Indexed OCR Text

Pages 401-420

٤٠١
کتاب الوضوء/ باب ٣٥
الشّعبِ فقَضَى حاجَتَهُ. قال أُسامةُ: فجعَلتُ أصُبُ عليهِ وَيَتَوَضَّأُ. فقُلتُ: يا رسولَ اللَّهِ أَتُصَلِّي؟
فقال: ((المُصلَّى أمامَكَ)).
وبالسند قال: (حدّثنا) وفي رواية الأربعة حدّثني (محمد بن سلام) بالتخفيف على الصحيح
ولكريمة حدّثنا ابن سلام (قال: أخبرنا يزيد بن هارون) بن زاذان السلمي مولاهم أبو خالد
الواسطي أحد الأعلام (عن يحيى) بن سعيد الأنصاري التابعي (عن موسى بن عقبة) بضم العين
وسكون القاف الأسدي المدني التابعي (عن كريب مولى ابن عباس) التابعي (عن أسامة بن زيد)
رضي الله عنه:
(أن رسول الله وَ ليؤ لما أفاض) أي رجع أو دفع (من) موقف (عرفة عدل) أي توجه (إلى
الشعب) بكسر الشين الطريق في الجبل (فقضى حاجته. قال أسامة) أي ابن زيد كما صرح به في
رواية أبي الوقت (فجعلت أصب عليه) الوضوء (و) هو (يتوضأ) مبتدأ وخبر أو نصب على الحال
أي: والحال أنه يتوضأ. ويجوز وقوع الفعل المضارع المثبت حالاً (فقلت: يا رسول الله أتصلي؟ فقال)
بفاء العطف وفي رواية الأربعة. قال ◌َلجر: (المصلى) بفتح اللام أي مكان المصلى (أمامك) بفتح
الهمزة والميمين ظرف بمعنى قدامك.
وفي الحديث جواز الاستعانة في الوضوء بالصب، وبه استدل المؤلف للترجمة ولم يذكر جوازًا
ولا غيره، ويقاس على الاستعانة بالصب الاستعانة بالغسل والإحضار للماء بجامع الإعانة، فأما
الصب فهو خلاف الأولى لأنه ترفه لا يليق بالمتعبد وعورض بأنه إذا فعله الشارع لا يكون خلاف
الأولى.
وأجيب: بأنه قد يفعله لبيان الجواز فلا يكون في حقه خلاف الأولى بخلافنا، وقيل مكروه
وأما الاستعانة في غسل الأعضاء فمكروهة قطعًا إلا لحاجة، وأما في إحضار الماء قلا كراهة فيها
أصلاً. قال ابن حجر: لكن الأفضل خلافه، وقال الجلال المحلي: ولا يقال إنها خلاف الأولى، وأما
الحديث المرفوع: أنا لا أستعين في وضوئي بأحد، وأنه قاله عليه الصلاة والسلام لعمر وقد بادر
لصب الماء عليه، فقال النووي في شرح المهذب: إنه حديث باطل لا أصل له.
٠
وهذا الحديث من سداسياته، ورواته ما بين بيكندي وواسطي ومدني، وفيهم ثلاثة من التابعين
والتحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه المؤلف أيضًا في الطهارة والحج ومسلم فيه أيضًا.
١٨٢ - حدثنا عمرُو بنُ عليٍّ قال: حدَّثَنَا عبدُ الوَهابِ قال: سمعتُ يحيى بنَ سَعيدٍ قال:
أخبرَني سَعدُ بنُ إبراهيمَ أنَّ نافعَ بنَ جُبَيرِ بنِ مُطْعِمٍ أخبرَهُ أنه سمعَ عُرْوَةَ بنَ المُغِيرةِ بنِ شُعبةً
يحدِّثُ عنِ المُغِيرَةِ بنِ شُعبَةَ أنه كان معَ رسولِ اللَّهِ وَلَّ فِي سَفَرٍ وأنه ذَهَبَ لحاجةٍ له وأنَّ مُغيرةَ
جَعلَ يصبُّ الماءَ عليهِ وهُوَ يَتَوَضَّأُ، فَغَسَلَ وَجهَهُ ويَدَيهِ ومَسحَ بِرَأْسِهِ وَمَسَحِ عَلَى الخُفَّينِ.
[الحديث ١٨٢ - أطرافه في: ٢٠٣، ٢٠٦، ٣٦٣، ٣٨٨، ٢٩١٨، ٤٤٢١، ٥٧٩٨، ٥٧٩٩].
أ شاد السابع/ ج ١\٢٦٠

٤٠٢
کتاب الوضوء/ باب ٣٦
وبه قال: (حدّثنا عمرو بن عليّ) بفتح عين عمرو وسكون ميمه الفلاس البصري (قال: حدّثنا
عبد الوهاب) بن عبد المجيد الثقفي البصري (قال: سمعت يحيى بن سعيد) بكسر العين الأنصاري
التابعي (قال: أخبرني) بالإفراد (سعد) بسكون العين (ابن إبراهيم) بن عبد الرحمن بن عوف القرشي
التابعي (أن نافع بن جبير بن مطعم) القرشي النوفلي المدني التابعي (أخبره أنه سمع عروة بن
المغيرة بن شعبة يحدث عن المغيرة) بضم الميم أبيه (ابن شعبة) بن مسعود الثقفي الصحابي الكوفي
أسلم قبل الحديبية وولي إمرة الكوفة، توفي سنة خمسين على الصحيح، له في البخاري أحد عشر
حدیثًا .
(أنه) أي المغيرة (كان مع رسول الله بَّر في سفر وأنه) عليه الصلاة والسلام (ذهب لحاجة له)
وأدى عروة معنى كلام أبيه بعبارة نفسه وإلا فكان السياق يقتضي أن يقول قال أبي كنت وكذا قوله:
(وأن مغيرة) وفي رواية الأصيلي وابن عساكر: وأن المغيرة (جعل) أي طفق (يصب الماء عليه)، وفي
رواية الأصيلي وابن عساكر جعل يصب عليه بلفظ المضارع لحكلية الحال الماضية (وهو يتوضأ) جملة
اسمية وقعت حالاً (فغسل وجهه ويديه) أتى بغسل ماضيًا على الأصل، (ومسح برأسه) بياء الإلصاق
(ومسح على الخفّين) أعاد لفظ مسح دون غسل لبيان تأسيس قاعدة المسح بخلاف الغسل فإنه تكرير
السابق. وهذا الحديث من سباعياته، ورواته ما بين بصري وكوفي ومدني، وفيه أربعة من التابعين
يروي بعضهم عن بعض والتحديث والإخبار والسماع والعنعنة .
٣٦ - باب قراءةِ القُرآنِ بعدَ الحدَث وغيرِه
وقال مَنصورٌ عن إبراهيمَ: لا بأسَ بالقِراءةِ في الحمّامِ، وَبِكَتْبِ الرسالةَ عَلَى غيرٍ وُضوءٍ.
وقال حمادٌ عن إبراهيمَ: إنْ كان عليهم إزارٌ فسلِّمْ، وإلاّ فلا تُسَلّمْ.
(باب قراءة القرآن) العظيم (بعد الحدث) الأصغر (وغيره) أي غير قراءة القرآن ككتابة القرآن،
هذا شامل للقولي والفعلي، وتمثيل الكرماني بالذكر والسلام ونحوهما لا وجه له لأنه إذا جاز
للمحدث قراءة القرآن فالسلام والذكر ونحوهما بطريق الأولى. وقول الحافظ ابن حجر قوله وغيره
من مظان الحدث، تعقبه العيني بأن الضمير لا يعود إلا على مذكور لفظًا أو تقديرًا بدلالة القرينة
اللفظية أو الحالية، وبأن مظنة الحدث على نوعين مثل الحدث والآخر ليس مثله، فإن أراد الأوّل فهو
داخل في قوله بعد الحدث، أو الثاني فهو خارج عنه وحينئذ فلا وجه لما قاله على ما لا يخفى اهـ.
(وقال منصور) هو ابن المعتمر السلمي الكوفي (عن إبراهيم) بن يزيد النخعي الكوفي الفقيه مما
وصله سعيد بن منصور عن أبي عوانة (لا بأس بالقراءة) للقرآن (في الحمام) خصّه بالذكر لأن
القارىء فيه يكون محدثًا في الغالب، ونقل النووي في الأذكار عدم الكراهة عن الأصحاب، ورجحه
السبكي نعم في شرح الكفاية للصيمري لا ينبغي أن يقرأ، وسوّى الحليمي بينه وبين القرآن حال
قضاء الحاجة، وعن أبي حنيفة الكراهة لأن حكمه حكم بيت الخلاء والماء المستعمل في الحمام

