Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٤١
(٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (١١) باب: أمور تكون بين يدي الساعة
العرب، وآخرُ ذلك نارٌ تخرج من اليمن، تطرد النَّاس إلى محشرهم)).
وفي روايةٍ: تقديم الخسوفات على الدخان وما بعده.
رواه أحمد (٦/٤ - ٧)، ومسلم (٢٩٠١) (٣٩ و٤٠).
[٢٨٠٦] وعن عبد الله، قال: حفظت من رسول الله وَلقر حديثاً لم
أنسه بعد. سمعت رسول الله وَ ل﴿ يقول: ((إنَّ أولَ الآياتِ خُروجاً: طلوعُ
الشَّمسِ من مَغْرِبِها، وخُرُوجُ الذَّابة على الناس ضُحىّ؛ وأيُّهما ما كانتْ قبل
صاحبتها، فالأخرى على إثرها قریباً)).
رواه أحمد (٢٠١/٢)، ومسلم (٢٩٤١)، وأبو داود (٤٣١٠).
#
(١١) باب:
أمور تكون بين يدي الساعة
[٢٨٠٧] عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ الله وَّهِ قالَ: ((لا تقوم السَّاعة
حتى تخرج نارٌ من أرض الحجاز تضيء أعناق الإبل ببُصرى)).
رواه البخاريُّ (٧١١٨)، ومسلم (٢٩٠٢).
دأب العقلاء، فالأولى ما قاله أهلُ التفسير. وأما كيفية صفتها وخلقتها، وبماذا
تُكلِّمهم، فالله أعلم بذلك.
و (قوله: ((آخرُ ذلك نارٌ تخرجُ من اليمن))) وقال فيما تقدَّم: ((من قعرِ عدن)). خروج النار
وقال في رواية: من أرض الحجاز. قال القاضي: فلعلهما ناران تجتمعان لحشر التي تحشر
الناس
الناس، أو يكون ابتداء خروجها من اليمن، وظهورها من الحجاز.
[(١١): باب: أمور تكون بين يدي الساعة](١)
و (قوله: ((تضيءُ أعناقَ الإبل ببصرى))) أي: تكشف بضوئها أعناقَ الإبل
(١) هذا العنوان لم يذكره المؤلف - رحمه الله - في المفهم، واستدركناه من التلخيص.
٢٤٢
(٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (١١) باب: أمور تكون بين يدي الساعة
ببصرى، وهي بالشام، فيعني - والله تعالى أعلم - أن هذه النَّار الخارجة من قعر
عدن تمرُّ بأرض الحجاز مقبلةً إلى الشام، فإذا قاربت الشام أضاءت ما بينها وبين
بصرى حتى تُرى بسبب ضوئها أعناقُ الإبل، ويُقال: ضاوت النَّار وأضاءت لغتان.
ويُصرى - بضم الباء - هي مدينة من مدن الشام. قيل: هي حَوْران. وقيل:
قيسارية(١).
أول الآيات
القيامة
و (قوله: ((إنَّ أوَّل الآيات خروجاً طلوعُ الشمس من مغربها، وخروجُ الدَّابَّة
خروجاً يوم على الناس ضحّى))) يعني - والله أعلم - أوَّل الآيات الكائنة في زمان ارتفاع التوبة
والطبع على كلِّ قلبٍ بما فيه؛ لأن ما قبلَ طلوع الشمس من مغربها التوبة فيه
مقبولة، وإيمانُ الكافر يصحُّ فيه، بدليل ما رواه أبو داود من حديث أبي هريرة
قال: قال رسول الله وَله: ((لا تقومُ الساعةُ حتى تطلعَ الشمسُ من مغربها، فإذا
طلعت ورآها الناس آمن من عليها، فذلك حين لا ينفعُ نفساً إيمانُها لم تكن آمنت
من قبلُ أو كسبت في إيمانها خيراً)(٢). ومعنى قوله: ((إذا طلعت ورآها الناس أمنَ
مَنْ عليها)) أي: حصلَ لجميع من على الأرض التصديق الضروري بأمور القيامة
الذي لا يُكلَّف به ولا ينفع صاحبُه، لكون أمور الآخرة معاينةً، وإنما كانَ طلوعُ
الشمس مَخصوصاً بذلك؛ لأنه أوَّلُ تغيير هذا العالم العلويّ الذي لم يُشاهد فيه
تغيير منذ خلقَه الله تعالى، وإلى ذلك الوقت، وأما ما قبلَه من الآيات فقد شُوهد ما
يقرب من نوعه، فإذا كان ذلك وطُبعَ على كلٌّ قلبٍ بما فيهِ من كفرٍ أو إيمانٍ أخرجَ
الله الدَّابَّة مُعَرِّفةً لما في بواطن الناس من إيمان أو كفرٍ فتكلِّمَهم بذلك. أي: تُعرِّف
المؤمنَ من الكافر بالكلام، وتسمُ وجوه الفريقين بالنفح، فينتقش وصفه في جبهته
مؤمنٌ أو كافر، حتى يتعارفَ الناس بذلك، فيقولُ المؤمنُ للكافر: بكم سلعتُك
(١) بصرى: مدينة أثرية في سهل حوران جنوب دمشق. أما قيساريّة: فهي مدينة على
ساحل البحر الأبيض المتوسط، إلى الجنوب من مدينة حيفا بفلسطين.
(٢) رواه أبو داود (٤٣١٢).
