Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
فصل في بیان إسناد الکتاب
الخطابي وغيره من أهل عصره رحمه اللَّه ورضي عنه.
وأما شيخ الفارسي فهو أبو أحمد محمد بن عيسى بن محمد بن عبد الرحمن بن
عمرويه بن منصور الزاهد النيسابوري الجلودي بضم الجيم بلا خلاف. قال الإمام
أبو سعيد السمعاني: هو منسوب إلى الجلود المعروفة جمع جلد(١) قال الشيخ
أبو عمرو بن الصلاح(٢) رحمه الله: عندي أنه منسوب إلى سكة الجلوديين بنيسابور
الدارسة. وهذا الذي قاله الشيخ أبو عمرو يمكن حمل كلام السمعاني عليه وإنما قلت:
إن الجلودي هذا بضم الجيم بلا خلاف؛ لأن ابن السكيت وصاحبه ابن قتيبة قالا في
كتابيهما المشهورين: أن الجلودي بفتح الجيم منسوب إلى جلود اسم قرية بإفريقية(٣).
وقال غيرهما: إنها بالشام(٤) وأراد أن من نسب إلى هذه القرية فهو بفتح الجيم لكونها
مفتوحة. وأما أبو أحمد هذا الجلودي فليس منسوباً إلى هذه القرية فليس فيما قالاه
مخالفة لما ذكرناه والله أعلم.
قال الحاكم أبو عبد اللَّه كان أبو أحمد هذا الجلودي شيخاً صالحاً زاهداً من كبار
عباد الصوفية صحب أكابر المشايخ من أهل الحقائق، وكان ينسخ الكتب، ويأكل من
كسب يده، سمع أبا بكر بن خزيمة ومن كان قبله وكان ينتحل مذهب سفيان الثوري
ويعرفه، توفي رحمه الله يوم الثلاثاء الرابع والعشرين من ذي الحجة سنة ثمان وستين
وثلثمائة وهو ابن ثمانين سنة. قال الحاكم وختم لوفاته سماع صحيح مسلم وكل من
حدث به بعده عن إبراهيم بن محمد بن سفيان وغيره فليس بثقة والله أعلم.
وأما شيخ الجلودي فهو السيد الجليل أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان
النيسابوري الفقيه الزاهد المجتهد العابد. قال الحاكم أبو عبد الله بن البيع: سمعت
محمد بن يزيد العدل يقول: كان إبراهيم بن محمد بن سفيان مجاب الدعوة. قال
الحاكم: وسمعت أبا عمرو بن نجيد يقول: إنه كان من الصالحين. قال الحاكم: كان
إبراهيم بن سفيان من العباد المجتهدين، ومن الملازمين لمسلم بن الحجاج، وكان من
أصحاب أيوب بن الحسن الزاهد صاحب الرأي، يعني: الفقيه الحنفي. سمع إبراهيم بن
سفيان بالحجاز ونيسابور والري والعراق. قال إبراهيم: فرغ لنا مسلم من قراءة الكتاب
(١) الأنساب: ٢٨٢/٣.
(٢) صيانة صحيح مسلم: ١٠٧ .
(٣) تهذيب إصلاح المنطق: ٢٠/٢.
(٤) معجم البلدان: ١٥٦/٢ .

١٢٢
مقدمة الإمام النووي
في شهر رمضان سنة سبع وخمسين ومائتين. قال الحاكم: مات إبراهيم في رجب سنة
ثمان وثلثمائة رحمه الله ورضي عنه.
وأما شيخ إبراهيم بن محمد بن سفيان فهو الإمام مسلم صاحب الكتاب، وهو
أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري نسباً النيسابوري وطناً عربي صلبية وهو
أحد أعلام أئمة هذا الشأن، وكبار المبرزين فيه، وأهل الحفظ والإتقان، والرحالين في
طلبه إلى أئمة الأقطار والبلدان، والمعترف له بالتقدم فيه بلا خلاف عند أهل الحذق
والعرفان، والمرجوع إلى كتابه والمعتمد عليه في كل الأزمان. سمع بخراسان يحيى بن
يحيى وإسحاق بن راهويه وغيرهما، وبالري محمد بن مهران الجمال بالجيم وأبا غسان
وغيرهما، وبالعراق أحمد بن حنبل وعبد الله بن مسلمة القعنبي وغيرهما، وبالحجاز
سعيد بن منصور وأبا مصعب وغيرهما، وبمصر عمرو بن سواد وحرملة بن يحيى
وغيرهما وخلائق کثیرین.
روى عنه جماعات من كبار أئمة عصره وحفاظه وفيهم جماعات في درجته فمنهم:
أبو حاتم الرازي وموسى بن هارون وأحمد بن سلمة وأبو عيسى الترمذي وأبو بكر بن
خزيمة ويحيى بن صاعد وأبو عوانة الإسفرايني وآخرون لا يحصون.
وصنف مسلم رحمه اللَّه في علم الحديث كتباً كثيرة منها هذا الكتاب الصحيح
الذي منّ اللَّه الكريم وله الحمد والنعمة والفضل والمنّة به على المسلمين. وأبقى لمسلم
به ذكراً جميلاً وثناءً حسناً إلى يوم الدين، ومنها: كتاب: ((المسند الكبير على أسماء
الرجال))، وكتاب: ((الجامع الكبير على الأبواب))، وكتاب: ((العلل))، وكتاب: ((أوهام
المحدثین))، وكتاب: ((التمییز))، وكتاب: ((من ليس له إلا راوٍ واحد))، وكتاب: ((طبقات
التابعين))، وكتاب: ((المخضرمین) وغير ذلك.
قال الحاكم أبو عبد اللَّه: حدثنا أبو الفضل محمد بن إبراهيم قال: سمعت
أحمد بن سلمة يقول: رأيت أبا زرعة وأبا حاتم يقدمان مسلم بن الحجاج في معرفة
الصحيح على مشايخ عصرهما. وفي رواية: في معرفة الحديث. قلت: ومن حقق نظره
في صحيح مسلم رحمه الله، واطلع على ما أودعه في أسانيده وترتيبه، وحسن سياقته،
وبديع طريقته، من نفائس التحقيق، وجواهر التدقيق، وأنواع الورع والاحتياط والتحري
في الرواية وتلخيص الطرق واختصارها، وضبط متفرقها وانتشارها، وكثرة اطلاعه

١٢٣
فصل صحيح مسلم في نهاية من الشهرة
واتساع روايته، وغير ذلك مما فيه من المحاسن والأعجوبات، واللطائف الظاهرات
والخفيات، علم أنه إمام لا يلحقه من بعد عصره، وقل من يساويه بل يدانيه من أهل وقته
ودهره، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. وأنا أقتصر من أخباره
رضي الله عنه على هذا القدر فإن أحواله رحمه اللّه ومناقبه لا تستقصي لبعدها عن أن
تحصى وقد دللت بما ذكرت من الإشارة إلى حالته على ما أهملت من جميل طريقته.
واللّه الكريم أسأله أن يجزل في مثوبته وأن يجمع بيننا وبينه مع أحبائنا في دار كرامته
بفضله وجوده ولطفه ورحمته وقد قدمت أني أوثر الاختصار، وأحاذر التطويل الممل
والإكثار. توفي مسلم رحمه اللَّه بنيسابور سنة إحدى وستين ومائتين. قال الحاكم
أبو عبد الله بن البيع في كتاب: ((المزكين لرواة الأخبار)): سمعت أبا عبد الله بن الأخرم
الحافظ رحمه الله يقول: توفي مسلم بن الحجاج رحمه اللَّه عشية الأحد ودفن يوم
الاثنين لخمس بقين من رجب سنة إحدى وستين ومائتين وهو ابن خمس وخمسين سنة
رحمه الله ورضي عنه.
فصل
[صحيح مسلم رحمه اللَّه في نهاية من الشهرة]
وهو متواتر عنه من حيث الجملة، فالعلم القطعي حاصل بأنه تصنيف أبي الحسين
مسلم بن الحجاج. وأما من حيث الرواية المتصلة بالإسناد المتصل بمسلم فقد انحصرت
طريقه عنده في هذه البلدان والأزمان في رواية أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان
عن مسلم، ويروى في بلاد المغرب مع ذلك عن أبي محمد أحمد بن علي القلانسي عن
مسلم، ورواه عن ابن سفيان جماعة منهم الجلودي، وعن الجلودي جماعة منهم
الفارسي، وعنه جماعة منهم الفراوي، وعنه خلائق منهم منصور، وعنه خلائق منهم
شيخنا أبو إسحاق. قال الشيخ الإمام الحافظ أبو عمرو بن الصلاح رحمه اللّه (١): وأما
القلانسي فوقعت روايته عند أهل الغرب ولا رواية له عند غيرهم دخلت روايته إليه من
جهة أبي عبد الله محمد بن يحيى بن الحذاء التميمي القرطبي(٢) وغيره سمعوها بمصر
(١) صيانة صحيح مسلم: ١١١.
(٢) هو: أبو عبد الله محمد بن يحيى بن أحمد التميمي، المعروف بابن الحذاء، باحث أندلسي من
علماء فقه الحديث والتاريخ والأدب، توفي سنة ٤١٦ هـ.
=

