Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١
(٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (١٤) باب: في صفة الدجال
فيأتي على القوم، فيدعُوهم، فيُؤمنونَ به ويَستجيبونَ له. فيأمرُ السَّماءُ
فتُمطرُ، والأرضَ فَتْبِتُ، فتروحُ عليهم سارِحَتُهم أطولَ ما كانت ذُراً،
وأسْبَغْهُ ضُروعاً، وأمدَّهُ خَوَاصِرَ، ثم يأتي القومَ فيدعوهم فيَرِدُونَ عَلَيْه
قَوْلَهُ، فينصرفُ عنهم فيُصْبِحُونَ مُمحِلِينَ، ليس بأيديهم شيءٌ مِنْ أمْوالهم،
ما لا تسمعُه الجماعةُ في وقت لا يحضرُ غيره، و کم یُوجد من ذلك في الأحاديث،
وقد رواه قاسم بن أَصْبَغ(١) من حديث جابر بن عبد الله على ما يأتي. وتطريق
إدخال المخالفين الدسائسَ على أهل العلم والتحرُّز والثقة، بعيدٌ لا يُلتفت إليه؛
لأنه يُؤدِّي إلى القدح في أخبار الآحاد، وإلى خرم الثقة بها، مع أن ما تضمَّنته هذه
الألفاظ أمورٌ ممكنة الوقوع في زمان خرق العادات، كسائر ما جاء مما قد صحَّ
وثبتَ من خوارق العادات التي تظهرُ على يدي الدَّجَّال. مما تضمنه هذا الحديث
وغيره، فلا معنى لتخصيص هذه الألفاظ بالإنكار، والكلُّ ظنون مستندة إلى أخبار
العدول، والله أعلم بحقائق الأمور.
قال القاضي في قوله: ((اقدروا له)) هذا حكم مخصوص بذلك اليوم شرعَه لنا
صاحبُ الشرع، ولو ؤُكِلْنا فيه لاجتهادنا لكانت الصلاة فيه عند الأوقات المعروفة
في غيره من الأيام.
و (قوله: ((فتغدو عليهم سارحتهم أطولَ ما كانت ذُراً، وأسبغَه ضروعاً))
تغدو: تبكر. والسارحة: المواشي التي تخرجُ للسرح، وهو الرعي، كالإبل والبقر
والغنم. والذرا: جمع ذُروة، وهي الأسنمة، وأسبغه: أطوله ضروعاً لكثرة اللبن.
وأمدَّه خواصر: لكثرة أكلها، وخِصْب مرعاها.
و (قوله: ((فيصبحون مُمْحِلِينَ))) وفي بعض الروايات: ((آزِلِينَ))، والمَخْلُ
والأَزْل، والقحط، والجَذْب، كلُّها واحد، والله تعالى أعلم. ويعاسيب النحل:
(١) قاسم بن أصبَغ: هو مُحدِّث الأندلس، سكن قرطبة ومات فيها سنة (٣٤٠ هـ).

٢٨٢
(٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (١٤) باب: في صفة الدجال
ويَمُؤُّ بالخَرِبةِ، فيقولُ لها: أَخْرِجِي كُنُوزَكِ فَتَتْبعُهُ كُنوزُها كَيَعَاسيب النَّخْلِ.
ثم يدعو رجلاً ممتلئاً شباباً، فيضربُه بالسَّيْفِ فيقطعُه جَزْلَتَيَّن، رَمْيَةً
الغَرضِ، ثم يدعوهُ فيُقْبل ويَتَهَلَّلُ وَجْهُهُ يَضْحَكُ، فبينما هو كذلك إذْ بعثَ
الله المسيحَ ابنَ مريمَ، فينزلُ عند المَنارةِ البيضاءِ شرقيَّ دمشقَ، بين
مهرُودتَيْنٍ، واضِعاً كفَّيْه على أجنحةٍ مَلَكَیْن،
فُحولها، واحدها يعسوب، وقيل: أمراؤها، ووجه التشبيه: أن يعاسيبَ النحل يتبع
كلَّ واحد منهم طائفةٌ من النحل، فتراها جماعاتٍ في تفرقة، فالكنوزُ تتبع الدَّجَّال
كذلك.
و (قوله: ((فیقطعه جَزْلَتيْن رَمْیَةَ الغَرَض)) هو بفتح الجیم، وحکاه ابن دُرید
بکسرها.
قلتُ: والأولى الفتح؛ لأن جَزْلتين هنا مصدر ملاقٍ في المعنى ليقطعَه،
فكأنه قال: قطَعَه قطعتين، أو جزَله جَزْلتين، وجَزَلة: مصدر محدود بجزل جَزْلاً
وجَزْلةً. ويجوز الكسر على أنه اسم. يعني: قسمَه قطعتين وفرقتين، رَمْيَة الغَرَضِ:
منصوب نصب المصدر، أي: كرمية الغرض في الشُّرعة والإصابة. وقيل: جُعل
بين القطعتين مثل رمية الفرض، وفيه بعد، والأول أشبه.
و (قوله: ((بين مَهْرُودتين))) الرواية الصحيحة بالدال المهملة، والتاء باثنتين
من فوقها، وبعض المحدِّثين يقولها بالذال المعجمة، وحكى ابن الأنباريّ أنها تُقال
بهما، والمعروف الأوَّل. في الصحاح: هَرَدْتُ الثوب: شققته، والهِزْدی علی وزن
فِعلى، بكسر الهاء: نبتٌ يُصبَغ به، وثوبٌ مهرودٌ، أي: صُبغ أصفر.
ولما كان هذا هو المعروف في اللغة، اختلفَ الشارحون لهذا اللفظ في هذا
الحديث فقيل: إن عيسى - عليه السلام - ينزلُ في شقتي ثوب، والشقة نصف
الملاءة، أو في حلتين، مأخوذ من الهَرْد، وهو القطع والشق. وقال أكثرُهم في

٢٨٣
(٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (١٤) باب: في صفة الدجال
إذا طأطَأَ رَأْسَهُ قَطَرَ،
ثوبين مصبوغين بالصُّفرة، وكأنه الذي صُبغ بالهردى. وقد اجترأ القتبيُّ، وخطأ
النَّقَلة في هذا اللفظ، وقال: هو عندي خطأ من النَّقَلة، وأراه قهرُوَّتَيْن، يقال:
هريتُ العِمامة؛ إذا لبستها صفراء، وكأن فعلت منه: هروت، وأنشدوا عليه:
رَأَيْتُكَ هَرَّيْتَ العِمَامَةَ بَعْدَما أَرَاكَ زَماناً حاسِرَاً لَمْ تُعْصَبٍ
قال: إنما أرادَ أنَّك لبستَ العمامة صفراء كما يلبسُها السَّادة، وكان السَّيدُ
يعتمُّ بعمامة صفراء، ولا يكون ذلك لغيره.
قلتُ: لقد صدق من قال في ابن قتيبة: هجومٌ ولَاجٌ على ما لا يُحسن.
وقد خطَّأ ابنَ قتيبة فيما خطىء فيه الثقاتُ وأهلُ التقييد والتثبُّت والعلم من وجهين:
أحدُهما: حكمُه بالخطأ وجرأته (١) به على الأئمة الحفّاظ الثقات العلماء،
فكان حقُّه أن يتوقَّف؛ إذ لم يجد محملاً لتلك اللفظة على النحو المرويّ.
وثانيهما: إن ما استدلَّ به لا حجّة فیه، لوجهین قد أشار إليهما أبو بكر فيما
حكاه الإمام أبو عبد الله عنه. فقال: ما قاله خطأ؛ لأنَّ العربَ لا تقول: هروت
الثوبَ، لكن هريت، ولا يُقال أيضاً هريت إلا في العِمامة خاصَّةً، فليس له أن
يقيس على العمامة؛ لأنَّ اللغةَ روايةٌ.
قلتُ: والأصُّ: قول الأكثر، ویشهد له ما قد وقع في بعض الروايات بدل
(مهرودتين)): (ممصَّرَتين) والمُمصَّرة من الثياب هي المصبوغة بالصفرة - والله
تعالى أعلم ..
و (قوله: ((إذا طأطأ رأسه قطرَ))) أي: إذا خفض رأسَه سال منه ما يعني به
العرق. وهذا نحو مما قال في الحديث الذي تقدَّم: ((يقطرُ رأسُه ماءً، كأنَّما خرجَ
من ديماس))(٢) يعني: الحمَّام.
(١) في (م ٤): وجزمه.
(٢) رواه مسلم (١٦٨).