٢٤٣
(٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (١١) باب: أمور تكون بين يدي الساعة
[٢٨٠٨] وعنه؛ قال: قال رسول الله وَليقول: ((تبلغ المساكن إهاب
- أو: يهاب ـ)، قال زهير: قلت لسهيل: وكم ذلك من المدينة؟ قال: كذا
وكذا ميلاً.
رواه مسلم (٢٩٠٣).
يا كافر؟ ويقول الكافر: بكذا يا مؤمن، ثم يبقى النَّاسُ على ذلك ما شاءَ الله، ثم
يُرسل الله ريحاً باردة من قبل الشام، فلا يبقى أحدٌ على وجه الأرض في قلبه مثقال
ذرَّةٍ من إيمان إلا قبضته على ما جاء في حديث عبد الله بن عمرو الآتي بعد هذا
وغيره. وقد تقدَّم في كتاب الإيمان حديث أبي هريرة الذي قال فيه: ثلاثٌ إذا
خرجنَ لا ينفعُ نفساً إيمانُها لم تكن آمنت من قبل، أو كسبت في إيمانها خيراً:
طلوع الشمس من مغربها، ودابة الأرض، وذكر من جملة الثلاث: الدجّال(١). ويلزم
عليه أن يرتفعَ التكليف بالإيمان وبالتوبة عند خروجه. والأحاديث الآتية في صفة
الدَّجَّال تدلُّ على خلاف ذلك على ما سنبينه، فدلَّ على أن ذكرَ الدَّجَّال مع الطلوع
والدابة، وَهْمٌ من بعض الرواة، والله تعالى أعلم.
وقد اختلفت الآثار والأقوال في أوَّل الآيات المذكورة، وما ذكرتُه أشبهها
وأولاها - إن شاء الله تعالى -.
و (قوله: ((تبلغ المساكنُ إهاب أو يهاب))) فالأول بكسر الهمزة، والثاني
بالياء المكسورة عند أكثرهم، وعند ابن عيسى: أو نِهاب، بالنون المكسورة، وهو
موضع بينه وبين المدينة القدر الذي كَنَّى عنه سُهيلٍ وبكذا كذا ميلاً. وقد تقدَّم: أنَّ
من أهل اللِّسان من حملَ هذا على الأعداد المعطوفة التي أوَّلها أحدٌ وعشرون،
وآخرُها تسعة وتسعون، وهذا إخبار منه وَ ل# بأنَّ النَّاسَ يكثرون بالمدينة، ويتسعون
في مساكنها وبنيانها، حتى يصلَ بنيانُهم ومساكُتُهم إلى هذا الموضع، وقد كان
ذلك - والله تعالى أعلم - في مدة بني أميّة، ثم بعد ذلك تناقصَ أمرُها إلى أن
أقفرت جهاتها كما تقدَّم.
(١) رواه مسلم (١٥٨) (٢٤٩).
٢٤٤
(٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (١١) باب: أمور تكون بين يدي الساعة
[٢٨٠٩] وعنه؛ قال: قال رسول الله صلحه: ((لا تقوم الساعة حتى
تضطرب أَلَيَاتُ نساءِ دَوْسِ حول ذي الخَلَصَة))، وكانت صنماً تعبدها دوسُ
في الجاهلية بتبَالةَ.
رواه أحمد (٢٧١/٢)، والبخاريُّ (٧١١٦)، ومسلم (٢٩٠٦).
[٢٨١٠] وعنه؛ أنَّ رسولَ اللهِ نَ ◌ّهِ قالَ: ((لا تقوم السّاعةُ حتى يَمُرَّ
الرَّجل بقبر الرَّجلِ فيقولُ يا ليتني مكانه!)).
و (قوله: ((حتى تضطربَ أَلَيَات نساء دَوْسِ حولَ ذي الخَلَصَة)») المعروف في
ذي الخَلَصَة: الفتح في الخاء واللام، وهكذا قرأته ورويته في كتاب مسلم، وفي
السيرة لابن إسحاق. قال القاضي: يُقال: بفتح الخاء واللام وضمهما، ويسكون
اللام وجدتُه بخطّي عن أبي بحرٍ في الأُمّ. وتَبَالة، بفتح التاء والباء: موضع
باليمن، وليس بتبالة التي يُضرب بها المثل الذي يُقال فيه: هو أهون على الحجّاج
من تبالة. تلك بالطائف. قال ابنُ إسحاق: وذو الخَلَصَة: بيت فيه صنمٌ يُسمَّى:
ذا الخَلَصة لدوس، وخَثْعَم، وبجيلةَ، وكان يُسمَّى: الكعبة اليمانيّة، بعث إليه
رسولُ الله ◌َ# جرير بن عبد الله فحرَّقه بالنار.
قلتُ: ومعنى هذا الحديث أن دَوْساً يظهرُ فيها الارتدادُ عن دين الإسلام،
ويرجعون إلى ما كانوا عليه من عبادة الأوثان، كما قال في حديث عائشة
- رضي الله عنها -: ((لا يذهبُ اللَّيلُ والنهار حتى تُعْبَدَ اللَّتُ والعُزَّى))(١)، وسيأتي
في التفسير. وتضطربُ: تتحرَّك عند الطواف بذلك الصنم. والأَلَيَات: جمع أَلْيَة.
و (قوله: ((لا تقومُ الساعة حتى يمرَّ الرجل بقبر الرجل فيقول: يا ليتني
مكانَه))، وفي الأخرى: ((فيتمرَّغ عليه ويقول: يا ليتني كنتُ مكانَ صاحب هذا
(١) رواه مسلم (٢٩٠٧).
