Indexed OCR Text
Pages 341-360
٣٤١ (٤٢) كتاب التفسير - (٥) ومن سورة العقود ابنُ المسيِّب: قال أبو هريرة: قال رسول الله وَّهِ: ((رأيتُ عمرو بنَ عامٍ الخُزَاعِيَّ يجرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ، وكان أَوّلُ مَن سَيَّب السَّوَائِب)). وفي روايةٍ: «عمرو بن لُحَيِّ بنِ قَمَعَةَ بن خِنْدِفَ، أخا بني كعبٍ هؤلاء)». رواه أحمد (٣٦٦/٢)، والبخاريّ (٣٥٢١)، ومسلم (٢٨٥٦) (٥٠ و ٥١). [٢٨٧٠] وعن أبي هريرة، قال: قال النَّبِيُّ وَّهِ: ((لَوْ تَابَعَني من اليهود عشرةٌ لم يَبَقَ على ظهرها يهوديّ إلا أسْلَم)). رواه البخاريُّ (٣٩٤١)، ومسلم (٢٧٩٣). و (قوله ◌َ ا﴾: ((لو تابعني من اليهود عشرةٌ لم يبق على ظهرها يهودي إلا أسلم))) يعني - والله تعالى أعلم - عشرة معيَّنين، وكأنهم كانوا رؤساءَ اليهود وزعماءَهُمْ، وذوي رأيهم في ذلك الوقت، فلو أسلموا لتابعهم مَن دُونهم مِن أتباعهم، ولو كان ذلك لأضفَفَت (١) يهودُ المدينة وجهاتها على الدخول في الإسلام، وعليها إعادة الضمير في قوله: لم يبق على ظهرها. (١) ((أصفقت)): اجتمعت. ٣٤٢ (٤٢) كتاب التفسير - (٦) ومن سورة الأنعام (٦) ومن سورة الأنعام [٢٨٧١] عن أبي هريرة، قال: أخذ رسول الله صل﴿ بيدي، فقال: (خلق اللَّهُ التُّربةَ يومَ السَّبتِ، وخلقَ فيها الجبالَ يومَ الأحد، وخَلَقَ الشَّجر يوم الإثنين، وخلق المكروه يومَ الثلاثاء، وخَلَقَ النُّور يومَ الأربعاء، وبَثَّ فيها الدّوابَّ يومَ الخميس، وخلق آدمَ - عليه السلام - بَعْدَ العصرِ من يومٍ الجمعَة في آخرِ الخلق، في آخر ساعةٍ من ساعات الجمعةِ، فيما بين العصر إلى الليل)). رواه أحمد (٣٢٧/٢)، ومسلم (٢٧٨٩). (٦) ومن سورة الأنعام (قول أبي هريرة - رضي الله عنه -: أخذ رسولُ الله ◌ِ وَ ﴿ بيدي فقال: ((خلق اللَّهُ التربةَ يوم السَّبت ... الحديث))) ذكر هذا الحديث هنا؛ لأنه مُفصِّل لما أجمله قوله تعالى: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ اَلُُّلْمَتِ وَالنُّورَ ﴾ [الأنعام: ١]، والتربة: التراب؛ أي: الأرض، وكأنه خَلَقَ الترابَ يوم السبت غير مُنْعَقِد، ولا متجمِّد، ثم يوم الأحد جمَّده، وجعل منه الجبالَ أرسى بها الأرض، وكَمُلَ خَلْقُ الأرض بجبالها في يومين. و (قوله: ((وخلق الأشجار يوم الإثنين، وخَلَق المكروه يوم الثلاثاء))) أي: ما يُكره مما يُهْلِك، أو يُؤْلم كالسّموم، والخِشاش(١)، والحيوانات المضرّة، وقد ذكر هذا الحديثَ ثابتٌ في كتابه، وقال فيه: ((وخلق التقن يوم الثلاثاء)) بدل ((المكروه)) قال: والتّقْن: ما يقومُ به المعاش، ويصلحُ به التدبير كالحديد وغيره من مدة خلْق الأرض (١) ((الخِشاش)): حشرات الأرض وهوامّها. الواحدة: خِشاشة. ٣٤٣ (٤٢) كتاب التفسير - (٦) ومن سورة الأنعام [٢٨٧٢] وعن أبي ذرٍّ؛ أنَّ رسولَ اللهِنَّهِ قالَ يوماً: ((أَتَدْرونَ أين جواهر الأرض، وكلّ شيءٍ يحصلُ به صلاحٌ: فهو تِقْن، ومنه: إتقان الشيء وإحكامه. و (قوله: ((والنور يوم الأربعاء))) كذا الروايةُ الصَّحيحةُ المشهورة، وقد وقع في بعض نُسَخ مسلم: النون - بالنون - يعني به الحوت. وكذا جاء في كتاب ثابتٍ في الأم، وفي رواية أخرى: ((البحور)) مكان ((النور)). قلتُ: وهذه الروايةُ ليست بشيءٍ؛ لأنَّ الأرضَ خُلِقت بعد الماء، وعلى الماء، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ أَلَّذِىِ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِ سِنَّةِ أَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَآءِ﴾ [هود: ٧] أي: قبل خلق السموات والأرض. إلا إن أراد بالبحور الأنهار التي خلق اللَّهُ تعالى في الأرض، فله وَجْهٌ، والصحیحُ رواية النور، ويعني به الأجسامَ النيّة كالشمس، والقمر، والكواكب، ويتضمَّن هذا أنه تعالى خَلَق السَّموات يوم الأربعاء؛ لأنَّ هذه الكواكبَ في السموات، ونورها: ضوؤها خَلْق السموات الذي بين السماء والأرض، والله تعالى أعلم. وتحقيق هذا أنه لم يَذْكُرْ في هذا الحديث نصاً على خَلْقِ السَّموات، مع أنه ذكر فيه أيام الأسبوع كلّها، وذكر ما خلق اللَّهُ تعالى فيها، فلو خَلَق