Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
(٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (١٢) باب: الخليفة الكائن في آخر الزمان
الأبيض))، وقد روي: (من المسلمين) ولم يشك.
رواه أحمد (١٠٠/٥)، ومسلم (٢٩١٩) (٧٨).
من الناس والطير والوحش، سمُّوا بذلك؛ لأنهم يشدُّ بعضهم بعضاً، والعَصْب:
هو الشدُّ، والعُصْبة: ما بين العشرين إلى الأربعين، وإنما أطلقَ النبيُّ وَّ على
المفتحتين كنز كسرى: عصابة، وإن كانوا عساكر بالنسبة إلى عدد عدوهم
وجيوشه، فإنهم كانوا بالنسبة إليهم قليلاً. ويحتمل أن يُريد بالعصابة الجماعة
السابقة لفتح القصر الأبيض دون الجيش كله؛ فإن الله لما هزمَ الفرسَ وجيوشَهم
العظيمة على يدي سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - وعسكره، وکان عدد من
معه يوم فتح القادسيّة ستة آلاف، أو سبعة آلاف على ما ذكره محمد بن جرير
الطبري. فرَّ المنهزمة من الفرس إلى المدائن منزل كسرى، فتبعهم المسلمون إلى
أن وصلوا إلى دجلة، وهي تقذف بالزَّبَد، فاقتحمها المسلمون فرساناً ورجَّالة،
خائضين يتحدَّث بعضهم مع بعض، فلما رأى ذلك الفرسُ هالَهم ذلك، فتخففوا
بما أمكنهم من المال والذخائر النفيسة، وفرُّوا، ولم يبقَ فيها إلا من ثَقُل عن
الفرار، ودخل المسلمون المدائنَ، وفيها القصرُ الأبيض الذي فيه إیوان کسری،
وأموالُه، وذخائره النفيسة التي لم يُسمع بمثلها. قال أهل التاريخ: كان في البيت
الأبيض ثلاثة آلاف ألف ألف ألف - ثلاث مرات - غير أن رستماً لما فرَّ منهزماً
حملَ معه نصفَ ما كان في بيوت الأموال، وتركَ النصف الآخر، فملَّكه (١) الله
المسلمين، فأصابَ الفارس من فيء المدائن اثنا عشر ألفاً، ولما دُخِل القصر
الأبيض وجدوا فيه ملابس كسرى، وحِلْيته، وبساطه الذي ما سُمع في العالمين
بمثله، فجاؤوا بكلِّ ذلك إلى عمر - رضي الله عنه - فكان ذلك كلُّه مظهراً لصدق
رسول الله وَلخير للعيان بحيث يضطر إليه كل إنسان.
(١) في (ع) و (م ٤): فنقَّله.

٢٦٢
(٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (١٣) باب: ما ذكر من أن ابن صياد: الدجال
(١٣) باب
ما ذكر من أنَّ ابن صياد: الدجالُ
[٢٨٢٤] عن أبي سعيد الخدري، قال: خرجنا حُجَّاجاً - أو عُمَّاراً -
ومَعَنا ابنُ صَائد. قال: فَنَزلنا مَنْزِلاً، فتفرَّق الناسُ وبَقِيتُ أنا وهو،
فاستوحشت منه وحشةً شديدةً مما يقال عليه. قال: وجاء بمتاعه، فوضعه
مع متاعي، فقلتُ: إنَّ الحرَّ شديدٌ فلو وضعته تحت تلك الشجرة! قال:
ففعل. قال: فرُفِعَتْ لنا غَنَمٌ، فانطلق، فجاء بِعُسِّ، فقال: اشرب
أبا سعيد! فقلت: إنَّ الحر شديدٌ، واللبنُ حارّ ما بي إلا أنِّي أكره أنْ أشرَبَ
عن يده - أو قال: آخذه عن يده - فقال: أبا سعيد! لقد هممتُ أن آخذ
حبلاً، فأعلِّقَهُ بِشَجَرةٍ، ثم أَخْتَنِقُ مما يقول لي الناس! يا أبا سعيد! من
خفي عليه حديثُ رسولِ الله وَ ﴿ ما خفي عليكم معشر الأنصار، ألستَ من
أعلم النَّاسِ بحديث رسول الله وَّه؟ أليس قد قال رسول الله وَ ظيقول: ((هو
كافرٌ)) وأنا مسلم؟ أو ليس قد قال رسول الله وَليون: ((هو عقيم لا يولد له)) وقد
تركت ولدي بالمدينة؟ أو ليس قد قال رسول الله مَظير: ((لا يدخل المدينة
(١٣) ومن باب: ما ذكر في ابن صيَّاد
ويُقال: ابن صائد، واسمه صاف، وكل ذلك في الحديث. قال الواقدي:
نسبه في بني النجار، وقيل: هو من اليهود، وكانوا حلفاء بني النجار، وكانت حاله
في صغره حالة الكُهَان يصدق مرَّة، ويكذب مراراً، ثم إنه أسلمَ لما كبر، وظهرت
منه علامة الخير من الحجِّ والجهاد مع المسلمين، ثم ظهرت منه أحوال، وسُمعت
منه أقوالٌ، تُشعر بأنه الدَّجَّال، وبأنه كافر، كما يأتي في تفاصيل أحاديثه، فقيل:
إنه تابَ ومات بالمدينة، ووُقف على عينه هناك، وقيل: بل فُقد في يوم الحَرَّة،
ولم يُوقف عليه، وكان جابر وابن عمر - رضي الله عنهم - يحلفان أنه الدَّجَّال،

٢٦٣
(٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (١٣) باب: ما ذكر من أن ابن صياد: الدجال
ولا مكة)) وقد أقبلت من المدينة وأنا أريد مكة . - وفي روايةٍ: قد
حججت -. قال أبو سعيد: حتى كِدْتُ أن أعذره! ثم قال: أما والله إني
لأعرفه، وأعرف مولده، وأين هو الآن! قال: قلت له: تبّاً لك سائر اليوم.
وفي روايةٍ: قال: وقيل له: أَيَسُرّك أنَّك ذاك الرَّجل؟ قال: فقال: لو
عُرِضَ عَليَّ ما كَرِهْتُ.
رواه مسلم (٢٩٢٦) (٩٠ و٩١)، والترمذيُّ (٢٢٤٦).
لا يَشْكَّان فيه، وعلى الجملة فأمره كلُّه مشكل على الأمة، وهو فتنةٌ ومحنة. وقد تقدَّم
أن الأُطْمَ: هو الحصن، ويُجمع: آطام. ويروى أطم ابن مَغَالة، وبني مغالة،
وكلاهما صحيح، وبنو مَغَالة بغين معجمة. وفي حديث ابن حُميد، وفي حديث
الحلواني: بني معاوية، والأول المعروف، وبنو مغالة: كل ما كان عن يمينك إذا
وقفت آخرَ البلاط مستقبلَ مسجد النبيِّ وَ﴿ ﴿، وبنو جديلة ما كان عن يسارك،
ومسجد النبيِّ وَله في بني مَغَالة، قاله الزبير. وقال بعضهم: بنو مَغَالة حيٍّ من
قُضَاعة، وبنو معاوية: هم بنو جديلة.
و(قوله: ((فرفصه))) رسول الله ◌َلقر ــ بالفاء والصاد المهملة - رواية الجماعة.
قال بعض الشارحين: الرَّقْص: الضرب بالرجل، مثل الرفس.
قلتُ: وهذا ليس بمعروف عند أهل اللغة، وإنما رفس بالسين المهملة.
يُقال: رفَسَه يرفِسُه ويرفُسُه؛ إذا ضربه برجله. فأما رفض بالصاد: فهو من الرفصة،
وهي النوبة من الماء تكون بين القوم، وهم يترافصون الماءَ، أي: يتناوبونه، وقد
وقع عند الصدفي: فرفضه بضاد معجمة. قال القاضي: وهو وَهْمٌ.
قلتُ: ويحتمل أن يقال: ليس بوهم، ويكون معناه من الرفض، وهو
الرمي، وكأنه أعرض عنه، ولم يلتفت إليه لما سمع منه ما سمع، فعل المغضب.
وأبعد من هذه ما وقع في البخاري من رواية المروزي: فرقصه بالقاف والصاد

