Indexed OCR Text
Pages 1-20
ضَيَعُ مسلة نَشِرْحُ التّوَوَىُ الطبعة الأولى ١٣٤٧ هجرية - ١٩٢٩ ميلادية المطبقة المصرية بالأزهر أدارة محمد محمد عبداللطيف ◌ِ الله العَ الَمِ قال شيخنا الامام العالم الزاهد الورع محي الدين يحيى بن شرف بن مری بن حسن بن حسين بن حزام النووى رحمه الله تعالى آمين الحمد لله البر الجواد . الذى جلت نعمه عن الاحصاء والاعداد. خالق اللطف والارشاد . الهادى الى سبيل الرشاد . الموفق بكرمه لطرق السداد . المان بالاعتناء بسنة حبيبه وخليله عبده ورسوله صلوات الله وسلامه عليه وعلى من لطف به من العباد . المخصص هذه الأمة زادها الله شرفا بعلم الاسناد . الذى لم يشركها فيه أحد من الأمم على تكرر العصور والآباد . الذى نصب لحفظ هذه السنة المكرمة الشريفة المطهرة خواص من الحفاظ النقاد . وجعلهم ذابين عنها فى جميع الازمان والبلاد . باذلين وسعهم فى تبيين الصحة من طرقها والفساد . خوفا من الانتقاص منها والازدياد . وحفظا لها على الأمة زادها اللّه شرفا الى يوم التناد . مستفرغين جهدهم فى التفقه فى معانيها واستخراج الاحكام واللطائف منها مستمرين على ذلك فى جماعات وآحاد . مبالغين فى بيانها وايضاح وجوهها بالجد والاجتهاد . ولا يزال على القيام بذلك بحمد الله ولطفه جماعات فى الاعصار كلها الى انقضاء الدنيا وأقبال المعاد . وان قلوا وخملت بلدان منهم وقربوا من النفاد . أحمده أبلغ حمد على نعمه خصوصا على نعمة الاسلام وأن جعلنا من أمة خير الأولين والآخرين . وأكرم السابقين واللاحقين . محمد عبده ورسوله وحبيبه وخليله خاتم النبيين . صاحب الشفاعة العظمى ولواء الحمد والمقام المحمود سيد المرسلين . المخصوص بالمعجزة الباهرة المستمرة على تكرر السنين. التى تحدى بها أفصح القرون وأهم بها المنازعين . وظهر بها خزى من لم ينقد لها من المعاندين . المحفوظة من أن يتطرق اليها تغيير الملحدين . أعنى بها القرآن العزيز كلام ربنا الذى نزل به الروح الأمين . على قلبه ليكون من المنذرين . بلسان عربى مبين. والمصطفى بمعجزات أخر زائدات على الألف والمئين . وبجوامع الكلم وسماحة شريعته ووضع اصر المتقدمين . المكرم بتفضيل أمته زادها الله شرفا ٣ مقدمة على الأمم السابقين . ويكون أصحابه رضى الله عنهم خير القرون الكائنين. وبأنهم كلهم مقطوع بعدالتهم عند من يعتد به من علماء المسلمين . ويجعل اجماع أمته حجة مقطوعا بها كالكتاب المبين . وأقوال أصحابه المنتشرة من غير مخالفة لذلك عند العلماء المحققين . المخصوص بتوفر دواعى أمته زادها الله شرفا على حفظ شريعته وتدوينها ونقلها عن الحفاظ المسندين . وأخذها عن الحذاق المتقنين . والاجتهادفى تبیینها المسترشدين . والدؤوب فى تعليمها احتسابا لرضا رب العالمين . والمبالغة فى الذب عن منهاجه بواضح الأدلة وقمع الملحدين والمبتدعين . صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر النبيين. وآل كل وصحابتهم والتابعين. وسائر عباد الله الصالحين. ووفقنا للاقتداء به دائمين . فى أقواله وأفعاله وسائر أحواله مخلصين مستمرين فى ذلك دائبين . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له اقراراً بوحدانيته . واعترافا بما يجب على الخلق كافة من الاذعان لربوبيته. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المصطفى من بريته . والمخصوص بشمول رسالته وتفضيل أمته . صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه وعترته أما بعد فان الاشتغال بالعلم من أفضل القرب وأجل الطاعات. وأهم أنواع الخير وآكد العبادات . وأولى ما أنفقت فيه نفائس الاوقات . وشمر فى ادراكه والتمكن فيه أصحاب الأنفس الزكيات . وبادر الى الاهتمام به المسارعون الى الخيرات . وسابق الى التحلى به مستبقو المكرمات . وقد تظاهر على ماذكرته جمل من الآيات الكريمات والاحاديث الصحيحة المشهورات . وأقاويل السلف رضى الله عنهم النيرات . ولاضرورة الى ذكرها هنا لكونها من الواضحات الجليات . ومن أهم أنواع العلوم تحقيق معرفة الأحاديث النبويات . أعنى معرفة متونها صحيحها وحسنها وضعيفها متصلها ومرسلها ومنقطعها ومعضلها ومقلوبها ومشهورها وغريبها وعزيزها متواترها وآحادها وأفرادها معروفها وشاذها ومنكرها ومعللها وموضوعها ومدرجها وناسخها ومنسوخها وخاصها وعامها ومجملها ومبينها ومختلفها وغير ذلك من أنواعها المعروفات . ومعرفة علم الأسانيد أعنى معرفة حال رجالها وصفاتهم المعتبرة وضبط أسماتهم وأنسابهم ومواليدهم ووفياتهم وغير ذلك من الصفات . ومعرفة التدليس والمدلسين وطرق الاعتبار والمتابعات . ومعرفة حكم اختلاف الرواة فى الاسانيد والمتون والوصل والارسال والوقف والرفع والقطع والانقطاع وزيادات الثقات . ومعرفة الصحابة والتابعين وأتباعهم ٤ مقدمة وأتباع أتباعهم ومن بعدهم رضى الله عنهم وعن سائر المؤمنين والمؤمنات . وغير ما ذكرته من علومها المشهورات . ودليل ما ذكرته أن شرعنا مبنى على الكتاب العزيز والسنن المرويات . وعلى السنن مدار أكثر الاحكام الفقهیات. فان أكثر الآيات الفروعیات مجملات . وبيانها فى السنن المحكمات . وقد اتفق العلماء على أن من شرط المجتهد من القاضى والمفتى أن يكون عالما بالأحايث الحكميات . فثبت بما ذكرناه أن الاشتغال بالحديث من أجل العلوم الراجحات . وأفضل أنواع الخير وآكد القربات . وكيف لا يكون كذلك وهو مشتمل مع ماذكرناه على بيان حال أفضل المخلوقات . عليه من الله الكريم أفضل الصلوات والسلام والبركات . ولقد كان أكثر اشتغال العلماء بالحديث فى الاعصار الخاليات . حتى لقد كان يجتمع فى مجلس الحديث من الطالبين ألوف متكاثرات . فتناقص ذلك وضعفت الهمم فلم يبق الا آثار من آثارهم قليلات . والله المستعان على هذه المصيبة وغيرها من البليات . وقد جاء فى فضل أحياء السنن الماتات . أحاديث كثيرة معروفات مشهورات . فينبغى الاعتناء بعلم