١٢٤
مقدمة الإمام النووي
من أبي العلاء عبد الوهاب بن عیسی بن عبد الرحمن بن ماهان البغدادي. قال: حدثنا
أبو بكر أحمد بن محمد بن يحيى الأشقر الفقيه على مذهب الشافعي، قال: حدثنا
أبو محمد القلانسي، قال: حدثنا مسلم إلا ثلاثة أجزاء من آخر الكتاب أولها حديث
الإفك الطويل(١)، فإن أبا العلاء بن ماهان كان يروي ذلك عن أبي أحمد الجلودي، عن
أبي سفيان، عن مسلم رضي الله عنه.
فصل
[هل قول المحدث: حدثنا أو أخبرنا بمعنى واحد أم لا؟]
قال الشيخ الإمام الحافظ أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن المعروف بابن الصلاح
رحمه الله(٢): اختلف النسخ في رواية الجلودي عن إبراهيم بن سفيان، هل هي بحدثنا
إبراهيم أو أخبرنا؟ والتردد واقع في أنه سمع من لفظ إبراهيم أو قرأه عليه. فالأحوط أن
يقال: أخبرنا إبراهيم، حدثنا إبراهيم. فليلفظ القارىء بهما على البدل(٣). قال: وجائز
لنا الاقتصار على أخبرنا، فإنه كذلك فيما نقلته من ثبت الفراوي من خط صاحبه
عبد الرزاق الطبسي، وفيما أنتخبته بنيسابور من الكتاب من أصل فيه سماع شيخنا
انظر ترجمته في: ابن الفرضي: ٨٧/٢، وشجرة النور الزكية: ١١٢، وفهرسة ابن خير: ٩٣،
=
٢٤٢.
(١) الحديث: (٢٧٧)، ٢١٢٩/٤ في كتاب: التوبة، باب: في حديث الإفك وقبول توبة القاذف.
(٢) صيانة صحيح مسلم: ١١٣.
(٣) قلت: إن قراءة الجلودي على إبراهيم بن سفيان أو سماعه من لفظه سيان لأن مذهب معظم علماء
الحجاز والكوفة التسوية بين أخبرنا وبين حدثنا، وبذلك يرتفع التردد الواقع في النسخ.
استدل البخاري على التسوية بين هذه الصيغ بحديث ابن عمر قال: قال رسول اللّه #: ((إن من
الشجر شجرة لا يسقط ورقها وإنها مثل المسلم، فحدثوني ما هي؟)) وفي رواية: ((أخبروني))، وفي
رواية: ((أنبئوني)) فدل ذلك على أن التحديث والإخبار والإنباء عندهم سواء، وهذا لا خلاف فيه عند
أهل العلم بالنسبة إلى اللغة ... وأما بالنسبة إلى الاصطلاح ففيه الخلاف: فمنهم من استمر على
أصل اللغة. وهذا رأي الزهري ومالك وابن عيينة ويحيى القطان ... وعليه استمر عمل المغاربة
ورجحه ابن الحاجب في مختصره.
راجع في ذلك قواعد التحديث لمحمد جمال الدين القاسمي ص ٢٨ والإلماع للقاضي عياض
ص ٧١. قال الإمام الواقي في التقييد والإيضاح ص ١٤٧ وهذا محمول عندنا على ما يسمعه
الطالب من لفظ المحدث غير موضوع في كتاب مؤلف.

١٢٥
فصل فوات إبراهيم بن سفيان بعض الأحاديث
المؤيد. وهو كذلك بخط الحافظ أبي القاسم الدمشقي العساكري عن الفراوي وفي غير
ذلك وأيضاً فحكم المتردد في ذلك المصير إلى أخبرنا(١)؛ لأن كل تحديث من حيث
الحقيقة إخبار ولیس کل إخبار تحديثاً.
فصل
[فوات إبراهيم بن سفيان بعض الأحاديث من الإمام مسلم]
قال الشيخ الإمام أبو عمرو بن الصلاح(٢) رضي اللَّه عنه: اعلم أن لإبراهيم بن
سفيان في الكتاب فائتاً لم يسمعه من مسلم يقال فيه: أخبرنا إبراهيم، عن مسلم،
ولا يقال فيه: أخبرنا مسلم ولا حدثنا مسلم. وروايته لذلك عن مسلم إما بطريق
الإجازة(٣)
(١) قلت: لأن (حدثنا) أكمل مرتبة وأرفع الأقسام عند الجماهير لكونها سماعاً من لفظ الشيخ وهي
أرفع، و (أخبرنا) أنقص مرتبة لكونها قراءة عليه وقال ابن الصلاح في مقدمته ص ٦٨: وهذا يقتضي
فيما إذا شك في سماع نفسه فليقتصر إذا شك على الناقص، لأن عدم الزائد هو الأصل.
وقال العراقي في التقييد والإيضاح ص ١٤٦: والأحسن فيما ... حكاه الخطيب في الكفاية عن
البرقاني أنه ربما شك في الحديث هل قرأه هو أو قرىء وهو يسمع فيقول فيه قرأنا على فلان فإنه
يسوغ إتيانه بهذه الصفة فيما قرأه بنفسه وفيما سمعه بقراءة غيره ... وقد قال النفيلي: قرأنا على
مالك، وإنما سمع بقراءة غيره واللَّه أعلم.
(٢) صيانة صحيح مسلم: ١١٤.
(٣) قال الشهاب القسطلاني في المنهج: الإجازة مشتقة من التجوز، وهو التعدي، فكأنه عدّ روايته حتى
أوصلها الراوي عنه وهي أربعة أقسام: أن يجيز، معيناً لمعين. الثاني: أن يجيز معيناً غيره. الثالث:
أن يجيز غير معين بوصف العموم. الرابع: أجازه بمجهول أوله. قواعد التحديث ٢٠٥ .
قلت: والظاهر من كلام ابن الصلاح أنه يبطل الرواية بالإجازة كما أبطلها جماعات من الطوائف
حيث ينقل في مقدمته عن القاضي أبي الوليد الباجي المالكي أنه قال: لا خلاف في جواز الرواية
بالإجازة من سلف هذه الأمة وخلفها وادّعَى الإجماع من غير تفصيل.
وعلق عليه ابن صلاح بقول: هذا باطل، فقد خالف في جواز الرواية بالإجازة جماعات من أهل
الحديث والفقهاء والأصوليين وذلك إحدى الروايتين عن الشافعي رضي الله عنه ص ٧٢ وقال
السيوطي: وحكاه الآمدي عن أبي حنيفة وأبي يوسف، ونقله القاضي عبد الوهاب عن مالك.
وقال ابن حزم: إنها بدعة غير جائزة وقال أبي طاهر الدباس الحنفي: إن من قال لغيره: أجزت لك
أن تروي عني ما لم تسمع، فكأنه قال: أجزت لك أن تكذب علي؛ لأن الشرع لا يبيح رواية ما
لم يسمع. تدريب الراوي ٣٠/٢.
قلت: وذهب بعضهم إلى إطلاق ((حدثنا)) و((أخبرنا)) في الإجازة كأبي العباس ابن بكر المالكي =

