Indexed OCR Text

Pages 461-480

٤٦١
كتاب الوضوء/ باب ٦٦
فإن قلت: هذا مخالف لما عند المؤلف في الجهاد والديات أن رهطًا من عكل ثمانية. أجيب:
باحتمال أن يكون الثامن من غير القبيلتين، وإنما كان من أتباعهم، وقد كان قدومهم على رسول
الله * فيما قاله ابن إسحاق بعد قرد، وكانت في جمادى الأولى سنة ست، وذكرها المؤلف بعد
الحديبية وكانت في ذي القعدة منها. وذكر الواقدي أنها كانت في شوّال منها، وتبعه ابن حبان وابن
سعد وغيرهما، وللمؤلف في المحاربين أنهم كانوا في الصفة قبل أن يطلبوا الخروج إلى الإبل.
(فاجتووا المدينة) بالجيم وواوين أي أصابهم الجوى وهو داء الجوف إذا تطاول أو كرهوا
الإقامة بها لما فيها من الوخم، أو لم يوافقهم طعامها. وللمؤلف من رواية سعيد عن قتادة في هذه
القصة فقالوا: يا نبي الله إنّا كنّا أهل ضرع ولم نكن أهل ريف، وله في الطب من رواية ثابت عن
أنس أن ناسًا كان بهم سقم قالوا يا رسول الله آوِنا وأطعمنا، فلما صحوا قالوا: إن المدينة وخمة
والظاهر أنهم قدموا سقامًا من الهزال الشديد والجهد من الجوع مصفرة ألوانهم، فلما صحوا من
السقم أصابهم من حمى المدينة فكرهوا الإقامة بها. ولمسلم عن أنس وقع بالمدينة الموم بضم الميم
وسكون الواو وهو ورم الصدر فعظمت بطونهم، فقالوا: يا رسول الله إن المدينة وخمة (فأمرهم
النبي وَ له بلقاح) بلام مكسورة جمع لقوح وهي الناقة الحلوب كقلوص وقلاص أي أمرهم أن يلقحوا
بها. وعند المصنف في رواية همام عن قتادة فأمرهم أن يلحقوا براعيه، وعند أبي عوانة أنهم بدؤوا
بطلب الخروج إلى اللقاح فقالوا: يا رسول الله قد وقع هذا الوجع فلو أذنت لنا فخرجنا إلى الإبل.
وللمؤلف من رواية وهيب أنهم قالوا: يا رسول الله أبغنا رسلاً أي اطلب لنا لبنًا. قال: ((ما أجد
لكم إلا أن تلحقوا بالذود)» وعند ابن سعد أن عدد لقاحه وَ لو كان خمس عشرة، وعند أبي عوانة
كانت ترعى بذي الجدر بالجيم وسكون الدال المهملة ناحية قباء قريبًا من عين على ستة أميال من
المدينة .
(و) أمرهم عليه الصلاة والسلام (أن يشربوا) أي بالشرب (من أبوالها وألبانها فانطلقوا)
فشربوا منهما (فلما صحوا) من ذلك الداء وسمنوا ورجعت إليهم ألوانهم (قتلوا راعي النبي)
وللأصيلي وابن عساكر راعي رسول الله (بَّة) يسارًا النوبي، وذلك أنهم لما عدوا على اللقاح أدركهم
ومعه نفر فقاتلهم فقطعوا يده ورجله وغرزوا الشوك في لسانه وعينيه حتى مات، كذا في طبقات
ابن سعد. (واستاقوا) من الاستياق أي ساقوا سوقًا عنيفًا (النعم) بفتح النون والعين واحد الأنعام
وهي الأموال الراعية وأكثر ما يقع على الإبل، وفي بعض النسخ واستاقوا إبلهم (فجاء الخبر) عنهم
(في أول النهار فبعث) رسول الله وَلير (في آثارهم) أي وراءهم الطلب وهم سرية وكانوا عشرين
وأميرهم كرز بن جابر، وعند ابن عقبة سعيد بن زيد فأدركوا في ذلك اليوم فأخذوا (فلما ارتفع
النهار جيء بهم) إلى النبي ◌َّر وهم أسارى (فقطع) عليه الصلاة والسلام (أيديهم) جمع يد فأما أن
يراد بها أقل الجمع وهو اثنان كما هو عند بعضهم لأن لكلِّ منهم يدين، وأما أن يراد التوزيع عليهم
بأن ينقطع من كل واحد منهم يدًا واحدة والجمع في مقابلة الجمع يفيد التوزيع، وإسناد الفعل فيه

٤٦٢
کتاب الوضوء/ باب ٦٦
إلى النبي ◌َ ◌ّ مجاز، ويشهد له ما ثبت في رواية الأصيلي وأبي الوقت والحموي والمستملي
والسرخسي، فأمر بقطع، وفي فرع اليونينية فأمر فقطع أي أمر بالقطع فقطع أيديهم (وأرجلهم) أي
من خلاف كما في آية المائدة المنزلة في القضية كما رواه ابنا جرير وحاتم وغيرهما (وسمرت أعينهم)
بضم السين. قال المنذري: وتخفيف الميم أي كحلت بالمسامير المحماة، قال: وشددها بعضهم
والأول أشهر وأوجه، وقيل: سمرت أي فقئت أي كرواية مسلم سملت باللام مبنيًّا للمفعول أي
فقئت أعينهم فيكونان بمعنى لقرب مخرج الراء واللام. وعند المؤلف من رواية وهيب عن أيوب،
ومن رواية الأوزاعي عن يحيى كلاهما عن أبي قلابة ثم أمر بمسامير فأحميت فكحلهم بها، وإنما فعل
ذلك بهم قصاصًا لأنهم سملوا عيني الراعي وليس من المثلة المنهي عنها. (وألقوا) بضم الهمزة مبنيًّا
للمفعول (في الحرّة) بفتح الحاء المهملة وتشديد الراء في أرض ذات حجارة سود بظاهر المدينة النبوية
كأنها أحرقت بالنار، وكان بها الواقعة المشهورة أيام يزيد بن معاوية (يستسقون) بفتح أوله أي يطلبون
السقي (فلا يسقون) بضم المثناة وفتح القاف. زاد وهيب والأوزاعي حتى ماتوا. وفي الطب من
رواية أنس: فرأيت رجلاً منهم يكدم الأرض بلسانه حتى يموت، ولأبي عوانة يكدم الأرض ليجد
بردها مما يجد من الحر والشدة، والمنع من السقي مع كون الإجماع على سقي من وجب قتله إذا
استسقى إما لأنه ليس بأمره وَ لّ وإما لأنه نهى عن سقيهم لارتدادهم، ففي مسلم والترمذي أنهم
ارتدوا عن الإسلام، وحينئذ فلا حرمة لهم كالكلب العقور، واحتج بشربهم البول من قال بطهارته
نصًّا في بول الإبل وقياسًا في سائر مأكول اللحم وهو قول مالك وأحمد ومحمد بن الحسن من الحنفية
وابن خزيمة وابن المنذر وابن حبّان والإصطخري والروياني من الشافعية، وهو قول الشعبي وعطاء
والنخعي والزهري وابن سيرين والثوري. واحتجّ ابن المنذر بأن ترك أهل العلم بيع الناس أبعار
الغنم في أسواقهم، واستعمال أبوال الإبل في أدويتهم قديمًا وحديثًا من غير نكير دليل على
طهارتهما .
وأجيب بأن المختلف فيه لا يجب إنكاره فلا يدل ترك إنكاره على جوازه فضلاً عن طهارته،
وذهب الشافعي وأبو حنيفة والجمهور إلى أن الأبوال كلها نجسة إلا ما عفي عنه، وحملوا ما في
الحديث على التداوي فليس فيه دليل على الإباحة في غير حال الضرورة، وحديث أم سليم المروي
عند أبي داود أن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها محمول على حالة الاختيار، وأما حالة
الاضطرار فلا حرمة كالميتة للمضطر، لا يقال يرد عليه قوله وير في الخمر أنها ليست بدواء إنها داء
في جواب من سأل عن التداوي بها كما رواه مسلم، لأنّا نقول ذلك خاص بالخمر، ويلتحق به
غيره من المسكر، والفرق بين الخمر وغيره من النجاسات أن الحدّ ثبت باستعماله في حالة الاختيار
دون غيره، ولأن شربه يجر إلى مفاسد كثيرة، وأما أبوال الإبل فقد روى ابن المنذر عن ابن عباس
مرفوعًا: ((إن في أبوال الإبل شفاء للذربة بطونهم)) والذرب فساد المعدة فلا يقاس ما ثبت أن فيه دواء
على ما ثبت نفي الدواء عنه، وظاهر قول المؤلف في الترجمة أبوال الإبل والدواب جعل الحديث
حجة لطهارة الأرواث والأبوال مطلقًا كالظاهرية إلا أنهم استثنوا بول الآدمي وروثه. وتعقب بأن