٢٦٤
(٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (١٣) باب: ما ذكر من أن ابن صياد: الدجال
[٢٨٢٥] وعن عبد الله بن عمر، أنَّ عمر بن الخطاب انطلق مع
رسول الله وَ﴿ في رهط قِبل ابن صَيَّاد حتى وَجَده يلعب مع الصِّبيان عند
أُطُمِ بني مَغَالةَ؛ وقد قارب ابنُ صيَّادٍ يومئذٍ الخُلُّمَ، فلم يشعر حتى ضرب
رسول الله ﴿ ظهره بيده، ثم قال رسول الله وَلقه لابن صياد: («أتشهد أنِّي
رسول الله؟))، فنظر إليه ابنُ صيَّادٍ، فقال: أشهد أنَّك رسولُ الأميين. فقال
ابن صياد لرسول الله وَ له: أتشهد أني رسولُ الله؟ فرفَضَهُ رسولُ اللهِ وَتله
وقال: ((آمنتُ بالله وبرسله)). ثم قال له رسول الله وَ ليقول: ((ماذا ترى؟!)) قال
ابن صياد: يأتيني صَادقٌ وكاذِبٌ، فقال له رسول الله وَّهِ: ((خُلُّطَ عَلَيْكَ
الأمر!))، ثم قال له رسول الله وَ له: ((إني قَدْ خَبَّأْتُ لك خبيئاً). فقال ابن
المهملة، وفي حديث كتاب الأدب من البخاري، فَرَضَّه: بالضاد المعجمة من
الرَّضُ، وقال بعضهم فيه: فرصَّه بالصاد المهملة؛ أي: ضغطه.
و (قوله: يأتيني صادقٌ وكاذب) يعني به: تابعه من الشيطان، كان تارة
بصدقُ له، وتارة یکذبُ، وهذه حالة الكُھَان.
و (قوله: ((خُلُّطَ عليكَ الأمرُ))) أي: لبّس عليك تابعُك الجنيُّ حالَك.
و(قوله وَلخير: ((خبئت لك خبيئاً))) رواية الجماعة خَبِيئاً بكسر الباء، وعند
التميمي: خَبْاً بسكونها، وكلاهما بمعنى. في الصحاح: الخبءُ: ما خُبِىءَ،
وكذلك: الخَبِيءُ، وكلاهما مهموز، واختلف في هذا المُخبّأ ما هو؟ فالأكثر على
أنه: أضمر له في نفسه: ﴿ يَوْمَ تَأْتِ السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] وقال
الداودي: وكانت في يده سورة الدخان مكتوبة، وعلى هذا فيكون قوله) الدُّخ
يعني به الدُّخان. قالوا: هي لغة معروفة في الدُّخان، وأنشدوا:
عِنْدَ رِوَاقِ البَيْتِ يَغْشَى الدُّنََّا
وحكى هذه اللغة في الصحاح، ووجدته في كتاب الشيخ: الدخ: ساكن

٢٦٥
(٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (١٣) باب: ما ذكر من أن ابن صياد: الدجال
صَيَّاد: هو الدُّخُّ! فقال له رسول الله وَله: ((اخْسَأ! فلن تعدو قَدْرَكَ)). فقال
عمر بن الخطاب: ذَرْني يا رسول الله أضربْ عُنُقه! فقال له رسول الله وياليت :
((إن يَكُنْه فلن تُسَلَّط عليه! وإن لم يكنه فلا خير لك في قتله!)).
الخاء. ومصححاً عليه، أعني: الذي جاء في الحديث، وكأنه على الوقف، وأما
الذي في الشعر فهو مشدَّد الخاء، وكذلك قرأته في الحديث فيما أعلم، وقيل:
إنما أراد ابن صياد أن يقولَ: الدُّخان فزجره النبيُّ ◌َ ﴿ فقال: الدُّخ، وهذا فيه بعد.
وقيل: الُّخ: نبت موجود بين النخيل والبساتين خبَّاه له.
واخساً: زجر للكلب، ولمن يُذُّ ویُهان.
و (قوله: ((لن تعدوَ قَدْرَكَ))) أي: لن تجاوزَ حالة الكُهَّان المتخرِّصين
الكذَّابين، لا يليقُ بك إلا ذلك، وإنما اختبرَه النبيُّ ◌َ ﴿ بذلك لينظرَ هل طريقتُهُ
طريقة الكُهَّان، أو لا؟ فظهرَ أنه كذلك. وأنَّ الشياطين تلعبُ به، وتُلَيُّسُ عليه.
و (قوله ◌َّهُ لعمر - رضي الله عنه -: ((إن يَكُنْهُ، فلن تُسلَّطَ عليه، وإن لم لم يتضح
يَكُنْهُ فلا خيرَ في قتله))) هذا يدلُّ على أن النبيَّ ◌َ ﴿ لم يتّضح له شيءٌ من أمر كونه له {# شيءٌ من
أمر ابن صياد
أنه الدجال
هو الدَّجَّال أم لا؟ وليس هذا نقصاً في حقِّ النبيِّ وَ﴿؛ لأنه لم يكنْ يعلمُ إلا ما
علَّمه الله، وهذا مما لم يُعْلِمْه الله تعالى به، ولا هو مما تُرهِقُ إلى علمه حاجةٌ
لا شرعية، ولا عاديّة، ولا مصلحيّة، ولعلَّ الله تعالى قد علم في إخفائه مصلحةً
فأخفاه، والذي يجبُّ الإيمان به: أنه لا بُدَّ من خروج الدَّجَّال يدَّعي الإلهية، وأنه
كذَّاب أعور، كما جاء في الأحاديث الصحيحة الكثيرة التي قد حَصَّلت لمن عاناها
العلم القطعيَّ بذلك.
و (قوله: ((وإن لم يكنْه، فلا خيرَ لك في قتله))) أي: لأنه صبيٌّ حينئذٍ.
وقيل: لأنه كان لقومه عهدٌ من النبيِّ بَّه كما عاهدَ يهودَ المدينة، أو لأنه من حلفاء
بني النجار كما تقدَّم. وهذا الضمير المتصل في يكنه هو خبرها، وقد وُضع موضعَ
المنفصل، واسمُها مستتر فيها، ونحوه قول أبي الأسود الدُّؤلي:

٢٦٦
(٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (١٣) باب: ما ذكر من أن ابن صياد: الدجال
وقال أيضاً: انطلقَ بعد ذلك رسولُ الله ◌َله وأُبيّ بن كعب إلى النَّخل
التي فيها ابن صَيّاد؛ حتى إذا دخل رسول الله وَّ﴿ النخل طَفِقَ يَتَّي بجذوع
النخل، وهو يَخْتِل أن يسمع من ابنٍ صيَّد شَيْئاً، قبل أن يراه ابنُ صيّاد،
فرآه رسول الله وَلّر وهو مضطجع على فراشٍ في قَطِيفةٍ لَهُ فيها زَمْزَمَةٌ،
فَرَأَتْ أمّ ابن صياد رسولَ الله ◌َّر وهو يتقي بجذوع النخل، فقالت لابن
صيَّاد: يا صَافٍ ! - وهو اسم ابن صياد - هذا محمد! فَثَار ابنُ صيَّادٍ. فقال
رسول الله وَّه: ((لو تَرَكَتْهُ بَيَّن)). قال عبد الله: فقام رسولُ اللهِ وَّهِ فِي النَّاس
رَأَيْتُ أَخاهَا مُغْنياً بمَكَانِها(١)
دَعِ الخَمْرَ تَشْرَبُها الغُوَاةُ فَإِنَّني
فَإِنْ لا يَكُنْها أوْ تَكُنْهُ فَإِنَّهُ أَخُوهَا غَذَتْهُ أُّهُ بِلِبَانِها
أي: فإلا يكن هو إيّاها أو تكن هي إيّاه.
و (قوله: طَفِقٍ يتقي) أي: أخذ وجعل، وقد تقدَّمَ أنها من أفعال المقاربة.
ويتقي: يستتر بجذوع النخل؛ أي: بأصول النخل.
و (قوله: فثار ابنُ صيّاد) أي: وثب وثبة شديدة.
و (قوله وَّجِ: ((لو تركتْه بيَّنَ))) أي: كان يُعبِّر عن حاله في نومه، هل هو
الدَّجَّال، أم لا؟ وقد يُشكل هذا مع قوله: ((رُفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى
يستيقظً ... ))(٢) وبالإجماع على أن النائم غيرُ مؤاخذ بما يقوله في حال نومه، ولا
بما يصدرُ عنه، ولا يُعوَّل على هذا الإشكال؛ لأن هذا ليس من باب المؤاخذة،
ولا التكليف، وإنما هو من باب النظر في قرائن الأحوال؛ فإن النائم الغالب عليه
(١) في اللسان والصحاح: ((مجزياً بمكانها)).
(٢) رواه أحمد (١٠٠/٦)، وأبو داود (٤٣٩٨)، والنسائي (١٥٦/٦)، وابن ماجه
(٢٠٤١).

٢٦٧
(٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (١٣) باب: ما ذكر من أن ابن صياد: الدجال
فأثنى على الله بما هو له أهلٌ، ثم ذكر الدجّال فقال: ((إنِّي لأُنذِر کمُوه ما
من نبي إلا وقد أَنْذَرَهُ قَومَهُ، لقد أَنْذَرَه نُوحٌ قَومَهُ، ولکن أقُولُ لَكُم فِيه قولاً
لم يقلْهُ نبيٌّ لقومه، إنَّه أعورُ، وإنَّ الله تبارك وتعالى ليس بأعور)).
أنه يتكلَّم في نومه بما يكون غالباً عليه في يقظته، ولعلَّ النبيَّ ◌َ﴿ كان ينتظرُ أن
يظهرَ له منه في حال نومه ما يدلُّ على حاله دلالةً خاصَّة به، والله تعالى أعلم.
و (قوله: ((إني لأُنذرُكم الدَّجَّال، وما من نبيٍّ إلا وقد أنذرَه قومَه، لقد أنذره عظيم فتنة
نوحٌ قومَه))) إنما كان هذا من الأنبياء لما علموا من عظيم فتنته، وشدَّة محنته؛ على الدجال وشدّة
ما يأتي تفصيلها في الأحاديث المذكورة بعد؛ ولأنهم لما لم يُعيَّن لواحد منهم
محنته
زمان خروجه، توقَّعَ كلُّ واحد منهم خروجه في زمان أمته، فبالغ في التحذير.
وفائدة هذا الإنذار الإيمان بوجوده، والعزم على معاداته، ومخالفته، وإظهار
تكذيبه، وصدق الالتجاء إلى الله تعالى في التَّعوُّذ من فتنته. وهذا مذهب أهل
السُّنَّة، وعامَّة أهل الفقه والحديث، خلافاً لمن أنكر أمرَه، وأبطلَه من الخوارج
وبعض المعتزلة، وخلافاً للجُبَّائي من المعتزلة، ومن وافقنا على إثباته من الجهمية
وغيرهم، لكن زعموا أن ما عنده مَخَارِقُ وحِيَلٌ، قال: لأنها لو كانت أموراً
صحيحة لكان ذلك إلباساً للكاذب بالصادق، وحينئذ لا يكون فرقٌ بين النبيِّ
والمتنبىء، وهذا هذيان لا يُلتفت إليه؛ فإن هذا إنما كان يلزمُ لو أن الدَّجَّال يدَّعي
النبوة، وليس كذلك؛ فإنه إنما ادعى الإلهية، وكذبُه في هذه الدعوى واضح
للعقول؛ إذ أدلة حَدَثِه ونقصه وفقره مدرك بأول الفطرة، بحيث لا يجهله من له
أدنى فكرة، وقد زاد النبيُّ ◌َ ﴿ هذا المعنى إيضاحاً في هذا الحديث من ثلاثة أوجه:
أحدها: بقوله: ((ولكن أقولُ لكم فيه قولاً لم يقله نبيٌّ لأمته، إنه أعور، وإنَّ
الله ليس بأعور)» وهذا تنبيه للعقول القاصرة أو الغافلة على أن من كان ناقصاً في
ذاته، عاجزاً عن إزالة نقصه، لم يصلخ لأن يكون إلهاً لعجزه وضعفه، ومن كان
عاجزاً عن إزالة نقصه كان أعجزَ عن نفع غيره، وعن مَضَرَّته.