١٢٦
مقدمة الإمام النووي
. وإما بطريق الوجادة(١)، وقد غفل أكثر الرواة عن تبيين ذلك، وتحقيقه في
٠٠
فهاريسهم وتسميعاتهم وإجازاتهم، وغيرها، بل يقولون في جميع الكتاب: أخبرنا
إبراهيم، قال: أخبرنا مسلم، وهذا الفوات في ثلاثة مواضع محققة في أصول معتمدة.
فأولها: في كتاب الحج في باب: الحلق والتقصير، حديث ابن عمر رضي الله
عنهما أن رسول اللَّه ◌َله قال: ((رحم الله المحلقين))(٢) برواية ابن نمير، فشاهدت عنده
في أصل الحافظ أبي القاسم الدمشقي بخطه ما صورته: أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن
محمد بن سفيان، عن مسلم، قال: حدثنا ابن نمير، حدثنا أبي، حدثنا عبيد الله بن
عمر الحديث. وكذلك في أصلٍ بخط الحافظ أبي عامر العبدري: إلا أنه قال: حدثنا
أبو إسحاق.
وشاهدت عنده في أصل قديم مأخوذ عن أبي أحمد الجلودي ما صورته: من
ها هنا قرأت على أبي أحمد: حدثكم إبراهيم، عن مسلم. وكذا كان في كتابه إلى
العلامة. قال الشيخ رحمه الله: وهذه العلامة هي بعد ثمان ورقات أو نحوها عند أول
حديث ابن عمر رضي الله عنهما: أن رسول اللّه وَل﴿ كان إذا استوى على بعيره خارجاً
إلى سفر كبر ثلاثاً(٣).
وعندها في الأصل المأخوذ عن الجلودي ما صورته: إلى هنا قرأت عليه - يعني:
على الجلودي - عن مسلم، ومن هنا قال: حدثنا مسلم.
وفي أصل الحافظ أبي القاسم عندها بخطه من هنا يقول: حدثنا مسلم، وإلى هنا
شك.
الفائت الثاني: لإبراهيم أوله في أول الوصايا قول مسلم: حدثنا أبو خيثمة زهير بن
حيث سوى بين الإجازة وبين ضرب المناولة فقال في كتابه الوجازة: إنه يحل محل السماع والقراءة
=
عند جماعة من أصحاب الحديث. قال: وهو مذهب مالك. الإلماع للقاضي عياض ص ٨٨ - ٨٩.
وقال عيسى بن مسكين: الإجازة رأس مال كثير، وجائز أن يقول: حدثني فلان وأخبرني فلان.
الإلماع ص ٩١ .
حتى أن منهم من اختار تفضيل الإجازة على السَّماع مطلقاً تدريب الراوي ٢/ ٣١.
(١) الوجادة.
(٢) كتاب: الحج، باب: تفضيل الحق على التقصير وجواز التقصير (الحديث: ٣١٨).
(٣) كتاب: الحج، باب: ما يقوله إذا ركب إلى سفر الحج وغيره (الحديث: ٤٢٥).

١٢٧
فصل فوات إبراهيم بن سفیان بعض الأحاديث
حرب، ومحمد بن المثنى - واللفظ لمحمد بن المثنى - في حديث ابن عمر: ((ما حق
امرىء مسلم له شيء يريد أن يوصي(١) فيه)) - إلى قوله في آخر حديث - رواه في قصة
حويصة ومحيصة في القسامة: حدثني إسحاق بن منصور، أخبرنا بشر بن عمرو، قال:
سمعت مالك بن أنس ... الحديث(٢). وهو مقدار عشر ورقات. ففي الأصل المأخوذ
عن الجلودي، والأصل الذي بخط الحافظ أبي عامر العبدري ذكر انتهاء هذا الفوات عند
أول هذا الحديث وعَوْدِ قول إبراهيم: حدثنا مسلم. وفي أصل الحافظ أبي القاسم
الدمشقي شبه التردد في أن هذا الحديث داخل في الفوات أو غير داخل فيه والاعتماد
على الأول.
الفائت الثالث: أوله قول مسلم في أحاديث الإمارة والخلافة: حدثني زهير بن
حرب، حدثنا شبابة، حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه، عن النبي ◌ِّر: ((إنما الإمام
جنة)»(٣) ویمتد إلى قوله في کتاب الصيد والذبائح: حدثنا محمد بن مهران الرازي، حدثنا
أبو عبد اللَّه حماد بن خالد الخياط حديث أبي ثعلبة الخشني: ((إذا رميت سهمك)) (٤)
فمن أول هذا الحديث عَادَ قَوْلُ إِبراهيم: حدثنا مسلم.
وهذا الفوات أكثرها وهو نحو ثمان عشرة ورقة، وفي أوله بخط الحافظ الكبير
أبي حازم العبدري النيسابوري، وكان يروي الكتاب عن محمد بن يزيد العدل، عن
إبراهيم ما صورته: من هنا يقول إبراهيم: قال مسلم، وهو في الأصل المأخوذ عن
الجلودي، وأصل أبي عامر العبدري، وأصل أبي القاسم الدمشقي بكلمة: (عن).
وهكذا في الفائت الذي سبق في الأصل المأخوذ عن الجلودي، وأصل أبي عامر
العبدري، وأصل أبي القاسم وذلك يحتمل كونه روى ذلك عن مسلم بالوجادة ويحتمل
الإجازة، ولكن في بعض النسخ التصريح في بعض ذلك أو كله بكون ذلك عن مسلم
بالإجازة والله أعلم. هذا آخر كلام الشيخ رحمه اللَّه.
(١) كتاب: القسامة، باب القسامة (الحديث: ١).
(٢) كتاب: القسامة، باب: القسامة (الحديث: ٦).
(٣) كتاب: الإمارة، باب: الإمام جنة يقاتل به من وراءه ويتقى به (الحديث: ١٨٤١).
(٤) كتاب: الصيد والذبائح، باب: إذا غاب عنه الصيد ثم وجده (الحديث: ١٩٣١).

