Indexed OCR Text
Pages 261-280
٢٦١ کتاب العلم/ باب ١٨ (قال: حدّثنا أبو مسهر) بضم الميم وسكون السين المهملة وكسر الهاء وآخره راء عبد الأعلى بن (قال: حدّثنا أبو مسهر) بضم الميم وسكون السين المهملة وكسر الهاء وآخره راء عبد الأعلى بن مسهر الغساني الدمشقي، المتوفى ببغداد سنة ثمان عشرة ومائتين، وقد لقيه المؤلف وسمع منه شيئًا يسيرًا لكنه حدّث عنه هنا بواسطة (قال: حدّثني) بالإفراد، ولابن عساكر وأبي الوقت: حدّثنا (محمد بن حرب) بفتح الحاء وسكون الراء المهملتين آخره موحدة الخولاني الحمصي، المتوفى سنة أربع وسبعين ومائة، وقد شارك أبا مسهر في رواية هذا الحديث عن محمد بن حرب هذا محمد بن المصفى كما عند النسائي وابن جوصى عن سلمة بن الخليل وابن التقي كلاهما عن محمد بن حرب كما في المدخل للبيهقي، فقد رواه ثلاثة غير أبي مسهر عن ابن حرب فاندفع دعوى تفرد أبي مسهر به عنه (قال: حدثني) بالإفراد (الزبيدي) بضم الزاي وفتح الموحدة أبو الهزيل محمد بن الوليد بن عامر الشامي الحمصي، المتوفى بالشام سنة سبع أو ثمان وأربعين ومائة (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (عن محمود بن الربيع) بفتح الراء وكسر الموحدة ابن سراقة الأنصاري الخزرجي المدني، المتوفى ببيت المقدس سنة تسع وتسعين عن ثلاث وتسعين سنة أنه (قال عقلت) بفتح القاف من باب ضرب يضرب أي عرفت أو حفظت (من النبي وَلي مجة) بالنصب على المفعولية (مجها) من فيه أي رمى بها حال كونها (في وجهي وأنا ابن خمس سنين) جملة من المبتدأ والخبر وقعت حالاً إما من الضمير المرفوع في عقلت أو من الياء في وجهي (من) ماء (دلو) كان من بئرهم التي في دارهم، وكان فعله عليه الصلاة والسلام لذلك على جهة المداعبة أو التبريك عليه كما كان وهو يفعل مع أولاد الصحابة، ثم نقله لذلك الفعل المنزل منزلة السماع وكونه سُنّة مقصودة دليل لأن يقال لابن خمس سمع. وقد تعقب ابن أبي صفرة المؤلف في كونه لم يذكر في هذه الترجمة حديث ابن الزبير في رؤيته إياه يوم الخندق يختلف إلى بني قريظة، ففيه السماع منه، وكان سنّه حينئذ ثلاث سنين أو أربعًا فهو أصغر من محمود، وليس في قصة محمود ضبطه لسماع شيء فكان ذكر حديث ابن الزبير أولى بهذين المعنيين. وأجاب ابن المنير كما قاله في فتح الباري ومصابيح الجامع: بأن المؤلف إنما أراد نقل السنن النبوية لا الأحوال الوجودية، ومحمود نقل سنة مقصودة في كون النبي ◌ّر مج مجة في وجهه، بل في مجرد رؤيته إياه فائدة شرعية ثبت بها كونه صحابيًّا، وأما قصة ابن الزبير فليس فيها نقل سُنّة من السُّنن النبوية حتى تدخل في هذا الباب، ولا يقال كما قاله الزركشي إن قصة ابن الزبير تحتاج إلى ثبوت صحتها على شرط البخاري أي حتى يتوجه الإيراد بأنه قد أخرجها في مناقب الزبير في كتابه هذا، فنفي الورود حينئذ لا يخفى ما فيه. وفي هذا الحديث من الفقه جواز إحضار الصبيان مجالس الحديث. واستدل به أيضًا على أن تعيين وقت السماع خمس سنين، وعزاه عياض في الإلماع لأهل الصنعة. وقال ابن الصباغ: وعليه قد استقر عمل أهل الحديث المتأخرين فيكتبون لابن خمس فصاعدًا سمع ولمن لم يبلغها حضر أو أحضر. وحكى القاضي عياض أن محمودًا حين عقل المجة كان ابن أربع، ومن ثم صحح الأكثرون سماع من بلغ أربعًا، لكن بالنسبة لابن العربي خاصة، أما ابن العجمي فإذا بلغ سبعًا قال في فتح الباري: وليس في الحديث ما يدل على تسميع من عمره ٢٦٢ كتاب العلم / باب ١٩ خمس سنين، بل الذي ينبغي في ذلك اعتبار الفهم، فمن فهم الخطاب يسمع وإن کان دون خمس وإلا فلا . ١٩ - باب الخروج في طَلَبِ العِلمِ ورَحَلَ جابرُ بنُ عبدِ اللَّهِ مَسِيرةَ شَهْرٍ إلَى عبدِ اللهِ بنِ أَنیسٍ في حَدِیث واحد هذا (باب الخروج في طلب العلم) أي السفر لأجل طلب العلم. (ورحل جابر بن عبد الله) الأنصاري الصحابي رضي الله عنه (مسيرة شهر إلى عبد الله بن أنيس) بضم الهمزة مصغر الجهني، المتوفى بالشام سنة أربع وخمسين في خلافة معاوية رضي الله عنه (في) أي لأجل (حديث واحد) ذكره المؤلف في المظالم آخر هذا الصحيح بلفظ: ويذكر عن جابر عن عبد الله بن أنيس، سمعت النبي وَلّه يقول: ((يحشر الله العباد فيناديهم بصوت)) الحديث. رواه أيضًا في الأدب المفرد موصولاً، وفيه: أن جابرًا بلغه عنه حديث سمعه من رسول الله بَ لّ فاشترى بعيرًا ثم شدّ رحله وسار إليه شهرًا حتى قدم عليه وسمعه منه فذكره، ورواه كذلك أحمد وأبو يعلى. لا يقال إن المؤلف نقض قاعدته حيث عبر هنا بقوله: ورحل بصيغة الجزم المقتضية للتصحيح. وفي باب المظالم بقوله: ويذكر بصيغة التمريض كما ذكره الزركشي، وحكاه عنه صاحب المصابيح من غير تعرض له، لأن المجزوم به هو الرحلة لا الحديث. قال في فتح الباري: جزم بالارتحال لأن الإسناد حسن، واعتضد ولم يجزم بما ذكره من المتن لأن لفظ الصوت مما يتوقف في إطلاق نسبته إلى الرب، ويحتاج إلى تأويل فلا يكفي فيه مجيء الحديث من طرق مختلف فيها ولو اعتضدت انتهى. ٧٨ - حقّثنا أبو القاسم خالدُ بنُ خَلِيٍّ قال: حدَّثَنا محمدُ بن حربٍ قال: قال الأوزاعِيُّ أخبرَنا الزُّهرِيُّ عنْ عُبيدِ اللَّهِ بنِ عبدِ اللَّهِ بن عُثْبةَ بنِ مَسْعودٍ عنِ ابنِ عبّاسٍ أنه تمارَى هوَ والحُرُّ بنُ قِيسٍ بنِ حِصْنِ الفَزارِيُّ في صاحبٍ موسى، فمرَّ بهِما أُبَيُّ بنُ كعبٍ فَدَعاهُ ابنُ عبَّاسٍ فقال: إني تمارَيتُ أنا وصاحبِي هذا في صاحبٍ موسى الذي سألَ السَّبِيلَ إلى لُقِيُّهِ، هل سمعتَ رسولَ اللَّهِ وَهِ يَذْكُرُ شأنَهُ؟ فقال أُبيِّ نَعَم سَمِعتُ النبيِّ نَّهِ يَذْكُرُ شَأْنَه يقول: ((بينما مُوسى في مَلأٍ من بني إسرائيلَ إِذْ جاءَهُ رَجُلٌ فقال: أَتَعْلَمُ أحَدًا أعْلَمَ منكَ؟ قال موسى: لا. فأوحى اللَّهُ تَعَالى إلى موسى: بَلى، عَبدُنا خَضِرٌ. فسألَ السَّبيلَ إلى لُقِيَّهِ، فجعلَ اللَّهُ لهُ الحوتَ آيَةً، وَقِيلَ له: إذا فَقَدْتَ الحُوتَ فارجِعْ فإنَّكَ ستَلقاهُ، فكانَ موسى وَّهَ يَتَّبعُ أثرَ الحوتِ في البحر. فقال فتى موسى الموسى: أَرَأيْتَ إذْ أَوَينا إلى الصخرةِ فإنّي نسيتُ الحوتَ، وما أنسانِيهِ إلاّ الشيطانُ أنْ أذْكُرَه. قال موسى: ذُلكَ ما كنّا نَبْغي. فارتدًا على آثارِهما قَصَصًا، فوَجدا خَضِرًا. فكان مِنْ شأنِهما ما قَصّ اللَّه في کِتابِ» . ٢٦٣ کتاب العلم/ باب ١٩ وبالسند إلى المؤلف قال: (حدّثنا أبو القاسم خالد بن خلّ) بفتح الخاء المعجمة وكسر اللام الخفيفة بعدها مثناة تحتية مشددة لا بلام مشدّدة كما وقع للزركشي كما في فتح الباري وهو سبق قلم أو خطأ من الناسخ انتهى. الكلاعي. وفي رواية أبي ذر قاضي حمص (قال: حدّثنا محمد بن حرب) الخولاني الحمصي (قال: قال الأوزاعي) وللأصيلي قال: حدّثنا الأوزاعي بفتح الهمزة نسبة إلى الأوزاع قرية بقرب دمشق خارج باب الفراديس، أو لبطن من حمير أو همدان بسكون الميم أو الأوزاع القبائل التي فرقها أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو بن يحمد أحد الأعلام من أتباع التابعين، المتوفى سنة سبع وخمسين ومائة (أخبرنا الزهري) محمد بن مسلم (عن عبيد الله بن عبد الله) بتصغير العبد الأوّل (ابن عتبة) بضم العين (ابن مسعود عن ابن عباس) عبد الله رضي الله عنهما (أنه تمارى) من التماري وهو التجادل والتنازع (هو والحرّ بن قيس بن حصن الفزاري في صاحب موسى) بن عمران عليه السلام هل هو خضر أم لا، وأتى بضمير الفصل لأنه لا يعطف على الضمير المرفوع المتصل إلا إذا أكد بالمنفصل وسقطت لفظة هو من رواية ابن عساكر فعطفه على المرفوع المتصل بغير تأكيد ولا فصل وهو جائز عند الكوفيين، وزاد في الرواية السابقة قال ابن عباس: هو خضر (فمر بهما أُبيّ بن كعب) الأنصاري أقرأ هذه الأمة المقول فيه من عمر سيد المسلمين (فدعاه ابن عباس) هلمّ إلينا (فقال: إني تماريت أنا وصاحبي هذا في صاحب موسى الذي سأل) موسى (السبيل إلى لقيه) بضم اللام وكسر القاف وتشديد الياء مصدر بمعنى اللقاء. يقال: لقيته لقاء بالمد ولقا بالقصر ولقيًا بالتشديد (هل سمعت رسول الله وَل﴿ يذكر شأنه) قصته؟ (فقال أُبيّ: نعم سمعت النبي) وفي رواية أبي ذر رسول الله (3َل8# يذكر شأنه يقول): (بينما موسى) عليه السلام (في ملأ من بني إسرائيل) من ذرية يعقوب بن إسحاق بن الخليل. عليهم الصلاة والسلام، وعند مسلم بينما موسى في قومه يذكرهم أيام الله (إذ جاءه رجل) لم يسم (فقال) وفي رواية قال: (أتعلم) بهمزة الاستفهام وفي رواية الأربعة تعلم بحذفها، وللكشميهني هل تعلم (أحدًا أعلم) بنصبهما مفعولاً وصفة، وفي رواية الحموي أن أحدًا أعلم (منك. قال موسى: لا) إنما نفى الأعلمية بالنظر لما في اعتقاده (فأوحى الله تعالى إلى موسى: بلى) وللكشميهني والحموي بل (عبدنا خضر) أعلم منك أي في شيء خاص، (فسأل) موسى (السبيل إلى لقيه) وفي السابقة إليه بدل لقيه وزيادة موسى (فجعل الله) تعالى (له الحوت آية) علامة دالة على مكانه (وقيل له: إذا فقدت الحوت) بفتح القاف (فارجع فإنك ستلقاه، فكان موسى يتبع) بتشديد المثناة الفوقية (أثر الحوت في البحر)، وللكشميهني والحموي في الماء (فقال فتى موسى) يوشع (الموسى: أرأيت إذ أوينا) أي حين نزلنا (إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره) وفي حرف عبد الله: وما أنسانيه أن أذكره إلا الشيطان، وكانا تزوّدا حوتًا وخبزًا فكانا يصيبان منه عند الغداء والعشاء، فلما انتهيا إلى الصخرة على ساحل البحر فانسرب الحوت فيه، وكان قد قيل لموسى تزوّد حوتًا، فإذا فقدته وجدت الخضر فاتخذ سبيله في البحر مسلكًا ومذهبًا (قال موسى: ذلك ما كنا نبغي) من الآية الدالّة ٢٦٤ كتاب العلم/ باب ٢٠ على لقي الخضر عليه السلام (فارتدًا على آثارهما) يقصان (قصصًا فوجدا خضرًا) على طنفسة على وجه الماء أو نائمًا مسجى بثوب أو غير ذلك (فكان من شأنهما) أي من شأن موسى والخضر (ما قصّ الله في كتابه) بسورة الكهف مما سيأتي البحث فيه إن شاء الله تعالى بعون الله. ٢٠ - باب فَضْلِ مَنْ عَلِمَ وعَلَّم هذا (باب فضل من علم) بتخفيف اللام المكسورة أي من صار عالمًا (وعلم) غيره بفتحها مشددة . ٧٩ - حدثنا محمدُ بنُ العَلاءِ قال: حدَّثَنَا حمّادُ بنُ أسامةَ عنْ بُرَيدِ بنِ عبدِ اللَّهِ عن أبي بُردةً عن أبي موسى عنِ النبيِّ وَِّ قال: ((مَثَلُ ما بَعَثَنِي اللَّهُ بهِ مِنَ الهُدَى والعِلمِ كَمَثَل الغَيثِ الكثیرِ أصابَ أرضًا، فكانَ منها نَقِيَّةٌ قَبِلَتِ الماءَ فأنْبَتَتِ الكَلاَ والعُشْبَ الكثيرَ، وكانتْ منها أجادِبُ أَمْسَكَتِ الماءَ فَتَفَعَ اللَّهُ بها النّاسَ فَشَرِبوا وسَقَوا وزَرَعوا، وَأَصَابَ منها طائفةً أُخرىُ إنّما هي قِيعانٌ لا تُمسِكُ ماءً ولا تُثْبِتُ كلاّ. فذلكَ مَثَلُ مَنْ فَقِهَ في دِينِ اللَّهِ ونَفَعَهُ ما بَعَثَنِي اللَّهُ به فعَلِمَ وعَلَّم، ومَثَلُ مَن لم يَرْفَعْ بذلكَ رأسًا ولم يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الذي أُرْسِلْتُ به)). قال أبو عبدِ اللَّهِ: قال إسحق: وكان منها طائفةٌ قيَّلَتِ الماءَ قَاعٌ يَعْلوه الماءُ، والصَّفْصَفُ المسْتَوي منَ الأرض. وبالسند إلى المؤلف قال: (حدّثنا محمد بن العلاء) بالمهملة والمد المكنى بأبي كريب بضم الكاف مصغر کرب بالموحدة وشهرته بكنيته أكثر من اسمه، المتوفى سنة ثمان وأربعين ومائتين (قال: حدّثنا حماد بن أسامة) بضم الهمزة ابن يزيد الهاشمي القرشي الكوفي، المتوفى سنة إحدى ومائتين وهو ابن ثمانين سنة فيما قيل (عن بريد بن عبد الله) بضم الموحدة وفتح الراء وسكون المثناة التحتية آخره دال مهملة (عن أبي بردة) بضم الموحدة وإسكان الراء ابن أبي موسى الأشعري (عن أبي موسى) عبد الله بن قيس الأشعري رضي الله عنه، ولم يقل عن أبيه بدل قوله عن أبي موسى تفننًا في العبارة (عن النبي ◌َّرِ قال): (مثل) بفتح الميم والمثلثة (ما بعثني الله به من الهدى والعلم) بالجر عطفًا على الهدى من عطف المدلول على الدليل، لأن الهدى هو الدلالة الموصلة للمقصد والعلم هو المدلول وهو صفة توجب تمييزًا لا يحتمل النقيض، والمراد به هنا الأدلة الشرعية (كمثل) بفتح الميم والمثلثة (الغيث) المطر (الكثير أصاب) الغيث (أرضًا) الجملة من الفعل والفاعل والمفعول في موضع نصب على الحال بتقدير قد (فكان منها) أي من الأرض أرض (نقية) بنون مفتوحة وقاف مكسورة ومثناة تحتية مشددة أي طيبة (قبلت الماء) بفتح القاف وكسر الموحدة من القبول (فأنبتت الكلا) بفتح الكاف واللام آخره مهموز مقصور النبات يابسًا ورطبًا (والعشب) الرطب منه وهو نصب عطفًا على المفعول (الكثير) صفة ٢٦٥ كتاب العلم/ باب ٢٠ للعشب فهو من ذكر الخاص بعد العام. وفي حاشية أصل أبي ذر وهو عند الخطابي والحميدي ثغبة بمثلثة مفتوحة وغين معجمة مكسورة، وقد تسكن بعدها باء موحدة خفيفة مفتوحة. وفي فرع اليونينية ثغبة مضبب عليها وهي بضم المثلثة وتسكين الغين وهو مستنقع الماء في الجبال والصخور كما قاله الخطابي، لكن ردَّه القاضي عياض وجزم بأنه تصحيف وقلب للتمثيل قال لأنه إنما جعل هذا المثل فيما ينبت والثغاب لا تنبت، والذي رويناه من طرق البخاري كلها بالنون مثل قوله في مسلم طائفة طيبة قبلت الماء. (وكانت) وفي بعض النسخ وكان (منها أجادب) بالجيم والدال المهملة جمع جدب بفتح الدال المهملة على غير قياس ولغير الأصيلي أجاذب بالمعجمة، قال الأصيلي: وبالمهملة هو الصواب أي لا تشرب ماء ولا تنبت (أمسكت الماء فنفع الله بها) أي بالأجادب، وللأصيلي به (الناس) والضمير المذكر للماء (فشربوا) من الماء (وسقوا) دوابهم وهو بفتح السين (وزرعوا) ما يصلح للزرع، ولمسلم وكذا النسائي ورعوا من الرعي، وضبط المازري أجاذب بالذال المعجمة وهمه فيه القاضي عياض، ولأبي ذر إخاذات بهمزة مكسورة وخاء خفيفة وذال معجمتين آخره مثناة فوقية قبلها ألف جمع إخّاذ وهي الأرض التي تمسك الماء كالغدير. وعند الإسماعيلي أحارب بحاء وراء مهملتين آخره موحدة. (وأصاب منها طائفة أخرى) وللأصيلي وكريمة وأصابت أي أصابت طائفة أخرى ووقع كذلك صريحًا عند النسائي (إنما هي قيعان) بكسر القاف جمع قاع وهو أرض مستوية ملساء (لا تمسك ماء ولا تنبت كلا) بضم المثناة الفوقية فيهما (فذلك) أي ما ذكر من الأقسام الثلاثة (مثل) بفتح الميم والمثلثة (من فقه) بضم القاف وقد تكسر أي صار فقيهًا (في دين الله ونفعه ما) وفي رواية أبي الوقت وابن عساكر بما أي بالذي (بعثني الله) عز وجل (به فعلم) ما جئت به (وعلم) غيره وهذا يكون على قسمين: الأوّل العالم العامل المعلم وهو كالأرض الطيبة شربت فانتفعت في نفسها وأنبتت فنفعت غيرها، والثاني الجامع للعلم المستغرق لزمانه فيه المعلم غيره لكنه لم يعمل بنوافله أو لم يتفقه فيما جمع، فهو كالأرض التي يستقر فيها الماء فينتفع الناس به. (ومثل) بفتح الميم والمثلثة (من لم يرفع بذلك رأسًا) أي تكبر ولم يلتفت إليه من غاية تكبره وهو من دخل في الدين ولم يسمع العلم أو سمعه فلم يعمل به ولم يعلمه، فهو كالأرض السبخة التي لا تقبل الماء وتفسده على غيرها وأشار بقوله: (ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به) إلى من لم يدخل في الدين أصلاً بل بلغه فكفر به وهو كالأرض الصماء الملساء المستوية التي يمر