٤٦٣
کتاب الوضوء/ باب ٦٧
القصة في أبوال المأكول ولا يسوغ قياس غير المأكول لظهور الفرق. وبقية مباحث الحديث تأتي إن
شاء الله تعالى.
ورواته الخمسة بصريون وفيه رواية تابعي عن تابعي والتحديث والعنعنة وأخرجه المؤلف هنا
وفي المحاربين والجهاد والتفسير والمغازي والديات، ومسلم في الحدود وأبو داود في الطهارة
والنسائي في المحاربة .
(قال أبو قلابة) عبد الله (فهؤلاء) العرنيون والعكليون (سرقوا) لأنهم أخذوا اللقاح من حزر
مثلها ولفظ السرقة قاله أبو قلابة استنباطًا، (وقتلوا) الراعي (وكفروا بعد إيمانهم وحاربوا الله
ورسوله). أطلق عليهم محاربين لما ثبت عند أحمد من رواية حميد عن أنس في أصل الحديث. وهربوا
محاربين. وقوله: وكفروا هو من روايته عن قتادة عن أنس في المغازي وكذا في رواية وهيب عن
أيوب في الجهاد في أصل الحديث فليس قوله: وكفروا وحاربوا موقوفًا على أبي قلابة ثم إن قول
قتادة هذا إن كان من مقول أيوب فهو مسند، وإن كان من مقول المؤلف فهو من تعاليقه.
٢٣٤ - حدثنا آدمُ قال: حدَّثَنا شُعبةُ قال: أخبرنا أبو النَّحِ عن أنَسٍ قال: كانَ النبيُّ وَّل
يُصلّي - قبلَ أن يُبنى المسجدُ - في مَرابِضٍ الغَنم. [الحديث ٢٣٤ - أطرافه في: ٤٢٨، ٤٢٩،
١٨٦٨، ٢١٠٦، ٢٧٧١، ٢٧٧٤، ٢٧٧٩، ٣٩٣٢].
وبه قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس (قال: حدثنا شعبة) بن الحجاج (قال: أخبرنا) وللأصيلي
حدّثنا (أبو التباح) بفتح المثناة الفوقية وتشديد التحتية آخره مهملة يزيد بن حميد كما في رواية
الأصيلي وأبي ذر (عن أنس) رضي الله عنه (قال):
(كان النبي ◌ُّير يصلي قبل أن يبنى المسجد) المدني (في مرابض الغنم) واستدل به على طهارة
أبوالها وأبعارها، لأن المرابض لا تخلو عنهما، فدلّ على أنهم كانوا يباشرونها في صلاتهم فلا تكون
نجسة. وأجيب باحتمال الصلاة على حائل دون الأرض، وعورض بأنها شهادة نفي، لكن قد يقال:
إنها مستندة إلى الأصل أي الصلاة من غير حائل. وأجيب: بأنه عليه الصلاة والسلام صلى في دار
أنس على حصير كما في الصحيحين، ولحديث عائشة الصحيح أنه كان يصلي على الخمرة.
ورواة الحديث الأربعة ما بين خراساني وكوفي وبصري وفيه التحديث والإخبار والعنعنة،
وأخرجه المؤلف أيضًا في الصلاة وكذا مسلم والترمذي والنسائي في العلم.
٦٧ - باب ما يَقعُ منَ النجاساتِ في السَّمنِ والماءِ
وقال الزُّهريُّ: لا بأسَ بالماءِ ما لم يُغَيِّره طَعمٌ أو رِيحٌ أو لون. وقال حَمّادٌ: لا بأسَ بِرِيشٍ
المَيْتة. وقال الزُّهريُّ في عِظام الموتى - نحوَ الفيلِ وغيره ـ أدركتُ ناسًا من سَلَفِ العُلماءِ

٤٦٤
کتاب الوضوء/ باب ٦٧
يَمْتَشِطُونَ بها ويدَّهِنونَ فيها لا يَرونَ به بأْسًا. وقال ابنُ سِيرينَ وإبراهيمُ: ولا بأسَ بتِجارَةِ العاج.
(باب) حكم (ما يقع من النجاسات) أي وقوع النجاسات (في السمن والماء. وقال الزهري)
محمد بن مسلم بن شهاب مما وصله ابن وهب في جامعه عن يونس عنه (لا بأس بالماء) أي لا حرج
في استعماله في كل حالة فهو محكوم بطهارته (ما لم يغيره) بكسر الياء فعل ومفعول والفاعل قوله
(طعم) أي من شيء نجس، (أو ريح أو لون) منه.
فإن قلت: كيف ساغ جعل أحد الأوصاف الثلاثة مغيرًا على صيغة الفاعل، والمغير إنما هو
الشيء النجس المخالط للماء. أجيب: بأن المغير في الحقيقة هو الماء، ولكن تغييره لما كان لم يعلم إلا
من جهة أحد أوصافه الثلاثة صار هو المغير فهو من باب ذكر السبب وإرادة المسبب، ومقتضى قول
الزهري أنه لا فرق بين القليل والكثير، وإليه ذهب جماعة من العلماء، وتعقبه أبو عبيد في كتاب
الطهور له بأنه يلزم منه أن من بال في إبريق ولم يغير للماء وصفًا أنه يجوز له التطهير به وهو
مستبشع، ومذهب الشافعي وأحمد التفريق بالقلّتين فما كان دونهما تنجس بملاقاة النجاسة، وإن لم
يظهر فيه تغير لمفهوم حديث القلّتين إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث صححه ابن حبان وغيره، وفي
رواية لأبي داود وغيره بإسناد صحيح فإنه لا ينجس، وهو المراد بقوله لم يحمل الخبث أي يدفع
النجس ولا يقبله وهو مخصص لمنطوق حديث الماء لا ينجسه شيء، وإنما لم يخرج المؤلف حديث
القلتين للاختلاف الواقع في إسناده، لكن رواته ثقات وصححه جماعة من الأئمة إلا أن مقدار القلتين
من الحديث لم يثبت، وحينئذ فيكون مجملاً، لكن الظاهر أن الشارع وإنما ترك تحديدهما توسعًا وإلا
فليس بخاف أنه عليه الصلاة والسلام ما خاطب أصحابه إلا بما يفهمون، وحينئذ فينتفي الإجمال
لكن لعدم التحديد وقع بين السلف في مقدارهما خلف، واعتبره الشافعي بخمس قرب من قرب
الحجاز احتياطًا، وقالت الحنفية: إذا اختلطت النجاسة بالماء تنجس إلا أن يكون كثيرًا وهو الذي إذا
حرك أحد جانبيه لم يتحرك الآخر، وقال المالكية: ليس للماء الذي تحلّه النجاسة قدر معلوم، ولكنه
متى تغير أحد أوصافه الثلاثة تنجس قليلاً كان أو كثيرًا فلو تغير الماء كثيرًا بحيث يسلبه الاسم بطاهر
يستغنى عنه ضرّ وإلا فلا.
(وقال حماد) بتشديد الميم ابن أبي سليمان شيخ أبي حنيفة مما وصله عبد الرزاق في مصنفه
(لا بأس) أي لا حرج (بريش الميتة) من مأكول وغيره إذا لاقى الماء لأنه لا يغيره أو أنه طاهر مطلقًا
وهو مذهب الحنفية والمالكية، وقال الشافعية: نجس. (وقال الزهري) محمد بن مسلم (في عظام
الموتى نحو الفيل وغيره) مما لم يؤكل (أدركت ناسًا) كثيرين (من سلف العلماء يمتشطون بها) أي
بعظام الموتى بأن يصنعوا منها مشطًا ويستعملوها (ويدهنون) بتشديد الدال (فيها) أي في عظام الموتى
بأن يصنعوا منها آنية يجعلون فيها الدهن (لا يرون به بأسًا) أي حرجًا فلو كان عندهم نجسًا ما
استعملوه امتشاطًا وادِهانًا، وحينئذ فإذا وقع عظم الفيل في الماء لا ينجسه بناء على عدم القول
بنجاسته، وهو مذهب أبي حنيفة لأنه لا تحله الحياة عنده، ومذهب الشافعي أنه نجس لأنه تحلّه الحياة

٤٦٥
کتاب الوضوء/ باب ٦٧
قال تعالى: ﴿قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة﴾ [يس: ٧٨]. وعند
مالك أنه يطهر إذا ذكي كغيره مما لم يؤكل إذا ذكي فإنه يطهر. (وقال) محمد (بن سيرين وإبراهيم)
النخعي (لا بأس بتجارة العاج) ناب الفيل أو عظمه مطلقًا، وأسقط السرخسي ذكر إبراهيم النخعي
كأكثر الرواة عن الفربري، ثم إن أثر ابن سيرين هذا وصله عبد الرزاق بلفظ: أنه كان لا يرى
بالتجارة في العاج بأسًا، وهو يدل على أنه كان يراه طاهرًا، لأنه كان لا يجيز بيع النجس ولا
المتنجس الذي لا يمكن تطهيره كما يدل له قصته المشهورة في الزيت، وإيراد المؤلف لهذا كله يدل
على أن عنده أن الماء قليلاً كان أو كثيرًا لا ينجس إلا بالتغير كما هو مذهب مالك.
٢٣٥ - حدّثنا إسماعيلُ قال: حدَّثني مالكٌ عنِ ابنِ شِهابٍ عن عُبَيدِ اللَّهِ بنِ عبدِ اللَّهِ
عنِ ابنِ عبّاسٍ عن مَيمونةَ أنَّ رسولَ اللَّهِ وَلهَ سُئلَ عن فأرةٍ سَقطتْ في سَمنٍ، فقال: ((ألقوها،
وما حَولَها فاطْرَحوهُ، وكلوا سَمنَكم)). [الحديث ٢٣٥ - أطرافه في: ٢٣٦، ٥٥٣٨، ٥٥٣٩،
٥٥٤٠].
وبالسند إلى المؤلف قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أويس (قال حدّثني) بالإفراد (مالك) هو
ابن أنس إمام دار الهجرة (عن ابن شهاب) زاد الأصيلي الزهري (عن عبيد الله) بضم العين (ابن
عبد الله) زاد ابن عساكر ابن عتبة بن مسعود (عن ابن عباس) رضي الله عنهما (عن ميمونة) أم
المؤمنين رضي الله عنها:
(أن رسول الله (وَلّ سئل) بضم السين مبنيًّا للمفعول، ويحتمل أن يكون السائل ميمونة (عن
فأرة) بهمزة ساكنة (سقطت في سمن) أي جامد كما عند عبد الرحمن بن مهدي وأبي داود الطيالسي
والنسائي فماتت كما عند المؤلف في الذبائح (فقال) عليه الصلاة والسلام: (ألقوها) أي ارموا الفأرة
(وما حولها) من السمن (فاطرحوه) الجميع (وكلوا سمنكم) الباقي ويقاس عليه نحو العسل والدبس
الجامدين وسقط للأربعة قوله: فاطرحوه وخرج بالجامد الذائب فإنه ينجس كله بملاقاة النجاسة
ويتعذر تطهيره ويحرم أكله ولا يصح بيعه. نعم يجوز الاستصباح به والانتفاع به في غير الأكل
والبيع، وهذا مذهب الشافعية والمالكية لقوله في الرواية الأخرى فإن كان مائعًا فاستصبحوا به،
وحرم الحنفية أكله فقط لقوله: انتفعوا به، والبيع من باب الانتفاع ومنع الحنابلة من الانتفاع به مطلقًا
لقوله في حديث عبد الرزاق وإن كان مائعًا فلا تقربوه.
ورواة هذا الحديث الستة مدنيون وفيه التحديث بالجمع والإفراد والعنعنة والقول، ورواية
صحابي عن صحابية، وأخرجه المؤلف أيضًا في الذبائح وهو من إفراده عن مسلم، وأخرجه أبو
داود والترمذي وقال: حسن صحيح والنسائي.
٢٣٦ - حقّثنا عليُّ بنُ عبدِ اللَّهِ قال: حدَّثَنا مَعْنٌ قال: حدَّثَنا مالكٌ عنِ ابنِ شِهابٍ عن
عُبيدِ اللَّهِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عُثْبةَ بنِ مَسعودٍ عنِ ابنِ عبّاسٍ عن مَيمونةَ أن النبيَّ وَّرَ سُئلَ عن فَأْرةٍ