السمواتِ في يومٍ زائدٍ على أيام الأسبوع، لكان خَلْق السموات والأرض في ثمانية أيام، وذلك خلافَ المنصوص عليه في القرآن، ولا صائر إليه. وقد رُوِي هذا الحديث في غير كتاب مسلم بروايات مختلفةٍ مضطربةٍ، وفي بعضها: أنه خَلَق الأرضَ يوم الأحد والاثنين، والجبال يوم الثلاثاء، والشجر والأنهار والعمران يوم الأربعاء، والسَّموات والشمس والقمر والنجوم والملائكة يوم الخميس، وآدم يوم الجمعة. فهذه أخبارٌ آحادٌ مضطربة فيما لا يقتضي عملاً، فلا يُعتمد على ما تضمَّنته من ترتيب المخلوقات في تلك الأيام، والذي يُعتمد عليه في ذلك قولُه تعالى: ﴿﴿ قُلْ أَبِتَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِأَلَّذِى خَلَقَ الْأَرْضَ فِی ٣٤٤ (٤٢) كتاب التفسير - (٦) ومن سورة الأنعام تذهبُ هذه الشمس؟))، قالوا: الله ورسوله أعلم! قال: ((إنَّ هذه تجري حتى تنتهي إلى مُسْتَقَرُّها تحتَ العرشِ، فتخرُ سَاجدً، فَلا تزالُ كذلك حتى يقال لَها: ارتفعي، ارْجِعي من حيثُ جئتِ، فترجعُ، فتُصبحُ طَالِعةٌ مِن مَطْلِعِها ثم تجري حتى تنتهي إلى مُسْتَقَرِّها تحتَ العرش، فتخرُّ ساجدة، فلا تزال كذلك حتى يقال لها: ارتفِعي، ارجعي من حيثُ جئت، فترجعُ، فتصبح طالعةً من مَطْلِعِها، ثم تجري لا يستنكرُ الناسُ منها شيئاً حتى تنتهي إلى مستقرها ذاك تحت العرش. فيقال لها: ارْتَفِعِي، أصبحي طالعةً من مغربك فتصبحُ طالعةً من مغربها)). فقال رسول الله وَ طلين: ((أتدرون متى ذلكم؟ حين: ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَتُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِيَ إِيمَنِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨])). رواه أحمد (١٤٥/٥)، ومسلم في الإيمان (١٥٩) (٢٥٠)، والنسائي في الكبرى (١١١٧٦). يَوْمَيّنِ﴾ الآيات [فصلت: ٩] فلينظر فيها من أراد تحقيق ذلك، وفيها أبحاث طويلة ليس هذا موضعُ ذِکرها. معنى: مستقر الشمس و (قوله: ((إن هذه تجري حتى تنتهي إلى مستقرها))) قد كثرت أقوالُ الناس في معنى مستقر الشمس، وأشبهُ ما يُقال فيه: إنه عبارةٌ عن انتهائها إلى أن تسامتْ جزءاً من العرش معلوماً بحيث تخضعُ عنده وتذل، وهو المعبَّر عنه بسجودها، وتستأذن في سيرها المعتاد لها من ذلك المحلّ متوقعةً أَلَّ يُؤذن لها في ذلك، وأن تُؤمر بالرجوع من حيثُ جاءت، وبأن تطلعَ من مغربها، فإن كانت الشمسُ ممن تعقلُ نَسَب ذلك كلَّه إليها؛ لأنه صَدَر عنها، وإن كانت مما لا يعقلُ فَعَل ذلك الملائكةُ الموَّلون بها، واللَّهُ تعالى أعلم. وكلُّ ذلك مُمْكِن، وهذا القولُ موافقٌ لمعنى هذا الحديث، فتأمَّله. ٣٤٥ (٤٢) كتاب التفسير - (٦) ومن سورة الأنعام [٢٨٧٣] وعنه؛ قال: قال رسول الله وَله: ((يقول الله: من جاء بالحسنةِ فلهُ عَشْر أمثالِها، وأزيد. ومن جاء بالسيئةِ، فجزاؤه سيئةٌ مثلُها، أو أغفر. ومن تقرَّب مِنِّي شِبراً؛ تقرَّبْتُ منه ذِراعاً، ومن تقرب منِّي ذراعاً؛ تقرَّبْتُ منه باعاً. ومَنْ أتاني يمشي؛ أتيتهُ هَزْوَلَةً، ومن لَقيني بِقِرابِ الأرض خَطِيئَةً لا يُشْرِكُ بِي شَيْئاً؛ لقيته بمِثلِها مَغْفِرَةً» . وفي روايةٍ: ((أو أزيد)) بزيادة ألف. رواه مسلم (٢٦٨٧). و (قوله يقول الله: ((مَن جاء بالحسنة فله عشر أمثالها، وأَزِيدُ))) مفتوح الهمزة مكسور الزاي مضموم الدال على أنه فعلٌ مضارع، وكذا رويته، وقد روي هذا الحرفُ بالواو الجامعة، وبأو التي معناها أحد الشَّيئين، وهو إشارةٌ إلى معنى قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُضَعِفُ لِمَن يَشَآءُ﴾ [البقرة: ٢٦١]. والحسنة تعمُّ الحسناتِ كلَّها، فأيُّ حسنة عملها المسلمُ ضُوعِفَ ثوابُها كذلك، ولا معنى لقول من قصرها على بعض الحسنات دون بعض؛ فإنه تحكّمٌ مخالفٌ للَّفظ العام، والكَرَم التام، وقد تقدَّم الكلامُ على قوله: ((من أتاني يمشي أتيتُهُ هرولة)) وأن ذلك تمثیل. و (قوله: ((ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة لقيته بمثلها مغفرة))) قِراب الأرض: قدر ملئها، وهو بكسر القاف، وأصله الوعاء، ومنه قِراب السيف، وهو في هذا الحديث مثل. ٣٤٦ (٤٢) كتاب