Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
کتاب بدء الوحي/ باب ٢
قالتْ عائشةُ رضيَ الله عنها: ولَقدْ رَأيتُهُ يَنْزِلُ عليهِ الوَحيُّ في اليومِ الشَّدِيدِ الْبَردِ فِيَفْصِمُ عنه وإنَّ
جَبِينَهُ لَيَتَفصَّدُ عَرَقًا. [الحديث ٢ - أطرافه في: ٣٢١٥].
وبالسند إلى المؤلف قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي المنزل الدمشقي الأصل المتوفى
سنة ثمان عشرة ومائتين وفي يوسف تثليث السين مع الهمز وتركه ومعناه بالعبرانية جميل الوجه،
(قال: أخبرنا مالك) هو ابن أنس الأصبحيّ إمام دار الهجرة بل إمام الأئمة المتوفى سنة تسع وسبعين
ومائة، (عن هشام بن عروة) بن الزبير بن العوام القرشي التابعي المتوفى سنة خمس وأربعين ومائة
ببغداد (عن أبيه) أبي عبد الله عروة المدني أحد الفقهاء السبعة المتوفى سنة أربع وتسعين (عن عائشة)
بالهمز وعوام المحدّثين يبدلونها ياء (أم المؤمنين رضي الله عنها) قال الله تعالى: ﴿وأزواجه أمهاتهم)
[الأحزاب: ٦] أي في الاحترام والإكرام والتوقير والإعظام وتحريم نكاحهن لا في جواز الخلوة
والمسافرة وتحريم نكاح بناتهن، وكذا النظر في الأصح. وبه جزم الرافعي وإن سمى بعض العلماء
بناتهنّ أخوات المؤمنين كما هو منصوص الشافعي في المختصر فهو من باب إطلاق العبارة لا إثبات
الحكم، قال في الفتح: وإنما قيل للواحدة منهن أم المؤمنين للتغليب وإلا فلا مانع من أن يقال لها
أم المؤمنات على الراجح، وحاصله أن النساء يدخلن في جمع المذكر السالم تغليبًا، لكن صح عن
عائشة رضي الله عنها أنها قالت: أنا أم رجالكم لا أم نسائكم، قال ابن كثير: وهو أصح الوجهين
والله أعلم، وتوفيت عائشة بنت أبي بكر الصديق بعد الخمسين إما سنة خمس أو ست أو سبع أو
ثمان في رمضان، وعاشت خمسًا وستين سنة وتوفي عنها رسول الله وَّ وهي بنت ثماني عشرة،
وأقامت في صحبته تسع، وقيل ثمان سنين وخمسة أشهر، ولعائشة في البخاري مائتان واثنان
وأربعون حديثًا. (أن الحرث بن هشام) بغير ألف بعد الحاء في الكتابة تخفيفًا، المخزومي أحد فضلاء
الصحابة ممن أسلم يوم الفتح المستشهد في فتح الشأم سنة خمس عشرة (رضي الله عنه سأل رسول
الله ◌َ*) يحتمل أن تكون عائشة حضرت ذلك فيكون من مسندها، وأن يكون الحرث أخبرها بذلك
فيكون من مرسل الصحابة وهو محكوم بوصله عند الجمهور، (فقال: يا رسول الله كيف يأتيك
الوحي)؟ أي صفة الوحي نفسه أو صفة حامله أو ما هو أعم من ذلك، وعلى كل تقدير فإسناد
الإتيان إلى الوحي مجاز لأن الإتيان حقيقة من وصف حامله، (فقال رسول الله (يوليو) بالفاء قبل
القاف، ولأبوي ذر والوقت وابن عساكر قال رسول الله، وَ لَّل (أحيانًا) أي أوقاتًا وهو نصب على
الظرفية وعامله (يأتيني) مؤخر عنه أي يأتيني الوحي إتيانًا (مثل صلصلة الجرس) أو حالاً، أي يأتيني
مشابها صوته صلصلة الجرس وهو بمهملتين مفتوحتين بينهما لام ساكنة والجرس بالجيم والمهملة
الجلجل الذي يعلق في رؤوس الدواب، قيل: والصلصلة المذكورة صوت الملك بالوحي، وقيل:
صوت حفيف أجنحة الملك. والحكمة في تقدمه أن يقرع سمعه الوحي فلا يبقى فيه متسع لغيره
(وهو أشده علي) وفائدة هذه الشدة ما يترتب على المشقة من زيادة الزلفى ورفع الدرجات (فيفصم
عني) الوحي والملك، بفتح المثناة التحتية وسكون الفاء وكسر المهملة، كذا لأبي الوقت من فصم
إرشاد الساري/ ج ١ / م ٦

٨٢
کتاب بدء الوحي/ باب ٢
يفصم من باب ضرب يضرب، والمراد قطع الشدة أي يقلع وينجلي ما يغشاني من الكرب والشدة،
ويروى فيفصم بضم الياء وكسر الصاد من أفصم المطر إذا أقلع، رباعي قال في المصابيح: وهي لغة
قليلة، وفي رواية أخرى في اليونينية فيفصم بضم أوله وفتح ثالثه مبنيًّا للمفعول والفاء عاطفة
والفصم القطع من غير بينونة، فكأنه قال: إن الملك يفارقني ليعود إليّ (وقد وعيت) بفتح العين أي
فهمت وجمعت وحفظت (عنه) عن الملك (ما قال) أي القول الذي قاله فحذف العائد وكل من
الضميرين المجرور والمرفوع يعود على الملك المفهوم مما تقدم.
فإن قلت: صوت الجرس مذموم لصحة النهي عنه كما في مسلم وأبي داود وغيرهما، فكيف
يشبه به ما يفعله الملك به مع أن الملائكة تنفر عنه؟ أجيب: بأنه يلزم من التشبيه تساوي المشبه بالمشبه
به في الصفات كلها، بل يكفي اشتراكهما في صفة ما. والمقصود هنا بيان الجنس، فذكر ما ألف
السامعون سماعه تقريبًا لإفهامهم. والحاصل أن الصوت له جهتان: جهة قوة وجهة طنين، فمن
حيث القوّة وقع التشبيه به ومن حيث الطنين وقع التنفير عنه.
وقال الإمام فضل الله التوريشتي بضم الفوقية وسكون الواو بعدها راء فموحدة مكسورتان ثم
شين معجمة ساكنة ففوقية مكسورة لما سئل عليه الصلاة والسلام عن كيفية الوحي، وكان من
المسائل العويصة التي لا يماط نقاب التعزز عن وجهها لكل أحد، ضرب لها في الشاهد مثلا
بالصوت المتدارك الذي يسمع ولا يفهم منه شيء تنبيهًا على أن إتيانها يرد على القلب في هيبة الجلال
وأبهة الكبرياء، فتأخذ هيبة الخطاب حين ورودها بمجامع القلب، ويلاقي من ثقل القول ما لا علم
له به بالقول مع وجود ذلك، فإذا سرّي عنه وجد القول المنزل بيّنًا ملقى في الروع واقعًا موقع
المسموع، وهذا معنى فيفصم عني وقد وعيت، وهذا الضرب من الوحي شبيه بما يوحى إلى الملائكة
على ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي ◌َّر، قال: إذا قضى الله في السماء أمرًا ضربت
الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله كأنها سلسلة على صفوان، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال
ربكم؟ قالوا: الحق وهو العليّ الكبير اهـ.
وقد روى الطبراني وابن أبي عاصم من حديث النوّاس بن سمعان مرفوعًا: ((إذا تكلم الله:
بالوحي أخذت السماء رجفة أو رعدة شديدة من خوف الله تعالى، فإذا سمع أهل السماء صعقواً
وخرّوا سجّدًا فيكون أوّلهم يرفع رأسه جبريل فيكلمه الله من وحيه بما أراد فينتهي به إلى الملائكة،
كلما مر بسماء سأله أهلها ماذا قال ربنا قال الحق فينتهي به حيث أمره الله من السماء والأرض)).
وروى ابن مردويه عن ابن مسعود مرفوعًا: ((إذا تكلم الله بالوحي يسمع أهل السماء صلصلة
كصلصلة السلسلة على الصفوان فيفزعون، وعند ابن أبي حاتم عن العوفي عن ابن عباس وقتادة
أنهما فسّرا آية ﴿إذا فُزْعَ عن قلوبهم﴾ [سبأ: ٢٣] بابتداء إيحاء الله إلى محمد بَّو بعد الفترة التي
کانت بینه وبین عیسی .

٨٣
کتاب بدء الوحي/ باب ٢
وفي كتاب العظمة لأبي الشيخ عن وهيب بن الورد، قال: بلغني أن أقرب الخلق من الله تعالى
إسرافيل العرش على كاهله، فإذا نزل الوحي دلي لوح من تحت العرش فيقرع جبهة إسرافيل فينظر
فيه فيدعو جبريل فيرسله، فإذا كان يوم القيامة أَتَيَ به ترعد فرائصه فيقال: ما صنعت فيما أدى إليك
اللوح؟ فيقول: بلغت جبريل، فيدعى جبريل ترعد فرائصه فيقال: ما صنعت فيما بلغك إسرافيل؟
فيقول: بلغت الرسل الأثر الخ.
على أن العلم بكيفية الوحي سر من الأسرار التي لا يدركها العقل، وسماع الملك وغيره من
الله تعالى ليس بحرف أو صوت بل يخلق الله تعالى للسامع علمًا ضروريًا فكما أن كلامه تعالى ليس
من جنس كلام البشر فسماعه الذي يخلقه لعبده ليس من جنس سماع الأصوات، وإنما كان هذا
الضرب من الوحي أشد على النبيّ وَله من غيره لأنه كان يردّ فيه من الطبائع البشرية إلى الأوضاع
الملكية فيوحي إليه كما يوحي إلى الملائكة كما ذكر في حديث أبي هريرة وغيره، بخلاف الضرب
الآخر الذي أشار إليه وَله بقوله: (وأحيانًا يتمثل) أي يتصور (لي) لأجلي، فاللام تعليلية، (الملك)
جبريل (رجلاً) أي مثل رجل كدحية أو غيره، فالنصب على المصدرية، أي يتمثل تمثل رجل أو هيئة
رجل فيكون حالاً، قال البدر الدماميني: وقد صرح بعضهم بأنه حال ولم يؤوله بمشتق وهو متجه
لدلالة رجل هنا على الهيئة بدون تأويل اهـ.
وتعقب بأن الحال في المعنى خبر عن صاحبه، فيلزم أن يصدق عليه، والرجل لا يصدق على
الملك، وقول الكرماني وغيره إنه تمييز. قال في المصابيح: الظاهر أنهم أرادوا تمييز النسبة لا تمييز
المفرد إذ الملك لا إبهام فيه، ثم قال: فإن قلت تمييز النسبة لا بدّ أن يكون محوّلاً عن الفاعل كتصبب
زيد عرقًا أي عرق زيد، أو المفعول نحو ﴿وفجرنا الأرض عيونًا﴾ [القمر: ١٢] أي عيون الأرض،
وذلك هنا غير متأثٌّ. وأجاب بأن هذا أمر غالب لا دائم بدليل امتلأ الإناء ماء. قال: ولو قيل بأن
يتمثل هنا أجري مجرى يصير لدلالته على التحوّل والانتقال من حالة إلى أخرى، فيكون رجلاً خبرًا
كما ذهب إليه ابن مالك في تحوّل وأخواته لكان وجهًا، لكن قد يقال: إن معنى يتمثل يصير مثال
رجل، ومع التصريح بذلك يمتنع أن يكون رجلاً خبرًا له فتأمله اهـ.
وقيل: النصب على المفعولية على تضمين يتمثل معنى يتخذ، أي الملك رجلاً مثالاً لكن قال
العيني: إنه بعيد من جهة المعنى. والملائكة كما قال المتكلمون أجسام علوية لطيفة تتشكل في أيّ
شيء أرادوا، وزعم بعض الفلاسفة أنها جواهر روحانية، والحق أن تمثل الملك رجلاً ليس معناه أن
ذاته انقلبت رجلاً، بل معناه أنه ظهر بتلك الصورة تأنيسًا لمن يخاطبه، والظاهر أن القدر الزائد لا
يفنى بل يخفى على الرائي فقط، ولأبي الوقت يتمثل لي الملك على مثال رجل (فيكلمني فأعي ما
يقول) أي الذي يقوله فالعائد محذوف والفاء في الكلمتين للعطف المشير للتعقيب. وقد وقع التغاير
بين قوله: وقد وعيت بلفظ الماضي، وفأعي بلفظ المضارع، لأن الوعي في الأوّل حصل قبل
الفصم، ولا يتصوّر بعده، وفي الثاني في حالة المكالمة ولا يتصوّر قبلها. أو أنه في الأوّل قد تلبس

