Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤١
صحة الاحتجاج بالحديث المعنعن
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثًا وَسْنَ رِبِْىُّبْنُ حِرَاشِ عَنْ عِرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ عَنِ النَّيِّ صَلَّىاللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَمَ حَدِيثَيْنِ وَعَنْ أَبِ بَكْرَ عَنِ الَّيِ صَ لَهُ عَيْهِ وَسَلَمَ حَدِيثًا وَقَدْ سَ رِبْعِىٌ مِنْ عَلَي
آبْنِ أَبِ طَالِبٍ وَرَوَى عَنْهُ وَْنَدَ نَفْعُ بْنُ جَيْ بِ مُطْعِمٍ عَنْ أَبِ شُرَيْخِ الْخُرَاعِيّ عَنِ الَِّ
صَلَىالْهُ عَلَيْهِ وَسَلَمَ حَدِيثًا وَلَْنَ الَّمَنُ بْنُ أَبِ عَّاشِ عَنْ أَبِ سَعِيدِ الْخُدْرِىّ ثَلَةَ
وسلم أخرجه مسلم وقد تقدم اسم أبى ليلى وبيان الاختلاف فيه وبيان ابنه وابن ابنه . قوله
﴿ وأسند ربعى بن حراش عن عمران بن حصين عن النبى صلى الله عليه وسلم حديثين وعن
أبى بكرة عن النبى صلى الله عليه وسلم حديثا) أما حديثاه عن عمران فأحدهما فى اسلام
حصين والد عمران وفيه قوله كان عبدالمطلب خيرا لقومك منك رواه عبد بن حميد فى مسنده
والنسائى فى كتابه عمل اليوم والليلة باسناديهما الصحيحين والحديث الآخر لأعطين الراية
رجلا يحب الله ورسوله رواه النسائى فى سننه . وأما حديثه عن أبى بكرة فهو اذا المسلمان
حمل أحدهما على أخيه السلاح فهما على جرف جهنم أخرجه مسلم وأشار اليه البخارى واسم
أبى بكرة نفيع بن الحارث بن كلدة بفتح الكاف واللام الثقفى كنى بأبى بكرة لأنه تدلى من
حصن الطائف الى رسول الله صلى الله عليه وسلم بيكرة وكان أبو بكرة ممن اعتزل يوم الجمل
فلم يقاتل مع أحد من الفريقين. وأما ربعى بكسر الراء وحراش بالحاء المهملة فتقدم بيانهما
قوله ﴿وأسند نافع بن جبير بن مطعم عن أبى شريح الخزاعى عن النبي صلى الله عليه وسلم
حديثا) أما حديثه فهو حديث من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن الى جاره أخرجه
مسلم فى كتاب الايمان هكذا من رواية نافع بن جبير وقد أخرجه البخارى ومسلم أيضا
من رواية سعيد ابن أبى سعيد المقبرى. وأما أبوشريح فاسمه خويلد بن عمرو وقيل عبدالرحمن
وقيل عمرو بن خويلد وقيل هانىء بن عمرو وقيل كعب ويقال فيه أبو شريح الخزاعى
والعدوى والكجى قوله ﴿ وأسند النعمان بن أبى عياش عن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه
ثلاثة أحاديث عن النبى صلى الله عليه وسلم) أما الحديث الاول فمن صام يوماً فى سبيل الله
١٤٢
صحة الاحتجاج بالحديث المعنعن
أَحَدِيثَ عَنِ الَّيَ صَلَّىاللهُ عَلَيْهِ وَسَّ وَأَسْتَ عَطَاءُبْنُ يَزِيدَ اللَُِّّ عَنْ ◌َِّ الدَّارِيّ عَنِ النَّيِّ
باعد الله وجهه من النار سبعين خريفا والثانى ان فى الجنة شجرة يسير الراكب فى ظلها
أخرجهما معا البخارى ومسلم والثالث أن أدنى أهل الجنة منزلة من صرف الله وجهه الحديث
أخرجه مسلم. وأما أبو سعيد الخدرى فاسمه سعد بن مالك بن سنان منسوب الى خدرةبن عوف
ابن الحرث بن الخزرج توفى أبوسعيد بالمدينة سنة أربع وستين وقيل سنة أربع وسبعين وهو ابن
أربع وسبعين . وأما أبو عياش والدالنعمان فبالشين المعجمة واسمه زيد بن الصامت وقيل
زيد بن النعمان وقيل عبيد بن معاوية بن الصامت وقيل عبد الرحمن. قوله ﴿ وأسند عطاء بن يزيد
الليثى عن تميم الدارى عن النبى صلى الله عليه وسلم حديثا) هو حديث الدين النصيحة
وأما تميم الدارى فكذا هو فى مسلم واختلف فيه رواة الموطأ ففى رواية يحيى وابن بكير
وغيرهما الديرى بالياء وفى رواية القعنى وابن القاسم وأكثرهم الدارى بالألف واختلف العلماء
فى أنه الى ما نسب فقال الجمهور الى جد من أجداده وهو الدار بن هانئ فانه تميم بن أوس
ابن خارجة بن سور بضم السين ابن جذيمة بفتح الجيم وكسر الذال المعجمة ابن ذراع بن عدى
ابن الدار بن هانئ بن حبيب بن نمارة بن لخم وهو مالك بن عدى . وأما من قال الديرى فهو
نسبة الى ديركان تميم فيه قبل الاسلام وكان نصرانيا هكذا رواه أبو الحسين الرازى فى كتابه
مناقب الشافعى باسناده الصحيح عن الشافعى أنه قال فى النسبتين ما ذكرناه وعلى هذا أكثر
العلماء ومنهم من قال الدارى بالألف الى دارين وهو مكان عند البحرين وهو محط السفن كان
يجلب اليه العطر من الهند ولذلك قيل للعطار دارى ومنهم من جعله بالياء نسبة الى قبيلة أيضا
وهو بعيد شاذ حكاه والذى قبله صاحب المطالع قال وصوب بعضهم الديرى قلت وكلاهما
صواب فنسب الى القبيلة بالألف والى الدير بالياء لاجتماع الوصفين فيه . قال صاحب المطالع
وليس فى الصحيحين والموطأ دارى ولا ديرى الا تميم وكنيته تميم أبو رقية أسلم سنة تسع
وكان بالمدينة ثم انتقل الى الشام فنزل ببيت المقدس وقد روى عنه النبى صلى الله عليه وسلم
قصة الجساسة وهذه منقبة شريفة لتميم و يدخل فى رواية الاكابر عن الاصاغر والله أعلم. قوله
١٤٣
صحة الاحتجاج بالحديث المعنعن
صَى اللهُ عَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثَ وَسْنَ سُلْيَنُ بْنُ يَسَارِ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيحٍ عَنِ الَّ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَ حَدِيثَ وَأَسْنَ حُدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْنِ اْخِيَرِىُّ عَنْ أَبِ هُرَيْرَةَ عَنِ النَّيِّ صَلَّ الَهُ عَلَيهِ
وَسَلَ أَحَدِيثَ فَكُلُ هُلَاءِ الَّيِينَ الَّذِينَ نَصَبْنَ رِوَهُمْ عَنِ الصَّحَةِ الَّيْنِ سَهُمْلَمْ
يُحْقَظْ عَنْ سَمَاعٌ عَلْنَاهُ مِنْهُمْ فِى رِوَايَةَ بِّهَا وَلَا أَهْ لَقُوهُمْ فِى نَفْسِ خَبْرِ بِعَيْنِهِ وَهِىَ
أَسَانِيُ عِنْدَ نَوِى ◌ْمَعْرِفَةِ بِالْأَخْبَرِ وَّوَايَاتِ مِنْ صَاحِ الْأَسَانِدِ لَعُهُمْ وَهَنُوا مِنْهَ شَيْئًا
قُطُ وَلَا الَْسُوا فِيهَا سَمَاعَ بَعْضهمْ مِن بَعْض اذ السَّمَاعَ لِكَّ وَاحد منهم مكن منْ صَاحبه
غَيْرٌ مُسْتَنْكَرِ لِكَوْنِمْ حَيعَا كَانُوا فِ الْعَصْرِالذّى أَتَّفْقُوا فِهِ وَكَانَ هَذَا الْقَوْلُ الَّذِى أَحْدَنَّهُ
الْقَائِلُ الَّذِى حَيْنَاهُ فِى تَوْهِينِ الْحَدِيثِ بِالْعَةِ الَّى وَصَفَ أَقَلَّ مِنْ أَنْ يُعَرَّجَ عَلَيْهِ وَيُثَرَ
﴿ وأسند سليمان بن يسار عن رافع بن خديج عن النبى صلى الله عليه وسلم حديثا) هو حديث
المحاقلة أخرجه مسلم. قوله ﴿وأسند حميد بن عبد الرحمن الحميرى عن أبى هريرة عن النبي صلى
اللّه عليه وسلم أحاديث) من هذه الأحاديث أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم وأفضل
الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل أخرجه مسلم منفردا به عن البخارى قال أبو عبد الله الحميدى
رحمه الله فى آخر مسند أبى هريرة من الجمع بين الصحيحين ليس لجميد بن عبد الرحمن الحميرى