٢٤٥
(٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (١١) باب: أمور تكون بين يدي الساعة
وفي روايةٍ، قال: ((والذي نفسي بيده! لا تذهب الدُّنيا حتى يمرَّ
الرَّجل على القبر فيتمرغُ عليه، ويقول: يا ليتني كنت مكان صاحب هذا
القبر! وليس به الدِّين إلا البلاءُ».
رواه أحمد (٢٣٦/٢)، والبخاريُّ (٧١١٥)، ومسلم (١٥٧) الفتن
(٥٣ و٥٤)، وابن ماجه (٤٠٣٧).
[٢٨١١] وعنه؛ عن النبي ◌َّه قال: ((يُخَرِّبُ الكعبةَ ذو السُّوَيْقَتَين من
الحبشة)).
رواه أحمد (٣١٠/٢)، والبخاريُّ (١٥٩١)، ومسلم (٢٩٠٩) (٥٧
و ٥٨)، والنسائي (٢١٦/٥).
القبر))) يعني: من شدة المحن وكثرة الفتن، والأنكاد اللَّحقة للإنسان في نفسه وماله
وولده، ولذلك قال: ((ليس به الدِّين إلا البلاءُ))، وكأنَّ هذا إشارةٌ إلى أن كثرة الفتن
والمشقات والأنكاد قد أذهبتِ الدِّين من أكثر النَّاس، أو قلَّت الاعتناء به ثمن الذي
يتمسَّك بالدِّين عند هجوم الفتن، ولذلك عظمَ قدر العبادة في حالة الفتن حتى قد
قال ◌َله: ((العبادةُ في الهَرْج كهجرةٍ إليّ))(١).
و (قوله: ((يُخرِّبُ الكعبةَ ذو السُّويقتيْن من الحبشة)»، وزادَ أبو داود في هذا ذو السويقتين
الحديث: ((ويُخرِجُ كنزَها))(٢)) السُّويقتان: تصغير الساقين، وإحداهما سويقة، يخرِّب الكعبة
وصفَّرهما لدقَّتهما ورقَّتهما، وهي صفة سوق الحبشة غالباً، وقد وصفَه النبيُّ ◌ِلـ
في حديث آخر بقوله: ((كأنِّي به أسودَ أَفْحَجَ، يقلعُها حجراً حجراً)(٣). والفحج:
(١) رواه أحمد (٢٧/٥)، ومسلم (٢٩٤٨)، والترمذي (٢٢٠١)، وابن ماجه (٣٩٨٥).
(٢) رواه أبو داود (٤٣٠٩).
(٣) رواه البخاري (١٥٩٥).
٢٤٦
(٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (١١) باب: أمور تكون بين يدي الساعة
[٢٨١٢] وعنه؛ أنَّ رسولَ الله وص له قالَ: ((لا تقوم السَّاعة حتى يخرج
رجلٌ من قحطانَ يسوق الناس بعصاه)) .
رواه أحمد (٤١٧/٢)، والبخاريُّ (٧١١٧)، ومسلم (٢٩١٠).
[٢٨١٣] وعنه؛ عن النَّبِيَِّ قال: ((لا تذهب الأيام والليالي حتى
يَمْلِك رَجُلٌ يقال له: الجَهْجاهُ)».
رواه مسلم (٢٩١١).
تباعد ما بين الساقين، ولا يُعارض هذا قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا ءَامِنًا
وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٩]؛ لأن تخريب الكعبة على يدي هذا
الحبشيِّ إنما يكون عند خراب الدنيا، ولعلَّ ذلك في الوقت الذي لا يبقى إلا شرار
الخلق، فيكون حَرَماً آمناً مع بقاء الدِّين وأهله، فإذا ذهبوا ارتفعَ ذلك المعنى.
قلتُ: وتحقيق الجواب عن ذلك أنه لا يلزم من قوله تعالى: ﴿أَنَّا جَعَلْنَا
حَرَمًا ءَامِنًا﴾ أن يكونَ ذلك دائماً في كلِّ الأوقات؛ بل: إذا حصلت له حرمةٌ وأمنٌ
في وقت ما، فقد صدقَ اللفظ وصحَّ المعنى، ولا يُعارضه ارتفاع ذلك المعنى في
وقت آخر، فإن قيل: فقد قال النبيُّ ◌َله: ((إن الله أحلَّ لي مكَّة ساعةً من نهارٍ، ثم
عادتْ حُرْمَتُها إلى يوم القيامة))(١). قلنا: أما الحكم بالحرمة والأمن فلم يرتفع،
ولا يرتفع إلى يوم القيامة إذ لم يُنْسَخ ذلك بالإجماع، وأما وقوعُ الخوف فيها
وتركُ حرمتها فقد وُجد ذلك كثيراً، ويكفيك بعوثُ يزيد بن معاوية، وجيوشُ
عبدالملك، وقتال الحجّاج لعبدالله بن الزبير وغير ذلك مما جرى لها، وما فُعل فيها
من إحراق الكعبة ورميها بحجارة المنجنيق.
و (قوله: ((يخرجُ رجلٌ من قحطانَ يسوقُ النَّاس بعصاه))) أي: يملكُهم
خروج رجل
من قحطان
(١) رواه مسلم (١٣٥٥).
٢٤٧
(٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (١١) باب: أمور تكون بين يدي الساعة
[٢٨١٤] وعنه؛ قال: قال رسول الله وَله: ((تقاتلون بين يدي السَّاعة
قوماً نعالُهم الشَّعْرُ، كأنَّ وجوهَهُم المجَانُّ المُطْرقة، حُمْرُ الوُجُوهِ، صِغَارُ
الأعین».
