عاشوراء) وعند مسلم من رواية عبد الرحمن بن يزيد فقال أي ابن مسعود يا أبا
محمد وهي كنية الأشعث ادن إلى الغداء قال أوليس اليوم يوم عاشوراء (فقال) أي ابن مسعود:
(كان يصام) يعني عاشوراء (قبل أن ينزل) بضم أوّله وفتح ثالثه لأبي ذر ولغيره بفتح ثم كسر
(رمضان فلما نزل رمضان ترك) بضم أوّله مبنيًا للمفعول أي ترك صومه (فادن) بهمزة الوصل أي
فاقرب (فكل).
وهذا الحديث أخرجه مسلم في الصوم.
٤٥٠٤ - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحيى، حَدَّثَنَا هِشْامٌ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ
عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعْالَى عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ تَصُومُهُ قُرَيْشٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ
النّبِيِّ ◌َ﴿ يَصُومُهُ، فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ ضَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ، فَلَمَّا نَزَلَ رَمَضَانُ كَانَ رَمَضَانُ الْفَرِيضَةَ
وَتُرِكَ عَاشُورَاءُ، فَكَانَ مَنْ شاءَ صَامَهُ وَمَنْ شَاءَ لَمْ يَصُمْهُ.
وبه قال: (حدّثنا) وفي الفرع كأصله حدّثني بالإفراد (محمد بن المثنى) العنزي الزمن البصري
قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان قال: (حدّثنا هشام) هو ابن عروة (قال: أخبرني) بالإفراد
(أبي) عروة بن الزبير (عن عائشة رضي الله تعالى عنها) أنها (قالت: كان يوم عاشوراء تصومه
قريش في الجاهلية، وكان النبي ﴿﴿ يصومه) زاد في كتاب الصوم في رواية أبوي الوقت وذر
وابن عساكر في الجاهلية (فلما قدم المدينة صامه) على عادته (وأمر) الناس (بصيامه، فلما نزل
رمضان كان رمضان الفريضة وترك عاشوراء فكان من شاء صامه ومن شاء لم يصمه).
واستدل بهذا على أن صيام عاشوراء كان فريضة قبل نزول رمضان ثم نسخ، لكن في