الحديث والتحريض عليه لما ذكرنا من الدلالات . ولكونه أيضاً من النصيحة لله تعالى وكتابه ورسوله صلى الله عليه وسلم وللأئمة والمسلمين والمسلمات . وذلك هو الدين كما صح عن سيد البريات. صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه وذريته وأزواجه الطاهرات . ولقد أحسن القائل من جمع أدوات الحديث استنار قابه واستخرج كنوزه الخفيات . وذلك لكثرة فوائده البارزات والكامنات . وهو جدير بذلك فانه كلام أفصح الخلق ومن أعطى جوامع الكلمات . صلى الله عليه وسلم صلوات متضاعفات . وأصح مصنف فى الحديث بل فى العلم مطلقا الصحيحان للامامين القدوتين. أبى عبد الله محمد بن اسماعيل البخارى. وأبى الحسين مسلم بن الحجاج القشيرى . رضى الله عنهما فلم يوجد لهما نظير فى المؤلفات . فينبغى أن يعتنى بشرحهما وتشاع فوائدهما ويتلطف فى استخراج دقائق العلوم من متونهما وأسانيدهما لما ذكرنا من الحجج الظاهرات . وأنواع الأدلة المتظاهرات : فأما صحيح البخارى رحمه اللّه فقد جمعت فى شرحه جملا مستكثرات . مشتملة على نفائس من أنواع العلوم بعبارات وجيزات . وأنا مشمر فى شرحه راج من الله الكريم فى اتمامه المعونات: وأما صحيح مسلم رحمه الله فقد استخرت الله تعالى الكريم الرؤف الرحيم فى جمع كتاب فى شرحه متوسط بين المختصرات مقدمة والمبسوطات . لامن المختصرات المخلات . ولا من المطولات المملات. ولولا ضعف الهمم وقلة الراغبين وخوف عدم انتشار الكتاب لقلة الطالبين للمطولات . لبسطته فبلغت به ما يزيد على مائة من المجلدات . من غير تكرار ولازيادات عاطلات . بل ذلك لكثرة فوائده وعظم عوائده الخفيات والبارزات . وهو جدير بذلك فانه كلام أفصح المخلوقات . صلى الله عليه وسلم صلوات دائمات . لكنى أقتصر على التوسط وأحرص على ترك الاطالات . وأوثر الاختصار فى كثير من الحالات . فأذكر فيه ان شاء الله جملا من علومه الزاهرات . من أحكام الأصول والفروع والآداب والاشارات الزهديات . وبيان نفائس من أصول القواعد الشرعيات . وايضاح معانى الالفاظ اللغوية وأسماء الرجال وضبط المشكلات . وبيان أسماء ذوى الكنى وأسماء آباء الابناء والمبهمات . والتنبيه على لطيفة من حال بعض الرواة وغيرهم من المذكورين فى بعض الأوقات . واستخراج لطائف من خفيات علم الحديث من المتون والاسانيد المستفادات . وضبط جمل من الأسماء المؤتلفات والمختلفات . والجمع بين الأحاديث التى تختلف ظاهراً ويظن بعض من لا يحقق صناعتى الحديث والفقه وأصوله كونها متعارضات . وأنبه على ما يحضرنى فى الحال فى الحديث من المسائل العمليات . وأشير الى الأدلة فى كل ذلك اشارات. الا فى مواطن الحاجة الى البسط للضرورات . وأحرص فى جميع ذلك على الايجاز وايضاح العبارات. وحيث أنقل شيئاً من أسماء الرجال واللغة وضبط المشكل والأحكام والمعانى وغيرها من المنقولات. فان كان مشهوراً لا أضيفه الى قائليه لكثرتهم الا نادراً لبعض المقاصد الصالحات . وان كان غريبا أضفته الى قائليه الا أن أذهل عنه فى بعض المواطن لطول الكلام أوكونه مما تقدم بيانه فى الأبواب الماضيات . واذا تكرر الحديث أو الاسم أو اللفظة من اللغة ونحوها بسطت المقصود منه فى أول مواضعه وإذا مررت على الموضع الآخر ذكرت أنه تقدم شرحه وبيانه فى الباب الفلانى من الأبواب السابقات . وقد أقتصر على بيان تقدمه من غير اضافة أو أعيد الكلام فيه لبعد الموضع الأول أو ارتباط كلام أو نحوه أو غير ذلك من المصالح المطلوبات . وأقدم فى أول الكتاب جملا من المقدمات . مما يعظم النفع به ان شاء الله تعالى ويحتاج اليه طالبو التحقيقات. وأرتب ذلك فى فصول متتابعات. ليكون أسهل فى مطالعته وأبعد من السآمات . وأنا مستمد المعونة والصيانة واللطف والرعاية من الله ٦ اسناد الكتاب الى الامام مسلم الكريم رب الأرضين والسموات . مبتهلا اليه سبحانه وتعالى أن يوفقنى ووالدى ومشايخى وسائر أقاربي وأحبابى ومن أحسن الينابحسن النيات . وأن ييسر لنا الطاعات. وأن يهدينا لها دائما فى ازدياد حتى المات . وأن يجود علينا برضاه ومحبته ودوام طاعته والجمع بيننا فى دار كرامته وغير ذلك من أنواع المسرات . وأن ينفعنا أجمعين ومن يقرأ فى هذا الكتاب به وأن يجزل لنا المثوبات . وأن لا ينزع منا ما وهبه لنا ومن به علينا من الخيرات . وأن لا يجعل شيئاً من ذلك فتنة لنا وأن يعيذنا من كل شئ من المخالفات . أنه مجيب الدعوات . جزيل العطيات: اعتصمت باللّه. توكلت على الله. ما شاء الله. لا قوة الا بالله. لا حول ولا قوة الا بالله . وحسبى الله ونعم الوكيل. وله الحمد والفضل والمنة والنعمة. وبه التوفيق واللطف والهداية والعصمة فصل فى بيان اسناد الكتاب وحال رواته منا الى الامام مسلم رضى الله عنه مختصراً أما اسنادى فيه فأخبرنا بجميع صحيح الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله الشيخ الأمين العدل الرضى أبو اسحاق ابراهيم بن أبى حفص عمر بن مضر الواسطى رحمه الله بجامع دمشق حماها الله وصانها وسائر بلاد الإسلام وأهله . قال أخبرنا الامام ذو الكنى أبو القاسم أبو بكر أبو الفتح منصور بن عبدالمنعم الفراوى . قال أخبرنا الامام فقيه الحرمين أبو جدى أبو عبدالله محمد بن الفضل الفراوى . قال أخبرنا أبو الحسين عبد الغافر الفارسى . قال أنا أبو أحمد محمد بن عيسى الجلودى . قال أنا أبو اسحاق ابراهيم بن محمد بن سفيان الفقيه أنا الامام أبو الحسين مسلم بن الحجاج رحمه اللّه وهذا الإسناد الذى حصل لنا ولاهل زماننا ممن يشاركنا فيه فى نهاية من العلو بحمد الله تعالى فبيننا وبين مسلم ستة. وكذلك اتفقت لنا بهذا العدد رواية الكتب الأربعة التى هى تمام الكتب الخمسة التى هى أصول الإسلام أعنى صحيحى البخارى ومسلم وسنن أبى دواد والترمذى والنسائى. وكذلك وقع لنابهذا العدد مسندا الامامين أبوى عبدالله أحمد بن حنبل ومحمد بن يزيد أعنى بن ماجه ووقع لنا أعلى من