٢٦٨
(٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (١٣) باب: ما ذكر من أن ابن صياد: الدجال
وقال بعضُ أصحابٍ رسول اللهِّهِ: أنَّ رسولَ الله لَّهِ قالَ يوم حذَّر
النَّاسِ الدَّجالَ: ((إنَّه مكتوب بين عَيْنَيْهِ: كَافِرٌ؛ يقرؤه مَنْ كَرِهِ عَمَلَهُ - أو:
يقرؤهُ كلُّ مؤمن -)). وقال: تَعَلَّموا: أنَّه لن یَری أحدُكم ربّه حتی یموت)).
رواه أحمد (١٤٨/٢) و(١٦٩) في إثر الرقم السابق، والبخاريُّ
(٣٠٥٥ - ٣٠٥٧)، ومسلم (٢٩٣٠) (٩٥) و (٢٩٣١)، وأبو داود
(٤٣٢٩)(، والترمذيّ (٢٢٣٥).
وثانيها: قوله: ((إنه مكتوبٌ بين عينيه كافر، يقرؤُه كلُّ مؤمن كاتبٌ وغير
كاتب)) وهذا أمر مشاهد للحسِّ يشهدُ بكذبه وكفره.
وثالثها: قوله: ((تعلموا أنه لن يرى أحدٌ منكم ربَّه حتى يموتَ))، وهذا نص
جليٍّ في أنَّ الله تعالى لا يُرى في هذه الدار، وهو موافق لقوله تعالى: ﴿ لا
تُدْرِكُهُ الْأَصَرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] أي: في الدنيا، ولقوله تعالى لموسى
- عليه السلام -: ﴿لَّنْ تَرَِ﴾ [الأعراف: ١٤٣] أي في الدنيا. ولقوله: ﴿وَمَا
كَانَ لِبَشَرِ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلََّ وَحْيًّا .. ﴾ الآية [الشورى: ٥١].
وحاصل هذا: أن الصادقَ قد أخبرَ أن الله تعالى لا يراه أحدٌ في الدنيا،
والدَّجَّال يراه الناسُ، فليس بإله، وهذا منه ◌َ﴿ نزول إلى غاية البيان بحيث لا يبقى
الخلاف في معه ريبة لإنسان، وقد تقدَّم الخلاف في رؤية نبيِّنا محمد وَّهِ ربَّه في كتاب
رؤيته ﴿ لربه الإيمان، وقد قلنا: إنه لم يثبتْ في الباب قاطعٌ يُعتمد عليه، والأصل: التَّمشُّكُ بما
في الدنيا
دلَّت هذه الأدلة عليه، وقد تأوَّلَ بعضُ الناس قوله وَليه: ((مكتوبٌ بين عينيه كافر)).
وقال: معنى ذلك ما ثبت من سمات حدثه، وشواهد عجزه، وظهور نقصه. قال:
ولو كان على ظاهره وحقيقته لاستوى في إدراك ذلك المؤمن والكافر، وهذا عدولٌ
وتحريف عن حقيقة الحديث من غير مُوجب لذلك، وما ذكرَه من لزوم المساواة
بین المؤمن والكافر في قراءة ذلك لا یلزم لوجهين:
أحدهما: أنَّ الله تعالی یمنعُ الکافرَ من إدراكه، لا سيما وذلك الزمان قد

٢٦٩
(٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (١٣) باب: ما ذكر من أن ابن صياد: الدجال
[٢٨٢٦] وعن أبي سعيدٍ، وذكر بعض ما تضمنه هذا الحديث، قال
فيه: فقال له رسول الله وصلاليه: ((ما ترى؟))، قال: عرشاً على الماء.
فقال ◌َله: ((ترى عرش إبليس على البحر؟)).
رواه مسلم (٢٩٢٥)، والترمذيُّ (٢٢٤٩).
انحرفت فيه عوائد، فليكن هذا منها. وقد نُصَّ على هذا في بعض طرقه فقال:
(يقرؤه كلُّ مؤمن كاتبٍ وغير كاتب))، وقراءة غير الكاتب خارقة للعادة.
وثانيهما: أن المؤمنَ إنما يُدركه لتثبُه، ويقظته، ولسوء ظنّه بالدَّجَّال،
وتخوُّفه من فتنته، فهو في كل حال يستعيدُ النظر في أمره، ويستزيدُ بصيرةً في
كذبه، فينظر في تفاصيل أحواله، فيقرأ سطورَ كفره، وضلاله ويتبيَّن عينَ محاله.
وأما الكافرُ فمصروفٌ عن ذلك كلِّه بغفلته وجهله، وكما انصرف عن إدراك نقص
عوره، وشواهد عجزه، كذلك يُصرف عن فهم قراءة سطور كفره ورمزه.
وأما الفرق بين النبيِّ والمتنبِّىء فالمعجزة لا تظهرُ على يديْ المتنبِّىء؛ لأنه الفرق بين النبي
يلزمُ منه انقلاب دليل الصدق دليل الكذب، وهو محال، وللبحث فيها مجال في والمتنبئء
علم الكلام، وأما من قال: أن ما يأتي به الدجال حيل ومخارق فهو معزول عن
الحقائق؛ لأن ما أخبر به النبيُّ ◌َ﴿ من تلك الأمور حقائق لا يُحيل العقلُ شيئاً
منها، فوجبَ إبقاؤها على حقائقها، وسيأتي تفصيلها. والرواية في تعلَّموا بتشديد
اللام بمعنى: اعلموا وتعلَّموا.
و (قوله: ((فِرُفِعَت لنا غنمٌ))) أي: أبصرناها على بعد، وكان الآل الذي هو
السراب رفعها لهم؛ أي: أظهرَها. والعُسُّ: بضم العين: القدح الكبير.
و(قول ابن صَيَّاد لأبي سعيد: أليس قد قال رسول الله صلاته: ((هو كافر)) وأنا
مسلم الخ ... ) هذا الحديث من أوله إلى آخره يدلُّ على أن هذه القصة اتفقت
لأبي سعيد مع ابن صَيَّاد بعد أن كبر، وصارَ رجلاً ووُلد له، وبعد موت النبيِّ ◌َِّ،
وأنَّ ابنَ صياد أسلم وحجَّ، وأنه حفظ الحديث عن رسول الله وَّهِ، ولذلك ذكره

٢٧٠
(٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (١٣) باب: ما ذكر من أن ابن صياد: الدجال
[٢٨٢٧] وعن ابن عمر، قال: لَقِيتُ ابن صَيَّاد مرتين، فقلت
لبعضهم: هل تَحدَّثُون أنه هو؟ قال: لا والله! قال: قُلْتُ كَذَبْتَنَي، والله لقد
أخبرني بعضكم: أنَّه لن يموتَ حتى يَكونَ أكْثَرَكُم مالاً وولداً، فكذلك هُو
زَعموا اليوم! قال: فَتَحدَّثْنَا، ثم فارقْتُه.
ابنُ جرير وغيره في الصحابة، غير أنه قد ظهرت منه في هذا الحديث أمورٌ بعضها
كفر، وذلك قوله: لو عُرِضَ عليَّ ما كرهتُ، فإن من يرضى لنفسه دعوى الإلهية،
وحالة الدَّجَّال هو كافر، ولا يتصور في هذا خلاف، وبعضها يُشعر بأن الدَّجَّال،
وهو قوله: والله إني لأعرفه، وأعرف مولدَه، وأين هو. زاد الترمذيُّ(١)، وأين هو
الساعة من الأرض، وأعرف والده. فإن هذا يقارب النَّصَّ في أنه هو، وما ليَّسَ به
من أنه مسلمٌ فسيكفر، أو هو منافق كافر في الحال، وحُّه وغيره مُخْبَط بكفره،
أو لعلَّه كان ذلك منه نفاقاً. وأما كونه لا يُولد له، ولا يدخلُ مَّة والمدينة،
فيحتمل أن يكون ذلك منه إذا خرج على الناس، والله تعالى أعلم بحقيقة ذلك.
و (قول أبي سعيد الخدريّ له: تبّاً لك سائرَ اليوم)؛ أي: خساراً لك دائماً؛
لأن اليوم هنا يُراد به الزمان، وتّاً: منصوب بفعل مضمر لا يُستعمل إظهاره، أي:
لقيت تبّاً، أي: تباباً، أو صادفت، أو لقَّاه الله تباباً.
و (قول ابن عمر - رضي الله عنهما -: لقيت ابن صائد مرتين، فقلت
لبعضهم: هل تُحدّثون أنه هو؟) يعني: لبعض من كان معه، والذي قال: لا؛ والله
هو ذلك البعض الذي خاطبَه، وله قال ابنُ عمر: كذبتني، ألا ترى أنه خاطبَه
بقوله: لقد أخبرني بعضُكم، ولا يُتخيَّلُ أن الخطاب لابن صياد؛ لأنه لم يتكلم معه
بهذه اللقيا، وإنما تكلّم معه في اللُّقيَة الأخرى.
و (قوله: لقد أخبرني بعضُكم أنه لن يموت حتى يكونَ أکثرکم مالاً وولداً،
فكذلك هو زعموا اليوم) مثل هذا الخبر لا يُتوصَّل إليه إلا بالنقل، ولم يكن عندهم
(١) رواه الترمذي (٢٢٤٩).