عن أبى هريرة فى الصحيح غير هذا الحديث قال وليس له عند البخارى فى صحيحه عن أبى
هريرة شىء وهذا الذى قاله الحميدى صحيح وربما اشتبه حميد بن عبد الرحمن الخميرى هذا بحميد
ابن عبدالرحمن بن عوف الزهرى الراوى عن أبى هريرة أيضا وقد رويا له فى الصحيحين عن
أبى هريرة أحاديث كثيرة فقد يقف من لاخبرة له على شىء منهما فينكر قول الحميدى توهما
منه أن حميدا هذا هو ذاك وهو خطأ صريح وجهل قبيح وليس للحميرى عن أبى هريرة أيضا
فى الكتب الثلاثة التى هى تمام أصول الإسلام الخمسة أعنى سنن أبى داود والترمذى والنسائى
١٤٤
كتاب الإيمان
ذَكْرُهُ إِذْ كَانَ قَوْلاً مُحْدَثًا وَكَاَمَا خَلْفَ لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعَلْمِ سَلَفَ وَ يَسْتَنْكَرُهُ مَنْ
بَعْدَهُمْ خَلَفَ فَلاَ حَاجَةَ بنَ فِى رَدّه بِأَكْثَرَ بِمَّا شَرَحْنَا إِذْ كَنَ قَدْرُ الْقَالَةَ وَقَائِلُهَا الْقَدْرَالَّذِى
وَصَفْنَاهُ وَهُ الْمُسْتَعَنُ عَلَى دَفْعِ مَا خَفَ مَذْهَبَ الْعُلَاءِوَعَلَّهِ الثَّعْلَثُ
كتاب الامان
قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ الْقُشَيْرِىُّ رَحَهُ اللهُ بِمَوْنِ اللهِ نَتَدَىهُ وَإِيَّهُ
نَسْتَكْفِى وَمَا تَوْفِيقُنَا إِلَّ بِاللهِ جَلَّ جَلَاَلَهُ
غير هذا الحديث . قوله ﴿ كلاما خلفا باسكان اللام وهو الساقط الفاسد. قوله ﴿وعليه
التكلان﴾ هو بضم التاء واسكان الكاف أى الاتكال والله أعلم بالصواب ولله الحمد والنعمة
والفضل والمنة وبه التوفيق والعصمة
كتاب الإيمان
﴿ باب بيان الايمان والاسلام والاحسان ووجوب الايمان باثبات قدر الله سبحانه وتعالى)
﴿وبيان الدليل على التبرى ممن لا يؤمن بالقدر واغلاظ القول فى حقه)
أهم ما يذكر فى الباب اختلاف العلماء فى الايمان والاسلام وعمومهما وخصوصهما وأن الايمان
يزيد وينقص أم لا وأن الأعمال من الإيمان أم لا وقد أكثر العلماء رحمهم الله تعالى من
المتقدمين والمتأخرين القول فى كل ما ذ برناه وأنا أقتصر على نقل أطراف من متفرقات
كلامهم يحصل منها مقصود ما ذكرته مع زيادات كثيرة قال الامام أبوسليمان أحمد بن محمد
ابن ابراهيم الخطابى البستى الفقيه الاديب الشافعى المحقق رحمه الله فى كتابه معالم السنن ما أكثر
ما يغلط الناس فى هذه المسألة فأما الزهرى فقال الاسلام الكلمة والايمان العمل واحتج
بالآية يعنى قوله سبحانه وتعالى قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل
١٤٥
تعريف الايمان والاسلام
الايمان فى قلوبكم وذهب غيره الى أن الاسلام والا يمان شئ واحد واحتج بقوله تعالى فأخرجنا
من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين قال الخطابي وقد تكلم فى هذا
الباب رجلان من كبراء أهل العلم وصاركل واحد منهما الى قول من هذين ورد الآخر منهما
على المتقدم وصنف عليه كتابا يبلغ عدد أوراقه المئين . قال الخطابى والصحيح من ذلك أن
يقيد الكلام فى هذا ولا يطلق وذلك أن المسلم قد يكون مؤمنا فى بعض الاحوال ولا يكون
مؤمنا فى بعضها والمؤمن مسلم فى جميع الاحوال فكل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمنا واذا
حملت الأمر على هذا استقام لك تأويل الآيات واعتدل القول فيها ولم يختلف شئء منها وأصل
الايمان التصديق وأصل الاسلام الاستسلام والانقياد فقد يكون المرء مستسلما فى الظاهر
غير منقاد فى الباطن وقد يكون صادقا فى الباطن غير منقاد فى الظاهر. وقال الخطابى أيضا فى
قول النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان بضع وسبعون شعبة فى هذا الحديث بيان أن الايمان
الشرعى اسم لمعنى ذى شعب وأجزاء له أدنى وأعلى والاسم يتعلق ببعضها كما يتعلق بكلها
والحقيقة تقتضى جميع شعبه وتستوفى جملة أجزائه كالصلاة الشرعية لها شعب وأجزاء والاسم
يتعلق ببعضها والحقيقة تقتضى جميع أجزائها وتستوفيها ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم
الحياء شعبة من الإيمان وفيه اثبات التفاضل فى الايمان وتباين المؤمنين فى درجاته هذا آخر
كلام الخطابى وقال الامام أبو محمد الحسين بن مسعود البغوى الشافعى رحمه الله فى حديث
سؤال جبريل صلى الله عليه وسلم عن الايمان والاسلام وجوابه قال جعل النبي صلى اللّه
عليه وسلم الاسلام اسما لما ظهر من الاعمال وجعل الايمان اسما لما بطن من الاعتقاد
وليس ذلك لأن الأعمال ليست من الايمان والتصديق بالقلب ليس من الاسلام بل
ذلك تفصيل لجملة هى كلها شىء واحد وجماعها الدين ولذلك قال صلى الله عليه وسلم ذاك جبريل
أتاكم يعلمكم دينكم والتصديق والعمل يتناولها اسم الايمان والاسلام جميعا يدل عليه قوله
سبحانه وتعالى أن الدين عند الله الإسلام ورضيت لكم الإسلام دينا ومن يبتغ غير الإسلام
دينا فلن يقبل منه فأخبر سبحانه وتعالى أن الدين الذى رضيه ويقبله من عباده هو الإسلام
ولا يكون الدين فى محل القبول والرضا الا بانضمام التصديق الى العمل هذا كلام البغوى
وقال الإمام أبو عبد الله محمد بن اسماعيل بن محمد بن الفضل التميمى الاصبهانى الشافعى رحمه
١٩٠ - ٠١
١٤٦
الإيمان يزيد وينقص
اللّه فى كتابه التحرير فى شرح صحيح مسلم الايمان فى اللغة هو التصديق فان عنى به ذلك فلا
يزيد ولا ينقص لأن التصديق ليس شيئا يتجزأ حتى يتصور كماله مرة ونقصه أخرى والايمان
فى لسان الشرع هو التصديق بالقلب والعمل بالأركان واذا فسر بهذا تطرق اليه الزيادة
والنقص وهو مذهب أهل السنة قال فالخلاف فى هذا على التحقيق أنما هو أن المصدق بقلبه
اذا لم يجمع الى تصديقه العمل بمواجب الايمان هل يسمى مؤمنا مطلقا أم لا والمختار عندنا أنه
لا يسمى به قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لايزنى الزانى حين يزنى وهو مؤمن لأنه لم
يعمل بموجب الايمان فيستحق هذا الاطلاق هذا آخر كلام صاحب التحرير . وقال الامام
أبو الحسن على بن خلف بن بطال المالكى المغربى فى شرح صحيح البخارى مذهب جماعة أهل
السنة من سلف الامة وخلفها أن الإيمان قول وعمل يزيدوينقص والحجة على زيادته ونقصانه
ما أورده البخارى من الآيات يعنى قوله عز وجل ليزدادوا ايمانا مع ايمانهم وقوله تعالى وزدناهم
هدى وقوله تعالى ويزيد اللّه الذين اهتدوا هدى وقوله تعالى والذين اهتدوا زادهم هدى وقوله
تعالى ويزداد الذين آمنوا ايمانا وقوله تعالى أيكم زادته هذه ايمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا
وقوله تعالى فاخشوهم فزادهم ايمانا وقوله تعالى وما زادهم الا ايمانا وتسليما قال ابن بطال فإيمان
من لم تحصل له الزيادة ناقص قال فان قيل الايمان فى اللغة التصديق فالجواب أن التصديق يكمل
بالطاعات كلها فما ازداد المؤمن من أعمال البر كان إيمانه أكمل وبهذه الجملة يزيد الايمان وبنقصانها