عليها الماء فلا تنتفع به. قال في المصابيح: وتشبيه الهدى والعلم بالغيث المذكور تشبيه مفرد بمركب إذ الهدى مفرد وكذا العلم، والمشبه به وهو غيث كثير أصاب أرضًا منها ما قبلت فأنبتت، ومنها ما أمسكت خاصة، ومنها ما لم تنبت ولم تمسك مركب من عدة أمور كما تراه وشبه من انتفع بالعلم ونفع به بأرض قبلت الماء وأنبتت الكلأ والعشب، وهو تمثيل لأن وجه الشبه فيه هو الهيئة الحاصلة من قبول المحل لما يرد عليه من الخير مع ظهور أماراته وانتشارها على وجه عام الثمرة متعدي النفع، ولا يخفى أن هذه الهيئة منتزعة من أمور متعددة، ويجوز أن يشبه انتفاعه بقبول الأرض الماء ونفعه المتعدي ٢٦٦ كتاب العلم/ باب ٢٠ بإنباتها الكلأ والعشب، والأوّل أفحل وأجزل لأن في الهيئات المركبات من الوقع في النفس ما ليس في المفردات في ذواتها من غير نظر إلى تضامها ولا التفات إلى هيئتها الاجتماعية، قال الشيخ عبد القاهر في قول القائل: وكأنّ أجرام النجوم لوامعًا درر نشرن على بساط أزرق لو قلت: كأن النجوم درر وكأن السماء بساط أزرق كان التشبيه مقبولاً، لكن أين هو من التشبيه الذي يريك الهيئة التي تملأ النواظر عجبًا وتستوقف العيون وتستنطق القلوب بذكر الله من طوع النجوم مؤتلفة متفرقة في أديم السماء وهي زرقاء زرقتها بحسب الرؤية صافية والنجوم تبرق وتلألأ في أثناء تلك الزرقة؟ ومن لك بهذه الصورة إذا جعلت التشبيه مفردًا، وقد وقع في الحديث أنه شبه من انتفع بالعلم في خاصة نفسه ولم ينفع به أحدًا بأرض أمسكت الماء ولم تنبت شيئًا، أو شبه انتفاعه المجرد بإمساك الأرض للماء مع عدم إنباتها، وشبه من عدم فضيلتي النفع والانتفاع جميعًا بأرض لم تمسك ماء أصلاً، أو شبه فوات ذلك له بعدم إمساكها الماء، وهذه الحالات الثلاث مستوفية لأقسام الناس ففيه من البديع التقسيم. فإن قلت: ليس في الحديث تعرض إلى القسم الثاني، وذلك أنه قال: فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم وهذا القسم الأوّل، ثم قال: ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به وهذا هو القسم الثالث، فأين الثاني؟ أجيب: فاحتمال أن يكون ذكر من الأقسام أعلاها وأدناها وطوى ذكر ما بينهما لفهمه من أقسام المشبه به المذكورة أوّلاً، ويحتمل أن يكون قوله نفعه الخ صلة موصول محذوف معطوف على الموصول الأوّل أي: فذلك مثل من فقه في دين الله، ومثل من نفعه كقول حسان رضي الله عنه: أمن يهجو رسول الله منكم ويمدحه وينصره سواء أي: ومن يمدحه وينصره سواء، وعلى هذا فتكون الأقسام الثلاثة مذكورة فمن فقه في دين الله هو الثاني، ومن نفعه الله من ذلك فعلم وعلم هو الأوّل، ومن لم يرفع بذلك رأسًا هو الثالث، وفيه حينئذ لف ونشر غیر مرتب انتهى. وقال غيره: شبه عليه الصلاة والسلام ما جاء به من الدين بالغيث العامّ الذي يأتي الناس في حال حاجتهم إليه، وكذا كان حال الناس قبل مبعثه، فكما أن الغيث يحيي البلد الميت، فكذا علوم الدين تحيي القلب الميت، ثم شبه السامعين له بالأراضي المختلفة التي ينزل بها الغيث. وهذا الحديث فيه التحديث والعنعنة، ورواته كلهم كوفيون، وأخرجه المؤلف هنا فقط، ومسلم في فضائله وَّر، والنسائي في العلم. (قال أبو عبد الله) أي البخاري، وفي رواية غير الأصيلي وابن عساكر بحذف ذلك (قال إسحلق) بن إبراهيم بن مخلد بفتح الميم وسكون الخاء وفتح اللام الحنظلي المروزي المشهور بابن ٢٦٧ كتاب العلم/ باب ٢١ راهويه، المتوفى بنيسابور سنة ثمان وثلاثين ومائتين وهذا هو الظاهر لأنه إذا وقع في هذا الكتاب إسحق غير منسوب فهو كما قاله الجياني عن ابن السكن يكون ابن راهويه في روايته عن أبي أسامة، (وكان منها طائفة قيلت الماء) بالمثناة التحتية المشددة بدل قوله قبلت بالموحدة، وجزم الأصيلي بأنها تصحيف من إسحق وصوّبها غيره والمعنى شربت القيل وهو شرب نصف النهار وزاد في رواية المستملي هنا (قاع) أي أن قيعان المذكورة في الحديث جمع قاع أرض (يعلوه الماء) ولا يستقرّ فيه، (والصفصف المستوي من الأرض) هذا ليس في الحديث، وإنما ذكره جريًا على عادته في الاعتناء بتفسير ما يقع في الحديث من الألفاظ الواقعة في القرآن، وعند ابن عساكر بعد قيلت الماء والصفصف المستوي من الأرض. ٢١ - باب رفع العلم، وظهورِ الجهل وقال رَبيعةُ: لا ينبغي لأحدٍ عندَهُ شيءٌ منَ العِلمِ أن يُضَيِّعَ نفسَه. (باب رفع العلم وظهور الجهل) الأوّل مستلزم للثاني وأتى به للإيضاح (وقال ربيعة) الرأي بالهمزة الساكنة ابن أبي عبد الرحمن المدني التابعي شيخ إمام الأئمة مالك، المتوفى بالمدينة سنة ست وثلاثين ومائة، وإنما قيل له الرأي لكثرة اشتغاله بالرأي والاجتهاد، ومقول قوله الموصول عند الخطيب في جامعه والبيهقي في مدخله (لا ينبغي لأحد عنده شيء من العلم) أي الفهم (أن يضيع نفسه) بترك الاشتغال أو بعدم إفادته لأهله لئلا يموت العلم فيؤدي ذلك إلى رفع العلم المستلزم لظهور الجهل، وفي رواية الأربعة يضيع نفسه بحذف أن. ٨٠ - حدثنا عِمرانُ بنُ مَيْسَرةَ قال: حدَّثَنا عبدُ الوارِثِ عن أبي التَّاحِ عن أنسٍ قال: قال رسولُ اللَّهِ وَس﴿: ((إنَّ مِنْ أَشْراطِ الساعةِ أنْ يُرْفَعَ العِلم، وَيَثْبُتَ الجهلُ، وَيُشْرَبَ الخَمْرُ، وَيَظهَرَ الزّنا». [الحديث ٨٠- أطرافه في: ٨١، ٥٢٣١، ٥٥٧٧، ٦٨٠٨]. وبالسند السابق إلى المؤلف قال: (حدّثنا عمران بن ميسرة) ضد الميمنة المنقري البصري، المتوفى سنة ثلاث وعشرين ومائتين (قال: حدّثنا عبد الوارث) بن سعيد بن ذكوان التميمي البصري (عن أبي التيّاح) بفتح المثناة الفوقية وتشديد التحتية آخره مهملة يزيد بن حميد الضبعي، المتوفى سنة ثمان وعشرين ومائة (عن أنس) وللأصيلي زيادة ابن مالك أنه (قال: قال رسول الله وَلِيمٍ): (إن من أشراط الساعة) بفتح الهمزة أي علاماتها (أن يرفع العلم) بموت حملته وقبض نقلته لا بمحوه من صدورهم، ويرفع بضم أوّله، وعند النسائي من أشراط الساعة بحذف إن، وحينئذ فيكون محل أن يرفع العلم رفعًا على الابتداء وخبره مقدّم (و) أن (يثبت الجهل) بفتح المثناة التحتية من الثبوت بالمثلثة وهو ضد النفي، وعند مسلم ويبث من البث بموحدة فمثلثة وهو الظهور والفشوّ. (و) أن (يشرب) بضم المثناة التحتية (الخمر) أي يكثر شربه. وفي النكاح من طريق هشام ٢٦٨ كتاب العلم/ باب ٢١ عن قتادة ويكثر شرب الخمر فالمطلق محمول على المقيد خلافًا لمن ذهب إلى أنه لا يجب حمله علیه، والاحتياط بالحمل ههنا أولى لأن حمل كلام النبوّة على أقوى محامله أقرب، فإن السياق يفهم أن المراد بأشراط الساعة وقوع أشياء لم تكن معهودة حين المقالة، فإذا ذكر شيئًا كان موجودًا عند المقالة فحمله على أن المراد بجعله علامة أن يتصف بصفة زائدة على ما كان موجودًا كالكثرة والشهرة أقرب، (و) أن (يظهر) أي يفشو (الزنا) بالقصر على لغة أهل الحجاز وبها جاء التنزيل وبالمد لأهل نجد والنسبة إلى الأوّل زنوي وإلى الآخر زناوي، فوجود الأربع هو العلامة لوقوع الساعة. ٨١ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قال: حدَّثَنَا يَحيى عن شُعبةَ عن قتادةً عن أنسٍ قال: لأُحَدُثَّكُمْ حديثًا لا يُحدِّثُكمْ أحَدٌ بَعدِي، سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ وَّهِ يقول: ((مِنْ أشْراطِ الساعةِ أنْ يَقِلَّ العِلمُ ويَظْهَرَ الْجَهْلُ، ويَظهَر الزِّنا، وتكثرَ النساءُ، ويَقِلَّ الرِّجالُ حتى يكونَ لخَمسينَ امرأةٌ القَيِّمُ الْواحِدُ». وبه قال: (حدّثنا مسدد) بضم الميم وفتح السين والدال المهملتين ابن مسرهد (قال: حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن شعبة) بن