٤٦٦
كتاب الوضوء/ باب ٦٧
سَقطتْ في سَمنِ فقال: ((خُذوها وما حَولَها فاطْرَحوه)). قال مَعنْ: حدَّثنا مالكٌ ما لا أُحصيهِ
يقول: عن ابنِ عبّاسٍ عن مَيمونة.
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني (قال: حدّثنا معن) بفتح الميم وسكون العين آخره
نون ابن عيسى أبو يحيى القزاز بالقاف والزايين المعجمتين أولاهما مشددة نسبة لشراء القز المدني،
المتوفى سنة ثمان وتسعين ومائة (قال: حدثنا مالك) الإمام (عن ابن شهاب) الزهري (عن عبيد الله)
بالتصغير (ابن عبد الله بن عتبة) بضم العين وسكون المثناة الفوقية (ابن مسعود عن ابن عباس) رضي
الله عنهما (عن ميمونة) رضي الله عنها :
(أن النبي ◌َّ- سئل) يحتمل أن السائل هي ميمونة كما يدل عليه رواية يحيى القطان وجويرية
عن مالك في هذا الحديث عند الدارقطني (عن فأرة) بالهمزة الساكنة (سقطت في سمن فقال) عليه
الصلاة والسلام: (خذوها) أي الفأرة (وما حولها) من السمن (فاطرحوه) أي المأخوذ وهو الفأرة وما
حولها أي وكلوا الباقي كما صرح به في الرواية السابقة فهو من إطلاق اللازم وإرادة الملزوم وفيه أنه
ينجس، وإن لم يتغير بخلاف الماء، والمراد بطرحه أن لا يأكلوه أما الاستصباح فلا بأس به كما مرَّ.
وفي هذا الحديث التحديث والعنعنة.
(قال معن) القزاز فيما قاله علي بن المديني بإسناده السابق (حدّثنا مالك ما لا أحصيه) بضم
الهمزة أي ما لا أضبطه (يقول عن ابن عباس عن ميمونة) أي فهو من مسانيد ميمونة برواية ابن
عباس كما في الموطأ من رواية يحيى بن يحيى وهو الصحيح، وقال الذهلي في الزهريات: إنه أشهر
وليس هو من مسانيد ابن عباس، وإن رواه القعنبي وغيره في الموطأ وأسقط أشهب ابن عباس
وأسقطه وميمونة يحيى بن بكير وأبو مصعب، ولهذا الاختلاف على مالك في إسناده ذكر المؤلف
معنا هذا بعد إسناده وسياق حديثه بنزول بالنسبة للإسناد السابق مع موافقته له في السياق.
٢٣٧ - حدثنا أحمدُ بنُ محمدٍ قال: أخبرنا عبدُ اللَّهِ قال: أخبرَنا مَعمَرٌ عن هَمامِ بنِ مُنبِهِ
عن أبي هُريرةً عنِ النبيِّ وَّر قال: ((كلُّ كَلْمٍ يُكلمهُ المُسلمُ في سَبيلِ اللَّهِ تكونُ يومَ القيامةِ كهيئتِها
إذا طُعِنَتْ تَفَجَّرُ دَمًا: اللونُ لَونُ الدَّم، وَالعَرْفُ عَرفُ المِسْك)). [الحديث ٢٣٧ - طرفاه في:
٢٨٠٣، ٥٥٣٣].
وبه قال: (حدّثنا أحمد بن محمد) أي ابن موسى المروزي المعروف بمردويه بفتح الميم وسكون
الراء وضم المهملة وسكون الواو وفتح المثناة التحتية (قال: أخبرنا) ولابن عساكر حدّثنا
(عبد الله) بن المبارك (قال: أخبرنا معمر) بميمين مفتوحتين بينهما عين ساكنة ابن راشد (عن
همام بن منبه) بكسر الموحدة المشددة (عن أبي هريرة) رضي الله عنه (عن النبي ◌َّ قال):
(كل كلم) بفتح الكاف وسكون اللام (يكلمه المسلم) بضم أوله وسكون ثانيه وفتح ثالثه مبنيًّا
للمفعول ويجوز بناؤه للفاعل أي كل جرح يجرحه وأصله يكلم به فحذف الجار وأضيف إلى الفعل

٤٦٧
کتاب الوضوء/ باب ٦٧
توسعًا، وابن عساكر في نسخة كل كلمة يكلمها أي كل جراحة يجرحها المسلم (في سبيل الله) قيد
يخرج به ما إذا وقع الكلم في غير سبيل الله، زاد المؤلف في الجهاد والله أعلم بمن يكلم في سبيله
(يكون) أي الكلم (يوم القيامة) وفي رواية الأصيلي وأبي ذر تكون بالمثناة الفوقية (كهيئتها) قال الحافظ
ابن حجر: أعاد الضمير مؤنثًا لإرادة الجراحة اهـ.
وتعقبه العيني فقال: ليس كذلك بل باعتبار الكلمة لأن الكلم والكلمة مصدران، والجراحة
اسم لا يعبر به عن المصدر (إذ) بسكون الذال أي حين (طعنت) قال الكرماني: المطعون هو المسلم
وهو مذكر لكن لما أريد طعن بها حذف الجار ثم أوصل الضمير المجرور بالفعل وصار المنفصل
متصلاً، وتعقبه البرماوي بأن التاء علامة لا ضمير، فإن أراد الضمير المستتر فتسميته متصلاً طريقة،
والأجود أن الاتصال والانفصال وصف للبارز، وفي بعض أصول البخاري كمسلم إذا طعنت
بالألف بعد الذال وهي ههنا لمجرد الظرفية أو هي بمعنى إذ وقد يتقارضان، أو لاستحضار صورة
الطعن لأن الاستحضار كما يكون بصريح لفظ المضارع نحو: ﴿والله الذي أرسل الرياح فتثير
سحابًا﴾ [فاطر: ٩]. يكون بما في معنى المضارع كما فيما نحن فيه (تفجر دمًا) بفتح الجيم
المشددة. وقال البرماوي كالكرماني هو بضم الجيم من الثلاثي وبفتحها مشددة من التفعل. قال
العيني: أشار بهذا إلى جواز الوجهين لكنه مبني علي مجيء الرواية بهما وأصله تتفجر فحذف التاء
الأولى تخفيفًا (اللون) ولأبي ذر واللون (لون الدم) يشهد لصاحبه بفضله على بذل نفسه وعلى ظالمه
بفعله (والعرف عرف) بفتح العين وسكون الراء أي الريح ريح (المسك) لينتشر في أهل الموقف
إظهارًا لفضله، ومن ثم لا يغسل دم الشهيد في المعركة ولا يغسل.
فإن قلت: ما وجه إدخال هذا الحديث في هذه الترجمة؟ أجيب: بأن المسك طاهر وأصله
نجس، فلما تغير خرج عن حكمه، وكذا الماء إذا تغير خرج عن حكمه أو أن دم الشهيد لما انتقل
بطيب الرائحة من النجاسة حتى حكم له في الآخرة بحكم المسك الطاهر وجب أن ينتقل الماء الطاهر
بخبث الرائحة إذا حلّت فيه نجاسة من حكم الطهارة إلى النجاسة، وتعقب بأن الحكم المذكور في دم
الشهيد من أمور الآخرة والحكم في الماء بالطهارة والنجاسة من أمور الدنيا فكيف يقاس عليه اهـ.
أو أن مراد المؤلف تأكيد مذهبه أن الماء لا ينجس بمجرد الملاقاة ما لم يتغير، فاستدل بهذا
الحديث على أن تبدل الصفة يؤثر في الموصوف، فكما أن تغير صفة الدم بالرائحة الطيبة أخرجه من
الذم إلى المدح، فكذلك تغير صفة الماء إذا تغير بالنجاسة يخرجه عن صفة الطهارة إلى النجاسة،
وتعقب بأن الغرض إثبات انحصار التنجس بالتغير، وما ذكر يدل على أن التنجس يحصل بالتغير
وهو وفاق لا أنه لا يحصل إلا به وهو موضع النزاع، وبالجملة فقد وقع للناس أجوبة عن هذا
الاستشكال وأكثرها بل كلها متعقب والله أعلم. وسيأتي مزيد البحث في هذا الحديث إن شاء الله
تعالى في باب الجهاد.