هذه الكتب وان كانت عالية موطأ الإمام أبى عبد الله مالك بن أنس فبيننا وبينه رحمه الله سبعة وهو شيخ شيوخ المذكورين كلهم فتعلو روايتنا لاحاديثه برجل ولله الحمد والمنة وحصل فى روايتنا لمسلم لطيفة وهو أنه اسناد ٧ حال رواة الكتاب مسلسل بالنيسابوريين وبالمعمرين فان رواته كلهم معمرون وكلهم نيسابوريون من شيخنا أبى اسحاق الى مسلم وشيخنا وان كان واسطيا فقد أقام بنيسابور مدة طويلة والله أعلم أمابيان حال رواته فيطول الكلام فى تقصى أخبارهم واستقصاء أحوالهم لكن نقتصر على ضبط أسمائهم وأحرف تتعلق بحال بعضهم . أما شيخنا أبو اسحاق فكان من أهل الصلاح والمنسوبين الى الخير والفلاح معروفا بكثرة الصدقات وأنفاق المال فى وجوه المكرمات ذا عفاف وعبادة ووقار وسكينة وصيانة بلا استكبار. توفى رحمه اللّه بالاسكندرية اليوم السابع من رجب سنة أربع وستين وستمائة . وأماشيخ شيخنا فهو الامام ذو الكنى أبو القاسم أبو بكر أبو الفتح منصور بن عبد المنعم بن عبد الله بن محمد بن الفضل بن أحمد بن محمد بن أحمد بن أبى العباس الصاعدى الفراوى ثم النيسابورى منسوب الى فراوة بليدة من ثغر خراسان وهو بفتح الفاء وضمها فاما الفتح فهو المشهور المستعمل بين أهل الحديث وغيرهم وكذا حكى الشيخ الامام الحافظ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله أنه سمع شيخه منصوراً هذا رضى الله عنه يقول أنه الفراوى بفتح الفاء وذكره أبو سعيد السمعانى فى كتابه الانساب بضم الفاء وكذا ذكر الضم أيضا غير السمعانى وكان منصور هذا جليلا شيخا مكثراً ثقة صحيح السماع روى عن أبيه وجده وجد أبيه أبى عبد الله محمد بن الفضل وروى عن غيرهم مولده فى شهر رمضان سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة وتوفى بشازياخ نيسابور فى شعبان سنة ثمان وستمائة . وأما أبو عبدالله الفراوى فهو محمد بن الفضل جد أبى منصور النيسابورى وقد تقدم تمام نسبه فى نسب ابن ابن ابنه منصور. كان أبو عبد الله هذا الفراوى رضى الله عنه أماما بارعا فى الفقه والأصول وغيرهما كثير الروايات بالاسانيد الصحيحة العاليات رحلت اليه الطلبة من الاقطار وانتشرت الروايات عنه فيما قرب وبعد من الامصار حتى قالوا فيه للفراوى ألف راوى وكان يقال له فقيه الحرم لاشاعته ونشره العلم بمكة زادها اللّه فضلا وشرفا ذكره الإمام الحافظ أبو القاسم الدمشقى المعروف بابن عساكر رضى الله عنهما فأطنب فى الثناء عليه بما هو أهله ثم روى عن أبى الحسين عبد الغافر أنه ذكره فقال هو فقيه الحرم البارع فى الفقه والأصول الحافظ للقواعد نشأ بين الصوفية فى حجورهم ووصل اليه بركات أنفاسهم وسمع التصانيف والأصول من الامام زين الاسلام ودرس عليه الأصول والتفسير ثم اختلف الى مجلس امام الحرمين ٨ حال رواة الكتاب ولازم درسه ماعاش وتفقه عليه وعلق عنه الأصول وصار من جملة المذكورين من أصحابه وخرج حاجا الى مكة وعقد المجلس ببغداد وسائر البلاد وأظهر العلم بالحرمين وكان منه بهما أثر وذكر ونشر للعلم وعاد الى نيسابور وما تعدى قط حد العلماء ولا سيرة الصالحين من التواضع والتبذل فى الملابس والمعايش وتستر بكتابة الشروط لاتصاله بالزمرة الشحامية مصاهرة ليصون بها عرضه وعلمه عن توقع الارفاق. ويتبلغ بما يكتسبه منها فى أسباب المعيشة من فنون الارزاق . وقعد للتدريس فى المدرسة الناصحة وافادة الطلبة فيها وقد سمع المسانيد والصحاح وأكثر عن مشايخ عصره وله مجالس الوعظ والتذكير المشحونة بالفوائد والمبالغة فى النصح وحكايات المشايخ وذكر أحوالهم. قال الحافظ أبو القاسم: والى الامام محمد الفراوى كانت رحلتى الثانية لأنه كان المقصود بالرحلة فى تلك الناحية لما اجتمع فيه من علو الاسناد ووفور العلم وصحة الاعتقاد وحسن الخلق ولين الجانب والاقبال بكليته على الطالب فأقمت فى صحبته سنة كاملة وغنمت من مسموعاته فوائد حسنة طائلة وكان مكرما لموردى عليه عارفا بحق قصدى اليه ومرض مرضة فى مدة مقامى عنده ونهاه الطبيب عن التمكين من القراءة عليه فيها وعرفه أن ذلك ربما كان سببا لزيادة تألمه فقال لا أستجيز أن أمنعهم من القراءة وربما أكون قد حبست فى الدنيا لاجلهم وكنت أقرأ عليه فى حال مرضه وهو ملقى على فراشه ثم عوفى من تلك المرضة وفارقته متوجها الى هراة فقال لى حين ودعته بعد أن أظهر الجزع لفراقى: وربما لانلتقى بعد هذا فكان كما قال نجاءنا نعيه الى هراة وكانت وفاته فى العشر الأواخر من شوال سنة ثلاثين وخمسمائة ودفن فى تربة أبى بكر بن خزيمة رضى الله عنهما. وذكر الحافظ أيضا جملا أخرى من مناقبه حذفتها اختصاراً . وذكر أبو سعيد السمعانى أنه سأل أباعبد الله الفراوى هذا عن مولده فقال مولدى تقديرا سنة إحدى وأربعين وأربعمائة قال غيره وتوفى يوم الخميس الحادى أو الثانى والعشرين من شوال سنة ثلاثين وخمسمائة قال الحافظ الشيخ أبو عمرو رحمه الله له فى علم المذهب كتاب انتخبت منه فوائد استغربتها وسمع صحيح مسلم من عبد الغافر فى السنة التى توفى فيها عبد الغافر سنة ثمان وأربعين وأربعمائة بقراءة أبى سعيد البحيرى رحمه الله ورضى عنه. وأما شيخ الفراوى فهو أبو الحسين عبد الغافر بن محمد بن عبدالغافر بن أحمد بن محمد بن سعيد الفارسى الفسوى ثم النيسابورى التاجر وكان سماعه صحيح مسلم من الجلودى سنة خمس وستين ٩ حال رواة الكتاب وثلثمائة ذكره ولد ولده أبو الحسن عبدالغافر بن اسماعيل بن عبدالغافر الفارسى الاديب الامام المحدث ابن المحدث ابن المحدث صاحب التصانيف كذيل تاريخ نيسابور وكتاب مجمع الغرائب والمفهم لشرح غريب صحيح مسلم وغيرها فقال كان شيخاثقة صالحا صائنا محظوظا من الدين والدنيا محدودا فى الرواية على قلة سماعه مشهوراً مقصوداً من الآفاق سمع منه الأئمة والصدور وقرأ الحافظ الحسن السمر قندى عليه صحيح مسلم نيفا وثلاثين مرة وقرأه عليه أبو سعيد البحيرى نيفا وعشرين مرة وممن قرأه عليه