٤٠٣
کتاب الوضوء/ باب ٣٦
نجس، وعن محمد بن الحسن عدم الكراهة لطهارة الماء عنده (و) لا بأس (بكتب الرسالة) بموحدة
مكسورة وكاف مفتوحة عطفًا على قوله بالقراءة (على غير وضوء) مع كون الغالب تصدير الرسائل
بالبسملة، وقد يكون فيها ذكر أو قرآن والجار والمجرور متعلق بكتب لا بالقراءة في الحمام كذا قال
البرماوي والحافظ ابن حجر، وتعقبه العيني فقال: لا نسلم ذلك فإن قوله: وبكتب الرسالة على
الوجهين متعلق بالقراءة وقوله على غير وضوء متعلق بالمعطوف والمعطوف عليه لأنهما كشيء واحد،
وهذا الأثر رواه عبد الرزاق موصولاً عن الثوري عن منصور ولفظه: قال سألت إبراهيم أأكتب
الرسالة على غير وضوء؟ قال: نعم. وفي رواية أبوي ذر والوقت والأصيلي ويكتب بلفظ مضارع
كتب وهي رواية الأكثر، والأولى وهي رواية كريمة. قال العيني: أوجه. (وقال(حماد) أي ابن
سليمان شيخ أبي حنيفة وفقيه الكوفة (عن إبراهيم) النخعي مما وصله الثوري في جامعه عنه (إن كان
عليهم) أي على الذين داخل الحمام للتطهير (إزار) اسم لما يلبس في النصف الأسفل (فسلم) زاد في
رواية الأصيلي عليهم وتفسير ابن حجر قوله: إن كان عليهم بمن في الحمام. تعقبه العيني بأنه عامّ
يشمل القاعد بثيابه في المسلخ وهو لا خلاف فيه، وأجيب: بأن المسلخ وإن أطلق عليه اسم الحمام
فمجاز، والحمام في الحقيقة ما فيه الماء الحميم والأصل استعمال الحقيقة دون المجاز (وإلا) بأن لم
يكن عليهم إزار (فلا تسلم) عليهم إهانة لهم لكونهم على بدعة أو لكون السلام عليهم يستدعي
تلفظهم برد السلام الذي هو من أسمائه تعالى مع أن لفظ: سلام عليكم من التنزيل والمتعري عن
الإزار يشبه من في الخلاء، وبهذا التقرير يتوجه ذكر هذا الأثر في هذه الترجمة، وقد روى مسلم من
حديث ابن عمر كراهة ذكر الله بعد الحدث لكنه ليس على شرط المؤلف.
١٨٣ - حقثنا إسماعيلُ قال: حذَّثني مالكٌ عن مَخْرَةَ بنِ سُليمانَ عن كُرَيْبٍ مَولى ابنِ
عبّاسٍ أنَّ عبدَ اللَّهِ بنَ عبّاسٍ أخبرَهُ أنه باتَ ليلةً عندَ مَيمونةَ زَوجِ النبيِّ ◌َـ وهيَ خالَتُهُ.
فاضْطَجَعْتُ فِي عَرْضِ الوسادةِ، واضْطَجَعَ رسولُ اللَّهِ بِ لهِ وأهلُهُ فِي طُولِها، فنامَ رسولُ اللَّهِ بِهِ،
حتى انْتَصَفَ الليلُ - أو قبلَهُ بقليلٍ، أو بعدَهُ بقليلٍ - اسْتَيْقَظَ رسولُ اللَّهِ وَرَ، فَجَلَسَ يَمْسَحُ
النومَ عِن وَجههِ بَيَدِه. ثمَّ قَرَأَ العَشْرَ الآياتِ الخَواتِيمَ مِن سورةِ آلِ عِمرانَ. ثمَّ قامَ إلى شَنِّ مُعلّقةٍ
فتَوَضَّأ منها فأحسَنَ وُضوءَهُ، ثمَّ قامَ يُصلِّي. قال ابنُ عبّاسٍ: فقمتُ فصَنعتُ مِثلَ ما صَنَعَ، ثمَّ
ذَهَبتُ فَقُمتُ إلى جَنبِهِ، فَوَضعَ يدَهُ اليُمنى على رأْسي وأخَذَ بَأُذُنِي اليُمنى يَفْتِلُها. فَصلَّى رَكعتَينِ،
ثُمَّ رَكعتينٍ، ثمَّ رَكعتينٍ، ثمَّ رَكعتينٍ، ثمَّ رَكعتينٍ، ثمَّ رَكعتينٍ، ثمَّ أوتَرَ. ثمَّ اضْطَجَعَ حتى أتاهُ
المُؤَذِّنُ فقامَ فصلَّى رَكعَتَيْنِ خَفِيفَتَينِ. ثمَّ خرَجَ فصلَّى الصُّبْحَ.
وبالسند قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أُويس الأصبحي (قال: حدثني) بالإفراد إمام دار
الهجرة (مالك) وهو خال إسماعيل هذا (عن مخرمة بن سليمان) بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة
وفتح الراء الوالبي المدني (عن كريب) بضم الكاف وفتح الراء آخره موحدة (مولى ابن عباس).

٤٠٤
کتاب الوضوء/ باب ٣٦
(أن عبد الله بن عباس) رضي الله عنهما (أخبره أنه بات ليلة عند ميمونة زوج النبي بَّر وهي
خالته) رضي الله عنها (فاضطجعت) أي وضعت جنبي بالأرض وكان أسلوب الكلام أن يقول
اضطجع مناسبة لقوله بات، أو يقول بت مناسبة لقوله اضطجعت لكنه سلك مسلك التفنن الذي هو
نوع من الالتفات أو يقدر قال: فاضطجعت (في عرض الوسادة) بفتح العين كما في الفرع وهو
المشهور، وقال النووي هو الصحيح وبالضم كما حكاه البرماوي والعيني وابن حجر وأنكره أبو
الوليد الباجي نقلاً ومعنى لأن العرض بالضم الجانب وهو لفظ مشترك. وأجيب: بأنه لما قال في
طولها تعين المراد وقد صحت به الرواية عن جماعة منهم الداودي والأصيلي فلا وجه لإنكاره،
(واضطجع رسول الله وَّر وأهله) زوجته أم المؤمنين ميمونة (في طولها) أي الوسادة (فنام رسول
الله ( * حتى انتصف) كذا للأصيلي ولغيره حتى إذا انتصف (الليل أو قبله) أي قبل انتصافه (بقليل
أو بعده) بعد انتصافه (بقليل استيقظ رسول الله ( 18) إن جعلت إذا ظرفية فقبله ظرف لاستيقظ أي
استيقظ وقت الانتصاف أو قبله، وإن جعلت شرطية فمتعلق بفعل مقدّر واستيقظ جواب الشرط أي
حتى إذا انتصف الليل أو كان قبل الانتصاف استيقظ (فجلس) حال كونه (يمسح النوم عن وجهه)
الشريف (بيده) بالإفراد أي يمسح بيده عينيه من باب إطلاق اسم الحال على المحل، لأن المسح لا
يقع إلا على العين والنوم لا يمسح أو المراد مسح أثر النوم من باب إطلاق اسم السبب على المسبب
قاله ابن حجر؛ وتعقبه العيني بأن أثر النوم من النوم لأنه نفسه، وأجيب بأن الأثر غير المؤثر فالمراد
هنا ارتخاء الجفون من النوم ونحوه (ثم قرأ) رسول الله وَ ل﴾ (العشر الآيات) من إضافة الصفة
للموضوف واللام تدخل في العدد المضاف نحو الثلاثة الأثواب (الخواتيم من سورة آل عمران) التي
أوّلها ﴿إن في خلق السموات والأرض﴾ [آل عمران: ١٩] إلى آخر السورة والخواتيم نصب صفة
لعشر المنصوب بقرأ (ثم قام إلى شنّ معلقة) بفتح الشين المعجمة وتشديد النون القربة الخلقة من أدم
وجمعه شنان بكسر أوّله وذكره باعتبار لفظه أو الأدم أو الجلد وأنث الوصف باعتبار القربة، (فتوضأ)
عليه الصلاة والسلام (منها فأحسن وضوءه) أي أتمه بأن أتى بمندوباته، ولا يعارض هذا قوله في
باب تخفيف الوضوء وضوءًا خفيفًا لأنه يحتمل أن يكون أتى بجميع مندوباته مع التخفيف أو كان كلٌّ
منهما في وقت، (ثم قام) عليه الصلاة والسلام (يصلي قال ابن عباس) رضي الله عنه: (فقمت
فصنعت مثل ما صنع) بَّر (ثم ذهبت فقمت إلى جنبه) الأيسر (فوضع) بَيِّر (يده اليمنى على رأسي)
أي فأدارني على يمينه (وأخذ بأذني اليمنى) بضم الهمزة والمعجمة حال كونه (يفتلها) أي يدلكها تنبيهًا
عن الغفلة عن أدب الائتمام وهو القيام على يمين الإمام إذا كان الإمام وحده أو تأنيسًا له لكون ذلك
كان ليلاً (فصلّ) عليه الصلاة والسلام (ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم
ركعتين) المجموع اثنتا عشرة وهو يقيد المطلق في قوله في باب التخفيف فصلى ما شاء الله (ثم أوتر)
بواحدة أو بثلاث وفيه بحث يأتي إن شاء الله تعالى (ثم اضطجع) عليه الصلاة والسلام (حتى أتاه
المؤذن فقام فصلى ركعتين خفيفتين ثم خرج) من الحجرة إلى المسجد (فصلى الصبح) بأصحابه رضي

٤٠٥
کتاب الوضوء/ باب ٣٧
الله عنهم. قيل: ويؤخذ من قراءته عليه الصلاة والسلام العشر الآيات المذكورة بعد قيامه من النوم
قبل أن يتوضأ جواز قراءة القرآن للمحدث.
وعورض بأنه عليه الصلاة والسلام تنام عينه ولا ينام قلبه فلا ينتقض وضوءه به وأما وضوءه
فللتجديد أو لحدث آخر. وأجيب: بأن الأصل عدم التجديد وغيره، وعورض بأن هذا عند قيام
الدليل على ذلك، وههنا قام الدليل بأن وضوءه لم يكن لأجل الحدث وهو قوله: ((تنام عيناي ولا ينام
قلبي)) وحينئذ يكون تجديد وضوئه لأجل طلبه زيادة النور حيث قال: ((الوضوء نور على نور)).
فإن قلت: ما وجه المناسبة بين الترجمة والحديث؟ أجيب: من جهة أن مضاجعة الأهل في
الفراش لا تخلو من الملامسة غالبًا.
وعورض بأنه * كان يقبِّل بعض أزواجه ثم يصلي ولا يتوضأ. رواه أبو داود والنسائي،
وأجيب: بأن المذهب الجزم بانتقاضه به كما قاله الأستاذ النووي رحمه الله، ولم يرد المؤلف أن مجرد
نومه ينقض لأن في آخر هذا الحديث عنده في باب التخفيف في الوضوء، ثم اضطجع فنام حتى
نفخ ثم صلّ، ويحتمل أن يكون المؤلف احتج بفعل ابن عباس المعبّر عنه بقوله: فصنعت مثل ما
صنع بحضرته قلق .
واستنبط من هذا الحديث استحباب التهجّد وقراءة العشر الآيات عند الانتباه من النوم وأن
صلاة الليل مثنى، وهو من خماسياته ورجاله مدنيون، وفيه التحديث بصيغة الإفراد والجمع والإخبار
والعنعنة، وأخرجه المؤلف أيضًا في الصلاة وفي الوتر والتفسير ومسلم في الصلاة وأبو داود،
وأخرجه ابن ماجة في الطهارة.
٣٧ - باب مَن لم يَتَوَضَّأْ إلاّ منَ الغَشْي المُثْقِل
هذا (باب من لم يتوضأ إلا من الغشي المثقل) لا من الغشي غير المثقل وليس المراد من توضأ
من الغشي المثقل لا من سبب آخر من أسباب الحدث، والغشي: بفتح الغين وسكون الشين
المعجمتين ضرب من الإغماء إلا أنه أخف منه والمثقل بضم الميم وكسر القاف صفة للغشي.
١٨٤ - حدثنا إسماعيلُ قال حدَّثني مَالكٌ عَن هِشامٍ بِنِ عُروَةَ عنِ امرأتهِ فاطمةَ عن جدَّتِها
أسماءَ بنتِ أبي بكرٍ أنها قالت: أتيتُ عائشةَ زوجَ النبيِّ وََّ حِينَ خَسَفَتِ الشمسُ، فإذا الناسُ قِيامٌ
يُصَلُّونَ، وإذا هيَ قائمةٌ تُصلِّي. فقلتُ: ما للنّاسِ؟ فأشارتْ بيدِها نحوَ السماءِ وقالتْ: سُبحانَ
اللَّهِ. فقلتُ: آية؟ فأشارتْ أنْ نعم. فقمتُ حتى تجلاّني الغشْيُ، وجعلتُ أصُبُّ فوقَ رأسي ماءً.
فلما انصرَفَ رسولُ اللَّهِ وَلَ حْمِدَ اللَّهَ وأثنى عليه ثمَّ قال: ((ما مِنْ شيءٍ كنتُ لم أرَهُ إلاّ قد رأيتُه
في مَقامي هذا حتى الجنةَ والنارَ)). ولقد أُوحِيَ إليَّ أنَّكمْ تُفتَنون في القبورِ مثلَ - أَو قَرِيبًا مِن -