ينقص فتى نقصت أعمال البر نقص كمال الايمان ومتى زادت زاد الايمان كمالا هذا توسط القول
فى الايمان وأما التصديق باللّه تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم فلا ينقصولذلك توقف مالك
رحمه الله فى بعض الروايات عن القول بالنقصان اذ لا يجوز نقصان التصديق لأنه اذا نقص
صارشكا وخرج عن اسم الايمان . وقال بعضهم أنما توقف مالك عن القول بنقصان الايمان
خشية أن يتأول عليه موافقة الخوارج الذين يكفرون أهل المعاصى من المؤمنين بالذنوب وقد
قال مالك بنقصان الايمان مثل قول جماعة أهل السنة . قال عبد الرزاق سمعت من أدركت من
شيوخنا وأصحابنا سفيان الثورى ومالك بن أنس وعبيد الله بن عمر والأوزاعى ومعمر بن
راشد وابن جريح وسفيان بن عيينة يقولون الإيمان قول وعمل يزيد وينقص وهذا قول ابن
مسعود وحذيفة والنخعى والحسن البصرى وعطاء وطاوس ومجاهد وعبدالله بن المبارك فالمعنى
١٤٧
الإيمان قول وعمل
الذى يستحق به العبد المدح والولاية من المؤمنين هو اتيانه بهذه الأمور الثلاثة التصديق بالقلب
والاقرار باللسان والعمل بالجوارح وذلك أنه لاخلاف بين الجميع أنه لو أقر وعمل على غير علم
منه ومعرفة بربه لا يستحق اسم مؤمن ولو عرفه وعمل وجحد بلسانه وكذب ما عرف من
التوحيد لا يستحق اسم مؤمن وكذلك اذا أقر بالله تعالى وبرسله صلوات الله وسلامه عليهم
أجمعين ولم يعمل بالفرائض لا يسمى مؤمنا بالاطلاق وان كان فى كلام العرب يسمى مؤمنا
بالتصديق فذلك غير مستحق فى كلام اللّه تعالى لقوله عز وجل انما المؤمنون الذين اذا ذكر
الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم ايمانا وعلى ربهم يتوكلون الذين يقيمون
الصلاة وما رزقناهم ينفقون أولئك هم المؤمنون حقا فأخبرنا سبحانه وتعالى أن المؤمن من
كانت هذه صفته وقال ابن بطال فى باب من قال الايمان هو العمل فان قيل قد قدمتم أن
الإيمان هو التصديق قيل التصديق هو أول منازل الايمان ويوجب للمصدق الدخول فيه
ولا يوجب له استكمال منازله ولا يسمى مؤمنا مطلقا هذا مذهب جماعة أهل السنة أن الايمان
قول وعمل قال أبو عبيد وهوقول مالك والثورى والاوزاعى ومن بعدهم من أرباب العلم والسنة
الذين كانوا مصابيح الهدى وأئمة الدين من أهل الحجاز والعراق والشام وغيرهم قال ابن بطال وهذا
المعنى أراد البخارى رحمه الله اثباته فى كتاب الإيمان وعليه بوب أبوابه كلها فقال باب أمور
الايمان وباب الصلاة من الايمان وباب الزكاة من الايمان وباب الجهاد من الايمان وسائر
أبوابه وانما أراد الرد على المرجئة فى قولهم ان الايمان قول بلا عمل وتبيين غلطهم وسوء
اعتقادهم ومخالفتهم للكتاب والسنة ومذاهب الأئمة ثم قال ابن بطال فى باب آخر قال المهلب
الاسلام على الحقيقة هو الايمان الذى هو عقد القلب المصدق لاقرار اللسان الذى لا ينفع
عند الله تعالى غيره. وقالت الكرامية وبعض المرجئة الايمان هو الاقرار باللسان دون عقد
القلب ومن أقوى ما يرد به عليهم اجماع الأمة على اكفار المنافقين وان كانوا قد أظهروا
الشهادتين قال الله تعالى ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره انهم كفروا بالله
ورسوله الى قوله تعالى وتزهق أنفسهم وهم كافرون هذا آخر كلام ابن بطال وقال الشيخ الامام
أبو عمر وبن الصلاح رحمه الله قوله صلى الله عليه وسلم الاسلام أن تشهد أن لااله الاالله وأن محمداً
رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتى الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت اليه سيلا
١٤٨
كل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمنا
والايمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره
قال هذا بيان لأصل الإيمان وهو التصديق الباطن وبيان لأصل الاسلام وهو الاستسلام
والانقياد الظاهر وحكم الاسلام فى الظاهر ثبت بالشهادتين وانما أضاف اليهما الصلاة والزكاة
والحج والصوم لكونها أظهر شعائر الاسلام وأعظمها وبقيامه بها يتم استسلامه وتركه لها
يشعر باتحلال قيد انقياده أو اختلاله ثم ان اسم الايمان يتناول ما فسر به الاسلام فى هذا
الحديث وسائر الطاعات لكونها ثمرات للتصديق الباطن الذى هو أصل الإيمان ومقويات
ومتممات وحافظات له ولهذا فسر صلى الله عليه وسلم الايمان فى حديث وفد عبد القيس
بالشهادتين والصلاة والزكاة وصوم رمضان واعطاء الخمس من المغنم ولهذا لا يقع اسم المؤمن
المطاق على من ارتكب كبيرة أو بدل فريضة لأن اسم الشىء مطلقا يقع على الكامل منه
ولا يستعمل فى الناقص ظاهرا الا بقيد ولذلك جازاطلاق نفيه عنه فى قوله صلى الله عليه
وسلم لا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن واسم الاسلام يتناول أيضا ما هو أصل الإيمان
وهو التصديق الباطن ويتناول أصل الطاعات فان ذلك كله استسلام قال نخرج مما ذكرناه
وحققنا أن الإيمان والاسلام يجتمعان ويفترقان وأن كل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمنا
قال وهذا تحقيق وافر بالتوفيق بين متفرقات نصوص الكتاب والسنة الواردة فى الايمان
والاسلام التى طالما غاط فيها الخائضون وما حققناه من ذلك موافق لجماهير العلماء من أهل
الحديث وغيرهم هذا آخر كلام الشيخ أبى عمرو بن الصلاح فاذا تقررما ذكرناه من مذاهب
السلف وأئمة الخلف فهى متظاهرة متطابقة على كون الايمان يزيد وينقص وهذا مذهب
السلف والمحدثين وجماعة من المتكلمين وأنكر أكثر المتكلمين زيادته ونقصانه وقالوا متى قبل
الزيادة كان شكا وكفرا قال المحققون من أصحابنا المتكلمين نفس التصديق لايزيد ولا ينقص
والايمان الشرعى يزيد وينقص بزيادة ثمراته وهى الاعمال ونقصانها قالوا وفى هذا توفيق بين
ظواهر النصوص التى جاءت بالزيادة وأقاويل السلف وبين أصل وضعه فى اللغة وما عليه
المتكلمون وهذا الذى قاله هؤلاء وان كان ظاهرا حسنا فالأظهر والله أعلم أن نفس التصديق
يزيد بكثرة النظر وتظاهر الادلة ولهذا يكون إيمان الصديقين أقوى من ايمان غيرهم بحيث
لاتعتريهم الشبه ولا يتزلزل إيمانهم بعارض بل لاتزال قلوبهم منشرحة ليرة وان اختلفت عليهم
١٤٩
تعريف الاسلام
الاحوال وأما غيرهم من المؤلفة ومن قاربهم ونحوهم فليسوا كذلك فهذا مما لا يمكن انكاره
ولا يتشكك عاقل فى أن نفس تصديق أبى بكر الصديق رضى الله عنه لا يساويه تصديق آحاد
الناس ولهذا قال البخارى فى صحيحه قال ابن أبى مليكة أدركت ثلاثين من أصحاب النبي صلى
الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه ما منهم أحد يقول أنه على إيمان جبريل وميكائيل
والله أعلم. وأما اطلاق اسم الايمان على الاعمال فمتفق عليه عند أهل الحق ودلائله فى الكتاب
والسنة أكثر من أن تحصر وأشهر من أن تشهر قال الله تعالى وما كان الله ليضيع ايمانكم
أجمعوا على أن المراد صلاتكم وأما الاحاديث فستمر بك فى هذا الكتاب منها جمل مستكثرات