١٢٨
مقدمة الإمام النووي
فصل
[الإسناد من خاصة هذه الأمة]
قال الشيخ الإمام أبو عمرو بن الصلاح(١) رحمه اللَّه: اعلم أن الرواية بالأسانيد
المتصلة ليس المقصود منها في عصرنا، وكثير من الأعصار قبله، إثبات ما يُروی، إذ
لا يخلو إسناد منها عن شيخ لا يدري ما يرويه، ولا يضبط ما في كتابه ضبطاً يصلح لأن
يعتمد عليه في ثبوته. وإنما المقصود بها إبقاء سلسلة الإسناد التي خصت بها هذه الأمة
زادها اللَّه كرامة، وإذا كان كذلك فسبيل من أراد الاحتجاج بحديث من صحيح مسلم
وأشباهه أن ينقله من أصل مقابل على يدي ثقتين بأصول صحيحة متعددة مروية بروايات
متنوعة ليحصل له بذلك مع اشتهار هذه الكتب وبعدها عن أن تقصد بالتبديل والتحريف،
الثقة بصحة ما اتفقت عليه تلك الأصول، فقد تكثر تلك الأصول المقابل بها كثرة تتنزل
منزلة التواتر أو منزلة الاستفاضة. هذا كلام الشيخ. وهذا الذي قاله محمول على
الاستحباب والاستظهار، وإلا فلا يشترط تعداد الأصول والروايات، فإن الأصل الصحيح
المعتمد يكفي وتكفي المقابلة به والله أعلم.
فصل
[أصح الكتب بعد القرآن الصحيحان]
اتفق العلماء رحمهم اللَّه على أن أصح الكتب بعد القرآن العزيز الصحيحان:
البخاري ومسلم، وتلقتهما الأمة بالقبول، وكتاب البخاري أصحهما وأكثرهما فوائد
ومعارف ظاهرة وغامضة. وقد صح أن مسلماً كان ممن يستفيد من البخاري، ويعترف
بأنه ليس له نظير في علم الحديث، وهذا الذي ذكرناه من ترجيح كتاب البخاري هو
المذهب المختار الذي قاله الجماهير وأهل الإتقان، والحذق، والغوص على أسرار
الحدیث.
وقال أبو علي الحسين بن علي النيسابوري الحافظ شيخ الحاكم أبي عبد الله بن
البيع: كتاب مسلم أصح. ووافقه بعض شيوخ المغرب، والصحيح الأول وقد قرر الإمام
الحافظ الفقيه النظار أبو بكر الإسماعيلي رحمه الله في كتابه: ((المدخل)) ترجيح كتاب
(١) صيانة صحيح مسلم: ١١٧ .

١٢٩
فصل أصح الكتب بعد القرآن الصحيحان
البخاري، وروينا عن الإمام أبي عبد الرحمن النسائي رحمه اللّه أنه قال: ما في هذه
الكتب كلها أجود من كتاب البخاري. قلت: ومن أخصر ما ترجح به اتفاق العلماء على
أن البخاري أجلّ من مسلم وأعلم بصناعة الحديث منه، وقد انتخب علمه ولخص
ما ارتضاه في هذا الكتاب، وبقي في تهذيبه وانتقائه ست عشرة سنة وجمعه من ألوف
مؤلفة من الأحاديث الصحيحة، وقد ذكرت دلائل هذا كله في أول شرح صحيح
البخاري، ومما ترجح به كتاب البخاري أن مسلماً رحمه اللّه كان مذهبه بل نقل الإجماع
في أول صحيحه: أن الإسناد المعنعن له حكم الموصول بسمعت بمجرد كون المعنعن،
والمعنعن عنه كانا في عصر واحد، وإن لم يثبت اجتماعهما، والبخاري لا يحمله على
الاتصال حتى يثبت اجتماعهما. وهذا المذهب يرجح كتاب البخاري، وإن كنا لا نحكم
على مسلم بعمله في صحيحه بهذا المذهب لكونه يجمع طرقاً كثيرة يتعذر معها وجود
هذا الحكم الذي جوزه والله أعلم.
وقد انفرد مسلم بفائدة حسنة وهي كونه أسل متناولاً من حيث أنه جعل لكل
حديث موضعاً واحداً يليق به، جمع فيه طرقه التي ارتضاها واختار ذكرها وأورد فيه
أسانيده المتعددة، وألفاظه المختلفة فيسهل على الطالب النظر في وجوهه واستثمارها،
ويحصل له الثقة بجميع ما أورده مسلم من طرقه، بخلاف البخاري فإنه يذكر تلك الوجوه
المختلفة في أبواب متفرقة متباعدة، وكثير منها يذكره في غير بابه الذي يسبق إلى الفهم
أنه أولى به، وذلك لدقيقة يفهمها البخاري منه، فيصعب على الطالب جمع طرقه
وحصول الثقة بجميع ما ذكره البخاري من طرق هذا الحديث.
وقد رأيت جماعة من الحفاظ المتأخرين غلطوا في مثل هذا فنفوا رواية البخاري
أحاديث هي موجودة في صحيحه في غير مظانها السابقة إلى الفهم والله أعلم.
ومما جاء في فضل صحيح مسلم ما بلغنا عن مكي بن عبدان أحد حفاظ نيسابور
أنه قال: سمعت مسلم بن الحجاج رضي الله عنه يقول: لو أن أهل الحديث يكتبون
مائتي سنة الحديث فمدارهم على هذا المسند، يعني: صحيحه. قال: وسمعت مسلماً
يقول: عرضت كتابي هذا على أبي زرعة الرازي، فكل ما أشار أن له علة تركته، وكل
ما قال أنه صحيح وليس له علة خرجته(١). وذكر غيره ما رواه الحافظ أبو بكر الخطيب
(١) سير أعلام النبلاء: ٥٦٨/١٢.

١٣٠
مقدمة الإمام النووي
البغدادي (١) بإسناده عن مسلم رحمه اللَّه قال: صنفت هذا المسند الصحيح من ثلثمائة
ألف حديث مسموعة.
فصل
[شرط مسلم الحديث الصحيح في صحيحه]
قال الشيخ الإمام أبو عمرو بن الصلاح(٢) رحمه اللَّه: شرط مسلم رحمه الله تعالى
في صحيحه أن يكون الحديث متصل الإسناد بنقل الثقة عن الثقة من أوله إلى منتهاه،
سالماً من الشذوذ والعلة. قال: وهذا حد الصحيح، فكل حديث اجتمعت فيه هذه
الشروط فهو صحيح بلا خلاف بين أهل الحديث، وما اختلفوا في صحته من الأحاديث
فقد يكون سبب اختلافهم انتفاء شرط من هذه الشروط، وبينهم خلاف في اشتراطه، كما
إذا كان بعض الرواة مستوراً، أو كان الحديث مرسلاً، وقد يكون سبب اختلافهم أنه هل
اجتمعت فيه هذه الشروط، أم انتفى بعضها؟ وهذا هو الأغلب في ذلك، كما إذا كان
الحديث في رواته من اختلف في كونه من شرط الصحيح، فإذا كان الحديث رواته كلهم
ثقاة غير أن فيهم أبا الزبير المكي مثلاً، أو سهيل بن أبي صالح، أو العلاء بن
عبد الرحمن، أو حماد بن سلمة، قالوا فيه: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، وليس
بصحيح على شرط البخاري، لكون هؤلاء عند مسلم ممن اجتمعت فيهم الشروط
المعتبرة ولم يثبت عند البخاري ذلك فيهم، وکذا حال البخاري فيما خرجه من حديث
عكرمة مولى ابن عباس، وإسحاق بن محمد الفروي، وعمرو بن مرزوق، وغيرهم ممن
احتج بهم البخاري ولم يحتج بهم مسلم. قال الحاكم أبو عبد اللَّه الحافظ النيسابوري في
كتابه: ((المدخل إلى معرفة المستدرك)): عدد من خرج لهم البخاري في الجامع الصحيح
ولم يخرج لهم مسلم أربعمائة وأربعة وثلاثون شيخاً، وعدد من احتج بهم مسلم في
المسند الصحيح ولم يحتج بهم البخاري في الجامع الصحيح ستمائة وخمسة وعشرون
شيخاً والله أعلم.
وأما قول مسلم رحمه الله في صحيحه، في باب: صفة صلاة رسول اللّه ◌َلّ:
ليس كل شيء صحيح عندي وضعته ههنا - يعني: في كتابه هذا الصحيح - وإنما وضعت
(١) تاريخ بغداد: ١٣/ ١٠١.
(٢) صيانة صحيح مسلم: ٧٣ - ٧٥.