٨٤
کتاب بدء الوحي/ باب ٢
بالصفات الملكية فإذا عاد إلى حالته الجبلية كان حافظًا لما قيل له فأخبر عن الماضي، بخلاف الثاني فإنه
على حالته المعهودة.
وليس المراد حصر الوحي في هاتين الحالتين بل الغالب مجيئه عليهما. وأقسام الوحي الرؤيا
الصادقة ونزول إسرافيل أوّل البعثة كما ثبت في الطرق الصحاح أنه عليه الصلاة والسلام وكّل به
إسرافيل فكان يتراءى له ثلاث سنين ويأتيه بالكلمة من الوحي والشيء، ثم وكّل به جبريل وكان
يأتيه في صورة رجل، وفي صورة دحية، وفي صورته التي خلق عليها مرتين، وفي صورة رجل
شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر، وعورض بأن ظاهره أنه إنما جاء سائلاً عن شرائع الإسلام
ولم يبلغ فيه وحيًا اهـ. وفي مثل صلصلة الجرس والوحي إليه فوق السموات من فرض الصلاة
وغيرها بلا واسطة، وإلقاء الملك في روعه من غير أن يراه، واجتهاده عليه السلام فإنه صواب قطعًا
وهو قريب من سابقه، إلا أن هذا مسبب عن النظر والاجتهاد، لكن يعكر عليه أن ظاهر كلام
الأصوليين أن اجتهاده عليه الصلاة والسلام والوحي قسمان ومجيء ملك الجبال مبلغًا له عن الله تعالى
أنه أمره أن يطيعه. وفي تفسير ابن عادل أن جبريل نزل على النبي وَل أربعة وعشرين ألف مرة،
وعلى آدم اثنتي عشرة مرة، وعلى إدريس أربعًا، وعلى نوح خمسين، وعلى إبراهيم اثنتين وأربعين
مرة، وعلى موسى أربعمائة، وعلى عيسى عشرًا كذا قاله والعهدة عليه.
(قالت عائشة رضي الله عنها) أي وبالإسناد السابق بحذف حرف العطف كما هو مذهب بعض
النحاة وصرح به ابن مالك وهو عادة المصنف في المسند المعطوف، وبإثباته في التعليق، وحينئذ
فيكون مسندًا، ويحتمل أن يكون من تعاليقه، وتكون النكتة في قول عائشة هذا اختلاف التحمل،
لأنها في الأوّل، أخبرت عن مسألة الحرث، وفي الثاني عما شاهدته تأييدًا للخبر الأوّل. ونفى
بعضهم أن يكون هذا من التعاليق ولم يقم عليه دليلاً. وتعقب الحذف بأن الأصل في العطف أن
يكون بالأداة. وما نص عليه ابن مالك غير مشهور وخلاف ما عليه الجمهور.
ومقول عائشة (ولقد رأيته) وَلّ، والواو للقسم واللام للتأكيد أي: والله لقد أبصرته (ينزل)
بفتح أوّله وكسر ثالثه، ولأبي ذر والأصيلي ينزل بالضم والفتح (عليه) ◌َّر (الوحي في اليوم الشديد
البرد) الشديد صفة جرت على غير من هي له لأنه صفة البرد لا اليوم (فيفصم) بفتح المثناة التحتية
وكسر الصاد، ولأبوي ذر والوقت فيفصم بضمها وكسر الصاد من أفصم الرباعيّ وهي لغة قليلة،
وقال في الفتح ويروى بضم أوّله وفتح الصاد على البناء للمجهول، وهي في اليونينية أيضًا أي يقلع
(عنه، وإن جبينه ليتفصد) بالفاء والصاد المهملة المشدّدة أي ليسيل (عرقًا) بفتح الراء من كثرة معاناة
التعب والكرب عند نزول الوحي، إذ انه أمر طارىء زائد على الطباع البشرية، وإنما كان ذلك
كذلك ليبلو صبره فيرتاض لاحتمال ما كلفه من أعباء النبوّة. وأما ما ذكر من أن يتقصد بالقاف
فتصحيف لم يرو، والجبين غير الجبهة وهو فوق الصدغ والصدغ ما بين العين والأذن، فللإنسان
جبينان يكتنفان الجبهة، والمراد والله أعلم أن جبينيه معًا يتفصدان.

٨٥
کتاب بدء الوحي/ باب ٣
فإن قلت: فلم أفرده؟ أجيب: بأن الإفراد يجوز أن يعاقب التثنية في كل اثنين يغني أحدهما
عن الآخر كالعينين والأذنين. تقول: عينه حسنة وأنت تريد أن عينيه جميعًا حسنتان قاله في
المصابيح. والعرق: رشح الجلد.
وقال في الإمتاع: جعل الله تعالى لأنبيائه عليهم السلام الانسلاخ من حالة البشرية إلى حالة
الملكية في حالة الوحي، فطرة فطرهم عليها، وجبلة صوّرهم فيها ونزّههم عن موانع البدن وعوائقه
ما داموا ملابسين لها بما ركب في غرائزهم من العصمة والاستقامة، فإذا انسلخوا عن بشريتهم
وتلقوا في ذلك ما يتلقونه عاجوا على المدارك البشرية لحكمة التبليغ للعباد، فتارة يكون الوحي
كسماع دوي كأنه رمز من الكلام يأخذ منه المعنى الذي ألقي إليه. فلا ينقضي الدوي إلا وقد وعاه
وفهمه. وتارة يتمثل له الملك الذي يلقى إليه رجلاً فيكلمه ويعي ما يقوله. والتلقي من الملك
والرجوع إلى البشرية وفهمه ما ألقي إليه كله كأنه في لحظة واحدة بل أقرب من لمح البصر، ولذا
سمي وحيًا لأن الوحي في اللغة الإسراع كما مرّ. وفي التعبير عن الوعي في الأولى بصيغة الماضي
وفي الثانية بالمضارع لطيفة من البلاغة، وهي أن الكلام جاء مجيء التمثيل لحالتي الوحي، فتمثلت
حالته الأولى بالدوي الذي هو غير كلام. وإخبار أن الوعي والفهم يتبعه عقب انقضائه عند تصوير
انفصال العبارة عن الوحي بالماضي المطابق للانقضاء والانقطاع. وتمثل الملك في الحالة الثانية برجل
يخاطبه ويتكلم: فناسب التعبير بالمضارع المقتضي للتجدّد وفي حالتي الوحي على الجبلة صعوبة
وشدة، ولذا كان يحدث عنه في تلك الحالة من الغيبة والغطيط ما هو معروف، لأن الوحي مفارقة
البشرية إلى الملكية فيحدث عنه شدة من مفارقة الذات ذاتها، وقد يفضي بالتدريج شيئًا فشيئًا إلى
بعض السهولة بالنظر إلى ما قبله، ولذلك كانت تنزل نجوم القرآن وسوره وآياته حين كان بمكة
أقصر منها وهو بالمدينة. ورواة هذا الحديث مدنيون إلا شيخ المؤلف، وفيه تابعيان والتحديث
والإخبار والعنعنة، وأخرجه المؤلف في بدء الخلق ومسلم في الفضائل وبه قال.
٣ - باب
٣ - حقّثنا يَحيى بنُ بُكَيْرِ قال: حدَّثنا اللَّيثُ عن عُقَيلِ عن ابنِ شِهابٍ عن عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيرِ
عن عائشةَ أُمّ المُؤمِنِينَ أنَّها قالتْ: أوَّلُ ما بُدِىءَ به رسولُ اللَّهِ وَ مِنَ الوَحْيِ الرُّؤيا الصالِحَةُ في
النَّومِ، فكانَ لا يَرَى رُؤْيا إلاَّ جاءتْ مِثلَ فَلَقِ الصُّبْحِ. ثُمَّ حُبُبَ إليهِ الخَلاءُ، وكانَ يَخْلو بِغَارٍ
حِراءٍ فَيَتَحَنَّثُ فيهِ - وهُوَ التَّعَبُّدُ - اللَّيَالِيَ ذَواتِ العَدَدِ، قَبلَ أنْ يَنزِعَ إلى أهلهِ ويتزوَّدُ لِذَلِكَ، ثم
يَرْجِعُ إلى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لمثلِها، حتَّى جاءهُ الحَقِ وهُوَ في غارِ حِراءٍ، فجاءَهُ المَلَكُ فقال: اقْرَأْ .
قالَ: ما أنا بِقارىء. قال: فأخَذَني فغَطَّي حتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثمَّ أرْسَلَني فقال: اقْرَأْ. قلتُ: ما
أنا بقارىءٍ. فَأخَذَنِي فَغَطَّنِي الثانيةَ حتى بَلِغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثمَّ أرسَلَنِي فقال: اقْرَأْ فقلت: ما أنا

