Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
ترجمة الإمام النووي
السابع والعشرين من شهر رمضان فانتبه نحو نصف الليل وقال: يا أبت ما هذا الضوء ملأ
الدار فاستيقظ الأهل جميعاً قال: لم نر كلنا شيئاً قال والده: لقد عرفت أنها ليلة القدر.
وقال شيخه في الطريقة الشيخ ياسين بن يوسف الزركشي رأيت الشيخ
محيي الدين وهو ابن عشر سنين بنوى والصبيان يكرهونه على اللعب معهم وهو يهرب
منهم ويبكي لإكراههم، ويقرأ القرآن في تلك الحال فوقع في قلبي حبه وجعله أبوه في
دكان فجعل لا يشتغل بالبيع والشراء عن القرآن قال: فأتيت الذي يقرئه القرآن فوصيته به
وقلت: هذا الصبي يرجى أن يكون أعلم أهل زمانه وأزهدهم وينتفع الناس به فقال لي
منجم: أنت فقلت: لا، وإنما أنطقني اللَّه بذلك، فذكر ذلك لوالده فحرص عليه إلى أن
ختم القرآن وقد ناهز الاحتلام(١).
طلبه العلم :
ولما كان له تسع عشرة سنة قدم به أبوه إلى دمشق فسكن المدرسة الرواحية وبقي
نحو سنتين لا يضع جنبه إلى الأرض، وكان قوته جراية المدرسة. وحفظ (التنبيه) في
نحو أربعة أشهر ونصف، وبقي قريب الشهرين لما قرأ: يجب الغسل في إيلاج الحشفة
في الفرج، وهو يعتقد أنه قرقرة البطن ويستحم بالماء البارد كلما قرقر بطنه، وحفظ ربع
المهذب في باقي السنة وصحيح وشرح على شيخه كمال الدين إسحاق بن أحمد
المغربي، ثم حج هو ووالده، وكانت وقفة جمعة، وأقاموا بالمدينة نحواً من شهر
ونصف ولما رحل من نوى كانت الحمى أخذته فلم تفارقه إلى يوم عرفة، وكان يقرأ فيما
بعد على المشايخ شرحاً وتصحيحاً كل يوم اثني عشر درساً، درسين في الوسيط ودرساً
في المهذب ودرساً في الجمع بين الصحيحين ودرساً في صحيح مسلم ودرساً في اللمع
لابن ضبي ودرساً في إصلاح المنطق ودرساً في التصريف ودرساً في أصول الفقه،
ودرساً في أسماء الرجال ودرساً في أصول الدين. قال: وكنت أعلق جميع ما يتعلق بها
من شرح مشكل ووضوح عبارة وضبط لغة وبارك اللَّه تعالى في وقتي، وخطر لي أن
أشتغل في الطب واشتريت كتاب القانون فأظلم قلبي وبقيت أياماً لا أقدر على الاشتغال
فأفقت على نفسي وبعت القانون فأنار قلبي(٢).
(١) طبقات الشافعي للسبكي ١٦٥/٥.
(٢) فوات الوفيات ٢٦٥/٤ - ٢٦٦ وتذكرة الحفاظ ١٤٧٠/٤ وشذرات الذهب ٣٥٥/٥.

١٠٢
مقدمة المحقق
وحار قصب السبق في العلم والعمل ثم أخذ في الصنيف في حدود الستين وست
مئة إلى أن مات العبر ٣٣٤/٣.
ورعه وزهده رحمه الله تعالى:
كان شديد الزهد، قدوة في الورع، عديم المثل في الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر قانعاً باليسر، راضياً عن اللَّه واللَّه عنه راضٍ، مقتصداً إلى الغاية في ملبسه
ومطعمه وإنائه، تعلوه سكينة وهيبة(١)، تاركاً لجميع ملاذ الدنيا(٢)، وسيداً وحصوراً،
وليناً على النفس حصوراً، لم يُبَال غِراب الدنيا إذا صير دينه ربعاً معموراً، له الزهد
والقناعة ومتابعة السالفين من أهل السنة والجماعة والمصابرة على أنواع الخير لا يصرف
ساعة في غير طاعة (٣) ولازم الاشتغال والتصنيف ونشر العلم والعبادة والأوراد والصيام
والذكر والصبر على العيش الخشن في المأكل والملبس ملازمة كلية لا نزيد عليها، ملبسه
ثوب خام وعمامته سبختانية صغيرة (٤) وكان لا يأكل في اليوم والليلة إلا أكلة واحدة بعد
العشاء الآخرة(٥) ولا يجمع بين إدامين(٦) ولا يشرب إلا شربة واحدة عند السحر(٧)،
وكان غالب قوته مما يحمله إليه أبوه من نوى فيتقنع بالقليل مما يبعث به إليه(٨) .
قال الرشيد ابن المعلم: عذلت الشيخ محيي الدين في عدم دخوله الحمام وتضيق
العيش في مأكله وملبسه وأحواله، وخوفه من مرض يعطله عن الاشتغال فقال: إن فلاناً
صام وعبد اللَّه حتى اخضر جلده وكان يمنع من أكل الفواكه والخيار، ويقول: أخاف أن
يرطب جسمي ويجلب النوم.
قال ابن العطار: كلمته في الفاكهة، فقال: دمشق كثيرة الأوقاف وأملاك من تحت
الحجر، والتصرف لهم لا يجوز إلا على وجه الغبطة لهم، ثم المعاملة فيها على وجه
المساقاة، وفيها خلاف فكيف تطيب نفسي بأكل ذلك(٩) .
قال الذهبي: مع ما هو عليه من المجاهدة بنفسه والعمل بدقائق الورع والمراقبة
(١) العبر ٣٣٤/٣.
(٢) طبقات الحفاظ ص ٥١٠.
(٣) طبقات الشافعية ١٦٦/٥ .
(٤) تذكرة الحفاظ ٤/ ١٤٧١.
(٥) شذرات الذهب ٣٥٦/٥ .
(٦) البداية والنهاية ٢٧٩/١٣ .
(٧) شذرات الذهب ٣٥٦/٥.
(٨) العبر ٣٣٤/٣.
(٩) تذكرة الحفاظ ٤/ ١٤٧٢ .

١٠٣
ترجمة الإمام النووي
وتصفية النفس من الشوائب ومحقها من أغراضها كان حافظاً للحديث وفنونه ورجاله
وصحيحه وعليله في معرفة المذهب(١).
وقال علاء الدين ابن العطار : ... وأخباره في الزهد والورع والكرامات
مشهورة(٢).
شيوخه :
كان القرن الذي عاش فيه النووي رحمه الله تعالى قرناً حافلاً بشيوخ جلَّة في سائر
أنواع المعارف والعلوم ولا سيما في فَنٍَّ الحديث والفقه.
أ - شيوخه في الحديث:
من أهم شيوخه في الحدیث:
الشيخ الإمام القاضي الخطيب عماد الدين عبد الكريم بن القاضي جمال الدين
عبد الصمد بن محمد المعروف بابن الحرستاني، وشيخ الشيوخ شرف الدين
عبد العزيز بن محمد بن عبد المحسن الأنصاري الأوسي الدمشقي الأصل، والحافظ
الزَّين خالد بن يوسف بن سعد بن حسن بن مفرج أبو البقاء النابلسي، وابن برهان العدل
الصدر رضي الدين أبو إسحاق إبراهيم بن أبي حفص عمر بن مضر بن فارس المُضري
الواسطي السّفار والإمام الحافظ المتقن المحقق الضابط الزاهد الورع ضياء الدين
أبو إسحاق إبراهيم بن عيسى المرادي الأندلسي، وزين الدين أبو العباس أحمد بن
عبد الدائم بن نعمة بن أحمد بن محمد بن إبراهيم مسند الشام وفقيهها ومحدثها الحنبلي
الناسخ، ومسند الشام ابن أبي اليسر تقي الدين أبو محمد إسماعيل بن إبراهيم بن
أبي اليسر شاكر بن عبد الله التنوخي الكاتب المنشىء، والشيخ الإمام شمس الدين
أبو الفرج عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن قدامة المقدسي ثم الصالحي الحنبلي.
ب - شيوخه في الفقه:
من أهم شيوخه في الفقه:
الإمام العلامة الفقيه المفتي كمال الدين أبو إبراهيم إسحاق بن أحمد بن عثمان
المغربي، والشيخ الإمام العلامة مفتي الشام كمال الدين أبو الفضائل سلاَّر بن الحسن بن
(١) تذكرة الحفاظ ٤/ ١٤٧٢.
(٢) المنهج السويّ ص ٥١.

١٠٤
مقدمة المحقق
عمر بن سعيد الأربلي، والإمام فقيه الشام وشيخ الإسلام أبو محمد عبد الرحمن بن
إبراهيم الفزاري الشافعي تاج الدين الملب بالفركاح.
ج - شيوخه في الأصول:
من أهم شيوخه في الأصول:
القاضي أبو الفتح كمال الدين عمر بن بندار بن عمر التفليسي.
د - شيوخه في اللغة :
من أهم شيوخه في اللغة:
أبو العباس جمال الدين أحمد بن سالم المصري النحوي نزيل دمشق، والعلامة
حجة العرب جمال الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن مالك الطائي الجِيَّاني.
تلاميذه :
أبرز تلاميذه: الحافظ الزاهد علاء الدين علي بن إبراهيم بن داوود بن سليمان
أبو الحسن بن العطار الشافعي، والإمام الحافظ محدث الشام جمال الدين أبو الحجاج
يوسف بن الزكي عبد الرحمن بن يوسف المزي القُضاعي، ومحمد بن أبي بكر بن
إبراهيم القاضي شمس الدين بن النقيب الشافعي الدمشقي، والقاضي سليمان بن هلال بن
شبل بن فلاح بن حصيب الجعفري الحوراني الملقب بصدر الدين، وسالم بن
عبد الرحمن بن عبد اللَّه الشافعي أمين الدين بن أبي الدُّر. وهناك الكثير من التلاميذ
الذین اشتهروا بالفصل والعلم منهم:
أبي العباس أحمد بن فرح الإشبيلي، وأحمد الضرير الواسطي أبي العباس
الملقب بالخلال، وشهاب الدين أبي العباس أحمد بن محمد بن سلمان بن حمایل
الجعفري، وابن العباس أحمد بن إبراهيم بن مصعب وشهاب الدين أحمد بن محمد بن
عباس بن جعوان، وإسماعيل بن المعلم الحنفي الرشيد، والنجم إسماعيل بن إبراهيم بن
سالم، والشيخ الناسك جبريل الكردي، والقاضي جمال الدين سليمان بن عمر بن سالم
الزرعي، وأبي الفرج عبد الرحمن بن محمد بن عبد الحميد بن عبد الهادي المقدسي،
وعبد الرحيم بن محمد بن يوسف السهودي، والعلاء علي بن أيوب بن منصور
المقدسي، وشهاب الدين أبي حفص عمر بن كثير، والبدر محمد بن إبراهيم بن

١٠٥
ترجمة الإمام النووي
جماعة، والشهاب محمد بن عبد الخالق بن عثمان بن مزهر الأنصاري، وأبي عبد الله
محمد بن أبي الفتح الحنبلي، ومنصور بن نجم بن زيان الليثي، وهبة الله بن عبد الرحيم
البارزي، ويوسف بن محمد بن عبد الله المصري الدمشقي وغيرهم من التلاميذ الأجلاء.
مصنفاته :
قال الشيخ جمال الدين الأسنوي في أوائل المهمات: اعلَمْ أنّ الشيخ مُحيي الدين
رحمَهُ اللَّه، لما تأهّل للنظر والتحصيل، رأى المسارعة إلى الخيرات، أنْ جعل ما يحصّلُه
ويقف عليه تصنيفاً ينتفع به النّاظر فيه، فجعل تصنيفه تحصيلاً وتحصيله تصنيفاً، وهو
غرضٌ صحيح وقصدٌ جميل، ولَولا ذلك لم يتيسّر له من التصانيف ما تيسّر له.
وقال الأَذْرعيّ في أول التوسّط والفتح: بلغني أنّ الشيخ مُحيي الدین کان یکتب
إلى أن يعيى، فيضع القلم ليستريح، ويُنشد :
لئن كان هذا الدمعُ يجري صبابةً على غير سُعْدَى فهو دمعٌ مَضِيْعٌ
فَمِنْ تصانيفه:
- الرّوضة؛ مختصر الشرح الكبير للرّافعي، ابتدأ في تأليفها يوم الخميس، الخامس
والعشرين من رمضان سنة ست وستين وستمائة، وختمها يوم الأحد خامس عشر شهر
ربيع الأول سنة تسع وستين وهي عُمدة المذهب الآن.
- شرح صحيح مسلم سمّاه بالمنهاج، وهو هذا الكتاب الذي بين أيدينا وهو عظيم
البركة .
- وشرح المهذّب سمّاه بالمجموع.
- ومنها: المنهاج مختصر المحرَّر، مجلّد لطيف، ودقائقه نحو ثلاث كراريس.
ورأيت بخطه أنه فرغه تاسع عشر شهر رمضان سنة تسع وستين وهو الآن عُمدة الطالبين
والمدرّسين والمفتين.
- ومنها: تهذيب الأسماء واللّغات.
- وریاض الصالحين.
- والأذكار.
- ونكت التنبيه وهي من أوائل ما صَنّف. ولا ينبغي الاعتماد على ما فيها من

١٠٦
مقدمة المحقق
التصحيحات المخالفة لكتبه المشهورة، ولعلّه جمعها من كلام شيوخه.
- والإيضاح في مناسك الحج.
- والتبيان في آداب حملة القرآن.
- ومختصر وشرح التنبيه مطوّل سمّاه: تحفة الطالب النبيه؛ وصل فيه إلى أثناء
الصلاة.
- وشرح الوسيط المسمّى بالتنقيح. وصل فيه إلى شروط الصلاة. وهو كتاب جليل
من أواخر ما صنّف، جعله مشتملاً على أنواع متعلقة به ضرورية كافية لمن يريد كثرة
المسائل المأخوذة، كتصحيح مسائله، وتوضيح أدلَّته وذِكر أغاليطه، وحَلِ إشكالاته،
وتخريج أحاديثه، وأحوال الفقهاء المذكورين فيه.
ـ ونكت على الوسيط في نحو مجلدین.
- والتحقيق: وصل فيه إلى صلاة المسافر.
- ومهمّات الأحكام. وهو قريب من التحقيق في كثرة الأحكام. وقد وصل فيه إلى
أثناء طهارة الثوب والبدن.
- وشرح البخاري: كتب منه مجلّدة.
- والعمدة في تصحيح التنبيه.
- والتحرير في لغات التنبيه.
- ونكت المهذب.
- ومختصر التذنيب للرافعي سمّاه بالمنتخب.
- ودقائق الروضة: كتب منها إلى أثناء الأذان.
- وطبقات الشافعية .
- ومختصر الترمذي.
- وقسمة القناعة ومختصره. وهذا الكتاب من أواخر ما صنف.
- وجزء في الاستسقاء وجزء في القيام لأهل الفضل.
- ومختصر تأليف الدارمي في المتحيرة.

١٠٧
ترجمة الإمام النووي
- ومختصر تصنيف أبي شامة في البسملة.
- ومناقب الشافعي.
- والتقريب في علم الحديث، والإرشاد فيه.
- والخلاصة في الحديث.
- ومختصر مبهمات الخطيب .
- والإملاء على حديث إنّما الأعمال بالنيات، لم یتمّه.
- وشرح سنن أبي داود كتب منه يسيراً.
- وبستان العارفين، لم يتم.
۔ ورؤوس المسائل.
- والأصول والضوابط كتب منه أوراقاً قلائل.
- ومختصر التنبيه، كتب منه ورقة واحدة.
- والمسائل المنثورة، وهي المعروفة بالفتاوى، وصنفها غير مرتبة، فرتّبها تلميذه
ابن العطّار وزاد عليها أشياء سمعها منه.
- والأربعين، وشرح ألفاظها.
ويُنسب إليه تصنيفان ليسا له: النهاية في اختصار الغاية، والثاني: أغاليط على
الوسيط، مشتملة على خمسين موضعاً، بعضها فقهية وبعضها حديثية.
قال ابن العطار: وله شرح ألفاظ ومسودّات كثيرة. ولقد أمرني مرّة بجمع نحو ألف
كرّاس بخطّه، وأمرني أن أقف على غسلها في الورّاقة، وحلّفني إن خالفت أمره في
ذلك. فما أُمْكنني إلّ طاعته، وإلى الآن في قلبي منها حَسَرات.
نصحه للحكام:
قال ابن العطّار:
كَتَب ورقة إلى الملك الظّاهر، تتضمّن العدل في الرعيّة وإزالة المُكُوْس. وكتب
معه فيها جماعة ووضعها في ورقة كتبها إلى الأمير بَدْر الدين بيلبك الخَزِنْدَار، بإيصال
ورقة العُلماء إلى السّلطان، وصُوْرتُها:

١٠٨
مقدمة المحقق
((بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله يَحيى النّوويّ، سلام اللَّه تعالى ورحمته
وبركاته على المَوْلى المُحسِن، ملك الأمراء بدر الدين، أدام اللَّه الكريم له الخيرات،
وتولّه بالحسنات، وبلّغه من أقصى الآخرة والأولى كُلّ آماله، وبارك له في جميع
أحواله، آمين.
ويُنهي أهلُ العلوم الشريفة، أن أهل الشام في هذه السنة في ضيق عيش وضعف
حال، بسبب قلّة الأمطار، وغلاء الأسعار، وقلّة الغلّت والنبات، وهلاك المواشي وغير
ذلك. وأنتم تعلمون أنّه تجب الشفقة على الراعي والرعية، ونصيحته في مصلحته
ومصلحتهم، فإنّ الدين النّصيحة، وقد كتب خَدَمَة الشّرع، النّاصحون للسلطان،
المحبّون له، كتاباً يذكّره النظر في أحوال الرعيّة والرّفق بهم. وليس فيه ضَرَرٌ بل هو
نصيحة مَخْضَة، وشفقة، وذكرى لأُولي الأَلْبَاب. والمسؤول من الأمير أيّده اللَّه تعالى
تقديمه إلى السلطان، أدام اللَّه له الخيرات، ويتكلّم عنده من الإشارة بالرّفق بالرعيّة بما
يجده مدَّخَراً له عند الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ
مِن سُوءٍ تَوَذُّ لَوْ أَنَّ بَيْتَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَاً بَعِيدًاً وَيُحَذِّرَكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [سورة آل عمران: الآية
٣٠]. وهذا الكتاب أرسله العلماء أمانةً ونصيحة للسلطان، أعزّ اللَّه أنصاره والمسلمين
كلهم في الدنيا والآخرة، فيجب عليكم إيصاله للسلطان، أَعزّ اللَّه أنصاره، وأنتم
مسؤولون عن هذه الأمانة، ولا عُذْر لكم في التأخّر عنها. ولا حُجّة لكم في التقصير فيها
عند الله تعالى، وتُسألون عنها: ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ﴾ [سورة الشعراء:
الآية ٨٨]، ﴿يَوْمَ يَقِرُ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ، وَأَمِّهِ وَأَبِهِ وَصَحِيَتِهِ وَبَنِيِهِ، لِكُلِّ أَمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ
شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [سورة عبس: الآيات ٢٤ - ٢٧]، وأنتم بحمد اللَّه تحبّون الخير وتحرصون
عليه، وتسارعون إليه، وهذا من أهمّ الخيرات، وأفضل الطاعات، وقد أُمَّلْتُم له،
وساقه اللَّه إليكم، وهو فَضْلٌ من الله، ونحن خائفون أن يزداد الأمرُ شِدّةً إنْ لم يحصل
النّظر في الرّفق بهم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَتَّقُوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطانِ
تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾ [سورة الأعراف: الآية ٢٠١]، وقال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُوْا
مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [سورة البقرة: الآية ١١٥].
والجماعة الكاتبون منتظرون ثمرة هذا، فإذا فعلتُمُوه، فأجركم عند اللَّه: ﴿إِنَّ اللَّهَ
مَعَ الَّذِينَ أَتَّقُوْا وَأَلَّذِينَ هُم مُحْسِنُونَ﴾ [سورة النحل: الآية ١٢٨] والسلام عليكم

١٠٩
ترجمة الإمام النووي
ورحمة الله وبركاته)).
وفاته رحمه الله تعالی:
قال ابن العطار: كان الشيخ لا يأخذ من أحد شيئاً، إلّ مِمّن تحقّق دينه ومعرفته،
ولا له به عُلْقة من إقراء أو انتفاع به.
قال: وكنت جالساً بين يديه قبل انتقاله بشهرين، وإذا بفقيرٍ قد دخل عليه وقال:
((الشيخ فُلان من بلاد صَرْخَد يُسلِّم عليك وأَرسلَ معي هذا الإبريق لك)). فَقَبِلَه
وأَمَرني بوضعِهِ في بيت حوائجه، فتعجّبتُ منهُ لِقَبولِه، فشعر بتعجّبي، وقال:
((أَرسلَ إليّ بعض الفقراء زِئْبيلاً، وهذا إبريق، فهذه آلة السَّفر».
قال ابن العطار: ثم بعد أيام يسيرة كنتُ عنده، فقال: ((قد أُذِن لي في السَّفر)).
فقلت: كيف أُذن لك؟
قال: ((بينا أنا جالس ها هنا، - يعني ببيته بالمدرسة الرَّواحيّة، وقُدّامه طاقة مشرفة
عليها - مستقبل القِبلة، إذ مرّ عليّ شخص في الهواء من هنا ومرّ)) كذا يُشير من غربيّ
المدرسة إلى شرقيِّها - وقال: قُمْ سافِرْ لزيارة بيت المَقْدِس.
ثم قال النووي له: ((قُمْ حتى نُودِّع أصحابنا وأحبابنا)).
فخرجتُ معه إلى القبور التي دُفن فيها بعض شيوخه، فزارهم، وبكى، ثم زار
أصحابه الأحياء، ثم سافر صبيحة ذلك اليوم.
وقال ابن العطار: وجرى لي معه وقائع، ورأيت منه أموراً تحتمل مجلّدات. فسار
إلى نَوى، وزار القدس والخليل عليه السلام، ثم عاد إلى نَوى، فمرض فيها في بيت
والده، فبَلَغَني مرضُهُ، فقدِمْتُ من دمشق لِعيادته، ففرح بي، وقال: ((ارجع إلى أهلك)).
وودّعته وقد أشرف على العافية، يوم السبت العشرين من رجب سنة ست وسبعين
وستمائة، وتُوفّي ليلة الأربعاء الرابع والعشرين من رجب، ودُفن صبيحتها بنَوى.
قال(١): فبينا أنا نائم تلك الليلة، إذا منادٍ ينادي بجامع دمشق:
((الصلاة على الشيخ ركن الدين الموقع)).
(١) ابن العطّار.

١١٠
مقدمة المحقق
فصاح الناس لذلك النداء، فاستيقظتُ، فَبَلَغَنا ليلة الجمعة موتُه، وصُلّي عليه
بجامع دمشق، وتأسّف المسلمون عليه تأسُّفَاً بليغاً، الخاصّ والعام، المادح والذّام.
ذکر شيء مما قيل فيه من الرثاء :
قال الشيخ العلامة، شيخ الأدب، أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عمر بن
أبي شاكر الحنفي الإربلي:
عزّ العزاء وعَمّ الحادثُ الجَلَلُ
واستَوْحشَتْ بعدما كُنْتَ الأَنِيْسَ بها
قَدْ كُنْتَ للدّين نوراً يُستضاءُ به
وكنتَ تَتْلُو كتابَ اللَّه مُعتِراً
وكُنتَ في سُنّة المُختار مُجتهِداً
وكُنْتَ زَيْناً لأهل العِلم مُفتخِراً
وكنتَ أسْبَغْهَمُ ظِلاً إذا استَعَرَتْ
كساك ربُّكَ أوصافاً مُجمَّلةً
أسْلَى كمالُك عن قومٍ مَضَوْا بدَلاً
فمثلُ فقْدِك ترتاعُ العقولُ له
زهِدتَ في باطل الدُّنْيا وزُخْرُفِها
أَعْرضتَ عنها احتقاراً غير مُحتِفِلٍ
عزفْتَ عن شهواتٍ ما لِعَزْم فتى
أسْهَرتَ في العِلم عَيْناً لم تَذُقْ سِنَةً
يا لَهْف حفلٍ عظيم كُنتَ بهجتَهُ
وطالِبو العِلم من دانٍ ومُغتربٍ
حاروا لِغَيْبة هاديْهِم وضاق بهم
تُرى دَرَى تُربُه من غيّيوه به
عناه شُغلهم دهراً وعاذلهم
[من البسيط]
وخابَ بالموت في تَعْميرِك الأجلُ
وساءَها فَقْدُك الأسحارُ والأُصُلُ
مسدّداً منك فيه القولُ والعملُ
لا يعتريك على تكراره مَلَلُ
وأنت باليُمن والتوفيق مُشتَمَلُ
على جَديدٍ كساهُم ثوبُك السَّمَلُ
هواجرُ الجَّهلِ والأطلال ينتقلُ
يَضيقُ عن خَصْرِها التفصيلُ والجمَلُ
وعن كمالك لا مُسْلٍ ولا بدلُ
وفَقْدُ مِثلكَ جُرحٌ ليس يَنْدمِلُ
عزماً وحزماً فمضروبٌ بك المَثَلُ
وأنْتَ بالسّعي في أُخراك مُحتفِلُ
بها سِواك إذا عَنّتَ لَهُ قِبَلُ
إلّ وأنتَ به في الحُكْمِ مُشتَغِلُ
وحلة فعراه بعدك العَطَلُ
نالُوا بُيُمْنك منهُ فوق ما أمِلوا
لفَرْط حُزْنٍ عليه السهلَُ والجبلُ
أو نعشُه مَنْ على أعواده حَمَلوا؟
بِلاعج الوجْدِ عن أشغالهم شغلُ

١١١
ترجمة الإمام النووي
يا مُحِيَ الدِّين كم غادرت من کبِدٍ
وكم مُقام كحَدّ السّيف لا جلدٌ
أمرْتَ فيه بأمر اللَّهِ مُنْتَضِياً
وكم تواضَعْتَ عن فَضْلٍ وعن شَرَفٍ
عالجْتَ نفسَك والأَذْواءُ شاملةٌ
بلَغْتَ بالثَّعَب الفاني رِضى ملِك
ضيفُ الكريم جديرٌ أن يُضاف له
بَرَرْت أهْليك في دارَيْك مُحتسِباً
فُجعت بالأمس ليلاً كنت ساهِره
رَجاكَ نورُ نهارٍ كُنتَ صَائِمَهُ
لا زال مَثْواك مثْوَى كل عارفة
إلى متى بغرورٍ نطمئنُّ ولا
ولا حِمىّ من حِمامِ جَحْفلٍ لَجِب
يا لاهياً لاهياً عن هولِ مصرعهٍ
لا تُخْل نفسك من زادٍ فإنك مِنْ
وما مقام يديم السيرَ يتبعُهُ
خَرَّى عليك وعَيْنِ دمعُها مِطِلُ
يقوى على هَوْله فيه ولا جدلُ
سيفاً من العزم لم يُصنع له خَلَلُ
وهِمّةٍ هامةَ الجوزاء تَنْتَعِلُ
حتى استقامَتْ وحتّى زالت العِلَلُ
ثَوابُه في جِنان الخُلْد متَّصِلُ
إلى الكرامةِ من الْطافِهِ نزلُ
فقد تكافأ فيك الحُزن والجَذَلُ
للَّه والنوم قد خِيْطت به المُقَلُ
إذا الهجيرُ بنارِ الشّمسِ تشتعلُ
وروضة النَّضر من سُحُب الرِّضا خضِلُ
الملوك رُدَّ الردى عنهم ولا الرُّسُلُ
ولا حصونٌ مَنيعاتٌ ولا قُلَلُ
وضاحكَ السِّنِّ منه يضحك الأجلُ
حِين الولادِ مع الأنفاسِ مُرتحِلُ
إلى محلٍ تلاهُ سائَقٌ عجِلُ

مقدمة الإمام النووي
قال شيخنا الإمام العالم الزاهد الورع
محيي الدین یحیی بن شرف ابن مري بن حسن
بن حسین بن حزام النووي رحمه اللّه تعالى آمين
الحمد لله البرّ الجواد، الذي جلت نعمه عن الإحصاء والإعداد، خالق اللطف
والإرشاد، الهادي إلى سبيل الرشاد، الموفق بكرمه لطرق السداد، المان بالاعتناء بسنة
حبيبه وخليله. عبده ورسوله صلوات اللَّه وسلامه عليه وعلى من لطف به من العباد،
المخصص هذه الأمة زادها اللَّه شرفاً بعلم الإسناد، الذي لم يشركها فيه أحد من الأمم
على تكرر العصور والآباد، الذي نصب لحفظ هذه السنّة المكرمة الشريفة المطهرة
خواص من الحفاظ النقاد، وجعلهم ذابِّين عنها في جميع الأزمان والبلاد، باذلين وسعهم
في تبيين الصحة من طرقها والفساد، خوفاً من الانتقاص منها والازدياد، وحفظاً لها على
الأمة زادها اللَّه شرفاً إلى يوم التناد، مستفرغين جهدهم في التفقه في معانيها واستخراج
الأحكام واللطائف منها مستمرين على ذلك في جماعات وآحاد، مبالغين في بيانها
وإيضاح وجوهها بالجد والاجتهاد، ولا يزال على القيام بذلك بحمد اللَّه ولطفه جماعات
في الأعصار كلها إلى انقضاء الدنيا وإقبال المعاد، وإن قلوا وخملت بلدان منهم وقربوا
من النفاد، أحمده أبلغ حمد على نعمه خصوصاً على نعمة الإسلام وأن جعلنا من أمة
خير الأولين والآخرين، وأكرم السابقين واللاحقين، محمد عبده ورسوله وحبيبه وخليله

١١٣
مقدمة الإمام النووي
خاتم النبيين، صاحب الشفاعة العظمى ولواء الحمد والمقام المحمود سيد المرسلين،
المخصوص بالمعجزة الباهرة المستمرة على تكرر السنين، التي تحدى بها أفصح القرون
وأفحم بها المنازعين، وظهر بها خزي من لم ينقد لها من المعاندين، المحفوظة من أن
يتطرق إليها تغيير الملحدين، أعني بها القرآن العزيز كلام ربنا الذي نزل به الروح الأمين،
على قلبه ليكون من المنذرين، بلسان عربي مبين، والمصطفى بمعجزات أخر زائدات
على الألف والمئين، وبجوامع الكلم وسماحة شريعته ووضع أصر المتقدمين، المكرم
بتفضيل أمته زادها اللَّه شرفاً على الأمم السابقين، ويكون أصحابه رضي الله عنهم خير
القرون الكائنين، وبأنهم كلهم مقطوع بعدالتهم عند من يعتد به من علماء المسلمين،
وبجعل إجماع أمته حجة مقطوعاً بها كالكتاب المبين، وأقوال أصحابه المنتشرة من غير
مخالفة لذلك عند العلماء المحققين، المخصوص بتوفر دواعي أمته زادها اللَّه شرفاً على
حفظ شريعته وتدوينها ونقلها عن الحفاظ المسندين، وأخذها عن الحذاق المتقنين.
والاجتهاد في تبيينها للمسترشدين، والدؤوب في تعليمها احتساباً لرضا رب العالمين،
والمبالغة في الذبّ عن منهاجه بواضح الأدلة وقمع الملحدين والمبتدعين، صلوات اللَّه
وسلامه عليه وعلى سائر النبيين، وآل كل وصحابتهم والتابعين، وسائر عباد اللَّه
الصالحين، ووفقنا للاقتداء به دائمين في أقواله وأفعاله وسائر أحواله مخلصين مستمرين
في ذلك دائبين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقراراً بوحدانيته، واعترافاً
بما يجب على الخلق كافة من الإذعان لربوبيته، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله
المصطفى من بريته، والمخصوص بشمول رسالته وتفضيل أمته صلوات اللَّه وسلامه عليه
وعلى آله وأصحابه وعترته.
أما بعد، فإن الاشتغال بالعلم من أفضل القرب وأجلّ الطاعات. وأهم أنواع الخير
وآكد العبادات. وأولى ما أنفقت فيه نفائس الأوقات. وشمر في إدراكه والتمكن فيه
أصحاب الأنفس الزكيات. وبادر إلى الاهتمام به المسارعون إلى الخيرات. وسابق إلى
التحلي به مستبقون المكرمات. وقد تظاهر على ما ذكرته جمل من الآيات الكريمات
والأحاديث الصحيحة المشهورات. وأقاويل السلف رضي اللَّه عنهم النيرات.
ولا ضرورة إلى ذكرها هنا لكونها من الواضحات الجليات. ومن أهم أنواع العلوم تحقيق
معرفة الأحاديث النبويات. أعني معرفة متونها صحيحها وحسنها وضعيفها متصلها
ومرسلها ومنقطعها ومعضلها ومقلوبها ومشهورها وغريبها وعزيزها متواترها وآحادها

١١٤
مقدمة الإمام النووي
وأفرادها معروفها وشاذها ومنكرها ومعللها وموضوعها ومدرجها وناسخها ومنسوخها
وخاصها وعامها ومجملها ومبينها ومختلفها وغير ذلك من أنواعها المعروفات. ومعرفة
علم الأسانيد أعني معرفة حال رجالها وصفاتهم المعتبرة وضبط أسمائهم وأنسابهم
ومواليدهم ووفياتهم وغير ذلك من الصفات. ومعرفة التدليس والمدلسين وطرق الاعتبار
والمتابعات. ومعرفة حكم اختلاف الرواة في الأسانيد والمتون والوصل والإرسال
والوقف والرفع والقطع والانقطاع وزيادات الثقات ومعرفة الصحابة والتابعين وأتباعهم
وأتباع أتباعهم ومن بعدهم رضي الله عنهم وعن سائر المؤمنين والمؤمنات. وغير
ما ذكرته من علومها المشهورات. ودليل ما ذكرته أن شرعنا مبني على الكتاب العزيز
والسنن المرويات. وعلى السنن مدار أكثر الأحكام الفقهيات. فإن أكثر الآيات
الفروعيات مجملات. وبيانها في السنن المحكمات. وقد اتفق العلماء على أن من شرط
المجتهد من القاضي والمفتي أن يكون عالماً بالأحاديث الحكميات. فثبت بما ذكرناه أن
الاشتغال بالحديث من أجلّ العلوم الراجحات وأفضل أنواع الخير وآكد القربات. وكيف
لا يكون كذلك وهو مشتمل مع ما ذكرناه على بيان حال أفضل المخلوقات. عليه من اللَّه
الكريم أفضل الصلوات والسلام والبركات. ولقد كان أكثر اشتغال العلماء بالحديث في
الأعصار الخاليات: حتى لقد كان يجتمع في مجلس الحديث من الطالبين ألوف
متكاثرات، فتناقص ذلك وضعفت الهمم فلم يبق إلا آثار من آثارهم قليلات، واللَّه
المستعان على هذه المصيبة وغيرها من البليات. وقد جاء في فضل إحياء السنن
المماتات أحاديث كثيرة معروفات مشهورات، فينبغي الاعتناء بعلم الحديث والتحريض
عليه لما ذكرنا من الدلالات، ولكونه أيضاً من النصيحة لله تعالى وكتابه ورسوله وَليه
وللأئمة والمسلمين والمسلمات، وذلك هو الدين كما صح عن سيد البريات صلوات اللَّه
وسلامه عليه وعلى آله وصحبه وذريته وأزواجه الطاهرات. ولقد أحسن القائل من جمع
أدوات الحديث استنار قلبه واستخرج كنوزه الخفيات، وذلك لكثرة فوائده البارزات
والكامنات، وهو جدير بذلك فإنه كلام أفصح الخلق ومن أعطى جوامع الكلمات وكلهم
صلوات متضاعفات، وأصح مصنف في الحديث بل في العلم مطلقاً الصحيحان للإمامين
القدوتين أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري وأبي الحسين مسلم بن الحجاج
القشيري رضي الله عنهما فلم يوجد لهما نظير في المؤلفات، فينبغي أن يعتنى بشرحهما
وتشاع فوائدهما ويتلطف في استخراج دقائق العلوم من متونها وأسانيدهما لما ذكرنا من

١١٥
مقدمة الإمام النووي
الحجج الظاهرات، وأنواع الأدلة المتظاهرات: فأما صحيح البخاري رحمه اللَّه فقد
جمعت في شرحه جملاً مستكثرات، مشتملة على نفائس من أنواع العلوم بعبارات
وجيزات، وأنا مشمر في شرحه راجٍ من اللَّه الكريم في إتمامه المعونات: وأما صحيح
مسلم رحمه اللَّه فقد استخرت الله تعالى الكريم الرؤوف الرحيم في جمع كتاب في
شرحه متوسط بين المختصرات والمبسوطات لا من المختصرات المخلات، ولا من
المطولات المملات. ولولا ضعف الهمم وقلة الراغبين وخوف عدم انتشار الكتاب لقلة
الطالبين للمطولات لبسطته فبلغت به ما يزيد على مائة من المجلدات، من غير تكرار
ولا زيادات عاطلات، بل ذلك لكثرة فوائده وعظم عوائده الخفيات والبارزات، وهو
جدير بذلك فإنه كلام أفصح المخلوقات وال# صلوات دائمات، لكني أقتصر على التوسط
وأحرص على ترك الإطالات وأوثر الاختصار في كثير من الحالات، فأذكر فيه إن
شاء الله جملاً من علومه الزاهرات من أحكام الأصول والفروع والآداب والإشارات
الزهديات. وبيان نفائس من أصول القواعد الشرعيات وإيضاح معاني الألفاظ اللغوية
وأسماء الرجال وضبط المشكلات وبيان أسماء ذوي الكنى وأسماء آباء الأبناء
والمبهمات. والتنبيه على لطيفة من حال بعض الرواة وغيرهم من المذكورين في بعض
الأوقات واستخراج لطائف من خفيات علم الحديث من المتون والأسانيد المستفادات
وضبط جمل من الأسماء المؤتلفات والمختلفات، والجمع بين الأحاديث التي تختلف
ظاهراً ويظن بعض من لا يحقق صناعتي الحديث والفقه وأصوله كونها متعارضات. وأنبه
على ما يحضرني في الحال في الحديث من المسائل العمليات. وأشير إلى الأدلة في كل
ذلك إشارات. إلا في مواطن الحاجة إلى البسط للضرورات. وأحرص في جميع ذلك
على الإيجاز وإيضاح العبارات. وحيث أنقل شيئاً من أسماء الرجال واللغة وضبط
المشكل والأحكام والمعاني وغيرها من المنقولات. فإن كان مشهوراً لا أضيفه إلى قائليه
لكثرتهم إلا نادراً لبعض المقاصد الصالحات. وإن كان غريباً أضفته إلى قائليه إلا أن
أذهل عنه في بعض المواطن لطول الكلام أو كونه مما تقدم بيانه في الأبواب الماضيات.
وإذا تكرر الحديث أو الاسم أو اللفظة من اللغة ونحوها بسطت المقصود منه في أول
مواضعه وإذا مررت على الموضع الآخر ذكرت أنه تقدم شرحه وبيانه في الباب الفلاني
من الأبواب السابقات. وقد أقتصر على بيان تقدمه من غير إضافة أو أعيد الكلام فيه لبعد
الموضع الأول أو ارتباط كلام أو نحوه أو غير ذلك من المصالح المطلوبات. وأقدم في

١١٦
مقدمة الإمام النووي
أول الكتاب جملاً من المقدمات. مما يعظم النفع به إن شاء الله تعالى ويحتاج إليه طالبو
التحقيقات. وأرتب ذلك في فصول متتابعات ليكون أسهل في مطالعته وأبعد من
السآمات. وأنا مستمد المعونة والصيانة واللطف والرعاية من اللَّه الكريم رب الأرضين
والسموات، مبتهلاً إليه سبحانه وتعالى أن يوفقني ووالدي ومشايخي وسائر أقاربي
وأحبابي ومن أحسن إلينا بحسن النيات، وأن ييسر لنا الطاعات، وأن يهدينا لها دائماً في
ازدياد حتى الممات، وأن يجود علينا برضاه ومحبته ودوام طاعته والجمع بيننا في دار
كرامته وغير ذلك من أنواع المسرات، وأن ينفعنا أجمعين ومن يقرأ في هذا الكتاب به
وأن يجزل لنا المثوبات، وأن لا ينزع منا ما وهبه لنا ومنَّ به علينا من الخيرات، وأن
لا يجعل شيئاً من ذلك فتنة لنا وأن يعيذنا من كل شيء من المخالفات، إنه مجيب
الدعوات، جزيل العطيات؛ اعتصمت باللَّه، توكلت على الله، ما شاء اللّه، لا قوة إلا
باللّه، لا حول ولا قوة إلا بالله، وحسبي الله ونعم الوكيل، وله الحمد والفضل والمنّة
والنعمة، وبه التوفيق واللطف والهداية والعصمة.
فصل
[في بيان إسناد الكتاب وحال رواته من الإمام النووي إلى الإمام مسلم
رضي الله عنه مختصراً]
أما إسنادي فيه: فأخبرنا بجميع صحيح الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله الشيخ
الأمين العدل الرضي أبو إسحاق إبراهيم بن أبي حفص عمر بن مضر الواسطي(١)
رحمه اللَّه بجامع دمشق حماها اللَّه وصانها وسائر بلاد الإسلام وأهله، قال: أخبرنا
الإمام ذو الكنى أبو القاسم أبو بكر أبو الفتح منصور بن عبد المنعم الفراوي(٢)، قال:
أخبرنا الإمام فقيه الحرمين أبو جدي أبو عبد الله محمد بن الفضل الفراوي(٣)، قال:
(١) انظر ترجمته في: ذيل المرآة: ٣٤٨/٢، وشذرات الذهب: ٣١٥/٥، والعبر: ٣١٠/٣.
(٢) انظر ترجمته في: تاريخ الإسلام: ٣٣٢/١/١٨ -٣٣٤، والتقييد لابن نقطة: ٢٠٧ - ٢٠٨،
والتكملة للمنذري: ١٢٠٢، وذيل الروضتين لأبي شامة: ٨٠، ودول الإسلام: ٨٥/٢، وشذرات
الذهب: ٣٤/٥، والعبر: ٢٩/٥، وسير أعلام النبلاء: ٤٩٤/٢، ومعجم البلدان: ٨٦٦/٣ -
٨٦٧، والنجوم الزاهرة: ٢٠٤/٦.
(٣) انظر ترجمته في: إيضاح المكنون: ٤٢٩/٢، تاريخ الإسلام: ٢٨٩/١/٤، والبداية والنهاية : =

١١٧
فصل في بیان إسناد الكتاب
أخبرنا أبو الحسين عبد الغافر الفارسي(١) قال: أنا أبو أحمد محمد بن عيسى
الجلودي(٢)، قال: أنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان(٣) الفقيه: أنا الإمام
أبو الحسين مسلم بن الحجاج(٤) رحمه اللَّه وهذا الإسناد الذي حصل لنا ولأهل زماننا
ممن يشاركنا فيه في نهاية من العلو بحمد اللَّه تعالى فبيننا وبين مسلم ستة، وكذلك
اتفقت لنا بهذا العدد رواية الكتب الأربعة، التي هي تمام الكتب الخمسة، التي هي أصول
الإسلام أعني: صحيحي البخاري ومسلم وسنن أبي داود والترمذي والنسائي، وكذلك
وقع لنا بهذا العدد مسندا الإمامين أبوي عبد اللَّه أحمد بن حنبل ومحمد بن يزيد أعني:
ابن ماجه .
ووقع لنا أعلى من هذه الكتب وإن كانت عالية موطأ الإمام أبي عبد اللَّه مالك بن
أنس فبيننا وبينه رحمه اللَّه سبعة وهو شيخ شيوخ المذكورين كلهم، فتعلو روايتنا
لأحاديثه برجل ولله الحمد والمنّة.
وحصل في روايتنا لمسلم لطيفة وهو أنه إسناد مسلسل بالنيسابوريين وبالمعمرين،
فإن رواته كلهم معمرون وكلهم نيسابوريون من شيخنا أبي إسحاق إلى مسلم، وشيخنا
وإن كان واسطياً فقد أقام بنيسابور مدة طويلة والله أعلم.
٢١١/١٢، وتبيين كذب المفتري: ٣٢٢، ودول الإسلام: ٥٢/٢، وشذرات الذهب: ٩٦/٤،
=
وطبقات الإسنوي: ٢٧٦/٢، وطبقات السبكي: ١٦٦/٦ - ١٧٠، وطبقات الشافعية: ٣٥٢/١،
وطبقات ابن الصلاح: ١/٢٠، والكامل في التاريخ: ٤٦/١١، وسير أعلام النبلاء: ٦١٥/١٩،
والمنتظم: ٦٥/١٠، ومعجم البلدان: ٢٤٥/٤.
(١) انظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء: ١٩/١٨، وشذرات الذهب: ٢٧٧/٣، ٢٧٨، والعبر:
٢١٦/٣، وصيانة صحيح مسلم: ١٠٨.
(٢) انظر ترجمته في: الأنساب: ٢٨٣/٣ - ٢٨٥، البداية والنهاية: ٢٩٤/١١، وتاج العروس:
٣٢٣/٢، مادة (جلد)، وشذرات الذهب: ٨٧/٣، والعبر: ٣٤٨/٢، وسير أعلام النبلاء:
٣٠١/١٦، والمنتظم: ٩٧/٧، واللباب: ٢٨٨/١، والنجوم الزاهرة: ١٣٣/٤، والوافي
بالوفيات: ٢٩٧/٤، وصيانة صحيح مسلم: ١٠٧ .
(٣) انظر ترجمته في: البداية والنهاية: ١٣١/١١، وسير أعلام النبلاء: ٣١١/١٤، وشذرات الذهب:
٢٥٢/٢، ودول الإسلام: ١٨٦/١، والعبر: ١٣٦/٢، والكامل في التاريخ: ١٢٣/٨، والوافي
بالوفيات: ١٢٨/٦ - ١٢٩، وصحيح مسلم: ١٠٦.
(٤) صاحب الصحيح وقد تقدمت ترجمته.

١١٨
مقدمة الإمام النووي
أما بيان حال رواته فيطول الكلام في تقصي أخبارهم واستقصاء أحوالهم لكن
نقتصر على ضبط أسمائهم وأحرف تتعلق بحال بعضهم.
أما شيخنا أبو إسحاق فكان من أهل الصلاح والمنسوبين إلى الخير والفلاح معروفاً
بكثرة الصدقات وإنفاق المال في وجوه المكرمات، ذا عفاف وعبادة ووقار وسكينة
وصيانة بلا استكبار، توفي رحمه اللَّه بالإسكندرية اليوم السابع من رجب سنة أربع وستين
وستمائة .
وأما شيخ شيخنا فهو الإمام ذو الكنى أبو القاسم أبو بكر الفتح منصور بن
عبد المنعم بن عبد الله بن محمد بن الفضل بن أحمد بن محمد بن أحمد بن أبي العباس
الصاعدي الفراوي ثم النيسابوري منسوب إلى فراوة بليدة من ثغر خراسان وهو بفتح الفاء
وضمها. فأما الفتح فهو المشهور المستعمل بين أهل الحديث وغيرهم وكذا حكى الشيخ
الإمام الحافظ أبو عمرو بن الصلاح(١) رحمه اللَّه: أنه سمع شيخه منصوراً هذا رضي الله
عنه يقول: إنه الفراوي بفتح الفاء وذكره أبو سعيد السمعاني في كتابه: ((الأنساب)) (٢)
بضم الفاء وكذا ذكر الضم أيضاً غير السمعاني(٣) وكان منصور هذا جليلاً شيخاً مكثراً ثقة
صحيح السماع، روى عن أبيه وجده وجد أبيه أبي عبد الله محمد بن الفضل، وروى
عن غيرهم مولده في شهر رمضان سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة، وتوفي بشازياخ
نيسابور في شعبان سنة ثمان وستمائة.
وأما أبو عبد اللَّه الفراوي فهو محمد بن الفضل جد أبي منصور النيسابوري، وقد
تقدم تمام نسبه في نسب ابن ابن ابنه منصور. كان أبو عبد اللَّه هذا الفراوي رضي الله عنه
إماماً بارعاً في الفقه والأصول وغيرهما، كثير الروايات بالأسانيد الصحيحة العاليات،
(١) صيانة صحيح مسلم: ١٠٩.
(٢) الأنساب: ٢٥٦/٩.
(٣) أمثال الإمام عز الدين بن الأثير الجزري في كتابه اللباب: ٤١٦/٢ .
قلت: وقد اختلف في الضم والفتح كما في تبصير المنتبه: ١٠٠/٣، وقال ابن نقطة في التقييد:
٢٠٧ - ٢٠٨: الفتح أكثر وأشهر، وقال الإمام النووي في تهذيب الأسماء: ٧٨/٢/٣: هي - أي
فراوة - بفتح الفاء وضمها وتخفيف الراء، وقال ابن الصلاح في صيانة صحيح مسلم: ١٠٩ :
والشائع المعروف فتح الفاء وهكذا ذكره لي شيخنا أبو القاسم الفراوي ابن حفيد الفراوي لما سألته
عن ذلك.

١١٩
فصل في بيان إسناد الكتاب
رحلت إليه الطلبة من الأقطار، وانتشرت الروايات عنه فيما قرب وبعد من الأمصار حتى
قالوا فيه: للفراوي ألف راوي. وكان يقال له: فقيه الحرم لإشاعته ونشره العلم بمكة
زادها اللَّه فضلاً وشرفاً ذكره الإمام الحافظ أبو القاسم الدمشقي المعروف بابن عساكر
رضي الله عنهما فأطنب في الثناء عليه بما هو أهله، ثم روى عن أبي الحسين عبد الغافر
أنه ذكره فقال: هو فقيه الحرم البارع في الفقه والأصول، الحافظ للقواعد نشأ بين
الصوفية في حجورهم، ووصل إليه بركات أنفاسهم، وسمع التصانيف والأصول من
الإمام زين الإسلام ودرس عليه الأصول والتفسير، ثم اختلف إلى مجلس إمام الحرمين
ولازم درسه ما عاش وتفقه عليه وعلق عنه الأصول، وصار من جملة المذكورين من
أصحابه، وخرج حاجاً إلى مكة وعقد المجلس ببغداد وسائر البلاد، وأظهر العلم
بالحرمين وكان منه بهما أثر وذكر ونشر للعلم، وعاد إلى نيسابور وما تعدّى قط حد
العلماء ولا سيرة الصالحين من التواضع والتبذل في الملابس والمعايش وتستر بكتابة
الشروط لاتصاله بالزمرة الشحامية مصاهرة ليصون بها عرضه وعلمه عن توقع الإرفاق.
ويتبلغ بما يكتسبه منها في أسباب العيشة من فنون الأرزاق.
وقعد للتدريس في المدرسة الناصحة وإفادة الطلبة فيها، وقد سمع المسانيد
والصحاح وأكثر عن مشايخ عصره، وله مجالس الوعظ والتذكير المشحونة بالفوائد
والمبالغة في النصح وحكايات المشايخ وذكر أحوالهم.
قال الحافظ أبو القاسم: وإلى الإمام محمد الفَراوي كانت رحلتي الثانية؛ لأنه كان
المقصود بالرحلة في تلك الناحية لما اجتمع فيه من علو الإسناد، ووفور العلم، وصحة
الاعتقاد، وحسن الخلق، ولين الجانب، والإقبال بكليته على الطالب(١) فأقمت في
صحبته سنة كاملة وغنمت من مسموعاته فوائد حسنة طائلة، وكان مكرماً لموردي عليه
عارفاً بحق قصدي إليه (٢) ومرض مرضة في مدة مقامي عنده ونهاه الطبيب عن التمكين
من القراءة عليه فيها، وعرفه أن ذلك ربما كان سبباً لزيادة تألمه فقال: لا أستجيز أن
أمنعهم من القراءة، وربما أكون قد حبست في الدنيا لأجلهم. وكنت أقرأ عليه في حال
مرضه وهو ملقى على فراشه، ثم عوفي من تلك المرضة وفارقته متوجهاً إلى هراة فقال
لي حين ودعته بعد أن أظهر الجزع لفراقي: وربما لا نلتقي بعد هذا فكان كما قال،
(١) سير أعلام النبلاء: ٦١٨/١٩.
(٢) تبيين كذب المفتري: ص ٣٢٤ - ٣٢٥.

١٢٠
مقدمة الإمام النووي
فجاءنا نعيه إلى هراة وكانت وفاته في العشر الأواخر من شوال سنة ثلاثين وخمسمائة
ودفن في تربة أبي بكر بن خزيمة رضي الله عنهما. وذكر الحافظ أيضاً جُملاً أخرى من
مناقبه حذفتها اختصاراً.
وذكر أبو سعيد السمعاني: أنه سأل أبا عبد اللَّه الفراوي هذا عن مولده فقال:
مولدي تقديراً سنة إحدى وأربعين وأربعمائة. قال غيره: وتوفي يوم الخميس الحادي
أو الثاني والعشرين من شوال سنة ثلاثين وخمسمائة.
قال الحافظ الشيخ أبو عمرو رحمه اللَّه: له في علم المذهب ((كتاب)) انتخبت منه
فوائد استغربتها(١). وسمع صحيح مسلم من عبد الغافر في السنة التي توفي فيها
عبد الغافر سنة ثمان وأربعين وأربعمائة بقراءة أبي سعيد البحري رحمه الله ورضي عنه.
وأما شيخ الفراوي فهو: أبو الحسين عبد الغافر بن محمد بن عبد الغافر بن
أحمد بن محمد بن سعيد الفارسي الفَسَوي (٢) ثم النيسابوري التاجر وكان سماعه صحيح
مسلم من الجلودي سنة خمس وستين وثلثمائة ذكره ولد ولده أبو الحسن عبد الغافر بن
إسماعيل بن عبد الغافر الفارسي الأديب الإمام المحدث ابن المحدث ابن المحدث:
صاحب التصانيف ((كذيل تاريخ نيسابور)) وكتاب ((مجمع الغرائب)) و((المفهم لشرح
غريب صحيح مسلم)) وغيرها، فقال: كان شيخاً ثقة صالحاً صائناً محظوظاً من الدين
والدنيا مجدوداً في الرواية على قلة سماعه مشهوراً مقصوداً من الآفاق، سمع منه الأئمة
والصدور وقرأ الحافظ الحسن السمر قندي عليه صحيح مسلم نيفاً وثلاثين مرة وقرأه عليه
أبو سعيد البحيري نيفاً وعشرين مرة، وممن قرأه عليه من مشاهير الأئمة زين الإسلام
أبو القاسم يعني: القشيري والواحدي وغيرهما، استكمل خمساً وتسعين سنة وألحق
أحفاد الأحفاد بالأجداد وتوفي يوم الثلاثاء ودفن يوم الأربعاء السادس من شوال سنة
ثمان وأربعين وأربعمائة. قال غيره: ولد سنة ثلاث وخمسين وثلثمائة وسمع منه أئمة
الدنيا من الغرباء والطارئين والبلديين وبارك اللَّه سبحانه وتعالى في سماعه وروايته مع قلة
سماعه وكان المشهور برواية صحيح مسلم وغريب الخطابي في عصره، وسمع
(١) انظر ما ذكره السبكي عن بعض هذه الغرائب حول هذا الكتاب: الطبقات الكبرى: ١٧٠/٦.
(٢) الفسوي: بفتح الفاء والسين هذه النسبة إلى فسا وهي بلدة من بلاد فارس يقال لها: بسا. انظر
للأنساب: ٣٥/٩، واللباب: ٤٣٢/٢، ومعجم البلدان: ٤/ ٢٦٠.