التفسير - (٧) ومن سورة الأعراف (٧) ومن سورة الأعراف [٢٨٧٤] عن ابن عباس، قال: كانتْ امرأةٌ تطوفُ بالبيتٍ وهي عُزْيَانة، فتقولُ: مَنْ يُعيرُني تِطْوَافاً - تَجْعلهُ على فَرْجِها - وتقول: اليومَ يَبْدُو بَعْضُهُ أَوْ كُلُّهُ فَمَا بَدَا مِنْه فَلا أُحِلُهُ فنزلتْ هذه الآية: ﴿خُذُواْزِينٌَ ... ﴾ [الأعراف: ٣١]. رواه مسلم (٣٠٢٨)، والنسائي (٢٣٣/٥). * * (٧) ومن سورة الأعراف الطواف في الجاهلية (قوله: كانت المرأةُ تطوفُ بالبيت وهي عُزيانة، فتقول: من يعيرني تِطْوافاً، - تجعله على فرجها ـ)) التّطْواف: بكسر التاء: ثوب تطوفُ به، وقد تقدَّم أنَّ قريشاً، كانت ابتدعتْ في الحجِّ أموراً، منها: أنه كان لا يطوفُ أحدٌ بالبيت إلا عُزياناً إلا أن يكون أحمسياً، وهم من ولد كِنانة، أو مَن أعاره تِطوافاً أحمسيٍّ؛ فإن طافَ مَن لم يكنْ كذلك في ثيابه ألقاها، فلا ينتفعُ بها هو، ولا غيره، وتُسمَّى تلك الثيابُ باللَّقی، حتى قال شاعر العرب: كَفَى حَزَناً كَرِّي(١) عَلَيْهِ كَأَنَّهُ لَقِّى بَيْنَ أَيْدِي الطَّائِفِینَ حَرِیمُ وكان هذا الحكمُ منهم عامّاً في الرجال والنساء، ولذلك طافت هذه المرأةُ عُزْيانة، وأنشدت الشعرَ المذكورَ في الأصل. قال القاضي: وهذه المرأةُ هي: ضباعة بنت عامر بن قرط، فلما جاء الإسلامُ ستر اللَّهُ تعالى هذه العورات، ورفع هذه الآثام، فأنزل اللَّهُ تعالى: ﴿يَبَفِىْ ءَادَمَ خُذُواْ زِيَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]، وأذَّن مؤذنُ رسول الله له ألَّ يطوف بالبيت عُزْيان. وفُهِم من (١) كذا في (ع) و (م) وتفسير القرطبي (١٨٩/٧). وفي (ز): كوني. ٣٤٧ (٤٢) كتاب التفسير - (٨) ومن سورة الأنفال وبراءة (٨) ومن سورة الأنفال وبراءة [٢٨٧٥] عن أنس بن مالكٍ، قال: قال أبو جهل: اللَّهم إن كان هذا هو الحقَّ من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتِنا بعذابٍ أليم. فَزَّلَتْ: ﴿وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣ - ٣٤]. رواه البخاريُّ (٤٦٤٨)، ومسلم (٢٧٩٦). هذا الأمر وجوبُ ستر العورة للصلاة على خلافٍ فيه تقدَّم ذكرُه، وحاصلُه: أنَّ الجمهورَ على أنها فرض، واختلف فيها عن مالك على ثلاثة أقوال: الوجوب مطلقاً، والسنة مطلقاً، والفرق، فتجبُ مع العمد، ولا تجبُ مع النِّسيان والعذر. (٨) ومن سورة الأنفال وبراءة (قول أبي جهل: اللهم إن كان هذا هو الحقَّ من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم) غَلَب على أبي جهل جَهْلُهُ فساء قولُهُ وفِعْلُه. انظر نهاية أبي جهل کیف غلبت عليه جهالته وشقوته، فاستچیبت منه دعوته، فجدل صريعاً، وسُحب على وجهه إلى جهنم سحباً قصيفاً. حُكيَ أن ابنَ عباس لقيه رجلٌ من اليهود، فقال اليهودي: ممن أنت؟ قال: من قريش. قال: أنت من القوم الذين قالوا: اللهم إن كان هذا هو الحقَّ من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم؟ فهلاّ عليهم أن يقولوا: إن كان هذا هو الحق من عندك فاهْدِنا له، إن هؤلاء قوم يجهلون. قال ابن عبّاس: وأنت يا إسرائيلي من القوم الذين لم تجفَّ أرجلهم من بلل البحر الذي أغرق فيه فرعون وقومه، وأنجي موسى وقومُه، حتى قالوا: اجعلْ لنا إلهاً كما لهم آلهة، فقال لهم موسى: إنكم قومٌ تجهلون، فأطرق اليهوديُّ مفحماً. ٣٤٨ (٤٢) كتاب التفسير - (٨) ومن سورة الأنفال وبراءة [٢٨٧٦] وعن عائشة، قالتْ: سمعتُ النَّبيَّ وَّهِ يقولُ: ((لا يذهبُ الليلُ والنَّهارُ حتَّى تُعبَد اللاتُ والعُزَّى)). فقلتُ: يا رسول الله! إنْ كنتُ لأظُنُّ حينَ أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿هُوَ أَلَّذِى أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، وَلَوْ كَرِهِ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٣]. أنَّ ذلك تاءٌ! قال: ((إنَّه سيكون من ذلك ما شاء اللَّهُ، ثم يبعثُ اللَّهُ ريحاً طيِّبَة فَتَوَفَّى كُلَّ مَنْ و (قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣])( أي: إكراماً لك، واحتراماً لوجودك بينهم؛ فإنك رحمةٌ عامَّة للعالمين، ونعمة خاصَّةٌ للمؤمنين، فلما