وفي رواية: ((لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوماً نعالُهم الشَّعَرُ، ولا
تقوم السَّاعة حتى تقاتلوا قوماً صِغَارَ الأَعْيُنِ ذُلْفَ الآنف».
ويتصرَّف فيهم كما يتصرَّف الراعي في الماشية، ولعلَّ هذا الرجلَ القحطانيَّ، هو
الذي يُقال له الجهجاه، وأصلُ الجهجهة: الصِّياح بالسَّبُع ليكفَّ، يُقال: جَهْجَهْتُ
بالسَّبُع؛ أي: زجرتُه بالصِّياح، ويُقال: تَجَهْجَهْ عني، أي: انتهِ.
و (قوله: ((يُقاتلون بين يدي الساعة قوماً نعالُهم الشعرُ كأنَّ وجوهَهم المَجَانُّ
المُطْرقة))) المَجان بفتح الميم: جمع مِجنّ - بكسر الميم - وهو الترس. والمُطْرقة:
التي أُلبست العقبَ طاقةً فوقَ أخرى، ومنه طارقتُ النَّعْلَ إذا أطبقتُ طاقة فوق
أخرى، ووجهُ التشبيه: أن وجوهَهم غالباً عراض الأعالي محدَّدة الأذقان صُلْبة.
و (قوله: ((نعالُهم الشَّعَر))، وفي رواية: ((ينتعلون الشَّعَر))) أي: يصنعون من
الشعر حبالاً، ويصنعون منه نعالاً، كما يصنعون منه ثياباً. ويشهدُ لهذا قوله في
رواية أخرى: ((يلبسون الشَّعَر، ويمشون في الشعر)). هذا ظاهرُه، ويحتمل أن يُريد
بذلك أن شعورَهم كثيفةٌ طويلةٌ، فهي إذا سدلوها كاللُّباس، وذوائبها لوصولها إلى
أرجلهم كالفعال.
و (قوله: ((ذُلْفُ الأُنُوف))) ويروى: الآنف، فالأول جمع الكثرة كَفَلْس
وفلوس، والثاني جمع قِلَّ كأفلُس، ويجمع أيضاً آنافاً، وأنفُ كلِّ شيءٍ أوَّلُه،
والذَّلَفُ في الإنسان بالذال المعجمة: صغر الأنف واستواء الأرنبة وقصرُها. وقيل:
تطامن الأرنبة، والأول أعرف وأشهر، تقول: رجل أَذلفُ بَيِّنُ الذَّلَفِ، وقد ذَلَفَ.
والمرأة ذَلْفاء من نساء ذُلْف، ولا شكّ في أن هذه الأوصاف هي أوصاف التُّرك
٢٤٨
(٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (١١) باب: أمور تكون بين يدي الساعة
وفي أخرى: ((حتى يُقَاتِلَ المسلمون التُركَ قَوْماً وُجُوهُهُم كالمَجَانِّ
المُطْرَقَةِ، يلْبَسُونَ الشَّعَرِ ويَمْشُونَ في الشَّعَرِ)).
رواه أحمد (٢٧١/٢)، ومسلم (٢٩١٢) (٦٤ و٦٦)، وأبو داود
(٤٣٠٣)، والنسائي (٤٤/٦).
[٢٨١٥] وعنه؛ أنَّ النبيَّ ◌َله قال: ((سَمِعْتُمْ بمدينة جَانبٌ منها في
البَرِّ وجانبٌ منها في البحر)). قالوا: نعم يا رسول الله! قال: ((لا تقوم
السَّاعة حتى يغزوها سبعون ألفاً من بني إسحاقَ فإذا جاؤوها نزلوا فلم
غالباً، وقد سمَّاهم النبيُّ ◌َ﴿ في الرواية الأخرى، فقال: ((يُقاتِلُ المسلمون التُّرْكَ))،
وهذا الخبر قد وقع على نحو ما أخبرَ، فقد قاتلَهم المسلمون في عراق العجم مع
سلطان خوارزم - رحمه الله -، وكانَ الله قد نصرَه عليهم، ثم رجعتْ لهم الكرَّةُ
فغلَبوا على عِراق العجم وغيره، وخرجَ منهم في هذا الوقت أمم لا يُحصيهم إلا
الله، ولا يردُّهم عن المسلمين إلا الله، حتى كأنَّهم يأجوج ومأجوج، أو مقدّمتهم،
فنسأل الله تعالى أن يُهلكَهم ويُبَدِّدَ جمعَهم. ولما علم النبيُّ نَ لّ عددَهم وكثرتَهم
وحِدَّة شوكتِهِم قال ◌َله: ((اتركوا التُّرْكَ ما تركوكم))(١). لكنا نرجو من فضل
الله تعالى النَّصْرَ عليهم والظفرَ بهم، وذلك لما رواه أبو داود من حديث عبد الله بن
بريدة عن أبيه، عن النبيِّ وَ﴿ قال: ((تُقاتلكم التُّركُ، قومٌ صِغارُ الأعين))، قال:
يعني: الترك. قال: ((تسوقونهم ثلاث مرار حتى تُلْحقونهم بجزيرة العرب))(٢) فأما
في السياقة الأولى فينجو من هربَ منهم، وأما في الثانية فينجو بعضٌ ويهلكُ
بعض، وأما في الثالثة فيُصطلمون(٣).
و (قوله: ((لا تقومُ الساعة حتى يغزوَها سبعون ألفاً من بني إسحاق))) هكذا
(١) رواه أبو داود (٤٣٠٢)، والنسائي (٤٣/٦ - ٤٤).