الحجاج (عن قتادة) بفتح القاف ابن دعامة (عن أنس) وللأصيلي ابن مالك (قال: لأحدثنكم) بفتح اللام أي والله لأحدّثنكم ولذا أكد بالنون وبه صرح أبو عوانة عن هشام عن قتادة (حديثًا لا يحذّثكم أحد بعدي) ولمسلم لا يحدّث أحد بعدي بحذف المفعول، وللمؤلف من طريق هشام لا يحدّثكم غيري وحمل على أنه قاله لأهل البصرة وقد كان هو آخر من مات بها من الصحابة (سمعت رسول الله) وفي رواية الأصيلي وابن عساكر النبي (َّ) أي کلامه حال كونه (يقول): (من) وللأصيلي وأبي ذر أن من (أشراط الساعة أن يقل العلم) بكسر القاف من القلة وله في الحدود والنكاح أن يرفع العلم وكذا لمسلم ولا تنافي بينهما إما لأن القلّة فيه معبّر بها عن العدم. قال في الفتح: وهذا أليق لاتحاد المخرج أو ذلك باعتبار زمانين مبدأ الاشتراط وانتهائه (و) أن (يظهر الجهل و) أن (يظهر الزنا و) أن (تكثر النساء و) أن (يقل الرجال) لكثرة القتل بسبب الفتن وبقلتهم مع كثرة النساء يظهر الجهل والزنا ويرفع العلم لأن النساء حبائل الشيطان (حتى) أي إلى أن (يكون لخمسين امرأة القيم الواحد) بالرفع صفة القيم وهو من يقوم بأمرهن، وقال أبو عبد الله القرطبي في التذكرة: يحتمل أن يراد بالقيم من يقوم عليهنّ سواء كنّ موطوءات أم لا، ويحتمل أن يكون ذلك في الزمان الذي لا يبقى فيه من يقول: الله الله فيتزوّج الواحد بغير عدد جهلاً بالحكم الشرعي، وقال القيم: بأل إشعارًا بما هو معهود من كون الرجال قوّامين على النساء، وهل المراد من قوله خمسين امرأة حقيقة العدد أو المجاز عن الكثرة؟ ويؤيد الثاني ما في حديث أبي موسى ويرى الرجل الواحد يتبعه أربعون امرأة. ٢٦٩ کتاب العلم/ باب ٢٢ ٢٢ - باب فَضْلِ العِلمِ هذا (باب فضل العلم) والباب السابق في أوّل كتاب العلم باب فضيلة العلماء، والمراد هنا الزيادة أي ما فضل عنه وهناك بمعنى الفضيلة وحينئذ فلا تكرار. ٨٢ - حدثنا سَعيدُ بنُ عُفَيرِ قال: حدَّثَنِي اللَّيْثُ قال: حدَّثَنِي عُقيلٌ عن ابنِ شِهاب عن حمزةَ بن عبدِ اللهِ بن عُمَرَ أنَّ ابنَ عمرَ قال: سمعتُ رسولَ اللَّهِ وَهِ قال: ((بَيْنا أنا نائمٌ أُتيتُ بَقَدَحِ لَبَنٍ فَشَرِبْتُ حتّى إِنِّي لأرَى الرِّيَّ يَخرُجُ في أظفاري، ثمَّ أعْطَيْتُ فضلي عُمَر بنَ الخَطَّابِ)) قالوا: فما أوَّلْتَهُ يا رسولَ اللَّه؟ قال: ((العلم)). [الحديث ٨٢ - أطرافه في: ٣٦٨١، ٧٠٠٦، ٧٠٠٧، ٧٠٢٧، ٧٠٣٢]. وبالسند إلى المؤلف قال: (حدّثنا سعيد بن عفير) بضم العين المهملة وفتح الفاء وسكون المثناة التحتية آخره راء (قال: حدّثني) بالإفراد وفي رواية أبي ذر حدّثنا (الليث) بن سعد إمام المصريين (قال: حدّثني) بالإفراد (عقيل) بضم العين وفتح القاف وسكون المثناة التحتية ابن خالد الأيلي بفتح الهمزة، وفي رواية أبي ذر عن عقيل، وفي فتح الباري وللأصلي وکريمة حدثني الليث حدثني عقيل (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن حمزة) بالمهملة والزاي (ابن عبد الله بن عمر) بن الخطاب المكنى بأبي عمارة بضم العين القرشي العدوي المدني التابعي (أن ابن عمر) رضي الله عنهما (قال: سمعت رسول الله) أي كلامه (وَ*) حال كونه (قال) وفي رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر يقول : (بينا) بغير ميم (أنا) مبتدأ وخبره (نائم أتيت) بضم الهمزة وهو جواب بينا (بقدح لبن فشربت) أي من اللبن (حتى إني) بكسر همزة إن لوقوعها بعد حتى الابتدائية أو فتحها على جعلها جارّة (لا أرى) بفتح الهمزة من الرؤية (الري) بكسر الراء وتشديد الياء كذا في الرواية، وزاد الجوهري حكاية الفتح أيضًا، وقيل بالكسر الفعل وبالفتح المصدر (يخرج في أظفاري) في محل نصب مفعول ثان لأرى إن قدرت الرؤية بمعنى العلم أو حال إن قدرت بمعنى الإبصار، وفي رواية ابن عساكر والحموي من أظفاري، وللمؤلف في التعبير من أطرافي، ويجوز أن تكون في هنا بمعنى على. أي على أظفاري كقوله تعالى: ﴿ولأصلبنكم في جذوع النخل﴾ [طه: ٧١] أي عليها، ويكون بمعنى يظهر عليها، والظفر إما منشأ الخروج أو ظرفه. وقال: لأرى بلفظ المضارع لاستحضار هذه الرؤية للسامعين واللام فيه هي الداخلة في خبر إن للتأكيد كما في قولك: إن زيد القائم أو هي لام جواب قسم محذوف ورد بأنه ليس بصحيح فليس فيه قسم صريح ولا مقدر انتهى. وعبر بيخرج المضارع موضع الماضي لاستحضار صورة الرؤية للسامعين وجعل الري مرئيًا تنزيلاً له منزلة الجسم، وإلاّ فالري لا يرى فهو استعارة أصلية (ثم أعطيت فضلي) أي ما فضل من لبن القدح الذي شربت منه (عمر بن الخطاب) رضي الله عنه مفعول أعطيت الثاني (قالوا) أي ٢٧٠ کتاب العلم/ باب ٢٣ الصحابة: (فما أوّلته) أي عبرته (يا رسول الله؟ قال) أوّلته (العلم) بالنصب ويجوز الرفع خبر مبتدأ محذوف أي المؤوّل به العلم، ووجه تفسير اللبن بالعلم الاشتراك في كثرة النفع بهما وكونهما سببًا للصلاح ذاك في الأشباح، والآخر في الأرواح والفاء في فما أوّلته زائدة كهي في قوله تعالى: ﴿فليذوقوه﴾ [ص: ٥٧] فافهم ذلك. ٢٣ - باب الفُتْيا وهُوَ واقِفٌ على الدابَّةِ وغيرها (باب الفتيا) بضم الفاء (وهو) أي العالم المفتي المجيب المستفتي عن سؤاله (واقف) أي راكب (على الدابة) التي تركب، وفي بعض الروايات على ظهر الدابة (وغيرها) سواء كان واقفًا على الأرض أو ماشيًا وعلى كل أحواله، وفي رواية أبوي ذر والوقت أو غيرها. ٨٣ - حدثنا إسماعيلُ قال: حدَّثَني مالكٌ عنِ ابنِ شِهابٍ عن عيسى بنِ طلحةَ بنِ عُبَيدِ اللَّهِ عن عبدِ اللهِ بنِ عَمْرو بنِ العَاصي ((أنَّ رسولَ اللَّهِ وَ ﴿ وَقَفَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِمِنَّى للناسِ يَسْألونَهُ فجاءَهُ رجُلٌ فقال: لم أشْعُرْ فَحَلَقْتُ قَبْلَ أنْ أذْبَحَ. فقال: اذْبَحْ ولا حَرَج. فجاءَ آخَرُ فقال: لم أشعُرْ فَتَحَرْتُ قَبْلَ أنْ أَزْمِيَ. قال: ازْمٍ ولا حَرَج. فما سُئِلَ النبيُّ ◌ََّ عن شيءٍ قُدُمَ ولا أُخْرَ إلاّ قال: افعل ولا حَرَج)). [الحديث ٨٣ - أطرافه في: ١٢٤، ١٧٣٦، ١٧٣٧، ١٧٣٨، ٦٦٦٥]. وبالسند إلى المؤلف قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أُويس ابن أُخت الإمام مالك (قال: حدّثني) بالإفراد (مالك) بن أنس الإمام (عن ابن شهاب) الزهري (عن عيسى بن طلحة بن عبيد الله) بضم العين مصغرًا القرشي التيمي التابعي، المتوفى سنة مائة (عن عبد الله بن عمرو بن العاصي) بإثبات الياء بعد الصاد على الأفصح: (أن رسول الله وَ﴿ وقف في حجة الوداع) بفتح الواو اسم من ودع والفتح في حاء حجة هو الرواية ويجوز كسرها أي حال وقوفه (بمنى) بالصرف وعدمه (للناس) حال كونهم (يسألونه) عليه الصلاة والسلام فهو حال من ضمير وقف، ويحتمل أن يكون من الناس أي وقف لهم حال كونهم سائلين منه، ويجوز أن يكون استئنافًا بيانًا لعلة الوقوف (فجاءه رجل) قال في الفتح: لم أعرف اسمه، وفي رواية الأصيلي فجاء رجل (فقال): يا رسول الله (لم أشعر) بضم العين أي لم أفطن (فحلقت) رأسي (قبل أن أذبح) الهدي، (فقال) رسول الله وَله: (اذبح ولا حرج) أي ولا إثم عليك (فجاء آخر) غيره (فقال) يا رسول الله (لم أشعر فنحرت) هذيي (قبل أن أرمي) الجمرة (قال) عليه الصلاة والسلام، وفي رواية أبي ذر فقال: (ارم) الجمرة (ولا حرج) عليك في ذلك (فما سئل النبي ◌َّر عن شيء) من أعمال يوم العيد الرمي والنحر والحلق والطواف (قدّم ولا أخّر) بضم أولهما على صيغة المجهول، وفي الأوّل حذف أي لا قدّم ولا أخّر لأنها لا تكون في الماضي إلا مكررة على الفصيح وحسن ذلك هنا أنه في سياق النفي كما في قوله تعالى: ﴿وما أدري ما يفعل بي ولا بكم﴾ ٢٧١ كتاب