٤٠٦
كتاب الوضوء/ باب ٣٧
فِتنةِ الدجال (لا أدري أيَّ ذلكَ قالتْ أسماءُ) يُؤتى أحَدُكم فيُقالُ لَهُ: ما عِلْمُكَ بهذا الرَّجُلِ؟ فأمّا
المُؤْمنُ (أوِ المُوقِنُ، لا أدرِي أَيَّ ذُلكَ قالَتْ أسماءُ) فيقول: هوَ محمدٌ رسولُ اللهِ، جاءنا بالبيّناتِ
والهُدى، فأجَبْنا وآمنًا واتَّبَعْنا. فيقال: نَمْ صالحًا، فقد عَلِمْنا إنْ كنتَ لَمُوقِنًا. وأمّا المُنافقُ (أو
المُرْتابُ، لا أذرِي أَّ ذُلكَ قالتْ أسماءُ) فيقولُ: لا أدرِي، سَمعتُ الناسَ يَقولُونَ شيئًا فقلتُه.
وبالسند قال: (حدثنا إسماعيل) بن أبي أُويس (قال: حدّثني) بالإفراد وفي رواية ابن عساكر
حدّثنا (مالك) هو ابن أنس الإمام (عن هشام بن عروة) بن الزبير بن العوّام القرشي (عن امرأته
فاطمة) بنت المنذر بن الزبير بن العوّام (عن جدّتها أسماء بنت أبي بكر) الصدّيق وهي زوجة
الزبير بن العوام، وفي بعض النسخ عن جدّته بتذكير الضمير وهو صحيح لأن أسماء جدّة لهشام
ولفاطمة كليهما لأنها أم أبيه عروة كما أنها أم المنذر أبي فاطمة (أنها قالت):
(أتيت عائشة زوج النبي بَل حين خسفت الشمس) بفتح الخاء والسين أي ذهب ضوءها كله
أو بعضه (فإذا الناس قيام يصلون، وإذا هي) أي عائشة رضي الله عنها (قائمة تصلي فقلت: ما
للناس؟ فأشارت) عائشة (بيدها نحو السماء وقالت) وفي رواية أبي ذر فقالت: (سبحان الله! فقلت
آية) هي أي علامة لعذاب الناس: (فأشارت) عائشة برأسها (آن) ولكريمة أي (نعم) وهي الرواية
المتقدمة في باب من أجاب الفتيا بإشارة اليد والرأس وهما حرفا تفسير قالت أسماء: (فقمت حتى
تجلاني) بالجيم أي غطاني (الغشي) من طول تعب الوقوف (وجعلت أصب فوق رأسي ماء)مدافعة
للغشي، وهذا يدل على أن حواسها كانت مدركة وإلاّ فالإغماء الشديد المستغرق ينقض الوضوء
بالإجماع، (فلما انصرف رسول الله (وَلاير) من الصلاة أو من المسجد (حمد الله) تعالى (وأثنى عليه) من
باب عطف العام على الخاص (ثم قال) وَلجر: (ما من شيء) من الأشياء (كنت لم أره إلا قد رأيته)
رؤية عين حقيقة حال كوني (في مقامي هذا) بفتح الميم (حتى الجنة والنار) برفعهما ونصبهما وجرّهما
وتقدم توجيهها مع استشكال البدر الدماميني وجه الجر فليراجع (ولقد أوحي إلى أنكم تفتنون في
القبور) وفي رواية الأصيلي في قبوركم (مثل) فتنة المسيح الدجال (أو قريبًا) وفي رواية الأربعة قريب
(من فتنة) المسيح (الدجال لا أدري أي ذلك قالت أسماء) رضي الله عنها: (يؤتى أحدكم فيقال له
ما علمك بهذا الرجل) أي النبي وَلّ: (فأما المؤمن أو الموقن) بنبوّته ومَّ قالت فاطمة بنت المنذر: (لا
أدري أي ذلك) المؤمن أو الموقن (قالت أسماء: فيقول: هو محمد رسول الله جاءنا بالبينات) الدالّة
على نبوّته (والهدى) الموصل للمراد (فأجبنا وآمنا واتبعنا) بحذف ضمير المفعول في الثلاثة، (فيقال
نم) وفي رواية الحموي والأصيلي فيقال له نم حال كونك (صالحا فقد علمنا أن كنت لموقتًا) به وفي
همزة إن الكسر والفتح ورجحه البدر الدماميني، بل قال إنه المتعين كما سبق تقريره في باب من
أجاب الفتيا بإشارة اليد والرأس من كتاب العلم (وأما المنافق) غير المصدّق بقلبه بنبوّته عليه الصلاة
والسلام (أو المرتاب) الشاك قالت فاطمة (لا أدري أي ذلك قالت أسماء) رضي الله عنها (فيقول: لا
أدري سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته) ومحل استدلال المؤلف للترجمة من هذا الحديث فعل أسماء

بے
٤٠٧
کتاب الوضوء/ باب ٣٨
من جهة أنها كانت تصلي خلف النبي ◌ّ فكان يرى الذين خلفه وهو في الصلاة ولم ينقل أنه أنكر
عليها، وقد تقدم شيء من مباحث هذا الحديث في باب العلم ويأتي مزيد لذلك إن شاء الله تعالى في
كتاب صلاة الخسوف.
ورواة هذا الحديث كلهم مدنيون، وفيه رواية الأقران هشام وزوجته فاطمة، وفيه التحديث
بالإفراد والجمع والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلف في العلم والطهارة والكسوف والاعتصام
والاجتهاد والسهو ومسلم في الصلاة.
٣٨ - باب مسح الرأسِ كله،
لقول اللَّهِ تعالى: ﴿وَامْسَحوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾
وقال ابن المسيَّبِ: المرأةُ بمنزِلةِ الرَّجلِ تَمسحُ على رأسِها.
وسُئِلَ مالكٌ: أَيُجزِىءُ أن يَمسحَ بعضَ الرأسِ؟ فاحتجَّ بحديثِ عبدِ اللهِ بنِ زَید.
(باب مسح الرأس كله) في الوضوء، وفي رواية المستملي الاقتصار على مسح الرأس وإسقاط
لفظ كله (لقول الله تعالى) وفي رواية ابن عساكر سبحانه وتعالى، وفي رواية الأصيلي عز وجل:
(﴿وامسحوا برؤوسكم﴾) [المائدة: ٦] أي امسحوا رؤوسكم كلها فالباء زائدة عند المؤلف كمالك
(وقال ابن المسيب) سعيد: (المرأة بمنزلة الرجل تمسح على رأسها) وهذا وصله ابن أبي شيبة ولفظه:
المرأة والرجل في المسح سواء، وعن أحمد يكفي المرأة مسح مقدم رأسها .
(وسئل مالك) الإمام الأعظم والسائل له إسحق بن عيسى بن الطباع (أيجزىء) بضم المثناة
التحتية من الإجزاء وهو الأداء الكافي لسقوط التعبد به وبفتح الياء من جزى ويجزي أي كفى
والهمزة فيه للاستفهام (أن يمسح بعض) وفي رواية ابن عساكر ببعض (الرأس) وفي رواية أبوي ذر
والوقت والأصيلفي رأسه؟ (فاحتج) أي مالك على أنه لا يجزي (بحديث عبد الله بن زيد) هذا الآتي
إن شاء الله تعالى.
١٨٥ - حدثنا عبدُ اللَّهِ بنُ يوسُفَ قال: أخبرنا مالكٌ عن عَمرِو بنِ يَحيى المازِنِيِّ عن أبيهِ
أن رجلاً قال لعبدِ اللَّهِ بنِ زيدٍ - وهو جَدُّ عمرو بن يحيى - أَتَسْتطيعُ أن تُرِيَنِي كيفَ كان رسولُ
اللَّهِ وَلِّ يَتَوَضَّأُ؟ فقال عبد الله بن زيد: نعم. فدعا بماء فأفرغ على يديه فغسل مرتين، ثم مضمض
واستنثر ثلاثًا، ثم غسل وجهه ثلاثًا ثم غسل يديه مرَّتينِ مرَّتِينٍ إلى المَرْفِقَيْنِ، ثمَّ مَسحَ رأسَهُ بَيَدَيهِ
فأقبَلَ بهما وأدبَرَ: بَدأ بمقدَّم رأسهِ حتى ذَهبَ بهما إلى قَفاهُ، ثمَّ ردَّهُما إلى المَكانِ الذي بَدأ منهُ،
ثمَّ غَسلَ رِجِلَيهِ. [الحديث ١٨٥ - أطرافه في: ١٨٦، ١٩١، ١٩٢، ١٩٧، ١٩٩].