(٢) رواه أبو داود (٤٣٠٥).
(٣) فيُصطلمون: من الاصطلام وهو الاستئصال والإبادة.
٢٤٩
(٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (١١) باب: أمور تكون بين يدي الساعة
يقاتلوا بسلاحٍ ولم يَرْمُوا بسهمٍ، قالوا: لا إله إلا الله والله أكبر؛ فيسقط أحدُ
جانبيها)). ـ قال ثور: لا أعلمه إلا قال الذي في البحر - ((ثم يقولوا الثانية:
لا إله إلا الله والله أكبر، فيسقط جانبها الآخر، ثم يقولوا الثالثة: لا إله إلا
الله والله أكبر فيُفَرَّجُ لهم، فَيَدْخُلُوهَا، فَيَغْنَمُوا، فبينما هم يقتسمون المغانم
إذْ جاءَهُمْ الصَّريخ فقال: إن الدَّجَّال قد خَرَجَ فيتركون كلَّ شيءٍ،
ويَرْجِعُون)) .
رواه مسلم (٢٩٢٠).
صحَّت الرواية عند الجميع، وفي الأمهات. قال القاضي أبو الفضل: قال بعضُهم:
المعروف المحفوظ من بني إسماعيل، وهو الذي يدلُّ عليه الحديث وسياقه؛ لأنه
إنما يعني به: العرب والمسلمين، بدليل الحديث الذي سمَّاها فيه في الأم(١)،
وأنها: القسطنطينية، وإن لم يصفها بما وصفها به هنا.
قلتُ: وهذا فيه بُعْدِّ من جهة اتفاق الرواة والأمهات على بني إسحاق، فإذاً
المعروف خلاف ما قال هذا القائل، ويُمكن أن يقال: إن الذي وقع في الرواية
صحيح غير أنه أراد به العرب ونسبهم إلى عمِّهم، وأطلق عليهم ما يُطلق على ولد
الأب، كما يُقال ذلك في الخال، حتى قد قيل: الخالُ أحدُ الأبوين - والله تعالى
أعلم .. وأما قوله: إن هذه القرية هي القسطنطينية، فينبغي أن يُبحث عن صفتها؛
هل تُوافق ما وصفَه النبيُّ ◌َ ﴿ في هذه المدينة أم لا؟ وأما ما ذكره مسلم في الأم من
حديث القسطنطينية فهو ما تقدّم في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - الذي قال
في أوله: ((لا تقومُ الساعة حتى يَنزلَ الرومُ بالأعماق، أو بدابقَ)) قال فيه: ((فيُقاتلُهم
المسلمون فينهزمُ ثلثٌ، ويُقتل ثلث، ويفتح الثلث القسطنطينية، فبينما هم يقسمون
الغنائم، قد علّقوا سيوفَهم بالزيتون إذ صاحَ فيهم الشيطان: إن المسيحَ قد خلفكم
في أهليكم)»(١). وظاهر هذا يدلُّ على: أن القسطنطينية، إنما تُفتح بالقتال، وهذا تُفتح
القسطنطينية
بالقتال
(١) رواه مسلم (٢٨٩٧).
٢٥٠
(٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (١١) باب: أمور تكون بين يدي الساعة
[٢٨١٦] وعنه؛ أنَّ رسولَ الله وَ ◌ّهِ قالَ: ((لا تقوم السّاعة حتى يقاتل
المسلمون اليهودَ، فيقتلُهم المسلمون حتى يختبىء اليهوديُّ من وراء
الحجر والشَّجر، فيقولُ الحجر أو الشجر، يا مسلم! يا عبد الله! هذا
يهوديّ خلفي، فتعال فاقْتُلُه! إلا الغَرْقَد فإنَّه من شجر اليهود)).
رواه أحمد (٤١٧/٢)، ومسلم (٢٩٢٢).
الحديث يدلُّ على أنها تُفتح بالتهليل والتكبير، فقولُ بعضهم فيه بعد، والحاصل:
أن القسطنطينية لا بُدَّ من فتحها، وأن فتحها من أشراطِ الساعة على ما شهدت به
أخبار كثيرة، منها: ما ذكرناه آنفاً، ومنها: ما خرّجه الترمذي من حديث معاذ بن
جبل عن النبيِّ ◌َ ﴿﴿ قال: ((الملحمةُ العظمى، وفتحُ القسطنطينية، وخروج الدَّجَّال
في سبعة أشهر))(١). قال: هذا حديث حسن صحيح، وفيه عن أنس بن مالك: أنَّ
فتحَ القسطنطينية مع قيام الساعة(٢). هكذا رواه موقوفاً. قال محمد(٣): هذا
حديث غريب، والقسطنطينية: هي مدينة الروم تُفتح عند خروج الدَّجَّال،
والقسطنطينية قد فُتحت(٤) في زمان بعض أصحاب النبي وَّر.
قلتُ: وعلى هذا فالفتحُ الذي يكون مقارناً لخروج الدَّجَّال هو الفتح المراد
بهذه الأحاديث؛ لأنها اليوم بأيدي الروم - دمَّرهم الله تعالى - والله بتفاصيل هذه
الوقائع أعلم.
(١) رواه الترمذي (٢٢٣٨).
(٢) رواه الترمذي (٢٢٣٩).
(٣) المراد: محمد بن إسماعيل البخاري - رحمه الله -.
(٤) ما كان في زمن بعض الصحابة محاولةٌ لفتحها، أما الفتح الفعلي فكان في زمن
السلطان محمد الفاتح العثماني سنة ١٤٥٣ م.