٢٧١
(٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (١٣) باب: ما ذكر من أن ابن صياد: الدجال
قال: فِلِقِيتَهُ لَقْيَةً أُخْرى وقد نَفرتْ عَيْنُهُ. قال: فقلت: متى فعلت عينك ما
أرى؟ قال: لا أدري! قال: قلت: لا تدري وهي في رأسك؟ قال: إن شاء
الله خلقها في عَصَاك هذه. قال: فَنَخَر كأشدِّ نَخير حمارٍ سَمِعْتُ. قال:
فزعم بعضُ أصحابي: أنِّي ضربته بعصا كانت معي حتى تكسّرَتْ وأَمَّا أَنَا
فوالله ما شعرت! قال: وجاء حتى دخل على أُمّ المؤمنين فحدَّثَها، فقالت:
ما تريد إليه؟ ألم تعلم أنه قد قال: ((إنَّ أوَّلَ ما يبعثُه على النَّاسِ غَضَبٌ
يَغْضَبُهُ».
شيءٌ يعتمدونه إلا الخبر عن رسول الله وق لقه فهو مرفوع بالمعنى لا باللفظ، فكأنه
قال: أخبرني بعضُكم عن النبيِّ لَ هـ
و (قوله: فلقيته لُقيةً أخرى، وقد نفرتْ عينه) كذا وقع لأكثرهم والصواب
الفتح في اللام من لقية؛ لأنه مصدر، ولم يحكِه ثعلب إلا بالرفع، ونفرت؛ بالنون
والفاء المفتوحتين: رواية جماعة الشيوخ؛ أي: ورمت، وفي أصل القاضي
التميمي: نقرت وفقئت معاً، فقلت: فقئت في الموضعين، وكتب على الأول
بخطه: نقرت - بالنون والقاف -. ورواه أبو عبد الله المازريّ: نفرت بالفاء، وهي
كلُّها متقاربة، وأشبهها الأولى، فإن عينه في ذلك الوقت لم تكن مفقوءة؛ إذ لو
كان ذلك لكان من أعظم الأدلة على أنه الدَّجَّال، ولاستدلَّ بذلك من قال: إنه هو
على من خالفه في ذلك، ولم يرد ذلك، غير أنه قد حكى أبو الفرج الجوزي في
أنه: وُلد وهو أعور مختون مسرور، وهذا فيه نظر؛ لأن الظاهر من هذا الحديث
أشهر مما ذكر. ويحتمل أن يكون ذلك الورم مبتدأً فقء عينه إن كان هو الدَّجَّال،
والله أعلم. وكون ابن عمر لم يشعر بضربه لابن صيّاد بالعصا حتى تكسَّرت، كان
ذلك لشدة مَوْجِدَته عليه، وكأنه تحقَّق منه أنه الدَّجَّال.
و (قوله: فنخرَ كأشدِّ نخيرِ حمارٍ سمعتُ) النخير: صوت الأنف. تقول منه:
نَخَرَ يَنْخِرُ يَنْخُرُ نَخِيراً.

٢٧٢
(٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (١٣) باب: ما ذكر من أن ابن صياد: الدجال
وفي رواية: أنَّ ابن عمر لقي ابنَ صيَّاد في بعض طرق المدينة، فقال
قولاً أغضبه، فانْتَفَخَ حتى ملأ السَّكَّةَ، فدخل ابنُ عمرَ على حفصةَ وقد
بلغها، فقالت له: يرحمك الله ما أردت من ابن صياد؟! أما علمت أنَّ
رسول الله ◌َ﴿ قال: ((إنما يخرج من غَضْبَةٍ يَغْضَبُها».
رواه أحمد (٢٨٣/٦)، ومسلم (٢٩٣٢) (٩٨ و٩٩).
و (قوله: فقال له قولاً أغضبه) يعني: أن ابن عمر قال لابن صيّاد قولاً
غضب ابنُ صياد لأجله، فانتفخَ حتى ملأ السِّكَّة، وهي الطريق، وتُجمع سككاً،
وهذا الانتفاخ محمولٌ على حقيقته وظاهره، ويكون هذا أمراً خارقاً للعادة في حقٌّ
ابن صيّاد، ويكون من علامات أنه الدَّجَّال؛ لأن هذا موافق لما قالته حفصةُ
- رضي الله عنها - عن النبي ◌َّهِ: ((إنما يخرجُ من غضبة يَغْضَبُها)). وقد اجتمعت في
أحاديث ابن عمر هذه قرائن كثيرة تفيد: أن ابن صيَّاد هو الدَّجَّال، ولذلك كان
ابن عمر - رضي الله عنهما - قد اعتقد ذلك وصمَّم عليه بحيث كان يحلفُ على
ذلك، وكذلك جابر بن عبد الله - رضي الله عنهم -.
*

٢٧٣
(٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (١٤) باب: في صفة الدجال
(١٤) باب
في صفة الدّجال وما يجيء معه من الفتن
[٢٨٢٨] عن حذيفة، قال: قال رسول الله وَ له: ((لأنا أعلم بما مع
الدَّجال منه! معه نهران يجريان، أحدهما: رأيَ العَيْنِ ماءً أبيض، والآخر:
رَأَيَ العين نَارٌ تأجج،
(١٤ و١٥) ومن باب: صفة الدَّجَّال(١)
(قوله: ((لأنا أعلمُ بما مع الدجال منه))) هذا جواب قسم محذوف؛ أي: والله لا يعلم الدجال
لأنا أعلمُ. أي: أنَّ الدَّجَّال لا يعلمُ حقيقة ما معه من الجنة والنار، ولا من حقيقة ما معه
النهرين؛ أي: أنه يظنُّهما كما يراهما غيره، فيظنُّ جنَّته جنّةً وماءَه ماءً، وحقيقة
الأمر على الخلاف من ذلك، فيكونُ قد لُيُسَ عليه فيهما، والنبيُّ وَّهِ قد علمَ حقيقة
كلِّ واحد منهما، ولذلك بيَّنه، فقال: ((نارُه ماء بارد)). وفي اللفظ الآخر: ((فجنَّته نارٌ
ونارُه جنّةٌ))، وهذا الكلام رواه مسلم عن حذيفة من قول النبيِّ وَّ في هذه الطريق،
وقد رواه من طريق أخرى موقوفاً على حذيفة من قوله، وقد رواه أبو داود من
حديث رَبّعي بن خِراش قال: اجتمعَ حذيفةُ، وأبو مسعود، فقال حذيفة: لأنا أعلمُ
بما مع الدجال منه(٢).
و (قوله: ((رأيَ العين))) منصوب على الظرف؛ أي: حين رأي العين، أو في
رأي العين، ويصحُّ أن يُقال فيه: إنه مصدرٌ صدرُه محذوف تقديره: تراه رأيَ
العين. وكلُّ ما يُظهره الله على يدي الدجال من الخوارق للعادة مِحَنَّ امتحنَ الله بها خوارق الدجال
عبادَه، وابتلاء ابتلاهم به، ليتميَّزَ أهلُ التنزيه والتوحيد بما يدلُّ عليه العقل السديد محنٌ للعباد
(١) شرح المؤلف - رحمه الله - تحت هذا العنوان هذا الباب والذي يليه، وهو باب: في
هَوان الدجال على الله تعالى.
(٢) رواه أبو داود (٤٣١٥).