والله أعلم . واتفق أهل السنة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين على أن المؤمن الذى يحكم بأنه
من أهل القبلة ولا يخلد فى النار لا يكون الا من اعتقد بقلبه دين الاسلام اعتقادا جازما خاليا
من الشكوك ونطق بالشهادتين فان اقتصر على احداهما لم يكن من أهل القبلة أصلا الا اذا
عجز عن النطق لخلل فى لسانه أو لعدم التمكن منه لمعاجلة المنية أو لغير ذلك فانه يكون مؤمناً
أما إذا أتى بالشهادتين، فلا يشترط معهما أن يقول وأنا برىء من كل دين خالف الاسلام الا
اذا كان من الكفار الذين يعتقدون اختصاص رسالة نبينا صلى الله عليه وسلم الى العرب فانه
لا يحكم بإسلامه الا بأن يتبرأ ومن أصحابنا أصحاب الشافعى رحمه الله من شرط أن يتبرأ مطلقا
وليس بشئء أما اذا اقتصر على قوله لا اله الا الله ولم يقل محمد رسول اللّه فالمشهور من مذهبنا
ومذاهب العلماء أنه لا يكون مسلما ومن أصحابنا من قال يكون مسلما ويطالب بالشهادة الاخرى
فان أبى جعل مرتدا ويحتج لهذا القول بقوله صلى الله عليه وسلم أمرت أن أقاتل الناس حتى
يقولوا لا اله الا الله فإذا قالوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم وهذا محمول عند الجماهير على
قول الشهادتين واستغنى بذكراحداهما عن الأخرى لارتباطهما وشهرتهما والله أعلم . أما اذا
أقر بوجوب الصلاة أو الصوم أو غيرهما من أركان الاسلام وهو على خلاف ملته التى كان
عليها فهل يجعل بذلك مسلما فيه وجهان لاصحابنا فمن جعله مسلما قال كل ما يكفر المسلم بانكاره
يصير الكافر بالاقرار به مسلما أما اذا أقر بالشهادتين بالعجمية وهو يحسن العربية فهل يجعل
بذلك مسلما فيه وجهان لاصحابنا الصحيح منهما أنه يصير مسلما لوجود الاقرار وهذا الوجه هو
الحق ولا يظهر للآخر وجه وقد بينت ذلك مستقصى فى شرح المهذب والله أعلم. واختلف
١٥٠
لا يكفر أحد من أهل القبلة بذنب
حَّشْ أَبُوْ خَيْثَمَةَ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبِ حَدَّثَ وَكِيعٌ عَنْ كَهْمَسِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ
عَنْ يَحَ بْنِ يَعْمَرَحَ وَحَّثَاءُبْدُ اللهِبْنُ مُعَاذِ الْعَبْرِىُّ وَهَذَا حَدِيثُهُ حَدَّ أَبِ حَدََّ
كَهْمَسُ عَنِ ابْنِ بُرَيْكَ عَنْ يَحْمَى بْنِ يَعْمَرَ قَالَ كَانَ أَوَّلَ مَنْ قَالَ فِى الْقَدَرِ بِالْبَصْرَة مَعْبُدُ
العلماء من السلف وغيرهم فى اطلاق الانسان قوله أنا مؤمن فقالت طائفة لا يقول أنا مؤمن
مقتصراعليه بل يقول أنا مؤمن ان شاء الله. وحكى هذا المذهب بعض أصحابنا عن أكثر أصحابنا
المتكلمين وذهب آخرون الى جواز الاطلاق وأنه لا يقول ان شاء الله وهذا هو المختار وقول
أهل التحقيق وذهب الأوزاعى وغيره الى جواز الامرين والكل صحيح باعتبارات مختلفة فمن
أطلق نظر الى الحال وأحكام الايمان جارية عليه فى الحال ومن قال ان شاء اللّه فقالوا فيه هو
أما للتبرك واما لاعتبار العاقبة وما قدر الله تعالى فلا يدرى أيثبت على الايمان أم يصرف عنه
والقول بالتخيير حسن صحيح نظرا الى مأخذ القولين الاولين ورفعا لحقيقة الخلاف وأما
الكافر ففيه خلاف غريب لاصحابنا منهم من قال يقال هو كافر ولا يقول ان شاء الله ومنهم
من قال هو فى التقييد كالمسلم على ما تقدم فيقال على قول التقييد هو كافر ان شاء اللّه نظرا إلى
الخاتمة وأنها مجهولة وهذا القول اختاره بعض المحققين والله أعلم. واعلم أن مذهب أهل الحق
أنه لا يكفر أحد من أهل القبلة بذنب ولا يكفر أهل الأهواء والبدع وأن من جحد ما يعلم من
دين الاسلام ضرورة حكم بردته وكفره الا أن يكون قريب عهد بالاسلام أو نشأ ببادية
بعيدة ونحوه ممن يخفى عليه فيعرف ذلك فان استمر حكم بكفره وكذا حكم من استحل الزنا
أو الخمر أو القتل أو غير ذلك من المحرمات التى يعلم تحريمها ضرورة فهذه جمل من المسائل
المتعلقة بالايمان قدمتها فى صدر الكتاب تمهيداً لكونها مما يكثر الاحتياج اليه ولكثرة تكررها
وتزدادها فى الاحاديث فقدمتها لأحيل عليها اذا مررت بما يخرج عليها والله أعلم بالصواب وله
الحمد والنعمة وبه التوفيق والعصمة . قال الامام أبو الحسين مسلم بن الحجاج رضى الله عنه
(حدثني أبو خيثمة زهير بن حرب ثنا وكيع عن كهمس عن عبد الله بن بريدة عن يحيى بن
١٥١
اتقان الامام مسلم واحتياطه وتدقيقه
الْجُهَنىّ فَنْطَلَقْتُ أَنَا وَحُميّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْنِ اْيَرِىُّ حَاجَّيْنِ أَوْ مُعْتَمِرَيْنِ فَقُلْنَا لَوْلَقِينَ أَحَدًا
يعمر ح وثنا عبيد الله بن معاذ العنبرى وهذا حديثه ثنا أبى ثنا كهمس عن ابن بريدة عن يحي
ابن يعمر قال كان أول من قال فى القدر بالبصرة معبد الجهنى الى آخر الحديث) اعلم
أن مسلما رحمه الله سلك فى هذا الكتاب طريقة فى الاتقان والاحتياط والتدقيق والتحقيق مع
الاختصار البليغ والايجاز التام فى نهاية من الحسن مصرحة بغزارة علومه ودقة نظره وحذقه
وذلك يظهر فى الاسناد تارة وفى المتن تارة وفيهما تارة فينبغى للناظر فى كتابه أن يتنبه لما
ذكرته فإنه يجد عجائب من النفائس والدقائق تقر با حاد أفرادها عينه وينشرح لها صدره
وتنشطه للاشتغال بهذا العلم واعلم أنه لا يعرف أحد شارك مسلما فى هذه النفائس التى يشير
اليها من دقائق علم الاسناد وكتاب البخارى وان كان أصح وأجل وأكثر فوائد فى الاحكام
والمعانى فكتابمسلم يمتاز بزوائد من صنعة الاسناد وسترى ما أنبه عليه من ذلك ما ينشرح
له صدرك ويزداد به الكتاب ومصنفه فى قلبك جلالة ان شاء الله تعالى فاذا تقرر ماقلته ففى
هذه الاحرف التى ذكرها من الاسناد أنواع ما ذكرته فمن ذلك أنه قال أو لا حدثنى أبو خيثمة
ثم قال فى الطريق الآخر وحدثنا عبيد الله بن معاذ ففرق بين حدثنى وحدثنا وهذا تنبيه على
القاعدة المعروفة عند أهل الصنعة وهى أنه يقول فيما سمعه وحده من لفظ الشيخ حدثنى وفيما
سمعه مع غيره من لفظ الشيخ حدثنا وفيما قرأه وحده على الشيخ أخبرنى وفيما قرئ بحضرته فى
جماعة على الشيخ أخبرنا وهذا اصطلاح معروف عندهم وهو مستحب عندهم ولوتركه وأبدل
حرفا من ذلك با خر صح السماع ولكن ترك الأولى والله أعلم. ومن ذلك أنه قال فى الطريق
الاول حدثناوكيع عن كهمس عن عبد الله بن بريدة عن يحيى بن يعمر ثم فى الطريق الثانى أعاد
الرواية عن كهمس عن ابن بريدة عن يحيى فقد يقال هذا تطويل لا يليق باتقان مسلم واختصاره
فكان ينبغى أن يقف بالطريق الأول على وكيع ويجتمع معاذ ووكيع فى الرواية عن كهمس
عن ابن بريدة وهذا الاعتراض فاسد لا يصدر الا من شديد الجهالة بهذا الفن فان مسلما رحمه
الله يسلك الاختصار لكن بحيث لا يحصل خلل ولا يفوت به مقصود وهذا الموضع يحصل
فى الاختصار فيه خلل ویفوت به مقصود وذلك لأن و کیعا قال عن كهمس ومعاذ قال حدثنا.