من مشاهير الأئمة زين الاسلام أبو القاسم يعنى القشيرى والواحدى وغيرهما استكمل خمسا وتسعين سنة وألحق أحفاد الاحفاد بالاجداد وتوفى يوم الثلاثاء ودفن يوم الأربعاء السادس من شوال سنة ثمان وأربعين وأربعمائة. قال غيره ولد سنة ثلاث وخمسين وثلثمائة وسمع منه أئمة الدنيا من الغرباء والطارئين والبلديين وبارك الله سبحانه وتعالى فى سماعه وروايته مع قلة سماعه وكان المشهور برواية صحيح مسلم وغريب الخطابى فى عصره وسمع الخطابى وغيره من أهل عصره رحمه الله ورضى عنه. وأماشيخ الفارسى فهو أبو أحمد محمد بن عيسى بن محمد بن عبد الرحمن بن عمرويه بن منصور الزاهد النيسابورى الجلودى بضم الجيم بلا خلاف قال الإمام أبو سعيد السمعانى هو منسوب الى الجلود المعروفة جمع جلد قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله عندى أنه منسوب إلى سكة الجلوديين بنيسابور الدارسة وهذا الذى قاله الشيخ أبو عمر ويمكن حمل كلام السمعانى عليه وانما قلت أن الجلودى هذا بضم الجيم بلا خلاف لأن ابن السكيت وصاحبه ابن قتيبة قالا فى كتابهما المشهورين أن الجلودى بفتح الجيم منسوب الى جلود اسم قرية بافريقية وقال غيرهما انها بالشام وأراد أن من نسب الى هذه القرية فهو بفتح الجيم لكونها مفتوحة وأما أبو أحمد هذا الجلودى فليس منسوبا الى هذه القرية فليس فيما قالاه مخالفة لما ذكرناه والله أعلم. قال الحاكم أبو عبد الله كان أبو أحمد هذا الجلودى شيخا صالحا زاهدا من كبار عباد الصوفية صحب أكابر المشايخ من أهل الحقائق وكان ينسخ الكتب ويأكل من كسب يده سمع أبا بكر بن خزيمة ومن كان قبله وكان ينتحل مذهب سفيان الثورى ويعرفه توفى رحمه الله يوم الثلاثاء الرابع والعشرين من ذى الحجة سنة ثمان وستين وثلثمائة وهو ابن ثمانين سنة قال الحاكم وختم لوفاته سماع صحيح مسلم وكل من حدث به بعده عن أبراهيم بن محمد بن سفيان وغيره فليس بثقة والله أعلم «٢- ١) ١٠ حال رواة الكتاب وأما شيخ الجلودى فهو السيد الجليل أبو اسحاق ابراهيم بن محمد بن سفيان النيسابورى الفقيه الزاهد المجتهد العابد قال الحاكم أبو عبد الله بن البيع سمعت محمد بن يزيد العدل يقول كان ابراهيم ابن محمد بن سفيان مجاب الدعوة قال الحاكم وسمعت أبا عمرو بن نجيد يقول أنه كان من الصالحين قال الحاكم كان ابراهيم بن سفيان من العباد المجتهدين ومن الملازمين لمسلم بن الحجاج وكان من أصحاب أيوب بن الحسن الزاهد صاحب الرأى يعنى الفقيه الحنفى سمع ابراهيم بن سفيان بالحجاز ونيسابور والرى والعراق قال ابراهيم فرغ لنا مسلم من قراءة الكتاب فى شهر رمضان سنة سبع وخمسين ومائتين قال الحاكم مات ابراهيم فى رجب سنة ثمان وثلثمائة رحمه الله ورضى عنه. وأما شيخ ابراهيم بن محمد بن سفيان فهو الامام مسلم صاحب الكتاب وهو أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيرى نسبا النيسابورى وطنا عربى صلبية وهو أحد أعلام أئمة هذا الشان. وكبار المبرزين فيه وأهل الحفظ والاتقان. والرحالين فى طلبه الى أئمة الاقطار والبلدان . والمعترف له بالتقدم فيه بلا خلاف عند أهل الحذق والعرفان . والمرجوع الى كتابه والمعتمد عليه فى كل الأزمان . سمع بخراسان يحيى بن يحي واسحاق بن راهويه وغيرهما وبالرى محمد بن مهران الجمال بالجيم وأبا غسان وغيرهما وبالعراق أحمد بن حنبل وعبد الله بن مسلمة القعنى وغيرهما وبالحجاز سعيد بن منصور وأبا مصعب وغيرهما وبمصر عمرو بن سواد وحرملة بن يحيى وغيرهما وخلائق كثيرين . روى عنه جماعات من كبار أئمة عصره وحفاظه وفيهم جماعات فى درجته فمنهم أبو حاتم الرازى وموسى بن هارون وأحمد بن سلمة وأبو عيسى الترمذى وأبو بكر بن خزيمة ويحيى بن صاعد وأبو عوانة الاسفرايني وآخرون لا يحصون وصنف مسلم رحمه الله فى علم الحديث كتبا كثيرة منها هذا الكتاب الصحيح الذى من الله الكريم وله الحمد والنعمة والفضل والمنة به على المسلمين . وأبقى لمسلم به ذكرا جميلا وثناء حسنا الى يوم الدين. ومنها كتاب المسند الكبير على أسماء الرجال وكتاب الجامع الكبير على الأبواب وكتاب العلل وكتاب أوهام المحدثین و کتاب التمییز و کتاب من ليسله الا راو واحد وكتاب طبقات التابعين وكتاب المخضر مين وغير ذلك . قال الحاكم أبو عبدالله حدثنا أبو الفضل محمد بن ابراهيم قال سمعت أحمد بن سلمة يقول رأيت أبا زرعة وأباحاتم يقدمان مسلم بن الحجاج فى معرفة الصحيح على مشايخ عصرهما وفى رواية فى معرفة الحديث . قلت ١١ حال رواة الكتاب ومن حقق نظره فى صحيح مسلم رحمه الله واطلع على ما أودعه فى أسانيده وترتيبه وحسن سياقته . وبديع طريقته . من نفائس التحقيق . وجواهر التدقيق. وأنواع الورع والاحتياط والتحرى فى الرواية وتلخيص الطرق واختصارها . وضبط متفرقها وانتشارها . وكثرة اطلاعه واتساع روايته. وغير ذلك مما فيه من المحاسن والاعجوبات . واللطائف الظاهرات والخفيات . علم أنه أمام لا يلحقه من بعد عصره . وقل من يساويه بل يدانيه من أهل وقته ودهره . وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. وأنا أقتصر من أخباره رضى الله عنه على هذا القدر فان أحواله رحمه الله ومناقبه لا تستقصى لبعدها عن أن تحصى وقد دللت بما ذكرت من الاشارة إلى حالته على ما أهملت من جميل طريقته واللّه الكريم أسأله أن يجزل فى مثوبته وأن يجمع بيننا وبينه مع أحبائنا فى دار كرامته بفضله وجوده ولطفه ورحمته وقد قدمت أنى أوثر الاختصار . وأحاذر التطويل الممل والا كثار . توفى مسلم رحمه الله بنيسابور سنة احدى وستين ومائتين . قال الحاكم أبو عبدالله بن البيع فى كتاب المزكين لرواة الاخبار: سمعت أباعبد الله بن الاخرم الحافظ رحمه الله يقول توفى مسلم بن الحجاج رحمه الله عشية الاحد ودفن يوم الاثنين لخمس بقين من رجب سنة إحدى وستين ومائتين وهو ابن خمس وخمسين سنة رحمه الله و رضی عنه فصل. صحيح مسلم رحمه الله فى