٨٦
کتاب بدء الوحي/ باب ٣
بِقارىءٍ. فأخَذَني فغَطَّنِي الثالثةَ، ثمَّ أرسَلَنِي فقال: ﴿اقرأْ بِاسْم رَبِّكَ الذي خَلَقَ. خَلَقَ الإنْسانَ مِنْ
عَلَق. اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ فرجَعَ بها رَسولُ اللَّهِ وَّهِ يَرْجُفُ فُؤَادُهُ، فَدَخْلَ على خَدِيجةَ بنتِ خُوَيدِدٍ
رضِيَ اللَّهُ عنها فقال: زمِّلوني زمُّلوني. فَزَمَّلُوهُ حتَّى ذَهبَ عنهُ الرَّوعُ، فقالَ لخديجةً وأخْبرَها
الخَبَرَ: لقد خَشِيتُ على نَفْسِي. فقالَتْ خَدِيجةُ كَلاّ واللَّهِ ما يُخْزِيكَ اللَّهُ أبدًا، إنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ،
وتَحمِلُ الكَلَّ، وتَكْسِبُ المَعْدومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وتُعِينُ على نَوائبِ الحَقّ. فَانْطَلَقَتْ بِه خَدِيجُ
حتَّى أتتْ به ورقةَ بنَ نَوْفَلِ بنِ أسَدِ بنِ عبد العُزَّى - ابنَ عَمِّ خَدِيجة - وكانَ أمْرَأْ تَنَصِّرَ في
الجاهِليَّةِ، وكانَ يَكتُبُ الكِتَابَ العِبْرانيَّ، فيَكتُبُ منَ الإِنْجِيلِ بِالعِبْرانيَّةِ ما شاءَ اللَّهُ أن يَكتُبَ، وكانَ
شَيخًا كبيرًا قد عَمِيَ، فقالتْ له خَدِيجةُ: يا ابنَ عَمَّ اسْمَعْ مِنِ ابنِ أخِيكَ. فَقَالَ لهُ وَرَقَةُ: يا ابنَ:
أخي ماذا تَرَى؟ فأخبرَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ خبرَ ما رَأى. فقال له وَرَقَةُ: هذا النامُوسُ الذي نَزَّلَ اللَّهُ:
على مُوسى، يا لَيْتَني فيها جَذَعا، لَيْتَني أكونُ حَيًّا إذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُك. فقالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: أوَ
مُخْرِجِيَّ هُمْ؟ قَالَ: نَعم، لمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطْ بِمِثْلٍ ما جِئْتَ بِهِ إلاّ عُودِي، وإنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ
نَصْرًا مُؤَزَّرًا. ثمَّ لم يَنْشَبْ ورقةُ أنْ تُوُفِّيَ، وفَتَرَ الوَخْيُ. [الحديث ٣- أطرافه في: ٣٣٩٢،
٤٩٥٣، ٤٩٥٥، ٤٩٥٦، ٤٩٥٧، ٦٩٨٢].
(حدّثنا) ولأبي ذر وحدّثنا بواو العطف (يحيى) أبو زكريا (بن بكير) بضم الموحدة تصغير بكر
القرشي المخزومي المصري المتوفى سنة إحدى وثلاثين ومائتين، ونسبه المؤلف لجده لشهرته به واسم
أبيه عبد الله، (قال: حدّثنا الليث) بالمثلثة ابن سعد بن عبد الرحمن الفهمي عالم أهل مصر من تابعي
التابعين، قال أبو نعيم: أدرك نيفًا وخمسين من التابعين القلقشندي المولود سنة ثلاث أو أربع
وتسعين، المتوفى في شعبان سنة خمس وسبعين ومائة، وكان حنفي المذهب فيما قاله ابن خلكان،
لكن المشهور أنه مجتهد. وقد روينا عن الشافعي أنه قال: الليث أفقه من مالك إلا أن أصحابه لم
يقوموا به، وفي رواية عنه ضيعه قومه. وقال يحيى بن بكير: الليث أفقه من مالك ولكن كانت
الحظوة لمالك، (عن عقيل) بضم العين المهملة وفتح القاف مصغرًا ابن خالد بن عقيل بفتح العين،
الأيليّ بفتح الهمزة وسكون المثناة التحتية، القرشيّ الأمويّ المتوفى سنة إحدى وأربعين ومائة، (عن
ابن شهاب) أبي بكر محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري المدنيّ تابعيّ صغير،
ونسبه المؤلف كغيره إلى جدّه الأعلى لشهرته به، (عن عروة بن الزبير) بالتصغير (عن عائشة أم
المؤمنين) رضي الله عنها (أنها قالت أول ما بدىء به) بضم الموحدة وكسر الدال (رسول الله وَ لقوله من
الوحي) إليه (الرؤيا الصالحة في النوم)، وهذا الحديث يحتمل أن يكون من مراسيل الصحابة، فإن
عائشة لم تدرك هذه القصة لكن الظاهر أنها سمعت ذلك منه وي ليه لقولها قالها قال: فأخذني فغطني،
فيكون قولها أول ما بدىء به حكاية ما تلفظ به النبي وَالخير، وحينئذ فلا يكون من المراسيل. وقوله:
من الوحي أي من أقسام الوحي، فمن للتبعيض. وقال أبو عبد الله القزاز: ليست الرؤيا من الوحي

٨٧
کتاب بدء الوحي/ باب ٣
ومن لبيان الجنس. وقال الأبّ نعم هي كالوحي في الصحة إذ لا مدخل للشيطان فيها. وفي رواية
مسلم كالمصنف في رواية معمر ويونس الصادقة وهي التي ليست فيها ضغث، وذكر النوم بعد الرؤيا
المخصوصة به لزيادة الإيضاح والبيان، أو لدفع وهم من يتوهم أن الرؤيا تطلق على رؤية العين فهو
صفة موضحة أو لأن غيرها يسمى حلمًا، أو تخصيص دون السيئة والكاذبة المسماة بأضغاث
الأحلام، وأهل المعاني يسمونها صفة فارقة. وكانت مدة الرؤيا ستة أشهر فيما حكاه البيهقي.
وحينئذ فيكون ابتداء النبوّة بالرؤيا حصل في شهر ربيع وهو شهر مولده. واحترز بقوله من الوحي
عما رآه من دلائل نبوّته من غير وحي كتسليم الحجر عليه كما في مسلم، وأوّله مطلقًا ما سمعه من
بحيرا الراهب كما في للترمذي بسند صحيح. (فكان) بالفاء للأصيلي ولأبوي ذر والوقت وابن
عساكر وفي نسخة للأصيلي، وكان أي النبي ◌َّلتر (لا يرى رؤيا) بلا تنوين (إلاّ جاءت مثل فلق
الصبح) کرؤياه دخول المسجد الحرام، ومثل نصب بمصدر محذوف، أي إلاّ جاءت مجيئًا مثل فلق
الصبح، والمعنى أنها شبيهة له في الضياء والوضوح أو التقدير مشبهة ضياء الصبح، فيكون النصب
على الحال، وعبر بفلق الصبح لأن شمس النبوّة قد كانت مبادىء أنوارها الرؤيا إلى أن ظهرت
أشعتها وتم نورها، والفلق: الصبح. لكنه لما كان مستعملاً في هذا المعنى وغيره أضيف إليه
للتخصيص، والبيان إضافة العام إلى الخاص. وعن أمالي الرافعي حكاية خلاف أنه أوحي إليه ◌َّيه
شيء من القرآن في النوم أولاً. وقال: الأشبه أن القرآن نزل كله يقظة، ووقع في مرسل
عبد الله بن أبي بكر بن حزم عند الدولابي ما يدل على أن الذي كان يراه عليه الصلاة والسلام هو
جبريل. ولفظه أنه قال لخديجة بعد أن أقرأه جبريل: ﴿اقرأ باسم ربك﴾ أرأيتك الذي كنت أحدثك
أني رأيته في المنام هو جبريل استعلن، وإنما ابتدىء عليه الصلاة والسلام بالرؤيا لئلا يفجأه الملك
ويأتيه بصريح النبوّة بغتة فلا تحتمل القوى البشرية، فبدىء بأوائل خصال النبوة. (ثم حبب إليه
الخلاء) بالمد مصدر بمعنى الخلوة أي الاختلاء وهو بالرفع نائب عن الفاعل، وعبر بحبب المبني لما لم
يسم فاعله لعدم تحقق الباعث على ذلك وإن كان كلٌّ من عند الله، أو تنبيهًا على أنه لم يكن من باعث
البشر، وإنما حبب إليه الخلوة لأن معها فراغ القلب والانقطاع عن الخلق ليجد الوحي منه متمكنًا
کما قيل: فصادق قلبًا خاليًا فتمكّنا.
وفيه تنبيه على فضل العزلة لأنها تريح القلب من أشغال الدنيا وتفرغه الله تعالى فيتفجر منه
ينابيع الحكمة، والخلوة: أن يخلو عن غيره بل وعن نفسه بربه، وعند ذلك يصير خليقًا بأن يكون
قالبه ممرًّا لواردات علوم الغيب، وقلبه مقرًّا لها. وخلوته عليه الصلاة والسلام إنما كانت لأجل
التقرب لا على أن النبوّة مكتسبة. (وكان) عليه الصلاة والسلام (يخلو بغار حراء) بكسر الحاء المهملة
وتخفيف الراء وبالمد، وحكى الأصيلي فتحها والقصر وعزاها في القاموس للقاضي عياض، قال:
وهي لغية وهو مصروف إن أريد المكان وممنوع إن أريد البقعة، فهي أربعة: التذكير والتأنيث والمد
والقصر، وكذا حكم قباء وقد نظم بعضهم أحكامها في بيت فقال:

٨٨
کتاب بدء الوحي/ باب ٣
حرا وقبا ذكّر وأنّثهما معًا ومدّ أو اقصر واصرفن وامنع الصرفا
وحراء جبل بينه وبين مكة نحو ثلاثة أميال على يسار الذاهب إلى منى والغار نقب فيه.
(فيتحنث فيه) بالحاء المهملة وآخره مثلثة، والضمير المنفصل عائد إلى مصدر يتحنث، وهو من الأفعال
التي معناها السلب أي اجتناب فاعلها لمصدرها، مثل تأثم وتحوّب إذا اجتنب الإثم والحوب. أو
هي بمعنى يتحنف بالفاء أي يتبع الحنيفية دين إبراهيم والفاء تبدل ثاء، (وهو التعبد الليالي ذوات
العدد) مع أيامهن، واقتصر عليهن للتغليب لأنهن أنسب للخلوة. ووصف الليالي بذوات العدد
لإرادة التقليل كما في قوله تعالى: ﴿دراهم معدودة﴾ [يوسف: ٢٠] أو للكثرة لاحتياجها إلى العدد
وهو المناسب للمقام، وهذا التفسير للزهري أدرجه في الخبر كما جزم به الطيبي. ورواية المصنف
من طريق يونس عنه في التفسير تدل على الإدراج، والليالي نصب على الظرفية متعلق بقوله يتحنث،
لا بالتعبد لأن التعبد لا تشترط فيه الليالي بل مطلب التعبد. وذوات نصب بالكسرة صفة الليالي،
وأبهم العدد لاختلافه بالنسبة إلى المدد التي يتخللها مجيئه إلى أهله، وأقل الخلوة ثلاثة أيام. وتأمل ما
للثلاثة في كل مثلث من التكفير والتطهير والتنوير، ثم سبعة أيام ثم شهر لما عند المؤلف ومسلم
جاورت بحراء شهرًا، وعند ابن إسحاق أنه شهر رمضان.
قال في قوت الإحياء: ولم يصح عنه وَلقر أكثر منه، نعم روى الأربعين سوار بن مصعب وهو
متروك الحديث. قاله الحاكم وغيره، وأما قوله تعالى: ﴿وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر﴾
[الأعراف: ١٤٢] فحجة للشهر، والزيادة إتمامًا للثلاثين حيث استاك أو أكل فيها كسجود السهو
فقوي تقييدها بالشهر وأنها سُنّة. نعم الأربعون ثمرة نتاج النطفة علقة فمضغة فصورة والدر في
صدفه .
فإن قلت: أمر الغار قبل الرسالة فلا حكم؟ أجيب بأنه أوّل ما بدىء به عليه الصلاة والسلام
من الوحي الرؤيا الصالحة، ثم حبب إليه الخلاء فكان يخلو بغار حراء كما مرّ. فدلّ على أن الخلوة
حكم مرتب على الوحي لأن كلمة ثم للترتيب، وأيضًا لو لم تكن من الدين لنهى عنها، بل هي
ذريعة لمجيء الحق وظهوره مبارك عليه وعلى أمته تأسّيًا وسلامة من المناكير وضررها، ولها شروط
مذكورة في محلها من كتب القوم.
فإن قلت: لم خصّ حراء بالتعبد فيه دون غيره؟ قال ابن أبي جمرة: لمزيد فضله على غيره، لأنه
منزوٍ مجموع لتحنثه وينظر منه الكعبة المعظمة، والنظر إليها عبادة، فكان له عليه الصلاة والسلام فيه
ثلاث عبادات: الخلوة والتحنث والنظر إلى الكعبة.
وعند ابن إسحاق أنه كان يعتكف شهر رمضان، ولم يأت التصريح بصفة تعبده عليه الصلاة
والسلام، فيحتمل أن عائشة أطلقت على الخلوة بمجردها تعبدًا فإن الانعزال عن الناس ولا سيما من
كان على باطل من جملة العبادة، وقيل: كان يتعبد بالتفكر، (قبل أن ينزع) بفتح أوّله وكسر الزاي أي

٨٩
کتاب بدء الوحي/ باب ٣
يحن ويشتاق ويرجع (إلى أهله) عياله. (ويتزود لذلك) برفع الدال في اليونينية لأبوي ذر والوقت
عطفًا على يتحنث، أي يتخذ الزاد للخلوة أو التعبد. (ثم يرجع إلى خديجة) رضي الله عنها، (فيتزود
لمثلها) أي لمثل الليالي وتخصيص خديجة بالذكر بعد أن عبر بالأهل يحتمل أنه تفسير بعد الإبهام أو
إشارة إلى اختصاص التزوّد بكونه من عندها دون غيرها، وفيه: أن الانقطاع الدائم عن الأهل ليس
من السُّنّة لأنه وَلّه لم ينقطع في الغار بالكلية، بل كان يرجع إلى أهله لضروراتهم ثم يخرج لتحنثه.
(حتى جاءه) الأمر (الحق) وهو الوحي (وهو في غار حراء، فجاءه الملك) جبريل يوم الاثنين السبع
عشرة خلت من رمضان وهو ابن أربعين سنة كما رواه ابن سعد. وفاء فجاءه تفسيرية كهي في قوله
تعالى: ﴿فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم﴾ [البقرة: ٥٤] تفصيلية أيضًا لأن المجيء تفصيل
للمجمل الذي هو مجيء الحق. (فقال) له (اقرأ) يحتمل أن يكون هذا الأمر لمجرد التنبيه والتيقظ لما
سيلقى إليه وأن يكون على بابه من الطلب، فيستدل به على تكليف ما لا يطاق في الحال، وإن قدر
عليه بعد. (قال) عليه الصلاة والسلام ولأبوي ذر والوقت قلت (ما أنا بقارىء). وفي رواية ما
أحسن أن أقرأ. فما نافية واسمها أنا وخبرها بقارىء وضعف كونها استفهامية بدخول الباء في خبرها
وهي لا تدخل على ما الاستفهامية. وأجيب بأنها استفهامية بدليل رواية أبي الأسود في مغازيه عن
عروة أنه قال: كيف أقرأ؟ وفي رواية عبيد بن عمير عند ابن إسحق ماذا أقرأ؟ وبأن الأخفش جوّز
دخول الباء على الخبر المثبت، قال ابن مالك في بحسبك زيد أن زيدًا مبتدأ مؤخر لأنه معرفة،
وحسبك خبر مقدّم لأنه نكرة، والباء زائدة فيه. وفي مرسل عبيد بن عمير أنه عليه الصلاة والسلام
قال: أتاني جبريل بنمط من ديباج فيه كتاب، فقال: اقرأ. قلت: ما أنا بقارىء. قال السهيلي، وقال
بعض المفسرين أن قوله تعالى: ﴿ألم * ذلك الكتاب لا ريب فيه﴾ [البقرة: ١ و٢] إشارة إلى الكتاب
الذي جاء به جبريل عليه السلام حين قال له اقرأ. (قال) عليه الصلاة والسلام: (فأخذني) جبريل
(فغطني) بالغين المعجمة ثم المهملة أي ضمني وعصرني، وعند الطبري فغتني بالمثناة الفوقية بدل
الطاء وهو حبس النفس. (حتى بلغ مني الجهد) بفتح الجيم ونصب الدال أي بلغ الغط مني الجهد
أي غاية وسعي، فهو مفعول حذف فاعله. وفي شرح المشكاة أن المعنى على النصب أن جبريل بلغ
في الجهد غايته، وتعقبه التوربشتي بأنه يعود المعنى إلى جبريل غطه حتى استفرغ قوته وجهد جهده
بحيث لم تبق فيه بقية، قال: وهذا قول غير سديد فإن البنية البشرية لا تستدعي استنفاد القوة الملكية
لا سيما في مبدأ الأمر، وقد دلت القصة على أنه اشمأز من ذلك وداخله الرعب، وحينئذ فمن رواه
بالنصب فقد وهم. وأجاب الطيبي بأن جبريل في حال الغط لم يكن على صورته الحقيقية التي تجلى
له بها عند سدرة المنتهى، فيكون استفراغ جهده بحسب الصورة التي تجلى له بها وغطه وحينئذ
فيضمحل الاستبعاد انتهى.
ويروى الجهد بالضم والرفع أي بلغ مني الجهد مبلغه فهو فاعل بلغ. (ثم أرسلني) أي
أطلقني. (فقال: اقرأ. قلت) ولأبوي ذر والوقت والأصيلي فقلت: (ما أنا بقارىء فأخذني فغطني

٩٠
کتاب بدء الوحي / باب ٣
الثانية حتى بلغ مني الجهد) بالفتح والنصب وبالضم والرفع كسابقه. (ثم أرسلني فقال: اقرأ.
فقلت: ما أنا بقارىء، فأخذني فغطني الثالثة) وهذا الغط ليفرّغه عن النظر إلى أمور الدنيا ويقبل
بكليته إلى ما يلقى إليه. وكرره للمبالغة واستدل به على أن المؤدب لا يضرب صبيًّا أكثر من ثلاث
ضربات. وقيل: الغطة الأولى ليتخلى عن الدنيا، والثانية ليتفرغ لما يوحى إليه، والثالثة للمؤانسة،
ولم يذكر الجهد هنا، نعم هو ثابت عنده في التفسير - كما سيأتي إن شاء الله تعالى - وعدَّ بعضهم هذا
من خصائصه عليه الصلاة والسلام، إذ لم ينقل عن أحد من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أنه جرى
له عند ابتداء الوحي إليه مثله. (ثم أرسلني فقال: اقرأ باسم ربك الذي خلق). قال الطيبي: هذا
أمر بإيجاد القراءة مطلقًا، وهو لا يختص بمقروء دون مقروء، فقوله: باسم ربك حال. أي اقرأ
مفتتحًا باسم ربك، أي قل بسم الله الرحمن الرحيم. وهذا يدل على أن البسملة مأمور بها في ابتداء
كل قراءة. وقوله: ربك الذي خلق، وصف مناسب مُشعِر بعلية الحكم بالقراءة. والإطلاق في قوله
خلق أوّلاً على منوال يعطي ويمنع، وجعله توطئة لقوله: (﴿خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك
الأكرم﴾) الزائد في الكرم على كل كريم، وفيه دليل للجمهور أنه أوّل ما نزل.
وروى الحافظ أبو عمرو الداني من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أوّل شيء نزل
من القرآن خمس آيات إلى ﴿ما لم يعلم﴾. وفي المرشد أوّل ما نزل من القرآن هذه السورة في نمط،
فلما بلغ جبريل هذا الموضع ﴿ما لم يعلم﴾ طوى النمط، ومن ثم قال القرّاء: إنه وقف تام. وقال:
من علق، فجمع ولم يقل من علقة، لأن الإنسان في معنى الجمع. وخص الإنسان بالذكر من بين ما
يتناوله الخلق لشرفه .
(فرجع بها) أي بالآيات (رسول الله (وَلَة) إلى أهله حال كونه (يرجف) بضم الجيم يخفق
ويضطرب، (فؤاده) قلبه أو باطنه أو غشاؤه لما فجأه من الأمر المخالف للعادة والمألوف، فنفر طبعه
البشري وهاله ذلك ولم يتمكن من التأمل في تلك الحالة لأن النبوّة لا تزيل طباع البشرية كلها
(فدخل) عليه الصلاة والسلام (على خديجة بنت خويلد) أم المؤمنين (رضي الله عنها) التي ألف
تأنيسها له، فأعلمها بما وقع له (فقال) عليه الصلاة والسلام: (زملوني زملوني) بكسر الميم مع
التكرار مرتين، من التزميل وهو التلفيف. وقال ذلك لشدة ما لحقه من هول الأمر والعادة جارية
بسكون الرعدة بالتلفف، (فزملوه) بفتح الميم (حتى ذهب عنه الروع) بفتح الراء أي الفزع، (فقال)
عليه الصلاة والسلام (لخديجة) رضي الله عنها (وأخبرها الخبر) جملة حالية (لقد) أي والله لقد
(خشيت على نفسي) الموت من شدة الرعب، أو المرض، كما جزم به في بهجة النفوس أو أني لا
أطيق حمل أعباء الوحي لما لقيته أوّلاً عند لقاء الملك، وليس معناه الشك في أن ما أتى من الله وأكد
باللام وقد تنبيهًا على تمكن الخشية من قلبه المقدس وخوفه على نفسه الشريفة. (فقالت) له عليه
الصلاة والسلام (خديجة) رضي الله عنها، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي قالت بإسقاط الفاء (كلا)
نفي وإبعاد، أي لا تقل ذلك أو لا خوف عليك، (والله ما يخزيك الله أبدًا) بضم المثناة التحتية