١٥٢
أتقان الامام مسلم واحتياطه وتدقيقه
كهمس وقد علم بما قدمناه فى باب المعنعن أن العلماء اختلفوا فى الاحتجاج بالمعنعن ولم يختلفوا
فى المتصل بحدثنا فأتى مسلم بالروايتين كما سمعتا ليعرف المتفق عليه من المختلف فيه وليكون
راويا باللفظ الذى سمعه ولهذا نظائر فى مسلم ستراها مع التنبيه عليها ان شاء الله تعالى وان كان
مثل هذا ظاهرا لمن له أدنى اعتناء بهذا الفن الا أنى أنبه عليه لغيرهم ولبعضهم من قد يغفل
ولكلهم من جهة أخرى وهو أنه يسقط عنهم النظر وتحرير عبارة عن المقصود وهنا مقصود
آخر وهو أن فى رواية وكيع قال عن عبد الله بن بريدة وفى رواية معاذ قال عن ابن
بريدة فلو أتى بأحد اللفظين حصل خلل فانه ان قال ابن بريدة لم ندر ما اسمه وهل هو عبد الله
هذا أو أخوه سليمان بن بريدة وان قال عبد الله بن بريدة كان كاذبا على معاذ فانه ليس فى روايته
عبد الله والله أعلم. وأما قوله فى الرواية الاولى عن يحيى بن يعمر فلا يظهر لذكره أو لا فائدة وعادة
مسلم وغيره فى مثل هذا أن لا يذكروا يحيى بن يعمر لأن الطريقين اجتمعتا فى ابن بريدة ولفظهما عنه
بصيغة واحدة الا أنى رأيت فى بعض النسخ فى الطريق الاولى عن يحيى حسب وليس فيها ابن
یعمر فان صح هذا فهو مزيل للانكار الذی ذ کرناه فانه یکون فيه فائده ئا قررناه فى ابنبريدة
والله أعلم. ومن ذلك قوله وحدثنا عبيد الله بن معاذ وهذا حديثه فهذه عادة لمسلم رحمه الله قد
أكثر منها وقد استعملها غيره قليلا وهى مصرحة بما ذكرته من تحقيقه وورعه واحتياطه
ومقصوده أن الراو بين اتفقا فى المعنى واختلفا فى بعض الالفاظ وهذا لفظ فلان والآخر بمعناه
والله أعلم. وأماقوله {ح) بعد يحيى ابن يعمر فى الرواية الاولى فهى حاء التحويل من اسناد الى
اسناد فيقول القارئ اذا انتهى اليهاح قال وحدثنا فلان هذا هو المختار وقد قدمت فى الفصول
السابقه بيانها والخلاف فيها والله أعلم فهذا ما حضرنى فى الحال فى التنبيه على دقائق هذا الاسناد
وهو تنبيه على ماسواه وأرجوأن يتفطن به لماعداه ولا ينبغى للناظر فى هذا الشرح أن يسأم
من شىء من ذلك يجده مبسوطا واضحا فانى انما أقصد بذلك ان شاء الله الكريم الايضاح
والتيسير والنصيحة لمطالعه واعانته واغنائه من مراجعة غيره فى بيانه وهذا مقصود الشروح فمن
استطال شيئا من هذا وشبهه فهو بعيد من الاتقان مباعد للفلاح فى هذا الشان فليعز نفسه
لسوء حاله وليرجع عما ارتكبه من قبيح فعاله ولا ينبغى لطالب التحقيق والتنقيح والاتقان
والتدقيق أن يلتفت الى كراهة أو سامة ذوى البطالة وأصحاب الغباوة والمهانة والملالة بل
١٥٣
أول من قال بالقدر
يفرح بما يحده من العلم مبسوطا وما يصادفه من القواعد والمشكلات واضحا مضبوطا
ويحمد الله الكريم على تيسيره ويدعو لجامعه الساعى فى تنقيحه وايضاحه وتقريره وفقنا
الله الكريم لمعالى الامور وجنبنا بفضله جميع أنواع الشرور وجمع بيننا وبين أحبابنا فى دار
الحبور والسرور والله أعلم. وأماضبط أسماء المذكورين فى هذا الاسناد خيثمة بفتح المعجمة
واسكان المثناة تحت وبعدها مثلثة . وأما كهمس فبفتح الكاف واسكان الهاء وفتح الميم و بالسين
المهملة وهو كهمس بن الحسن أبو الحسن التميمى البصرى . وأما يحيى بن يعمر فبفتح الميم ويقال
بضمها وهو غير مصروف لوزن الفعل كنية يحيى بن يعمر أبو سليمان ويقال أبو سعيد ويقال
أبو عدى البصرى ثم المروزى قاضيها من بنى عوف بن بكر بن أسد قال الحاكم أبو عبد الله فى
تاريخ نيسابوريحيى بن يعمر فقيه أديب نحوى مبرز أخذ النحو عن أبى الاسود نفاه الحجاج
الى خراسان فقبله قتيبة بن مسلم وولاه قضاء خراسان . وأما معبد الجهنى فقال أبو سعيد
عبد الكريم بن محمد بن منصور السمعانى التميمى المروزى فى كتابه الانساب الجهنى بضم الجيم
نسبة الى جهينة قبيلة من قضاعة واسمه زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة
نزلت الكوفة وبها محلة تنسب اليهم وبقيتهم نزلت البصرة قال ومن نزل جهينة فنسب اليهم
معبد بن خالد الجهنى كان يجالس الحسن البصرى وهو أول من تكلم فى البصرة بالقدر فسلك
أهل البصرة بعده مسلكه لما رأوا عمرو بن عبيد يفتحله قتله الحجاج بن يوسف صبراً وقيل
أنه معبد بن عبد الله بن عويمر هذا آخر كلام السمعانى. وأما البصرة فبفتح الباء وضمها وكسرها
ثلاث لغات حكاها الأزهرى والمشهور الفتح ويقال لها البصيرة بالتصغير قال صاحب المطالع
ويقال لها تدمر ويقال لها المؤتفكة لأنها ائتفكت بأهلها فى أول الدهر والنسب اليها بصرى
بفتح الباء وكسرها وجهان مشهوران قال السمعانى يقال البصرة قبة الاسلام وخزانة العرب
بناها عتبة بن غزوان فى خلافة عمر بن الخطاب رضى الله عنه بناها سنة سبع عشرة من الهجرة
وسكنها الناس سنة ثمانى عشرة ولم يعبد الصنم قط على أرضها هكذا كان يقول لى أبو الفضل
عبد الوهاب بن أحمد بن معاوية الواعظ بالبصرة قال أصحابنا والبصرة داخلة فى أرض سواد
العراق وليس لها حكمه والله أعلم. وأما قوله أول من قال فى القدر فمعناه أول من قال بنفى
القدر فابتدع وخالف الصواب الذى عليه أهل الحق ويقال القدر والقدر بفتح الدال واسكانها.