٢٥١
(٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (١١) باب: أمور تكون بين يدي الساعة
[٢٨١٧] وعنه؛ عن النَّبيَِّ﴿ قال: ((لا تقوم السَّاعة حتى يُبْعَثَ
دَجَّلُون كذَّابون. قريبٌ من ثلاثين كلُّهم يزعم: أنَّه رسولُ الله)». وفي
روايةٍ: ((حتى يْبَعِثَ)).
رواه أحمد (٢٣٧/٢)، ومسلم (١٥٧) الفتن (٨٤)، وأبو داود
(٤٣٣٣ - ٤٣٣٥)، والترمذي (٢٢١٩).
و (قوله: ((لا تقوم الساعة حتى يقاتلَ المسلمون اليهودَ، فيقتلَهم
المسلمون))). الحديث هذا إنما يكون - والله أعلم - بعد قتل الدَّجَّال؛ فإن اليهود
هم أكثرُ أتباعه، وسيأتي منصوصاً عليه بعد هذا إن شاء الله تعالى.
و (قوله: ((لا تقوم الساعة حتى يُبعثَ دجالون كذابون قريباً من ثلاثين٤) وقد ظهور دجالين
تقدَّم القول في اشتقاق اسم الدَّجَّال؛ وأنه المموّه بالكذب. قال القاضي كثيرين
أبو الفضل: هذا الحديث قد ظهر، فلو عُدَّ من تنبّأ من زمن النبيُّ ◌َ ﴿ إلى الآن ممن
اشتهر بذلك وعُرف واتَّبعه جماعة على ضلاله لوجد هذا العدد فيهم، ومن طالع
في كتب الأخبار والتواريخ عرف صحة هذا، ولولا التطويل لسردنا منهم هذا
العدد.
٢٥٢
(٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (١٢) باب: الخليفة الكائن في آخر الزمان
(١٢) باب
الخليفة الكائن في آخر الزمان وفيمن يهلك أُمَّة النبي ◌َّه
وتقتل عماراً الفئة الباغية وإخماد الفتنة الباغية
ولتفنی کنوز کسری في سبيل الله
[٢٨١٨] عن أبي نضرةَ، قال: كُنَّا عند جابرِ بنِ عبد الله، فقال:
يوشك أهل العراق ألا يُجْبى إليهم قفيزٌ ولا دِرهَمٌ. قلنا: من أين ذاك؟
قال: من قِبَلِ العجم يَمْنَعُون ذاك. ثم قال: يوشك أهل الشَّام ألا يُجْبَى
إليهم دينارٌ ولا مُدْيٍّ. قلنا: من أين ذاك؟ قال: من قِبلِ الروم. ثم أَسْكَتَ
هُنَيَّةً، ثم قال: قال رسول الله وَطاهر: ((يكون في آخر أُمَّتي خَلِيفٌ يَحثي المالَ
حَثْياً ولا يَعُدُّهُ عَدداً)). قيل لأبي نضرة وأبي العلاء: أَتَریان أنه عمر بن عبد
العزيز، فقالا: لا.
رواه أحمد (٣١٧/٣)، ومسلم (٢٩١٣).
(١٢) ومن باب: الخليفة الكائن في آخر الزمان
خروج الخليفة
(قوله: (يكون في آخر أُمَّتي خليفةٌ يحثي المال حَثْياً، ولا يعدُّه عداً)) أي:
الصالح في يصبُّه صباً. يُقال: حتى يحثي حثياً، وحثا يحثو حثواً، وقد وقع الفعلان في الأم،
والمصدر حثياً بفتح الحاء، وإسكان الثاء، وضُبط عن أبي بحر حِثِياً: بكسر الثاء،
وتشديد الياء، وليس بمعروف، وإنما نفى أبو نضرة أن يكون هذا الخليفة هو
عمر بن عبد العزيز لقوله وَلفيه: ((في آخر أُمَّتي))، وذلك لا يصدق على زمن عمر بن
عبد العزيز إلا بالتوسُّع البعيد؛ ولأنه لم يَصُبَّ المال كما جاء في هذا الحديث،
وقد روى الترمذي وأبو داود أحاديث صحيحة في هذا الخليفة، وسمَّياه بالمهدي،
فروى الترمذي عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله وَخلفه:
((لا تذهبُ الدنيا حتى يملكَ العربَ رجلٌ من أهل بيتي يُواطىء اسمُه اسمي))، قال:
آخر الزمان
٢٥٣
(٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (١٢) باب: الخليفة الكائن في آخر الزمان
حديث حسن صحيح. وخرّجه أبو داود، وزاد فيه: «يملأُ الأرضَ قِسْطاً وعدلاً كما
مُلئت ظلماً وجَوْراً) (١). ومن حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -: ((لو لم يبقَ من
الدنيا إلا يومٌّ لطوَّل الله ذلك اليومَ حتى يليَ رجلٌ من أهل بيتي يُواطىء اسمه
اسمي))(٢). قال: حديث حسن صحيح. ومن حديث أبي سعيد قال: خشينا أن
يكون بعد نبيًّا حدث، فسألناه، فقال: ((إن في أمتي المهدي، يخرجُ، يعيشُ
خمساً، أو سبعاً، أو تسعاً - زيدٌ الشَّالُ)) قال: قلنا: وما ذاك؟ قال: ((سنين.