العلم/ باب ٢٤ [الأحقاف: ٩] ولمسلم ما سئل عن شيء قدّم أو أخّر (إلا قال) عليه الصلاة والسلام للسائل: (افعل) ذلك كما فعلته قبل أو متى شئت (ولا حرج) عليك مطلقًا لا في الترتيب ولا في ترك الفدية. وهذا مذهب إمامنا الشافعي وأحمد وعطاء وطاوس ومجاهد. وقال مالك وأبو حنيفة: الترتيب واجب يجبر بدم لما روى ابن عباس أنه قال: من قدَّم شيئًا في حجه أو أخّره فليهرق لذلك دمًا، وتأوّلوا الحديث أي لا إثم عليكم فيما فعلتموه من هذا لأنكم فعلتموه على الجهل منكم لا على القصد فأسقط عنهم الحرج وأعذرهم لأجل النسيان وعدم العلم، ويدل له قول السائل لم أشعر، ويؤيده أن في رواية علي عند الطحاوي بإسناد صحيح بلفظ: رميت وحلقت ونسيت أن أنحر، وفي الحديث جواز سؤال العالم راكبًا وماشيًا وواقفًا على كل حال ولا يعارض هذا بما روي عن مالك من كراهة ذكر العلم والسؤال عن الحديث في الطريق، لأن الموقف بمنى لا يعدّ من الطرقات لأنه موقف سُنّة وعبادة وذكر ووقت حاجة إلى التعلم خوف الفوات إما بالزمان أو بالمكان. ٢٤ - باب من أجابَ الفُتْيا بإشارةِ اليَدِ والرَّأْسِ هذا (باب من أجاب الفتيا) أي في بيان المفتي الذي أجاب المستفتي فيما سأله عنه (بإشارة اليد والرأس) وسقط لفظ باب للأصيلي. ٨٤ - حدثنا موسى بنُ إسماعيلَ قال: حدَّثَنَا وُهَيْبٌ قال: حدَّثَنا أيُّوبُ عن عِكرِمَةَ عنِ ابنِ عبّاسِ أنَّ النبيَّ وَّرَ سُئِلَ فِي حَجَّتِهِ فقال: ذَبَحْتُ قبلَ أنْ أرمِيَ، فَأوْمَأْ بِيدِه قال: لا حَرَج. وقال: حَلَقْتُ قبلَ أنْ أَذْبَحَ، فأوْمَأْ بِيَدِه: ولا حَرَج. [الحديث ٨٤ - أطرافه في: ١٧٢١، ١٧٢٢، ١٧٢٣، ١٧٣٤، ١٧٣٥، ٦٦٦٦]. وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا موسى بن إسماعيل) التبوذكي البصري (قال: حدّثنا وهيب) بضم الواو وفتح الهاء وسكون المثناة التحتية آخره موحدة ابن خالد الباهلي البصري، المتوفى سنة خمس أو تسع وستين لا سنة ست وخمسين (قال: حدّثنا أيوب) السختياني (عن عكرمة) مولى ابن . عباس (عن ابن عباس) عبد الله رضي الله عنهما: (أن النبي ◌َّ﴿ سئل) بضم السين (في حجته) أي الوداع (فقال) أي السائل (ذبحت) هديي (قبل أن أرمي) الجمرة فهل يصح وهل علّ حرج؟ (فأومأ) أي أشار وَّر، وفي رواية الأصيلي وأبي الوقت قال: فأومأ (بيده) الكريمة حال كونه قد (قال) وفي رواية أبي ذر فقال: (لا حرج) عليك، وللأصيلي ولا حرج بالواو أي صح فعلك ولا حرج عليك وهي ساقطة في رواية لأبي ذر وعلى حالية قال يكون جمع بين الإشارة والنطق، ويحتمل أن يكون قال بيانًا لقوله: فأومأ ويكون من إطلاق القول على الفعل وهذا هو الأحسن. (وقال) ذلك السائل أو غيره (حلقت) رأسي (قبل أن أذبح) هديي أي قبل ذبحه (فأومأ) فأشار رسول الله وَّر (بيده) الشريفة (ولا حرج) أي صح فعلك ٢٧٢ كتاب العلم/ باب ٢٤ ولا إثم عليك، ولم يحتج إلى ذكر قال هنا لأنه أشار بيده بحيث فهم من تلك الإشارة أنه لا حرج. ورجال هذا الحديث كلهم بصريون، وفيه رواية تابعي عن تابعي، والتحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلف أيضًا في الحج من طريقين، ومسلم والنسائي فيه أيضًا. ٨٥ - حدثنا المَكْيُّ بنُ إبراهيمَ قال: أخبرنا حَنْظلةُ عن سالم قال: سَمعتُ أبا هُرِيرةَ عنِ النَّبِيِّ بَِّ قال: ((يُقْبَضُ العِلمُ، وَيَظْهَرُ الجهلُ والفِتَنُ، ويَكثُرُ الهَرْجُ)). قيل: يا رسولَ اللَّهِ وما الهرجُ؟ فقال: هكذا بِيدِه فحرَّفَها، كأنَّهُ يُريدُ القَتْلَ. [الحديث ٨٥ - أطرافه في: ١٠٣٦، ١٤١٢، ٣٦٠٨، ٣٦٠٩، ٤٦٣٥، ٤٦٣٦، ٦٠٣٧، ٦٥٠٦، ٦٩٣٥، ٧٠٦١، ٧١١٥، ٧١٢١]. وبه قال: (حدّثنا المكي بن إبراهيم) بن بشير بفتح الموحدة وكسر المعجمة آخره راء البلخي، المتوفى ببلخ سنة أربع عشرة ومائتين (قال: أخبرنا حنظلة) زاد الأصيلي ابن أبي سفيان (عن سالم) هو ابن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه (قال: سمعت أبا هريرة) عبد الرحمن بن صخر أي كلامه (عن النبي ◌َّ قال): (يقبض العلم) أي بموت العلماء ويقبض بضم أوّله على صيغة المجهول وهو تفسير لقوله في الرواية السابقة يرفع العلم. (ويظهر الجهل) بفتح المثناة التحتية على صيغة المعلوم وذكر هذه الزيادة التأكيد والإيضاح وإلاّ فظهور الجهل من لازم قبض العلم (والفتن) بالرفع عطفًا على الجهل وللأصيلي وابن عساكر ونظهر الفتن بإسقاط الجهل (ويكثر الهرج) بفتح الهاء وسكون الراء آخره جيم الفتنة والاختلاط، وأصله كثرة الشر وهو بلسان الحبشة القتل كما عند المصنف في كتاب الفتن. (قيل: يا رسول الله وما الهرج؟ فقال: هكذا بيده فحرّفها كأنه يريد القتل) فهمه الراوي من تحريف يده الكريمة وحركتها كالضارب، وفي إطلاق القول على الفعل والفاء في قوله: فحرّفها تفسيرية فهي مفسرة لقوله هكذا. ٨٦ - حدثنا موسى بن إسماعيلَ قال: حدَّثَا وُهَيْبٌ قال: حدَّثَنَا هِشامٌ عنْ فاطمةَ عن أسماء قالت: أتيتُ عائشةً وهيَ تُصلّي، فقلتُ: ما شَأْنُ الناسِ؟ فأشارت إلى السماء، فإذا الناسُ قِيامٌ فقالت: سُبحانَ اللَّهِ. قلتُ: آية. فأشارَتْ برأْسِها - أي نعم - فقمتُ حتى عَلاني الغَشْيُ، فجعلتُ أصبُّ عَلَى رَأْسي الماءَ. فَحَمِدَ اللَّهَ عزَّ وجلَّ النبيُّ وَِّ وأثنى عليهِ ثمَّ قال: ما مِنْ شيءٍ لم أكُنْ أُرِيتُه إلاّ رأيته في مَقامي، حتّى الجنةُ والنار. فأُوحِيَ إليَّ أنَّكُمْ تُفْتَنُونَ في قُبُورِكمْ مِثْلَ، أو قريبَ - لا أدري أيَّ ذُلكَ قالتْ أسماءُ - مِنْ فِتنةِ المسيحِ الدَّجَّال، يُقال: ما عِلمُكَ بهذا الرَّجُلِ؟ فأمّا المؤمِنُ، أو الموقِنُ - لا أذرِي بأيهما قالت أسماءُ - فيقولُ هُوَ محمدٌ رسولُ اللَّهِ جاءنا بالبَيِّناتِ والهُدَى، فَأَجَبْنا واتَّبَعْنا، هوَ محمدٌ (ثلاثًا). فيقال: نَمْ صالحًا، قد عَلِمنا إنْ كنتَ لَموقِنًا به. وأمّا ٢٧٣ كتاب العلم/ باب ٢٤ المنافِقُ، أوِ المُزْتابُ - لا أدري أيَّ ذلكَ قالتْ أسماءُ - فَيَقُول: لا أدري، سمعتُ الناسَ يقولون شيئًا فقُلتُه. [الحديث ٨٦ - أطرافه في: ١٨٤، ٩٢٢، ١٠٥٣، ١٠٥٤، ١٠٦١، ١٢٣٥، ١٣٧٣، ٢٥١٩، ٢٥٢٠، ٧٢٨٧]. وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) التبوذكي (قال: حدّثنا وهيب) أي ابن خالد (قال: حدّثنا هشام) أي ابن عروة بن الزبير بن العوام (عن فاطمة) بنت المنذر بن الزبير بن العوّام وهي زوجة هشام هذا وبنت عمه (عن أسماء) بنت أبي بكر الصديق ذات النطاقين زوج الزبير، المتوفاة بمكة سنة ثلاث وسبعين وقد بلغت المائة ولم يسقط لها سن ولم يتغير لها عقل أنها (قالت): (أتيت عائشة) أم المؤمنين رضي الله عنها (وهي تصلي) أي حال كون عائشة تصلي (فقلت: ما شأن الناس) قائمين مضطربين فزعين (فأشارت) عائشة (إلى السماء) تعني انكسفت الشمس (فإذا الناس) أي بعضهم (قيام) لصلاة الكسوف (فقالت) أي ذكرت عائشة رضي الله عنها (سبحان الله، قلت: آية) هي أي علامة لعذاب الناس لأنها مقدمة له قال تعالى: ﴿وما نرسل بالآيات إلا تخويفًا﴾ [الإسراء: ٥٩] أو علامة لقرب زمان قيام الساعة (فأشارت) عائشة (برأسها أي نعم) قالت أسماء (فقمت) في الصلاة (حتى علاني) بالعين المهملة من علوت الرجل غلبته، ولكريمة تجلاني بفتح المثناة الفوقية والجيم وتشديد اللام وضبب عليه في الفرع أي علاني (الغشي) بفتح الغين وسكون الشين المعجمتين آخره مثناة تحتية مخففة وبكسر الشين وتشديد الياء أيضًا بمعنى الغشاوة وهي الغطاء، وأصله مرض معروف يحصل بطول القيام في الحر ونحوه وهو طرف من الإغماء، والمراد به هنا الحالة القريبة منه فأطلقته مجازًا ولهذا قالت: (فجعلت أصب على رأسي الماء) أي في تلك الحالة