٢٠٠ -١)
١٥٤
اثبات القدر
لغتان مشهورتان وحكاهما ابن قتيبة عن الكسائى وقالهما غيره. واعلم أن مذهب أهل الحق اثبات
القدر ومعناه أن الله تبارك وتعالى قدر الاشياء فى القدم وعلم سبحانه أنها ستقع فى أوقات
معلومة عنده سبحانه وتعالى وعلى صفات مخصوصة فهى تقع على حسب ماقدرها سبحانه وتعالى
وأنكرت القدرية هذا وزعمت أنه سبحانه وتعالى لم يقدرها ولم يتقدم علمه سبحانه وتعالى بها
وأنها مستأنفة العلم أى انما يعلمها سبحانه بعد وقوعها و كذبوا على الله سبحانه وتعالى وجل عن
أقوالهم الباطلة علوا كبيرا وسميت هذه الفرقة قدرية لانكارهم القدر. قال أصحاب المقالات من
المتكلمين وقد انقرضت القدرية القائلون بهذا القول الشنيع الباطل ولم يبق أحد من أهل
القبلة عليه وصارت القدرية فى الأزمان المتأخرة تعتقد اثبات القدر ولكن يقولون الخير من .
الله والشر من غيره تعالى الله عن قولهم. وقد حكى أبو محمد بن قتيبة فى كتابه غريب الحديث
وأبو المعالى امام الحرمين فى كتابه الارشاد فى أصول الدين أن بعض القدرية قال لسنا بقدرية
بل أنتم القدرية لاعتقادكم اثبات القدر قال ابن قتيبة والامام هذا تمويه من هؤلاء الجهلة ومباهتة
وتواقح فان أهل الحق يفوضون أمورهم إلى الله سبحانه وتعالى ويضيفون القدر والافعال
الى الله سبحانه وتعالى وهؤلاء الجهلة يضيفونه الى أنفسهم ومدعى الشىء لنفسه ومضيفه اليها
أولى بأن ينسب اليه من يعتقده لغيره وينفيه عن نفسه قال الامام وقد قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم القدرية مجوس هذه الامة شبههم بهم لتقسيمهم الخير والشر فى حكم الارادة كما قسمت
المجوس فصرفت الخير الى يزدان والشر الى أهرمن ولا خفاء باختصاص هذا الحديث بالقدرية
هذا كلام الامام وابن قتيبة وحديث القدرية مجوس هذه الامة رواه أبو حازم عن ابن عمر
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخرجه أبو داود فى سننه والحاكم أبو عبد الله فى المستدرك
على الصحيحين وقال صحيح على شرط الشيخين ان صح سماع أبى حازم من ابن عمر قال الخطابى
انما جعلهم صلى اللّه عليه وسلم مجوسا لمضاهاة مذهبهم مذهب المجوس فى قولهم بالاصلين النور
والظلمة يزعمون أن الخير من فعل النور والشر من فعل الظلمة فصاروا ثنوية وكذلك القدرية
يضيفون الخير الى الله تعالى والشر الى غيره والله سبحانه وتعالى خالق الخير والشر جميعا
لا يكون شئء منهما الابمشيئته فهما مضافان اليه سبحانه وتعالى خلقا وايجادا والى الفاعلين لها
من عباده فعلاواكتسابا والله أعلم. قال الخطابى وقد يحسب كثير من الناس أن معنى القضاء
١٥٥
اثبات القدر
مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَمَ فَسَأَلْنَاهُ عَمَّا يَقُولُ هُؤْلَاء فِى الْقَدَرِ فَوَفَّ لَنَا عَبْدُاللَّه
ابْنُ عُمَبْنِ الْخَطَّبِ دَاخِلَا الْسْجِدَ فَاكَفْهُ أَنَا وَصَاحِ أَحَدُنَ عَنْ ◌َنِهِ وَالْآخَرُ عَنْ
شَلِ فَظَنْتُ أَنَّ صَاحِ سَكِلُ الْكَمَ إلَى فَقُلْتُ أَبَ عَبْدِ الَّخْنِ إنّهُ قَدْ ظَهَ قَنَا نَسْ
٠٠٠
والقدر اجبار الله سبحانه وتعالى العبد وقهره على ماقدره وقضاه وليس الامر كما يتوهمونه وانما
معناه الاخبار عن تقدم علم الله سبحانه وتعالى بما يكون من اكتساب العبد وصدورها عن
تقدير منه وخلق لها خيرها وشرها قال والقدر اسم لما صدر مقدرا عن فعل القادر يقال
قدرت الشئء وقدرته بالتخفيف والتثقيل بمعنى واحد والقضاء فى هذا معناه الخلق كقوله تعالى
فقضاهن سبع سموات فى يومين أى خلقهن قلت وقد تظاهرت الأدلة القطعيات من الكتاب
والسنة وإجماع الصحابة وأهل الحل والعقد من السلف والخلف على اثبات قدر الله سبحانه وتعالى
وقد أكثر العلماء من التصنيف فيه ومن أحسن المصنفات فيه وأكثرها فوائد كتاب الحافظ
الفقيه أبى بكر البيهقى رضى الله عنه وقد قرر أتمتنا من المتكلمين ذلك أحسن تقرير بدلائلهم
القطعية السمعية والعقلية والله أعلم. قوله ﴿فوفق لنا عبد الله بن عمر) هو بضم الواو
وكسر الفاء المشددة قال صاحب التحرير معناه جعل وفقا لنا وهو من الموافقة التى هى كالالتحام
يقال أتانا لتيفاق الهلال وميفاقه أى حين أهل لا قبله ولا بعده وهى لفظة تدل على صدق
الاجتماع والالتئام وفى مسند أبى يعلى الموصلى فوافق لنا بزيادة ألف والموافقة المصادفة
قوله ﴿فاكتنفته أنا وصاحبي﴾ يعنى صرنا فى ناحيتيه ثم فسره فقال أحدنا عن يمينه والآخر
عن شماله وكنفا الطائر جناحاه وفى هذا تنبيه على أدب الجماعة فى مشيهم مع فاضلهم وهو أنهم
يكتنفونه ويحفون به . قوله ﴿ فظننت أن صاحبى سيكل الكلام الى) مناه يسكت ويفوضه
الى لاقدامى وجرأتى وبسطة لسانى فقد جاء عنه فى رواية لأنى كنت أبسط لسانا. قوله (ظهر
قبلنا ناس يقرؤن القرآن ويتقفرون العلم) هو بتقديم القاف على الفاء ومعناه يطلبونه ويتقبعونه
هذا هو المشهور وقيل معناه يجمعونه ورواه بعض شيوخ المغاربة من طريق ابن ماهان
يتفقرون بتقديم الفاء وهو صحيح أيضا معناه يبحثون عن غامضه ويستخرجون خفيه وروي
١٥٦
کفر من نفی القدر
يَقْرَؤُنَ الْقُرْآنَ وَيَتَقَفَّرُ ونَ الْعَلَمَ وَذَكَرَ مِنْ شَأْنِهِمْ وَّهُمْ يَرْعُونَ أَنْ لَا قَدَرَ وَأَنَّ الْأَمْرَ أَنْهُ
قَالَ فَاذَ لَغِيَتَ أُولِئُكَ فَأَخْهُ أَّ بَرِىءٌ مِنْهُمْ وَّهُمْ بُرَءُ مِّ وَّذِى يَحْلِفُ بِهِ عَبْدُ الْهِبْنُ عُمَرَ
لَوْأَنَّ لِأَحَدِهْ مِثْلَ أُحُدِ ذَهَبَ فَقْقَهُ مَا قَبَ اللهُ مِنْهُ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالقَدَرِ ثُمَّ قَلَ حََّى أَبِ
فى غير مسلم يتقفون بتقديم القاف وحذف الراء وهو صحيح أيضا ومعناه أيضا يتتبعون قال
القاضى عياض ورأيت بعضهم قال فيه يتقعرون بالعين وفسره بأنهم يطلبون قعره أى غامضه
وخفيه ومنه تقعر فى كلامه اذا جاء بالغريب منه وفى رواية أبى يعلى الموصلى يتفقهون بزيادة