٢٨٤
(٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (١٤) باب: في صفة الدجال
وإذا رَفَعَهُ تحدَّرَ مِنْهُ جُمَانٌ كاللؤلؤِ، فلا يَحِلُّ لكَافِرٍ يَجِدُ رِيحَ نَفَسِه إلا
ماتَ، ونَفَسُه ينْتَهي حيثُ ينتهي طَرْفُهُ، فيطلبُه حتى يُدركَه ببابٍ لُّدِّ، فَيَقْتُلُه، ثم
يأتي عيسى ابنَ مريمَ قومٌ قد عَصَمَهُمْ الله مِنْهُ، فيمسحُ عن وجوهِهم،
ويُحَدِّثُهم بِدَرَجاتِهِم في الجنَّة. فبينما هو كذلك إذْ أوحى الله إلى عيسى:
و(قوله: ((إذا رفعه تحدَّر منه جُمانٌ كاللؤلؤ))) الجمان: ما استدار من اللؤلؤ
والدُّر، ويُستعار لكل ما استدار من الحليِّ، قاله أبو الفرج الجوزي. شبّه قطرات
العرق بمستدير الجوهر، وهو تشبيه واقع.
و (قوله: ((فلا يحلُّ لكافرٍ يجدُ رِيحَ نَفَسِهِ إلا ماتَ))) الرواية لا يَحِلُّ بكسر
الحاء، معناه: يحُّ ويجبُ، وهو من نحو قوله تعالى: ﴿وَحَرَمُ عَلَى قَرْيَةٍ أَمْلَكْتَهَا
أَنَّهُمْ لَا يَرَجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٥] أي: واجب ذلك ولازم، وقيل معناه: لا يُمكن،
وفي بعض الروايات عن ابن الحذَّاء: فلا يحلُّ لكافر يجدُ نَفَس ريحه، ووجهُه
بيِّن، وأما من رواه يَخُلُّ - بضم الحاء - فليس بشيءٍ، إلا أن يكون بعده: بكافر،
بالباء، فیکون له وجه.
و (قوله: ((ونَفَسُه ينتهي، حيث ينتهي طَرْفُه))) نَفَسُه - بفتح الفاء -، وطرفه
- بسكون الراء -: وهو عينه، ويعني بذلك أنَّ اللَّهَ تعالى قوَّى نَفَسَ عيسى - عليه
الكفار
السلام - حتى يصلَ إلى المحل الذي يصلُ إليه إدراكُ بصره، فمعناه: أن الكفّار لا
لا يقربون عيسى يقربونه، وإنما يهلكون عند رؤيته، ووصول نَفَسِه إليهم، تأييدٌ من الله له وعصمة،
عليه السلام
وإظهار كرامة ونعمة .
و (قوله: ((فيمسحُ عن وجوههم))) بعني التي بالنون، لا التي باللام؛ أي:
يُزيل عن وجوههم بمسحه ما أصابَها من غبار سفر الغزو، ووعثائه، مبالغةً في
إكرامهم، وفي اللَّطف بهم، والتحفي بهم. وقيل: معناه يكشف ما نزل بهم من
الخوف، والمشفَّاتِ، والأولى: الحقيقة، وهذا توسُّع.

٢٨٥
(٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (١٤) باب: في صفة الدجال
إِنِّي قد أَخْرَجْتُ عِبَاداً لي لا يَدَانِ لأحَدٍ بقِتَالهم، فحَرِّزْ عِبَادِي إلى الطُّورِ.
ويبعثُ الله يأجوج ومأجوجَ - وهم مِنْ كلِّ حَدَبٍ يَنْسِلون - فيمُؤُّ أوائلُهُمْ على
بُحَيرةِ طَبَرِيَّةَ، فيشربونَ ما فيها، ويمرُّ آخِرِهُمْ، فيقولون: لقد كان بهذه، مرةً
مَاءٌ ويُخْصَرُ نبيُّ الله عيسى وأصحابُه حتى يكونَ رأسُ الثَّوْرِ لأحدِهم خيراً
مِن مئة دينارٍ لأُحَدِكُم اليومَ. فيرغبُ نبيُّ الله عيسى وأصحابُه، فيُرسلُ الله
عليهم النَّغَفَ في رِقَابِهِم، فيُصبحونَ فَرْسَى، كموتِ نَفْسٍ واحدةٍ. ثم يَهْبِطُ
و (قوله: ((إني قد أخرجتُ عباداً لي لا يدان لأحد بقتالهم») أي: لا قدرةَ
لأحد على قتال يأجوج ومأجوجَ. يُقال: لا يد لفلان بهذا الأمر؛ أي: لا قوة.
و (قوله: ((فحرِّز عبادي إلى الطور))) هذه الرواية الصحيحة بالزاي: أي
ارتحل بهم إلى جبل يُحرزون فيه أنفسَهم، والطور: الجبل بالسريانية. ويحتمل أن
يكون ذلك هو طور سَيْناء، وقد رواه بعضُهم: حوِّز بالواو، ولم تقع لنا هذه
الرواية، ومعناها واضح، وهو بمعنى الأولى.
و (قوله: ((ويبعث الله يأجوج ومأجوجَ، وهم من كل حَدَبٍ ينسلون))) قد
تقدَّم القول في يأجوج ومأجوج في أول كتاب الفتن. والحَدَب: النَّشَزُ من
الأرض، وهي الآكام والكَدَاء. وينسلون: من النَّسَلان، وهي مقاربة الخطو مع
الإسراع، كمشي الذئب إذا بادرَ، قاله القتبي. وقال الزّجَّاج: ينسلون: يُسرعون.
والنَّغَفُ - جمع نَغَقَة -، وهو بفتح النون والغين المعجمة، وهي دود يكون في
أُنوف الإبل والغنم، وهي وإن كانت محتقرة، فإتلافها شديد، ويقال للرجل
الحقير: ما أنت إلا نَغَفَة.
و (قوله: ((فيصبحون فَرْسَى))) أي هلكى قتلى؛ من فرس الذئبُ الشاة إذا
قتلها. والفريسة منه. والزَّهَم - بفتح الهاء -: النتن والرائحة الكريهة. وأصله:
ما يعلقُ باليد من ريح اللحم. والبُخت: إبل غلاظ الأعناق، عِظامُ الأسنام.