نهاية من الشهرة وهو متواتر عنه من حيث الجملة فالعلم القطعى حاصل بأنه تصنيف أبى الحسين مسلم بن الحجاج وأمامن حيث الرواية المتصلة بالاسناد المتصل بمسلم فقد انحصرت طريقه عنده فى هذه البلدان والأزمان فى رواية أبى اسحاق ابراهيم ابن محمد بن سفيان عن مسلم ويروى فى بلاد المغرب مع ذلك عن أبى محمد أحمد بن على القلانسى عن مسلم ورواه عن ابن سفيان جماعة منهم الجلودى وعن الجلودى جماعة منهم الفارسى وعنه جماعة منهم الفراوى وعنه خلائق منهم منصور وعنه خلائق منهم شيخنا أبو اسحاق . قال الشيخ الإمام الحافظ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله: وأما القلانسى فوقعت روايته عند أهل الغرب ولا رواية له عند غيرهم دخلت روايته اليه من جهة أبى عبد الله محمد بن يحيى بن الحذاء التميمى القرطبى وغيره سمعوها بمصر من أبى العلاء عبد الوهاب بن عيسى بن عبد الرحمن بن ماهان البغدادى . قال حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن يحيى الاشقر الفقيه على مذهب الشافعى . قال ١٢ حال رواة الكتاب حدثنا أبو محمد القلانسى . قال حدثنا مسلم الا ثلاثة أجزاء من آخر الكتاب أولها حديث الافك الطويل فان أبا العلاء بن ماهان كان يروى ذلك عن أبى أحمد الجلودى عن أبى سفيان عن مسلم رضى الله عنه فصل. قال الشيخ الإمام الحافظ أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن المعروف بابن الصلاح رحمه الله: اختلف النسخ فى رواية الجلودى عن ابراهيم بن سفيان هل هى بحدثنا إبراهيم أو أخبرنا والتردد واقع فى أنه سمع من لفظ ابراهيم أو قرأه عليه فالأحوط أن يقال أخبرنا ابراهيم حدثنا ابراهيم فليلفظ القارئ بهما على البدل . قال وجائز لنا الاقتصار على أخبرنا فانه كذلك فيما نقلته من ثبت الفراوى من خط صاحبه عبدالرزاق الطبسى وفيما انتخبته بنيسابور من الكتاب من أصل فيه سماع شيخنا المؤيد وهو كذلك بخط الحافظ أبى القاسم الدمشقى العساكرى عن الفراوى وفى غير ذلك وأيضا فحكم المتردد فى ذلك المصير الى أخبرنا لأن كل تحدیث من حيث الحقيقة اخبار وليس كل اخبار تحديثا فصل قال الشيخ الإمام أبو عمرو بن الصلاح رضى الله عنه أعلم أن لابراهيم بن سفيان فى الكتاب فائتا لم يسمعه من مسلم يقال فيه أخبرنا ابراهيم عن مسلم ولا يقال فيه أخبرنا مسلم ولاحدثنا مسلم وروايته لذلك عن مسلم أما بطريق الاجازة واما بطريق الوجادة وقدغفل أكثر الرواة عن تبيين ذلك وتحقيقه فى فهاريسهم وتسميعاتهم واجازاتهم وغيرها بل يقولون فى جميع الكتاب أخبرنا ابراهيم قال أخبرنا مسلم وهذا الفوات فى ثلاثة مواضع محققة فى أصول معتمدة. فأولها فى كتاب الحج فى باب الحلق والتقصير حديث ابن عمر رضى الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رحم الله المحلقين برواية ابن نمير فشاهدت عنده فى أصل الحافظ أبى القاسم الدمشقى بخطه ماصورته أخبرنا أبو اسحاق ابراهيم بن محمد بن سفيان عن مسلم قال حدثنا ابن نمير حدثنا أبى حدثنا عبيد الله بن عمر الحديث . وكذلك فى أصل بخط الحافظ أبى عامر العبدرى الا أنه قال حدثنا أبو اسحاق وشاهدت عنده فى أصل قديم مأخوذ عن أبى أحمد الجلودى ما صورته من هاهنا قرأت على أبى أحمد حدثكم ابراهيم عن مسلم وكذا كان فى كتابه الى العلامة . قال الشيخ رحمه الله وهذه العلامة هى بعد ثمان ورقات أو نحوها عند أول حديث ابن عمر رضى الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان اذا استوى على بعيره ١٣ حال رواة الكتاب خارجا الى سفر كبر ثلاثا وعندها فى الأصل المأخوذ عن الجلودى ماصورته الى هنا قرأت عليه يعنى على الجلودى عن مسلم ومن هنا قال حدثنا مسلم وفى أصل الحافظ أبى القاسم عندها بخطه من هنا يقول حدثنا مسلم والى هناشك . الفائت الثانى لابراهيم أو له فى أول الوصايا قول مسلم حدثنا أبو خيثمة زهير بن حرب ومحمد بن المثنى واللفظ لمحمد بن المثنى فى حديث ابن عمر ما حق أمرئ مسلم له شئ يريد أن يوصى فيه الى قوله فى آخر حديث رواه فى قصة حويصة ومحيصة فى القسامة حدثنى اسحاق بن منصور أخبرنا بشر بن عمرو قال سمعت مالك بن أنس الحديث وهو مقدار عشر ورقات ففى الأصل المأخوذ عن الجلودى والأصل الذى بخط الحافظ أبى عامر العبدرى ذكر انتهاء هذا الفوات عند أول هذا الحديث وعود قول ابراهيم حدثنا مسلم وفى أصل الحافظ أبى القاسم الدمشقى شبه التردد فى أن هذا الحديث داخل فى الفوات أو غير داخل فيه والاعتماد على الاول . الفائت الثالث أوله قول مسلم فى أحاديث الامارة والخلافة حدثنى زهير بن حرب حدثنا شبابة حديث أبى هريرة رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم انما الامام جنة ويمتد الى قوله فى كتاب الصيد والذبائح حدثنا محمد بن مهران الرازى حدثنا أبو عبد الله حماد بن خالد الخياط حديث أبي ثعلبة الخشنى اذا رميت سهمك فمن أول هذا الحديث عاد قول ابراهيم حدثنا مسلم وهذا الفوات أكثرها وهو نحو ثمانى عشرة ورقة وفى أوله بخط الحافظ الكبير أبى حازم العبدری النيسابوری و کان یروی الکتاب عن محمد بن يزيد العدل عن ابراهيم ماصورته من هنا يقول ابراهيم قال مسلم وهو فى الأصل المأخوذ عن الجلودى وأصل أبى عامر العبدرى وأصل أبى القاسم الدمشقى بكلمة عن وهكذا فى الفائت الذى سبق فى الأصل المأخوذ عن الجلودى وأصل أبى عامر العبدرى وأصل أبى القاسم وذلك يحتمل كونه روى ذلك عن مسلم بالوجادة ويحتمل الاجازة ولكن فى بعض النسخ التصريح فى بعض ذلك أو كله بكون ذلك عن مسلم بالاجازة والله أعلم . هذا آخر كلام الشيخ رحمه الله فصل. قال الشيخ الإمام أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله: اعلم أن الرواية بالاسانيد المتصلة ليس المقصود منها فى عصرنا وكثير من الاعصار قبله اثبات ما يروى اذ لا يخلو اسناد منها عن شيخ لا يدرى مايرويه ولا يضبط ما فى كتابه ضبطا يصلح لان يعتمد عليه فى