ليذهب (فحمد الله عز وجل النبي ◌َّ﴾ وأثنى عليه) عطف على حمد من باب عطف العام على الخاص، لأن الثناء أعمّ من الحمد والشكر والمدح أيضًا (ثم قال) عليه الصلاة والسلام: (ما من شيء لم أكن أريته) بضم الهمزة أي مما يصح رؤيته عقلاً كرؤية الباري تعالى ويليق عرفًا مما يتعلق بأمر الدين وغيره (إلا رأيته) رؤية عين حقيقة حال كوني (في مقامي) بفتح الميم الأولى وكسر الثانية. زاد في رواية الكشميهني والحموي هذا خبر مبتدأ محذوف أي هو هذا، ويؤوّل بالمشار إليه والاستثناء مفرغ متصل فتلغى فيه إلا من حيث العمل لا من حيث المعنى كسائر الحروف نحو: ما جاءني إلا زيد وما رأيت إلا زيدًا وما مررت إلا بزيد (حتى الجنة والنار) بالرفع فيهما على أن حتى ابتدائية والجنة مبتدأ محذوف الخبر أي حتى الجنة مرئية والنار عطف عليه والنصب على أنها عاطفة عطفت الجنة على الضمير المنصوب في رأيته، والجر على أنها جارّة. وكذا قرّروه بالثلاثة وهي ثابتة في فرع اليونينية كهي. وقال الحافظ ابن حجر: رويناه بالحركات الثلاث فيهما، لكن استشكل البدر الدماميني بالجر بأنه لا وجه له إلا العطف على المجرور المتقدم وهو ممتنع لما يلزم عليه من زيادة من مع المعرفة والصحيح منعه. (فأوحي) بضم الهمزة وكسر الحاء (إلي أنكم) بفتح الهمزة مفعول أوحي إرشاد الساري/ ج ١/ م ١٨ ساری/ ج ٢٧٤ كتاب العلم/ باب ٢٤ ناب عن الفاعل (تفتنون) تمتحنون وتختبرون (في قبوركم مثل أو قريبًا) بحذف التنوين في مثل وإثباته في تاليه (لا أدري أي ذلك) لفظ مثل أو قريبًا. (قالت أسماء) رضي الله عنها: (من فتنة المسيح) بالحاء المهملة لمسحه الأرض أو لأنه ممسوح العين (الدجال) الكذاب، والتقدير مثل فتنة المسيح أو قريبًا منها فحذف ما كان مثل مضافًا إليه لدلالة ما بعده وترك هو على هيئته قبل الحذف كذا وجهه ابن مالك وقال: إنه الرواية المشهورة. وقال عياض: الأحسن تنوين الثاني وتركه في الأوّل، وفي رواية في الفرع وأصله مثل أو قريب بالنصب من غير ألف بغير تنوين فيهما. قال الزركشي: المشهور في البخاري أي تفتنون مثل فتنة الدجال أو قريب الشبه من فتنة الدجال، فكلاهما مضاف، وجملة لا أدري إلى آخرها اعتراض بين المضاف والمضاف إليه مؤكدة لمعنى الشك المستفاد من كلمة أو لا يقال كيف فصل بين المضافين وبين ما أضيفا إليه، لأن الجملة المؤكدة للشيء لا تكون أجنبية منه، وإثبات من كما في بعض النسخ وهو الذي في فرع اليونينية بين المضاف والمضاف إليه لا يمتنع عند جماعة من النحاة ولا يخرج بذلك عن الإضافة، وفي رواية مثلاً أو قريبًا بإثبات التنوين فيهما أي تفتنون في قبوركم فتنة مثلاً من فتنة المسيح أو فتنة قريبًا من فتنة المسيح، وحينئذ فالأوّل صفة لمصدر محذوف، والثاني عطف عليه، وأي مرفوع على الأشهر بالابتداء والخبر. قالت أسماء: وضمير المفعول محذوف أي قالته وفعل الدراية معلق بالاستفهام لأنه من أفعال القلوب وبالنصب مفعول أدري إن جعلت موصولة، أو قالت إن جعلت استفهامية أو موصولة (يقال) للمفتون: (ما علمك) مبتدأ وخبره (بهذا الرجل) وَلّ ولم يعبر بضمير المتكلم لأنه حكاية قول الملكين، ولم يقل رسول الله و ﴿ لأنه يصير تلقينًا لحجته وعدل عن خطاب الجمع في أنكم تفتنون إلى المفرد في قوله ما علمك لأنه تفصيل. أي كل واحد يقال له ذلك لأن السؤال عن العلم يكون لكل واحد، وكذا الجواب بخلاف الفتنة، (فأما المؤمن أو الموقن) أي المصدق بنبوّته وَلقر (لا أدري بأيهما) وفي رواية الأربعة أيهما المؤمن أو الموقن. (قالت أسماء) والشك من فاطمة بنت المنذر (فيقول) الفاء جواب أما لما في أما من معنى الشرط (هو محمد رسول الله) هو (جاءنا بالبينات) بالمعجزات الدالّة على نبوّته (والهدى) أي الدلالة الموصلة إلى البغية (فأجبنا واتبعنا) وفي رواية أبي ذر فأجبناه واتبعناه بالهاء فيهما فحذف ضمير المفعول في الرواية الأولى للعلم به أي قبلنا نبوّته معتقدين مصدّقين واتّبعناه فيما جاء به إلينا أو الإجابة تتعلق بالعلم والاتباع بالعمل. يقول المؤمن: (هو محمد) وفي رواية أبي ذر وأبي الوقت وهو محمد وَلّ قولاً (ثلاثًا) أي ثلاث مرات (فيقال) له: (نم) حال كونك (صالحًا) منتفعًا بأعمالك إذ الصلاح كون الشيء في حدّ الانتفاع (قد علمنا إن كنت) بكسر الهمزة أي الشأن كنت (لموقتًا به) أي إنك موقن كقوله تعالى: ﴿كنتم خير أمة﴾ [آل عمران: ١١٠] أي أنتم أو تبقى على بابها. قال ٢٧٥ کتاب العلم/ باب ٢٥ القاضي: وهو الأظهر واللام في قوله لموقنًا عند البصريين للفرق بين إن المخففة وإن النافية، وأما الكوفيون فهي عندهم بمعنى ((ما)) واللام بمعنى ((إلا)) كقوله تعالى: ﴿إن كل نفس لما عليها حافظ) [الطارق: ٤] أي ما كل نفس إلا عليها حافظ والتقدير ما كنت إلا موقنًا. وحكى السفاقسي فتح همزة أن على جعلها مصدرية أي علمنا كونك موقئًا به، وردّه بدخول اللام انتهى. وتعقبه البدر الدماميني فقال: إنما تكون اللام مانعة إذا جعلت لام الابتداء على رأي سيبويه ومن تابعه، وأما على رأي الفارسي وابن جني وجماعة أنها لام غير لام الابتداء اجتلبت للفرق فيسوغ الفتح بل يتعين حينئذ لوجود المقتضى وانتفاء المانع . (وأما المنافق) أي غير المصدق بقلبه لنبوّته (أو المرتاب) الشاك قالت فاطمة (لا أدري أيّ ذلك قالت أسماء فيقول لا أدري سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته) أي قلت ما كان الناس يقولونه وفي رواية وذكر الحديث أي الخ الآتي إن شاء الله تعالى. وفي هذا الحديث إثبات عذاب القبر وسؤال الملكين وأنّ من ارتاب في صدق الرسول وَ لاو وصحة رسالته فهو كافر وأنّ الغشي لا ينقض الوضوء ما دام العقل باقيًا إلى غير ذلك مما لا يخفى. ٢٥ - باب تحريضٍ النبي وَّ وَقْدَ عبدِ القيس عَلَى أَنْ يَحفظوا الإيمانَ والعِلمَ ويخبروا مَنْ وَراءهم وقال مالكُ بنُ الحُوَيرثِ: قال لنا النبيُّ نَّ: ((ارجعوا إلى أهْلِيكم فعَلْموهمْ)). هذا (باب تحريض النبي ◌َ*) أي حثّه (وفد عبد القيس) القبيلة المشهورة (على أن يحفظوا الإيمان والعلم) من باب عطف الخاص على العام (ويخبروا به من وراءهم) وتحريض بالضاد المعجمة، وقيل وبالمهملة أيضًا وهما بمعنى كما قاله الكرماني، وعورض بأنه تصحيف ودفع بأنه إذا كان كلاهما يستعمل في معنى واحد لا يكون تصحيفًا وعلى منكر استعمال المهمل بمعنى المعجم البيان، وأجيب: بأن النافي لا يلزمه إقامة دليل وبأنه لا يلزم من ترادفهما وقوعهما معًا في الرواية، والكلام إنما هو في تقييد الرواية لا مطلق الجواز انتهى. (وقال مالك بن الحويرث) بالتصغير والمثلثة ابن حشيش بفتح المهملة وبالشين المعجمة المكررة الليثي له في البخاري أربعة أحاديث، المتوفى بالبصرة سنة أربع وتسعين مما هو موصول عند المؤلف في الصلاة والأدب وخبر الواحد كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وأخرجه مسلم كذلك (قال لنا النبيّ) وفي نسخة رسول الله (َ(*) أي لما قدم عليه في ستة من قومه وأسلم وأقام عنده أيامًا وأذن له في الرجوع : (ارجعوا إلى أهليكم فعلموهم) أمر دينهم، وفي رواية الأصيلي والمستملي فعظوهم من الوعظ والتذكير . ٢٧٦ کتاب العلم/ باب ٢٥ ٨٧ - حدثنا محمدُ بن بَشّارٍ قال: حدَّثَنَا غُنْدَرٌ قال: حدّثنا شُعبةُ عن أبي جَمْرةَ قال: كنت أترجمُ بينَ ابن عبّاسٍ وبين النّاسِ، فقال: إن وَفَدَ عبدِ القيْس أَتَوُا النبيَّ وَِّ فقال: مَنِ الوَفدُ - أو مَن القَومُ - قالوا: ربيعةُ. فقال: مَرْحَبًا بالقوم - أو بالوَفِدِ - غيرَ خَزايا ولا نَدامى. قالوا: إنّا نأتيكَ مِن شُقّةٍ بعيدةٍ، وبيننا وبينَكَ هذا الحَيُّ من كُفَارِ مُضَرَ، ولا نَسْتَطِيعُ أن نأتِيَكَ إلاَّ فِي شَهْرِ حَرامِ، فَمُرْنا بأمرٍ نخبِرُ به مَنْ وراءَنا نَدْخُلُ به الجَنَّة. فأمَرَهُم بأزْبَع، ونَهاهمْ عن أربَعٍ: أمَرهمْ بالإيمان باللَّهِ عزَّ وجلَّ وحدَهُ، قال: هلْ تَدْرونَ ما الإيمانُ باللَّهِ وحدَه؟ قالوا: اللَّهُ ورسولهُ أعلمُ. قال: شهادةُ أنْ لا إلهَ إلاّ اللَّهُ وأنَّ محمدًا رسولُ اللَّهِ. وَإِقامُ الصلاةِ، وإيتاءُ الزكاةِ، وصومُ رَمضانَ، وَتُعطوا الخُمُسَ مِنَ المَغْنَم. ونهاهم عن الدَّبّاء، والْحَنْتَمِ، والمُزَفَّتِ - قال شُعبةُ: رُبَّما قال النَّقِيرِ، وربّما قال المُقَيَّر. قال: احفظوه وأخبروه مَنْ وراءَكم. وبالسند إلى البخاري قال: (حدّثنا محمد بن بشار) بفتح الموحدة والشين المعجمة المثقلة ابن عثمان البصري (قال: حدّثنا غندر) بضم الغين المعجمة وفتح الدال المهملة محمد بن جعفر الهذلي البصري (قال: حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن أبي جمرة) بالجيم والراء نصر بن عمران البصري أنه (قال): (كنت أترجم) أي أعبر (بين ابن عباس) رضي الله عنهما (وبين الناس) فأعبر لهم ما أسمع من ابن عباس وله ما أسمع منهم (فقال) ابن عباس: (إن وفد عبد القيس) بن أفصى بفتح الهمزة وسكون الفاء وفتح الصاد المهملة، والوفد اسم جمع لا جمع لوافد على الصحيح، قال القاضي: وهم القوم يأتون ركبانًا (أتوا النبي) وفي الرواية السابقة لما أتوا النبي (وَ ﴿ فقال) لهم: (من الوفد أو) قال لهم (من القوم)؟ شك شعبة أو شيخه. (قالوا): نحن (ربيعة) لأن عبد القيس من أولاده (فقال) عليه الصلاة والسلام، وفي رواية ابن عساكر قال: (مرحبًا بالقوم أو بالوفد) على الشك أيضًا، وفي رواية غير الأصيلي وكريمة بحذفهما (غير خزايا) أي مذلّين ولا مهانين ولا مفضوحين بوطء البلاد وقتل الأنفس وسبي النساء ونصب غير على الحال. قال النووي: وهو المعروف وبالجر على الصفة. (ولا ندامى) الأصل نادمين جمع نادم، لأن ندامى إنما هو جمع ندمان أي المنادم في اللهو، لكن هنا على الاتباع كما قالوا: العشايا والغدايا وغداة جمعها الغدوات لكنه اتبع قاله الزركشي کالخطابي، وعورض بما في جامع القزاز على ما حكاه السفاقسي أنه يقال: رجل نادم وندمان في الندامة بمعنى أي نادم، وحينئذ يكون جاريًا على الأصل، وعند النسائي من طريق قرة فقال: مرحبًا بالوفد ليس الخزايا النادمين. (قالوا) يا رسول الله (إنا نأتيك من شقة) بضم الشين المعجمة أي سفرة (بعيدة وبيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر) أصل الحي منزل القبيلة ثم سميت به اتساعًا لأن بعضهم يحيا ببعض. (ولا نستطيع أن نأتيك إلا في شهر حرام) بتنكيرهما وهو يصلح لكلها، وفي رواية الأصيلي في شهر الحرام بتعريف الثاني كمسجد الجامع، والمراد رجب لتفرّده بالتحريم مع التصريح به في ٢٧٧ کتاب العلم/ باب ٢٦ وواية البيهقي كما مرّ (فمرنا بأمر) زاد في رواية كتاب الإيمان فصل (نخبر به) بالرفع على الصفة لقوله أمر وبالجزم جوابًا للأمر (من وراءنا) من قومنا (ندخل به الجنة) بإسقاط واو العطف الثابتة في رواية كتاب الإيمان مع الرفع على الحال المقدرة. أي: نخبر مقدرين دخول الجنة أو على الاستئناف أو البدلية أو الصفة بعد الصفة والجزم جوابًا للأمر جوابًا بعد جواب، وفي فرع اليونينية وندخل بإثبات العاطف كالأولى، وحينئذ فلا يتأتى الجزم في الثاني مع رفع الأوّل، (فأمرهم) عليه الصلاة والسلام (بأربع) وزاد خامسة وهي إعطاء الخمس، (ونهاهم عن أربع: أمرهم بالإيمان بالله عز وجل وحده) زاد في رواية الكشميهني لفظة قال (قال: هل تدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: شهادة أن لا إله إلّ الله وأنّ محمدًا رسول الله وإقام الصلاة) المفروضة (وإيتاء الزكاة) المعهودة (وصوم رمضان) وأن (تعطوا الُخمس من المغنم) صرّح بأن في وتعطوا في رواية أحمد عن غندر فقال: وأن تعطوا فكأن الحذف من شيخ البخاري. (ونهاهم عن الدباء) بضم الدال المهملة وتشديد الموحدة والمذّ القرع (و) عن (الحنتم) بفتح المهملة وهو جرار خضر مطلية بما يسدّ الخرق (و) عن (المزفت) أي المطلي بالزفت. (قال شعبة: ربما) وفي رواية أبي ذر وأبي الوقت وربما (قال) أبو جمرة عن (النقير) بالنون المفتوحة وكسر القاف أي الجذع المنقور، (وربما قال) عن (المقير) أي المطلي بالقار. قال في فتح الباري: وليس المراد أنه كان يتردد في هاتين اللفظتين ليثبت إحداهما دون الأخرى لئلا يلزم من ذكر المقير التكرار لسبق ذكر المزفت لأنه بمعناه، بل المراد أنه كان جازمًا بذكر الثلاث الأول شاكًا في الرابع وهو النقير، فكان تارة يذكره وتارة لا يذكره، وكان أيضًا شاكًا في التلفظ بالثالث فكان تارة يقول المزفت وتارة يقول المقير هذا توجيهه فلا يلتفت إلى ما عداه، والدليل عليه أنه جزم بالنقير في الباب السابق يعني في كتاب الإيمان ولم يتردد إلا في المزفت والمقير (قال: احفظوه) أي المذكور (وأخبروه) بفتح الهمزة وكسر الموحدة، وللكشميهني وأخبروا بحذف الضمير، وفي رواية ابن عساکر وأبي ذر عن الكشميهني وأخبروا به (من وراءكم) من قومكم. ٢٦ - باب الرحلةِ في المسألةِ النازِلةِ وتعليم أهله هذا (باب الرحلة) بكسر الراء من رحل أي الارتحال (في المسألة النازلة) بالمرء. قال الحافظ ابن حجر: وفي روايتنا أيضًا الرحلة بفتح الراء أي الواحدة، وأما بضمها فالمراد به الجهة وقد يطلق على من يرحل إليه اهـ. وفي هامش الفرع كأصله بضم الراء ورقم عليه علامة الأصيلي، وزاد في رواية كريمة وأبي الوقت بعد قوله النازلة: (وتعليم أهله) بالجر عطفًا على الرحلة وصوّب حذفه لمجيئه في باب آخر. ٨٨ - حدثنا محمد بنُ مقاتِلِ قال: أخبرنا عبدُ اللَّهِ قال: أخبرَنا عُمرُ بنُ سَعيدٍ بن أبي حُسَينٍ قال: حدَّثني عبدُ اللَّهِ بنُ أبي مُلَيَكَةً عن عُقبةَ بنِ الحارِثِ أنَّه تَزوَّجَ ابنةً لأبي ٢٧٨ کتاب العلم/ باب ٢٦ إهابٍ بنِ عَزِيزِ فأتَتْه امرأةٌ فقالَتْ: إنِّي قد أرضَعتُ عُقبةَ والتي تَزوَّجَ بها. فقال لها عُقبةُ: ما أعلمُ أنكِ أرضَعتِني، ولا أخْبَرْتِنِي. فَركبَ إلى رسولُ اللَّهِ بِ هِ بِالمَدينةِ، فسألَهُ، فقال رسولُ اللَّهِ وَهُ : كيف وقد قيلَ؟ ففارَقَها عُقبةُ، ونَكَحتْ زَوجًا غيرَه. [الحديث ٨٨ - أطرافه في: ٢٠٥٢، ٢٦٤٠، ٢٦٥٩، ٢٦٦٠، ٥١٠٤]. وبالسند السابق قال: (حدّثنا محمد بن مقاتل) المروزي، وفي رواية غير الأصيلي ابن مقاتل أبو الحسن (قال: أخبرنا عبد الله) بن المبارك المروزي (قال أخبرنا عمر بن سعيد) بضم العين في الأولى وكسرها في الثانية (عن أبي حسين) بضم الحاء وفتح السين مصغرًا النوفلي المكي (قال: حدّثني) بالإفراد (عبد الله) بفتح العين وسكون الموحدة (ابن أبي مليكة) بضم الميم زهير التيمي القرشي الأحول ونسبه لجده أبي مليكة لشهرته وإلاّ فأبوه عبيد الله بضم العين (عن عقبة) بضم العين وسكون القاف وفتح الباء الموحدة (ابن الحرث) بن عامر القرشي المكي أبو سروعة بكسر السين المهملة وقد تفتح أسلم يوم الفتح، وعند المؤلف في النكاح في باب شهادة المرضعة أنّ ابن أبي مليكة قال: حدّثنا عبيد بن أبي مريم عن عقبة بن الحرث قال: وسمعته من عقبة لكني لحديث عبيد أحفظ فصرّح بسماعه من عقبة، فانتفى قول أبي عمران ابن أبي مليكة لم يسمع من عقبة بينهما عبيد بن أبي مریم فإسناده منقطع. (أنه) أي عقبة بن الحرث (تزوّج ابنة) وللأصيلي بنتًا (لأبي إهاب بن عزيز) بكسر الهمزة وفتح العين المهملة وكسر الزاي وسكون المثناة التحتية لا بضم العين وفتح الزاي ابن قيس بن سويد التميمي الدارمي، واسم ابنته غنية بفتح