٤٠٨
کتاب الوضوء/ باب ٣٨
وبالسند قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي (قال: أخبرنا) وفي رواية الأصيلي حدّثنا
(مالك) إمام الأئمة (عن عمرو بن يحيى) بن عمارة بضم العين وتخفيف الميم (المازني عن أبيه)
يحيى بن عمارة بن أبي حسن.
(أن رجلاً) هو عمرو بن أبي حسن كما سيأتي إن شاء الله تعالى في الحديث الآتي من طريق
وهيب (قال لعبد الله بن زيد) الأنصاري (وهو) أي الرجل المفسر بعمرو بن أبي حسن (جد
عمرو بن يحيى) المازني المذكور مجازًا لا حقيقة لأنه عمّ أبيه، وإنما أطلق عليه الجدودة لكونه في
منزلته: (أتستطيع أن تريني) أي هل تستطيع الإراءة إياي (كيف كان رسول الله (وَ ل﴿ يتوضأ) كأنه
أراد أن يريه بالفعل ليكون أبلغ في التعليم (فقال عبد الله بن زيد) أي الأنصاري (نعم) أستطيع أن
أريك (فدعا بماء) عقب قوله ذلك (فأفرغ) أي صبّ من الماء (على يديه) بالتثنية، وفي رواية الأربعة
على يده بالإفراد على إرادة الجنس (فغسل مرتين) وفي رواية الأربعة فغسل يديه مرتين كذا في رواية
مالك وعند غيره من الحفاظ ثلاثًا فهي مقدمة على رواية الحافظ الواحد لا يقال أنهما واقعتان لاتحاد
مخرجهما، والأصل عدم التعدد، لأن في رواية مسلم من طريق حبّان بن واسع عن عبد الله بن زيد
أنه رأى النبي وَ ﴿ توضأ وفيه وغسل يده اليمنى ثلاثًا ثم الأخرى ثلاثًا، فيحمل على أنه وضوء آخر
لكون مخرج الحديثين غير متحد، (ثم مضمض واستنثر ثلاثًا) أي بثلاث غرفات كما في رواية
وهيب، وللكشميهني واستنشق ثلاثًا. والرواية الأولى تستلزم الثانية من غير عكس قاله ابن حجر،
وعورض بأن ابن الأعرابي وابن قتيبة جعلاهما واحدًا وقد مرَّ في المضمضة والاستنشاق. (ثم غسل
وجهه ثلاثًا ثم غسل يديه مرتين مرتين) بالتكرار (إلى) أي مع (المرفقين) بالتثنية مع فتح الميم وكسر
الفاء، وفي رواية الأصيلي بكسر الميم وفتح الفاء، وفي رواية المستملي والحموي إلى المرفق بالإفراد
على إرادة الجنس وهو مفصل الذراع والعضد وسمي به لأنه يرتفق به في الاتكاء ويدخل في غسل
اليدين خلافًا لزفر لأن إلى في قوله تعالى: ﴿إلى المرفقين﴾ بمعنى مع کالحديث كقوله تعالى:
﴿ويزدكم قوة إلى قوّتكم﴾ [هود: ٥٢] أو متعلقة بمحذوف تقديره مضافة إلى المرافق. قال
البيضاوي: ولو كان كذلك لم يبق معنى للتحديد ولا لذكره مزيد فائدة لأن مطلق اليد يشتمل
عليها. وقيل: (إلى) تفيد الغاية مطلقًا وأما بدخولها في الحكم أو خروجها منه فلا دلالة لها عليه
وإنما يعلم من خارج، ولم يكن في الآية وكأن الأيدي متناولة لها فحكم بدخولها احتياطًا. وقيل:
(إلى) من حيث أنها تفيد الغاية تقتضي خروجها وإلا لم تكن غاية كقوله: ﴿فنظرة إلى ميسرة﴾
وقوله: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ [البقرة: ١٨٧] لكن لما لم تتميز الغاية همهنا من ذي الغاية وجب
دخولها احتياطًا اهـ.
ووقف زفر مع المتيقن. وقال إسحاق بن راهويه: يحتمل أن تكون بمعنى الغاية وبمعنى مع
فبينت السُّنّة أنها بمعنى مع. وقال الإمام الشافعي في الأم: لا أعلم مخالفًا في إيجاب دخول المرفقين
في الوضوء، قال ابن حجر: فعلى هذا فزفر محجوج بالإجماع.

٤٠٩
کتاب الوضوء/ باب ٣٨
(ثم مسح رأسه) زاد ابن الطباع في روايته كله كما في حديثه المروي عند ابن خزيمة في
صحيحه (بيديه) بالتثنية (فأقبل بهما وأدبر) بهما ولمسلم مسح رأسه كله وما أقبل وما أدبر وصدغيه
(بدأ بمقدم رأسه) بفتح الدال المشددة من بمقدم بأن وضع يديه عليه وألصق مسبحته بالأخرى
وإبهاميه على صدغيه (حتى ذهب بهما إلى قفاه ثم ردّهما إلى المكان الذي بدأ منه) ليستوعب جهتي
الشعر بالمسح، وعلى هذا يختص ذلك بمن له شعر ينقلب وإلاّ فلا حاجة إلى الرد، فلو ردَّ لم يحسب
ثانية لأن الماء صار مستعملاً. وهذا التعليل يقتضي أنه لو ردّ ماء المرة الثانية حسب ثالثة بناء على
الأصح من أن المستعمل في النفل طهور إلا أن يقال السُّنّة كون كل مرة بماء جديد، والجملة من
قوله بدأ عطف بيان لقوله فأقبل بهما وأدبر، ومن ثم لم تدخل الواو على قوله بدأ، والظاهر أنه ليس
مدرجًا من كلام مالك بل هو من الحديث، ولا يقال هو بيان للمسح الواجب كما قال به مالك وابن
علية وأحمد في رواية وأصحاب مالك غير أشهب فبيانه واجب لأنه يلزم منه وجوب الرد إلى المكان
الذي بدأ منه، ولا قائل بوجوبه. ويلزم أن يكون تثليث الغسل وتثنيته واجبين لأنهما بيان أيضًا،
فالحديث ورد في الكمال ولا نزاع فيه بدليل أن الإقبال والإدبار لم يذكر في غير هذا الحديث، وقد
وقع في رواية خالد بن عبد الله الآتية قريبًا في باب من تمضمض واستنشق من غرفة واحدة ومسح
برأسه ما أقبل وما أدبر كآية المائدة بالباء، واختلف فيها فقيل: زائدة للتعدية وتمسك به من أوجب
الاستيعاب، وقيل للتبعيض. وعورض بأن بعض أهل العربية أنكر كونها للتبعيض. قال ابن برهان:
من زعم أن الباء تفيد التبعيض فقد جاء عن أهل اللغة بما لا يعرفونه. وأجيب: بأن ابن هشام نقل
التبعيض عن الأصمعي والفارسي والقتيبي وابن مالك والكوفيين وجعلوا منه ﴿عينًا يشرب بها عباد
الله﴾ [الإنسان: ٦] انتهى.
وقال بعضهم: الحكم في الآية مجمل في حق المقدار فقط لأن الباء للإلصاق باعتبار أصل
الوضع، فإذا قرنت بآلة المسح يتعدى الفعل بها إلى محل المسح فيتناول جميعه كما تقول: مسحت
الحائط بيدي ومسحت رأس اليتيم بيدي فيتناول مسح الحائط كله، وإذا قرنت بمحل المسح يتعدى
الفعل بها إلى الآلة فلا تقتضي الاستيعاب، وإنما تقتضي التصاق الآلة بالمحل وذلك لا يستوعب
الكل عادة فمعنى التبعيض إنما ثبت بهذا الطريق .. وقال الشافعي احتمل قوله: ﴿وامسحوا
برؤوسكم﴾ جميع الرأس أو بعضه، فدلّت السُّنّة أن بعضه يجزىء. وروى الشافعي أيضًا من حديث
عطاء أن رسول الله وَل# توضأ فحسر العمامة عن رأسه قال ابن حجر: وهو مرسل لكنه اعتضد من
وجه آخر موصولاً أخرجه أبو داود من حديث أنس، وفي إسناده أبو معقل لا يعرف حاله فقد
اعتضد كلٌّ من المرسل والموصول بالآخر وحصلت القوة من الصورة المجموعة، وهذا مثال لما ذكره
الشافعي من أن المرسل يعتضد بمرسل آخر أو مسند، وصح عن ابن عمر الاكتفاء بمسح بعض
الرأس قاله ابن المنذر وغيره ولم يصح عن أحد من الصحابة إنكار ذلك قاله ابن جزم، وهذا كله مما
يقوى به المرسل انتهى.

٤١٠
کتاب الوضوء/ باب ٣٩
وقد روى مسلم من حديث المغيرة بن شعبة أنه # توضأ فمسح بناصيته وعلى العمامة، فلو
وجب الكل لما اقتصر على الناصية، وأما استدلال الحنفية على إيجاب مسح الربع بمسحه عليه الصلاة
والسلام بالناصية وأنه بيان للإجمال في الآية لأن الناصية ربع الرأس. فأجيب عنه بأنه لا يكون بيانًا
إلا إذا كان أوّل مسحه كذلك بعد الآية، وبأن قوله بناصيته يحتمل بعضها كما سبق نظيره في
برؤوسكم، وقد ثبت وجوب أصل المسح فجاحده كافر لأنه قطعي واختلف في مقداره فجاحده لا
يكفر لأنه ظني.
(ثم غسل رجليه) أطلق الغسل فيهما ولم يذكر فيه تثليثًا ولا تثنية كما سبق في بعض
الأعضاء إشعارًا بأن الوضوء الواحد يكون بعضه بمرة وبعضه بمرتين وبعضه بثلاث، وإن كان
الأكمل التثليث في الكل ففعله بيانًا للجواز والبيان بالفعل أوقع في النفوس منه بالقول وأبعد من
التأويل. ورواة هذا الحديث الستة كلهم مدنيون إلا شيخ البخاري وقد دخلها، وفيه رواية الابن
عن الأب والتحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه المؤلف في الطهارة ومسلم فيها والترمذي
مختصرًا والنسائي وابن ماجة .
٣٩ - باب غَسلِ الرِّجْلَينِ إلى الكَعَبَين
(باب غسل الرجلين إلى الكعبين) في الوضوء.
١٨٦ - حدّثنا موسى بْنُ إسْمَاعِيلُ قال: حدَّثَنَا وُهَيبٌ عن عمرٍو عن أبيهِ قال شهدتُ عَمرو بنَ
أبي حَسَنِ سَألَ عبدَ اللهِ بنَ زيدٍ عن وُضوءِ النبيِّ وَّهِ، فَدَعا بتَوْرٍ مِن ماءٍ فَتَوَضَّأ لهم وُضوءَ النبيِّ وَّ:
فأكفأ عَلَى يدِهِ مِنَ الثَّورِ فَغَسَلَ يدَيهِ ثلاثًا، ثمَّ أدْخَلَ يدَهُ في الثَّورِ فَمَضْمَضَ واسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلاثَ
غَرَفاتٍ، ثمَّ أدخَلَ يدَهُ فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثلاثًا، ثمَّ غَسَلَ يدَيهِ مرَّتينٍ إلى المِرفَقَينِ، ثمَّ أدخلَ يدَهُ فَمسحَ
رأسَهُ فأقبَلَ بهما وأدبَرَ مرَّةً واحدة، ثمَّ غَسلَ رِجْلَيهِ إلى الكَعْبَين.
وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) التبوذكي (قال: حدّثنا وهيب) بالتصغير ابن خالد
الباهلي (عن عمرو) بفتح العين ابن يحيى بن عمارة المازني شيخ مالك (عن أبيه) يحيى بن عمارة بن
أبي حسن بفتح الحاء (قال):
(شهدت) أي حضرت (عمرو بن أبي حسن) أخا عمارة وعمّ يحيى بن عمارة وسماه في
الرواية السابقة في باب مسح الرأس كله جدًّا مجازًا وليس جدّه لأمه خلافًا لمن زعم ذلك لأن أم
عمرو بن يحيى ليست بنتًا لعمرو بن أبي حسن (سأل عبد الله بن زيد) الأنصاري (عن وضوء
النبي ◌َّر فدعا بتور) بفتح المثناة الفوقية وسكون الواو آخره راء إناء يشرب فيه أو طست أو قدح أو
مثل القدر من صفر أو حجارة (من ماء فتوضأ لهم) أي لأجل السائل وأصحابه (وضوء النبي (وَّ)