٤٦٨
کتاب الوضوء/ باب ٦٨
ورواته الخمسة ما بين مروزي وبصري ويماني وفيه التحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه
المؤلف أيضًا في الجهاد وكذا مسلم.
٦٨ - باب الماءِ الدائم
(باب الماء الدائم) بالجر صفة للمضاف إليه أي الراكد ولفظ الباب ساقط عند الأصيلي ولابن
عساكر باب البول في الماء الدائم، وللأصيلي: لا تبولوا في الماء الدائم.
٢٣٨ - حدثنا أبو اليَمانِ قال: أخبرنا شُعيبٌ قال: أخبرنا أبو الزّنادِ أن عبد الرحمنِ بنَ
هُرمُزَ الأعرجَ حدَّثَه أنَّه سَمعَ أبا هريرةَ أنه سَمع رسولَ اللّهِ ﴿ يَقولُ: ((نحنُ الآخِرُونَ السابقون)).
[الحديث ٢٣٨ - أطرافه فى: ٨٧٦، ٨٩٦، ٢٩٥٦، ٣٤٨٦، ٦٦٢٤، ٦٨٨٧، ٧٠٣٦، ٧٤٩٥].
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) بتخفيف الميم الحكم بن نافع (قال: أخبرنا شعيب) هو ابن أبي
حمزة (قال: أخبرنا) ولابن عساكر حدّثنا (أبو الزناد) عبد الله بن ذكوان (أن عبد الرحمن بن هرمز
الأعرج حدّثه أنه سمع أبا هريرة) رضي الله عنه (أنه سمع) وللأصيلي قال: سمعت ولابن عساكر
يقول: سمعت (رسول الله) ولابن عساكر النبي ( * يقول):
(نحن الآخرون) بكسر الخاء أي المتأخرون في الدنيا (السابقون) أي المتقدمون في الآخرة.
٢٣٩ - وبإسناده قال: ((لا يَبُولنَّ أحدُكُم في الماءِ الدائمِ الذي لا يَجْري ثم يغْتَسِل فيه)).
(وبإسناده) أي إسناد هذا الحديث السابق (قال):
(لا يبولن أحدكم في الماء الدائم) القليل الغير القلتين فإنه يتنجس وإن لم يتغير وهذا مذهب
الشافعية. وقال المالكية: لا ینجس إلا بالتغير قليلاً كان أو کثیرًا جاریًا كان الماء أو راكدًا لحديث:
((خلق الله الماء طهورًا لا ينجسه شيء)) الحديث. وعند الحنفية: ينجس إذا بلغ الغدير العظيم الذي لا
يتحرك أحد أطرافه بتحرك أحدها، وعن أحمد رواية صحّحوها في غير بول الآدمي وعذرته المائعة
فأما هما فينجسان الماء وإن كان قلّتين فأكثر على المشهور ما لم يكثر أي بحيث لا يمكن نزحه، وقوله:
(الذي لا يجري) قيل: هو تفسير للدائم وإيضاح لمعناه. وقيل: احترز به عن الماء الدائر لأنه جارٍ
من حيث الصورة ساكن من حيث المعنى. وقال ابن الأنباري: الدائم من حروف الأضداد يقال
للساكن والدائر، ويطلق على البحار والأنهار الكبار التي لا ينقطع ماؤها أنها دائمة بمعنى أن ماءها
غير منقطع، وقد اتفق على أنها غير مرادة هنا وعلى هذين القولين فقوله الذي لا يجري صفة مخصصة
لأحد معنيي المشترك، وهذا أولى من حمله على التوكيد الذي الأصل عدمه، ولا يخفى أنه لو لم يقل

٤٦٩
کتاب الوضوء/ باب ٦٨
الذي لا يجري مجملاً بحكم الاشتراك الدائر بين الدائر والدائم، وحينئذ فلا يصح الحمل على التأكيد
أو احترز به عن راكد يجري بعضه كالبرك.
(ثم) هو (يغتسل فيه) أو يتوضأ وهو بضم اللام على المشهور في الرواية، وجوز ابن مالك
في توضيحه صحة الجزم عطفًا على يبولن المجزوم موضعًا بلا الناهية، ولكنه فتح بناء لتأكيده بالنون
والنصب على إضمار أن إعطاء لثم حكم واو الجمع.
وتعقبه القرطبي في المفهم والنووي في شرح مسلم بأنه يقتضي أن النهي للجمع بينهما، ولم
يقله أحد بل البول منهي عنه أراد الغسل منه أو لا. وأجاب ابن دقيق العيد بأنه لا يلزم أن يدل على
الأحكام المتعددة لفظ واحد، فيؤخذ النهي عن الجمع بينهما من هذا الحديث إن ثبتت رواية
النصب، ويؤخذ النهي عن الإفراد من حديث آخر انتهى. يعني كحديث مسلم عن جابر مرفوعًا:
نهى عن البول في الماء الراكد. وقال القرطبي أبو العباس: لا يحسن النصب لأنه لا ينصب بإضمار
أن بعد ثم، وقال أيضًا: إن الجزم ليس بشيء إذ لو أراد ذلك لقال ثم لا يغتسلن لأنه إذ ذاك يكون
عطف فعل على فعل لا عطف جملة على جملة، وحينئذ يكون الأصل مشاركة الفعلين في المنهي عنه
وتأكيدهما بالنون المشددة، فإن المحل الذي توارد عليه شيء واحد وهو الماء، فعدوله عن ثم لا
يغتسلن إلى ثم يغتسل دليل على أنه لم يرد العطف، وإنما جاء يغتسل على التنبيه على مآل الحال،
ومعناه: أنه إذا بال فيه قد يحتاج إليه فيمتنع عليه استعماله لما وقع فيه من البول.
وتعقبه الزين العراقي بأنه لا يلزم من عطف النهي على النهي ورود التأكيد فيهما معًا كما
هو معروف في العربية، قال: وفي رواية أبي داود لا يغتسل فيه من الجنابة فأتى بأداة النهي ولم
يؤكده، وهذا كله محمول على القليل عند أهل العلم على اختلافهم في حدّ القليل، وقد تقدم قول
من لا يعتبر إلا التغير وعدمه وهو قوي، لكن التفصيل بالقلتين أقوى لصحة الحديث فيه، وقد نقل
عن مالك أنه حمل النهي على التنزيه فيما لا يتغير وهو قول الباقين في الكثير، وقد وقع في رواية ابن
عيينة عن أبي الزناد: ثم يغتسل منه بالميم بدل فيه وكلٌّ منهما يفيد حكمًا بالنص وحكمًا بالاستنباط،
فلفظة فيه بالفاء تدل على منع الانغماس بالنص وعلى منع التناول بالاستنباط ولفظه منه بالميم بعكس
ذلك وكل ذلك مبني على أن الماء ينجس بملاقاة النجاسة.
فإن قلت: ما وجه دخول نحن الآخرون في الترجمة، وما المناسبة بين أوّل الحديث وآخره؟
أجيب باحتمال أن يكون أبو هريرة سمعه من النبي وُ لّ مع ما بعده في نسق واحد فحدّث بهما
جميعًا، وتبعه المؤلف ويحتمل أن يكون همام فعل ذلك وأنه سمعهما من أبي هريرة وإلاَّ فليس في
الحديث مناسبة للترجمة. وتعقب بأن البخاري إنما ساق الحديث من طريق الأعرج عن أبي هريرة لا
من طريق همام، فالاحتمال الثاني ساقط. وقال في فتح الباري والصواب أن البخاري في الغالب
يذكر الشيء كما سمعه جملة لتضمنه موضع الدلالة المطلوبة منه وإن لم يكن باقيه مقصودًا.

٤٧٠
کتاب الوضوء/ باب ٦٩
ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين حمصي ومدني، وفيه التحديث بالإفراد والجمع والإخبار
والسماع، وأخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة .
٦٩ - باب إذا أُلْقِيَ عَلَى ظهرِ
الْمُصلِيْ قَذَرٌ أو جِيفةٌ لم تَفسُدْ عليهِ صلاتهُ
وكانَ ابنُ عُمرَ إذا رَأى في ثَوبِهِ دَمًا وهوَ يُصلِّي وضعَهُ ومَضى في صلاتهِ. وقال ابنُ المُسيَّبِ
والشَّعبيُّ: إذا صلَّى وفي ثوبهِ دَمْ أو جَنابةٌ أو لغير القِبلةِ أو تيَمَّم فصَلَّى ثم أدركَ الماءَ في وَقتهِ لا
يُعید .
هذا (باب) بالتنوين (إذا ألقي) بضم الهمزة مبنيًّا لما لم يسم فاعله (على ظهر المصلي قذر) بالذال
المعجمة المفتوحة مرفوع لكونه نائبًا عن الفاعل أي شيء نجس (أو جيفة) بالرفع عطفًا على السابق
وهي جثة الميتة المريحة (لم تفسد عليه صلاته) جواب إذا (وكان) ولأبوي ذر والوقت قال وكان ابن
(ابن عمر) رضي الله عنهما مما وصله ابن أبي شيبة في مصنفه بإسناد صحيح (إذا رأى في ثوبه دمًا
وهو يصلي وضعه) أي ألقاه عنه (ومضى في صلاته) ولم يذكر فيه إعادة الصلاة، ومذهب الشافعي
وأحمد يعيدها، وقيدها مالك بالوقت فإن خرج فلا قضاء.
(وقال ابن المسيب) بفتح المثناة المشددة واسمه سعيد (والشعبي) بفتح الشين عامر مما وصله
عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة بأسانيد متفرقة (إذا صلّ) المرء (وفي ثوبه دم) لم يعلمه،
وللمستملي والسرخسي كان ابن المسيب والشعبي إذا صلّ أي كل واحد منهما، وفي ثوبه دم (أو
جنابة) أي أثرها وهو المني وهو مقيد عند القائل بنجاسته بعدم العلم كالدم (أو لغير القبلة) إذا كان
باجتهاد ثم أخطأ (أو تيمم) عند عدم الماء (وصلى) وللهروي والأصيلي وابن عساكر فصلى (ثم أدرك
الماء في وقته) أي بعد أن فرغ (لا يعيد) الصلاة أما الدم فيعفى عنه إذا كان قليلاً من أجنبيّ ومطلقًا
من نفسه وهو مذهب الشافعي. وأما القبلة، فعند الثلاثة والشافعي في القديم لا يعيد، وقال في
الجديد: تجب الإعادة، وأما التيمم فعدم وجوب الإعادة بعد الفراغ من الصلاة قول الأئمة الأربعة
وأكثر السلف.
٢٤٠ - حدثنا عبدانُ قال: أخبرني أبي عن شُعبةً عن أبي إسحقَ عن عَمرِو بنِ مَيمونٍ عن
عبدِ اللَّهِ قال: بَيْنا رسولُ اللَّهِ وَ سَاجِدٌح. قال وحدّثني أحمدُ بنُ عثمانَ قال: حدَّثَنَا شُرَيحُ بنُ
مَسْلَمَةٍ قال: حدَّثَنا إبراهيمُ بنُ يوسُفَ عن أبيهِ عن أبي إسحقَ قال: حدَّثني عَمرُو بنُ مَيمونٍ
أنَّ عبدَ اللَّهِ بنَ مَسعودٍ حدَّثَهُ أنَّ النبيَّ نَّهِ كان يُصلِّي عندَ البيتِ وأبو جَهلٍ وأصحابْ لهُ جُلوسٌ إذْ
قال بعضُهُمْ لِبَعضٍ أيُّكُمْ يَجِيءُ بِسَلَى جَزورٍ بَني فلانٍ فَيَضَعُه عَلَى ظَهرِ مُحمدٍ إذا سَجَدَ. فانْبَعَثَ