٢٨٦
(٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (١٤) باب: في صفة الدجال
نبيُّ الله عيسى وأصحابُه إلى الأرضِ، فَلاَ يجدون في الأرضِ موضِعَ شِبْرٍ
إلا ملَأَّهُ زَهَمُهُم وَنَتَّتُهُم، فيرغبُ عيسى وأصحابُه إلى الله، فيُرسلُ الله طيراً
كأَعْنَاقِ البُخْتِ، فتحملُهم، فتَطْرَحُهُمْ حيث شاءَ الله، ثم يُرسلُ الله مطراً
لا يَكُنُّ مِنه بَيْتُ مَدَرٍ ولا وَبَرٍ، فَيَغْسِلُ الأرض حتَّى يتركَها كالزَّلَفَة، ثم يُقالُ
و (قوله: ((لا يَكُنُّ منه بيتُ مَدَر، ولا وَبَرِ)) أي: لا يستر من ذلك المطر
لكثرته بيت مبنيٌّ بالطُّين، ولا بيتُ شعر ولا وبر.
و (قوله: ((حتى يتركَها كالزَّلَفة))) الرواية بفتح الزاي واللام، وقيّدته بالفاء
والقاف معاً، وكذلك روي عن الأسديّ، وزاد فتح اللام وسكونها، فبالقاف: هي
الأرض الملساء التي لا شيءَ فيها، ومنه قوله: ﴿فَضْيِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾
[الكهف: ٤٠] وبالفاء: هي المَصْنَعة الممتلئة، والجمع زُلَف، ومنه قول الراجز:
مِن بعد ما كانتْ مِلاءً كالزُّلَفْ
وهي المصانع، والمعروف فيها فتح اللام. غير أن أبا زيد الأنصاري قال:
يُقال للمِرْآة: زَلَفَةٌ وزلَقَةٌ بالقاف: الجماعة. والقحف: أعلى الجمجمة، وهي
المحتوية على الدِّماغ. هذا أصلُه، واستعارة هنا للزُّمَّانة للشبه الذي بينهما.
واللَّفْحَة - بفتح اللام -: التي تُحتلب من النوق. هذا أصلُها، وقد قيلت هنا على
التي تُحتلب من البقر والغنم. والفئام: الجماعة من الناس، وهو بكسر الفاء.
والفخذ: دون القبيلة، وفوق البطن. قال الزبير بن بكّار: العربُ على ست
طبقات: شَعْبٌ، وقبيلةٌ، وعَمارةٌ، وبَطْن، وفخذ، وفصيلة، وما بينهما من الآباء،
فإنها يعرفها أهلُها، وسُمِّيت بالشعوب؛ لأن القبائل تتشغَّبت منها وسُمِّيت القبائل
بذلك؛ لأن العمائر تقابلت عليها، فالشعب يجمع القبائل، والقبيلة تجمع العمائر،
والعمارة تجمع البطون، والبطون تجمع الأفخاذ. قال ابن فارس: لا يُقال في فَخْذ
النسب إلا بسكون الخاء، بخلاف الجارحة، تلك يقال بكسر الخاء وسكونها،
ويكسر الفاء أيضاً. وجبل الخَمَر، بفتح الميم، وهو جبلُ بيت المقدس. والخَمَر:

٢٨٧
(٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (١٤) باب: في صفة الدجال
للأرضِ أنْبِتِي ثَمَرتَكِ، ورُدِّي بركَتَكِ، فيومئذٍ تأكلُ العِصابةُ مِن الرُّمَّانَةِ
ويَسْتَظِلُّون بِقِحْفِها، ويُباركُ في الرُّسْلِ، حتى أنَّ اللَّقْحَةَ من الإبلِ لَتكفي
الفِئامَ من النَّاس، واللَّقْحَةَ مِن البقرِ لَتَكْفِي القبيلةَ من النَّاس، واللَّقْحَةَ من
الغَنَم لتكفي الفَخِذَ مِن النَّاسِ. فبينما هم كذلكَ إذ بعثَ الله ريحاً طيَِّةً
فتأخذُهم تحتَ آبَاطِهِم فَتَقْبِضُ رُوحَ كُلِّ مؤمنٍ وكُلِّ مُسلمٍ، ويبقى شِرارُ
النَّاسِ يَتَهَارَجُونَ فيها تَهارُجَ الحُمُرِ، فعليهم تقومُ السَّاعةُ)).
زاد في أخرى بعد قوله: ((مَرَّةً ماءٌ)): ((ثم يسيرون حتى ينتهوا إلى
جَبَلِ الخَمَر - وهو جبلُ بيتِ المَفْدِس - فيقولون: لقد قَتَلْنا مَنْ في الأرضِ،
هَلُمّ فلنقتلْ مَنْ في السَّماءِ، فيرمُون بُشَّابِهِم إلى السَّماء، فيردُّ الله عليهم
نُشَّابَهم مخضوبةً دماً».
رواه مسلم (٢٩٣٧) الفتن (١١٠ و١١١)، وأبو داود (٤٣٢١ و٤٣٢٢)،
والترمذي (٢٢٤١)، وابن ماجه (٤٠٧٥).
[٢٨٣٠] وعن أبي سعيد الخدري، قال: حدَّثنا رسولُ الله ◌ِوَل ◌َ يوماً
حديثاً طويلاً عن الدجّال، فكان فيما حدَّثنا قال: ((يأتي - وهو مُحرَّمٌ عليه
أن يدخل نقابَ المدينة - فينتهي إلى بعض السِّباخ التي تلي المدينةَ، فیخرجُ
الشجر الملتف، وأنقاب المدينة: طُرُقها وفِجاجُها. وفي كتاب العين: الُّقْبُ
والنَّقْبُ: الطريق في رأس الجبل، والتَّقْب في الحائط وغيره: ثقب يخلص به إلى
ما وراءه.
و (قوله: ((يأتي الدَّجَّال وهو مُحرَّمٌ عليه أن يدخل المدينة ومكَّة))) أي: هو تحريم دخول
ممنوع من دخول المدينة ومكة بالملائكة التي تحرسها على ما يأتي في حديث أنس المدينة ومكة
على الدجال
المذکور بعد هذا.