٢٧٤
(٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (١٤) باب: في صفة الدجال
فإمَّا أَدْرَكَنَّ أحدٌ فليأت النهر الذي يَراهُ ناراً، ولْيُغَمِّضْ، ثمّ لْيُطَأْطِىءْ رَأْسَهُ
فيشربَ منه، فإنَّه ماءٌ بارد. وإنَّ الدجّال ممسوحُ العين، عليها ظَفَرَةٌ
غليظةٌ، مكتوبٌ بين عينيه: كافرٌ، يَقْرِؤُه كُلُّ مؤمن كاتبٍ، وغيرِ كاتبٍ)).
وفي روايةٍ: ((الدجال أعور العين اليسرى،
من استحالة الإلهية على ذوي الأجسام، وإن أتوا على دعواهم بامتثال تلك
الطوامٌّ، أو ليغترَّ أهلُ الجهل باعتقاد التجسيم، حتى يوردَهم ذلك نارَ الجحيم.
وفتنةُ الدجال من نحو فتنة أهل المحشر بالصورة الهائلة التي تأتيهم فتقولُ لهم: أنا
رتُّكم، فيقولُ المؤمنون: نعوذ بالله منكَ، كما تقدَّم في الإيمان. ومقتضى روايتي
حذيفة: أن معه نهرين وجئَّتيْن، وأنهما مختلفتان في المعنى واللفظ لأن النهر
لا يُقال عليه جنّة، ولا الجنَّة يقال عليها نهر. هذا هو الظاهر، ويحتمل أن يُقال:
إن ذَيْنِكَ النهرين في جنَّة ونار، فَحَسُنَ أن يُعبَّر بأحدهما عن الآخر.
و (قوله: ((فإمّا أَدْرَكَنَّ ذلك أحدُكم))) كذا الرواية عند جميع الشيوخ،
والصواب: إسقاط النون، لأنه فعل ماض، وإنما تدخل هذه النون على الفعل
المستقبل كقوله: ﴿ فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ﴾ [الزخرف: ٤١]، و﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنْكُم مِّنِى هُدَى﴾
[البقرة: ٣٨] ونحوه کثیر.
صفة الدجال
و (قوله: ((الدَّجَّال ممسوح العين عليها ظَفَرَةٌ غليظة))) هي بالظاء المعجمة
والفاء، وهما مفتوحان، وهي جلدة تغشِّي العينَ، إن لم تُقطع غشيت العين.
ومعنى ممسوح العين؛ أي: مطموس ضوؤها وإدراكها، فلا يُصر بها شيئاً.
الدجال أعور
و (قوله: ((الدَّجَّال أعورُ العين اليسرى))) الأعور: هو الذي أصابه في عينه
عَوَرٌ، وهو العيب الذي يُذهب إدراكَها، وهكذا صحَّ في حديث حذيفة:
(اليُسرى))، وقد صحَّ من حديث ابن عمر مرفوعاً أنه أعور عينه اليمنى، كأنها عنبةٌ

٢٧٥
(٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (١٤) باب: في صفة الدجال
جُفَالُ الشَّعْرِ، معه جَنَّةٌ ونارٌ، فناره جنةٌ، وجنته نارٌ».
رواه أحمد (٣٨٣/٢ و٣٨٦)، ومسلم (٢٩٣٤) (١٠٤ و١٠٥).
[٢٨٢٩] وعن النَّواس بن سمعان، قال: ذكرَ رسولُ الله ◌َّهِ الدَّجال
طافية، ورواه الترمذي(١) أيضاً وصحَّحه، وهذا اختلاف يصعب الجمع فيه بينهما،
وقد تكلّف القاضي أبو الفضل الجمع بينهما، فقال: جمْعُ الروایتین عندي صحیح،
وهو أنَّ كلَّ واحدة منهما عوراء من وجه ما؛ إذ العَوَر في كلِّ شيءٍ: العيبُ،
والكلمةُ العوراء: هي المعيبة. فالواحدة عوراء بالحقيقة، وهي التي وُصفت في
الحديث بأنها ليست جحراء، ولا ناتئة، وممسوحة ومطموسة. وطافئة - على رواية
الهمز -، والأخرى عوراء لغيبها اللازم لها لكونها جاحظة، أو كأنها كوكب، أو
كأنها عِنَبة طافية - بغير همز - وكل واحدة منهما يصحّ فيها الوصف بالعوز بحقيقة
العرف والاستعمال، أو بمعنى العور الأصلي الذي هو العيب.
قلتُ: وحاصل كلامه: أنَّ كلَّ واحدة من عينيْ الدجال عوراء. إحداهما
بما أصابَها حتى ذهبَ إدراكها، والثانية عوراء بأصل خِلْقتها معيبة. لكن يُبعدُ هذا
التأويل: أنَّ كلَّ واحدة من عينيْه قد جاء وصفها في الروايات، بمثل ما وُصفت به
الأخرى من العَور، فتأمَّلْه، فإنَّ تتبع تلك الألفاظ يطولُ.
و (قوله: ((جُفالُ الشَّعْر))) أي: كثيره. قال ذو الرُّمَّة يصف شعرَ امرأة:
وَأَسْوَدَ كِالأَساوِدِ مُسْبَكِرًا (٢) عَلَى المَتْنَيْنِ مُنْسَدِلاً جُفَالا
وشعرُ الدَّجَّال مع كثرته جعد قَطَط، وهو الشديد الجعودة، الذي لا يمتدُّ إلا
باليد، كشعور السُّودان، وفي القطط لغتان الفتح والكسر في الطاء الأولى.
(١) رواه الترمذي (٢٢٤١).
(٢) مُسْبَكِرّاً: منسدلاً مسترسلاً. والأساود: الحيَّات.