٩١
کتاب بدء الوحي/ باب ٣
وبالخاء المعجمة الساكنة والزاي المكسورة وبالمثناة التحتية الساكنة من الخزي، أي ما يفضحك الله.
ولأبي ذر عن الكشميهني ما يحزنك الله بفتح أوّله وبالحاء المهملة الساكنة والزاي المضمومة أو بضم
أوّله مع كسر الزاي وبالنون من الحزن، يقال حزنه وأحزنه. (إنك) بكسر الهمزة لوقوعها في
الابتداء، قال العلامة البدر الدماميني: وفصلت هذه الجملة عن الأولى لكونها جوابًا عن سؤال
اقتضته، وهو سؤال عن سبب خاص، فحسن التأكيد. وذلك أنها لما أثبتت القول بانتفاء الخزي عنه
وأقسمت عليه انطوى ذلك على اعتقادها أن ذلك لسبب عظيم، فيقدر السؤال عن خصوصه حتى
كأنه قيل: هل سبب ذلك هو الاتّصاف بمكارم الأخلاق ومحاسن الأوصاف كما يشير إليه كلامك،
فقالت: إنك (لتصل الرحم) أي القرابة، (وتحمل الكل) بفتح الكاف وتشديد اللام، وهو الذي لا
يستقل بأمره، أو الثقل بكسر المثلثة وإسكان القاف، (وتكسب المعدوم) بفتح المثناة الفوقية، أي
تعطي الناس ما لا يجدونه عند غيرك. وكسب يتعدى بنفسه إلى واحد نحو كسبت المال، وإلى اثنين
نحو كسبت غيري المال وهذا منه. ولابن عساكر وأبي ذر عن الكشميهني وتكسب بضم أوّله من
أكسب، أي تكسب غيرك المال المعدوم أي تتبرع به له، فحذف الموصوف وأقام الصفة مقامه، أو
تعطي الناس ما لا يجدونه عند غيرك من نفائس الفوائد ومكارم الأخلاق، أو تكسب المال وتصيب
منه ما يعجز غيرك عن تحصيله ثم تجود به وتنفقه في وجوه المكارم. والرواية الأولى أصح كما قاله
عياض، والرواية الثانية قال الخطابي: الصواب المعدم بلا واو أي الفقير، لأن المعدوم لا يكسب.
وأجيب بأنه لا يمتنع أن يطلق على المعدم المعدوم لكونه كالمعدوم الميت الذي لا تصرف له، وفي
تهذيب الأزهري عن ابن الأعرابي رجل عديم لا عقل له، ومعدوم لا مال له، قال في المصابيح:
((كأنهم نزلوا وجود من لا مال له منزلة العدم)). (وتقري الضيف) بفتح أوّله بلا همز ثلاثيًا قال الآبي
وسمع بضمها رباعيًّ، أي تهيىء له طعامه ونزله. (وتعين على نوائب الحق) أي حوادثه، وإنما قالت
نوائب الحق لأنها تكون في الحق والباطل. قال لبيد:
نوائب من خير وشر كلاهما فلا الخير ممدود ولا الشرّ لازب
ولذلك أضافتها إلى الحق، وفيه إشارة إلى فضل خديجة وجزالة رأيها، وهذه الخصلة جامعة
لأفراد ما سبق وغيره، وإنما أجابته بكلام فيه قسم وتأكيد بأن. واللام، لتزيل حيرته ودهشته
واستدلت على ما أقسمت عليه بأمر استقرائي جامع الأصول مكارم الأخلاق. وفيه دليل على أن من
طبع على أفعال الخير لا يصيبه ضير. (فانطلقت) أي مضت (به خديجة) رضي الله عنها مصاحبة له
لأنها تلزم الفعل اللازم المعدى بالباء بخلاف المعدى بالهمزة كأذهبته، (حتى أتت به ورقة بن
نوفل بن أسد بن عبد العزى ابن عم خديجة) بنصب ابن الأخير بدلاً من ورقة أو صفة، ولا يجوز
جره لأنه يصير صفة لعبد العزى وليس كذلك، ويكتب بالألف ولا تحذف لأنه لم يقع بين علمين
وراء ورقة مفتوحة، وتجتمع معه خديجة في أسد لأنها بنت خويلد بن أسد. (وكان) ورقة (امرأً قد)
ترك عبادة الأوثان و(تنصَّر)، وللأربعة وكان امرأ تنصر، (في الجاهلية) بإسقاط قد، وذلك أنه خرج

٩٢
کتاب بدء الوحي / باب ٣
هو ويزيد بن عمرو بن نفيل لما كرها طريق الجاهلية إلى الشام وغيرها يسألون عن الدين، فأعجب
ورقة النصرانية للقيه من لم يبدل شريعة عيسى عليه الصلاة والسلام، (وكان) ورقة أيضًا (يكتب
الكتاب العبراني) أي الكتابة العبرانية، وفي مسلم كالبخاري في الرؤيا الكتاب العربي، وصححه
الزركشي باتفاقهما، (فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب) أي الذي شاء الله کتابته،
فحذف العائد والعبرانية بكسر العين فيها نسبة إلى العبر بكسر العين وإسكان الموحدة، زيدت الألف
والنون في النسبة على غير قياس. قيل سميت بذلك لأن الخليل عليه السلام تكلم بها لما عبر الفرات
فارًا من نمروذ، وقيل: إن التوراة عبرانية والإنجيل سرياني، وعن سفيان ما نزل من السماء وحي
إلا بالعربية، وكانت الأنبياء عليهم الصلاة والسلام تترجمه لقومها، والباء في بالعبرانية تتعلق بقوله
فيكتب، أي يكتب باللغة العبرانية من الإنجيل. وذلك لتمكنه في دين النصارى ومعرفته بكتابهم.
(وكان) ورقة (شيخًا كبيرًا) حال كونه (قد عمي فقالت له خديجة) رضي الله تعالى عنها: (يا ابن عمّ
اسمع) بهمزة وصل (من ابن أخيك) تعني النبي وَلّ لأن الأب الثالث لورقة هو الأخ للأب الرابع
لرسول الله *، أو قالته على سبيل الاحترام، (فقال له) عليه السلام (ورقة: يا ابن أخي ماذا ترى؟
فأخبره رسول الله وَل خبر ما) وللأصيلي وأبي ذر عن الكشميهني بخبر ما (رأى، فقال له ورقة: هذا
الناموس) بالنون والسين المهملة وهو صاحب السرّ كما عند المؤلف في أحاديث الأنبياء عليهم
الصلاة والسلام، وقال ابن دريد: هو صاحب سرّ الوحي والمراد به جبريل عليه الصلاة والسلام،
وأهل الكتاب يسمونه الناموس الأكبر (الذي نزل الله على موسى)، زاد الأصيلي وَلّ، ونزل بحذف
الهمزة يستعمل فيما نزل نجومًا، وللكشميهني أنزل الله ويستعمل فيما نزل جملة، وفي التفسير أنزل
مبنيًّا للمفعول.
فإن قلت: لم قال موسى ولم يقل عيسى مع كونه أي ورقة نصرانيًا؟ أجيب بأن كتاب موسى
مشتمل على أكثر الأحكام وكذلك كتاب نبينا عليه الصلاة والسلام بخلاف عيسى، فإن كتابه أمثال
ومواعظ أو قاله تحقيقًا للرسالة، لأن نزول جبريل على موسى متفق عليه عند أهل الكتابين بخلاف
عيسى، فإن كثيرًا من اليهود ينكرون نبوّته، وفي رواية الزبير بن بكار بلفظ عيسى، (يا ليتني فيها)
أي في مدة النبوة أو الدعوة، وجعل أبو البقاء المنادى محذوفًا أي يا محمد، وتعقب بأن قائل ليتني قد
يكون وحده، فلا يكون معه منادى كقول مريم: ﴿يا ليتني متّ﴾ [مريم: ٢٣]، وأجيب بأنه قد
يجوز أن يجرد من نفسه نفسًا فيخاطبها، كأن مريم قالت: يا نفسي ليتني متّ، وتقديره هنا ليتني
أكون في أيام الدعوة، (جذعًا) بفتح الجيم والمعجمة وبالنصب خبر كان مقدرة عند الكوفيين، أو
على الحال من الضمير المستكن في خبر ليت، وخبر ليت قوله فيها أي ليتني كائن فيها حال الشبيبة
والقوة لأنصرك، أو على أن ليت تنصب الجزأين، أو بفعل محذوف أي جعلت فيها جزعًا. وللأصيلي
وأبي ذر عن الحموي جذع بالرفع خبر ليت، وحينئذ فالجار يتعلق بما فيه من معنى الفعل كأنه قال :
يا ليتني شاب فيها، والرواية الأولى أكثر وأشهر، والجذع هو الصغير من البهائم، واستعير للإنسان،
أي يا ليتني كنت شابًّا عند ظهور نبوّتك حتى أقوى على المبالغة في نصرتك. (ليتني) وللأصيلي يا