١٣١
فصل في ما وقع في الصحيحين
ههنا ما أجمعوا عليه. فمشكل فقد وضع فيه أحاديث كثيرة مختلفاً في صحتها، لكونها
من حدیث من ذكرناه، ومن لم نذكره ممن اختلفوا في صحة حديثه.
قال الشیخ وجوابه من وجھین:
أحدهما: أن مراده أنه لم يضع فيه إلا ما وجد عنده فيه شروط الصحيح المجمع
عليه وإن لم يظهر اجتماعها في بعض الأحاديث عند بعضهم.
والثاني: أنه أراد أنه لم يضع فيه ما اختلفت الثقات فيه في نفس الحديث متناً
أو إسناداً ولم يرد ما كان اختلافهم، إنما هو في توثيق بعض رواته، وهذا هو الظاهر من
كلامه، فإنه ذكر ذلك لما سئل عن حديث أبي هريرة: ((فإذا قرأ فأنصتوا)) هل هو
صحیح؟ فقال: هو عندي صحیح. فقيل: لِمَ لَمْ تضعه ههنا. فأجاب بالكلام المذكور،
ومع هذا فقد اشتمل كتابه على أحاديث اختلفوا في إسنادها أو متنها لصحتها عنده، وفي
ذلك ذهول منه عن هذا الشرط أو سبب آخر، وقد استدركت وعللت. هذا آخر كلام
الشیخ رحمه الله.
فصل
[في ما وقع في الصحيحين مما صورته الانقطاع]
قال الشيخ الإمام أبو عمرو بن الصلاح رحمه اللَّه: ما وقع في صحيحي البخاري
ومسلم مما صورته صورة المنقطع ليس ملتحقاً بالمنقطع في خروجه من حيز الصحيح
إلى حيز الضعيف، ويسمى هذا النوع تعليقاً سماه به الإمام أبو الحسن الدارقطني،
ويذكره الحميدي في ((الجمع بين الصحيحين)) وكذا غيره من المغاربة، وهو في كتاب
البخاري كثير جداً، وفي كتاب مسلم قليل جداً، قال: فإذا كان التعليق منهما بلفظ فيه
جزم بأن من بينهما وبينه الانقطاع قد قال ذلك، أو رواه واتصل الإسناد منه على الشرط،
مثل أن يقولا: روى الزهري، عن فلان. ویسوقا إسناده الصحیح. فحال الکتابین يوجب
أن ذلك من الصحيح عندهما وكذلك ما روياه عمن ذكراه بلفظ مبهم لم يعرف به،
وأورداه أصلاً محتجين به، وذلك مثل: حدثني بعض أصحابنا، ونحو ذلك، قال: وذكر
الحافظ أبو علي الغساني الجياني: أن الانقطاع وقع فيما رواه مسلم في كتابه في أربعة
عشر موضعاً.

١٣٢
مقدمة الإمام النووي
أولها: في التيمم، قوله: في حديث أبي الجهم: ((وروى الليث بن سعد))(١)، ثم
قوله: في كتاب: الصلاة، في باب: الصلاة على النبي ◌َّ: ((حدثنا صاحبٌ لنا عن
إسماعيل بن زكرياء، عن الأعمش)) وهذا في رواية أبي العلاء بن ماهان، وَسَلَمَتْ رواية
أبي أحمد الجلودي من هذا، فقال فیه: عن مسلم؛ حدثنا محمد بن بکار، قال: «حدثنا
إسماعيل بن زكرياء)) (٢)، ثم في باب: السكوت بين التكبير والقراءة، قوله: ((وحدثت
عن يحيى بن حسان ويونس المؤدّب))(٣)، ثم قوله في كتاب: الجنائز في حديث عائشة
رضي اللَّه عنها في خروج النبي ◌َ ◌ّه إلى البقيع ليلاً: ((وحدثني من سمع حجّاجاً الأعور
- واللفظ له - قال: حدثنا ابن جريج))(٤). وقوله في باب: الجوائح في حديث عائشة
رضي اللَّه عنها: ((حدثني غير واحد من أصحابنا، قالوا: حدثنا إسماعيل بن
أبي أويس)»(٥). وقوله في هذا الباب: ((وروى الليث بن سعد، قال: حدثني جعفر بن
ربيعة»(٦) وذکر حدیث کعب بن مالك في تقاضي ابن أبي حدرد. وقوله في باب احتكار
الطعام في حديث معمر بن عبد اللّه العدوي: ((حدثني بعض أصحابنا عن عمرو بن
عون))(٧). وقوله في صفة النبي وكل9: ((وحدثت عن أبي أسامة، وممن روى ذلك عنه
إبراهيم بن سعيد الجوهري، قال: حدثنا أبو أسامة)»(٨) وذكر أبو علي: أنه رواه أبو أحمد
الجلودي عن محمد بن المسيب الأرغياني، عن إبراهيم بن سعيد.
قال الشيخ: ورويناه من غير طريق أبي أحمد عن محمد بن المسيب، ورواه غير
ابن المسيب عن إبراهيم الجوهري، وسنورد ذلك في موضعه إن شاء اللَّه تعالى. وقوله
في آخر الفضائل في حديث ابن عمر رضي الله عنهما، عن رسول اللّه وَلخر: ((أرأيتكم
(١) كتاب: الحيض، باب: التيمم (الحديث: ١١٤).
(٢) في كتاب: الصلاة، باب: الصلاة على النبي وَ﴿ (الحديث: ٦٨).
(٣) في كتاب: الصلاة، باب: ما يقال بين تكبيرة الإحرام والقراءة (الحديث: ١٤٨).
(٤) في كتاب: الجنائز، باب: ما يقال عند دخول القبور والدعاء لأهلها (الحديث: ١٠٣).
(٥) في كتاب: المساقاة، باب: الوضع من الدَّيْن (الحديث: ١٩).
(٦) في كتاب: المساقاة، باب: استحباب الوضع من الدين (الحديث: ٢١).
(٧) في كتاب: المساقاة، باب: تحريم الاحتكار في الأوقات (الحديث: ١٤٢٨/٣).
(٨) في كتاب: الفضائل، باب: إذا أراد اللَّه تعالى رحمة أمة قبض نبيها قبلها (الحديث: ٢٤).

١٣٣
فصل في ما وقع في الصحيحين
ليلتكم هذه)» رواية مسلم (١) إياه موصولاً، عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه،
ثم قال: ((حدثني عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، قال: أخبرنا أبو اليمان، قال: أخبرنا
شعيب، ورواه الليث، عن عبد الرحمن بن خالد بن مسافر كلاهما عن الزهري بإسناد
معمر، کمثل حدیثه».
وقول مسلم في آخر كتاب: القدر (٢) في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله
عنه: ((لتركبن سنن من قبلكم)) حدثني عدة من أصحابنا عن سعيد بن أبي مريم، وهذا قد
وصله إبراهيم بن محمد بن سفيان، عن محمد بن يحيى، عن ابن أبي مريم.
قال الشيخ: وإنما أورده مسلم عل وجه المتابعة والاستشهاد.
وقوله فيما سبق في الاستشهاد والمتابعة في حديث البراء بن عازب، في الصلاة
الوسطى، بعد أن رواه موصولاً: ((ورواه الأشجعي، عن سفيان الثوري)) إلى آخره.
وقوله أيضاً في الرجم في المتابعة، لما رواه موصولاً من حديث أبي هريرة، في
الذي اعترف على نفسه بالزنى: ((ورواه الليث أيضاً، عن عبد الرحمن بن خالد بن
مسافر، عن ابن شهاب بهذا الإسناد)).
وقوله في كتاب: الإمارة في المتابعة، لما رواه متصلاً من حديث عوف بن مالك:
((خيار أئمتكم الذين تحبونهم)) (٣): و ((رواه معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد)).
قال الشيخ: وذكر أبو علي فيما رواه عندنا من كتابه في الرابع عشر حديث
ابن عمر: ((أرأيتكم ليلتكم هذه» المذكور في الفضائل (٤) وقد ذكره مرة أخرى فيسقط هذا
من العدد، ويسقط الحديث الثاني؛ لكون الجلودي رواه عن مسلم موصولاً وروايته هي
المعتمدة المشهورة، فهي إذاً اثنا عشر لا أربعة عشر.
قال الشيخ: وأخذ هذا عن أبي علي أبو عبد الله المازري صاحب: ((المعلم)
(١) في كتاب: الفضائل، باب: قوله وَ ل9: ((لا تأتي مائة سنة وعلى الأرض نفس منفوسة اليوم))
(الحديث: ٢١٧).
(٢) والصحيح أنه في كتاب: العلم، باب: اتباع سفن اليهود والنصارى (الحديث: ٤/ ٢٠٥٤).
(٣) في كتاب: الإمارة، باب: خيار الأئمة وشرارهم (الحديث: ١٤٨١).
(٤) الحديث: ٢١٧ - ٤ /١٩٦٥.