٤١١
كتاب الوضوء/ باب ٤٠
أي مثل وضوئه وأطلق وضوءه عليه مبالغة (فأكفأ) بهمزتين أي أفرغ الماء (على يده من التور) المذكور
(فغسل يديه) بالتثنية قبل أن يدخلهما في التور، وفي رواية فغسل يده بالإفراد على إرادة الجنس
(ثلاثًا) أي ثلاث مرات (ثم أدخل يده في التور) أيضًا (فمضمض واستنشق واستنثر ثلاث) وفي
رواية الأصيلي بثلاث (غرفات) بفتح الغين والراء ويجوز ضمهما وضم الغين مع إسكان الراء وفتحها
یمضمض من کل واحدة من الثلاث ثم يستنشق وصححه النووي، أو بثلاث غرفات یتمضمض بها
وثلاث يستنشق بها وهي أضعف الصور الخمسة المتقدمة التي ذكروها، والثالثة بغرفة بلا خلط،
والرابعة بغرفة مع الخلط، والخامسة الفصل بغرفتين، والسُّنّة تحصل بالوصل والفصل قاله في
المجموع. وعطف استنثر على سابقه يدل على تغايرهما كما قاله البرماوي كالكرماني، وتعقب بأن ابن
الأعرابي وابن قتيبة جعلاهما واحدًا فلا تغاير، وحينئذ فيكون عطف تفسير. (ثم أدخل يده) بالإفراد
في التور (فغسل وجهه ثلاثًا) وليس فيه ذكر اشتراط نية الاغتراف من الماء القليل (ثم غسل يديه) كل
واحدة (مرتين إلى المرفقين) بكسر الميم وفتح الفاء العظم الناتىء في الذراع ((وإلى)) بمعنى ((مع)) أي
مع المرفقين (ثم أدخل يده) بالإفراد في الإناء (فمسح رأسه) كله ندبًا بيديه (فأقبل بهما وأدبر مرة
واحدة ثم غسل رجليه إلى الكعبين) أي معهما وهما العظمان الناتئان عند ملتقى الساق والقدم، وقال
مالك الملتصقان بالساق المحاذيان للعقب.
٤٠ - باب استعمال فَضلٍ وَضوءِ الناسٍ
وأمرَ جَرِيرُ بنُ عبدِ اللَّهِ أهلَهُ أن يَتوضَّؤوا بفَضلِ سِواکهِ .
(باب استعمال فضل وضوء الناس) أي استعمال فضل الماء الذي يبقى في الإناء بعد الفراغ
من الوضوء في التطهير وغيره كالشرب والعجين والطبخ، أو المراد ما استعمل في فرض الطهارة عن
الحدث وهو ما لا بدّ منه أثم بتركه أولاً كالغسلة الأولى فيه من المكلف أو من الصبي لأنه لا بدّ
لصحة صلاته من وضوئه، فذهب الشافعي في الجديد إلى أنه طاهر غير طهور لأن الصحابة رضي
الله عنهم لم يجمعوا المستعمل في أسفارهم القليلة الماء ليتطهروا به بل عدلوا عنه إلى التيمم، وفي
القديم وهو مذهب مالك أنه طاهر طهور وهو قول النخعي والحسن والبصري والزهري والثوري
لوصف الماء في قوله تعالى: ﴿وأنزلنا من السماء ماءً طهورًا﴾ [الفرقان: ٤٨] المقتضي تكرار الطهارة
به كضروب لمن يتكرر منه الضرب. وأجيب: بتكرر الطهارة به فيما يتردّد على المحل دون المنفصل
جمعًا بين الدليلين، وعن أبي حنيفة في رواية أبي يوسف أنه نجس مخفف، وفي رواية الحسن بزيادة
عنه نجس مغلظ، وفي رواية محمد بن الحسن وزفر طاهر غير طهور وهو الذي عليه الفتوى عند
الحنفية، واختاره المحققون من مشايخ ما وراء النهر، وقال في المفيد: إنه الصحيح والأصح أن
المستعمل في نفل الطهارة طهور على الجدید.

٤١٢
كتاب الوضوء/ باب ٤٠
(وأمر جرير بن عبد الله) فيما وصله ابن أبي شيبة والدارقطني وغيرهما من طريق قيس بن أبي
حازم عنه (أهله أن يتوضؤوا بفضل سواكه) وفي بعض طرقه كان جرير يستاك ويغمس رأس سواكه
في الماء ثم يقول لأهله: توضؤوا بفضله لا نرى به بأسًا، وتعقب العيني المؤلف بأنه لا مطابقة بين
الترجمة وهذا الأثر لأن الترجمة في استعمال فضل الماء الذي يفضل من المتوضىء، وهذا الأثر هو
الوضوء بفضل السواك. وأجيب بأنه ثبت أن السواك مطهرة للفم فإذا خالط الماء ثم حصل الوضوء
بذلك الماء كان فيه استعمال للمستعمل في الطهارة، أو يقال: إن المراد من فضل السواك هو الماء
الذي في الظرف والمتوضىء يتوضأ منه وبعد فراغه من تسوّكه عقب فراغه من المضمضة يرمي
السواك الملوّث بالماء المستعمل فيه .
١٨٧ - حدثنا آدمُ قال: حدَّثَنا شُعبةُ قال: حدَّثَنا الحكم قال: سمعتُ أبا جُحَيفةَ يقول:
خَرجَ علينا رسولُ اللَّهِ وَ لَ بالهاجِرةِ، فَأُتِيَ بوَضوءٍ فَتَوضَّأَ، فجعلَ الناسُ يأْخُذُونَ مِن فَضلٍ وَضوئِهِ
فيَتمسَّحونَ به، فصلَّى النبيُّ وََّ الظُّهْرَ رَكعتَينٍ، والعصرَ رَكعتَينٍ، وَبينَ يدَيهِ عَنْزةٌ. [الحديث
١٨٧ - أطرافه في: ٣٧٦، ٤٩٥، ٤٩٩، ٥٠١، ٦٣٣، ٦٣٤، ٣٥٥٣، ٣٥٦٦، ٥٧٨٦،
٥٨٥٩].
وبالسند إلى المؤلف قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس (قال: حدّثنا شعبة) بن الحجاج (قال:
حدّثنا الحكم) بفتح الحاء المهملة والكاف ابن عتيبة بضم العين وفتح المثناة الفوقية وسكون التحتية
وفتح الموحدة التابعي الصغير الكوفي (قال: سمعت أبا جحيفة) بضم الجيم وفتح الحاء المهملة
وسكون المثناة التحتية وبالفاء وهب بن عبد الله السوائي بضم المهملة والمدّ الثقفي الكوفي رضي الله
عنه، توفي سنة أربع وسبعين، له في البخاري سبعة أحاديث حال كونه (يقول):
(خرج علينا رسول الله) ولأبوي ذر والوقت وابن عساكر النبي (وَل# بالهاجرة) أي في وسط
النهار عند شدة الحر في سفر، وفي رواية أن خروجه كان من قبة حمراء من أدم بالأبطح بمكة
(فأتي) بضم الهمزة وكسر التاء (بوضوء) بفتح الواو أي بماء يتوضأ به (فتوضأ) منه (فجعل الناس
يأخذون) في محل نصب خبر جعل الذي هو من أفعال المقاربة (من فضل وضوئه) عليه الصلاة
والسلام بفتح الواو والماء الذي بقي بعد فراغه من الوضوء وكأنهم اقتسموه أو كانوا يتناولون ما سال
من أعضاء وضوئه وَلّر (فيتمسحون به) تبركًا به لكونه مسَّ جسده الشريف المقدس، وفي ذلك دلالة
بيّنة على طهارة الماء المستعمل، وعلى القول بأن الماء المأخوذ ما فضل في الإناء بعد فراغه عليه الصلاة
والسلام فالماء طاهر مع ما حصل له من التشريف والبركة بوضع يده المباركة فيه، والتمسح تفعل
كأن كل واحد منهم مسح به وجهه ويديه مرة بعد أخرى نحو: تجرعه أي شربه جرعة بعد جرعة،
أو هو من باب التكلف لأن كل واحد منهم لشدة الازدحام على فضل وضوئه عليه الصلاة والسلام
كان يتعنى لتحصيله كتشجع وتصبر. (فصلى النبي ◌َّيقر الظهر ركعتين والعصر ركعتين) قصرًا للسفر