الهاء وهو ظاهر. قوله (وذكر من شأنهم﴾ هذا الكلام من كلام بعض الرواة الذين دون
يحيى بن يعمر والظاهر أنه من ابن بريدة الراوى عن يحيى بن يعمر يعنى وذكر ابن يعمر من
حال هؤلاء ووصفهم بالفضيلة فى العلم والاجتهاد فى تحصيله والاعتناء به . قوله (يزعمون أن
لاقدر وأن الأمر أنف﴾ هو بضم الهمزة والنون أى مستأنف لم يسبق به قدر ولاعلم من الله
تعالى وانما يعلمه بعد وقوعه كما قدمنا حكايته عن مذهبهم الباطل وهذا القول قول غلاتهم
وليس قول جميع القدرية وكذب قائله وضل وافترى عافانا الله وسائر المسلمين. قوله (قال
- يعنى ابن عمر رضى الله عنهما - فاذا لقيت أولئك فأخبرهم أنى برئ منهم وأنهم برآء منى
والذى يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن
بالقدر ﴾ هذا الذى قاله ابن عمر رضى الله عنهما ظاهر فى تكفيره القدرية قال القاضى عياض
رحمه اللّه هذا فى القدرية الاول الذين نفوا تقدم علم الله تعالى بالكائنات قال والقائل بهذا
كافر بلا خلاف وهؤلاء الذين ينكرون القدرهم الفلاسفة فى الحقيقة قال غيره ويجوز أنه لم
يرد بهذا الكلام التكفير المخرج من الملة فيكون من قبيل كفران النعم الا أن قوله ما قبله الله
منه ظاهر فى التفكير فان احباط الاعمال انما يكون بالكفر الا أنه يجوز أن يقال فى المسلم
لا يقبل عمله لمعصيته وان كان صحيحا كما أن الصلاة فى الدار المغصوبة صحيحة غير محوجة الى
القضاء عند جماهير العلماء بل باجماع السلف وهى غير مقبولة فلا ثواب فيها على المختار عند أصحابنا
والله أعلم . وقوله فأنفقه يعنى فى سبيل الله تعالى أى طاعته كما جاء فى رواية أخرى قال نفطويه
١٥٧
تعريف الاسلام والايمان
مُرُ بْنُ الْخَطَّبِ قَالَ بَيْنَا نَحْنُ عنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَىالَهُ عَلَيْهِ وَسَلَمَ ذَاتَ يَوْمٍ إِذْ طَلَعَ عَلَيْاَ
رَجُلْ شَدِيدُ بَاضِ الثَابِ شَدِيدٌ سَوَِ الشّعَرِ لَيْرَى عَلَيْهِ ◌َّ السَّفَرِ وَلَا يَعْرِفُمَّ أَحَدٌ
◌َ جَسَ إلَى الَّ صَلَىاللهُ عَيْهِ وَم ◌َسْتَدَ رُكْبَهِإِلَى رُكْبَّهِ وَوَضَعَ كَفَيْهِ عَلَى بِهَذَيْهِ
, قَالَ يَأُمَّدُ أَخْفِى عَنِ اْإِسْلامِ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلّىاللهُ عَلَيْهِ وَسَمَالْإِسْلَامُ أَنْ تَشْهَ
أَنْ لَا إِلَ اللَّ اللّهُ وَأَنَّ مَّدًا رَسُولُ اللهِ وَتُقِيمَ الصَّلاَةَ وَتَوْنَىَ الزَّكَاةَ وَتَصُومَ رَمَضَانَ وَنَحِجْ
الْبَيْتَ ان أَسْتَطَعْتَ أَلَيْهِ سَبِيلاً قَالَ صَدَقْتَ قَالَ فَعَجْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقَهُ قَالَ فَأَخْبِرْنِى عَن
الْإِيمَانِ قَالَ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَأَوْمِ الآخِرِ وَتُؤْمِنَ بِلْقَدَرِ خَيْرِهِ
وَشَرّه قَالَ صَدَقْتَ قَالَ فَأَخْ فِى عَنِ الْأحْسَانِ قَالَ أَنْ تَعْبُدَ اللهَكَنَّكَ تَهُ فَانْ لَمْ تَكُنْ تَرَهُ
سمى الذهب ذهبا لأنه يذهب ولا يبقى. قوله ﴿لا يرى عليه أثر السفر) ضبطناه بالياء المثناة من
تحت المضمومة وكذلك ضبطناه فى الجمع بين الصحيحين وغيره وضبطه الحافظ أبو حازم العدوى
هنا نرى بالنون المفتوحة وكذا هو فى مسند أبى يعلى الموصلى وكلاهما صحيح. قوله ( ووضع
كفيه على نفذيه) معناه أن الرجل الداخل وضع كفيه على نفذى نفسه وجلس على هيئة المتعلم
والله أعلم. قوله صلى الله عليه وسلم ( الاسلام أن تشهد أن لا اله الا الله وأن محمدا رسول
اللّه والايمان أن تؤمن بالله الى آخره) هذا قد تقدم بيانه وايضاحه بما يغنى عن اعادته. قوله
﴿فعجبنا له يسأله ويصدقه﴾ سبب تعجبهم أن هذا خلاف عادة السائل الجاهل انما هذا كلام
خبير بالمسئول عنه ولم يكن فى ذلك الوقت من يعلم هذا غير النبى صلى الله عليه وسلم. قوله صلى
اللّه عليه وسلم (الاحسان أن تعبد الله كأنك تراهفان لم تكن تراه فإنه يراك) هذا من جوامع
الكلم التى أوتيها صلى الله عليه وسلم لأنا لوقدرنا أن أحدنا قام فى عبادة وهو يعاين ربه سبحانه
وتعالى لم يترك شيئا ما يقدر عليه من الخضوع والخشوع وحسن السمت واجتماعه بظاهره
١٥٨
أمارات الساعة
فَنَّهُ يَرَكَ قَالَ فَأَخْرْنِى عَنِ السَّاعَةِ قَالَ مَا الْمَسْؤُلُ عَنْهَا بَأَعْلَ مِنَ الْسَّائِلِ قَالَ فَأَخْبْنِى عَنْ
أَتَ قَالَ أَنْ تَ الْأَّمَةُ رَبَ وَأَنْ تَرَى الُْغَةَ الْرَ العَ رَالشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِىِ الْبَانِ
وباطنه على الاعتناء بتتميمها على أحسن وجوهها الا أتى به فقال صلى اللّه عليه وسلم اعبد الله
فى جميع أحوالك كعبادتك فى حال العيان فان التميم المذكور فى حال العيان انما كان لعلم العبد
باطلاع الله سبحانه وتعالى عليه فلا يقدم العبد على تقصير فى هذا الحال للاطلاع عليه وهذا المعنى
موجود مع عدم رؤية العبد فينبغى أن يعمل بمقتضاه فمقصود الكلام الحث على الاخلاص فى
العبادة ومراقبة العبد ربه تبارك وتعالى فى اتمام الخشوع والخضوع وغير ذلك وقد ندب أهل
الحقائق الى مجالسة الصالحين ليكون ذلك مانعا من تلبسه بشئء من النقائص احتراما لهم واستحياء
منهم فكيف بمن لا يزال الله تعالى مطلعا عليه فى سره وعلانيته. قال القاضى عياض رحمه الله
وهذا الحديث قد اشتمل على شرح جميع وظائف العبادات الظاهرة والباطنة من عقود الايمان
وأعمال الجوارح واخلاص السرائر والتحفظ من آفات الأعمال حتى أن علوم الشريعة كلها راجعة
اليه ومتشعبة منه قال وعلى هذا الحديث وأقسامه الثلاثة ألفنا كتابنا الذى سميناه بالمقاصد الحسان
فيما يلزم الانسان اذ لا يشذ شئ من الواجبات والسنن والرغائب والمحظورات والمكروهات
عن أقسامه الثلاثة والله أعلم. قوله صلى الله عليه وسلم (ما المسئول عنها بأعلم من السائل)
فيه أنه ينبغى للعالم والمفتى وغيرهما إذا سئل عما لا يعلم أن يقول لا أعلم وأن ذلك لا ينقصه بل