٢٧٦
(٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (١٤) باب: في صفة الدجال
ذات غداةٍ، فخَفَضَ فيه ورَفَعَ، حتى ظَنَنَّاه في طائفةِ النَّخل، فلما رُحْنَا إليه
عَرَفَ ذلك فينا، فقال: ما شأنُكم؟ قلنا: يا رسول الله! ذكرتَ الدَّجالَ غداةَ
فخفَّضْتَ فيه ورَفَّعْتَ حتى ظَنَنَّاهُ في طائفةِ النَّخلِ. فقال: ((غيرُ الدَّجَّال
أخوَفُني عليكم، إنْ يَخْرُجْ وأنا فيكم، فأنا حَجِيجُهُ دُونَكُم، وإنْ يخرجْ
ولَسْتُ فيكم فامْرُؤٌ حَجِیجُ نَفسه،
و (قوله: ((فخفضَ فيه ورفعَ)) بتخفيف الفاء، أي: أكثر من الكلام فيه،
فتارة يرفع صوته ليُسمعَ من بَعُدَ، وتارة يخفضُ ليستريح من تعب الإعلان، وهذه
حالة المكثر من الكلام. وقيل: معناه: فحقّره وصفَّره كما قال: ((هو أهون على الله
من ذلك)) وتارة عظَّمه، كما قال: ((ليس بين يدي الساعة خلقٌ أكبرُ من الدَّجَّال))
والأول أسبق إلى الفهم، وقد رويت ذلك اللفظ: ((فخفَّض فيه ورفَّع)) مُشدَّد الفاء،
وهي للتضعيف والتكثير.
و (قوله: ((غيرَ الدَّجَّال أخوَفني عليكم))) بنون الوقاية عند الجماعة، وهو
وجه الكلام، وقد روي عن أبي بحر: أخوفي - بغير نون - وهي قليلة حكاها ثابت،
وقد وقع في الترمذي: «أخوف لي)).
قلتُ: وهو وجه الكلام، وفيه اختصار؛ أي: غير الدَّجَّال أخوف لي
علیکم من الدجال، فخُذِفَ للعلم به.
و (قوله: ((إن يخرجْ وأنا فيكم، فأنا حجيجُه دونكم، وإن يخرجْ وليست
فيكم، فامرؤٌ حجيجُ نفسه))) هذا الكلام يدلُّ: على أنَّ النبيَّ وَّه لم يتبين له وقتُ
خروجه، غير أنه كان يتوقعُه، ويقُرِّبُه، وكذلك كان يُقرِّبُ أمرَه حتى يظنُّوا أنه في
النَّخل القريب منهم. وحجیجُه: محاُه؛ ومخاصِمُه، وقاطعه بالحُجَّة بإظهار كذبه
وإفساد قوله.
كان ﴾ لا یعلم
وقت خروج
الدجال
و (قوله: ((فامرؤ حجيجُ نفسه))) أي: ليحتجَّ كلُّ امرىءٍ عن نفسه بما أعلمتُه

٢٧٧
(٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (١٤) باب: في صفة الدجال
واللَّهُ خَلِيفتي على كلِّ مسلم.
إِنَّه شابٌ قَطَطْ، عينُهُ طَافِئةٌ كأني أُشَبِّهُهُ بِعَبْدِ العُزَّى بن قَطَنٍ، فمن
من صفته، وبما يدلُّ العقلُ عليه من كذبه في دعوى الإلهية، وهو خبرٌ بمعنى
الأمر، وفيه التنبيه على النظر عند المشكلات، والتمسُّك بالأدلة الواضحات.
وجوب النظر
عند
و (قوله: ((واللَّهُ خليفتي على كلِّ مسلم))) هذا منه وَّيه تفويض إلى الله تعالى المشكلات
في كفاية كلِّ مسلمٍ من تلك الفتن العظيمة، وتوكُّلٌ عليه في ذلك، ولا شكّ في أن
من صحَّ إسلامه في ذلك الوقت، أنه يُكْفى تلك الفتن لصدق النبيِّ ◌َّ في توكُّله مَن صِحَّ
وصحته، لضمان الله تعالى كفاية من توكَّل عليه، بقوله: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اَللَّهِ فَهُوَ إسلامه يأمن
فتنة الدجال
حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣] أي: كافيه مشقة ما توثَّل عليه فيه، ومُوصلُه إلى ما يُصلحه
منه، ومع هذا فقد أرشدَ النبيُّ ◌َ ﴿ إلى ما يقرؤُه على الدَّجَّال، فيُؤمن من فتنته، ما يُقْرأ على
وذلك عشر آيات من أول سورة الكهف، أو من آخرها، على اختلاف الرواية في
الدجال لِتؤمَن
ذلك. والاحتياط والحزم يقتضي: أن يقرأَ عشراً من أوَّلها، وعشراً من آخرها،
فتنته
على أنه قد روى أبو داود من حديث النؤاس: ((فليقرأ عليه فواتحَ سورة الكهف
فإنها جِوارٌ لكم من فتنته))(١).
و (قوله: «عِنَبَةٌ طافئةٌ)) رویناه بالهمز، وصحّحناه على من يُوثق بعلمه، وقد
سمعناه بغير همز، وبالوجهين ذكره القاضي أبو الفضل، فقال: هو اسم فاعل من
◌ُفئت النَّار، تُطفأ؛ فهي طافئة، وانطفأت فهي منطفئة، وأطفأتها أنها: فهي مطفأة.
فكأنَّ عينَه كانت تُثير كالسِّراج فانطفأت؛ أي: ذهب نورها، وهذا المعنى في هذه
الرواية التي لم يذكر فيها عِنَبة واضح، ويبعد فيها ترك الهمز، وأما الرواية التي
فيها: ((كأنها عِنَبة طافية)) فالأولى ترك الهمز، فإنه شبَّهها في استدارتها وبروزها
كحبَّ العِنَب، وهو اسم فاعل من طفا يطفو: إذا علا - غير مهموز - فهي طافية،
(١) رواه أبو داود (٤٣٢١).

٢٧٨
(٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (١٤) باب: في صفة الدجال
أدركَه منكم فليقرأ عليه فواتحَ سُورة الكَهْفِ، إنَّه خَارِجٌ حَلَّةً بَيْنَ الشَّامِ
والعِرَاقِ، .
أي: قائمة جاحظة، کما جاء في بعض ألفاظ الحديث. وقد روى أبو داود من
حديث عبادة بن الصامت عن النبيِّ ◌َ ﴿ أنه قال: ؛ ((إني قد حدَّثتكم عن الدَّجَّال
حتى خشيتُ أَلا تغفلوا أن المسيحَ الدَّجَّال رجلٌ قصيرٌ أفحجُ جَعْدٌ أعورُ مطموسُ
العين، ليست بناتئة، ولا جحراء))(١). وهذا الحديث يقتضي: أن عينه ليست
بالفاحشة النتوء، والجحوظ، ولا غائرة حتى كأنها في جحر؛ بل: متوسطة بحيث
يصدقُ عليها: أنها قائمة وجاحظة، والله تعالى أعلم. وقد زاد عبادة في هذا
الحديث من أوصافه أنه قصيرٌ أفحج، والفحج: تباعد ما بين الساقين.
و (قوله: ((إنه خارجٌ حَلَّةً بين الشام والعراق))) رويته وقيَّدته بفتح الحاء
المهملة، وتشديد اللام، وهي رواية السُّجْزي، وقيل معنى ذلك: قبالة وسمت.
وفي كتاب العين، والحَلَّة: موضع حَزْن وضمور، وسقطت هذه الكلمة من رواية
العُذْرِيّ. وروي عن ابن الحذَّاء: حَلُّه بضم اللام وهاء الضمير، أي: نزوله
وحلوله، وكذا في كتاب التميميّ، وهكذا ذكره الحُمَيْدِيُّ، ورواه الهَرويُّ في
غريبه: خَلَّة: بالخاء المعجمة مفتوحة، وتشديد اللام، وفسَّره بأنه ما بين البلدتين،
قال غيره: هو الطريق في الرمل، ويجمع: خلِّ.
قلتُ: وقد روى الترمذي من حديث أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -
قال: حدثنا رسول الله وَ﴿ قال: ((الدَّجَّال يخرجُ من أرضٍ بالمشرق يُقال لها:
خراسان يتبعُه أفواجٌ(٢) كأن وجوهَهم المِجَانُّ المُطْرَقة))(٣). قال: وفي الباب عن
من أين يخرج
الدجال؟!
(١) رواه أبو داود (٤٣٢٠).
(٢) في (ز): أقوام.
(٣) رواه الترمذي (٢٢٣٧).