نقله اللَّهُ عنهم أوقع عذابَه بهم. و (قوله: ﴿وَمَا كَانَ اَللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣]) أي: وما كان اللَّهُ مهلكَ جميعهم، ومنهم من يستغفره. وقد اختلف في هذا الاستغفار، فقال ابنُ عباس: كانوا يقولون في الطّواف: غُفرانك. مجاهد: هو الإسلام. قتادة: لو استغفروا. السدي: في أصلابهم من يستغفره. الضحاك: فيهم من يصلي، ولم يهاجر بَعْدُ. وأولاها: قول ابن عباس؛ لأنَّ الاستغفار - وإن وقع من الفجار - يُذْفَعُ به ضروبٌ من الشرور والأضرار. فوائد الاستغفار و(قوله: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ اَلْحَرَارِ﴾ [الأنفال: ٣٤]) أي: مستحقُون العذاب لما ارتكبوا من القبائح والأسباب، لكن أخره عنهم حِلْمُ الحليم، وإن لكلُ أجلٍ (١) كتاب. و (قول عائشة: يا رسولَ الله! ﴿هُوَ أَلَّذِى أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ أَلْحَقِّ لِيُظْهِرَمُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣] [إن كنتَ لأظن](٢) أن ذلك تائم إلى يوم القيامة) كأنَّ عائشةَ فهمتْ من هذا أنَّ الأصنامَ لا تُعْبَدُ أبداً، وأنَّ دينَ الإسلام معنی: ﴿ليظهره على الدین کله﴾ (١) في (ز): أمة. (٢) ما بين حاصرتين ورد في التلخيص وفي صحيح مسلم مُقدَّماً على الآية الكريمة. ٣٤٩ (٤٢) كتاب التفسير - (٨) ومن سورة الأنفال وبراءة كان في قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ خَرْدَلٍ مِنْ إيمانٍ، فَيَبْقَى مَنْ لا خيرَ فيه، فَيَرجِعُونَ إلی دِینِ آبائهم». رواه مسلم (٢٩٠٧). [٢٨٧٧] وعن سعيد بن جُبيرٍ، قال: قلتُ لابنِ عباسٍ: سُورة التوبة؟ قال: الثَّوبةِ؟ بل هي الفاضحةُ، ما زالت تنزلُ: وَمِنْهُم، ومنهم، حتى ظنّوا أنَّها لا تبقي مِنّا أحداً إلا ذُكر فيها. قال: قلت: سورة الأنفال؟ قال: تلك سورةُ بدرٍ، قال: قلتُ: فالحشْرُ؟ قال: نزلتْ في بني النَّضير. رواه البخاري (٤٨٨٢)، ومسلم (٣٠٣١). وقد تقدم في كتاب التوبة قصةُ الثلاثة الذين خلِّفوا. انظر صحيح مسلم (٢٧٦٩) (٥٣). وكذلك قصة: ﴿وَلَا تُصَلّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُم مَّاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤] تقدمت في الجنائز. انطر صحيح مسلم (٢٧٧٤) (٣). وقد تقدمت قصة بدرٍ في الجهاد. انظر صحيح مسلم (١٧٧٩) (٨٣). لا يزالُ ظاهراً غالباً على الأديان كلُّها إلى أن تقومَ الساعة، وهو على ذلك، فأجابها النبيُّ بما يقتضي أنَّ ذلك يكون في أغلب البلدان، وفي أكثر الأزمان، لا أنَّ عبادةَ الأوثان تنقطعُ من الأرض، ولا أنَّ جميعَ الأديان تذهب بالكليّة ، حتى لا يبقى إلا دينُ الإسلام، لأنه تعالى لم يقلْ: يمحو به الأديان كلها وإنما قال: ٣٥٠ (٤٢) كتاب التفسير - (٩) ومن سورة إبراهيم (٩) ومن سورة إبراهيم [٢٨٧٨] عن البَراءِ بن عازبٍ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ اَلنَّابِتِ فِي الْخَيَوَةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]. قال: نزلت في عذاب القبر. رواه البخاريُّ (١٣٦٩)، ومسلم (٢٨٧١) (٧٤)، وأبو داود (٤٧٥٠)، والترمذيُّ (٣١١٩)، والنسائي (١٠١/٦)، وابن ماجه (٤٢٦٩). [٢٨٧٩] وعن سَهْلِ بن سعدٍ، قال: قال رسول الله وَله: ((يُحْشَرُ النَّاسُ يومَ القيامة على أرض بيضاءَ، عفراءَ، ﴿ليظهره على الدين كله﴾ وقد أظهره على كلِّ الأديان، وأبقاه مع تجدُّد(١) الأزمان، كيف لا، وقد امتدَّ الإسلامُ في معمور الأرض من مشرقها إلى أقصى مغربها حتى غلب أهلُه الأكاسرة، والقياصرة، والهراقلة، والتتابعة، والبلاد اليمنية، وكثيراً من البلاد الهندية، فغلبوا على متعبداتهم ومواضع قُرباتهم وصلواتهم. فلقد صدق اللَّهُ وعده، ونَصَر عبده، وهَزَم الأحزاب وحده، فلا شيء بعده . (٩) ومن سورة إبراهيم (قوله: ((يُحشر الناسُ يومَ القيامة على أرضٍ بيضاء عفراء))) أي: تضربُ إلى الحُمْرة. والعُفْرة: بياضٌ ليس ناصعاً، بل يضربُ إلى الحُمرة، وكأنها تغيَّرتْ من لهب النار. (١) في (ز): اتحاد. ٣٥١ (٤٢) كتاب التفسير - (٩) ومن سورة إبراهيم كَقُرْصَة النَّقِيِّ لَيْسَ فيها عَلَمُ لأَحَدٍ)). رواه البخاريُّ (٦٥٢١)، ومسلم (٢٧٩٠). و (قوله: ((كقُرْصَة النَّقِيِّ)) القُرْصة: الخُبزة. النَّقي : - بفتح النون وكسر القافـ: هو الحوّارى، وهو الدَّرمك، سُمِّي بذلك؛ لأنه ينقى ويصفّى من نُخالته، ومما يغيّره. و (قوله: ((ليس فيها عَلَم لأحد))) الرواية المشهورة بفتح العين المهملة واللام؛ أي: ليس فيها علامةٌ لأحد، ولا أثرٌ، أي: لم يكن فيها أحدٌ فيكون له أثر. قال ابنُ عباس: لم يُعْمُّلْ عليها خطيئة، وقد وجدتُه في أصل الشيخ أبي الصبر أيوب: ليس بها عِلْمٌ لأحد: بالباء الموحدة وبكسر العين، وسكون اللام؛ أي: لم يتقدَّمْ بها لأحدٍ من الخلق علم. وهذا الحديثُ والذي بعده يدلُّ على: أن المرادَ بتبديل الأرض المذكورة في قوله تعالى: ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ اَلْأَرْضُ غَيْرَ اٌلْأَرْضِ ﴾ معنى تبديل [إبراهیم: ٤٨] إنه تبدیلُ ذاتٍ بذات، فيُذهَبُ بهذه الأرض ويُؤتی بأرضٍ أخرى، الأرض والسماء وهو قولُ جمهور العلماء، وقال الحسن: تُبدَّل صورتُها، ويُطهَّر دَنَسُها. وقال ابنُ عباس: تبدَّل آكامُ الأرض، ونجومُ السماء. ورُوي عن النبي ◌َّ: ((تُمَدُّ الأرضُ مدَّ الأديم))(١)، وأما تبديلُ السموات، فروي عن عليٍّ - رضي الله عنه -: تبدل الأرضُ فضَّة والسماءُ ذهباً(٢). كعب: الأرض ناراً والسماء جنة(٣)؛ أي: يزاد فيها. القاسم بن محمد: تُطوى السماءُ كطيّ السجل. ابن الشجريِّ(٤): تنشق، فلا تظل. ابن الأنباري: تختلف أحوالُها كالمهل، والدهان. (١) رواه البيهقي في البعث والنشور رقم (٦٦٩). (٢) ذكره الطبري في تفسيره (٧/ ٤٨١). (٣) المصدر السابق. (٤) هو هبة الله بن علي بن الشجري، من أهل العلم باللغة والأدب وأحوال العرب، توفي سنة (٥٤٢ هـ). ٣٥٢ (٤٢) كتاب التفسير - (٩) ومن سورة إبراهيم [٢٨٨٠] وعن عائشةَ، قالتْ: سألتُ رسولَ الله وَ طّر عن قوله تعالى: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨] فأين يكون النَّاس يومئذٍ يا رسول الله؟! قال: ((على الصِّراط)). رواه مسلم (٢٧٩١)، والترمذيُّ (٣١٢٠). و (قوله وي في جواب عائشة - رضي الله عنها -: ((على الصراط))) ظاهره: الصراط الذي هو جسرٌ ممدودٌ على متن جهنم، كما قد قال في الحديث المتقدم: (هم في الظلمة دون الجسر)) (١) أي: على الجسر. قلتُ: وهذا كله ممكنٌ، والقدرةُ صالحة، ومن الممكن أن يعدمَ اللَّهُ الأرضَ التي يخرجون منها، ويُوجِدَ أرضاً أخرى، وهُم عليها، ولا يشعرون بذلك. و (قوله: ((تكون الأرضُ يوم القيامة خبزةً واحدة))) يعني: الأرض التي يخرجون منها يقلبُها اللَّهُ تعالى بقدرته، كما يقلبُ أحدُنا خبزَته، وهو تمثيلٌ لسرعة الانقلاب، وسهولته. ويكفؤها: مهموز، من كفأت الإناء: إذا قلبته، ووقع في بعض النسخ: ((يتكفؤها كما يتكفؤ)) بزيادة تاء. والمعنى واحد: وظاهره: أنَّ هذه الأرضَ تُقلب، فيعاد ما كان أسفلَها أعلاها. كما يُفعل بالخبزة، وهو تبديلٌ صحيح؛ لأنَّ الوجه الذي كان أسفل هو أرضٌ أخرى غير الوجه الذي كان أعلى، فهو تبديلٌ مُحقَّق، فيجوزُ أن يكونَ هذا هو التبديلَ الذي أراد اللَّهُ تعالى في الآية المتقدِّمة، والله تعالى أعلم. وعلى هذا فيكون قوله: ((نزلاً لأهل الجنة)) [مفعولاً بفعل مُضمر تقديره: يُعَدُّ نزلاً لأهل الجنة](٢). والنّزل: هو ما يُعَدُّ للضيف من طعام وشراب وكرامة، وهو بضم النون والزاي. وقد يُقال: النزل: على المنزل (١) رواه مسلم (٣١٥). (٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ز). ٣٥٣ (٤٢) كتاب التفسير - (٩) ومن سورة إبراهيم [٢٨٨١] وعن أبي سعيد الخدريٍّ، عن رسول الله وَّته، أنَّه قال: ((تكون الأرضُ يوم القيامةِ خُبْزَةً واحدةً يكفؤها الجبَّارُ بيده كما يكفأ أحدُكم خُبْزته في السَّفر؟ نُزُلاً لأهل الجنة)). فأتى رجلٌ من اليهود، فقال: باركَ الرَّحمنُ عليك أبا القاسم! ألا أخبرك بِنُزُلِ أهل الجنةِ؟ قال: ((بلى)). قال: تكون الأرضُ خبْزَةً واحدةً ... (كما قال رسول الله ◌ِ ﴿). قال: فنظر إلينا رسولُ اللهِوَِّ، ثم ضَحِك حتى بدتْ نواجذُهُ. فقال: ألا أخبرك بإدامهم؟ قال: ((بلى))، قال: إدامهم بَالاَمٌ ونُونٌ. قالوا: وما هذا؟ قال: ثَوْرٌ ونونٌ، يأكل من زيادة كَبِدِهما سبعون ألفاً. رواه البخاريُّ (٦٥٢٠)، ومسلم (٢٧٩٢). أيضاً، وعلى الإنزال. والنواجذ: يُراد بها الضواحك، وقد تقدّم استيعابُ الكلام فيه. و (قوله: ألا أخبرك بإدامهم؟) هذا قولُ اليهودي، لا قول النبيِّ ◌َّهِ. والنبي وَ﴿ هو القائلُ: ((بلى)) يستخرج بذلك ما عند اليهودي من ذلك؛ ليظهر للحاضرين موافقةً اليهودي للنبيِّ ◌َ فيما كان يخبرهم عنه من إدام أهل الجنة، فقد جاء في حديثٍ آخر أن النبي والتر كان أخبر أصحابه بذلك، وأن اليهود سألوا النبيَّ وَ ﴿ عن ذلك، كما تقدم في الطهارة من حديث ثوبان(١). و (قوله: إدامهم بالام ونونٌ) هكذا الروايةُ الصَّحيحةُ التي لا يُروى غيرها. إدام أهل الجنة فأمَّا بالام فيعني به اليهودي: الثور الذي كان يأكلُ من أطراف الجنَّة، كما في حديث ثوبان، فكانت هذه كلمةً عبرانيةً تكلّم بها اليهودي على لسانه، وقد قال (١) رواه مسلم (٣١٥). ٣٥٤ (٤٢) كتاب التفسير - (١٠) ومن سورة الحجر (١٠) ومن سورة الحجر [٢٨٨٢] عن عبدِ اللهِ بن عُمَر، قال: مررنا مع رسول الله وَّر على الِحِجْرِ، فقال لنا رسول الله وَ﴿: ((لا تَدخلوا مساكنَ الذين ظلموا أَنْفُسَهم، إلَّا أن تكونُوا باكينَ؛ حذراً أن يصيبكم مِثلُ ما أصابهم)». ثُمَّ زجر، فأسرع. رواه أحمد (٦٦/٢)، والبخاريُّ (٣٣٨٠)، ومسلم (٢٩٨٠) (٣٩). [٢٨٨٣] وعنه؛ أنَّ الناسَ نزلوا مع رسول الله بَّه على الحِجْرِ بعضُ أئمتنا: إنَّ هذه الكلمةَ صحَّفها بعضُ الرواة، وإنَّما هي اللَّى على وزن اللَّعا: وهو الثور الوحشيُّ، وهذا لا يُلتفت إليه؛ لأنَّه يخرمُ الثَّقة بالعدول العلماء؛ ولأنَّه لو كان كذلك لما أشكلتْ على أصحاب النبيِّ ◌َ ﴿ ولا سألوه عنها، فإنَّهم يعرفون: أنَّ الَّلأى: الثور، والله أعلم. وأمَّا النون: فهو الحوت، وقد قدَّمنا في الصحاح: أنَّ النون: الحوت، ويجمع أنواناً ونيناناً. وذو النون: يونس - عليه السلام -. وزيادة الكبد: هي القطعة المتعلقة به المنفردة عنه. (١٠) ومن سورة الحجر ما يفعله المار (قوله: ((لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين، حذراً بديار الظالمين أن يصيبكم مثل ما أصابهم))) أي: خوفاً من أن تعاقبوا كما عوقبوا، لأن أكثر المخاطبين والموجودين في ذلك الوقت كانوا ظالمين لأنفسهم؛ إمّا بالكفر، وإمَّا بالمعاصي، وإذا كان سببُ العقوبة موجوداً تعين الخوفُ من وجود العقوبة. فحقّ المارِّ بموضع المعاقبين أن يُحدِّد النظر والاعتبار، ويكثر من الاستغفار، ويخاف من نقمة العزيز القهار، وألّ يطيل اللبثَ في تلك الدار. و (قوله: ثم زجر فأسرع) أي: زَجَر ناقته فأسرع بها في المشي. ويُستفاد منه كراهةُ دخول أمثال تلك المواضع والمقابر؛ فإن كان ولا بدَّ من دخولها فعلى الصفة التي أرشدَ إليها النبيُّ ◌َ ه من الاعتبار، والخوف، والإسراع، وقد قال وَّ: ٣٥٥ (٤٢) كتاب التفسير - (١٠) ومن سورة الحجر - أرض ثَمُود - فاسْتَقَوا من آبارِها، وعَجَنُوا به العجينَ، فَأَمَرهُم رسولُ اللهِ وَ﴿ أن يُهرِيقُوا ما اسْتَقَوا، ويَعْلِفُوا الإبلَ العَجِينَ، وَأمرهم أنْ يسْتَقُوا مِنْ البئرِ التي كانت تَرِدُها الناقةُ. رواه البخاريُّ (٣٣٧٨)، ومسلم (٢٩٨١) (٤٠). * * (لا تدخلوا أرض بابلَ فإنها ملعونة)) (١). وأَمْرُهُ وَّه بإراقة ما استقوا من بئر ثمود، حكم الطعام وعلف العجين الذي عُجن به للدواب حُكْمٌ على ذلك الماء بالنجاسة؛ إذ ذاك هو المتنجُس حكمُ ما خالطته نجاسة، أو كان نَجساً، ولولا نجاستُهُ لما أُتْلِف الطعامُ المحترمُ شرعاً من حيث إنه مالية، وإنه غذاءُ الأبدان وقوامها. وأمره لهم أن يستقوا من بئر الناقة دليلٌ على التبرُّك بآثار الأنبياء والصَّالحين، وإن تقادمت أعصارُهم، وخفيت آثارهم، كما أن في الأول دليلاً على بغض أهل الفساد، وذمّ ديارهم وآثارهم. هذا؛ وإن كان التحقيقُ أنّ الجمادات غيرُ مؤاخذات، لكن المقرون بالمحبوب محبوب، والمقرون بالمکروہ المبغوض مبغوض، کما قال کثیر: أُحِبُّ بِحُبُّها السُّودانَ حَتَّى أُحِبُّ لِحُبِّها سُودَ الكِلَبِ وقال آخر : أُقَبِّلُ ذا الجِدَارَ وَذَا الجِدارا أَمُرُّ عَلَى الدِّيَارِ دِيَارٍ لَيْلَى(٢) وَلْكِنْ حُبُّ مَنْ سَكَنَ الدِّيَارا وَمَا تِلْكَ الدِّيَارُ شَغَفْنَ قَلْبِي وفي أمره بعلف الإبل العجين دليلٌ على جواز حَمْل الرجل النجاسة إلى كلابه ليأكلوها، خلافاً لمن منع ذلك من أصحابنا، وقال: تُطلق الكلاب عليها ولا يحملها لهم. (١) رواه أبو داود (٤٩٠) من حديث علي أنه قال: ((نهاني أن أصلي في أرض بابل فإنها ملعونة)). (٢) في (ز): سلمى. ٣٥٦ (٤٢) كتاب التفسير - (١١) ومن سورة الإسراء (١١) ومن سورة الإسراء قد تقدمت في كتاب الإيمان أحاديث الإسراء. انظر هذه الأحاديث في التلخيص في كتاب الإيمان . [٢٨٨٤] عن عبد الله بن مسعودٍ، قال: بينما أنا أمشي مع النَّبِيِّ وَّ في حَرْثٍ وهو متكىٌ على عَسِيْبٍ، إذ مرَّ بنفر من اليهود، فقال بعضهم لبعضٍ: سَلُوه عن الروح فقالوا: ما رابكم إليه؟ لا يستقبلكم بشيء تكرهونه! فقالوا: سلوه. فقام إليه بعضُهم فسأله عن الرُّوح. قال: فأسكتَ النَّبِيُّ وَِّ. فلم يردّ عليه شيئاً. فعلمتُ أنَّه يوحى إليه. قال: فقمْتُ مكاني، فلمَّا نزل الوحيُّ قال: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِ وَمَآ أُوْتِبْتُم مِّنَ اُلْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]. وفي رواية: ((وما أوتو)). رواه أحمد (٣٨٩/١)، والبخاريّ (١٢٥)، ومسلم (٢٧٩٤) (٣٢ و ٣٣)، والترمذي (٣١٤٠). (١١) ومن سورة الإسراء قد تقدم الكلامُ في الإسراء، وفي أحاديثه في كتاب الإيمان، وتقدم الكلامُ في الروح في كتاب الصلاة، وقد اختلف الناسُ في الروح التي سألت اليهودُ عنها النبيَّ ◌َّ فقيل: هو عيسى - عليه السلام -، وقيل: هو جبريل - عليه السلام-، وقيل: هو روح الإنسان، وهذا الأخيرُ هو الأولى؛ لأن اليهودَ لا تُقِرُّ بأن عيسى - عليه السلام - وُلِد بغير أب، وجبريل عندها ملك معروف، فتعين الثالث، وهو الذي يناسبُ الإبهامَ في قوله حيث أجابهم بقوله: ﴿ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّ﴾ [الإسراء: ٨٥] أي: هو أمرٌ عظيم، وشأنٌ كبيرٌ من أمر الله تعالى، مُبْهِماً له، المقصود بالروح ٣٥٧ (٤٢) كتاب التفسير - (١١) ومن سورة الإسراء [٢٨٨٥] وعنه: ﴿أُوْلَيْكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ ﴾ [الإسراء: ٥٧]، قال: كان نَفَرٌ من الإنس يعبدون نفراً من الجنِّ؛ فأسلم النفرُ من الجنّ. واسْتَمسكَ الإنسُ بعبادَتهم، فنزلتْ. رواه البخاريُّ (٤٧١٤)، ومسلم (٣٠٣٠) (٢٩). وتاركاً تفصيلَه ليعرف الإنسانُ على القطع عجزَه عن علم حقيقةِ نفسه مع العلم بوجودها، وإذا كان الإنسانُ في معرفة نفسه هكذا، كان بعجزه عن إدراك حقيقةٍ الحقِّ أولی. و(قوله: فأسكت رسول الله پ#) بمعنی: سکت. يقال: سكت، وأسكت لغتان، وقيل معنى أسكت: أطرق ساكتاً. و (قوله: ﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةٌ﴾ [الإسراء: ٥٧]) هي: نحو مما قال الخضر لموسى - عليه السلام -: ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا كما نقص هذا العصفور من هذا البحر. وقد تقدَّم معناه. و (قول ابن عباس - رضي الله عنهما -: كان نفرٌ من الإنس يعبدون نفراً من الجن، فاستمسك الإنسُ بعبادتهم فنزل: ﴿أُوْلَيْكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْنَغُونَ إِلَى رَيِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ [الإسراء: ٥٧]) هذا هو المشهورُ عن ابن عباس، وروي عنه أنها نزلتْ فیمن کان یعبدُ العُزیر، وعیسی وأمه. قلتُ: والآيةُ بحكم عمومها متناولةٌ للفريقين؛ لأن (أولئك) إشارةٌ إلى الذين زعمتم من دونه، والمخاطب بـ: ﴿قل ادعوا﴾ كلّ من كان كذلك. والنفر من الإنس قيل: إنهم كانوا من خزاعة. وزعمتم: ادَّعيتم، ومعمولها محذوف تقديره: زعمتم أنَّهم آلهة غير الله، فلا يملكون: أي: لا يستطيعون. والضر: هو قحط سبع سنين، والأحسن حمله على جنس الضرّ؛ فإنهم لا يملكون كشف شيء منه كائناً ما كان، ولا تحويلاً. ولا يملكون تحويل شيءٍ من أحوالهم، ولا تبديله بغيره. ٣٥٨ (٤٢) كتاب التفسير - (١١) ومن سورة الإسراء [٢٨٨٦] وعن