٩٣
کتاب بدء الوحي/ باب ٣
ليتني (أكون حيًّا إذ يخرجك قومك) من مكة، واستعمل إذ في المستقبل كإذا على حد: ﴿وأنذرهم
يوم الحسرة إذ قضي الأمر﴾ [مريم: ٣٩]. قال ابن مالك: وهو صحيح، وتعقبه البلقيني بأن النحاة
منعوا وروده وأوّلوا ما ظاهره ذلك، فقالوا في مثل هذا استعمل الصيغة الدالّة على المضي لتحقق
وقوعه، فأنزلوه منزلته. ويقوي ذلك هنا أن في رواية البخاري في التعبير حين يخرجك قومك وهو
على سبيل المجاز كالأوّل، وعورض بأن المؤولين ليسوا النحويين بل البيانيون، وبأنه كيف يمنع
وروده مع وجوده في أفصح الكلام؟ وأجيب بأنه لعله أراد بمنع الورود ورودًا محمولاً على حقيقة
الحال لا على تأويل الاستقبال.
فإن قلت: كيف تمنى ورقة مستحيلاً وهو عود الشباب؟ أجيب: بأنه يسوغ تمني المستحيل إذا
كان في فعل خير، أو بأن التمني ليس مقصودًا على بابه، بل المراد به التنبيه على صحة ما أخبره به،
والتنويه بقوّة تصديقه فيما يجيء به، أو قاله على سبيل التحسّر لتحقّقه عدم عود الشباب. (فقال
رسول الله (يلي: أو) بفتح الواو (مخرجيَّ هم) بتشديد الياء مفتوحة، لأن أصله مخرجوني جمع مخرج
من الإخراج فحذفت نون الجمع للإضافة إلى ياء المتكلم، فاجتمعت ياء المتكلم وواو علامة الرفع
وسبقت إحداهما بالسكون فأبدلت الواو ياء وأدغمت، ثم أبدلت الضمة التي كانت سابقة الواو
كسرة وفتحت ياء مخرجيّ تخفيفًا، وهم مبتدأ خبره مخرجيّ مقدمًا، ولا يجوز العكس لأنه يلزم منه
الإخبار بالمعرفة عن النكرة، لأن إضافة مخرجيّ غير محضة لأنها لفظية لأنه اسم فاعل بمعنى
الاستقبال، والهمزة للاستفهام الإنكاري لأنه استبعد إخراجه عن الوطن لا سيما حرم الله وبلد أبيه
إسماعيل من غير سبب يقتضي ذلك، فإنه ◌َ ﴿ كان جامعًا لأنواع المحاسن المقتضية لإكرامه وإنزاله
منهم محل الروح من الجسد.
فإن قلت: الأصل أن يجاء بالهمزة بعد العاطف نحو: ﴿فَأَنَّى تؤفكون﴾ [الإنعام: ٩٥]
و﴿فأين تذهبون﴾ [التكوير: ٢٦] وحينئذ ينبغي أن يقول هنا وأمخرجيّ، لأن العاطف لا يتقدم عليه
جزء مما عطف؟ أجيب: بأن الهمزة خصّت بتقديمها على العاطف تنبيهًا على أصالتها في أدوات
الاستفهام وهو له الصدر نحو: أو لم ينظروا، أفلم يسيروا، هذا مذهب سيبويه والجمهور. وقال
جار الله وجماعة: إن الهمزة في محلها الأصلي وإن العطف على جملة مقدّرة بينها وبين العاطف
والتقدير أمعاديّ هم ومخرجيّ هم؟ وإذا دعت الحاجة لمثل هذا التقدير فلا يستنكر.
فإن قلت: كيف عطف قوله أو مخرجيّ هم وهو إنشاء على قول ورقة: إذ يخرجك قومك وهو
خبر، وعطف الإنشاء على الخبر لا يجوز، وأيضًا فهو عطف جملة على جملة والمتكلم مختلف؟ أجيب
بأن القول بأن عطف الإنشاء على الخبر لا يجوز إنما هو رأي أهل البيان، والأصح عند أهل العربية
جوازه، وأما أهل البيان فيقدرون في مثل ذلك جملة بين الهمزة والواو وهي المعطوف عليها،
فالتركيب سائغ عند الفريقين، أما المجوزون لعطف الإنشاء على الخبر فواضح، وأما المانعون فعلى
التقدير المذكور. وقال بعضهم: يصح أن تكون جملة الاستفهام معطوفة على جملة التمني في قوله

٩٤
كتاب بدء الوحي/ باب ٣
ليتني أكون حيًّا إذ يخرجك قومك، بل هذا هو الظاهر، فيكون المعطوف عليه أول الجملة لا آخرها،
الذي هو ظرف متعلق بها، والتمني إنشاء فهو من عطف الإنشاء على الإنشاء. وأما العطف على جملة
في كلام الغير فسائغ معروف في القرآن العظيم والكلام الفصيح. قال تعالى: ﴿وإذ ابتلى إبراهيم ربه
بكلمات فأتمهنّ قال إني جاعلك للناس إمامًا قال ومن ذريتي﴾ [البقرة: ١٢٤].
(قال) ورقة (نعم لم يأت رجل قطّ بمثل ما جئت به) من الوحي (إلاّ عُودي) لأن الإخراج عن
المألوف موجب لذلك، (وإن يدركني) بالجزم بأن الشرطية (يومك) بالرفع فاعل يدركني، أي يوم
انتشار نبوّتك، (أنصرك) بالجزم جواب الشرط (نصرًا) بالنصب على المصدرية (مؤزرًا) بضم الميم
وفتح الزاي المشددة آخره راء مهملة مهموزًا، أي قويًّا بليغًا وهو صفة لنصرًا، ولما كان ورقة سابقًا
واليوم متأخرًا أسند الإدراك لليوم، لأن المتأخر هو الذي يدرك السابق، وهذا ظاهره أنه أقرّ بنبوّته
ولكنه مات قبل الدعوة إلى الإسلام، فيكون مثل بحيرا. وفي إثبات الصحبة له نظر، لكن في
زيادات المغازي من رواية يونس بن بكير عن ابن إسحاق، فقال له ورقة: أبشر ثم أبشر فأنا أشهد
أنك الذي بشر به ابن مريم وأنك على مثل ناموس موسى وأنك نبي مرسل، الحديث. وفي آخره
فلما توفي قال رسول الله وعليه: لقد رأيت القس في الجنة عليه ثياب الحرير لأنه آمن بي وصدّقني.
وأخرجه البيهقي من هذا الوجه في الدلائل، وقال: إنه منقطع، ومال البلقيني إلى أنه يكون بذلك
أوّل من أسلم من الرجال، وبه قال العراقي في نكته على ابن الصلاح وذكره ابن منده في الصحابة.
(ثم لم ينشب) بفتح المثناة التحتية والمعجمة أي لم يلبث (ورقة) بالرفع فاعل ينشب (أن توفي)
بفتح الهمزة وتخفيف النون، وهو بدل اشتمال من ورقة أي لم تتأخر وفاته عن هذه القصة، واختلف
في وقت موت ورقة فقال الواقدي: إنه خرج إلى الشأم فلما بلغه أن النبي وَلقر أمر بالقتال بعد
الهجرة أقبل يريده حتى إذا كان ببلاد لخم وجذام قتلوه وأخذوا ما معه وهذا غلط بيِّن، فإنه مات
بمكة بعد المبعث بقليل جدًّا ودفن بمكة كما نقله البلاذري وغيره، ويعضد قوله هنا وكذا في
مسلم، ثم لم ينشب ورقة أن توفي. (وفتر الوحي) أي احتبس ثلاث سنين كما في تاريخ أحمد،
وجزم به ابن إسحق، وفي بعض الأحاديث أنه قدر سنتين ونصف، وزاد معمر عن الزهري في التعبير
حتى حزن رسول الله آلے فيما بلغنا حزنًا غدا منه مرارًا کي يتردى من رؤوس شواهق الجبال، ويأتي
إن شاء الله تعالى الكلام على ذلك من جهة الإسناد والمتن والمعنى في سورة اقرأ من التفسير.
فإن قلت: إن قوله ثم لم ينشب ورقة أن توفي معارض بما عند ابن إسحق في السيرة أن
ورقة كان يمر ببلال وهو يعذب لما أسلم، فإنه يقتضي تأخره إلى زمن الدعوة ودخول بعض الناس
في الإسلام. أجيب: بأنّا لا نسلم المعارضة لأن شرطها المساواة. وما روي في السيرة لا يقاوم ما
في الصحيح، ولئن سلمنا فلعل راوي ما في الصحيح لم يحفظ لورقة بعد ذلك شيئًا. ومن ثم جعل
هذه القصة انتهاء أمره بالنسبة إلى ما علمه منه لا بالنسبة إلى ما في نفس الأمر، وحينئذ فتكون الواو
في قوله: وفتر الوحي ليست للترتيب. ورواة هذا الحديث ما بين مصريّ ومدنيّ، وفيه تابعيّ عن

٩٥
کتاب بدء الوحي/ باب ٣
تابعي، وأخرجه المؤلف في التفسير والتعبير والإيمان، ومسلم في الإيمان، والترمذي والنسائي في
التفسير .
٤ - قال ابنُ شِهاب: وأخبرَني أبو سَلَمَةَ بنُ عبدِ الرَّحمُن أنَّ جابرَ بنَ عبدِ اللَّهِ الأنصارِيَّ
قال: وهُو يحدِّثُ عن فَتْرَةِ الْوَخِي - فقالَ في حَدِيثِهِ: ((بَيْنا أنا أمْشِي، إذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّماءِ،
فرَفَعْتُ بَصَرِي فإذا المَلكُ الذي جاءَني بجِراء جالسٌ على كُرْسِيِّ بَيْنَ السماءِ والأرض، فرُعِبْتُ
منه، فرَجَعْتُ فقلت: زَمِّلوني. فَأَنزَلَ اللَّهُ تعالى ﴿يا أيُّها المُدَّثْرُ، قُمْ فَأَنْذِرْ - إلى قوله - والرُّجْزَ
فاهْجُرْ﴾. فَحَمِيَ الوَحْيُ وتَتَابِع)). تابَعَهُ عبدُ اللَّهِ بْنُ يوسُفَ وأبو صالح، وتابَعَهُ هِلالُ بنُ رَدَّادٍ عن
الزُّهْرِيِّ، وقال يُونُسُ ومَعْمَرٌ (بَوادِرُهُ)). [الحديث ٤ - أطرافه في: ٣٢٣٨، ٤٩٢٢، ٤٩٢٣،
٤٩٢٤، ٤٩٢٥، ٤٩٢٦، ٤٩٥٤، ٦٢١٤].
(قال ابن شهاب) الزهري أخبرني عروة بكذا، (وأخبرني) بالافراد (أبو سلمة) بفتحتين واسمه
عبد الله (بن عبد الرحمن) بن عوف المتوفى بالمدينة سنة أربع وتسعين، وأتى المؤلف بواو العطف
لغرض بيان الإخبار عن عروة وأبي سلمة، وإلاّ فمقول القول لا يكون بالواو، وحينئذ فليس هذا
من التعاليق، ولو كانت صورته صورته خلافًا للكرماني حيث أثبته منها وقد خطأه في الفتح (أن
جابر بن عبد الله) بن عمرو (الأنصاري) الخزرجيّ المتوفى بعد أن عَمِيَ سنة ثمان أو أربع أو ثلاث
أو تسع وسبعين وهو آخر الصحابة موتًا بالمدينة، وله في البخاريّ تسعون حديثًا، وهمزة أن مفتوحة
لأنها في محل نصب على المفعولية. (قال وهو يحدّث عن فترة الوحي) أي في حال التحديث عن
احتباس الوحي عن النزول (فقال) رسول الله وَ ال (في حديثه).
(بينا) أصله بين فأشبعت فتحة النون فصارت ألفًا وهي ظرف زمان مكفوف بالألف عن
الإضافة إلى المفرد، والتقدير بحسب الأصل بيان أوقات (أنا أمشي) وجواب بينا قوله: (إذ سمعت
صوتًا من السماء) أي في أثناء أوقات المشي فاجأني السماع، (فرفعت بصري فإذا الملك) جبريل
(الذي جاءني بحراء جالس) خبر عن الملك الذي هو مبتدأ، والذي جاءني بحراء صفته، والفاء في
فإذا فجائية نحو خرجت فإذا الأسد بالباب، ويجوز نصب جالس على الحال، وحينئذ يكون خبرًا
لمبتدأ محذوفًا، أي فإذا الملك الذي جاءني بحراء شاهد أو حاضر حال كونه جالسًا (على كرسيّ) بضم
الكاف وقد تكسر، (بين السماء والأرض) ظرف في محل جر صفة لكرسي (فرعبت منه) بضم الراء
وكسر العين المهملة مبني لما لم يسمّ فاعله، وللأصيلي فرعبت بفتح الراء وضم العين أي فزعت،
(فرجعت) إلى أهلي بسبب الرعب، (فقلت) لهم: (زمّلوني زملوني) كذا لأبوي ذر والوقت بالتكرار
مرتين ولكريمة مرة واحدة ولمسلم كالمؤلف في التفسير من رواية يونس دثروني، قال الزركشي: وهو
أنسب لقوله: (فأنزل الله تعالى) ولأبوي ذر والوقت والأصيلي عز وجل بدل قوله تعالى: (﴿يا أيها
المدثر﴾) إيناسًا له وتلطفًا، والتدثير والتزميل بمعنى واحد، والمعنى يا أيها المدثر بثيابه، وعن عكرمة