ثبوته وإنما المقصود بها ابقاء سلسلة الاسناد التى خصت بها هذه الامة زادها الله كرامة واذا كان ١٤ الموازنة بين البخارى ومسلم كذلك فسبيل من أراد الاحتجاج بحديث من صحيح مسلم وأشباهه أن ينقله من أصل مقابل على يدى ثقتين بأصول صحيحة متعددة مروية بروايات متنوعة ليحصل له بذلك مع اشتهار هذه الكتب وبعدها عن أن تقصد بالتبديل والتحريف الثقة بصحة ما اتفقت عليه تلك الأصول فقد تكثر تلك الأصول المقابل بها كثرة تتنزل منزلة التواتر أو منزلة الاستفاضة هذا كلام الشيخ وهذا الذى قاله محمول على الاستحباب والاستظهار والا فلا يشترط تعداد الأصول والروايات فان الأصل الصحيح المعتمد يكفى وتكفى المقابلة به والله أعلم فصل . اتفق العلماء رحمهم الله على أن أصح الكتب بعد القرآن العزيز الصحيحان البخارى ومسلم وتلقتهما الأمة بالقبول وكتاب البخارى أصحهما وأكثرهما فوائد ومعارف ظاهرة وغامضة وقد صح أن مسلما كان ممن يستفيد من البخارى و يعترف بأنه ليس له نظير فى علم الحديث وهذا الذى ذكر ناه من ترجيح كتاب البخارى هو المذهب المختار الذى قاله الجماهير وأهل الاتقان والحذق والغوص على أسرار الحديث. وقال أبو على الحسين بن على النيسابورى الحافظ شيخ الحاكم أبى عبد الله بن البيع: كتاب مسلم أصح ووافقه بعض شيوخ المغرب والصحيح الاول وقد قرر الامام الحافظ الفقيه النظار أبو بكر الاسماعيلى رحمه اللّه فى كتابه المدخل ترجيح كتاب البخارى وروينا عن الإمام أبى عبد الرحمن النسائى رحمه الله أنه قال ما فى هذه الكتب كلها أجود من كتاب البخارى . قلت ومن أخصر ماترجح به اتفاق العلماء على أن البخارى أجل من مسلم وأعلم بصناعة الحديث منه وقد انتخب علمه ولخص ما ارتضاه فى هذا الكتاب وبقى فى تهذيبه وانتقائه ست عشرة سنة وجمعه من ألوف مؤلفة من الاحاديث الصحيحة وقد ذكرت دلائل هذا كله فى أول شرح صحيح البخارى ومما ترجح به كتاب البخارى أن مسلما رحمه الله كان مذهبه بل نقل الاجماع فى أول صحيحه أن الاسناد المعنعن له حكم الموصول بسمعت بمجرد كون المعنعن والمعنعن عنه كانا فى عصر واحد وان لم يثبت اجتماعهما والبخارى لايحمله على الاتصال حتى يثبت اجتماعهما وهذا المذهب يرجح كتاب البخارى وان كنا لا نتحكم على مسلم بعمله فى صحيحه بهذا المذهب لكونه يجمع طرقا كثيرة يتعذر معها وجود هذا الحكم الذى جوزه والله أعلم وقد انفرد مسلم بفائدة حسنة وهى كونه أسهل متناولا من حيث انه جعل لكل حديث موضعا واحداً يليق به جمع فيه طرقه التى ارتضاها ١٥ فضل صحيح مسلم وترتيبه واختار ذكرها وأورد فيه أسانيده المتعددة وألفاظه المختلفة فيسهل على الطالب النظر فى وجوهه واستثمارها ويحصل له الثقة بجميع ما أورده مسلم من طرقه بخلاف البخارى فانه يذكر تلك الوجوه المختلفة فى أبواب متفرقة متباعدة وكثير منها يذكره فى غير بابه الذى يسبق الى الفهم أنه أولى به وذلك لدقيقة يفهمها البخارى منه فيصعب على الطالب جمع طرقه وحصول الثقة بجميع ماذكره البخارى من طرق هذا الحديث وقد رأيت جماعة من الحفاظ المتأخرين غلطوا فى مثل هذا فنفوا رواية البخارى أحاديث هى موجودة فى صحيحه فى غير مظانها السابقة الى الفهم والله أعلم. ومما جاء فى فضل صحيح مسلم ما بلغنا عن مكى بن عبدان أحد حفاظ نيسابور أنه قال سمعت مسلم بن الحجاج رضى الله عنه يقول لو أن أهل الحديث يكتبون مائتى سنة الحديث فمدارهم على هذا المسند يعنى صحيحه قال وسمعت مسلما يقول عرضت كتابى هذا على أبى زرعة الرازى فكل ما أشار أن له علة تركته وكل ما قال أنه صحيح وليس له علة خرجته وذكر غيره ما رواه الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادى باسناده عن مسلم رحمه اللّه قال صنفت هذا المسند الصحيح من ثلثمائة ألف حديث مسموعة فصل. قال الشيخ الإمام أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله شرط مسلم رحمه الله تعالى فى صحيحه أن يكون الحديث متصل الاسناد بنقل الثقة عن الثقة من أوله إلى منتهاه سالما من الشذوذ والعلة قال وهذا حد الصحيح فكل حديث اجتمعت فيه هذه الشروط فهو صحيح بلا خلاف بين أهل الحديث وما اختلفوا فى صحته من الأحاديث فقد يكون سبب اختلافهم انتفاء شرط من هذه الشروط وبينهم خلاف فى اشتراطه كما اذا كان بعض الرواة مستوراً أو كان الحديث مرسلا وقد يكون سبب اختلافهم أنه هل اجتمعت فيه هذه الشروط أم انتفى بعضها وهذا هو الأغلب فى ذلك كما اذا كان الحديث فى رواته من اختلف فى كونه من شرط الصحيح فاذا كان الحديث رواته كلهم ثقاة غير أن فيهم أبا الزبير المكى مثلا أو سهيل بن أبى صالح أو العلاء بن عبد الرحمن أو حماد بن سلمة قالوا فيه هذا حديث صحيح على شرط مسلم وليس بصحيح على شرط البخارى لكون هؤلاء عند مسلم من اجتمعت فيهم الشروط المعتبرة ولم يثبت عند البخارى ذلك فيهم وكذا حال البخارى فيما خرجه من حديث عكرمة مولى ابن عباس واسحاق ابن محمد الفروى وعمرو بن مرزوق وغيرهم من احتج بهم البخارى ولم يحتج بهم مسلم . قال ١٦ فضل صحيح مسلم وترتيبه الحاكم أبو عبد الله الحافظ النيسابورى فى كتابه المدخل الى معرفة المستدرك: عدد من خرج لهم البخارى فى الجامع الصحيح ولم يخرج لهم مسلم أربعمائة وأربعة وثلاثون شيخا وعدد من احتج بهم مسلم فى المسند الصحيح ولم يحتج بهم البخارى فى الجامع الصحيح ستمائة وخمسة وعشرون شيخا والله أعلم. وأما قول مسلم رحمه الله فى صحيحه فى باب صفة صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس كل شىء صحيح عندى وضعته ههنا يعنى فى كتابه هذا الصحيح وإنما وضعت ههنا ما أجمعوا عليه فمشكل فقد وضع فيه أحاديث كثيرة مختلفا فى صحتها لكونها من حديث من ذكرناه ومن لم نذكره ممن اختلفوا فى صحة حديثه . قال الشيخ وجوابه من وجهين أحدهما أن مراده أنه لم يضع فيه الا ماوجد عنده فيه شروط الصحيح المجمع عليه وإن لم يظهر اجتماعها فى بعض