٤٧١
کتاب الوضوء/ باب ٦٩
أشْقى القوم فجاءَ بهِ، فَنَظرَ حتى إذا سَجدَ النبيُّ نَّهَ وضعَهُ عَلَى ظَهرِهِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ وأنا أَنْظُرُ لا أُغْنِي
شيئًا، لو كانَ لي مَنَعةٌ. قال: فَجَعَلوا يَضْحكونَ ويُحيلُ بَعضُهم عَلَى بَعضٍ، ورسولُ اللَّهِ وَه
ساجِدٌ لا يَرفَعُ رْسَه، حتى جاءَتْهُ فاطمةُ فَطَرَحَتْ عن ظهرِهِ، فَرَفعَ رَأْسَه ثمَّ قال: ((اللهمَّ عليكَ
بقُرَيش)) ثلاثَ مرَّاتٍ. فَشَقَّ عَلَيهم إذا دَعا عليهم. قال: وكانوا يَرونَ أنَّ الدَّعوةَ في ذلك البلدِ
مُستجابة. ثم سَمَّى: «اللّهِمَّ عليكَ بأبي جَهلٍ، وعليكَ بعُتبةَ بنِ رَبيعةً، وشَيبةَ بنِ ربيعةَ، والوَلِيدِ بن
عُتبةَ، وأُمَيَّةَ بنِ خَلَفٍ، وعُقبةَ بنِ أبي مُعَيطِ)) وعدَّ السابعَ فلم نحفَظْهُ. قال: فوالذي نفسي بِيدِه،
لقد رأيتُ الذينَ عَدَّ رسولُ اللَّهِ وَ لَّ صَرعى في القَليبِ، قَليبٍ بَذْر. [الحديث ٢٤٠ - أطرافه في:
٥٢٠، ٢٩٣٤، ٣١٨٥، ٣٨٥٤، ٣٩٦٠].
وبه قال: (حدّثنا عبدان) بن عثمان (قال: أخبرني) بالإفراد (أبي) عثمان بن جبلة بفتح الجيم
والموحدة (عن شعبة) بن الحجاج (عن أبي إسحق) عمرو بن عبد الله السبيعي بفتح المهملة وكسر
الموحدة الكوفي التابعي (عن عمرو بن ميمون) بفتح العين الكوفي الأودي بفتح الهمزة وبالدال
المهملة أدرك النبي ◌َّ ولم يره وحج مائة حجة وعمرة، وتوفي سنة خمس وسبعين (عن عبد الله) بن
مسعود، وفي رواية قال عبد الله: (قال بينا) بغير ميم وأصله بين أشبعت فتحة النون فصارت ألفًا
وعامله قال في قوله بعد ذلك إذ قال بعضهم لبعض (رسول الله وَ ل# ساجد) بقيته من رواية عبدان
المذكورة وحوله ناس من قريش من المشركين ثم ساق الحديث مختصرًا (ح) مهملة لتحويل الإسناد
كما مرّ، ولابن عساكر قال أي البخاري.
(وحدّثني) بالإفراد، وللأصيلي، وحدّثنا (أحمد بن عثمان) بن حكيم بفتح الحاء وكسر الكاف
الأودي الكوفي المتوفى سنة ستين ومائتين (قال: حدثنا شريح بن مسلمة) بضم الشين وفتح الراء
وسكون المثناة التحتية آخره مهملة وابن مسلمة بفتح الميم واللام وسكون المهملة التنوخي بالمثناة
الفوقية والنون المشددة والخاء المعجمة، كذا ضبطه الكرماني فالله أعلم المتوفى سنة اثنتين وعشرين
ومائتين (قال: حدّثنا إبراهيم بن يوسف) السبيعي، المتوفى سنة ثمان وتسعين ومائة (عن أبيه)
يوسف بن إسحاق (عن أبي إسحق) عمرو بن عبد الله السابق قريبًا (قال حدّثني) بالإفراد
(عمرو بن ميمون أن عبد الله بن مسعود) وللكشميهني عن عبد الله بن مسعود أنه (حدّثه أن
النبي ◌َّر كان يصلي عند البيت) العتيق (وأبو جهل) عمرو بن هشام المخزومي عدوّ الله (وأصحاب)
كائنون (له) أي لأبي جهل وهم السبعة المدعو عليهم بعد كما بينه البزار (جلوس) خبر المبتدأ الذي
هو وأبو جهل وما عطف عليه، والجملة موضع نصب على الحال (إذ قال) ولابن عساكر جلوس قال
(بعضهم) أي أبو جهل كما في مسلم (لبعض) زاد مسلم في روايته وقد نحرت جزور بالأمس:
(أيكم يجيء بسلى جزور بني فلان) بفتح السين المهملة مقصورًا وهو الجلدة التي يكون فيها ولد
البهائم كالمشيمة للآدميات، أو يقال فيهن أيضًا. وجزور بفتح الجيم وضم الزاي يقع على الذكر

٤٧٢
کتاب الوضوء/ باب ٦٩
والأنثى وجمعه جزر وهو بمعنى المجزور من الإبل أي المنحور، وزاد في رواية إسرائيل هنا فيعمد إلى
فرثها ودمها وسلاها (فيضعه على ظهر محمد إذا سجد فانبعث أشقى القوم) عقبة بن أبي معيط
بمهملتين مصغرًا أي بعثته نفسه الخبيثة من دونهم فأسرع السير، وإنما كان أشقاهم مع أن فيهم أبا
جهل وهو أشد كفرًا منه وإيذاء للرسول عليه الصلاة والسلام لأنهم اشتركوا في الكفر والرضا،
وانفرد عقبة بالمباشرة فكان أشقاهم، ولذا قتلوا في الحرب وقتل هو صبرًا، وللكشميهني والسرخسي
فانبعث أشقى قوم بالتنكير وفيه مبالغة يعني أشقى كل قوم من أقوام الدنيا ففيه مبالغة ليست في
المعرفة، لكن المقام يقتضي التعريف لأن الشقاء هنا بالنسبة إلى أولئك القوم فقط قاله ابن حجر،
وتعقبه العيني بأن التنكير أولى لما فيه من المبالغة لأنه يدخل هنا دخولاً ثانيًا بعد الأوّل. قال: وهذا
القائل يعني ابن حجر ما أدرك هذه النكتة (فجاء به فنظر حتى إذا سجد النبي وَل وضعه على ظهره)
المقدس (بين كتفيه) قال عبد الله بن مسعود (وأنا أنظر) أي أشاهد تلك الحالة (لا أغني) في كف
شرهم، وللكشميهني والمستملي: لا أغير أي لا أغير من فعلهم (شيئًا لو كان) ولأبوي ذر والوقت
والأصيلي وابن عساكر لو كانت (لي منعة) بفتح النون وسكونها أي لو كانت لي قوة أو جمع مانع
لطرحته عن رسول الله وَله، وإنما قال ذلك لأنه لم يكن له بمكة عشيرة لكونه هذليًّا حليفًا وكان
حلفاؤه إذ ذاك كفّارًا (قال: فجعلوا يضحكون) استهزاء قاتلهم الله (ويحيل) بالحاء المهملة (بعضهم
على بعض) أي ينسب بعضهم فعل ذلك إلى بعض بالإشارة تهكّمًا، ولمسلم ويميل بعضهم على بعض
فالميم أي من كثرة الضحك (ورسول الله وَلجر ساجد لا يرفع رأسه حتى جاءته) عليه الصلاة
والسلام، ولأبي ذر جاءت (فاطمة) ابنته عليه الصلاة والسلام رضي الله عنها سيدة نساء هذه الأمة
ومناقبها جمة، وتوفيت فيما حكاه ابن عبد البر بعده وَلر بستة أشهر إلا ليلتين وذلك يوم الثلاثاء
لثلاث ليالٍ خلت من شهر رمضان، وغسلها علّ على الصحيح ودفنها ليلاً بوصيتها له في ذلك لها
في البخاري حديث واحد زاد إسرائيل وهي جويرية فأقبلت تسعى وثبت النبي وَّ ساجدًا
(فطرحت) ما وضعه أشقى القوم (عن ظهره) المقدس، ولغير الكشميهني فطرحته بالضمير
المنصوب، زاد إسرائيل فأقبلت عليهم تسبّهم، وزاد البزار فلم يردّوا عليها شيئًا، (فرفع) عليه
الصلاة والسلام (رأسه) من السجود، واستدل به على أن من حدث له في صلاته ما يمنع انعقادها
ابتداء لا تبطل صلاته ولو تمادى، وعلى هذا ينزل كلام المؤلف: فلو كانت نجاسة وأزالها في الحال
ولا أثر لها صحّت اتفاقًا، وأجاب الخطابي بأنه لم يكن إذ ذاك حكم بنجاسة ما ألقي عليه كالخمر
فإنهم كانوا يلاقون بثيابهم وأبدانهم الخمر قبل نزول التحريم انتهى. ودلالته على طهارة فرث ما أكل
لحمه ضعيفة لأنه لا ينفك عن دم بل صرّح به في رواية إسرائيل ولأنه ذبيحة عبدة الأوثان.
وأجاب النووي بأنه عليه الصلاة والسلام لم يعلم ما وضع على ظهره فاستمر مستصحبًا
للطهارة، وما ندري هل كانت الصلاة واجبة حتى تعاد على الصحيح أو لا فلا تعاد، ولو وجبت