٢٧٩
(٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (١٤) باب: في صفة الدجال
فَعَاثَ يميناً وعاثَ شمالاً يا عبادَ الله! فاثْبُتُوا )). قلنا: يا رسولَ الله!
وما لُبْتُهُ في الأرضِ ؟ قال : ((أربعونَ يوماً ، يومٌ كسَنَةٍ ، ويومٌ كشهرٍ ،
ويومٌ كجُمُعَةٍ، وسائرُ أيَّامِهِ كأيَّامِكُم)). قلنا: يا رسول الله! فذلكَ
أبي هريرة، وعائشة - رضي الله عنهما -. وهذا حديث حسن غريب، ووجه الجمع
بين هذا وبين الذي قبله: أن مبتدأً خروج الدَّجَّال من خراسان، ثم يخرجُ إلى الحجاز
فيما بين العراق والشام، والله تعالى أعلم.
و (قوله: ((عاث يميناً وعاث شمالاً))) رويناه بالعين المهملة والثاء المثلثة
مفتوحة غير منوَّة على أنه فعل ماضٍ، ويكسرها وتنوينها على أنه اسم فاعل. وهو
بمعنى الفساد. يُقال: عثا في الأرض يعثو: أفسدَ، وكذلك عَئي - بالكسر -
يعثي. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَعْتَوْاْ فِى الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [البقرة: ٦٠].
و (قوله: ((يا عبادَ الله اثبتوا))) هذا من قول النبيِّ: ﴿ يأمر من لقيَ الدَّجَّالَ أن من لقي
يثبتَ ويصبرَ؛ فإن لُّبْثَه في الأرض قليلٌ على ما يأتي، وأما مَن سمع به ولم يلقَه،
فليُبعذْ عنه، وليَفرَّ بنفسه، كما خرَّجه أبو داود من حديث عمران بن حُصَيْن
- رضي الله عنه - قال: قال رسول الله :﴿ر: ((مَنْ سمعَ بالدَّجَّال فليناً عنه، فوالله إنَّ
الرّجلَ لیأتیه، وهو یحسبُ أنه مؤمنٌ فیتبعُه مما یبعث به من الشبهات، أو لما يبعث
به من الشبهات)»(١).
الدجال فلیثبت
وليصبر
و (قوله: يا رسول الله! وما لُبْتُهُ في الأرض؟ قال: ((أربعون يوماً، يومٌ مدّة لبث
كسنةٍ، ويومٌ كشهرٍ، ويوم كجمعةٍ، وسائرُ أيَّامه كأيَّامِكم))) ظاهر هذا: أن الله تعالى الدجال
يخرقُ العادةَ في تلك الأيّام، فيُبطىء بالشمس عن حركتها المعتادة في أول يومٍ من
تلك الأيام، حتى يكونَ أوَّلُ يوم كمقدار سنةٍ معتادة، ويُبطىء بالشمس حتى يكونَ
كمقدار شهرٍ، والثالث حتى يكونَ كمقدار جمعة، وهذا ممكنٌ، لا سيما وذلك
(١) رواه أبو داود (٤٣١٩).

٢٨٠
(٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (١٤) باب: في صفة الدجال
اليومُ الذي كسنةٍ أتكفينا فيه صَلاةُ يوم؟ قال: ((لا، اقْدُرُوا له قَدْرَهُ)). قلنا:
يا رسول الله! وما إسْرَاعُهُ في الأرضِ؟ قال: ((كالغيثِ اسْتَدْبَرَتْهُ الرِّيحُ،
الزمان تنخرق فيه العوائدُ كثيراً، لا سيَّما على يدي الدَّجَّال. وقد تأوَّله أبو الحسین
ابن المُنادي على ما حكاه أبو الفرج الجوزي فقال: المعنى: يهجمُ عليكم غمٌّ عظيم
لشدة البلاء، وأيام البلاء طِوالٌ، ثم يتناقصُ ذلك الغمُّ في اليوم الثاني، ثم يتناقص
في الثالث، ثم يُعتاد البلاء، كما يقول الرجل: اليوم عندي سنة، كما قال:
وَلَيْلُ المُحِبُّ بِلَ آخِر
قال أبو الفرج: وهذا التأويل يردُّه قولهم: أتكفينا فيه صلاة يوم وليلةٍ؟ قال:
((لا، اقدروا له قَدْرَه)) والمعنى: قدِّروا الأوقات للصلاة، غير أن أبا الحسين بن
المنادي قد طعن في صحة هذه اللفظات. أعني قولهم: أتكفينا فيه صلاة يوم؟
قال: ((لا ، اقدروا له قَدْرَه)) فقال هذا عندنا من الدسائس التي كادنا بها ذوو الخلاف
علينا قديماً، ولو كان ذلك صحيحاً لاشتهر على ألسنة الرواة، كحديث الدَّجَّال؛
فإنه قد رواه ابن عباس، وابن عمر، وجابر بن عبد الله، وحُذيفة، وعُبادة بن
الصامت، وأُبيّ بن كعب، وسمرة بن جندب، وأبو هريرة، وأبو الدرداء،
وأبو مسعود البدريّ، وأنس بن مالك، وعمران بن حُصَيْن، ومعاذ بن جبل،
ومُجَمِّع بن جارية - رضي الله عنهم - في آخرين، ولو كان ذلك لقوي اشتهاره،
ولكان أعظمَ وأقطعَ من طلوع الشمس من مغربها.
قلتُ: هذه الألفاظ التي أنكرها هذا الرجل صحيحةٌ في حديث النَّوَّاس
خرَّجها الترمذي من حديث النوَّاس، وذكرَ الحديث بطوله نحواً ممَّا خرَّجه مسلم،
وقال في الحديث: حديث حسن صحيح غريب. لا نعرفه إلا من حديث
انفراد الثقة
: عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وقد خرَّجه أبو داود، وأيضاً من حديث
بالحديث لا عبد الرحمن بن يزيد المذكور، وذكرَ طرفاً من الحديث ولم يذكره بطوله، فصحَّ
يخرم الثقة به الحديث عند هؤلاء الأئمة، وانفراد الثقة بالحديث لا يخرمُ الثقة به؛ لأنه قد يسمعُ