الأحاديث عند بعضهم . والثانى أنه أراد أنه لم يضع فيه ما اختلفت الثقات فيه فى نفس الحديث متناً أو اسنادا ولم يرد ما كان اختلافهم انما هو فى توثيق بعض رواته وهذا هو الظاهر من كلامه فانه ذكر ذلك لما سئل عن حديث أبى هريرة فإذا قرأ فأنصتواهل هو صحيح فقال هو عندى صحيح فقيل لم لم تضعه ههنا فأجاب بالكلام المذكور ومع هذا فقد اشتمل كتابه على أحاديث اختلفوا فى اسنادها أو متنها لصحتها عنده وفى ذلك ذهول منهعن هذا الشرط أو سبب آخر وقد استدركت وعللت . هذا آخر كلام الشيخ رحمه الله فصل. قال الشيخ الامام أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله ما وقع فى صحيحى البخارى ومسلم ما صورته صورة المنقطع ليس ملتحقا بالمنقطع فى خروجه من حيز الصحيح الى حيز الضعيف ويسمى هذا النوع تعليقا سماه به الامام أبو الحسن الدارقطنى ويذكره الحميدى فى الجمع بين الصحيحين وكذا غيره من المغاربة وهو فى كتاب البخارى كثير جداً وفى كتاب مسلم قليل جداً قال فاذا كان التعليق منهما بلفظ فيه جزم بأن من بينهما وبينه الانقطاع قد قال ذلك أو رواه واتصل الاسناد منه على الشرط مثل أن يقولا روى الزهرى عن فلان ويسوقا اسناده الصحيح فحال الكتابين يوجب أن ذلك من الصحيح عندهما وكذلك ما روياه عمن ذكراه بلفظ مبهم لم يعرف به وأورداه أصلا محتجين به وذلك مثل حدثنى بعض أصحابنا ونحو ذلك قال وذكر الحافظ أبو على الغسانى الجيانى أن الانقطاع وقع فيما رواه مسلم فى كتابه فى أربعة عشر موضعا أولها فى التيمم قوله فى حديث أبى الجهم وروى الليث بن سعد ثم قوله فى كتاب ١٧ تعريف الأحاديث المعلقة الصلاة فى باب الصلاة على النبى صلى الله عليه وسلم حدثنا صاحب لنا عن اسماعيل بن زكريا عن الاعمش وهذا فى رواية أبى العلاء بن ماهان وسلمت رواية أبى أحمد الجلودى من هذا فقال فيه عن مسلم حدثنا محمد بن بكار قال حدثنا اسماعيل بن زكريا ثم فى باب السكوت بين التكبير والقراءة قوله وحدثت عن يحيى بن حسان ويونس المؤدب ثم قوله فى كتاب الجنائز فى حديث عائشة رضى الله عنها فى خروج النبي صلى الله عليه وسلم الى البقيع ليلا وحدثنى من سمع حجاجا الاعور واللفظ له قال حدثنا ابن جريج. وقوله فى باب الجوائح فى حديث عائشة رضى الله عنها حدثنی غیر واحد من أصحابنا قالوا حدثنا اسماعيلبن أبى أو يس . وقوله فى هذا الباب وروى الليث بن سعد قال حدثنى جعفر بن ربيعة وذكر حديث كعب بن مالك فى تقاضى ابن أبىحدرد وقوله فى باب احتكار الطعام فى حديث معمر بن عبدالله العدوى حدثنى بعض أصحابنا عن عمرو بن عون . وقوله فى صفة النبى صلى الله عليه وسلم وحدثت عن أبى أسامة وممن روى ذلك عنه ابراهيم بن سعيد الجوهرى قال حدثنا أبو أسامة وذكر أبو على أنه رواه أبو أحمد الجلودى عن محمد بن المسيب الارغيانى (١) عن ابراهيم بن سعيد قال الشيخ ورويناه من غير طريق أبى أحمد عن محمد بن المسيب ورواه غير ابن المسيب عن ابراهيم الجوهرى وسنورد ذلك فى موضعه ان شاء الله تعالى. وقوله فى آخر الفضائل فى حديث ابن عمر رضى الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ((أرأيتكم ليلتكم هذه)) رواية مسلم اياه موصولا عن معمر عن الزهرى عن سالم عن أبيه ثم قال حدثنى عبد الله بن عبد الرحمن الدارمى قال أخبرنا أبو اليمان قال أخبرنا شعیب ورواه اللیث عن عبدالرحمن بن خالد بن مسافر كلاهما عن الزهری باسناد معمر کمثل حديثه. وقول مسلم فى آخر كتاب القدر فى حديث أبى سعيد الخدرى رضى اللهعنه ((لتر كبن سنن من قبلكم)) حدثنى عدة من أصحابنا عن سعيد بن أبي مريم وهذا قد وصله ابراهيم بن محمد ابن سفيان عن محمد بن يحيى عن ابن أبى مريم قال الشيخ وانما أورده مسلم على وجه المتابعة والاستشهاد . وقوله فيما سبق فى الاستشهاد والمتابعة فى حديث البراء بن عازب فى الصلاة الوسطى بعد أن رواه موصولا ورواه الاشجعى عن سفيان الثورى الى آخره . وقوله أيضاً فى الرجم فى المتابعة لما رواه موصولا من حديث أبى هريرة فی الذی اعترف على نفسه بالزنى ورواه (١) قوله الارغيانى. هو نسبة الى أرغيان ناحية من نواحى نيسابور اهـ ٣٠- ١) ١٨ تعريف الأحاديث المعلقة الليث أيضاً عن عبد الرحمن بن خالد بن مسافر عن ابن شهاب بهذا الاسناد . وقوله فى كتاب الامارة فى المتابعة لمارواه متصلا من حديث عوف بن مالك ((خيار أتمتكم الذين تحبونهم) ورواه معاوية بن صالح عن ربيعة بن يزيد قال الشيخ وذكر أبو على فيما رواه عندنا من كتابه فى الرابع عشر حديث ابن عمر ((أرأيتكم ليلتكم هذه)) المذكور فى الفضائل وقد ذكره مرة أخرى فيسقط هذا من العدد ويسقط الحديث الثانى لكون الجلودى رواه عن مسلم موصولا وروايته هى المعتمدة المشهورة فهى اذاً اثنا عشر لا أربعة عشر قال الشيخ وأخذ هذا عن أبى على أبو عبد الله المازرى صاحب المعلم فأطلق أن فى الكتاب أحاديث مقطوعة فى أربعة عشر موضعا وهذا يوهم خللا فى ذلك وليس ذلك كذلك وليس شيء من هذا والحمد لله مخرجا لما وجد فيه من حيز الصحيح بل هى موصولة من جهات صحيحة لاسيما ما كان منها مذكوراً على وجه المتابعة ففى نفس الكتاب وصلها فا كتفى بكون ذلك معروفا عند أهل الحديث كما أنه روى عن جماعة من الضعفاء اعتمادا على كون ما رواه عنهم معروفا من رواية الثقات على ما سنرويه عنه فيما بعد ان شاء الله تعالى . قال الشيخ أبو عمرو رحمه الله وهكذا الأمر فى تعليقات البخارى بألفاظ جازمة مثبتة على الصفة التى ذكرناها كمثل ما قال فيه قال فلان أو روى فلان أو ذكر فلان أو نحو ذلك ولم يصب أبو محمد بن حزم الظاهرى حيث جعل مثل ذلك انقطاعا قادحا فى الصحة واستروح الى ذلك فى تقرير مذهبه الفاسد فى اباحة الملاهى وزعمه أنه لم يصح فى تحريمها حديث مجيبا عن حديث أبى عامر أو أبى مالك الاشعرى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (ليكونن فى أمتى أقوام يستحلون الحرير والخمر