٤٧٣
کتاب الوضوء/ باب ٦٩
الإعادة فالوقت موسع، وتعقب بأنه عليه الصلاة والسلام أحس بما ألقي على ظهره من كون فاطمة
ذهبت به قبل أن یرفع رأسه.
وأجيب: بأنه لا يلزم من إزالة فاطمة إياه عن ظهره إحساسه عليه الصلاة والسلام به لأنه كان
إذا دخل في الصلاة استغرق باشتغاله بالله، ولئن سلمنا إحساسه به فقد يحتمل أنه لم يتحقق نجاسته
لأن شأنه أعظم من أن يمضي في صلاته وبه نجاسة انتهى.
ولابن عساكر فرفع رسول الله وَالر رأسه (ثم قال) ولابن عساكر وقال: ووقع عند البزار من
حديث الأجلح فرفع رأسه كما كان يرفعه عند تمام سجوده فلما قضى صلاته قال: (اللهم عليك
بقريش) أي بإهلاك كفّارهم أو من سمى منهم بعد فهو عامّ أريد به الخصوص (ثلاث مرات) كرره
إسرائيل في روايته لفظًا لا عددًا، وزاد مسلم في رواية زكريا وكان إذا دعا دعا ثلاثًا وإذا سأل سأل
ثلاثًا (فشق عليهم إذ دعا عليهم) في مسلم فلما سمعوا صوته بَّر ذهب عنهم الضحك وخافوا
دعوته. (قال) ابن مسعود. (وكانوا يرون) بضم أوّله على المشهور وبفتحه قاله البرماوي، وقال
الحافظ ابن حجر بالفتح في روايتنا من الرأي أي يعتقدون وفي غيرها بالضم أي يظنون (أن الدعوة)
ولابن عساكر يرون الدعوة (في ذلك البلد) الحرام (مستجابة) أي مجابة، يقال: استجاب وأجاب
بمعنى واحد، وما كان اعتقادهم إجابة الدعوة إلا من جهة المكان لا من خصوص دعوة النبي وَّر،
ولعل ذلك يكون مما بقي عندهم من شريعة الخليل عليه الصلاة والسلام (ثم سمى) النبي ◌َّ أي
عين في دعائه وفصل ما أجمل قبل (فقال: اللّهمَّ عليك بأبي جهل) اسمه عمرو بن هشام ويعرف
بابن الحنظلية فرعون هذه الأمة وكان أحول مأبونًا، (وعليك بعتبة بن ربيعة) بفتح الراء في الثاني
وضم العين المهملة وسكون المثناة الفوقية في الأول (وشيبة بن ربيعة) أخي عتبة، (والوليد بن عتبة)
بفتح الواو وكسر اللام وعتبة بالمثناة الفوقية وفي مسلم بالقاف، واتفقوا على أنه وهم من ابن سفيان
راوي مسلم، (وأمية بن خلف) في رواية شعبة أو أُبّ بن خلف شك شعبة، (وعقبة) بالقاف (ابن
أبي معيط) بضم الميم وفتح المهملة وسكون المثناة التحتية (وعد) النبي وَلخير أو عبد الله بن مسعود أو
عمرو بن ميمون (السابع فلم نحفظه) بنون أي نحن أو بياء فاعله ابن مسعود أو عمرو بن ميمون،
نعم ذكره المؤلف في موضع آخر عمارة بن الوليد بن المغيرة وذكره البرقاني وغيره، ووقع في رواية
الطيالسي عن شعبة في هذا الحديث أن ابن مسعود قال: ولم أره دعا عليهم إلا يومئذ، وإنما
استحقوا الدعاء حينئذ لما قدموا عليه من التهكم حال عبادته لربه وإلا فحلمه عمن آذاه لا يخفى.
(قال) ابن مسعود: (فوالذي نفسي بيده) ولابن عساكر في يده أي قدرته (لقد رأيت الذين) ولأبي ذر
وابن عساكر الذي (عدّ) بحذف المفعول أي عدّهم (رسول الله (وَلير صرعى) جمع صريع بمعنى
مصروع مفعول ثان لرأيت (في القليب) بفتح القاف وكسر اللام البئر قبل أن تطوى أو العادية
القديمة (قليب بدر) بالجر بدل من قوله في القليب، ويجوز الرفع بتقدير هو والنصب بأعني، لكن
الرواية بالجر وإنما ألقوا في القليب تحقيرًا لشأنهم ولئلا يتأذى الناس برائحتهم لا أنه دفن لأن الحربي

٤٧٤
كتاب الوضوء/ باب ٧٠
لا يجب دفنه. وكان القاتل لأبي جهل معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن عفراء كما في
الصحيحين، ومرّ عليه ابن مسعود وهو صريع فاحتزّ رأسه وأتى به رسول الله وَالر، وأما عتبة بن
ربيعة فقتله حمزة أو علي، وأما شيبة بن ربيعة فقتله حمزة أيضًا، وأما الوليد بن عتبة بالتاء فقتله عبيدة
بضم العين ابن الحرث أو علي أو حمزة أو اشتركا، وأما أمية بن خلف فعند ابن عقبة قتله رجل من
الأنصار من بني مازن، وعند ابن إسحق معاذ بن عفراء وخارجة بن زيد وخبيب بن أساف
اشتركوا في قتله. وفي السير من حديث عبد الرحمن بن عوف أن بلالاً خرج إليه ومعه نفر من
الأنصار فقتلوه وكان بدينًا فانتفخ فألقوا عليه التراب حتى غيّبه، وأما عقبة بن أبي معيط فقتله علي أو
عاصم بن ثابت، والصحيح أن رسول الله وَ ل# قتله بعرق الظبية، وأما عمارة بن الوليد فتعرض
لامرأة النجاشي فأمر ساحرًا فنفخ في إحليله عقوبة له فتوحش وصار مع البهائم إلى أن مات في
خلافة عمر بأرض الحبشة.
ورواة هذا الحديث العشرة كوفيون سوى عبدان وأبيه فإنهما مروزيان وفيه التحديث بالجمع
والإفراد والإخبار بالإفراد والعنعنة، وقرن رواية عبدان برواية أحمد بن عثمان مع أن اللفظ لرواية
أحمد تقوية لروايته برواية عبدان، لأن في رواية إبراهيم بن يوسف مقالاً، وفي رواية أحمد التصريح
بالحديث لأبي إسحاق من عمرو بن ميمون ولعمرو من عبد الله بن مسعود، وأخرجه المؤلف في
الجزية أيضًا وفي الشعب وفي الصلاة والجهاد والمغازي. وأخرجه مسلم في المغازي والنسائي في
الطهارة والسير.
٧٠ - باب البُزاقِ والمُخاطِ ونحوِهِ في الثَّوپِ
قال عروة عن المِسْوَرِ ومَروانَ: خرجَ النبيُّ وَ لَّ زَمَنَ حُدَيبيةَ. فذكرَ الحديثَ: وما تَنَخَّمَ
النبيُّ وََّ نُخَامَةَ إِلا وَقعتْ في كفُ رَجُلٍ منهم فدَلَكَ بها وجهَهُ وجِلدَه.
(باب البزاق) بالزاي للأكثر وبالصاد. قال ابن حجر: وهي روايتنا وبالسين وضعفت والباء
مضمومة في الثلاث وهو ما يسيل من الفم، (والمخاط) بضم الميم والجر عطفًا على المضاف إليه وهو
ما يسيل من الأنف (ونحوه) بالجر أيضًا عطفًا على سابقه أي ونحو كلٌّ منهما كالعرق الكائن (في
الثوب) أي والبدن ونحوه هل يضر أم لا. (وقال عروة) ابن الزبير التابعي فقيه المدينة مما وصله
المؤلف في قصة الحديبية في الحديث الآتي إن شاء الله تعالى في الشروط (عن المسور) بكسر الميم
وسكون السين المهملة وفتح الواو وآخره راء ابن مخرمة بفتح الميم وسكون المعجمة الصحابي
(ومروان) بن الحكم بفتح الحاء والكاف الأموي، ولد في حياته وَّر ولم يسمع منه لأنه خرج طفلاً
مع أبيه الحكم إلى الطائف لما نفاه وَ الر إليها لأنه كان يفشي سره، فكان فيه حتى استخلف عثمان
فردّه إلى المدينة وکان إسلام الحكم يوم الفتح، وحينئذ فيكون حديث مروان مرسل صحابي وهو
حجة لا سيما وهو مع رواية المسور تقوية لها وتأكيد (خرج النبي) ولأبوي ذر والوقت رسول

٤٧٥
كتاب الوضوء/ باب ٧١
الله (َّ* زمن) وللأصيلي في زمن (حديبية) وللهروي والأصيلي وابن عساكر الحديبية وهي بتخفيف
المثناة التحتية الثانية عند الشافعي مشددة عند أكثر المحدثين قرية على مرحلة من مكة سميت ببئر هناك
أو شجرة حدباء كانت تحتها بيعة الرضوان (فذكر) حذيفة (الحديث) الآتي إن شاء الله تعالى مسندًا في
قصة الحديبية وفيه، (وما تنخم النبي وَّ﴿ نخامة) أي ما رمى بنخامة زمن الحديبية أو مطلقًا (إلا
وقعت في كف رجل منهم) أي ما تنخم في حال من الأحوال إلا حال وقوعها في كف رجل
منهم، والنخامة بضم النون النخاعة كما في المجمل والصحاح أو ما يخرج من الخيشوم وقال النووي
ما يخرج من الفم بخلاف النخاعة فإنها تخرج من الحلق وقيل بالميم من الصدر والبلغم من الدماغ
(فدلك بها) أي بالنخامة (وجهه وجلده) تبركًا به عليه الصلاة والسلام وتعظيمًا وتوقيرًا، واستدل به
على طهارة الريق ونحوه من فم طاهر غير متنجس، وحينئذ فإذا وقع ذلك في الماء لا ينجسه
ویتوضأ به.
٢٤١ - حدثنا محمدُ بنُ يوسُفَ قال: حدَّثَنَا سُفيانُ عن حُمَيدٍ عن أنس قال: بَزَقَ النبيُّ نَّه
في ثَوبِهِ طَوَّلَه ابنُ أبي مَريمَ قال: أخبرَنا يحيى بنُ أَيُّوبَ قال حدَّثَنِي حُمَيدٌ قال: سمعتُ أنَسًا عن
النبيِّ وَلـ [الحديث ٢٤١ - أطرافه في: ٤٠٥، ٤١٢، ٤١٣، ٤١٧، ٥٣١، ٥٣٢، ٨٢٢،
١٢١٤].
وبه قال: (حدّثنا محمد بن يوسف) الفريابي بكسر الفاء وسكون الراء (قال: حدّثنا سفيان) أي
الثوري كما قاله الدارقطني (عن حميد) بضم الحاء أي الطويل (عن أنس) رضي الله عنه زاد الأصيلي
ابن مالك (قال):
(بزق النبي ◌ّ﴾) بالزاي (في ثوبه) عليه الصلاة والسلام ولأبي نعيم وهو في الصلاة (طوّله)
أي هذا الحديث أي ذكره مطوّلاً في باب حك البزاق باليد من المسجد ولأبوي ذر والوقت
والأصيلي. قال أبو عبد الله طوّله (ابن أبي مريم) شيخ المؤلف سعيد بن الحكم المصري، المتوفى سنة
أربع وعشرين ومائتين (قال: أخبرنا يحيى بن أيوب) الغافقي المصري مولى عمر بن مروان، المتوفى
سنة ثمان وستين ومائة (قال: حدّثني) بالإفراد (حميد) الطويل (قال: سمعت أنسًا عن النبي ◌َليتر)
يعني مثل الحدیث المذکور وهو مفعول سمعت الثاني حذف للعلم به وصرح بسماع حمید من أنس،
فظهر أنه لم يدلس فيه خلافًا لمن زعمه.
ورواة هذا الحديث ما بين مصري وبصري ومكي، وفيه التحديث بالجمع والإفراد والإخبار
والعنعنة والسماع.
٧١ - باب لا يَجوزُ الوضوءُ بالنَّيذِ ولا المُسكِرِ
وكرِهَهُ الحسَنُ وأبو العالية وقال عطاء: التيمُمُ أحبُّ إليَّ منَ الوُضوءِ بالتَّبيذِ واللبن.