٩٦
كتاب بدء الوحي/ باب ٣
أي المدثر بالنبوّة وأعبائها. (﴿قم فأنذر﴾) حذر من العذاب من لم يؤمن بك، وفيه دلالة على أنه أمر
بالإنذار عقب نزول الوحي للإتيان بفاء التعقيب، واقتصر على الإنذار لأن التبشير إنما يكون لمن
دخل في الإسلام ولم يكن إذ ذاك من دخل فيه. (إلى قوله: والرجز) أي الأوثان (﴿فاهجر﴾) زاد
الأربعة الآية. (فحمي) بفتح الحاء المهملة وكسر الميم أي فبعد نزول هذه الآية كثر (الوحي) أي
نزوله (وتتابع) ولأبي ذر عن الكشميهني وتواتر بالمثناتين بدل وتتابع، وهما بمعنى. وإنما لم يكتف
بحمي لأنه لا يستلزم الاستمرار والدوام والتواتر.
ورواة هذا الحديث كلهم مدنيون، وأخرجه في الأدب والتفسير ومسلم أيضًا فيه.
(تابعه) أي تابع يحيى بن بكير شيخ المؤلف في رواية هذا الحديث عن الليث بن سعد،
(عبد الله بن يوسف) التنيسي، وحديثه عند المؤلف في التفسير والأدب. (و) كذا تابعه (أبو صالح)
كلاهما عن الليث، وأبو صالح هو عبد الله كاتب الليث أو هو عبد الغفار بن داود البكري الحراني
الإفريقي المولد المتوفى بمصر سنة أربع وعشرين ومائتين وكلاهما روى عنه المؤلف، ووهم في فتح
الباري القائل بالثاني، وقد أكثر المؤلف عن الأوّل من المعلقات، وروايته لهذا الحديث عن الليث
أخرجها يعقوب بن سفيان في تاريخه مقرونًا بيحيى بن بكير، فيكون رواه عن الليث ثلاثة: يحيى،
وعبد الله بن يوسف، وأبو صالح، (وتابعه) أي وتابع عقيل بن خالد شيخ الليث في هذا الحديث
أيضًا (هلال بن رداد) بدالين مهملتين، الأولى مشددة الطائيّ وليس له في هذا الكتاب إلا هذا
الموضع، (عن الزهري) محمد بن مسلم، وحديثه في الزهريات للذهلي، (وقال يونس) بن يزيد بن
مشكان الأيليّ بفتح الهمزة وسكون المثناة التحتية التابعي المتوفى بمصر سنة تسع وخمسين ومائة مما
وصله في التفسير، (ومعمر) بفتح الميمين وسكون العين أبو عروة بن أبي عمرو بن راشد الأزديّ
الحرّانّ مولاهم عالم اليمن المتوفى سنة أربع أو ثلاث أو اثنتين وخمسين ومائة فيما وصله المؤلف في
تعبير الرؤيا في روايتهما عن الزهري (بوادره) كذا في رواية الأصيلي وأبي الوقت بفتح الموحدة جمع
بادرة وهي اللحمة التي بين المنكب والعنق تضطرب عند فزع الإنسان، فوافقا عقيلاً عليه إلا أنهما
قالا بدل قوله يرجف فؤاده ترجف بوادره، وهما مستويان في أصل المعنى لأن كلاً منهما دالّ على
الفزع. ولأبي ذر وكريمة عن الكشميهني وأبي الوقت في نسخة وابن عساكر، وقال يونس ومعمر
تواتر، وهذا أوّل موضع جاء فيه ذكر المتابعة، وهي أن يختبر الحديث وينظر من الدواوين المبوّبة
والمسندة وغيرهما كالمعاجم والمشيخات. والفوائد هل شارك راويه الذي يظن تفرده به راوٍ آخر فيما
رواه عن شيخه، فإن شاركه راوٍ معتبر فهي متابعة حقيقية وتسمى المتابعة التامة إن اتفقا في رجال
السند كلهم، كمتابعة عبد الله وأبي صالح إذا وافقا ابن بكير في شيخه الليث إلى آخره. وإن شورك
شيخه في روايته له عن شيخه فما فوقه إلى آخر السند واحدًا واحدًا حتى الصحابي فتابع أيضًا لكنه
في ذلك قاصر عن مشاركته هو كمتابعة هلال إذ وافقه في شيخ شيخه، وكلما بعد فيه المتابع كان
أنقص، وفائدتها التقوية ولا اقتصار فيها على اللفظ، بل لو جاءت بالمعنى كفى، كقول يونس ومعمر

٩٧
كتاب بدء الوحي / باب ٤
في روايتهما عن الزهري بوادره خلافًا لظاهر ألفية العراقي في التخصيص باللفظ. وحكي عن قوم
كالبيهقي نعم هي مخصوصة بكونها من رواية ذلك الصحابي، وقد يسمى كل واحد من المتابع لشيخة
فمن فوقه شاهدًا ولكن تسميته تابعًا أكثر.
٤ - باب
٥ - حدثنا مُوسى بنُ إسْمَاعيلَ قال: حدَّثَنا أبو عَوانَةَ قال: حدثنا موسى بنُ أبي عائشةَ قال:
حدَّثنا سَعيدُ بنُ جُبَيرٍ عن ابنِ عباسٍ في قوله تعالى: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لتَعْجَلَ بِهِ﴾ قال: كان
رسولُ اللَّهِ وَهِ يُعالِجُ مِنَ التَّْزِيلِ شِدَّةٌ، وكانَ مِمّا يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ، فقال ابنُ عباسٍ: فأنا أُحَرِّكُهما
لكمْ كما كانَ رسولُ اللّهِ وَ﴿ يُحَرَّكُهما. وقال سعيدٌ: أنا أُحَرَّكُهما كما رأيتُ ابنَ عباسٍ يحرِّكُهما
- فحرَّكَ شَفَتَيْهِ - فَأَنْزَلَ اللَّهُ تعالى: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ قال:
جَمْعَهُ لَكَ صَدْرُكَ وتَقْرَأه ﴿فإذا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ قال: فاسْتَمِعْ لهُ وأَنْصِتْ ﴿ثُمَّ إِنْ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾
ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا أنْ تَقْرَأَهُ. فكانَ رسولُ اللَّهِ وَهِ بعدَ ذلك إذا أتاهُ جِبْرِيلُ اسْتَمَعَ، فإذا انْطَلَقَ جِبْرِيلُ قَرَأَهُ
النبيُّ وَ لَّ كما قَرَأَ. [الحديث ٥- أطرافه في: ٤٩٢٧، ٤٩٢٨، ٤٩٢٩، ٥٠٤٤، ٧٥٢٤].
وبه قال: (حدثنا) ولأبي الوقت أخبرنا (موسى) أبو سلمة (بن إسماعيل) المنقري بكسر الميم
وإسكان النون وفتح القاف نسبة إلى منقر بن عبيد الحافظ المتوفى بالبصرة في رجب سنة ثلاث
وعشرين ومائتين، (قال: حدّثنا أبو عوانة) بفتح العين المهملة والنون الوضاح بن عبد الله اليشكري
بضم الكاف المتوفى سنة ست وتسعين ومائة، (قال: حدثنا موسى بن أبي عائشة) أبو الحسن الكوفي
الهمداني بالميم الساكنة والدال المهملة، وأبو عائشة لا يعرف اسمه، (قال: حدثنا سعيد بن جبير)
بضم الجيم وفتح الموحدة وسكون المثناة التحتية ابن هشام الكوفيّ الأسديّ قتله الحجاج صبرًا في
شعبان سنة ست وتسعين ولم يقتل بعده أحدًا، بل لم يعش بعده إلا أيامًا (عن ابن عباس) رضي الله
تعالى عنهما عبد الله الحبر ترجمان القرآن أبي الخلفاء وأحد العبادلة الأربعة المتوفى بعد أن عمي
بالطائف سنة ثمان وستين، وهو ابن إحدى وسبعين سنة، على الصحيح في أيام ابن الزبير، وله في
البخاري مائتا حديث وسبعة عشر حديثًا، (في قوله تعالى): وللأصيلي عز وجل (﴿لا تحرّك به﴾) أي
القرآن (﴿لسانك لتعجل به﴾) (قال):
(كان رسول الله وَلقر يعالج من التنزيل) القرآنيّ لثقله عليه (شدة) بالنصب. مفعول يعالج،
والجملة في محل نصب خبر كان. (وكان) عليه الصلاة والسلام (مما) أي ربما كان قاله في المصابيح
(يحرّك) زاد في بعض الأصول به (شفتيه) بالتثنية، أي كثيرًا ما كان ◌َلّ يفعل ذلك. قاله القاضي
عياض كالسرقسطي، وكان يكثر من ذلك حتى لا ينسى أو لحلاوة الوحي في لسانه. وقال
الكرماني: أي كان العلاج ناشئًا من تحريك الشفتين أي مبدأ العلاج منه، أو ما بمعنى من الموصولة،
شاد السابع/ = ١\ ٧٥