٤١٣
کتاب الوضوء/ باب ٤٠
(وبين يديه عنزة) بفتحات أقصر من الرمح وأطول من العصا فيها زج كزج الرمح، وإنما صلى إليها
لأنه لو كان في الصحراء. ورواة هذا الحديث الأربعة ما بين عسقلاني وكوفي وواسطي، وفيه
التحديث والسماع، وأخرجه المؤلف أيضًا في الصلاة وكذا مسلم والنسائي فيها أيضًا.
١٨٨ - وقال أبو موسى: دَعا النبيُّ ◌َ﴿لبِقَدَحِ فيهِ ماءٌ فغَسَلَ يدَيهِ وَوَجهَهُ فِهِ، ومَجّ فيه، ثم قال
لهما: ((اشْرَبا منهُ، وأفرِغا على وَجُوهِكُما ونُحورِكما)). [الحديث ١٨٨- طرفاه في: ١٩٦،
٤٣٢٨].
(وقال أبو موسى) عبد الله بن قيس الأشعري رضي الله عنه مما أخرجه المؤلف في المغازي
بلفظ: كنت عند النبي ◌َ ◌ّ بالجعرانة ومعه بلال فأتاه أعرابي فقال: ألا تنجز لي ما وعدتني؟ قال:
أبشر. الحديث واقتصر منه هنا على قوله:
(دعا النبي ◌َّ- بقدح فيه ماء فغسل يديه ووجهه فيه ومج فيه) أي صب ما تناوله من الماء بفيه
في الإناء (ثم قال لهما) أي لبلال وأبي موسى (اشربا منه وأفرغا على وجوهكما ونحوركما) جمع نحر
وهو موضع القلادة من الصدر، وهمزة اشربا همزة وصل من شرب، وهمزة أفرغا همزة قطع مفتوحة
من الرباعي، واستدل به ابن بطال على أن لعاب الآدمي ليس بنجس كبقية شربه، وحينئذ فنهيه وقال
عن النفخ في الطعام والشراب إنما هو لئلا يتقذر بما يتطاير من اللعاب في المأكول والمشروب لا
لنجاسته. ومطابقة الترجمة للحديث من حيث استعماله عليه الصلاة والسلام الماء في غسل يديه ووجهه
وأمره لهما بشربه وإفراغه على وجوههما ونحورهما فلو لم يكن طاهرًا لما أمرهما به .
١٨٩ - حدّثنا عليَّ بنُ عبدِ اللهِ قال: حدَّثَنا يَعقوبُ بن إبراهيمَ بنِ سَعدٍ قال: حدَّثَنا أبي
عن صالحِ عنِ ابنِ شِهابٍ قال: أخبرني محمودُ بنُ الرَّبيعِ قال: وهُوَ الذي مجَّ رسولُ اللَّهِ وَ لَ فِي
وجههِ وهُوَ غُلامٌ من بئرِهم. وقال ◌ُروَةُ عنِ المِسْوَرِ وغيرِهِ يُصدُقُ كلُّ واحدٍ منهما صاحبه، وإذا
تَوَضَّأ النبيُّ بَّرَ كَادُوا يَقْتَتِلونَ على وضوئه.
وبالسند قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني أحد الأئمة (قال: حدثنا يعقوب بن
إبراهيم بن سعد) بسكون العين وسبق ذكره في باب ذهاب موسى في البحر إلى الخضر (قال: حدّثنا
أبي) إبراهيم (عن صالح) هو ابن كيسان (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري أنه (قال: أخبرني)
وفي رواية حدّثني بالإفراد فيهما (محمود بن الربيع) بفتح الراء (قال) أي ابن شهاب:
(وهو) أي محمود (الذي مج) أي رمى (رسول الله وَلقر) من فيه ماء (في وجهه) يمازحه (وهو
غلام) جملة اسمية وقعت حالاً (من بئرهم) أي بئر محمود وقومه، والذي أخبر به محمود هو قوله:
عقلت من النبي ◌ّ مجة مجها في وجهي وأنا ابن خمس سنين من دلو (وقال عروة) بن الزبير بن
العوّام مما وصله المؤلف في كتاب الشروط (عن المسور) بكسر الميم وسكون السين المهملة وفتح الواو

٤١٤
كتاب الوضوء/ باب ٤٠
ابن مخرمة بفتح الميم وسكون المعجمة وفتح الراء الزهري ابن بنت عبد الرحمن بن عوف، المتوفى في
زمن محاصرة الحجاج مكة بحجر أصابه من المنجنيق وهو يصلي في الحجر سنة أربع وستين بعد خمسة
أيام من الإصابة المذكورة (و) عن (غيره) هو مروان بن الحكم (يصدق كل واحد منهما) أي من
المسور ومروان (صاحبه) أي حديث صاحبه الحديث إلى أن قال، قال عروة بن مسعود الثقفي حاكيًا
لمشركي مكة زمن الحديبية شدة تعظيم الصحابة للرسول وسلم: (وإذا توضأ النبي ويلير كادوا) ولأبي ذر
في غير اليونينية كانوا بالنون (يقتتلون على وضوئه) بفتح الواو ومبالغة منهم في التنافس عليه،
وصوّب الحافظ ابن حجر رواية الدال قال: لأنه لم يقع منهم قتال، وإنما حكى ذلك عروة بن
مسعود لما رجع إلى قريش.
باب
(باب) بالتنوين بغير ترجمة كما في رواية المستملي وهو ساقط في رواية الأكثرين من غير فصل
بين آخر الحديث السابق واللاحق.
١٩٠ - حدثنا عبدُ الرحمنِ بنُ يونُسَ قال: حدَّثَنا حاتمُ بنُ إسماعيلَ عنِ الجعْدِ قال:
سمعتُ السائبَ بنَ يَزِيدَ يقولُ: ذَهَبتْ بي خالَتِي إلى النبيِّ رَ فقالت: يا رسولَ اللَّهِ إنَّ ابنَ أُختي
وَقِعٌ، فمسحَ رأسي وَدَعا لي بالبرَكةِ. ثمَّ توَضَّأ فشَرِبتُ مِن وَضوئِهِ، ثمَّ قمتُ خَلفَ ظَهرِهِ فَتَظَرتُ
إلى خاتمِ النبوَّةِ بِينَ كَتِفَيهِ مِثلَ زِرْ الحَجَلةِ. [الحديث ١٩٠ - أطرافه في: ٣٥٤٠، ٣٥٤١،
٥٦٧٠، ٦٣٥٢].
وبه قال: (حدّثنا عبد الرحمن بن يونس) البغدادي المستملي لسفيان بن عيينة وغيره وهو أحد
الحفاظ، المتوفى فجأة سنة أربع وعشرين ومائتين (قال: حدّثنا حاتم بن إسماعيل) بالحاء المهملة
والمثناة الفوقية الكوفي نزيل المدينة، المتوفى بها سنة ست وثمانين ومائة في خلافة هارون (عن الجعد)
بفتح الجيم وسكون العين المهملة، وللأكثرين الجعيد بالتصغير وهو المشهور ابن عبد الرحمن بن أوس
المدني الكندي (قال):
(سمعت السائب بن يزيد) بالسين المهملة والمثناة التحتية آخره موحدة والثاني من الزيادة
الكندي من صغار الصحابة كان مع أبيه في حجة الوداع وهو ابن سبع سنين، وولد في السنة الثانية
من الهجرة، وخرج مع الصبيان إلى ثنية الوداع لتلقي النبي وَ لّ مقدمه من تبوك، وتوفي بالمدينة سنة
إحدى وتسعين له في البخاري ستة أحاديث رضي الله عنه. (يقول: ذهبت) أي مضت (بي خالتي) لم
تسم (إلى النبي ◌َّيهر فقالت: يا رسول الله إن ابن أختي) علبة بالعين المهملة المضمومة واللام الساكنة
والموحدة بنت شريح (وقع) بفتح الواو وكسر القاف والتنوين أي أصابه وجع في قدميه أو يشتكي
لحم رجليه من الحفاء لغلظ الأرض والحجارة، وللكشميهني وقع بفتح القاف بلفظ الماضي أي وقع

٤١٥
كتاب الوضوء/ باب ٤١
في المرض، وفي الفرع لأبي ذر وكريمة وأبي الوقت وجع بفتح الواو وكسر الجيم والتنوين وعليه
الأكثرون، والعرب تسمي كل مرض وجعًا. قال السائب (فمسح) عليه الصلاة والسلام (رأسي)
بيده الشريفة (ودعا لي بالبركة ثم توضأ فشربت من وضوئه) بفتح الواو أي من الماء المتقاطر من
أعضائه الشريفة، وبهذا التفسير تقع المطابقة بين الترجمة والحديث إذ فيه دلالة على طهارة الماء
المستعمل (ثم قمت خلف ظهره) عليه الصلاة والسلام (فنظرت إلى خاتم النبوة بين كتفيه) بكسر تاء
خاتم أي فاعل الختم وهو الإتمام والبلوغ إلى الآخر وبفتحها بمعنى الطابع ومعناه الشيء الذي هو
دليل على أنه لا نبي بعده، وفيه صيانة لنبوّته عليه الصلاة والسلام عن تطرق القدح إليها صيانة
الشيء المستوثق بالختم، وفي رواية أحمد من حديث عبد الله بن سرجس في نغض كتفه اليسرى
بضم النون وفتحها وسكون الغين المعجمة آخره ضاد معجمة أعلى الكتف أو العظم الدقيق الذي على
طرفه (مثل) بكسر الميم وفتح اللام مفعول نظرت وللأصيلي مثل بكسرها بدل من المجرور (زرّ
الحجلة) بكسر الزاي وتشديد الراء واحد الأزرار والحجلة بفتح المهملة والجيم واحدة الحجال، وهي
بيوت تزين بالثياب والستور والأسرة لها عرى وأزرار، وفي رواية أحمد من حديث أبي رميمة التيمي
قال: خرجت مع أبي حتى أتيت رسول الله وَ﴿ فرأيت على كتفه مثل التفاحة فقال أبي: إني طبيب
ألا أطبها لك؟ قال طبيبها الذي خلقها.
فإن قلت: هل وضع الخاتم بعد مولده عليه الصلاة والسلام أو ولد وهو به؟ أجيب: بأن في
الدلائل لأبي نعيم أنه ◌ّ لما ولد ذكرت أمه أنّ الملك غمسه في الماء الذي أنبعه ثلاث غمسات، ثم
أخرج صرة من حرير أبيض فإذا فيها خاتم فضرب به على كتفه كالبيضة المكنونة تضيء كالزهرة،
فهذا صريح في وضعه بعد مولده، وقيل: ولد به والله أعلم وفي كتابي المواهب مزيد لذلك، ويأتي
إن شاء الله تعالى في صفته عليه الصلاة والسلام مزيد بحث لذلك.
ورواة هذا الحديث الأربعة ما بين بغدادي وكوفي ومدني، وفيه التحديث والعنعنة والسماع،
وأخرجه المؤلف في صفته عليه الصلاة والسلام وفي الطب والدعوات، ومسلم في صفته عليه
الصلاة والسلام، والترمذي في المناقب وقال حسن غريب من هذا الوجه، والنسائي في الطب.
٤١ - باب مَن مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِن غَرِفَة واحدة
(باب من مضمض) وفي رواية تمضمض (واستنشق من غرفة واحدة).
١٩١ - حدثنا مُسَدَّدٌ قال: حدَّثَنا خالد بن عبدِ اللَّهِ قال: حدَّثَنَا عَمرو بنُ يحيى عن أبيهِ عن
عبدِ اللهِ بنِ زيدٍ أنه أفرَغَ مِنَ الإناءِ على يدَيه فغَسَلَهُما، ثمَّ غَسلَ أو مَضْمَضَ واستثْشَقَ منْ كَفَّةٍ
واحدةٍ ففعلَ ذلكَ ثَلاثًا. فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاثًا ثُمَّ غَسَلَ يَدَيهِ إلى المرفقَينِ مرّتينٍ مرتين، وَمَسَح برأُسهِ
ما أقبَلَ وما أدبرَ، وغسَلَ رِجِلَيهِ إلى الكَعَبَينِ، ثمَّ قال: هكذا وُضوءُ رسولِ اللَّهِ وَلِهِ.