٤٧٦
کتاب الوضوء/ باب ٧١
هذا (باب) بالتنوين (لا يجوز الوضوء بالنبيذ) بالمعجمة وهو الماء الذي ينبذ فيه نحو التمر
لتخرج حلاوته إلى الماء فعيل بمعنى مفعول أي مطروح (ولا المسكر) عطف على السابق وإنما أفرد
النبيذ لأنه محل الخلاف في التوضؤ، والمراد بالنبيذ ما لم يبلغ إلى حدّ الإسكار ولابن عساكر وأبي
الوقت ولا بالمسكر (وكرهه) أي التوضؤ بالنبيذ (الحسن) البصري فيما رواه ابن أبي شيبة
وعبد الرزاق من طريقين عنه قال: لا يتوضأ بنبيذ. وروى أبو عبيدة من طريق أخرى عنه أنه
لا بأس به، وحينئذ فكراهته عنده للتنزيه (و) كذا كرهه (أبو العالية) رفيع بن مهران الرياحي بكسر
الراء ثم المثناة التحتية فيما رواه أبو داود في سننه بسند جيد عن أبي خلدة فقال: قلت لأبي العالية
رجل ليس عنده ماء وعنده نبيذ أيغتسل به من الجنابة، قال: لا وهو عند ابن أبي شيبة بلفظ أنه كره
أن يغتسل بالنبيذ.
(وقال عطاء) أي ابن أبي رباح (التيمم أحب إليّ من الوضوء بالنبيذ) بالمعجمة (واللبن) روى
أبو داود من طريق ابن جرير عن عطاء أنه كره الوضوء بالنبيذ واللبن. وقال: إن التيمم أعجب إلّ
منه، وجوّز الأوزاعي الوضوء بسائر الأنبذة، وأبو حنيفة بنبيذ التمر خاصة خارج المصر والقرية عند
فقد الماء بشرط أن يكون حلوًا رقيقًا سائلاً على الأعضاء كالماء. وقال محمد: يجمع بينه وبين التيمم،
وقال أبو يوسف كالجمهور لا يتوضأ به بحال، وهو مذهب الشافعي ومالك وأحمد وإليه رجع أبو
حنيفة كما قاله قاضي خان، لكن في المفيد من كتبهم إذا ألقي في الماء تمرات فحلا ولم يزل عنه اسم
الماء جاز التوضؤ به بلا خلاف يعني عندهم، واحتجوا بحديث ابن مسعود ليلة الجنّ إذ قال ◌َ له:
((أمعك ماء))؟ فقال: نبيذ. فقال: ((أصبت شراب وطهور)) أو قال: ((ثمرة طيبة وماء طهور)) ورواه أبو
داود والترمذي فتوضأ به. وأجيب بأن علماء السلف أطبقوا على تضعيف هذا الحديث. ولئن سلمنا
صحته فهو منسوخ لأن ذلك كان بمكة ونزول قوله تعالى: ﴿فتيمموا﴾ کان بالمدينة بلا خلاف عند
فقد عائشة رضي الله تعالى عنها العقد. وأجيب: بأن الطبراني في الكبير والدارقطني رويا أن جبريل
عليه السلام نزل على رسول الله وَالر بأعلى مكة فهمز له بعقبه فأنبع الماء وعلمه الوضوء. وقال
السهيلي الوضوء مكي ولكنه مدني التلاوة، وإنما قالت عائشة آية التيمم ولم تقل آية الوضوء لأن
الوضوء كان مفروضًا قبل غير أنه لم يكن قرآنًا يُتلى حتى أنزلت آية التيمم، وحكى عياض عن أبي
الجهم أن الوضوء كان سُنّة حتى نزل القرآن بالمدينة انتهى. أو هو محمول على ما ألقيت فيه تمرات
يابسة لم تغير له وصفًا، وأما اللبن الخالص فلا يجوز التوضؤ به إجماعًا فإن خالط ماء فيجوز عند
الحنفية .
٢٤٢ - حدثنا عليّ بنُ عبدِ اللهِ قال: حدَّثَنَا سُفيانُ قال: حدَّثَنا الزّهريُّ عن أبي سَلمَةَ عن
عائشةَ عنِ النّبِيِّ وَّرِ قال: ((كلُّ شَرابِ أسْكَرَ فهوَ حَرام)). [الحديث ٢٤٢ - طرفاه في: ٥٥٨٥،
٥٥٨٦].

٤٧٧
کتاب الوضوء/ باب ٧٢
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني بكسر الدال (قال: حدّثنا سفيان) بن عيينة (قال:
حدّثنا الزهري) محمد بن مسلم وللأصيلي عن الزهري (عن أبي سلمة) بفتح اللام عبد الله بن
عبد الرحمن بن عوف (عن عائشة) رضي الله عنها (عن النبي ◌َ ر قال كل شراب أسكر) كثيره
(فهو حرام) قليله وكثيره وحدّ شاربه المكلف قليلاً كان أو كثيرًا من عنب أو تمر أو حنطة أو لبن أو
غيرها نيئًا كان أو مطبوخًا وقال أبو حنيفة. نقيع التمر والزبيب إذا اشتد كان حرامًا قليله وكثيره
ويسمى نقيعًا لا خميرًا، فإن أسكر ففي شربه الحد وهو نجس فإن طبخا أدنى طبخ حلّ منهما ما
غلب على ظن الشارب منه أنه لا يسكر من غير لهو ولا طرب، فإن اشتدّ حرم الشرب منهما ولم
يتغير في طبخهما أن يذهب ثلثاهما، وأما نبيذ الحنطة والذرة والشعير والأرز والعسل فإنه حلال
عنده نقيعًا أو مطبوخًا، وإنما يحرم المسكر ويحدّ فيه، واستدل بحديث ابن عباس مرفوعًا وموقوفًا
وإنما حرّمت الخمر لعينها والمسكر من كل شراب، فهذا يدل على أن الخمر قليلها وكثيرها أسكرت
أم لا حرام، وعلى أن غيرها من الأشربة إنما يحرم عند الإسكار، ويأتي إن شاء الله تعالى مزيدًا لهذا
في بابه بحول الله وقوّته. فإن قلت: ما وجه إدخال هذا الحديث في هذا الباب؟ أجيب: بأن المسكر
حرام شربه وما لا يحل شربه لا يحل التوضؤ به اتفاقًا، وبأن النبيذ خرج عن اسم الماء لغة وشرعًا،
وحينئذ فلا يتوضأ به.
ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين مدني ومديني وكوفي وفيه رواية تابعي عن تابعي والتحديث
والعنعنة، وأخرجه المؤلف أيضًا في الأشربة، وكذا مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة.
٧٢ - باب غَسلِ المرأةِ أباها الدَّمَ عن وجهِهِ
وقالَ أبو العالِيةِ: امْسَحوا عَلَى رِجلي فإنَّها مَريضةٌ.
(باب غسل المرأة أباها الدم) المنصوب الأوّل وهو أباها مفعول بالمصدر المضاف لفاعله
والدم بدل اشتمال من أباها أو بتقدير أعني (عن وجهه) وللكشميهني من وجهه ومن وعن بمعنى
قال تعالى: ﴿وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات﴾ [الشورى: ٢٥] أو يكون في رواية
عن ضمن الغسل معنى الإزالة، قال في الفتح: ولابن عساكر غسل المرأة الدم عن وجه أبيها .
(وقال أبو العالية) رفيع بضم الراء وفتح الفاء وسكون المثناة التحتية بعدما وضؤوه وبقيت إحدى
رجليه وهو وجع مما وصله عبد الرزاق (امسحوا على رجلي فإنها مريضة) من جمرة.
فإن قلت: ما المطابقة بين هذا وبين الترجمة؟ أجيب: من حيث جواز الاستعانة في الوضوء
كهي في إزالة النجاسة .