٢٨٨
(٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (١٤) باب: في صفة الدجال
إليه يومئذٍ رجلٌ هو خيرُ النَّاس - أو من خَيْرِ النَّاس - فيقول له: أشهدُ أنَّك
الدَّجَّالُ الذي حدَّثنا رسولُ الله ﴿ حديثَهَ، فيقول الدَّجَّال: أرأيتُم إنْ قتلتُ
هذا ثمَّ أَحْبَيْتُهُ، أتشكُّونَ في الأمر؟ فيقولون: لا. قال: فيقتلُه ثم يُحييه،
فيقولُ حين يُحييه: والله ما كنتُ فِيكَ قَطُّ أشدَّ بصيرةً مِنِّي الآنَ. قال فيُريدُ
الدَّجَّال أن يقتلَه فلا يُسَلَّطُ عليه)).
و (قول الدَّجَّال: أرأيتم إن قتلتُ ثم أخْيَيْتُهُ أتشكُّونَ في الأمر)) أي: في
دعواه الإلهية والربوبية، كما روى قاسم بن أصبَغ عن جابر بن عبد الله - رضي الله
عنه - قال: قال رسولُ اللهِوَ ﴿: ((يخرجُ الدَّجَّال في خَفْقَةٍ من الدِّين وإدبارٍ من العلم
أربعون ليلةً يسيحُها في الأرض، يوم منها كالسنة، واليومُ منها كالشهر، واليوم
منها كالجمعة، ثم سائر أيّامه كأيَّامكم هذه، وله حمارٌ يركبُه، عرض ما بينَ أذنيه
أربعون ذراعاً، فيقولُ للناس أنا ربُّكم، وهو أعورُ، وإن ربكم ليس بأعور،
ومكتوبٌ بين عينيه كافر، يقرؤه كلُّ مؤمن كاتبٍ وغير كاتبٍ، يردُ كلَّ ماءٍ ومَنْهل
ادّعاء الدجال إلا مكة والمدينة، وقامت الملائكةُ بأبوابها))(١). فهذا نصٌّ في أنَّ الدَّجَّال إنما
الربوبية
يَدَّعي الربوبيّة لا النبوة، ولو اذَّعاها لما صدَّقه الله بإبداء خارق للعادة على يديه،
لاستحالةِ تصديق الكاذب على اللَّهِ؛ لأنه يلزم منه تكذيب الباري تعالى، والكذبُ
محال على الله تعالى قطعاً، عقلاً ونقلاً، فإن قيل: فيلزم مثل هذا في دعوى
الربوبيّة، ووقوع الخارق مقروناً بدعوى المُدَّعي للإلهيّة، فيكون قد صدَّقه بذلك
الأدلة العقلية كما صدّق النبيَّ إذا جاءَ بمثل ذلك. فالجواب: أن اقترانَ الخارق بدعوة الرُّبُوبيَّة
تكذّب ادعاء
الدجال
الربوبية
مُحال أن يشهدَ بتصديقه في دعوى الإلهية لقيام الأدلة العقلية القطعيّة على استحالة
الإلهيّة عليه، التي هي: حدثه، وافتقاره، ونقصه، فهذه الأدلة العقلية دڵَّت على
كذبه في دعوى الإلهية، فلم يبقَ معها دلالة للأدلة الاقترانية؛ لأن اقترانَ المعجزة
بالتحدِّي في حق النبيُّ إنما دلَّ على صدقه من حيث تنزلت منزلة التصديق بالقول،
(١) رواه أحمد (٣٦٧/٣)، والحاكم (٤/ ٥٣٠).

٢٨٩
(٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (١٤) باب: في صفة الدجال
وفي رواية، قال: ((فيأمرُ به الدَّجَّال فيُشَبَّحُ، فيقولُ: خُذوه وشُجُوه،
فيُوسعُ ظَهْرُه وبطنُه ضرباً. قال: فيقولُ: أما تُؤْمنُ بي؟ قال: فيقول: أنتَ
المسيحُ الكذَّابُ. قال: فيُؤمِرُ به، فيؤشر بالمِثْشَارِ مِن مَفْرِقِهِ حتى يُفرَّقَ بین
أو منزلة قرائن الأحوال على اختلاف العلماء في ذلك. وذلك لا يحصلُ إلا إذا
سلمت عما يشهد بنقيضها، ولم يسلمْ في حقِّ الدَّجَّال إذ المكذب لدعواه ملازم له
عقلاً، فلا دلالة لذلك الاقتران على صدقه؛ إذ لا يمكنُ مع وجود ما يدلُّ على
كذبه قطعاً أن نقول: إن تلك الخوارق التي ظهرت على يديه تنزّلت منزلة قولِ الله
له: صدقتَ، كما أمكنَ ذلك في حقُّ النبيِّ الذي يسلم عمَّا يُكذِّبه، وحاصلُ هذا
البحث: أن ما يدلُّ بذاته لا يُعارضه ما يدلُّ بغير عينه. ولتفصيل هذا علم الكلام.
وبما ذكرناه يُعلم قطعاً: أن إظهارَ هذه الخوارق على يدي الدَّجَّال لم يُقصد بها
تصديقه، وإنما قُصد بها أمر آخر، وهذا ما أخبرنا به الصَّادق وَلتر أنها فتن ومحن
امتحنَ الله بها عباده ليُمَخّصَ الله الذين آمنوا ويمحقَ الكافرين. وذلك على ما سبقَ
به علمه ونفذَ به حکمه، لا یُسأل عما يفعل.
و (قوله: ((فيأمرُ به الدَّجَّالُ فِيُشَبَّحُ))) أي: يُمدُّ، ومنه قولهم: الحِرْبَاء تَشَبَّعُ
على الأعواد أي: تمتد. ومشهور الرواية هكذا، وقد روى السمر قنديُّ،
وابن ماهان: فشُّوه في رأسه بشِجاج، وليس هذا بشيءٍ؛ لأنه قد جاء بعده ما
يُبعده، ويُبيِّن أن المرادَ خلاف ذلك.
و (قوله: ((فيُؤمر به فيُوسَعُ ظهرُهُ وبطنُه ضرباً)) أي: يَعمّم جميعه حتى
لا يُتركَ منه موضعٌ إلا يُضربُه، وهو مأخوذ من السَّعة والاتساع.
و (قوله: ((فيؤمر به فيُؤْشَرُ بالمِثْشَار))) والرواية يؤشر بالياء، والمنشار
بالهمز، وهو الصحيح المعروف، ويُقال بالنون فيهما، وهذا يدلُّ على: أن هذا
الرجل المُكَذِّب للدَّجَّال نشرَه الدَّجَّلُ بالمنشار، وقد تقدَّم في حديث النوّاس: أنه
قطعه بالسَّيف جَزْلتين كرمية الغَرَض، فيحتمل أن يكونَ كلُّ واحدٍ منهما غير