٤١٦
کتاب الوضوء/ باب ٤٢
وبالسند قال: (حدّثنا مسدد) بالسين وفتح الدال المشددة المهملتين (قال: حدّثنا خالد بن
عبد الله) بن عبد الرحمن الواسطي أبو الهيثم الطحان المتصدق بزنة بدنه فضة ثلاث مرات فيما
حكي، المتوفى سنة سبع وسبعين ومائة (قال: حدّثنا عمرو بن يحيى) بفتح العين المازني الأنصاري
(عن أبيه) يحيى بن عمارة (عن عبد الله بن زيد) الأنصاري.
(أنه) أي عبد الله بن زيد (أفرغ) أي صب الماء (من الإناء على يديه فغسلهما ثم غسل) أي فيه
(أو مضمض) شك من الراوي. قال في الفتح: والظاهر أنه من شيخ البخاري، وأخرجه مسلم بغير
شك (واستنشق من كفة) بفتح الكاف وضمها آخره هاء تأنيث كغرفة وغرفة أي من حفنة (واحدة)
فاشتق ذلك من اسم الكف عبارة عن ذلك المعنى، ولا يعرف في كلام العرب إلحاق هاء التأنيث في
الكف قاله ابن بطال وهي رواية أبي ذر. وقال ابن التين: اشتق ذلك من اسم الكف سمي الشيء
باسم ما كان فيه، وعن الأصيلي فيما رأيته بهامش فرع اليونينية صوابه من كف واحد، وفي رواية
ابن عساكر من كف واحدة، لكن كتب بإزائه صواب من كف واحد بتذكيرهما، وفي رواية أبي ذر
غرفة كما في الفرع، وقال ابن حجر وفي نسخة أي من مروي أبي ذر غرفة واحدة (ففعل ذلك) أي
المضمضة والاستنشاق (ثلاثًا) من غرفة واحدة وهذه إحدى الكيفيات الخمسة السابقة وتحصل السُّنة
كما مرّ بفعل أيها حصل نعم الأظهر تفضيل الجمع بثلاث غرف يتمضمض من كل ثم يستنشق كما
سبق (فغسل وجهه ثلاثًا ثم غسل يديه إلى) أي مع (المرفقين مرتين مرتين ومسح برأسه ما أقبل) أي
منها (وما أدبر) منها مرة واحدة (وغسل رجليه إلى) أي مع (الكعبين) وسقط هنا ذكر غسل الوجه،
وقد أخرج هذا الحديث المذكور مسلم والإسماعيلي وفيه بعد ذكر المضمضة والاستنشاق ثم غسل
وجهه ثلاثًا، فدل على أن الاختصار من مسدد كما تقدم أن الشك منه. (ثم قال) عبد الله بن زيد
بعد أن فرغ من وضوئه. (هكذا وضوء رسول الله ( 18). ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين بصري
وواسطي ومدني وفيه فعل الصحابي، ثم إسناده إلى النبي وَّر والتحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلف
كما مرَّ في خمسة مواضع ومسلم.
٤٢ - باب مسح الرأسِ مرَّةً
(باب مسح الرأس مرة) وللأصيلي مسحة وله في أخرى مرة واحدة بزيادة اللاحقة.
١٩٢ - حدثنا سليمانُ بنُ حربٍ قال: حدَّثَنَا وُهَيبٌ قال: حدّثَنَا عَمْرُو بنُ يحيى عن أبيهِ
قال: شَهِدتُ عَمرو بنَ أبي حسَنِ سَألَ عبدَ اللهِ بنَ زَيدٍ عن وُضوءِ النبيِّ وََّ، فَدَعا بِتَوْرِ من ماءٍ
فَتَوضَّأ لهم، فَكَفَأ عَلَى يديهِ فَفَسَلَهما ثَلاثًا، ثمَّ أدخَلَ يدَه في الإناءِ فمَضْمضَ واستَنْشَقَ واستَنْثَرَ
ثلاثًا بثلاثِ غَرفاتٍ من ماءٍ ثمَّ أدخَلَ يدَهُ فغَسَلَ وَجهَهُ ثلاثًا، ثمَّ أدخَلَ يدَهُ في الإناءِ

٤١٧
کتاب الوضوء/ باب ٤٢
فَعَلَ يَدَيهِ إلى المِرْفَقَيْنِ مرَّتينِ مرَّتين، ثمَّ أدخلَ يدَهُ في الإناءِ فمستَ بِرَأْسِهِ فَأقبَلَ بيدَيهِ وأدبَرَ
بِهَا، ثم أدخَلَ يدَهُ فغسل رِجلَيهِ.
حدَّثَنا موسى قال: حدَّثَنَا وُهَيبٌ قال: مَسحَ رأسَهُ مرَّةً.
وبالسند قال: (حدّثنا سليمان بن حرب) بفتح الحاء المهملة وسكون الراء (قال: حدّثنا وهيب)
هو ابن خالد (قال: حدّثنا عمرو بن يحيى) بفتح العين (عن أبيه) يحيى (قال):
(شهدت) بكسر الهاء (عمرو بن أبي حسن) بفتح العين (سأل عبد الله بن زيد) الأنصاري (عن
وضوء النبي) وفي رواية أبي ذر والأصيلي عن وضوء رسول الله ( # فدعا بتور) بالمثناة الفوقية أي
إناء (من ماء) لم يذكر التور في رواية الكشميهني بل قال فدعا بماء (فتوضأ لهم فكفأ) أي الإناء أي
أماله، وفي نسخة فكفأه بالهاء وللأصيلي فأكفأ بهمزة أوّله (على يديه فغسلهما ثلاثًا) أي ثلاث مرات
(ثم أدخل يده في الإناء فمضمض واستنشق واستنثر ثلاثًا بثلاث غرفات من ماء) هذه إحدى
الكيفيات الخمس، (ثم أدخل يده فغسل) وفي رواية الأصيلي ثم أدخل يده في الإناء فغسل (وجهه
ثلاثًا ثم أدخل يده في الإناء فغسل يديه إلى) أي مع (المرفقين مرتين مرتين) بالتكرار (ثم أدخل يده
في الإناء فمسح برأسه فأقبل بيده) بالتوحيد على إرادة الجنس (وأدبر بها) وفي رواية الكشميهني
فأقبل بيديه وأدبر بهما أي كلاهما مسحة واحدة (ثم أدخل يده فغسل) وفي رواية الكشميهني يده في
الإناء فغسل (رجليه).
وبه قال (حدّثنا) وفي رواية وحدّثنا (موسى) بن إسماعيل التبوذكي (قال: حدّثنا وهيب)
بالتصغير ابن خالد الباهلي وتمام هذا الإسناد كما سبق في باب غسل الرجلين عن عمرو بن يحيى
عن أبيه قال شهدت عمرو بن أبي حسن سأل عبد الله بن زيد عن وضوء النبي بَّر الحديث إلى أن
قال (قال) وفي رواية أبي ذر وابن عساكر والأصيلي وقال: (مسح رأسه) وفي رواية أبي ذر برأسه
(مرة) واحدة، وأحاديث الصحيحين ليس فيها ذكر عدد المسح، وبه قال أكثر العلماء. نعم روى أبو
داود وابن ماجة من وجهين صحح أحدهما ابن خزيمة وغيره من حديث عثمان تثليث مسح الرأس
والزيادة من الثقة مقبولة وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة، كما صرح به صاحب الهداية لكنه بماء
واحد، وعبارته، والذي يروى من التثليث محمول على أنه بماء واحد وهو مشروع على ما يروى عن
أبي حنيفة، وحينئذ فليس في رواية مسح مرة حجة على منع التعدد، لكن المفتى به عند الحنفية عدم
التثليث أيضًا، ويحتج للتعدد أيضًا بظاهر رواية مسلم أنه وَلر توضأ ثلاثًا ثلاثًا، وبالقياس على
المغسول لأن الوضوء طهارة حكمية، ولا فرق في الطهارة الحكمية بين الغسل والمسح. وأجيب:
بأن قوله: توضأ ثلاثًا ثلاثًا مجمل قد بين في الروايات الصحيحة أن المسح لا يتكرر فيحمل على
الغالب ويختص بالمغسول وبأن المسح مبني على التخفيف فلا يقاس على الغسل الذي المراد منه المبالغة
في الإسباغ. وأجيب: بأن الخفة تقتضي عدم الاستيعاب وهو مشروع بالاتفاق فليكن العدد كذلك.
إرشاد الساري/ ج ١/ م ٢٧