٩٨
كتاب بدء الوحي / باب ٤
وأطلقت على من يعقل مجازًا أي وكان ممن يحرك شفتيه، وتعقب بأن الشدّة حاصلة قبل التحريك.
وأجيب بأن الشدة وإن كانت حاصلة له قبل التحريك إلا أنها لم تظهر إلا بتحرك الشفتين، إذ هي
أمر باطنيّ لا يدركه الرائي إلا به قال سعيد بن جبير: (فقال ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما:
(فأنا أحرّكهما) أي شفتيّ (لكم) كذا للأربعة وفي بعض النسخ كما في اليونينية.
(كما كان رسول الله وَّ يحركهما) لم يقل كما قال في الآتي كما رأيت ابن عباس لأن ابن
عباس لم يدرك ذلك. (وقال سعيد) هو ابن جبير (أنا أحركهما كما رأيت ابن عباس يحركهما فحرّك
شفتيه)، وإنما قال ابن جبير كما رأيت ابن عباس لأنه رأى ذلك منه من غير نزاع بخلاف ابن
عباس، فإنه لم ير النبي ◌ّيه في تلك الحالة لسبق نزول آية القيامة على مولده، إذ كان قبل الهجرة
بثلاث سنين ونزول الآية في بدء الوحي كما هو ظاهر صنيع المؤلف، حيث أورده هنا، ويحتمل أن
يكون أخبره أحد من الصحابة أنه رآه عليه الصلاة والسلام يحركهما، أو أنه عليه الصلاة والسلام
أخبر ابن عباس بذلك بعد، فرآه ابن عباس حينئذ، نعم ورد ذلك صريحًا في مسند أبي داود
الطيالسي، ولفظه قال ابن عباس: فأنا أحرّك لك شفتىّ كما رأيت رسول الله وَله يحركهما، وجملة
فقال ابن عباس إلى قوله فأنزل الله اعتراض بالفاء وفائدتها زيادة البيان بالوصف على القول.
وهذا الحديث يسمى المسلسل بتحريك الشفة لكنه لم يتصل تسلسله، ثم عطف على قوله كان
يعالج قوله: (فأنزل الله تعالى)، ولأبوي ذر والوقت: عز وجل (لا تحرك) يا محمد (به) أي بالقرآن
(لسانك) قبل أن يتم وحيه، (لتعجل به) لتأخذه على عجلة مخافة أن يتفلت منك. وعند ابن جرير
من رواية الشعبي عجل به من حبه إياه، ولا تنافي بين محبته إياه والشدة التي تلحقه في ذلك، (إن
علينا جمعه وقرآنه) أي قراءته فهو مصدر مضاف للمفعول والفاعل محذوف والأصل وقراءتك إياه.
وقال الحافظ ابن حجر: ولا منافاة بين قوله يحرك شفتيه وبين قوله في الآية لا تحرك به لسانك، لأن
تحريك الشفتين بالكلام المشتمل على الحروف التي لا ينطق بها إلا اللسان يلزم منه تحريك اللسان أو
اكتفى بالشفتين وحذف اللسان لوضوحه لأنه الأصل في النطق أو الأصل حركة الفم، وكلٌّ من
الحركتين ناشىء عن ذلك وهو مأخوذ من كلام الكرماني، وتعقبه العيني بأن الملازمة بين التحريكين
ممنوعة على ما لا يخفى، وتحريك الفم مستبعد بل مستحيل لأن الفم اسم لما يشتمل عليه الشفتان،
وعند الإطلاق لا يشتمل على الشفتين ولا على اللسان لا لغة ولا عرفًا بل هو من باب الاكتفاء
والتقدير: فكان مما يحرك به شفتيه ولسانه على حد ﴿سرابيل تقيكم الحرّ﴾ [النحل: ٨١] أي والبرد،
وفي تفسير ابن جرير الطبري كالمؤلف في تفسير سورة القيامة من طريق جرير عن ابن أبي عائشة:
ويحرّك به لسانه وشفتيه فجمع بينهما .
(قال) ابن عباس في تفسير جمعه أي (جمعه) بفتح الميم والعين (لك صدرك) بالرفع على
الفاعلية، كذا في أكثر الروايات وهي في اليونينية للأربعة أي جمعه الله في صدرك. وفيه إسناد
الجمع إلى الصدر بالمجاز على حد أنبت الربيع البقل أي أنبت الله في الربيع البقل واللام للتعليل أو

٩٩
کتاب بدء الوحي/ باب ٤
للتبيين، ولأبوي ذر والوقت وابن عساكر جمعه لك صدرك بسكون الميم وضم العين مصدرًا ورفع
راء صدرك فاعل به. ولكريمة والحموي مما ليس في اليونينية جمعه لك في صدرك بفتح الجيم
وإسكان الميم وزيادة في، وهو يوضح الأوّل. وفي رواية أبوي ذر والوقت وابن عساكر أيضًا مما في
الفرع كأصله جمعه له بإسكان الميم، أي جمعه تعالى للقرآن صدرك. وللأصيلي وحده جمعه له في
صدرك بزيادة في (و) قال ابن عباس أيضًا في تفسير قرآنه أي (تقرأه) بفتح الهمزة في اليونينية.
وقال البيضاوي: إثبات قرآنه في لسانك وهو تعليل للنهي، (فإذا قرأناه) بلسان جبريل عليك (فاتبع
قرآنه. قال) ابن عباس في تفسيره فاتبع أي (فاستمع له). ولأبي الوقت فاتبع قرآنه فاستمع له من
باب الافتعال المقتضي للسعي في ذلك، أي لا تكون قراءتك مع قراءته بل تابعة لها متأخرة عنها.
(وأنصت) بهمزة القطع مفتوحة من أنصت ينصت إنصاتًا، وقد تكسر من نصت ينصت نصتًا إذا
سكت. واستمع للحديث، أي تكون حال قراءته ساكتًا. والاستماع أخص من الإنصات لأن
الاستماع الإصغاء والإنصات كما مرّ السكوت، ولا يلزم من السكوت الإصغاء. (ثم إن علينا بيانه)
فسره ابن عباس بقوله: (ثم إن علينا أن تقرأه). وفسره غيره ببيان ما أشكل عليك من معانيه.
قال: وهو دليل على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب، أي لكن لا عن وقت الحاجة اهـ. وهو
الصحيح عند الأصوليين ونص عليه الشافعي لما تقتضيه ثم من التراخي، وأوّل من استدل لذلك بهذه
الآية القاضي أبو بكر بن الطيب وتبعوه، وهذا لا يتم إلا على تأويل البيان بتبيين المعنى، وإلا فإذا
حمل على أن المراد استمرار حفظه له بظهوره على لسانه فلا. قال الآمدي: يجوز أن يراد بالبيان
الإظهار لا بيان المجمل. يقال: بان الكوكب إذا ظهر. قال: ويؤيد ذلك أن المراد جميع القرآن،
والمجمل إنما هو بعضه ولا اختصاص لبعضه بالأمر المذكور دون بعض. وقال أبو الحسين البصري:
يجوز أن يراد البيان التفصيلي ولا يلزم منه جواز تأخير البيان الإجمالي فلا يتم الاستدلال. وتعقب
باحتمال إرادة المعنيين الإظهار والتفصيل وغير ذلك لأن قوله بيانه جنس مضاف، فيعم جميع أصنافه
من إظهاره وتبيين أحكامه وما يتعلق بها من تخصيص وتقييد ونسخ وغير ذلك، وهذه الآية كقوله
تعالى في سورة طله: ﴿ولا تعجب بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه﴾ [طه: ١١٤] فنهاه عن
الاستعجال في تلقي الوحي من الملك ومساوقته في القرآن حتى يتم وحيه. (فكان رسول الله وليه
بعد ذلك إذا أتاه جبريل) ملك الوحي المفضل به على سائر الملائكة (استمع فإذا انطلق جبريل) عليه
السلام (قرأه النبي ◌َّ﴿ كما قرأ) ولغير أبي ذر والأصيلي وابن عساكر قرأه بضمير المفعول أي
القرآن، ولأبي ذر عن الكشميهني كما كان قرأ، والحاصل أن الحالة الأولى جمعه في صدره، والثانية
تلاوته، والثالثة تفسيره وإيضاحه.
ورواة هذا الحديث ما بين مكيّ وكوفيّ وبصريّ وواسطيّ وفيه تابعي عن تابعي وهما
موسى بن أبي عائشة عن سعيد بن جبير، وأخرجه المؤلف في التفسير وفضائل القرآن ومسلم في
الصلاة والترمذي وقال: حسن صحيح.

١٠٠
کتاب بدء الوحي/ باب ٥
ولما كان ابتداء نزول القرآن عليه عليه الصلاة والسلام في رمضان على القول به كنزوله إلى
السماء جملة واحدة فيه شرع المؤلف يذكر حديث تعاهد جبريل له عليهما السلام في رمضان في كل
سنة فقال :
٠ ٥ - باب
٦ - حدثنا عَبْدانُ قال: أخبرَنا عبدُ اللَّهِ قالَ: أخبرنا يونُسُ عن الزُّهْريّ. قال: وحدّثنا
بِشْرُ بنُ محمدٍ قال: أخبرنا عبدُ اللَّهِ قالَ: أخبرَنَا يونُسُ ومَعْمَرٌ عنِ الزُّهْرِيّ نحوَه قالَ: أخبرني
عُبَيْدُ اللَّهِ بنُ عبدِ اللَّهِ عنِ ابنِ عباسٍ قال: كان رسولُ اللَّهِ وَلِهِ أَجْوَدَ الناسِ، وكانَ أجودُ ما يكونُ
في رَمَضانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبرِيلُ، وكانَ يلقاهُ في كلِّ ليلةٍ مِنْ رَمَضانَ فَيُدارِسُه القُرْآنَ. فَلَرَسولُ
اللَّهِ وَلِّ أَجْوَدُ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَة. [الحديث ٦ - أطرافه في: ١٩٠٢، ٣٢٢٠، ٣٥٥٤،
٤٩٩٧].
(حدّثنا عبدان) بفتح العين المهملة وسكون الموحدة وفتح المهملة هو لقب عبد الله بن
عثمان بن جبلة العتكي بالمهملة والمثناة الفوقية المفتوحتين المروزيّ المتوفى سنة إحدى أو اثنتين وعشرين
ومائتين عن ست وسبعين سنة، (قال: أخبرنا عبد الله) بن المبارك بن واضح الحنظلي التميمي
مولاهم المروزي الإمام المتفق على ثقته وجلالته من تابعي التابعين، وكان والده من الترك مولى لرجل
من همدان المتوفى سنة إحدى وثمانين ومائة، (قال: أخبرنا يونس) بن يزيد بن مشكان الأيلّ (عن
الزهريّ) محمد بن مسلم بن شهاب، (قال) أي البخاري وفي الفرع كأصله بدل قال: (ح) مهملة
مفردة في الخط مقصورة في النطق على ما جرى عليه رسمهم إذا أرادوا الجمع بين إسنادين فأكثر
عند الانتقال من سند لآخر خوف الإلباس، فربما يظن أن السندين واحد، ومذهب الجمهور أنها
مأخوذة من التحويل. وقال عبد القادر الرهاوي وتبعه الدمياطي من الحائل الذي يحجز بين الشيئين،
وقال ينطق به ومنعه الأوّل. وعن بعض المغاربة يقول بدلها الحديث وهو يشير إلى أنها رمز عنه،
وعن خط الصابوني وأبي مسلم الليثي وأبي سعيد الخليلي صح لئلا يتوهم أن حديث هذا الإسناد
سقط، أو خوف تركيب الإسناد الثاني مع الأوّل فيجعلا إسنادًا واحدًا وزعم بعضهم أنها معجمة أي
إسناد آخر فوهم.
(وحدّثنا بشر بن محمد) بكسر الموحدة وسكون المعجمة المروزي السختياني وهو مما انفرد
البخاري بالرواية عنه عن سائر الكتب الستة وتوفي سنة أربع وعشرين ومائتين، (قال: أخبرنا
عبد الله) بن المبارك (قال: أخبرنا يونس ومعمر عن الزهري نحوه) ولأبوي ذر والوقت وابن عساكر
نحوه عن الزهري، يعني أن عبد الله بن المبارك حدّث به عبدان عن يونس وحده، وحدّث به
بشر بن محمد عن يونس ومعمر معًا، أما باللفظ فعن يونس وأما بالمعنى فعن معمر. ومن ثم زاد فيه