١٣٤
مقدمة الإمام النووي
فأطلق أن في الكتاب أحاديث مقطوعة في أربعة عشر موضعاً، وهذا يوهم خللاً في
ذلك، وليس ذلك كذلك، وليس شيء من هذا والحمد اللَّه مخرجاً؛ لما وجد فيه من
حيز الصحيح، بل هي موصولة من جهات صحيحة، لا سيما ما كان منها مذكوراً على
وجه المتابعة، ففي نفس الكتاب وصلها، فاكتفى بكون ذلك معروفاً عند أهل الحديث،
كما أنه روى عن جماعة من الضعفاء اعتماداً على كون ما رواه عنهم معروفاً من رواية
الثقات على ما سنرويه عنه فيما بعد إن شاء الله تعالى.
قال الشيخ أبو عمرو رحمه اللَّه: وهكذا الأمر في تعليقات البخاري بألفاظ جازمة
مثبتة على الصفة التي ذكرناها، كمثل ما قال فيه: قال فلان، أو روى فلان، أو ذكر
فلان، أو نحو ذلك، ولم يصب أبو محمد بن حزم الظاهري(١) حيث جعل مثل ذلك
انقطاعاً قادحاً في الصحة، واستروح إلى ذلك في تقرير مذهبه الفاسد في إباحة الملامي،
وزعمه أنه لم يصح في تحريمها حديث مجيباً عن حديث أبي عامر، أو أبي مالك
الأشعري، عن رسول اللَّهِ وَله: ((ليكونن في أمتي أقوام يستحلون الحرير والخمر
والمعازف))(٢) إلى آخر الحديث، فزعم أنه وإن أخرجه البخاري فهو غير صحيح؛ لأن
البخاري قال فيه: قال هشام بن عمار، وساقه بإسناده، فهو منقطع فيما بين البخاري
وهشام، وهذا خطأ من ابن حزم من وجوه:
أحدها: أنه لا انقطاع في هذا أصلاً، من جهة أن البخاري لقي هشاماً، وسمع منه،
وقد قررنا في كتابنا: ((علوم الحديث)): أنه إذا تحقق اللقاء والسماغ مع السلامة من
التدليس، حمل ما يرويه عنه على السماع بأي لفظ كان، كما يحمل قول الصحابي: قال
رسول اللّه وَلجر، على سماعه منه إذا لم يظهر خلافه، وكذا غير قال من الألفاظ(٣).
الثاني: أن هذا الحديث بعينه معروف الاتصال بصريح لفظه من غير جهة البخاري.
الثالث: أنه وإن كان ذلك انقطاعاً، فمثل ذلك في الكتابين غير ملحق بالانقطاع
القادح، لما عرف من عادتهما وشرطهما وذكرهما ذلك في كتاب موضوع لذكر الصحيح
(١) في المحلى: ٧٠٨/٩.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب: الأشربة، باب: ما جاء فيمن يستحل الخمر ويسميه بغير اسمه
(الحديث: ٤٥/١٠).
(٣) مقدمة ابن الصلاح: ٦٧ .

١٣٥
فصل في حكم أحاديث صحيح مسلم
خاصة، فلن يستجيزا فيه الجزم المذكور من غير ثبت وثبوت، بخلاف الانقطاع،
أو الإرسال الصادر من غيرهما، هذا كله في المعلق بلفظ الجزم، أما إذا لم يكن ذلك
منهما بلفظ جازم مثبت له عمن ذكراه عنه على الصفة التي تقدم ذكرها، مثل أن يقولا :
روی عن فلان، أو ذكر عن فلان، أو في الباب عن فلان، ونحو ذلك، فليس ذلك في
حکم التعليق الذي ذكرناه، ولكن يستأنس بإیرادهما له.
وأما قول مسلم في خطبة كتابه: وقد ذكر عن عائشة رضي الله عنها: أنها قالت:
((أمرنا رسول اللّه ◌َ ليل أن ننزل الناس منازلهم)). فهذا بالنظر إلى أن لفظه ليس جازماً
لا يقتضي حكمه بصحته، وبالنظر إلى أنه احتج به، وأورده إيراد الأصول، لا إيراد
الشواهد یقتضي حکمه بصحته.
ومع ذلك فقد حكم الحاكم أبو عبد الله الحافظ في كتابه كتاب: ((معرفة علوم
الحديث)) بصحته، وأخرجه أبو داود في سننه(١) بإسناده منفرداً به، وذكر: أن الراوي له
عن عائشة: میمون بن أبي شبيب، ولم يدركها.
قال الشيخ: وفيما قاله أبو داود نظر، فإنه كوفي متقدم، قد أدرك المغيرة بن
شعبة، ومات المغيرة قبل عائشة، وعند مسلم التعاصر مع إمكان التلاقي كافٍ في ثبوت
الإدراك، فلو ورد عن ميمون أنه قال: لم ألقَ عائشة استقام لأبي داود الجزم بعدم
إدراكه، وهیهات ذلك. هذا آخر كلام الشيخ.
قلت: وحديث عائشة هذا قد رواه البزار فى مسنده، وقال: هذا الحديث لا يعلم
عن النبي ◌ّ إلا من هذا الوجه، وقد روي عن عائشة من غير هذا الوجه موقوفاً.
والله أعلم.
فصل
[في حکم أحاديث صحيح مسلم]
قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله (٢): جميع ما حكم مسلم رحمه الله
بصحته في هذا الكتاب، فهو مقطوع بصحته، والعلم النظري حاصل بصحته في نفس
(١) في كتاب: الأدب، باب: في تنزيل الناس منازلهم (الحديث: ٤٨٤٢).
(٢) صيانة صحيح مسلم: ٨٥.