قال: فيجيء إليه الرجلُ فيقول: يا مَهدي أعطني؛ يا مَهدي أعطني، قال: فيحثي
له في ثوبه ما استطاع أن یحمله»(٣). قال: هذا حديث حسن. وروى أبو داود من
حديث أبي سعيد الخدريّ قال: قال رسول الله صلجر: ((المهديُّ في أمتي: أجلى
الجبهة، أقنى الأنف، يملأُ الأرضَ قِسْطاً وعدلاً، كما مُلئت جَوْراً وظُلماً، يملكُ
سبع سنين))(٤). وروى أيضاً أبو داود عن أم سلمة - رضي الله عنها - عن
رسول الله ﴿﴿ قال: ((يكونُ اختلافٌ عند موت خليفة، فيخرج رجلٌ من أهل المدينة
هارباً إلى مكة، فیأتیه ناس من أهل مكة فيخرجونه وهو كاره، فیُبايعونه بین الرُّكْن
والمقام، ويُبعث إليه بعثٌ من أهل الشام فيُخسف بهم بالبيداء بين مكة والمدينة،
فإذا رأى النَّاسُ ذلك أتاه أبدالُ أهل الشام، وعصائب أهل العراق فيُبايعونه، ثم
ينشأ رجلٌ من قريش أخوالُهُ كَلْبٌ، فيبعث إليهم بعئاً فيظهرون عليهم، وذلك بَعْثُ
كَلْبٍ، والخيبةُ لمن لم يشهدْ غنيمةٍ كَلْبٍ، فيقسمُ المالَ، ويعملُ في الناس بسُنّة
نبيِّهم، ويُلقي الإسلامُ بجرانه إلى الأرض فيلبثُ سبع سنين ثم يُتوفّى، ويُصلِّي عليه
(١) رواه أبو داود (٤٢٨٢)، والترمذي (٢٢٣٠).
(٢) رواه الترمذي (٢٢٣١).
(٣) رواه الترمذي (٢٢٣٢).
(٤) رواه أبو داود (٤٢٨٥).
٢٥٤
(٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (١٢) باب: الخليفة الكائن في آخر الزمان
[٢٨١٩] وعن أبي هريرة، عن النبي ﴿﴿ل قال: ((يُهْلِكُ أُمَّتي هذا
الحيُّ من قريشٍ)). قالوا: فما تأمرنا؟ قال: ((لو أنَّ النَّاس اعْتَزَلوهم)).
رواه أحمد (٣٠١/٢)، والبخاريُّ (٣٦٠٤)، ومسلم (٢٩١٧).
المسلمون))(١). وفي رواية: ((تسع سنين)). فهذه أخبار صحيحة ومشهورة عن
النبيِّ ﴿ تدلُّ على خروج هذا الخليفة الصالح في آخر الزمان، وهو يُنتظر إذ لم
يُسمع بمن كملت له جميع تلك الأوصاف التي تضمنتها تلك الأخبار، والله تعالى
أعلم.
على أيدي مَن
تهلك الأمة؟
و (قوله: ((يُهلك أمتي هذا الحيُّ من قريش))، وفي البخاري: ((هلاك أمتي
على يديْ أُغيلمةٍ من قريش))) الحي: القبيل، وأشار النبيُّ ◌َ له إلى قبيل قريش،
وهو يُريد بعضَهم، وهم الأُغيلمة المذكورون في حديث البخاري، كما أنه لم يرد
بالأمة جميعَ أُمَّته من أولها إلى آخرها؛ بل: ممن كان موجوداً من أُمَّته في ولاية
أولئك الأُغيلمة، وكان الهلاك الحاصل من هؤلاء لأمته في ذلك العصر إنما سببه:
أن هؤلاء الأُغيلمة لصغر أسنانهم لم يتحتَّكوا، ولا جرَّبوا الأمورَ، ولا لهم محافظةٌ
على أمور الدِّين، وإنما تصرُّفُهم على مقتضى غلبة الأهواء، وحِدَّة الشباب.
متى يجوز
و (قوله: ((لو أنَّ النَّاسَ اعتزلوهم)) لو: معناها التمني؛ أي: ليت الناس
الخروج على اعتزلوهم، فيه دليل على إقرار أئمة الجَوْر، وترك الخروج عليهم، والإعراض عن
هَنَات ومفاسدَ تصدرُ عنهم، وهذا ما أقاموا الصلاة، ولم يصدر منهم كفرٌ بُواح
الحاكم؟
عندنا من الله فيه برهان، كما قدَّمناه في كتاب الإمامة.
وهؤلاء الأُغيلمة كان أبو هريرة - رضي الله عنه - يعرف أسماءهم،
وأعيانَهم، ولذلك كان يقول: لو شئت قلت لكم: هم بنو فلان، وبنو فلان، لكنَّه
سكتَ عن يقينهم مخافةً ما يطرأُ من ذلك من المفاسد، وكأنَّهم - والله تعالى أعلم -
(١) رواه أبو داود (٤٢٨٦).
٢٥٥
(٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (١٢) باب: الخليفة الكائن في آخر الزمان
[٢٨٢٠] وعن أبي سعيدٍ، قال: أخبرني من هو خيرٌ مِنِّي
- أبو قتادة -: أنَّ رسولَ اللهِوَّهِ قالَ لعمار حين جَعَلَ يَحْفِرُ الخندق وجعل
يَمْسَح رَأْسَهُ ويقول: ((بُؤْسَ ابنِ سُمَيَّة! تَقْتُلُكَ فِئَةٌ باغِيةٌ)).