٢٩٠
(٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (١٤) باب: في صفة الدجال
رِجْلَيْهِ. قال: ثم يمشي الدَّجَّالُ بينَ القِطْعَتَيَّنِ، ثم يقول له: قمْ فيَستوي
قائماً. قال: ثم يقولُ له: أتؤمنُ بي؟ فيقول: ما ازددتُ فيكَ إلا بصيرةً.
قال: ثم يقول: يا أيُّها النَّاسُ إنه لا يَفْعَلُ بعدي بأحدٍ مِن النَّاس. قال:
فيأخذُه الدَّجَّال ليذبحه، فيُجْعَلَ ما بينَ رَقَبَتِهِ إلى تَرْقُوتِهِ نُحاساً، فلا يستطيعُ
إليه سَبِيلاً. قال: فيأخذُ بيديْهِ ورجليْهِ فَيَقْذِفُ به، فَيَحْسِبُ النَّاسُ أنَّما قذفه
إلى النَّار، وإنَّما أُلقيَ في الجنَّة)). فقال رسول الله وَّى: ((هذا أعظمُ النَّاسِ
شهادةً عندَ ربِّ العالمين)).
قال أبو إسحاق: إنَّ هذا الرجلَ هو الخَضِرُ.
رواه أحمد (٣٦/٣)، والبخاريُّ (١٨٨٢ و٧١٣٢)، ومسلم
(٢٩٣٨) (١١٢ و ١١٣).
[٢٨٣١] وعن أبي قتادة، قال: كُنَّا نَمُرُّ على هشام بنِ عامرٍ، نأتي
عمرانَ بنَ حصينٍ، فقال ذات يوم: إنَّكم لتجاوزوني إلى رجالٍ ما كانوا
بأحضَر لرسولِ اللهِ وَّ﴿ مِنِّي، ولا أعلمَ بحديثه مِنِّي، سمعت رسول الله وَّل
الآخر، ويحتمل أن يكونَ جمعهما عليه، والأول أمكن وأظهر. والتَّرقُوة: بفتح
التاء وضم القاف وتخفيف الواو: هي العظم الذي بين ثغرة النحر والعاتق، وتجمع
تراقي. ويقذفه: يرميه. ووقع في الأم: المسالح؛ وهم القوم الحاملون للسِّلاح،
المستعدُّون للقتال، سُُّوا بذلك لحملهم إيّاها، قال القاضي: في آخر هذا الحديث
من رواية السَّمرقنديّ، قال أبو إسحاق - يعني ابن سفيان -: يقال: إن هذا الرجل
هو الخَضِرُ - عليه السلام -، وكذلك قال معمر في جامعه بإثر هذا الحديث.
قلتُ: وقد تقدَّم القول في الخَضِر، وفي الخلاف في طول حياته في كتاب
الأنبياء.

٢٩١
(٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (١٤) باب: في صفة الدجال
يقول: ((ما بين خلقِ آدمَ إلى قيام السّاعةِ خَلْقُ أكبرُ من الدَّجَّال)).
وفي روايةٍ: ((أَمْرٌ)) بدل ((خلق)).
رواه مسلم (٢٩٤٦) (٢٦)
و (قوله: ((ما بين خلق آدمَ إلى قيام الساعة خَلْقٌ أكبرُ مِن الدَّجَّال))) ظاهر هذا
كبر الخِلْقَة والجسم، وقد تقدَّم أنَّه يركبُ حماراً عَرْضُ ما بينَ أذنيه أربعونَ ذراعاً،
وهذا يقتضي: أن يكون هذا الحمار أكبرَ حمار في الدنيا، فراكبُه ينبغي أن يكونَ
أكبر إنسان في الدنيا، وكذا قال تميمٌ - رضي الله عنه - في خبر الجسَّاسة: فإذا
أعظمُ إنسان رأيناه، وسيأتي، غير أنه قد تقدَّم من حديث أبي داود في وصف
الدجال: ((أنه قصير أفحج))(١) وإنما يكونُ قصيراً بالنسبة إلى نوع الإنسان،
فمقتضى ذلك: أن يكون فيهم من هو أطولُ منه، ولهذا قيل: إن وصفه بالأكبرية
إنما يعني بذلك عِظَمَ فتنته، وكِبَرَ محنته؛ إذ ليس بين يدي السَّاعة أعظم ولا أكبر
منها، ویحتمل أن يُريد به: أنه ينتفخ أحیاناً حتی یکونَ في عین الناظر إليه أکبر من
كلِّ نوع الإنسان، كما تقدَّم في شأن ابن صيَّاد أنه انتفخَ عن غضبه حتى ملأ
الطريق، والله أعلم بحقيقة ذلك.
(١) رواه أبو داود (٤٣٢٠).

٢٩٢
(٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (١٥) باب: في هوان الدجال على الله تعالى
(١٥) باب:
في هوان الدّجال على الله تعالى
وأنَّه لا يدخل مكة والمدينة ومن يتبعه من اليهود
وقد تقدم من حديث المغيرة، قوله صلير: ((هو أهون على الله من
ذلك».
انظر صحيح مسلم (٢٩٣٩) (١١٤ و١١٥).
و (قوله: ((إنهم يقولون إن معه الطعام والأنهار، هو أهون على الله من
ذلك))) أي: الدَّجَّال على الله أهون أنْ يجعلَ ما يخلقه على بدنه من الخوارق مُضِلاّ
للمؤمنين ومُشكِّكاً لهم، بل: ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم، وليرتابَ الذين في قلوبهم
مرض والكافرون، كما قال له الذي قتلَه ثم أحياه، ما كنتُ فيك قطُّ أشدَّ بصيرةً
نزول عيسى مني الآن، وقد تضمَّنت تلك الأحاديث المتقدّمة أن عيسى - عليه السلام - ينزلُ
ويقتلُ الدَّجَّالُ، وهو مذهب أهل السنة، والذي دلَّ عليه قوله تعالى: ﴿بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ
وقتله الدجال
إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨]، والأحاديث الكثيرةُ الصحيحة المنتشرة. وليس في العقل ما
يُحيل ذلك ولا يردُّه فيجب الإيمان به والتصديق بكل ذلك، ولا يُالى بمن خالف
في ذلك من المبتدعة، ولا حَّةَ لهم في اعتمادهم في نفي ذلك على التمسُّك
بقوله: ﴿وَخَتَمَ النَّبْنَ﴾ [الأحزاب: ٤٠] ويما وردَ في السُّنة من أنه: لا نبيَّ
بعدَه، ولا رسولَ، ولا بإجماع المسلمين على ذلك، ولا على أنَّ شرعنا لا يُنسخ.
وهذا ثابت إلى يوم القيامة؛ لأنا نقولُ بموجب ذلك كلُّه؛ لأن عيسى
- عليه السلام - إنما ينزلُ لقتل الدَّجَّال، ولإحياء شريعة محمد ◌ٍَّ وليعمل
بأحكامها، وليُقيم العدلَ على مقتضاها، وليقهرَ الكفَّارَ، وليُظهرَ للنصارى
ضلالتهم، ويتبرَّأ من إفكهم، فيقتلَ الخنزيرَ، ويكسرَ الصَّليبَ، ويضع الجزيةَ،
ويأتمَّ بإمام هذه الأمَّة، كما تقدم في كتاب الإيمان.