١٣٦
مقدمة الإمام النووي
الأمر، وهكذا ما حكم البخاري بصحته في كتابه، وذلك، لأن الأمة تلقت ذلك بالقبول
سوى من لا يعتد بخلافه، ووفاقه في الإجماع.
قال الشيخ: والذي نختاره أن تلقي الأمة للخبر المنحط عن درجة التواتر بالقبول،
يوجب العلم النظري بصدقه خلافاً لبعض محققي الأصوليين، حيث نفى ذلك بناءً على
أنه لا يفيد في حق كل منهم إلا الظن، وإنما قبله؛ لأنه يجب عليه العمل بالظن والظن قد
يخطىء.
قال الشيخ: وهذا مندفع؛ لأن ظن من هو معصوم من الخطأ لا يخطىء والأمة في
إجماعها معصومة من الخطأ. وقد قال إمام الحرمين: لو حلف إنسان بطلاق امرأته أن
ما في كتابي البخاري ومسلم مما حكما بصحته من قول النبي ول# لما ألزمته الطلاق
ولا حنثته لإجماع علماء المسلمين على صحتهما.
قال الشيخ: ولقائل أن يقول: إنه لا يحنث ولو لم يجمع المسلمون على صحتهما
للشك في الحنث، فإنه لو حلف بذلك في حديث لیست هذه صفته لم يحنث، وإن كان
راويه فاسقاً، فعدم الحنث حاصل قبل الإجماع، فلا يضاف إلى الإجماع.
قال الشيخ: والجواب أن المضاف إلى الإجماع هو القطع بعدم الحنث ظاهراً
وباطناً. وأما عند الشك فعدم الحنث محكوم به ظاهراً مع احتمال وجوده باطناً، فعلى
هذا يحمل كلام إمام الحرمين فهو اللائق بتحقيقه، فإذا علم هذا فما أخذ على البخاري
ومسلم وقدح فيه معتمد من الحفاظ فهو مستثنى مما ذكرناه لعدم الإجماع على تلقيه
بالقبول، وما ذلك إلا في مواضع قليلة سننبّه على ما وقع في هذا الكتاب منها إن
شاء الله تعالى - وهذا آخر ما ذكره الشيخ أبو عمرو رحمه الله هنا. وقال في جزء له:
ما اتفق البخاري ومسلم على إخراجه فهو مقطوع بصدق مخبره، ثابت يقيناً لتلقي الأمة
ذلك بالقبول، وذلك يفيد العلم النظري(١)، وهو في إفادة العلم، كالمتواتر، إلا أن
المتواتر يفيد العلم الضروري وتلقي الأمة بالقبول يفيد العلم النظري، وقد اتفقت الأمة
على أن ما اتفق البخاري ومسلم على صحته فهو حق وصدق.
قال الشيخ في: ((علوم الحديث)): وقد كنت أميل إلى أن ما اتفقا عليه فهو مظنون،
(١) أي العلم المتوقف على النظر والاستدلال والتأمل.

١٣٧
فصل في بيان عدد أحاديث البخاري ومسلم
وأحسبه مذهباً قوياً، وقد بان لي الآن أنه ليس كذلك، وأن الصواب: أنه يفيد العلم.
وهذا الذي ذكره الشيخ في هذه المواضع خلاف ما قاله المحققون والأكثرون فإنهم
قالوا: أحاديث الصحيحين التي ليست بمتواترة إنما تفيد الظن، فإنها آحاد، والآحاد إنما
تفيد الظن على ما تقرر، ولا فرق بين البخاري ومسلم وغيرهما في ذلك، وتلقي الأمة
بالقبول إنما أفادنا وجوب العمل بما فيهما، وهذا متفق عليه، فإن أخبار الآحاد التي في
غيرهما يجب العمل بها إذا صحت أسانيدها ولا تفيد إلا الظن، فكذا الصحيحان، وإنما
يفترق الصحيحان وغيرهما من الكتب في كون ما فيهما صحيحاً لا يحتاج إلى النظر فيه،
بل يجب العمل به مطلقاً، وما كان في غيرهما لا يعمل به حتى ينظر، وتوجد فيه شروط
الصحيح، ولا يلزم من إجماع الأمة على العمل بما فيهما إجماعهم على أنه مقطوع بأنه
كلام النبي ◌َّر، وقد اشتد إنكار ابن برهان الإمام على من قال بما قاله الشيخ وبالغ في
تغليطه .
وأما ما قاله الشيخ رحمه الله في تأويل كلام إمام الحرمين في عدم الحنث، فهو
بناء على ما اختاره الشيخ، وأما على مذهب الأكثرين فيحتمل أنه أراد أنه لا يحنث ظاهراً
ولا يستحب له التزام الحنث، حتى تستحب له الرجعة، كما لو حلف بمثل ذلك في غير
الصحيحين فإنا لا نحتثه، لكن تستحب له الرجعة احتياطاً لاحتمال الحنث، وهو احتمال
ظاهر، وأما الصحيحان فاحتمال الحنث فيهما في غاية من الضعف فلا تستحب له
المراجعة لضعف احتمال موجبها. والله أعلم.
فصل
[في بيان عدد أحاديث البخاري ومسلم دون المكررات]
قال الشيخ أبو عمرو رحمه الله(١): روينا عن أبي قريش الحافظ قال: كنت عند
أبي زرعة الرازي فجاء مسلم بن الحجاج، فسلم عليه وجلس ساعة، وتذاكر فلما قام،
قلت له: هذا جمع أربعة آلاف حديث في الصحيح. قال أبو زرعة: فلمن ترك الباقي.
قال الشيخ: أراد أن كتابه هذا أربعة آلاف حديث أصول دون المكررات (٢). وكذا
(١) صيانة صحيح مسلم: ١٠١ .
(٢) قلت: إن عدد أحاديث صحيح مسلم رحمه اللَّه تعالى غير محددة تماماً، ولا ندري لماذا! ولكن في =

١٣٨
مقدمة الإمام النووي
كتاب البخاري ذكر أنه أربعة آلاف حديث بإسقاط المكرر، وبالمكرر سبعة آلاف ومائتان
وخمسة وسبعون حديثاً، ثم إن مسلماً رحمه الله رتب كتابه على أبواب، فهو مبوب في
الحقیقة، ولکنه لم یذکر تراجم الأبواب فيه؛ لئلا يزداد بها حجم الكتاب أو لغير ذلك.
قلت: وقد ترجم جماعة أبوابه بتراجم بعضها جيد وبعضها ليس بجيد، إما لقصور
في عبارة الترجمة، وإما لركاكة لفظها، وإما لغير ذلك. وأنا إن شاء اللَّه أحرص على
التعبير عنها بعبارات تليق بها في مواطنها. والله أعلم.
فصل
[في التفريق بين حدّثنا وأخبرنا وغيرهما]
سلك مسلم رحمه اللّه في صحيحه طرقاً بالغة في الاحتياط والإتقان والورع
والمعرفة، وذلك مصرح بكمال ورعه، وتمام معرفته، وغزارة علومه، وشدة تحقيقه
بحفظه، وتقعدده في هذا الشأن، وتمكنه من أنواع معارفه وتبريزه في صناعته، وعلو
محله في التمييز بين دقائق علومه لا يهتدي إليها إلا أفراد في الإعصار، فرحمه الله
ورضي عنه. وأنا أذكر أحرفاً من أمثلة ذلك تنبيهاً بها على ما سواها إذ لا يعرف حقيقة
حاله، إلا من أحسن النظر في كتابه مع كمال أهليته، ومعرفته بأنواع العلوم التي يفتقر
إليها صاحب هذه الصناعة، كالفقه والأصوليين والعربية، وأسماء الرجال، ودقائق علم
الأسانيد والتاريخ، ومعاشرة أهل هذه الصنعة ومباحثتهم، ومع حسن الفكر ونباهة الذهن
ومداومة الاشتغال به، وغير ذلك من الأدوات التي يفتقر إليها، فمن تحرى مسلم
رحمه الله اعتناؤه بالتمييز بين حدثنا وأخبرنا وتقييده ذلك على مشايخه، وفي روايته.
وكان من مذهبه رحمه اللَّه الفرق بينهما، وأن حدثنا لا يجوز إطلاقه، إلا لما سمعه من
لفظ الشيخ خاصة، وأخبرنا لما قرىء على الشيخ، وهذا الفرق هو مذهب الشافعي
كتاب مفتاح كنوز السنّة وجدت عدد أحاديث الصحيح ما يقارب ٧٥٨١ حديثاً تقريباً مع المكررات،
=
وفي کتاب الصحیح نفسه تحقیق محمد فؤاد عبد الباقي رحمه الله تعالی وجدت عدد أحاديثه من
غير المكررات ما يقارب ٣٠٣٣ حديثاً، وفي خلال تحقيقي للكتاب وجدتُ أن عدد الأحاديث فيه
ما يقارب ٧٣٤٥ حديثاً مع المكررات. وهناك قول ولعله ضعيف والله أعلم أن عدد ما يحتويه
صحيح مسلم من الأحاديث هي ١٢٠٠٠ حديثاً كما ورد في تذكرة الحفاظ: ١٥١/٢، ولكن هذا
مستبعد .

١٣٩
فصل في التفريق بين حدّثنا وأخبرنا
وأصحابه وجمهور أهل العلم بالمشرق(١). قال محمد بن الحسن الجوهري المصري:
وهو مذهب أكثر أصحاب الحديث الذين لا يحصيهم أحد، وروي هذا المذهب أيضاً عن
ابن جريج، والأوزاعي(٢)، وابن وهب(٣)، والنسائي، وصار هو الشائع الغالب على أهل
الحديث(٤). وذهب جماعات إلى أنه يجوز أن تقول فيما قرىء على الشيخ: حدثنا
وأخبرنا، وهو مذهب: الزهري، ومالك(٥)، وسفيان بن عيينة، ويحيى بن سعيد القطان
وآخرين من المتقدمين، وهو مذهب البخاري وجماعة من المحدثين، وهو مذهب معظم
الحجازيين والكوفيين، وذهبت طائفة إلى أنه لا يجوز إطلاق حدثنا، ولا أخبرنا في
القراءة، وهو مذهب: ابن المبارك، ویحیی بن یحیی، وأحمد بن حنبل، والمشهور عن
(١) واستدل أصحاب هذا الرأي مفرقين بين الضربين بقولهم: ((ولا تكون أخبرنا إلا مشافهة، ويصح
أخبرنا في الكتاب والتبليغ؛ ألا ترى أنك تقول أخبرنا اللَّه بكذا، وأخبرنا رسوله، ولا تقول حدثنا)).
الإلماع: ١٢٤ .
(٢) ومما يدل على رأي الأوزاعي رحمه اللَّه تعالى في هذه المسألة ما رواه الوليد بن مزيد قائلاً: قلت
للأوزاعي: ما قرأته وما أجزته لي ما أقول فيهما؟ قال: ما أجزت لك وحدك فقل فيه: خبَّرني،
وما أجزته لجماعة أنت فيهم فقل فيه: خبَّرنا، وما قرأتَ عليَّ وحدك فقل فيه: أخبرني، وما قرىء
في جماعة أنت فيهم فقل فيه: أخبرنا، وقرأته عليك وحدك فقل فيه: حدثني، وما قرأته على
جماعة أنت فيهم فقل فيه: حدثنا انظر: الإلماعِ: ١٢٧، والكفاية ٣٠٢ .
(٣) وكذلك مما يدل على رأي ابن وهب رحمه الله تعالى في هذه المسألة قوله: ما قلت: (حدثنا) فهو
ما سمعت مع الناس، وما قلت: (حدثني) فهو ما سمعت وحدي، وما قلت: (أخبرنا) فهو ما قرىء
على العالم وأنا شاهد، وما قلت: (أخبرني) فهو ما قرأت على العالم. انظر الكفاية: ٢٩٤،
والإلماع: ١٢٧ .
(٤) انظر المنهل الروي: ١٠٥ .
(٥) ومما يدل على رأي الإمام مالك رضي اللَّه عنه في هذه المسألة قول ابن وهب: قلت لمالك: إذا
سمعت الأحاديث منك تقرأ عليَّ وأقرأ عليك كيف أقول؟ قال: إن شئت فقل: حدثنا، وإن شئت
فقل: أخبرنا، وإن شئت فقل: حدثني أو أخبرني. قال: وأراه قال: وإن شئت فقل: سمعت. انظر
جامع بيان العلم: ١٧٥/٢، والإلماع: ١٢٣ .
قلت: ودليل هؤلاء الأئمة في عدم التفريق بين حدثنا وأخبرنا قوله تعالى: ﴿اللَّه نَزَّل أحسن
الحديث﴾ [الزمر: ٢٣] وقوله: ﴿من أصدق من الله حديثاً﴾ [النساء: ٨٧]، وقال تعالى: ﴿يومئذٍ
تحدث أخبارها﴾ [الزلزلة: ٤]، وقال أيضاً: ﴿قد نبأنا اللَّه من أخباركم﴾ [التوبة: ٩٤]، فقد
سوى اللَّه سبحانه وتعالى بين هذه الألفاظ. وقال عليه الصلاة والسلام: ((حدثوني ما هي)) رواه
الطبري في تفسيره: ١٣٧/١٣، وقوله أيضاً: ((أخبرني بهن آنفاً جبريل)) أخرجه البخاري: ١٢٥/٨ .
ومثل هذا كثير في أحاديثه عليه الصلاة والسلام.

١٤٠
مقدمة الإمام النووي
النسائي(١)، والله أعلم. ومن ذلك اعتناؤه بضبط اختلاف لفظ الرواة، كقوله: حدثنا
فلان وفلان، واللفظ لفلان. قال أو قالا: حدثنا فلان، وكما إذا كان بينهما اختلاف في
حرف من متن الحديث، أو صفة الراوي، أو نسبه، أو نحو ذلك، فإنه یبینه، وربما كان
بعضه لا يتغير به معنى، وربما كان في بعضه اختلاف في المعنى، ولكن كان خفياً
لا يتفطن له إلا ماهر في العلوم التي ذكرتها في أول الفصل مع اطلاع على دقائق الفقه،
ومذاهب الفقهاء. وسترى في هذا الشرح من فوائد ذلك ما تقر به عينك إن شاء الله
تعالى، وينبغى أن ندقق النظر في فهم غرض مسلم من ذلك، ومن ذلك تحريه في رواية
صحيفة همام بن منبه، عن أبي هريرة. کقوله: حدثنا محمد بن رافع، قال: حدثنا
عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن همام، قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة، عن محمد
رسول اللَّهِوَ له، فذكر أحاديث منها. وقال رسول اللَّه ◌َله: ((إذا توضأ أحدكم
فليستنشق)). الحديث. وذلك؛ لأن الصحائف والأجزاء، والكتب المشتملة على أحاديث
بإسناد واحد إذا اقتصر عند سماعها على ذكر الإسناد في أولها، ولم يجدد عند كل
حديث منها، وأراد إنسان ممن سمع كذلك أن يفرد حديثاً منها غير الأول بالإسناد
المذکور في أولها، فهل يجوز له ذلك قال وكيع بن الجراح، ويحيى بن معين، وأبو بكر
الإسماعيلي الشافعي الإمام في الحديث والفقه والأصول: يجوز ذلك. وهذا مذهب
الأكثرين من العلماء؛ لأن الجميع معطوف على الأول، فالإسناد المذكور أولاً في حكم
المعاد في كل حديث. وقال الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني الفقيه الشافعي الإمام في علم
الأصوليين والفقه، وغير ذلك: لا يجوز ذلك. فعلى هذا من سمع هكذا فطريقه أن يبين
ذلك، كما فعله مسلم، فمسلم رحمه اللَّه سلك هذا الطريق ورعاً، واحتياطاً، وتحرياً،
وإتقاناً رضي الله عنه. ومن ذلك تحریه في مثل قوله: حدثنا عبد الله بن مسلمة، حدثنا
سليمان يعني: ابن بلال عن يحيى، وهو: ابن سعيد، فلم يستجز رضي اللَّه عنه أن
يقول: سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، لكونه لم يقع في روايته منسوباً، فلو قاله
منسوباً لكان مخبراً عن شيخه، أنه أخبره بنسبه ولم يخبره. وسأذكر هذا بعد هذا في
فصل مختص به إن شاء اللَّه تعالى. ومن ذلك احتياطه في تلخيص الطرق، وتحول
الأسانيد مع إيجاز العبارة وكمال حسنها. ومن ذلك حسن ترتيبه وترصيفه الأحاديث على
(١) المنهل الروي: ١٠٤، ومقدمة ابن الصلاح: ٦٥.