يستدل به على ورعه وتقواه ووفور علمه وقد بسطت هذا بدلاتله وشواهده وما يتعلق به فى
مقدمة شرح المهذب المشتملة على أنواع من الخير لابد لطالب العلم من معرفة مثلها وادامة النظر
فيه والله أعلم. قوله ﴿فأخبر نى عن أماراتها﴾ هو بفتح الهمزة والأمارة والأمار باثبات الهاء
وحذفها هى العلامة. قوله صلى الله عليه وسلم أن تلد الأمة ربتها) وفى الرواية الأخرى ربها
على التذكير وفى الأخرى بعلها وقال يعنى السرارى ومعنى ربها وربتها سيدها ومالكها وسيدتها
ومالكتها قال الأكثرون من العلماء هو اخبار عن كثرة السرارى وأولادهن فان ولدها من
سيدها بمنزلة سيدها لأن مال الإنسان صائر إلى ولده وقد يتصرف فيه فى الحال تصرف
١٥٩
أمارات الساعة
قَالَ ثُمّ ◌َنْطَلَقَ فَلِقْتُ مَلَّا ثُمَّ قَالَ لِ يَا عُمَرُ أَتَدْرِى مَنِ السَّائِلُ قُلْتُ اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمَ قَالَ
المالكين إما بتصريح أبيه له بالاذن واما بما يعلمه بقرينة الحال أو عرف الاستعمال
وقيل معناه أن الاماء يلدن الملوك فتكون أمه من جملة رعيته وهو سيدها وسيد غيرها
من رعيته وهذا قول ابراهيم الحربى وقيل معناه أنه تفسد أحوال الناس فيكثر بيع
أمهات الأولاد فى آخر الزمان فيكثر تردادها فى أيدى المشترين حتى يشتريها ابنها ولا يدرى
ويحتمل على هذا القول أن لايختص هذا بأمهات الاولاد فانه متصور فى غيرهن فان الأمة تلد
ولدا حرا من غير سيدها بشبهة أو ولدا رقيقا بنكاح أو زنا ثم تباع الأمة فى الصورتين بيعا
صحيحا وتدور فى الايدى حتى يشتريها ولدها وهذا أكثر وأعم من تقديره فى أمهات الاولاد
وقيل فى معناه غير ماذكرناه ولكنها أقوال ضعيفة جدا أو فاسدة فتركتها وأما بعلها فالصحيح
فى معناه أن البعل هو المالك أو السيد فيكون بمعنى ربها على ما ذكرناه . قال أهل اللغة بعل
الشئء ربه ومالكه وقال ابن عباس رضى الله عنهما والمفسرون فى قوله سبحانه وتعالى أتدعون
بعلا أى ربا وقيل المراد بالبعل فى الحديث الزوج ومعناه نحو ما تقدم أنه يكثر بيع السرارى
حتى يتزوج الانسان أمه وهو لا يدرى وهذا أيضا معنى صحيح الا أن الاول أظهر لانه اذا
أمكن حمل الروايتين فى القضية الواحدة على معنى واحد كان أولى والله أعلم. واعلم أن هذا
الحديث ليس فيه دليل على اباحة بيع أمهات الاولاد ولا منع بيعهن وقد استدل امامان من
كبار العلماء به على ذلك فاستدل أحدهما على الاباحة والآخر على المنع وذلك عجب منهما وقد
أنكر عليهما فانه ليس كل ما أخبر صلى الله عليه وسلم بكونه من علامات الساعة يكون محرما
أو مذموما فان تطاول الرعاء فى البنيان وفشو المال وكون خمسين امرأة لهن قيم واحد ليس
بحرام بلاشك وانما هذه علامات والعلامة لا يشترط فيها شيء من ذلك بل تكون بالخير والشر
والمباح والمحرم والواجب وغيره والله أعلم. قوله صلى الله عليه وسلم ﴿وأن ترى الحفاة العراة العالة
رعاء الشاء يتطاولون فى البنيان) أما العالة فهم الفقراء والعائل الفقير والعيلة الفقر وعال الرجل
يعيل عيلة أى افتقر والرعاء بكسر الراء وبالمد ويقال فيهم رعاة بضم الراء وزيادة الهاء بلا مد
ومعناه أن أهل البادية وأشباههم من أهل الحاجة والفاقة تبسط لهم الدنيا حتى يتباهون فى
البنيان والله أعلم. قوله ﴿ فلبث مليا) هكذا ضبطناه لبث آخره ثاء مثلثة من غير تاء وفى
١٦٠
أمارات الساعة
فَنَّهُ جَبْرِيلُ أَنَ كُمْيُعَلَُّكُمْ دِينَكُمْ حَدَتِى مُحَمَدُ بْنُ عُّدِ الْغُبَرَىُّ وَأَبُ كَلِ الْجَحْدَرِىُّ
٠
وَأَحْمَدُ بْنَ عَبْدَةَ قَالُوا حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ مَطَرِ الْوَرَّاق عَنْ عَبْد الله بْن برَيْدَةَ عَنْ
تَحَ بْنِ يَعْمَرَ قَالَ لَّا تَكَلَّ مَعبَدٌ بِمَا تَكَلَّمَ بِهِ فِى شَنِ الْقَرِأَنْكُرْنَ ذَكَ قَالَ ◌َجْتُ أَنَا
كثير من الاصول المحققة لبثت بزيادة تاء المتكلم وكلاهما صحيح. وأما مليا بتشديد الياء فمعناه
وقنا طويلا وفى رواية أبى داود والترمذى أنه قال ذلك بعد ثلاث وفى شرح السنة للبغوى بعد
ثالثة وظاهر هذا أنه بعد ثلاث ليال وفى ظاهر هذا مخالفة لقوله فى حديث أبى هريرة بعد هذا
ثم أدبر الرجل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ردوا على الرجل فأخذوا ليردوه فلم يروا
شيئا فقال النبى صلى الله عليه وسلم هذا جبريل فيحتمل الجمع بينهما أن عمر رضى الله عنه لم
يحضر قول النبى صلى الله عليه وسلم لهم فى الحال بل كان قد قام من المجلس فأخبر النبي صلى الله
عليه وسلم الحاضرين فى الحال وأخبر عمر رضى الله عنه بعد ثلاث اذ لم يكن حاضرا وقت اخبار
الباقين والله أعلم. قوله (صلى الله عليه وسلم هذا جبريل أتا كم يعلمكم دينكم) فيه أن الايمان
والاسلام والاحسان تسمى كلها دينا واعلم أن هذا الحديث يجمع أنواعا من العلوم والمعارف
والآداب واللطائف بل هو أصل الاسلام كما حكيناه عن القاضى عياض وقد تقدم فى ضمن
الكلام فيه جمل من فوائده ومما لم نذكره من فوائده أن فيه أنه ينبغى لمن حضر مجلس العالم
اذا علم بأهل المجلس حاجة الى مسئلة لا يسألون عنها أن يسأل هو عنها ليحصل الجواب للجميع
وفيه أنه ينبغى للعالم أن يرفق بالسائل ويدنيه منه ليتمكن من سؤاله غير هائب ولا منقبض
وأنه ينبغى للسائل أن يرفق فى سؤاله والله أعلم. قوله ﴿حدثنى محمد بن عبيد الغبرى وأبو كامل
الجحدرى وأحمد بن عبدة) أما الغبرى فبضم الغين المعجمة وفتح الموحدة وقد تقدم بيانه
واضحا فى أول مقدمة الكتاب والجحدرى اسمه الفضيل بن حسين وهو بفتح الجيم وبعدها حاء
ساكنة وتقدم أيضا بيانه فى المقدمة وعبدة باسكان الباء وقد تقدم فى الفصول بيان عبدة وعبيدة
وفى هذا الاسناد مطر الوراق هو مطر بن طمهان أبو رجاء الخرسانى سكن البصرة كان يكتب
المصاحف فقيل له الوراق. قوله ﴿حججنا حجة) هى بكسر الحاء وفتحها لغتان فالكسرهو