المعجمة وكسر النون وتشديد المثناة التحتية وكنيتها أُم يحيى، (فأتته امرأة) قال الحافظ ابن حجر لم أقف على اسمها (فقالت: إني قد أرضعت عقبة) بن الحرث (والتي تزوّج بها) أي غنية، وفي رواية الأربعة بحذف بها (فقال لها عقبة: ما أعلم أنك) بكسر الكاف (أرضعتني) وفي رواية ابن عساكر وأبي الوقت أرضعتيني بزيادة مثناة تحتية قبل النون (ولا أخبرتني) ولابن عساكر ولا أخبرتيني بزيادة مثناة تحتية بعد الفوقية تولدت من إشباع الكسرة فيهما، وعبر بأعلم مضارعًا وأخبرت ماضيًا لأن نفي العلم حاصل في الحال بخلاف نفي الأخبار فإنه كان في الماضي فقط، (فركب) عقبة (إلى رسول الله(وَ ﴿) حال كونه (بالمدينة) أي فيها (فسأله) أي سأل عقبة رسول الله ومدير عن الحكم في المسألة النازلة به (فقال) وفي رواية الأصيلي وأبي الوقت وابن عساكر قال (رسول الله) وفي رواية أبي ذر قال النبي (وَلجر: كيف) تباشرها وتفضي إليها (وقد قيل) إنك أخوها من الرضاعة أي ذلك بعيد من ذي المروءة والورع (ففارقها عقبة) بن الحرث رضي الله عنه صورة أو طلقها احتياطًا وورعًا لا حكمًا بثبوت الرضاع وفساد النكاح إذ ليس قول المرأة الواحدة شهادة يجوز بها الحكم في أصل من الأصول. نعم عمل بظاهر هذا الحديث أحمد رحمه الله تعالى فقال: الرضاع يثبت بشهادة المرضعة وحدها بيمينها، (ونكحت) غنية بعد فراق عقبة (زوجًا ٢٧٩ کتاب العلم/ باب ٢٧ غيره) هو ظريب بضم المعجمة وفتح الراء آخره موحدة ابن الحرث وتأتي بقية مباحث هذا الحديث - إن شاء الله تعالى - والله أسأل العافية والسلامة في السفر والإقامة. ٢٧ - باب التَّنَاوُبِ في العِلمِ هذا (باب التناوب) بالخفض على الإضافة (في العلم) أي بأن يأخذ هذا مرة ويذكره لهذا والآخر مرة ويذكره له وسقط لفظ باب للأصيلي. ٨٩ - حدثنا أبو اليمانِ قال: أخبرَنا شُعَيبٌ عنِ الزُّهْريّ. ح. قال أبو عبدِ اللَّهِ وقال ابنُ وَهبٍ أخبرَنا يونسُ عنِ ابنِ شِهابٍ عن عُبِيدِ اللَّهِ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ أبي ثَورِ عن عبدِ اللهِ بن عبّاسٍ عن عُمرَ قال: كنتُ أنا وجارٌ لي مِنَ الأنصارِ في بني أُمَيَّةَ بنِ زيدٍ - وهيَ مِن عَوالي المدينةِ - وكنّا نَتَناوَبُ النَّزُولَ عَلَى رَسولِ اللَّهِ بَّهِ، يَنْزِلُ يَومًا وأنزِلُ يومًا، فإذا نَزَلتُ جِئْتُه بِخَبرِ ذلكَ اليومِ مِنَ الوحي وغيرِه، وإذا نَزلَ فَعلَ مِثلَ ذُلِك. فنزَلَ صاحِبِي الأنصاريُّ يومَ نَوبتهِ فضرَبَ بابي ضَربًا شَديدًا فقال: أثمَّ هوَ؟ ففَزِعتُ، فخرَجْتُ إليهِ فقال: قد حدثَ أمرٌ عظيم .... فدخلتُ على حفصةً فإذا هي تبكي، فقلتُ: طلَّقَكُنَّ رسولُ اللَّهِ؟ قالت: لا أدري. ثمَّ دخلتُ على النبيِّ وََّ فقلتُ وأنا قائم: أطلقتَ نساءك؟ قال: لا. فقلتُ: اللَّهُ أكبرُ. [الحديث ٨٩ - أطرافه في: ٢٤٦٨، ٤٩١٣، ٤٩١٤، ٤٩١٥، ٥١٩١، ٥٢١٨، ٥٨٤٣، ٧٢٥٦، ٧٢٦٣]. وبالسند إلى المؤلف قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع (قال: أخبرنا شعيب) أي ابن أبي حمزة بالمهملة والزاي (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (ح) للتحويل (قال أبو عبد الله) أي البخاري وهو ساقط في رواية الأصيلي، وأبي الوقت وابن عساكر. (وقال ابن وهب) عبد الله المصري فيما وصله ابن حبّان في صحيحه عن ابن قتيبة عن حرملة عن عبد الله بن وهب، (أخبرنا يونس) بن يزيد الأيلي، (عن ابن شهاب) هو الزهري المذكور في الموصوف فغاير بين اللفظين تنبيهًا على قوّة محافظته على ما سمعه من شيوخه (عن عبيد الله) بضم العين (ابن عبد الله) بفتحها (ابن أبي ثور) بالمثلثة القرشي النوفلي التابعي (عن عبد الله بن عباس عن عمر) بن الخطاب رضي الله عنه أنه (قال): (كنت أنا وجار لي) بالرفع عطفًا على الضمير المنفصل المرفوع وهو أنا وإنما أظهره لصحة العطف لئلا يلزم عطف الاسم على الفعل وهو جائز عند الكوفيين من غير إعادة الضمير، ويجوز النصب على معنى المعية، واسم الجار عتبان بن مالك بن عمرو بن العجلان الأنصاري الخزرجي كما أفاده الشيخ قطب الدين القسطلاني فيما ذكره الحافظ ابن حجر ولم يذكر غيره وعند ابن بشكوال، وذكره البرماوي أنه أوس بن خولي، وعلل بأن النبي بَ ل# آخى بينه وبين عمر لكن لا يلزم من المؤاخاة الجوار (من الأنصار) الكائنين أو المستقرين أو النازلين (في) موضع أو قبيلة (بني) وفي ٢٨٠ كتاب العلم/ باب ٢٨ رواية من بني (أمية بن زيد وهي) أي القبيلة، وفي رواية ابن عساكر وهو أي الموضع (من عوالي المدينة) قرى شرقيّ المدينة بين أقربها وبينها ثلاثة أميال أو أربعة وأبعدها ثمانية (وكنا نتناوب النزول) بالنصب على المفعولية (على رسول الله وَل﴿ ينزل) جاري الأنصاري (يومًا) بالنصب على الظرفية من العوالي إلى رسول الله وَلي لتعلم العلم (وأنزل يومًا) كذلك (فإذا نزلت) أنا (جئته) جواب فإذا لما فيها من معنى الشرط (بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره، وإذا نزل) جاري (فعل) معي (مثل ذلك فنزل صاحبي الأنصاري) بالرفع صفة لصاحبي (يوم نوبته) أي يومًا من أيام نوبته، فسمع أن رسول الله وَلجر اعتزل زوجاته فرجع إلى العوالي فجاء (فضرب بابي ضربًا شديدًا فقال أثم هو) بفتح المثلثة وتشديد الميم اسم يشار به إلى المكان البعيد (ففزعت) بكسر الزاي أي خفت لأجل الضرب الشديد فإنه كان على خلاف العادة فالفاء تعليلية، وللمؤلف في التفسير - كما سيأتي إن شاء الله تعالى . قال عمر رضي الله عنه: كنا نتخوّف ملكًا من ملوك غسان ذكر لنا أنه يريد أن يسير إلينا وقد امتلأت صدورنا منه فتوهمت لعله جاء إلى المدينة فخفته لذلك (فخرجت إليه، فقال: قد حدث أمر عظيم) طلَّق رسول الله وَال﴿ نساءه. قلت: قد كنت أظنّ أنّ هذا كائن حتى إذا صليت الصبح شددت عليّ ثيابي ثم نزلت (فدخلت على حفصة) أم المؤمنين، فالداخل عليها أبوها عمر لا الأنصاري وقضية حذف طلق إلى قوله فدخلت يوهم أنه من قول الأنصاري، فالفاء في فدخلت فصيحة تفصح عن المقدر أي نزلت من العوالي فجئت إلى المدينة فدخلت، وفي رواية الحموي والمستملي دخلت، وللأصيلي قال فدخلت على حفصة، (فإذا هي تبكي فقلت: طلقكن) وفي رواية لابن عساكر وأبي ذر عن الكشميهني أطلقكن (رسول الله وَّل﴿؟ قالت) حفصة: (لا أدري) أي لا أعلم أنه طلق (ثم دخلت على النبي بَير فقلت وأنا قائم) يا رسول الله: (أطلقت نساءك) بهمزة الاستفهام كما في فرع اليونينية كهي، وقال العيني بحذفها (قال) عليه الصلاة والسلام: (لا. فقلت) وللأصيلي قلت: (الله أكبر) تعجبًا من كون الأنصاري ظن أن اعتزاله وَ﴿ عن نسائه طلاق أو ناشىء عنه، والمقصود من إيراده لهذا الحديث هنا التناوب في العلم اهتمامًا بشأنه، لكن قوله كنت أنا وجار لي من الأنصار نتناوب النزول ليس في رواية ابن وهب إنما هو في رواية شعيب كما نص عليه الذهلي والدارقطني والحاكم في آخرين. وفي هذا الحديث رواية تابعي عن تابعي وصحابي عن صحابي والتحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه المؤلف في النكاح والمظالم، ومسلم في الطلاق، والترمذي في التفسير، والنسائي في الصوم وعِشرة النساء. ٢٨ - باب الغَضبِ في الموعظةِ والتعليم إذا رأى ما يَكرَه هذا (باب الغضب) بالإضافة وهو انفعال يحصل من غليان الدم لشيء دخل في القلب (في) حالة (الموعظة و) حالة (التعليم إذا رأى) الواعظ أو المعلم (ما يكره) أي الذي يكرهه فحذف العائد، وقيل أراد المؤلف الفرق بين قضاء القاضي وهو غضبان وبين تعليم المعلم وتذكير الواعظ فإنه بالغضب أجدر كذا قاله البرماوي والعيني كابن المنير، وتعقبه البدر الدماميني فقال: أما الوعظ