٤٧٨
کتاب الوضوء/ باب ٢٪
٢٤٣ - حدثنا محمدٌ قال: أخبرَنا سُفيانُ بنُ عُيَينةَ عن أبي حازِمِ سمعَ سَهِلَ بنَ سَعدٍ
الساعديّ وسألَه الناسُ - وما بَيني وبَينَهُ أحدٌ -: بأيِّ شيءٍ دُوِيَ جُرحُ النّبِيِّ بََّ؟ فقال: ما بَقِيَ
أحدٌ أعلمُ به مِنِّي: كان عليٍّ يَجِيءُ بِتُرْسِه فِيهِ ماءٌ، وفاطمةُ تَغْسِلُ عن وجههِ الدَّمَ. فَأُخِذَ حَصيرٌ
فأُحرِقَ، فحُشِيَ بِهِ جُرحُه. [الحديث ٢٤٣ - أطرافه في: ٢٩٠٣، ٢٩١١، ٣٠٣٧، ٤٠٧٥،
٥٢٤٨، ٥٧٢٢].
وبه قال: (حدّثنا محمد) يعني ابن سلام كما لابن عساكر، وفي رواية البيكندي كما في بعض
الأصول (قال: أخبرنا) ولأبوي ذر والوقت والأصيلي حدّثنا (سفيان بن عيينة عن أبي حازم) بالحاء
المهملة والزاي المكسورة سلمة بن دينار الأعرج المخزومي المدني الزاهد، المتوفى سنة خمس وثلاثين
ومائة أنه (سمع سهل بن سعد الساعدي) الأنصاري المدني رضي الله عنه، المتوفى سنة إحدى وتسعين
وهو ابن مائة سنة له في البخاري أحد وأربعون حديثًا (وسأله الناس) جملة من فعل ومفعول وفاعل
محلها النصب على الحال (وما بيني وبينه أحد) يعني عند السؤال ليكون أدل على صحة سماعه منه
لقربه منه والجملة حالية أيضًا إما من مفعول سأل فهما متداخلتان وإما من مفعول سمع فهما
مترادفتان أو الجملة معترضة لا محل لها.
(بأي شيء) الجار متعلق بسأل والمجرور للاستفهام (دووي) بواوين الأولى ساكنة والثانية
مكسورة مبني للمفعول من المداواة وربما حذف في بعض الأصول إحدى الواوين كداود في الخط
(جرح النبي ◌َّ﴾) الذي أصابه في غزوة أُحُد لما شجّ رأسه وجرح وجهه؟ (فقال) سهل (ما بقي أحد)
من الناس (أعلم به مني) برفع أعلم صفة لأحد وبالنصب على الحال: وإنما قال سهل ذلك لأنه كان
آخر من بقي من الصحابة بالمدينة كما وقع عند المؤلف في النكاح (كان علي) أي ابن أبي طالب
(يجيء بترسه فيه ماء وفاطمة) رضي الله عنها (تغسل عن وجهه) الشريف (الدم فأخذ حصير فأحرق
فحشي به) بضم الهمزة والحاء فيهما على البناء للمفعول والضمير لما أحرق (جرحه) بالرفع نائب عن
الفاعل، وللمؤلف في الطب: فلما رأت فاطمة الدم يزيد على الماء كثرة عمدت إلى حصرها
فأحرقتها وألصقتها على الجرح فرقأ الدم، وإنما فعلت ذلك لأن في رماد الحصير استمساك الدم.
وفيه إباحة التداوي وأنه لا ينافي التوكل والاستعانة في المداواة وجواز وقوع الابتلاء بالأنبياء ليعظم
أجرهم، وليتحقق الناس أنهم مخلوقون لله فلا يفتتنون بما ظهر على أيديهم من المعجزات كما افتتن
النصارى بعيسى.
ورواة هذا الحديث الأربعة ما بين مكيّ ومدني وفيه التحديث والعنعنة والسماع، وفي رواية
الاخبار في موضع التحديث، وأخرجه المؤلف في الجهاد والنكاح، ومسلم في المغازي، والترمذي
وابن ماجة في الطب، وقال الترمذي: حسن صحيح.

٤٧٩
کتاب الوضوء/ باب ٧٣
٧٣ - باب السِّواك
وقال ابنُ عبّاسٍ: بِتُ عند النبيِّ نَِّ فَاسْتَنَّ.
(باب السواك) بكسر السين وهو يطلق على الفعل والآلة وهو مذكر، وقيل: مؤنث وجمع
السواك سوك ككتاب وكتب، ويجوز بالهمزة كما هو القياس في كل واو مضمومة ضمة لازمة
كوقتت وأقتت وهو مشتق من ساك إذا دلك أو من جاءت الإبل تتساوك أي تتمايل هزالاً وهو من
سنن الوضوء، فلذا ذكره المؤلف في بابه أو أن باب الطهارة يشمل الإزالة والسواك مطهرة للفم
مرضاة للرب .
(وقال ابن عباس) رضي الله عنهما مما وصله المؤلف في تفسير آل عمران مطوّلاً (بثّ عند
النبي ◌َّ فاستن) من الاستنان وهو دلك الأسنان وحكمها بما يجلوها مأخوذ من السنّ بفتح السين
وهو إمرار ما فيه خشونة على آخر ليذهبها، وهذا التعليق ساقط من رواية المستملي.
٢٤٤ - حدثنا أبو النّعمانِ قال: حدَّثَنا حمّادُ بنُ زَيدٍ عن غَيلانَ بنِ جَرِير عن أبي بُردَةً عن
أبيهِ قال: أتيتُ النبيَّ وَ ◌ّ فوجَدْتُه يَسْتَن بسِواكِ بيدِه يقولُ: ((أَعْ، أُغْ)) والسواكُ في فِيهِ كأنَّه يَتِهِوَّعُ.
وبه قال: (حدّثنا أبو النعمان) بضم النون محمد بن الفضل ويشهر بعارم (قال: حدّثنا حماد بن
زيد) بن درهم (عن غيلان) بفتح المعجمة (ابن جرير) بفتح الجيم وبالراء المكسورة المكررة المعولي
بكسر الميم وبفتحها وسكون العين المهملة وفتح الواو، المتوفى سنة تسع وعشرين ومائة (عن أبي بردة)
بضم الموحدة عامر بن أبي موسى (عن أبيه) أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري رضي الله عنه
(قال) :
(أتيت النبي ◌َّر فوجدته يستن بسواك) كان (بيده) جملة في موضع نصب مفعول ثانٍ لوجدته
حال كونه (يقول) أي النبي وَل﴿ مجازًا (أع أع) بضم الهمزة والعين مهملة موضعه نصب على أنه
مقول القول، وذكر ابن التين أن في رواية غير أبي ذر بفتح الهمزة، وفي هامش فرع اليونينية ما نصه
عند الحافظ أبي القاسم أي ابن عساكر في أصله: أغ أغ بغين معجمة قال وفي نسخة العين
المهملة اهـ.
ورواه ابن خزيمة والنسائي عن أحمد بن عبدة عن حماد بتقديم العين المهملة على الهمزة، وكذا
أخرجه البيهقي من طريق إسماعيل القاضي عن عارم شيخ المؤلف فيه، وفي صحيح الجوزقي إخ إخ
بكسر الهمزة وبالخاء المعجمة، وإنما اختلف الرواة الثقات لتقارب مخارج هذه الأحرف وكلها ترجع
إلى حكاية صوته عليه الصلاة والسلام إذ جعل السواك على طرف لسانه كما عند مسلم، والمراد طرفه
الداخل كما عند أحمد ليستن إلى فوق، ولذا قال هنا: (والسواك في فيه كأنه يتهوع) أي يتقيأ يقال
هاع يهوع إذا قاء بلا تكلف يعني أن له صوتًا كصوت المتقيىء على سبيل المبالغة، ويفهم منه السواك

٤٨٠
کتاب الوضوء/ باب ٧٤
على اللسان طولاً، أما الأسنان فالأحب أن يكون عرضًا لحديث ((إذا استكتم فاستاكوا عرضًا)) رواه
أبو داود في مراسيله، والمراد عرض الأسنان قال في الروضة: كره جماعات من أصحابنا الاستياك
طولاً أي لأنه يجرح اللثة وهو كما مرّ من سنن الوضوء لحديث («لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم
بالسواك عند كل وضوء)) أي أمر إيجاب. رواه ابن خزيمة وغيره، وكذا من سنن الصلاة لحديث
الشيخين ((لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة)) أي أمر إيجاب ويستحب عند قراءة
القرآن والاستيقاظ من النوم وتغير الفم، وفي كل حال إلا للصائم بعد الزوال فيكره، وقال ابن
عباس: فيه عشر خصال يذهب الحفر ويجلو البصر ويشد اللثة ويطيب الفم وينقي البلغم وتفرح له
الملائكة ويرضي الرب تعالى ويوافق السُّنّة ويزيد في حسنات الصلاة ويصح الجسم، وزاد الترمذي
الحكيم: ويزيد الحافظ حفظًا وينبت الشعر ويصفي اللون وليبلع ريقه في أول استياكه فإنه ينفع من
الجذام والبرص وكل داء سوى الموت ولا يبلغ بعده شيئًا فإنه يورث النسيان. ورواة الحديث ما بين
بصري وكوفي وفيه التحديث والعنعنة، وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي في الطهارة.
٢٤٥ - حقّثنا عثمانُ قال: حدّثَنا جَرِيرٌ عن مَنصورٍ عن أبي وائلٍ عن حُذيفةَ قال: كان
النبيُّ نَّهِ إذا قام من الليلِ يشَوصُ فاهُ بالسِّواكِ. [الحديث ٢٤٥ - طرفاه في: ٨٨٩، ١١٣٦].
وبه قال: (حدّثنا عثمان) زاد الأصيلي وابن عساكر وأبو الوقت ابن أبي شيبة وهو أخو أبي
بكر بن أبي شيبة (قال: حدّثنا جرير) أي ابن عبد الحميد (عن منصور) أي ابن المعتمر (عن أبي
وائل) بالهمزة شقيق الحضرمي (عن حذيفة) بن اليمان رضي الله عنه (قال):
(كان النبي (وَ ل﴿ إذا قام من الليل يشوص) بالشين المعجمة والصاد المهملة أي يدلك أو يغسل
أو يحك (فاه بالسواك) لأن النوم يقتضي تغيير الفم لما يتصاعد إليه من أبخرة المعدة، والسواك آلة
تنظيفه فيستحب عند مقتضاه. وقوله: إذا قام ظاهره يقتضي تعليق الحكم بمجرد القيام ولفظة كان
تدل على المداومة والاستمرار.
ورواة هذا الحديث الخمسة كوفيون إلا حذيفة فعراقي، وفيه التحديث والعنعنة، وأخرجه
المؤلف أيضًا في الصلاة وفي فضل قيام الليل، ومسلم وأبو داود وابن ماجة في الطهارة والنسائي
فيها وفي الطهارة.
٧٤ - باب دَفع السواكِ إلى الأكبر
(باب دفع السواك إلى الأکبر) سنًّا.
٢٤٦ - وقال عفّانُ: حدَّثَنَا صخرُ بنُ جُوَيريةَ عنْ نافع عنِ ابنِ عُمرَ أنَّ النبيَّ بِ ◌ّر قال: ((أراني
أَتَسَوَّك بسِواكِ، فجاءني رَجُلانِ أحدُهما أكبرُ من الآخَرِ، فَنَاوَلْتُ السِّواكَ الأصغرَ منهما، فقيل لي: