Indexed OCR Text

Pages 401-420

٤٠١
(٤٢) كتاب التفسير - (٢٥) ومن سورة ق
(٢٥) ومن سورة قّ
[٢٩٠٨] عن عبدِ الله بن مسعود، قال: قال رسولُ الله ◌َلافيه: ((ما منكم
مِن أحدٍ إلَّا وَقَدْ وُكِّلَ به قرينُه من الجنِّ)). قالوا: وإيّاك؟ يا رسولَ الله!
قال: ((وإِيَّايَ، إلا أنَّ اللَّهَ اعَانني عليه فأسلم، فلا يأمُرُني إلا بخيرٍ)).
وفي روايةٍ: ((وقد وُكِّلَ به قريُه من الجِنِّ، وقريتُه من الملائكة)).
رواه أحمد (٣٨٥/١)، ومسلم (٢٨١٤).
(٢٥) ومن سورة قّ
اختلف فيه، فقال ابن عباس: هو اسم الله عز وجل، وقال قتادة: اسم
للقرآن، وقال الضحاك: اسم الجبل المحيط بالأرض، وهو من زبرجدة خضراء،
وعروق الجبال منها، وقال عطاء: هو قوة قلب نبيّنا محمد ټ وعلى تلك الأوجه:
هو قسمٌ، وعُطِفَ: ﴿ وَالْقُرْءَانِ الْمَجِيدِ ﴾ عليه. والقرين: فعيل بمعنى المقارن
الملازم الذي لا يُفارق، وأصلُه من القَرَن: وهو الحبلُ الذي يُجمعُ به بين شيئين
فیتلازمان بسببه، کما قال الشاعر:
وَابْنُ اللَُّونِ إِذَا مَا لُزَّ فِي قَرَنٍ لَمْ يَسْتَطِعْ صَوْلَةَ البُزْلِ القَّنَاعِيسِ
وقد تقدَّم أن الشيطان وزنه فَيْعَال، من شطن؛ أي: بَعُدَ عن الخير، أو من
شاط إذا احتدَّ واحترق، وإنه إنما يقال على المارد من الجِنِّ، وهو الكثير الشر
الشديد الضُّرِّ.
و (قوله: ((إلا أنَّ اللَّهَ أعانني عليه فأسلم))). جمهور الرواة يقولون فأسلمَ هل يُسْلم
بفتح الميم، ويُريدون أن الشيطان صارَ مسلماً. وكان سفيان بن عيينة يقول: فَأَسْلَمُ الشيطان؟!

٤٠٢
(٤٢) كتاب التفسير - (٢٥) ومن سورة ق
[٢٩٠٩] وعن عائشة، أنَّ رسول الله وَّر خرج من عندها ليلا.
قالت: فِغِرْتُ عليه، فرأى ما أصنعُ. فقال: ((ما لك يا عائشة؟ أَغِرْتٍ؟!))،
فقلتُ: وما لي لا يغار مثلي على مثلك؟ فقال رسول الله وَ له: ((أَقَدْ جاءَكِ
شيطانُكِ؟))، قالت: يا رسول الله! أوَمعيَ شيطانٌ؟ قال: ((نَعَمْ))، قلتُ:
ومع كلِّ إنسانٍ؟ قال: ((نَعَمْ)). قلتُ: ومعكَ يا رسول الله؟! قال: ((نَعَمْ!
ولكن ربِّي أعانني عليه حتى أسلَم)).
رواه أحمد (١١٥/٦)، ومسلم (٢٨١٥).
بضم الميم، والمعنى فأسلمُ أنا من شرِّه، وكان يُنكر القول الأول، ويقول:
الشيطان لا يُسلمُ.
قلتُ: وهذا له موقع، غير أنه يُبعده قوله: ((فلا يأمرُني إلا بخير))، فحينئذ
يزول عنه اسم الشيطان ويصيرُ مسلماً، ويكون هذا مؤيّداً لرواية الجمهور. فالذي
لأجله فرّ سفيانُ من إسلام الشيطان، يلزمه في كونه لا يأمرُه إلا بخير. وقد رُوي هذا
الحديث في مسند أحمد بن حنبل بلفظ آخر، وقال: ((لا يأمرني إلا بخير)). وأما
لفظ حديث عائشة - رضي الله عنها - فهو في الوجه الأول واضح، فإنها قالت فيه:
(ولكنْ ربِّي أعانني عليه حتى أسلمَ)). والظاهر منه: أنَّ الشيطان هو الذي أسلمَ مع
أنه يحتملُ أنْ يكونَ حتى: بمعنى كي، ويكونُ فيه راجع إلى النبيِّ ◌َ ير أي: أعانني
کي أسلمَ منه، والله تعالى أعلم.

٤٠٣
(٤٢) كتاب التفسير - (٢٦) ومن سورة القمر
(٢٦) ومن سورة القمر
[٢٩١٠] عن عبد الله بن مسعودٍ، قال: بينما نحن مع رسول الله والقوى
بمنّى؛ إذ انفلق القمرُ فِلْقَتَيَّن. فكانت فِلْقَةُ وراء الجبل، وفِلْقةٌ دُونَه. فقال
لنا رسولُ اللهِ وَلحه: ((اشهَدُوا!)).
وفي روايةٍ: فَسَتَر الجبلُ فلقةً، وكانت فلقةٌ فوق الجبل.
رواه أحمد (٤٤٧/١)، والبخاريُّ (٣٦٣٦)، ومسلم (٢٨٠٠) (٤٤
و ٤٥)، والترمذيُّ (٣٢٨٥).
(٢٦) ومن سورة القمر
(قوله: انفلقَ القمرُ) أي: انشقَّ نصفين، أي: وقع ذلك الانشقاق على معجزة انفلاق
حقيقته، ووُجد ذلك بمكة بمنى، بعد أن سألت قريش رسولَ اللهِ وَ ﴿ آيةً، فأراهم القمر له ◌ِّل
انشقاقَه، على نحو ما ذُكر، ثم إنَّ عبدَ الله بن مسعود أوضح كيفية هذا الانشقاق
حتى لم يترك لقائل مقالاً، فقال: وكانت فِلْقَةً وراءَ الجبل، وفِلْقَةً دونه. وفي
روايةٍ: فسترَ الجبلُ فِلْقَةً، وكانت فِلْقَةً فوق الجبل، ونحو ذلك. قال ابن عمر
- رضي الله عنهما - وقد روى هذا الحديثَ جماعةٌ كثيرة من الصحابة - رضي الله
عنهم -. منهم: عبد الله بن مسعود، وأنس، وابن عبَّاس، وابن عمر، وحذيفة،
وعليّ، وُجُبير بن مطعم، وغيرهم. وروى ذلك عن الصحابة أمثالهم من التابعين،
ثم كذلك ينقلُه الجمُّ الغفير، والعددُ الكثير إلى أن انتهى ذلك إلينا، وفاضتْ أنوارُه
علينا، وانضاف إلى ذلك ما جاءَ من ذلك في القرآن المتواتر عند كلِّ إنسان، فقد
حصلَ بهذه المعجزة العلمُ اليقينُ الذي لا يشكُّ فيه أحدٌ من العاقلين. وقد استبعدَ
هذا كثير من الملحدة، وبعض أهل المِلَّة من حيث إنه لو كان كذلك للزمَ مشاركة
جميع أهل الأرض في إدراك ذلك.

٤٠٤
(٤٢) كتاب التفسير - (٢٦) ومن سورة القمر
[٢٩١١] وعن ابن عمر مثل ذلك.
رواه مسلم (٢٨٠١)، والترمذيُّ (٣٢٨٨).
[٢٩١٢] وعن أنسٍ، أنَّ أهل مكةَ سألوا رسولَ الله وَليهِ أنْ يُرِيَهُم
آيَةً، فَأَرَاهُم انْشِقاقَ القَمَرِ مرتين.
والجواب: إن هذا إنما كان يلزم، لو استوى أهلُ الأرض في إدراك مطالعه
في وقت واحد، وليس الأمرُ كذلك، فإنه يطلعُ على قوم قبلَ طلوعه على آخرين،
فقد يكون الكسوفُ عند قوم، ولا يكون عند آخرين، وأيضاً: فإنما كان يلزمُ ذلك
لو طال زمانُ الانشقاق، وتوفّرت الدواعي على الاعتناء بالنظر إليه، ولم يكن شيء
من ذلك، وإنما كان ذلك في زمن قصير شاهدَه من نُبِّه له، وذلك أنَّ أهل مكة
طلبوا من النبيِّ ◌َ﴿ انشقاق القمر فخرجَ بهم إلى منى، فأراهم انشقاق القمر. فلما
أراهم اللَّهُ ذلك قال: ((اشهدوا)). فقالت قريش: هذا سحرٌ. فقال بعضهم لبعض:
إن كان محمّدٌ سحرنا، فما يبلغ سحرُه إلى الآفاق، فابعثوا إلى أهل الآفاق، فبعثوا
إلى آفاقٍ مِكَّة، فأخبروهم أنهم عاينوا ذلك. هكذا نقلُ النَّقَلَةُ، وكم من نجمٍ يَنْقَضَّ
وصاعقةٍ تنزلُ! وهو سمائيٌّ يختصُّ بمشاهدته بعض الناس دون بعضٍ، ثم إنها
كانت آية ليلية، وعادة الناس في الليل كونهم في بيوتهم نائمين، ومُعرضين عن
الالتفات إلى السماء إلا الآحاد منهم، وقد يكون منهم من شاهدَ ذلك، فظنّه سحاباً
حائلاً، أو خيالاً حائلاً، وعلى الجملة فالموانعُ من ذلك لا تنحصرُ، ولا تنضبطُ،
والذي يحسمُ مادَّة الخلاف بين أهل مِلَّتنا أن نقول: لا بعدَ في أن يكونَ الله تعالى
خرقَ العادةَ في ذلك الوقت، فصرفَ جميعَ أهل الأرض عن الالتفات إلى القمر في
تلك الساعة لتختصَّ مشاهدة تلك الآية بأهل مكة كما اختصُّوا بأكثر مشاهدة آیاتِه؛
كحنين الجِذْع، وتسبيح الحصى، وكلام الشجر، إلى غير ذلك من الخوارق التي
شاهدوها، ونقلوها إلى غيرهم، كما قَد نقلنا ذلك في كتابنا المسمى: بكتاب
(الإعلام بما في دين النَّصارى من الفساد والأوهام)) وإثبات نبوة نبينا محمد اَيهِ،

٤٠٥
(٤٢) كتاب التفسير - (٢٦) ومن سورة القمر
وفي روايةٍ: انشق القمر فرقتين.
رواه البخاريُّ (٤٨٦٧)، ومسلم (٢٨٠٢) (٤٦ و٤٧)، والترمذيُّ
(٣٢٨٢).
وهذا الكلام خاص للمنكر للانشقاق من أهل الإسلام، وأما الملاحدة فالكلام
معهم في إبطال أصولهم الفاسدة، وقد تأوَّل من أنكر وقوعَ انشقاق القمر من
الإسلاميين قوله تعالى: ﴿وَأَنْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١] بمعنى ينشقُّ في القيامة،
وممن حُكي عنه هذا التأويل: الحسن البصريّ. وتأول غيره؛ انشقَّ: تحقَّق الأمرُ
ووضحَ، وقال آخر: انشقَّ الظلامُ عنه بطلوعه .
قلتُ: وهذه تحريفات لا تأويلات. والحسن البصري أعلمُ وأفضلُ من أن
يذهبَ إلى شيءٍ من ذلك، لا سيما مع شهرة القضية، وكثرة الرواة لها،
واستفاضتها، وعلمه هو بالأخبار، وسلوكه طريق الصحابة والأخيار، وقد أدركَ
منهم جملةً صالحةً، وحصلت له بهم صفقةٌ رابحة.
و (قراءة رسول الله وَ﴿ه: ﴿فَهَلْ مِن مُذَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٥]) بالدال وعليها
الجماعة، ومذَّكر: اسم فاعل من إذدكر؛ أي: تذكر، أدغمت الذال في الدال.
و (قوله: ﴿وَلَقَدْ يَسَّنَا الْقُرْءَانَ لِلِذِكْرِ﴾ [القمر: ١٧]) أي: للحفظ، فليس شيءٌ
من الكتب يُحفظ كحفظ القرآن. والمُدَكِّر: المنَّعظ. وقيل: المزدجر. وقيل:
المتحفَّظ.

٤٠٦
(٤٢) كتاب التفسير - (٢٧) ومن سورة الحديد والحشر
(٢٧) ومن سورة الحديد والحشر
[٢٩١٣] عن ابن مسعود، قال: ما كان بين إسلامِنا وبينَ أن عاتبنا
اللَّهُ بهذه الآية: ﴿﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ
اٌلَْقِّ﴾ [الحديد: ١٦]، إلا أربعُ سِنين.
رواه مسلم (٣٠٢٧).
(٢٧) ومن سورة الحديد والحشر
(قوله: لم يكن بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية إلا أربعَ سنين).
قال الخليل: العتاب مخاطبة الإدلال، ومذاكرة المَوْجِدة، تقولُ: عاتبتُهُ معاتبةً.
قال الشاعر:
إِذَا ما رايَنِي مِنْهُ اجْتِنَّابُ
أُعاتِبُ ذا المَوَذَّةِ مِنْ صَدِيقٍ
وَيَبْقَى الوِدُّما بَقِيَ العِتَابُ
إِذَا ذَهَبَ العِتَابُ فَلَيْسَ وِقٌ
و (قوله: ﴿أَلَمّ ◌َأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ تَمْنَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ١٦])
أي: ألم يحِنْ، قال الشاعر:
أَمْ يَأْنِ لِي يَا قَلْبُ أن أتركَ الجهلا(١)
وماضيه: أنى يأتي، فأما ((آن)) الممدود فمضارعه يئين. وأنشد ابن السكيت:
وَأَفْصِمُ(٢) عَنْ لَئِي بَلَی قد أَنَی ◌ِيا
أَمَّا يَأْنِ لي أَنْ تَجَلَّى عَمَايَتي
فجمعَ بين اللغتين. وأن تخشع: أي تذلّ وتَلين لذكر الله وتعظيمه. وقيل
(١) هذا صدر بيت، وعجزه:
وأنْ يُحدِثَ الشيبُ المنير لنا عقلا
(٢) في تفسير القرطبي (٢٤٨/١٧): وأَقْصِرُ عن ليلى.

٤٠٧
(٤٢) كتاب التفسير - (٢٧) ومن سورة الحديد والحشر
[٢٩١٤] وعن عائشة، قالت لعروة: يابن أختي! أُمِرُوا أن يستغفروا
لأصحابِ النَّبِيِّ بَّارِ. فسَبُّوهم. وقد تقدم.
رواه مسلم (٣٠٢٢).
معناه: تجزع من خشية الله، وقيل: الذكر هنا: القرآن، وفيه بعد، لأن قوله: ﴿وما نزل
من الحقِّ﴾ هو القرآن فيكون تكراراً.
و (قوله: ﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَّدُ﴾ [الحديد: ١٦]) أي: رأوا الموتَ بعيداً، يعني
أنهم لطول أملهم لا يرونَ الموت يقع بهم، فقست قلوبهم؛ أي: جفيت وغلظت،
فلم يفهموا دلالةً، ولا صدَّقوا رسالة. وكثيرٌ منهم فاسقون؛ أي: خارجون عن
مقتضى العقل من التوحيد، وعن مقتضى الرسالة من التصديق. وفائدة هذه الآية:
أنه لما رسخَ الإيمان في قلوبهم أرشدَهم إلى الازدياد في أحوالهم، والمراقبة في نتائج رسوخ
الإيمان
أعمالهم، وحذَّرهم عن جفوة أهل الكتاب بأبلغ خطاب وألطف عتاب.
و (قول عائشة - رضي الله عنها -: أُمروا أن يستغفروا لأصحاب محمد بَّهِ حبّ أصحاب
فسبُّوهم) أشارت عائشة - رضي الله عنها - إلى قوله: ﴿وَلَّذِينَ جَآَمُو مِنْ بَعْدِهِمْ رسول الله
والاستغفار
هم
يَقُولُونَ رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَيِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر: ١٠]. فسُّوهم:
تريد عائشة بهذا أن التابعين حقُّهم الواجب عليهم أن يُحبُّوا أصحابَ رسول الله وَّلـ
وأن يُعظُّمُوهم، ويستغفروا لهم، وكذلك كلُّ من يجيء بعد التابعين إلى يوم
القيامة، ويحرمُ عليهم أن يسبُّوهم، أو يَسْبُّوا أحداً منهم، كما قد صرَّح بذلك بعضُ
بني أمية، وإيّاهم عنت بقولها، ولقد أحسن مالك - رحمه الله - في فهم هذه الآية،
فقال: من سبَّ أصحابَ رسول اللهِ لهِ فلا حقَّ له في الفيء، واستدلَّ بالآية.
ووجهُه: أنه رأى هذه الآية معطوفة على قوله: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّهُوالدَّارَ وَاَلْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ﴾
[الحشر: ٩] وأن هذه الآية معطوفة على قوله: ﴿لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَجِرِينَ﴾ [الحشر: ٨]،

٤٠٨
(٤٢) كتاب التفسير - (٢٨) ومن سورة المنافقين
(٢٨) ومن سورة المنافقين
[٢٩١٥] عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسولُ الله ◌ِوَّهِ: ((مَنْ
يَصْعَدُ الثَِّيَّة، ثَنِيَّةَ المُرَارِ فإنّه يُحَطُّ عنه ما حُطَّ عن بني إسرائيلَ)).
فظهر له: أن المهاجرينَ والأنصار استحقُوا الفيءَ بأنهم مهاجرين، وأنصار ممن
غير قيد زائد على ذلك، وأنَّ من جاء بعدَهم قُيَّدوا بقيد: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا
وَلِإِخْوَيْنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَنِ﴾ [الحشر: ١٠] فإن لم يُوجد هذا القيد لم يجز
الإعطاء لعدم تمام الموجب. وقد فهمَ عمر - رضي الله عنه - أن قوله: ﴿وَالَّذِينَ
◌َآَمُو مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ يعمُّ كلَّ من يأتي إلى يوم القيامة، وأنها معطوفة على ما قبلها،
فوقفَ الأرضَ المَغنومة المُفتتحة في زمانه على من يأتي بعد إلى يوم القيامة،
وخصَّص بهذه الآية الأرض من جملة الغنيمة التي قال الله فيها: ﴿﴿ وَأَعْلَمُوا أَنَّمَا
غَنِمْتُم مِن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] وقد تقدَّم الكلام على هذا في الجهاد.
(٢٨) ومن سورة المنافقين
(قوله: ((مَنْ يَسَوَّرْ ثنيَّة المُرار))) يتسور: يعلو. وتسوَّرْتُ الجدارَ: علوتُه،
وفي الرواية الأخرى: ((من يصعد)) وهذا واضح، والثنيَّةُ: الطريق في الجبل.
والمُرار - بضم الميم -: وهي ثنية معروفة وعرة المرتقى، فحثَّ النبيُّ وَّر على
صعودِها، ولعلَّ ذلك للحراسة.
و (قوله: ((حُطَّ عنه ما حُطَّ عن بني إسرائيل))) أي: غُفرت خطاياه كما وُعِدَ
بنو إسرائيل حين قيل لهم: ﴿وَأَدْخُلُواْ الْبَابَ سُبَدًا وَقُولُواْ سِتَةٌ نَغْفِرْ لَكْ خَطَيَنَكُمْ﴾
[البقرة: ٥٨] يعني بذلك: أن من صَعِدَ تلك الثنية غُفرت خطاياه كما كانت خطايا
بني إسرائيل تُحَطُّ وتغفر لو فعلوا ما أُمروا به من الدخول، وقول الحِطَّة، لكنهم لم
يفعلوا ما أُمروا به بل تمرَّدوا واستهزؤوا فدخلوا يزحفون على أسْتاهِهم، وقالوا

٤٠٩
(٤٢) كتاب التفسير - (٢٨) ومن سورة المنافقين
قال: فكان أولَ من صَعِدَها خَيْلُنا خَيْلُ بني الخزرج، ثم تتامَّ النَّاسُ،
فقال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((وكلُّكُمْ مغفورٌ لَه، إلا صاحبَ الجَمَلِ الأحمر)).
فأتيناه فقلنا له: تعالَ. يستغفر لك رسولُ الله وَّهِ، فقال: واللَّهِ! لأنْ أجد
ضالَّتي أحَبُّ إليَّ من أن يستغفرَ لي صاحبُكُم! قال: وكان رجلٌ يَنشدُ ضالّة
له.
رواه مسلم (٢٧٨٠) (١٢).
[٢٩١٦] وعن زيدٍ بن أرقم، قال: خرجنا مع رسول الله وَّ في
سَفَرٍ، أصابَ الناسَ فيه شدةٌ، فقال عبدُ الله بن أُبَيِّ لأصحابه: ﴿لَا تُنْفِقُواْ
عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّواْ﴾ [المنافقون: ٧] من حَوْلِهِ . - قال
زهير: وهي في قراءة عبدالله -، وقال: ﴿لَيْن رَّجَعْنَآ إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ
اٌلْأَعْزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨]، قال: فأتيتُ النَّبيَّ ◌َّ فأخبرتُه بذلك،
حنطة في شعرة، وقد لا يبعد أن يكون بعضهم دخل على نحو ما أُمرَ به فغُفر له،
غیر أنه لم يُنقل ذلك إلينا.
و (قوله {وَله: ((كلُّكم مغفورٌ له إلا صاحبَ الجمل))) لما صَعِدوا كما أُمروا
أُنجزَ لهم ما به وُعدوا، فإنَّ اللَّهَ تعالى لا يُخلف الميعادَ ولا رسولَه. وقيل: إن
صاحبَ الجمل هو الجَدُّ بن قيس المنافق. وينشدُ ضالَّته: يطلبُها، ونشدتُ
الضالّة: طلبتها، وأنشدتها: عرَّفتها.
و (قوله: حتى يَنْفَضُّوا) أي: يتفرَّقوا. و (من حَوْلِهِ): في قراءة عبد الله، ولم
يثبتْ في شيءٍ من المصاحف المتفق عليها، ويُمكن أن تكون زيادة بيان من جهة
ابن مسعود.
و(قوله: ﴿لَيُخْرِجَرَ الْأَعْرُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨]) يعني المنافق

٤١٠
(٤٢) كتاب التفسير - (٢٨) ومن سورة المنافقين
فأرسلَ إلى عبدِ الله بنِ أَبِّيٍّ، فسَأله، فاجتهدَ يمينَهُ ما فعل. فقال: كَذَبَ
زيدٌ رسول الله ◌َّ﴾. قال: فوقَعَ في نفسي ممَّا قالوه شِدَّةٌ، حتى أنزل اللَّهُ
تصديقي: ﴿إِذَا جَآءَكَ اٌلْمُنَفِقُونَ﴾ [المنافقون: ١].
قال: ثم دعاهُم النَّبي ◌َّ ليستغفرَ لهم. قال: فلووا رؤوسهم وقوله:
كَأَنَّهُمْ خُشُبُ مُسَنَّدَةٌ﴾ [المنافقون: ٤] وقال: كانوا رِجالاً أَجْمَلَ شيءٍ.
رواه البخاريُّ (٤٩٠٠)، ومسلم (٢٧٧٢)، والترمذيُّ (٣٣٠٩
و ٣٣١٠).
بالأعز: نفسُه وعشيرته. وبالأذل: النبيّ وَّهُ والمؤمنين، جهلَ فقال، وحيث وجبَ
أن يَسْكُن حالَ غَلَبَتْ عليه شقوتُه، فانعكست فكرتُهُ (١)، فظنَّ الأرضَ سماءً
والسَّرابَ ماءً فنبَّهَهِ ولدُ نطفته على قبيح غلطته، فقال له: أنت والله الأذلُّ، ورسولُ الله
الأعزّ، فأنزلَ الله تصديقَه في كتابه لعلَّهم يسمعون: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ،
وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨]، ثم إنَّ النبيَّ ◌َّ تلطّف بهم على مقتضى خُلُقه
الكريم، وحلمه العظيم، ودعاهم للاستغفار، فأبت الشقوة إلّ التَّمادي على الجهل
والاستكبار، فلوَّوا رؤوسَهم معرضين، وصدُّوا مُسْتكبرين، فقُوبلوا بلن يغفر الله
لهم، إن الله لا يهدي القوم الفاسقين، حشرنا الله مع المؤمنين، وجئَّنا أحوالَ
المنافقين بفضله وكرمه.
و (قوله: ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ تُسَنَّدَةٌ﴾ [المنافقون: ٤]) يعني: أنهم أشباحٌ بلا
أرواح، وأجسامٌ بلا أحلام، فصورُهم مُعْجِبَةٌ، وبواطنُهم قبيحةٌ خَرِبة، ومُسَنَّدة إلى
الجُدُر؛ شبَّههم بالجذوعِ المُسْندة الممالة إلى جدار، كما قال الشاعر :
قَدْ مَضَيْنا بَعْدَهُمْ نَتْبُعُهُمْ فَرَأَيْنَاهُمْ قِيَاماً كَالْخُشُبْ
(١) في (ز): فطنته.

٤١١
(٤٢) كتاب التفسير - (٢٩) باب: من أخبار المنافقين
(٢٩) باب من أخبار المنافقين
[٢٩١٧] عن أبي الطُّفيل، قال: كان بين رجلٍ من أهل العَقَبة وبين
حذيفة بَعْضُ ما يكون بينَ النَّاس.
وهو جمع خَشَبة. يُقال: خُشْبَةٌ وخُشْب بضمّهما، ويقال: خَشَبٌ بفتحهما،
وقد قُرِىء بهما.
[(٢٩) باب: من أخبار المنافقين](١)
(قول أبي الطُّفَيْل: كان بين رجلٍ من أهل العقبة وبين حذيفةَ بعضُ ما يكون
بين الناس) ليست هذه العقبةُ عقبةً بيعة الأنصار لرسول الله وَ ﴿ في أوَّل الإسلام،
ومن ظنَّ ذلك فقد جهل، وإنما هي عقبةٌ بطريق تبوك، وقف له فيها قومٌ من
المنافقين ليقتلوه، كما قد رواه أحمد بن حنبل من طريق أبي الطّفيل هذا، قال: لما
أقبلَ رسولُ اللهِ وَ﴿ من غزوة تبوك أمر منادياً يُنادي: أنَّ رسولَ اللهِ و ◌َل﴿ أَخذَ العقبةَ،
فلا يأخذها أحدٌ، فبينما رسولُ اللهِ ﴿ يقودُه حذيفةُ، ويسوقُه عمَّار - رضي الله
عنهما - إذ أقبل رَهْطٌّ مُتلثِّمون على الرَّواحل غشوا عمَّاراً، وهو يسوقُ
برسول الله ﴿، وأقبل عمَّار يضرب وجوهَ الرَّواحل، فقال رسولُ اللهِ وَلّ لحذيفة:
((قد، قدا حتى هبط رسولُ اللهِوَ﴿، فلما هبط نزل، ورجع عمَّار، فقال: ((هل
عرفتَ القوم؟» فقال: قد عرفتُ عامَّة الرواحل، والقوم مُتلثِّمون. قال: «هل تدري
ما أرادوا؟)) قال: الله ورسوله أعلم. قال: أرادوا أن ينفروا برسول الله إليه
فيطرحوه. وذكر أبو الطفيل، في تلك الغزاة: أنَّ رسولَ الله وَلِّ قال للنَّاس؛ وذكر
له: أن في الماء قلَّة فأمر رسولُ اللهِ وَله منادياً يُنادي: أَلاَّ يرد الماء أحد قبل
رسول الله﴿، فورده رسولُ الله ◌ِوَ﴾، فوجد رهطاً قد وردوا قبله، فلعنهم
(١) هذا العنوان لم يرد في نُسخ المفهم، واستدركناه من التلخيص.
-

٤١٢
(٤٢) كتاب التفسير - (٢٩) باب: من أخبار المنافقين
فقال: أنْشُدُكَ الله! كمْ كانَ أصحاب العَقَبة؟ قال: فقال له القومُ: أَخْبِرْهُ إذ
سَألك. قال: كُنّا نُخْبَرُ أنّهم أربعةَ عَشَرَ، فإن كنتَ مِنهم فَقدْ كانَ القومُ
خمسةَ عشرَ. وأشهدُ باللَّهِ! أنَّ اثْنَي عَشَرَ منهم حَرْبٌ للَّهِ ولرسولِهِ في الحياة
الدُّنْيًا ويوم يقومُ الأشهادُ. وعَذَرَ ثلاثةً قالوا: ما سمعنا مُنَادِيَ رسولٍ
الله ◌ََّ، ولا عَلِمْنا بما أراد القومُ. وقد كان في حرَّةٍ فمشى فقال: إن الماءَ
قليلٌ. فلا يسبقِني إليه أحدٌ)) فوجَدَ قوْماً قد سبقُوه، فَلَعَنَهُم يومئذٍ.
رواه أحمد (٣٩١/٥)، ومسلم (٢٧٧٩) (١١).
[٢٩١٨] وعن أنس بن مالك، قال: كان منَّا رجلٌ من بني النَّجَّار،
قد قرأ البقرةَ وآَلَ عِمْرانَ، وكان يكتبُ لرسول الله بَّهِ، فانطلق هارباً حتَّى
رسول الله ﴾(١). وعنى أبو الطفيل بقوله: بعض ما يكون بين الناس: الملاحة
والمعاتبة؛ التي تقع غالباً بين الناس.
بعض أعمال
المنافقين
و (قوله: أنشدك الله) أي: أسألك بالله، والقائلُ: أنشدك بالله؛ هو الرجل
الذي لاحاه حذيفةُ - رضي الله عنه - والقائلُ: كنّا نخبر أنهم أربعة عشر، فإن كنت
فيهم فالقومُ خمسة عشر: هو حذيفة، والمخاطبُ بذلك القول: هو الرجلُ المعاتِب
السّائلُ له بأنشدك الله، وظاهرُ كلام حذيفة: أنه ما شكَّ فيه، لكنه ستر ذلك إبقاءً
عليه. وهؤلاء الأربعة عشر، أو الخمسة عشر هم الذين سبقوا إلى الماء، فلعنهم
النبيُّ ◌َ ﴿؛ غير أنه قَبِلَ عُذْرَ ثلاثةٍ منهم لما اعتذروا له بأنهم ما سمعوا المنادي،
وما علموا بما أراد من كان معهم من المنافقين؛ فإنهم أرادوا مخالفةً رسول الله وَله
وأن يسبقوا إلى الماء، ويُحتمل أن يُريدَ بهم الرّهط الذين عرضواً لرسول الله وَله
بالعقبة ليقتلوه، والله تعالى أعلم.
(١) رواه أحمد (٤٥٣/٥).

٤١٣
(٤٢) كتاب التفسير - (٢٩) باب: من أخبار المنافقين
لَحقَ بأهل الكتاب. قال: فرفعُوه. قالوا: هذا قد كانَ يكتبُ لمحمَّد،
فأُعْجِبوا بهِ، فما لَبِثَ أنْ قَصَمَ اللَّهُ عُنُقَهُ فيهم، فَحفروا له، فَوَارَوْهُ،
فأصبحتِ الأرضُ قد نبذتْه على وَجْهِها، ثم عادُوا فحفرُوا لَه، فَوَارَوْه،
فأصبحتِ الأرضُ قد نبذتْهُ على وجْهِهَا، ثُمّ عادُوا فحفروا لَه، فَوَارَوْه،
فأصبحتِ الأرضُ قد نبذتْهُ على وَجْهِهَا، فتركُوه منبوذاً.
رواه أحمد (٢٢٢/٣)، والبخاريُّ (٣٦١٧)، ومسلم (٢٧٨١).
[٢٩١٩] وعن جابرٍ، أنَّ رسول الله ◌ِ هِ قَدِمَ من سَفَرٍ، فلَمَّا كانَ
قُرْبَ المدينةِ هَاجَتْ ربحٌ تكاد أن تَدْفِنَ الراكبَ، فزعم أنَّ رسولَ الله وَله
قالَ: ((بُعِثَتْ هذه الريحُ لموتٍ مُنَافِقٍ))، قال: فقدم المدينةَ فإذا منافِقٌ عظيمٌ
من المنافقينَ قد ماتَ.
رواه مسلم (٢٧٨٢).
[٢٩٢٠] وعن إياس قال: حدثني أبي، قال: عُدْنَا مع رسول الله وَله
رجلاً مَوْعُوكاً. قال: فوضعتُ يَدِي عليه فقلتُ: واللَّهِ! ما رأيتُ كاليوم
و (قوله: فما لبث أن قصم اللَّهُ عُنُقه) أي: ما طال مقامُه حتى أهلكه الله.
ووارَوْه: غَطَّوْه. ونَبَذَتْهُ: ألقته، وأخرجته. ومنبوذاً: مطروحاً على وَجْه الأرض.
وإنما أظهر اللَّهُ تلك الآية في هذا المرتدّ؛ ليوضّح حُبَّةَ نبيَّهِوَ لليهوديِّ عياناً،
وليقيمَ لهم على ضلالة من خالفَ دينَه بُرهاناً، وليزدادَ الذين آمنوا يقيناً وإيماناً.
و (قوله: هاجتْ ريحٌ تكاد أن تدفنَ الراكب) أي: هبَّتْ ربحٌ شديدةٌ تحملُ
معها الترابَ والرَّمل لشدَّتها، حتى لو عارضها راكبٌ على بعيره لدفنته بما تسفي (١)
(١) في (ز): تلقي.

٤١٤
(٤٢) كتاب التفسير - (٣٠) ومن سورة التحريم
رجُلاً أشدَّ حَرّاً. فقال نَبِيُّ الله وَ ◌ّهِ: ((ألا أخبرُكُمْ بأشدَّ حرّاً مِنْهُ يومَ القيامةِ؟
هُذَيْنِكَ الرّجُلَيْنِ الرّاكبَيَنِ المُقَفَِّيْن)). لِرَجُلَيْنِ حينئذٍ من أصحابه.
رواه مسلم (٢٧٨٣).
(٣٠) ومن سورة التحريم
[٢٩٢١] عن عبدِ الله بن عباسٍ، قال: حدَّثني عُمرُ بنُ الخطّاب،
عليه من التراب والرمل. وكأنَّ هذه الريحَ إنما هاجتْ عند موت ذلك المنافق
العظيم لِيُعَذَّب بها، أو جَعَلها الله علامةً لنبيُّه ◌َلّ على موت ذلك المنافق، وأنه
مات على النفاق - والله تعالى أعلم -.
و (قوله: ((ألا أخبركم بأشدّ حراً منه يوم القيامة؟ هذينك الرجلين الرَّاكبين
المقفّيين))) الروايةُ بخفض هذينك على البدل من أشدّ، وهو بدل المعرفة من
النكرة، وما بعد هذينك نعوتٌ له. ومعنى المقفّيين: الموليان أقفيتهما.
و (قوله لرجلين حينئذ من أصحابه) إنما نسبهما الراوي لأصحاب النبيِّ وَّ؛
لأنهما كانا في غمارهم، ودخلا بحكم ظاهرهما في دينهم، والعليم الخبير يعلم ما
تجنُّه الصُّدور، وما يختلجُ في الضمير، فأعلم اللَّهُ تعالى نبيّه وَ ل# بخبث بواطنهما،
وبسوء عاقبتهما، فارتفع اسمُ الصُّحبة، وصدق اسم العداوة والبغضاء.
(٣٠) ومن سورة التحريم
حديثُ ابن عباس هذا قد تقدَّم في الإيلاء، لكن بطريقٍ غير هذا. وألفاظٍ
تخالف هذا. فلذلك کژَّرناه في المختصر.

٤١٥
(٤٢) كتاب التفسير - (٣٠) ومن سورة التحريم
قال: لمَّا اعتزل رسولُ الله ◌َ ه نساءَه قال: دخلتُ المسجدَ، فإذا النَّاسُ
يَتْكُتُونَ بالحصى، ويقولون: طلَّق رسولُ الله پټ نساءَه، وذلك قبل أن يؤمر
بالحجاب. قال عمر: فقلت: لأعلَمَنَّ ذلك اليومَ. قال: فدخلتُ على
عائشة فقلتُ: يابنة أبي بكر! أَقَدْ بلغ من شأنِكِ أن تؤذي رسولَ الله وَلّ!
فقالت: ما لي ومالك يابن الخطابِ! عليك بِعَيْبَتَك! قال: فدخلتُ على
حفصة بنتِ عُمَرَ. فقلت لها: يا حفصة! قد بلغ من شأنك أن تؤذي
رسولَ اللهِوَّه! واللهِ! لقد علمتِ أنَّ رسول اللهِ ﴿ لا يُحبُّكِ! ولولا أنا
لطلَّقَكِ رسولُ اللهِ وَلِ! فبكتْ أشدَّ البكاء! فقلت لها: أين رسول الله وَليه؟
قالتْ: هو في خِزانَتِهِ في المَشْرُبَةِ. فَدَخَلْتُ فإذا أنا برباحٍ غلامِ
رسول الله ﴿﴿ قاعداً على أُسْكُفَّةِ المَشْرُبَةِ، مُدَلِّ رِجلَيْهِ على نَقِيرٍ منَ خَشَبٍ
- وهو جذع يَرْقَى عليه رسول الله ◌ِ ◌ّهِ وينحدرُ - فناديتُ، يا رباح! استأذنْ
لي عندك على رسول الله وَّه، فنظر رباحُ إلى الغرفة، ثم نظر إليَّ فلم يقل
( قوله: فإذا الناسُ ينكتُون بالحصى) أي: يخطّون بها في الأرض، فِعْل
المهتمّ بالشيء، المتفكّر فيه.
و (قولها: يا بن الخطاب عليك بِعَيْبَتِكَ) أي: بخاصَّتك وأهل بيتك، ومنه
قوله وَلجه: ((الأنصارُ كرشي وعيبتي))(١). وقد تقدَّم. والمشرُبة: الغرفة، تُقال: بفتح
الراء وضمها، والأسكفة بضم الهمزة والكاف: عتبةُ الباب السُّفلى. والنقير من
الخشب، وهو الذي يُنْقَرُ فيه مثل الدرج ليُرقى عليه.
و (قوله: يا رباحُ! استأذنْ لي عندكَ) أي: بحضرتِك وقربك، أي: لا تُؤْخِّره،
(١) رواه أحمد (١٨٨/٣ و٢٠١).

٤١٦
(٤٢) كتاب التفسير - (٣٠) ومن سورة التحريم
شيئاً، قلت: يا رباح! استأذن لي عندك على رسول الله وَلاتر؟ - فنظر رباح
إلى الغرفة، ثم نظر إليَّ فلم يقل شيئاً، ثم رفعتُ صوتي فقلت: يا رباح!
استأذن لي عندك على رسول الله وَ﴿، فإنّ أظن: أنَّ رسول الله بَّهِ ظنَّ
أنّ جئتُ من أجل حفصة، والله! لئن أمرني رسولُ الله وَّوبضرب عنقها
لأضربنَّ عُنُقَها! ورفعت صوتي، فأومأ إليّ: أنِ أرقَهْ، فدخلتُ على
رسول الله وَ﴿ وهو مضطجعٌ على حصيرٍ، فجلستُ، فأدنى عليه إزاره،
وليس عليه غيره، وإذا الحصيرُ قد أثر في جنبه، فنظرتُ ببصري في خزانة
رسول الله وَل﴿، فإذا أنا بقبضةٍ من شعير نحو الصَّاع، ومثلها قَرَظاً في ناحية
الغرفة، وإذا أَفِيقٌ مُعَلَّقٌ. قال: فابْتَدَرْت عيناي! قال: ((ما یبکیك یابن
الخطاب؟!))، قلت: يا نبيَّ الله! ومالي لا أبكي؟ وهذا الحصيرُ قد أثّر في
جنبك، وهذه خزانتك لا أرى فيها إلا ما أرى، وذاك قيصر وكسرى في
الثِّمار والأنهار، وأنت رسولُ الله وصفوتُه، وهذه خزانتك! فقال: ((يابن
الخطاب! ألا ترضى أن تكون لنا الآخرةُ ولهم الدُّنْيًا؟!))، قلت: بلى! قال:
ودخلتُ عليه حين دخلتُ وأنا أرى في وجهه الغضب. فقلت:
يا رسول الله! ما يَشُقُّ عليك من شأن النساء؟ فإن كُنْت طلَّقْتَهُنَّ، فإنَّ الله
معك، وملائكته، وجبريلَ، وميكائيلَ، وأنا، وأبو بكر، والمؤمنون معك!
وسكوت رباح ونظره لعمرَ احترامٌ لحضرة النبيَِّ ﴿ فكأنّه كان يسمعُه. والقَرَظ:
شجر يُدبغ به. والأُفْيِقُ: الجلد قبل الدِّباغ. وابتدرتْ عينايَ، يعني: بالدُّموع.
أي: غلبه البكاءُ فلم يملكه.
و (قوله: فإن طلَّقْتَهُنَّ فإنَّ الله معك) أي: بالمعونة على مرادك من الطلاق،
وعلى أنْ يُبدلَك خيراً منهنَّ، كما قال الله تعالى في الآية. ومعية الملائكة هي
موافقتُهم له على مراده، ونصرُه على أضداده، والله تعالى أعلم.

٤١٧
(٤٢) كتاب التفسير - (٣٠) ومن سورة التحريم
وقلَّما تكلمتُ، - وأحمد الله - بكلام إلا رجوتُ أن يكون اللَّهُ صدِّق قولي
الذي أقول، ونزلت هذه الآية؛ آية التخيير: ﴿عَسَى رَبُُّ: إِن طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ,
أَزْوَجَا خَيْرًا مِّنْكُنَّ﴾ [التحريم: ٥]، ﴿وَإِن تَظَهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَئُهُ وَجِبْرِيلُ
وَصَلِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيُ﴾ [التحريم: ٤] - وكانت عائشةُ
بنتُ أبي بكرٍ، وحفصةُ تَظَاهران على سائر نساء النبيِّ ◌َّ فقلتُ:
يا رسول الله! أَطَلَّقْتَهنَّ؟ قال: ((لا)). قلت: يا رسول الله! إني دخلت المسجدَ
والمسلمون ينكتون بالحصى؛ يقولون: طلَّقَ رسولُ اللهِوَِّ نساءَه! فَأَنْزِلُ
فأخبرَهُم أنك لم تُطلَّقْهُنَّ؟ قال: ((نعم إن شئتَ!))، فلم أزل أحدِّثُه حتَّى
تَحَسَّرَ الغضبُ عن وجهه، وحتی کشر، فضحك، وکان من أحسن الناس
ثَغْراً! ثم نزل نبيُّ الله وَّهِ، فنزلتُ أَتَشَبَّثُ بالجِذْعِ، ونزل رسول الله وَّه
كأنَّما يمشي على الأرض ما يمسَّه بيده. فقلتُ: يا رسولَ الله! إنما كنتَ
في الغرفة تسعةً وعشرين. قال: ((إنَّ الشهر يكون تسعاً وعشرين)). فقمتُ
على باب المسجد، فناديت بأعلى صوتي: لم يُطلِّقْ رسولُ اللهِ وَلِّ نساءَه!
و (قوله: قلَّ ما تكلَّمتُ - وأحمدُ الله - بكلام إلا رجوتُ أن يكونَ الله يُصدِّق
الذي أقول) قد شهدَ له بهذا النبيُّ نَّهِ حيث قال: ((إنَّ الله جعلَ الحقَّ على لسان
عمرَ وقلبه))(١).
و (قوله: فلم أزل أُحدِّثه حتى تحسَّر الغضبُ عن وجهه) أي: انكشفَ
الغضبُ. وكشرَ: كشفَ عن أسنانه ليضحكَ، فضحكَ، وقد سبق القول على ما في
هذا الحديث مما يُحتاج إلى التنبيه عليه في النكاح والإيلاء.
(١) رواه أحمد (٩٥/٢)، والترمذي (٣٦٨٢).

٤١٨
(٤٢) كتاب التفسير - (٣١) ومن سورة الجن
ونزلت هذه الآية: ﴿ وَإِذَا جَآءَ هُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ، وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى
الرَّسُولِ وَإِلَّ أُوْلِ الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنَّبِعُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣]،
فكنتُ أنا أستنبط ذلكَ الأمر، فأنزل الله عز وجل آية التخيير.
رواه مسلم (١٤٧٩) (٣٠).
*
(٣١) ومن سورة الجن
[٢٩٢٢] عن ابن عباس، قال: ما قرأ رسولُ الله - ﴿ على الجنِّ وما
رآهم. انطلق رسولُ اللهَ وَّ﴿ في طائفة من أصْحَابِه عامدين إلى سوق
و (قوله: ونزلت هذه الآية: ﴿وَإِذَا جَآءَ هُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ ﴾
[النساء: ٨٣]). ظاهر هذا أن هذه الآية نزلتْ بسبب هذه القضية لأجل استنباط
عمر - رضي الله عنه - ما استنبطَ فيما وقع له فيها ووافقه اللَّهُ تعالى على ما وقعَ له،
فأُنزلَ القرآنُ على نحو ذلك. والاستنباط: الاستخراج، وقد تقدَّم. وأذاعوا به:
أفشوه، يقال: ذاعَ الحديثُ يذيعُ ذَيْعاً وذُيوعاً، أي: انتشرَ، وأذاعه غيرُه إذا أفشاه،
ويقال: ذاع به بمعناه. وأولو الأمر: العلماء في قول قتادة وغيره. وفي الآية من
الفقه وجوبُ الرجوع إلى أقوال العلماء على من لا يُحسنُ فهمَ الأحكام
واستنباطَها. قال الحسن: هي في الضعفاء أُمروا أن يستخرجوا العلمَ من الفقهاء
والعلماء. وقال قتادة: نزلت هذه الآية في المنافقين كانوا يشيعون ما يهمّ به
رسول الله ﴿﴿ من أمن من أرادَ تأمينَه، وإغزاء من أرادَ غزوه؛ إرادة الإفساد.
(٣١) ومن سورة الجن
(قول ابن عبّاس - رضي الله عنهما -: ما قرأ رسولُ اللهِوَّه على الجِنِّ ولا
رآهم) يعني: لم يقصدهم بالقراءة عليهم، وإنما قرأ النبيُّ ◌َ﴿ في الصلاة

٤١٩
(٤٢) كتاب التفسير - (٣١) ومن سورة الجن
عُكَاظٍ، وقد حِيْلَ بينَ الشياطين وبين خَبَرِ السّماء. وأُرسلت عليهم
الشُّهب، فرجعتِ الشياطينُ إلى قَوْمِهم، فقالوا: ما لكم؟ قالوا: حيل بيننا
وبين خبر السماء. وأرسلت عليهم الشهب. قالوا: ما ذاك إلا من شيءٍ
حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها فانظروا ما الذي حال بيننا وبين
خبر السماء؟ فانطلقوا يضربونَ مشارق الأرض ومغاربها، فمرّ النفرُ الذين
أَخَذُوا نحو تِهامَةَ - وهو بنخلِ عامدين إلى سوق عُكَاظِ، وهو يُصلِّي
بأصحابِهِ صلاة الفجرِ - فلمّا سمعوا القرآنَ استمعوا له، وقالوا: هذا الذي
حال بَيَّتَنا وبين خبر السَّماء، فرجعوا إلى قومهم فقالوا: يا قَوْمَنا! إنّا سَمِعْنا
قُرآناً عَجَباً يَهْدِي إلى الرُّشْدِ فَآمَنّا بِهِ، ولَنْ نُشْرِكَ بِربِّنا أحداً. فأنزل اللَّهُ
عز وجل على نبيه محمدٍ ◌ّ﴾: ﴿قُلّ أُوحِىَ إِلَّ أَنَّهُ أُسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنّ ﴾
[الجن: ١].
رواه البخاريُّ (٧٧٣)، ومسلم (٤٤٩)، والترمذيُّ (٣٣٢٣).
لأصحابه؛ لكن لما تفرَّقت الشياطينُ في الأرض يطلبون السبب الحائلَ بينهم وبين
ما كانوا يَسترِقونَ من السمع صادفَ هذا النَّفَرُ من الجِنِّ النبيَّ ◌َّهِ بسوق عكاظ،
وهو يُصلِّي بأصحابه فاستمعوا له، فقالوا: ما أخبر الله به عنهم: ﴿قُلْ أُوحِىَ إِلَّ أَنَّهُ
أُسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنّ فَقَالُواْ إِنَّا سَمِعْنَا قُرَُّنَا عَبًا * يَهْدِىّ إِلَى الرُّشْدِ فَمَنَا بِهِ، وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبَّنَا أَحَدًا﴾
الآيات [الجن ١-٢]. وقيل: كان عدد هؤلاء النفر اثني عشرة، وقيل: تسعة. وقيل:
سبعة، وعلى هذا فالنبيُّ ◌َ﴿ ما علمَ باستماع الجِنِّ ولا رآهم، ولا كلَّمهم، وإنما
أوحى الله تعالى إليه فعلمَ ذلك لما أنزلَ علیه القرآنَ بذلك، وهذا بخلاف حدیث
ابن مسعود، فإن مقتضاه: أن النبيَّ ◌َ خرجَ بعبد الله بن مسعود(١) معه، فجاءَه
داعي الجِنِّ، فانطلقَ النبيُّ ◌َ﴿ نحو حِراء، فقرأ عليهم القرآنَ، فآمنوا وأسلمُوا،
(١) رواه مسلم (٤٥٠) (١٥٠).

٤٢٠
(٤٢) كتاب التفسير - (٣١) ومن سورة الجن
[٢٩٢٣] وعن علقمة، قال: سألتُ ابنَ مسعودٍ: هل شهِدَ أحدٌ
منكم مع رسول الله﴿ ليلةَ الجنّ؟ قال: لا؛ ولكنَّا كنَّا مع رسولِ الله ◌َِّه
ذات ليلةٍ، ففقدنَاه؛ فالتمسناه في الأودية والشِّعابِ، فقلنا: اسْتُطِيرَ - أو:
اغتِيل - قال: فبِتْنَا بِشَرِّ لَيْلةٍ باتَ بها قومٌ! فلما أصْبَحْنا إذا هو جاءٍ من قِبَلِ
حِرَاءٍ. قال: فقُلْنا: يا رسول الله! فقدنَاكَ، فطلبنَاكَ، فلم نجدك، فبِتْنَا بِشَرِّ
ليلةٍ باتَ بها قوم! فقال: ((أَتَانِي دَاعِي الجنِّ، فذهبتُ مَعَهُ، فقرأْتُ عليهم
الجن
والشياطين
موجودون
ومتعبَّدون
فهذه قضية أخرى، وجِنّ آخرون. والحاصل من الكتاب والسُّنة: العلمُ القطعيُّ بأن
الجِن والشياطين موجودون متعبَّدُون بالأحكام الشرعية على النحو الذي يليقُ
بخلقتهم وأحوالهم، وأن نبينا محمداً وَل﴿ رسولٌ إلى الإنس والجِنَّ أجمعين، فمن
دخلَ في دينه، وآمنَ به، فهو من المؤمنين، ومعهم في الدنيا والآخرة. والجنَّةُ
بالأحكام
منع الجنّ من مستقرّ المؤمنين. ومن كذَّبَه وصدَّ عنه فهو الشيطان المبعد عن المؤمنين في الدنيا
استراق السمع والآخرة، والنَّار مستقر الكافرين أبدَ الآبدين. وظاهرُ هذا الحديث يقتضي: أنَّ
بعد بعثته ﴾﴾
رجمَ الشياطين بالنجوم إنما صدرَ عند بعث النبيِّ ◌َ ﴿، وكذلك روى الترمذيُّ عن
ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: كان الجِنُّ يصعدون إلى السماء يستمعونَ
الوحيَ، فإذا سمعوا الكلمة زادوا فيها تسعاً، فلما بُعثَ الرسولُ وَلّ مُنعوا
مقاعدَهم، فذكروا ذلك لإبليس، ولم تكن النجوم يُرمى بها قبلَ ذلك(١)، وذكرَ
نحو ما تقدَّم لمسلم(٢). وقد تقدَّم في آخر كتاب الطب من حديث ابن عباس(٣)
- رضي الله عنهما - عن النبي ◌َّل﴿ أنها كانت يُرمى بها في الجاهلية، وقد اختلف
النَّاسُ في ذلك لاختلاف هذين الحديثين، فذهبت طائفةٌ منهم الجاحظ: إلى أن
الرَّجمَ لم يكن قبل مبعث النبيِّ وَ *، وقالت طائفة، منهم الغزالي: كان يُرمى بها؛
(١) رواه الترمذي (٣٣٢٤).
(٢) رواه مسلم (٤٤٩) (١٤٩).
(٣) رواه مسلم (٢٢٢٩) (١٢٤).