٢٩٣
(٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (١٥) باب: في هوان الدجال على الله تعالى
[٢٨٣٢] عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله وَله: ((ليس من
بلدٍ إلا سَيَطَؤْهُ الدَّجال. إلا مكة والمدينة، وليس نقبٌ من أنقابها إلا عليه
الملائكة صافِّين تَخْرُسُها، فينزل بالسَّبْخَة، فترجُفُ المدينة ثلاث رَجَفاتٍ
یخرج إليه منها كل كافٍ ومنافق)).
وفي أخرى: ((فيأتي سَبْخَةَ الجَرْفِ فيضربُ رِواقَهُ)، وقال: ((فيخرج
إليه كلُّ منافقٍ ومنافقة)).
رواه أحمد (١٩١/٣)، والبخاريُّ (١٨٨١)، ومسلم (٢٩٤٣)
(١٢٣).
[٢٨٣٣] وعنه؛ أنَّ رسولَ الله وَّ قالَ: ((يَتْبُعُ الدَّجالَ من يهود
أصبهان سبعون ألفاً عليهم الطيالسة».
رواه البخاريُّ (٣٤٥٠)، ومسلم (٢٩٤٤) (١٢٤)، وأبو داود
(٤٣١٥).
والحاصل: أنه لم يأتِ برسالة مستأنفة، ولا شريعة مبتدأة، وإنما يأتي نزول عيسى
عاضِداً لهذه الشريعة، ومُلتزماً أحكامَها، غيرَ مُغيِّر لشيءٍ منها، والمنفيُّ بالأدلة لإحياء شريعة
الإسلام
السابقة: إنما هو رسولٌ يزعمُ أنه قد جاء بشرع مبتدأ، أو برسالة مستأنفة، فمن
والعمل
ادَّعى ذلك كان كاذباً، كافراً قطعاً.
بأحكامها
و (قوله: ((يتبعُ الدَّجَّالَ من يهود أصبهانَ سبعون ألفاً عليهم الطَّيَالِسَة))) هي
جمع طَيْلَسان بفتح اللام، ولا تكسره العربُ في المشهور، وحكاه البكريُّ بكسر
اللام، وهو الكساء. وهو أعجميٌّ مُعرَّب، والهاء في جمعه للعجمة. ويدلُّ هذا على
أنَّ اليهودَ أكثرُ أتباعَ الدَّجَّال، ومن يعتقد التجسيم. والرواية المشهورة سبعون ألفاً. اليهود أكثر
وعند ابن ماهان: تسعون ألفاً.
أتباع الدجال

٢٩٤
(٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (١٦) باب: حديث الجساسة
[٢٨٣٤] وعن أمّ شَرِيْكِ، أنَّها سمعتْ النَّبِيَّ وَهِ يقول: ((لَيَفِرَّنَّ
الناسُ من الدَّجال في الجبال)). قالت أمُّ شَرِيْكِ: يا رسول الله! فأين العرب
يومئذٍ؟ قال: ((هم قليل)).
رواه أحمد (٤٦٢/٦)، ومسلم (٢٩٤٥).
*
(١٦) باب
حدیث الجساسة وما فيه من ذكر الدجال
[٢٨٣٥] عن فاطمةَ بنتِ قيسٍ - وكانت من المهاجرات الأول - أنَّها
قالت: نكحتُ ابنَ المغيرةِ، وهو من خيار شباب قريش يومئذٍ، فأصيب في
(١٦) ومن باب: حديث الجسَّاسة
حديث فاطمة هذا في هذه الرواية مخالف للمشهور من حديثها في مواضع،
فمنها: قولها فنكحتُ ابنَ المغيرة، فأُصيب في أوّل الجهاد مع رسول الله وَ ﴿ فلما
تأيَّمت خطَبني عبدُ الرحمن بن عوف. وظاهرُه أنها تأيَّمت عنه بقتله في الجهاد،
وهو خلاف ما تقدَّم في كتاب الطلاق أنها بانت منه بتطليقة كانت بقيت لها من
طلاقها، وكذلك قالت في الرواية الأخرى المذكورة في هذا الباب. قالت: طلَّقني
بعلي ثلاثاً، فأذنَ لي النبيُّ : ﴿ أن أعتدَّ في أهلي، وهذا هو المشهور عند العلماء
على ما قاله القاضي أبو الوليد الكِنانيّ وغيره، وقد رامَ القاضي أبو الفضل تأويلَ
هذا، فقال: لعلَّ قولها: أُصيب في أول الجهاد مع النبيِّ: ﴿ إنما أرادت به عدَّ
فضائله وذكرَ مناقبه كما ابتدأت بالثناء عليه، وهو قولُها: من خير شباب قريش.
قال: وإذا كانَ هذا لم یکن فيه معارضة.

٢٩٥
(٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (١٦) باب: حديث الجساسة
أوَّل الجهاد مع رسول الله ﴿ فلما تأيَّمتُ خطبني عبدُ الرحمن بنُ عوفٍ في
ومنها: أنَّ ظاهرَ قولها: أنه قُتل مع رسول الله : ﴿ في الجهاد في أوَّله. وقد
اختلف في وقت وفاته، فقيل: مع عليّ بن أبي طالب - رضي الله عنه - باليمن إثرَ
طلاقها، ذكرَ ذلك أبو عمر بن عبد البَرّ. وقيل: بل عاش إلى أيّام عمرَ، وذكرت
له معه قصة في شأن خالد بن الوليد، ذكر ذلك البخاري في التاريخ، وقد تقدَّم
قولُ القاضي أبي الفضل، ولعلَّ قولها: أُصيب مع رسول اللّه ◌ِمَّه بغير القتال، إمَّا
بجرح، أو بشيءٍ آخر، والله تعالى أعلم.
ومنها: أنها قالت: فلما كلَّمني رسولُ الله وَل﴿ قلت: أمري بيدك، فأنكخني
من شئتَ، فقال: (انتقلي إلى أُمَّ شريك)) فظاهرُ هذا أنّه أمرَها بالانتقال إلى أُمّ
شريك، ثم إلى ابن أُمّ مكتوم، إنما كان بعد انقضاء عدتها، وبعد أن خُطبت،
وفوَّضت أمرَها للنبيِّ وَ ﴿﴿ وليس الأمرُ كذلك، وإنما كان ذلك في حال عِدَّتها لمَّا
خافت عورة منزلها، على المشهور، أو لأنها كانت تؤذي أحماءَها، على ما قاله
سعيد بن المسيب كما تقدَّم.
ومنها: أنها نسبت أُمَّ شريك إلى الأنصار، وليس بصحيح، وإنما هي قرشية
من بني عامر بن لؤيّ، واسمها غُزَيّة، كذا وجدته مقيّداً في أصل يُعتمد عليه،
وكُنيت بابنها شَريك، وقيل اسمها: غُزَيْلة، حكى هذا كلَّه أبو عمر.
ومنها: قوله: ((ولكنْ انتقلي إلى ابن عمِّك عبد الله بن عمرو بن أم مكتوم
وهو رجل من فهرٍ، فهر قريش، وهو من البطن الذي هي منه)). قال القاضي
أبو الفضل: والمعروف خلافُ هذا، وليس بابن عمِّها، بل: هي من مُحارب بن
فهر، وهو من بني عامر بن لؤيّ، وليسا من بطن واحد، واختلف في اسم ابن أُمّ
مكتوم، والصحيح: عبدُ الله.
و (قولها: فلما تأيَّمتُ خطبني عبدُ الرحمن بن عوف في نفر) أي: فلما
انقضت عِدَّتُها، وحلَّت للأزواج، وقد تقدَّم أنَّ الأيُّم: هي التي لا زوجَ لها.