عائشة، في قوله عز وجل: ﴿ولاً تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلاَ تُخافِتْ بها﴾ قالت: أُنزِل هذا في الدعاء. رواه البخاريّ (٤٧٢٣)، ومسلم (٤٤٧) (١٤٦). وقد تقدم في كتاب الصلاة: قول ابن عباس، هذه الآية: إنها نزلتْ مخافة سبّ المشركين للقرآن إذا قرىء جهراً. انظر صحيح مسلم (٤٤٦) (١٤٥). ويبتغون: يقصدون ويطلبون. وهذه الجملةُ هي خبر أولئك، والذين يدعون: نعت لأولئك. والوسيلة: القربة إلى الله تعالى. وأيُّهم أقرب؛ أي: كلّ واحد منهم يجتهدُ في التقرب إلى الله تعالى بعبادته، يريدُ بذلك أن يكون أقربَ إليه من كلِّ أحد. وهذا المعنى: أمكن في حقِّ العزير وعيسى وأمِّه. وبهذا يتأيَّد القولُ الثاني لابن عباس - رضي الله عنهما -. المؤمن بين الرجاء والخوف و (قوله: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء: ٥٧]) هكذا حالُ العارف بالله تعالى بين الرجاء والخوف، ولا بدُّ منهما للمؤمن، ولذلك قال بعضُ السلف: لو وُزِنَ رجاءُ المؤمن وخوفُه لاعتدلا؛ إلا أن الخوفَ أولى بالمسيء، لكن بحيث لا يقنطُ من رحمة الله، والرجاءُ أولى بالمحسن؛ لكن بحيث لا يغتر، فيكسلُ عن الاجتهاد في عبادة الله. و (قوله: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: ٥٧]) أي: شيئاً عظيماً يجبُ أن يحذرَه المؤمنُ، فهو محذورٌ للمؤمن العارف، ومتروٌ للجاهل الآمن. و (قوله: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَائِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠]) قد ذكر في الأصل اختلاف عائشة وابن عباس في سبب نزولها، وأيهما كان فمقصودُ الآية ٣٥٩ (٤٢) كتاب التفسير - (١٢) ومن سورة الكهف (١٢) ومن سورة الكهف [٢٨٨٧] وعن أبي هريرة، عن رسول الله وَّير، أنَّه قال: ((ليأتي الرجلُ العظيمُ السمينُ يومَ القيامة لا يزنُ جناحَ بعوضةٍ. اقرؤوا: ﴿فَلَا تُقِيمُ ◌َهُمْ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ وَزْنَا﴾ [الكهف: ١٠٥])). رواه البخاريُّ (٤٧٢٩)، ومسلم (٢٧٨٥). التوسطُ في القراءة والدعاء، فلا يُفْرِط في الجهر، ولا يفرط في الإسراء، ولكن بين المخافتة والجهر، وخيرُ الأمور أوساطُها. (١٢) ومن سورة الكهف (قوله: ((ليأتي الرجلُ العظيمُ السَّمينُ يوم القيامة لا يزنُ عند الله جناحَ بعوضة))) أي: لا قيمة له ولا قدر. إذ لا عملَ له يُوزن، فإن الأعمالَ هي التي تُوزن، أي: صحتها لا أشخاص العاملين، وقد قال و ﴿ في عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -: ((أتعجبون من حموشة ساقيه؟! لهي أثقل في الميزان من أحد))(١)، أو كما قال. أي: الأعمالُ التي عَمِل بها أثقلُ في الميزان، لا أنَّ ساقيه تُوضعان في الميزان، ولا شخصه، كما قد ذهب إليه بعض المتكلمين على هذه الآية فقال: إنَّ الأشخاص توزن. ويُفهم من هذا الحديث أن السَّمنَ المكتسبَ السّمن للرجال مذمومٌ، وقد قال له: ((إن أبغضَ الرجال إلى الله الحبرُ السَّمين))(٢). وقال المكتسب في حديث عمران: ((ويظهر فيهم السِّمن))(٣). وسبب ذلك: أن السمنَ المكتسبَ للرجال مذموم (١) رواه أحمد (١١٤/١). (٢) ذكره القرطبي في تفسيره (٦٧/١١). (٣) رواه البخاري (٦٤٢٨)، ومسلم (٢٥٣٥) (٢١٥). ٣٦٠ (٤٢) كتاب التفسير - (١٢) ومن سورة الكهف وقد تقدمت قصة موسى مع الخضر في كتاب الأنبياء. انظر صحيح مسلم (٢٣٨٠) (١٧٠ - ١٧٤). [٢٨٨٨] وعن أبي الدرداء، أنَّ نبيَّ الله وَّهِ قال: ((مَن حِفِظَ عَشْر آياتٍ من أوّلِ سورة الكهفِ، عُصِمَ من الدَّجَّال)) . - وفي روايةٍ: ((من آخر سورة الكهف» ۔۔ رواه مسلم (٨٠٩)، وأبو داود (٤٣٢٣)، والترمذيّ (٢٨٨٨). إنما هو من كثرة الأكل، والشرب، والدّعة، والراحة، والأمن، والاسترسال مع النفس على شهواتها . وحاصلُ هذا الحديث يرجعُ إلى قوله في الحديث الآخر: ((إن الله لا ينظرُ إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظرُ إلى قلوبكم وأعمالكم))(١). وقد تقدَّم القولُ في حديث الخَضِر في كتاب الأنبياء، وعلى قراءة عشر آيات من أول سورة الكهف في كتاب الصلاة. (١) رواه أحمد (٥٣٩/٢)، ومسلم (٢٥٦٤) (٣٤)، وابن ماجه (٤١٤٣).