والمعازف)) إلى آخر الحديثفزعم أنه وان أخرجه البخارى فهو غير صحيح لان البخارى قال فيه قال هشام بن عمار وساقه باسناده فهو منقطع فيما بين البخارى وهشام وهذا خطأ من ابن حزم من وجوه . أحدها أنه لا انقطاع فى هذا أصلا من جهة أن البخارى لقى هشاما وسمع منه وقد قررنا فى كتابنا علوم الحديث أنه إذا تحقق اللقاء والسماع مع السلامة من التدليس حمل ما يرويه عنه على السماع بأى لفظ كان كما يحمل قول الصحابى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم على سماعه منه اذا لم يظهر خلافه وكذا غير قال من الالفاظ . الثانى أن هذا الحديث بعينه معروف الاتصال بصريح لفظه من غير جهة البخارى الثالث أنه وإن كان ذلك انقطاعا فمثل ذلك فى الكتابين غير ملحق بالانقطاع القادح لما عرف ١٩ صحة أحاديث هذا الكتاب من عادتهما وشرطهما وذكرهما ذلك فى كتاب موضوع لذكر الصحيح خاصة فلن يستجيزا فيه الجزم المذكور من غير ثبت وثبوت بخلاف الانقطاع أو الارسال الصادر من غيرهما هذا كله فى المعلق بلفظ الجزم أما اذا لم يكن ذلك منهما بلفظ جازم مثبت له عمن ذكراه عنه على الصفة التى تقدم ذكرها مثل أن يقولا روى عن فلان أو ذكر عن فلان أو فى الباب عن فلان ونحو ذلك فليس ذلك فى حكم التعليق الذى ذكرناه ولكن يستأنس بايرادهما له . وأما قول مسلم فى خطبة كتابه وقد ذكر عن عائشة رضى الله عنها أنها قالت ((أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تنزل الناس منازلهم)) فهذا بالنظر الى أن لفظه ليس جازما لا يقتضى حكمه بصحته و بالنظر الى أنه احتج به وأورده أيراد الاصول لا ايراد الشواهد يقتضى حكمه بصحته ومع ذلك فقد حكم الحاكم أبو عبد الله الحافظ فى كتابه كتاب معرفة علوم الحديث بصحته وأخرجه أبو داود فى سننه باسناده منفردا به وذكر أن الراوى له عن عائشة ميمون بن أبى شبيب ولم يدركها . قال الشيخ وفيما قاله أبو داود نظر فانه كوفى متقدم قد أدرك المغيرة بن شعبة ومات المغيرة قبل عائشة وعند مسلم التعاصر مع امكان التلاقى كاف فى ثبوت الادراك فلو ورد عن ميمون أنه قال لم ألق عائشة استقام لابى داود الجزم بعدم ادراكه وهيهات ذلك . هذا آخر كلام الشيخ قلت وحديث عائشة هذا قد رواه البزار فى مسنده وقال هذا الحديث لا يعلم عن النبى صلى الله عليه وسلم الا من هذا الوجه وقد روى عن عائشة من غير هذا الوجه موقوفا والله أعلم فصل . قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله جميع ما حكم مسلم رحمه الله بصحته فى هذا الكتاب فهو مقطوع بصحته والعلم النظرى حاصل بصحته فى نفس الأمر وهكذا ماحكم البخارى بصحته فى كتابه وذلك لان الأمة تلقت ذلك بالقبول سوى من لا يعتد بخلافه ووفاقه فى الاجماع . قال الشيخ والذى نختاره أن تلقى الامة للخبر المنحط عن درجة التواتر بالقبول يوجب العلم النظرى بصدقه خلافا لبعض محققى الاصوليين حيث نفى ذلك بناء على أنه لا يفيد فى حق كل منهم الا الظن وانما قبله لانه يجب عليه العمل بالظن والظن قد يخطئء قال الشيخ وهذا مندفع لان ظن من هو معصوم من الخطأ لا يخطئء والامة فى اجماعها معصومة من الخطأ وقد قال أمام الحرمين لو حلف انسان بطلاق امرأته أن ما فى كتابى البخارى ومسلم مما حكما بصحته من قول النبي صلى الله عليه وسلم لما ألزمته الطلاق ولا حنثته لاجماع علماء المسلمين ٢٠ صحة أحاديث هذا الكتاب على صحتهما . قال الشيخ ولقائل أن يقول أنه لا يحنث ولو لم يجمع المسلمون على صحتهما للشك فى الحنث فانه لو حلف بذلك فى حديث ليست هذه صفته لم يحنث وان كان راويه فاسقا فعدم الحنث حاصل قبل الاجماع فلا يضاف الى الاجماع. قال الشيخ والجواب أن المضاف الى الاجماع هو القطع بعدم الحنث ظاهراً وباطنا وأما عند الشك فعدم الحنث محكوم به ظاهرا مع احتمال وجوده باطنا فعلى هذا يحمل كلام امام الحرمين فهو اللائق بتحقيقه فاذا علم هذا فما أخذ على البخارى ومسلم وقدح فيه معتمد من الحفاظ فهو مستثنى ما ذكرناه لعدم الاجماع على تلقيه بالقبول وما ذلك الافى مواضع قليلة سننبه على ماوقع فى هذا الكتاب منها ان شاء الله تعالى وهذا آخر ماذكره الشيخ أبو عمرو رحمه الله هنا وقال فى جزء له ما اتفق البخارى ومسلم على اخراجه فهو مقطوع بصدق مخبره ثابت يقينا لتلقى الأمة ذلك بالقبول وذلك يفيد العلم النظرى وهو فى افادة العلم كالمتواتر الا أن المتواتر يفيد العلم الضرورى وتلقى الامة بالقبول يفيد العلم النظرى وقد اتفقت الأمة على أن ما اتفق البخارى ومسلم على صحته فهو حق وصدق . قال الشيخ فى علوم الحديث وقد كنت أميل إلى أن ما اتفقا عليه فهو مظنون وأحسبه مذهبا قويا وقد بان لى الآن أنه ليس كذلك وان الصواب أنه يفيد العلم وهذا الذى ذكره الشيخ فى هذه المواضع خلاف ما قاله المحققون والا كثرون فانهم قالوا أحاديث الصحيحين التى ليست بمتواترة انما تفيد الظن فانها آحاد والآحاد أنما تفيد الظن على ما تقرر ولا فرق بين البخارى ومسلم وغيرهما فى ذلك وتلقى الأمة بالقبول أنما أفادنا وجوب العمل بما فيهما وهذا متفق عليه فان أخبار الآحاد التى فى غيرهما يجب العمل بها اذا صحت أسانيدها ولا تفيد الا الظن فكذا الصحيحان وأنما يفترق الصحيحان وغيرهما من الكتب فى كون ما فيهما صحيحا لايحتاج الى النظر فيه بل يجب العمل به مطلقا وما كان فى غيرهما لا يعمل به حتى ينظر وتوجد فيه شروط الصحيح ولا يلزم من اجماع الأمة على العمل بما فيهما اجماعهم على أنه مقطوع بأنه كلام النبي صلى الله عليه وسلم وقد اشتد انكار ابن برهان الامام على من قال بما قاله الشيخ وبالغ فى تغليطه . وأما ما قاله الشيخ رحمه اللّه فى تأويل كلام امام الحرمين فى عدم الحنث فهو بناء على ما اختاره الشيخ وأما على مذهب الا كثرين فيحتمل أنه أرادأنه لا يحنث ظاهراً ولا يستحبله التزام الحنث حتى تستحب له الرجعة كما لو حلف بمثل ذلك فى غير الصحيحين فانا لانحنثه لكن