٤١٨
كتاب الوضوء/ باب ٤٣
٤٣ - باب وُضوء الرجُلِ مع امرأتهِ،
وفضلٍ وَضوءِ المرأةِ وتوضَّأ عمرُ بالحميم ومِن بَيتِ نَصرانيةٍ
هذا (باب) حكم (وضوء الرجل مع امرأته) في إناء واحد وواو وضوء مضمومة على المشهور،
لأن المراد منه الفعل، وفي بعض النسخ مع المرأة وهو أعم من أن تكون امرأته أو غيرها (وفضل
وضوء المرأة) بفتح الواو أي الماء الفاضل في الإناء بعد فراغها من الوضوء وفضل مجرور عطفًا على
المجرور السابق. (وتوضأ عمر) بن الخطاب رضي الله عنه (بالحميم) بفتح الحاء المهملة أي الماء
المسخن فعيل بمعنى مفعول، وهذا الأثر وصله سعيد بن منصور وعبد الرزاق وغيرهما بإسناد
صحيح بلفظ: إن عمر كان يتوضأ بالحميم ويغتسل منه واتفق على جوازه إلا ما نقل عن مجاهد. نعم
يكره شديد السخونة لمنعه الإسباغ. (و) توضأ عمر أيضًا (من بيت نصرانية) فلما وصله الشافعي
رضي الله عنه وعبد الرزاق وغيرهما عن سفيان بن عيينة عن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر رضي
الله عنه توضأ من ماء في جرة نصرانية، لكن ابن عيينة لم يسمع من زيد بن أسلم. فقد رواه البيهقي
من طريق سعد بن نصر عنه. قال: وحدّثونا عن زيد بن أسلم فذكره مطوّلاً. وفي رواية كريمة
بالحميم من بيت نصرانية بحذف واو العطف، وفي ذلك نظر لأنهما أثران مستقلان كما مرّ، ولم
يظهر لي مناسبتهما للترجمة. أما توضؤ عمر بالحميم فلا يخفى عدم مناسبته، وأما توضؤه من بيت
نصرانية فلا يدل على أنه كان من فضل ما استعملته، بل الذي يدل عليه جواز استعمال مياههم،
ولا خلاف في استعمال سؤر النصرانية لأنه طاهر خلافًا لأحمد وإسحلق رضي الله عنهما وأهل
الظاهر، واختلف قول مالك رحمه الله ففي المدوّنة لا يتوضأ بسؤر النصراني ولا بما أدخل يده فيه.
وفي العتبية أجازه مرة وكرهه أخرى، وفي رواية ابن عساكر حذف الأثرين وهو أولى لعدم المطابقة
بينهما وبين الترجمة .
١٩٣ - حدثنا عبدُ اللَّهِ بنُ يوسُفَ قال: أخبرنا مالكٌ عن نافعٍ عن عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ أنه
قال: كان الرجالُ والنساءُ يَتَوَضَّؤُونَ فِي زَمانِ رسولِ اللَّهِ وَ لَ جميعًا .
وبالسند قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي (قال: أخبرنا مالك) الإمام (عن نافع) مولى
ابن عمر (عن عبد الله بن عمر) بن الخطاب رضي الله عنهما، وفي رواية أبوي ذر والوقت وابن
عساكر عن ابن عمر (أنه قال):
(كان الرجال والنساء) أي الجنس منهما (يتوضؤون في زمان رسول الله وَ ليل جميعًا) أي حال
كونهم مجتمعين لا متفرقين. زاد ابن ماجة عن هشام بن عروة عن مالك في هذا الحديث من إناء
واحد، وزاد داود من طريق عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر ندلي فيه أيدينا. وفي صحيح
ابن خزيمة من طريق معمر عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أنه أبصر النبي ◌َّ وأصحابه
يتطهرون والنساء معهم من إناء واحد كلهم يتطهر منه وهو محمول على ما قبل نزول الحجاب، وأما

٤١٩
کتاب الوضوء/ باب ٤٤
بعده فيختص بالزوجات والمحارم، وفي قوله: زمان رسول الله وَل حجة للجواز فإن الصحابي إذا
قال: كنا نفعل أو كانوا يفعلون في زمنه ول﴿ يكون حكمه الرفع كما هو الصحيح، وهذا الحديث
يدل على الجزء الأوّل من الترجمة فقط، وأما فضل وضوء المرأة فيجوز عند الشافعية الوضوء منه
للرجل سواء خلت به أم لا من غير كراهة، وبذلك قال مالك وأبو حنيفة رضي الله عنهما وجمهور
العلماء. وقال أحمد وداود: لا يجوز إذا خلت به وعن الحسن وابن المسيب كراهة فضلها مطلقًا.
ورواة هذا الحديث الأربعة ما بين تنيسي ومدني وفيه الإخبار والتحديث والعنعنة والقول، وهو من
سلسلة الذهب وهو عند المؤلف رحمه الله أصح الأسانيد.
٤٤ - باب صبِّ النبيِّ بَ ◌ّهَ وَضوءَهُ عَلَى المُغْمی علیهِ
هذا (باب صبّ النبي ◌َّر وضوءه) بفتح الواو أي الماء الذي توضأ به (على المغمى عليه) بضم
الميم وإسكان المعجمة من أصابه الإغماء ويكون العقل فيه مغلوبًا وفي المجنون مسلوبًا وفي النائم
مستورًا .
١٩٤ - حدثنا أبو الوليدِ قال: حدّثنا شُعبةُ عن محمدِ بنِ المُنكَدِرِ قال: سمعتُ جابرًا يقول:
جاءَ رسولُ اللَّهِ وَ ﴿ يعُودُني وأنا مَريضٌ لا أعقِلُ فَتَوضَّأ وصَبَّ عليَّ مِن وَضوئهِ، فعَقَلتُ: فقلتُ:
يا رسولَ اللَّهِ لِمَنِ الميراثُ، إنَّما يَرِثُني كلالَةٌ؟ فنزَلَتْ آيَةُ الفرائضِ. [الحديث ١٩٤ - أطرافه في:
٤٥٧٧، ٥٦٥١، ٥٦٦٤، ٥٦٧٦، ٦٧٢٣، ٦٧٤٣، ٧٣٠٩].
وبالسند قال: (حدّثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك الطيالسي (قال: حدّثنا شعبة) ابن
الحجاج (عن محمد بن المنكدر) التيمي القرشي الزاهد المشهور المتوفى سنة إحدى وثلاثين ومائة (قال:
سمعت جابرًا) أي ابن عبد الله حال كونه (يقول):
(جاء رسول الله ( *) حال كونه (يعودني وأنا) أي في حال أني (مريض لا أعقل) أي لا أفهم
شيئًا فحذف مفعوله ليعم (فتوضأ) عليه الصلاة والسلام (وصبّ عليّ من وضوئه) بفتح الواو أي من
الماء الذي توضأ به أو مما بقي منه (فعقلت) بفتح القاف (فقلت: يا رسول الله لمن الميراث) أي لمن
ميراثي فأل عوض عن ياء المتكلم وعند المؤلف في الاعتصام كيف أصنع في مالي وهو يؤيد ذلك
(إنما يرثني كلالة) غير ولد ولا والد، (فنزلت آية الفرائض): ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في
الكلالة﴾ [النساء: ١٧٦] إلى آخر السورة، أو المراد: ﴿يوصيكم الله﴾ أي يأمركم الله ويعهد إليكم
﴿في أولادكم﴾ في شأن ميراثكم وهو إجمال تفصيله ﴿للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ [النساء: ١١] إلى
آخرها. واستنبط من هذا الحديث فضيلة عيادة الأكابر الأصاغر، ورواته الأربعة ما بين بصري
وكوفي ومدني وفيه التحديث والعنعنة والسماع، وأخرجه المؤلف أيضًا في الطب والفرائض، وكذا
مسلم فيها والنسائي وابن ماجة كذلك وفي التفسير والطب.

٤٢٠
كتاب الوضوء/ باب ٤٥
٤٥ - باب الغُسْلِ والوُضوءِ في المِخضبِ والقَدَح والخَشَبِ والحِجارة
(باب الغسل والوضوء في المخضب) بكسر الميم وسكون الخاء وفتح الضاد المعجمتين آخره
موحدة إجانة لغسل الثياب أو المركن أو إناء يغسل فيه (و) في (القدح) الذي يؤكل فيه ويكون من
الخشب غالبًا مع ضيق فيه، (و) في الإناء من (الخشب) بفتح الخاء والشين المعجمتين ويضمتين
وسكون الشين، (و) في الإناء من (الحجارة) النفيسة وغيرها وعطف الخشب والحجارة على سابقهما
من باب العطف التفسيري، لأن المخضب والقدح قد يكونان من الخشب والحجارة، كما وقع في
التصريح به من حديث الباب بمخضب من حجارة.
١٩٥ - حدثنا عبدُ اللَّهِ بنُ مُنيرٍ سَمِعَ عبدَ اللهِ بنَ بَكرٍ قال: حدَّثَنا حُميدٌ عن أنس قال:
حَضَرَتِ الصلاةُ، فقامَ مَن كان قَرِيبَ الدارِ إلى أهلهِ وبَقِيَ قومٌ، فَأَتِيَ رسولُ اللّهِ وَلَّهِ بِمِخْضَبٍ من
حجارةٍ فيهِ ماءٌ، فصَغُرَ المِخضبُ أن يَبسُطَ فيه كفَّهُ، فَتَوضَّأ القومُ كلُّهم. قلنا: كم كنتم؟ قال:
ثمانینَ وزيادة.
وبالسند السابق إلى المؤلف قال: (حدّثنا عبد الله بن منير) بضم الميم وكسر النون وسكون
المثناة التحتية آخره راء، وفي رواية الأصيلي وابن عساكر ابن المنير بزيادة أل السهمي المروزي المتوفى
سنة إحدى وأربعين ومائتين أنه (سمع عبد الله بن بكر) بفتح الموحدة وسكون الكاف أبا وهب
المصري، المتوفى ببغداد في خلافة المأمون سنة ثمان ومائتين (قال: حدّثنا حميد) بالتصغير ابن أبي حميد
الطويل المتوفى وهو قائم يصلي سنة ثلاث وأربعين ومائة (عن أنس) هو ابن مالك رضي الله عنه
(قال) :
(حضرت الصلاة) أي صلاة العصر (فقام من كان قريب الدار إلى أهله) لأجل تحصيل الماء
والتوضؤ به (وبقي قوم) عند رسول الله وي ليه لم يكونوا على وضوء (فأتي) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول
ونائب الفاعل قوله (رسول الله رَليه بمخضب) متخذ (من حجارة فيه ماء) قليل (فصغر المخضب أن
يبسط فيه كفه) لصغره أي لأن يبسط وأن مصدرية أي لبسط كفه فيه (فتوضأ القوم) الذين بقوا
عنده وَّر (كلهم) من ذلك المخضب الصغير (قلنا) وفي رواية ابن عساكر وكريمة فقلنا وفي أخرى
وهو من كلام حميد الطويل الراوي عن أنس رضي الله عنه (كم) نفسًا (كنتم؟ قال): كنا (ثمانين)
نفسًا (وزيادة) على الثمانين، وهذا الحديث رواته الأربعة ما بين مروزي ومصري وفيه التحديث
والسماع والعنعنة، وأخرجه المؤلف أيضًا في علامات النبوّة ومسلم ولفظهما مختلف.
١٩٦ - حدثنا محمدُ بنُ العَلاءِ قال: حدَّثَنا أبو أسامةَ عن بُرَيدِ عن أبي بُرْدَة عن أبي موسى
أنَّ النبيَّ رََّ دعا بِقَدَحٍ فيه ماءٌ فَغَسَلَ يدَيهِ وَجهَهُ فيه ومَجَّ فيه.