٢٩٦
(٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (١٦) باب: حديث الجساسة
نفرٍ من أصحاب محمدٍ ◌َ﴿، وخطبني رسولُ الله ◌َُّ على مولاهُ أسامةَ بن
زيدٍ، وكنت قد حُدِّثْتُ: أنَّ رسول الله وَل﴿ قال: ((من أحبَّني فليحبَّ
أسامة))، فلما كلَّمني رسولُ الله وَل﴿ قلت: أمري بيدكَ فأنكحني من شئت!
فقال: ((انتقلي إلى أمِّ شَرِيكِ)) . - وأم شريكِ امرأة غنيةٌ من الأنصار، عظيمةٌ
النَّفقة في سبيل الله، ينزل عليها الضيفان - فقلت: سأفعل. فقال: ((لا
تفعلي! إنَّ أُمَّ شَرِيكِ امرأةٌ كثيرة الضيفان، فإنِّي أكره أن يَسْقُطَ عَنْكِ خِمَارُكِ
أو ينكشف الثوبُ عن ساقَيْكِ، فيرى القومُ منكِ ما تكرهين! ولكن انتقلي
إلى ابن عمِّك عبدِ الله بن عمرو ابن أمِّ مكتوم)) . - وهو رجل من بني فهْرٍ،
فهْرِ قريشٍ، وهو من البطن الذي هي منه - فانتقلتُ إليه، فلمَّا انقضت
عِدَّتي سمعتُ نداء المنادي - منادي رسول الله وَّهِ - ينادي: الصلاةَ جامعةً،
فخرجْتُ إلى المسجد، فصلَّيْتُ مع رسول الله وَّهِ، فكنتُ في صف النِّساءِ
التي تلي ظهور القوم، فلما قضى رسول الله وَ اه صلاتَه جلس على المنبر
وهو يضحكُ، فقال: ((ليلزم كلُّ إنسانٍ مُصَلَّهُ)). ثم قال: ((أتدرون لم
جمعتكم؟))، قالوا: الله ورسوله أعلم! قال: ((إنِّي والله ما جمعتكم لرغبةٍ،
ولا لرهبةٍ، ولكنْ جمعتكم؛ لأن تميماً الداريَّ كان رجلاً نصرانياً، فجاء
فبايع، وأسلم، وحدثني حديثاً وافق الذي كنتُ أحدٌّنُكم عن مسيح
الدَّجَّال؛ حدَّثني: أنَّه ركب في سفينةٍ بحريةٍ، مع ثلاثين رجلاً من لخمٍ
صحة الوكالة و(قوله: أمري بيدِكَ فَأَنْكِحني مَنْ شئت) دليل على صحة الوكالة في
في النكاح النكاح.
و (قوله: ((إنِّي أكرهُ أن يسقطَ عنك خِمَارُك، أو ينكشفَ الثوب عن ساقِك)))
دليلٌ على: أن أطرافَ شعرِ الحُرَّة، وساقَيْها عورةٌ، فيجب عليها سترُها في
الصلاة، وقد تقدَّم ذلك.

٢٩٧
(٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (١٦) باب: حديث الجساسة
وجُذامَ، فلعب بهم الموجُ شهراً في البحر، ثم أرفؤُوا إلى جزيرةٍ في البحر
حتى مغرب الشَّمس، فجلسوا في أقْرُبِ السفينة، فدخلوا الجزيرة، فلقيتهم
دابَّةٌ أهلبُ، كثيرُ الشَّعَر، لا يدرون ما قُبُلُهُ من دُبُرِهِ من كثرة الشَّعَرِ، فقالوا:
وَيْلَكِ ما أنتِ؟! قالت: أنا الجسَّاسةُ؟ قالوا: وما الجسَّاسَةُ؟ قالت: أيُّها
القوم! انطلقوا إلى هذا الرجل في الدَّير، فإنَّه إلى خبركم بالأشواق! فلما
سمَّتْ لنا رجلاً فَرِقْنا منها أن تكون شيطانةً! قال: فانطلقنا سراعاً. حتى
دخلنا الدَّير، فإذا فيه أعظمُ إنسانٍ رأيناه قطّ خَلْقاً، وأشدُّه وثاقاً، مجموعةٌ
يداه إلى عنقه، ما بين ركبتيه إلى كعبيه بالحديد. قلنا: ويلك ما أنتَ؟!
قال: قد قَدَرْتُمْ على خبري، فأخبروني ما أنتم؟! قالوا: نحن أناسٌ من
العرب، ركبنا في سفينةٍ بحريَّة، فصادَفَنا البحر حين اغتلم، فلعب بنا
و (قوله: ((ثم أرفؤوا إلى جزيرة في البحر))) أي: لجؤوا إليها، ومرفأ
السفينة: حيث ترسي. يُقال: أرفأتُ السفينةَ: إذا قرَّبتُها من الشَّطُّ، وذلك الموضع
مرفأ. وأرفأتُ إليه: لجأتُ إليه.
و (قوله: ((فجلسوا في أَقْرُبِ السَّفينة))) كذا الرواية المشهورة. قال الإمام:
هي القواربُ الصغار يتصرف بها ركّابُ السفينة، والواحدُ قارب، جاء ها هنا على
غير قياس. وأنكرَ غيرُه هذا، وقال: لا يُجمع فاعل على أَفعل. قال: وإنما يقال:
الأَقْرَبُ فيها: أَقْرُبَات السّفينة وأدانيها؛ كأنَّه ما قَرُبَ منها النزول، أو كأنَّه من
القرب الذي هو الخاصرة، ويُؤْيِّده أن ابنَ ماهان روى هذا الحرف فقال: في
أُخْرَياتِ السفينة، وفي بعضها: في آخر السفينة.
قلتُ: ويشهد لما قاله الإمامُ ما رواه ابنُ أبي شَيْبة في مصنفه: ((فقعدوا في
قواربِ السفينة))(١) وهذا الجمعُ هو قياس قارَب، ويُقال بفتح الراء وكسرها.
(١) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (١٩٣٦٦).

٢٩٨
(٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (١٦) باب: حديث الجساسة
الموجُ شهراً، ثم أرفأنا إلى جزيرتك هذه، فجلسنا في أقْرُبِها، فدخلنا
الجزيرة، فَلقيتنا دابةٌ أهْلبُ كثيرُ الشَّعَرِ، لا يُدْرَى ما قُبُلُهُ من دُبُرِهِ من كثرة
الشَّعَرِ، فقلنا: ويلك ما أنت!؟ فقالت: أنا الجسَّاسَةُ. قلنا: وما الجسَّاسَةُ؟
قالت: اعْمِدُوا إلى هذا الرَّجل في الدَّيْرِ؛ فإنَّه إلى خبركم بالأشواق، فأقبلنا
إليْك سِراعاً، وفَزِعْنا منها، ولم نأْمَنْ أن تكون شيطانةً! فقال: أخبروني عن
نخل بَيْسانَ؟ قلنا: عن أيٍّ شأنها تستخبر؟ قال: أسألكم عن نخلها: هل
يثمر؟ قلنا له: نعم. قال: أما إنه يوشكُ أن لا تُثْمِرَ. قال: أخبروني عن
بحيرة الطَّبَرِيَّةِ؟ قلنا: عن أيِّ شأنها تستخبر؟ قال: هل فيها ماءٌ؟ قالوا: هي
كثيرةُ الماء. قال: أمَا إنَّ ماءَها يوشِكُ أن يذهب! قال: أخبروني عن عين
زُغَرَ؟ قالوا: عن أيِّ شأنها تستخبر؟ قال: هل في العين ماءٌ؟ وهل يَزْرَعُ
و (قوله: ((فلقيتهم دابَّةٌ أَهْلَبُ))) أي: غليظة الشعر، والهَلَبُ: ما غَلُظَ من
الشعر، ومنه المهلبة، وهو شعر الخنزير الذي يخرز به. وذكرَ أهلبَ حملاً على
المعنى، وكأنه قال: حيوانٌ أهلبُ أو شخص، ولو راعى اللفظَ لقال هلباء، لأن
قیاس أهلب هلباء کأحمر وحمراء.
و (قوله: ((ما أنتِ؟))) اعتقدوا فيها أنها مما لا يعقلُ، فاستفهموا بـ ((ما)) ثم
إنها بعد ذلك كلَّمتهم كلامَ مَنْ يعقل، وعند ذلك رهبوا أن تكون شيطانة؛ أي:
خافوا من ذلك.
و (قوله: ((أنا الجَسَّاسَة))) بفتح الجيم وتشديد السين الأولى. قيل: سمَّت
نفسَها بذلك لتجسُّسِها أخبارَ الدَّجَّال. من التجسُّس بالجيم، وهو الفحص عن
الأخبار، والبحث عنها، ومنه الجاسوس. وقد روي عن عبد الله بن عمرو
- رضي الله عنهما - أن هذه الدابَّة: هي دابَّةُ الأرض التي تخرجُ للناس في آخر
الزمان فتكلِّمُهم.

٢٩٩
(٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (١٦) باب: حديث الجساسة
أهلُها بماء العين؟ قلنا له: نعم هي كثيرة الماء، وأهلها يزرعون من مائها.
قال: أخبروني عن نبي الأميين ما فعل؟ قالوا: قد خرج من مكة، ونزل
يثربَ. قال: أقاتَلَهُ العربُ؟ قلنا: نعم. قال: كيف صنع بهم؟ فأخبرناه:
أنَّه قد ظهر على من يليه من العرب، وأطاعوه. قال لهم: قد كان ذلك؟
قلنا: نعم. قال: أَمَا إنَّ ذاكَ خيرٌ لهم أن يطيعوه، وإنِّي مُخْبِركم عنّي، إني
أنا المسيح، وإنّي أوشك أن يُؤذنَ لي في الخروج، فأخرجَ فأسيرَ في
الأرض، فلا أدع قريةً إلا هبطتها في أربعين ليلةً غيرَ مكة وطيبةً، فهما
مُحَرَّمَتَانِ عليَّ كلتاهما، كلَّما أَرَدْتُ أنْ أدخلَ واحدةً، أو واحداً منهما.
استقبلني مَلَكٌّ بيده السيف صَلْتاً، يَصُدُّني عنها، وإنَّ على كل نَقْبٍ منها
و (قوله: ((قد قَدَرْتُم على خبري))) أي: اطّلعتُم عليه، وقَدَرْتُم على الوصول
إليه.
و (قوله: ((صادَفْنا البحرَ قد اغتلمَ))) أي: قد هاج، وجاوز حدَّه ومنه الغُلْمَةُ،
وهي شِدَّة شهوةِ النِّكاح. وبَيْسان: بفتح الباء، ولا تُقال بالكسر. وزُغَرُ: بالزاي
المضمومة، والغين المعجمة على وزن نُغَر، وهما معروفان بالشام. ونبيُّ الأُميِّينَ:
هو محمّد﴿ والأمُّّون العربُ؛ لأن الغالبَ منهم لا يكتبُ ولا يَحسِبُ، كما
قال ◌َ﴾: ((إنَّا أُمَّةُ أُميَّةٌ لا نكتبُ، ولا نَحْسِبُ))(١). فكأنَّهم باقون على أصل ولادة
الأُمّ لهم، فُتُسبَ الأُمِّيُّ إليها. هذا أولى ما قيل فيه. وقد تقدَّم القولُ في تسمية
المدينة طيبة، وطابة، وأن كلَّ ذلك مأخوذٌ من الطِّيب.
و (قوله: ((استقبلني مَلَكُ بيده السيفُ صَلْتاً)) أي: مجرداً عن غِمْدِهِ. قال
ابن السُّكيت: فيه لغتان، فتح الصاد وضمها. والمِخْصرة؛ بكسر الميم: عصاً، أو
قضیب كانت تكون مع الملك إذا تكلّم، وقد تقدَّم ذكرها.
(١) رواه مسلم (٧٦١)، وأبو داود (٢٣١٩)، والنسائي (١٣٩/٥).

٣٠٠
(٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (١٦) باب: حديث الجساسة
ملائكةً يحرسونها)). قالت: قال رسول الله وَّهِ: ((وطعن بمِخصرته في
المنبر، (هذه طيبةُ! هذه طيبةُ! هذه طيبةُ!) يعني: المدينةَ، ألا هل كنتُ
حدَّثتكم ذلك؟!)). فقال الناس: نعم. ((فإنَّه أعجبني حديثُ تميم: أنَّه وافق
الذي كنتُ أحدِّثُكم عنه، وعن المدينة، ومكةً! ألا إنَّه في بحر الشَّام، أو
بحر اليمن، لا، بل من قبل المشرق! ما هو من قبل المشرق! ما هو من
قِبَل المشرق! ما هو؟)) وأومأ بيده إلى المشرق قالتْ: فحفظتُ هذا من
رسول الله ﴾.
وفي رواية: أنَّ الشعبي سأل فاطمةَ بنتَ قيسٍ عن المطلَّقة ثلاثاً؛ أين
تعتدُّ؟ قالت: طلقني بعلي ثلاثاً، فأذِن ليَ النَّبِيُّ ◌َ ﴿ أَنْ أَعْتَدَّ في أهلي.
قالت: فَنُودِي في النَّاس: الصلاةَ جامعةً! قالت: فانطلقتُ فيمن انطلق من
النَّاسِ. قالت: فكنتُ في الصفِّ المقدَّم من النساء، وهو يلي المؤخَّرَ من
الرِّجال. قالت: فسمعتُ النبي ◌َ ﴿ وهو على المنبر يخطبُ. وذكره. وزاد
فيه، قالت: وكأنما أنظر إلى النبيِّ وَّه وأهوى بمِخصرتِهِ إلى الأرض،
وقال: ((هذه طيبةٌ!)) يعني: المدينة.
رواه أحمد (٣٧٣/٦ و٣٧٤)، ومسلم (٢٩٤٢) (١١٩ و١٢٠)،
وأبو داود (٤٣٢٦)، وابن ماجه (٤٠٧٤).
و (قوله: ((ألا إنَّه في بحر الشام، أو بحر اليمن، لا! بل من قبلَ المشرق، ما
هو من قبل المشرق))) ما هو هذا كلُّه كلامٌ ابتدىء على الظَّنُّ، ثم عرضَ الشكّ، أو
فَصَدَ الإبهامَ، ثم بقي ذلك كلُّه، وأضرب عنه بالتحقيق، فقال: لا! بل من قِبَلٍ
المشرق، ثم أكَّد ذلك بما الزائدة، وبالتكرار اللَّفظي، فما فيه زائدة، لا نافية،
وهذا لا بُعْد فيه؛ لأن النبيَّ وَّ بشرٌ يظنُّ ويشكُّ، كما يسهو وينسى إلا أنه