يزيد بن معاوية، وعبيد الله بن زياد، ومن تنزَّل منزلتَهم من أحداث ملوك بني أمية،
فقد صدرَ عنهم من قَتْلِ أهل بيت رسول الله وَّه وسبيهم، وقتل خيار المهاجرين
والأنصار بالمدينة، وبمكة وغيرها، وغيرُ خافٍ ما صدرَ عن الحجَّاج وسليمان بن
عبد الملك، وولده من سفك الدماء، وإتلاف الأموال، وإهلاك خيار الناس
بالحجاز، والعراق، وغير ذلك.
وأغيلمة: تصغير غِلْمَةٍ، على غير مُكَبَّرِهِ؛ فكأنهم قالوا: أغلمة ولم يقولوه،
كما قالوا: أُصَنِييَة بتصغير صبية. وبعضهم يقول: غليمة على القياس، وقد تقدَّم
القول في الغلام، وأنَّ أصلَه فيمن لم يحتلم، ثم قد يتوسع فيه، ويقال على
الحديث السن - وإن كان قد احتلم - وعلى هذا جاء في هذا الحديث.
و (قوله {ٍَّ﴿ لعمَّار بن ياسر - رضي الله عنه -: ((تقتلُكَ فئةٌ باغيةٌ))، وفي لفظ عمار بن ياسر
آخر: ((الفئة الباغية))) هذه شهادة من النبي وَلهر على فئة معاوية بالبغي، فإنَّهم هم تقتله الفئة
الذين قتلوه؛ فإنه كان بعسكر عليٍّ بصِفِّين، وأبلى في القتال بلاءً عظيماً، وحرَّض
الباغية
أصحابَ رسول اللهِ وَ ﴿ على قتال معاويةَ وأصحابه. قال أبو عبد الرحمن السُّلمي:
شهدنا مع عليٍّ صِفِّينَ، فرأيتُ عمَّارَ بن ياسر لا يأخذُ في ناحية من أودية صِفِّين إلا
رأيتُ أصحاب محمّد يتبعونه كأنه عَلَمٌ لهم، قال: وسمعتُهُ يقول يومئذٍ لهاشم بن
عتبة: يا هاشم! تقدم، الجَنَّةُ تحت الأبارقة(١)، اليوم ألقى الأحبّة، محمَّداً وحزبه،
والله لو هزمونا حتى يبلغوا بنا شغفات هَجَر لعلمنا أنا على الحقِّ، وأنهم على
الباطل، ثم قال:
(١) الأبارقة: السيوف.
٢٥٦
(٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (١٢) باب: الخليفة الكائن في آخر الزمان
نحن ضربناكُم على تنزيله
فاليومَ نضربُكم على تأويله
ضرباً يُزيلُ الهام عن مقيلِه
ويُذهل الخليلَ عن خليلِه
أو يُرجعُ الحقُّ إلى سبيلِه
قال: فلم أر أصحاب محمد قُتلوا في موطن ما قُتلوا يومئذ، وقال
عبد الرحمن بن أبزى: شهدنا صفين مع عليٍّ - رضي الله عنه - في ثمانمئة ممن بايع
بيعة الرضوان، قُتل منهم ثلاثة وستون، منهم عمّار بن ياسر. وروى الشعبيُّ عن
الأحنف بن قيس في خبر صِفِين قال: ثم حملَ عمَّار بن ياسر فحملَ عليه ابن جزء
السكسكي، وأبو الغادية الفَزاري، فأما أبو الغادية فطعنه، وأما ابن جزء فاحتزّ
رأسَه، وكان ستُّه وقت قُتل نيّماً على تسعين سنة، وكانت صِفِّين في ربيع الآخر سنة
تسع وثلاثين، ودفنه عليٌّ - رضي الله عنه - في ثيابه، ولم يُغَسِّلْه كما فُعل بشهداء
أُحد، ولما ثبت أنَّ أصحابَ معاوية قتلوا عمّاراً صدق عليهم خبرُ رسول الله وَّل
عنهم أنهم البغاة. وأنَّ علياً - رضي الله عنه - هو الحقُّ، ووجه ذلك واضح، وهو
أن عليّاً - رضي الله عنه - أحقُّ بالإمامة من كلِّ من كان على وجه الأرض في ذلك
الوقت من غير نزاع من معاوية، ولا من غيره. وقد انعقدت بيعته بأهل الحَلِّ
والعقد من أصحاب رسول الله وَ له وأهل دار الهجرة، فوجبَ على أهل الشام
والحجاز والعراق وغيرهم مبايعته، وحرمت عليهم مخالفته فامتنعوا عن بيعته،
وعملوا على مخالفته، وكانوا له ظالمين، وعن سبيل الحق ناكبين، فاستحقُوا اسمَ
البغي الذي شهدَ به عليهم النبيُّ ◌َّهِ ولا يُنجيهم من هذا تأويلاتُهم الفاسدة؛ فإنَّها
تحريفات عن سُنن الحق حائدة. نقل الأخباريون: أن معاوية تأوَّل الخبر تأويلين:
أحدُهما: أنه قال بموجب الخبر فقال: نحن الباغية لدم عثمان - رضي الله
عنه - أي: الطالبة له.
٢٥٧
(٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (١٢) باب: الخليفة الكائن في آخر الزمان
وثانيهما: أنه قال: إنما قتلَه من أخرجَه للقتل، وعرَّضه له، وهذان التأويلان
فاسدان.
أما بيان فساد الأول: فالبغي - وإن كان أصلُه الطلب - فقد غلبَ عرف
استعماله في اللُّغة والشرع على التعدِّي والفساد، ولذلك قال اللغويون؛ أبو عبيد
وغيره، البغي: التَّعَدي. وبغى الرجلُ على الرجل: استطالَ عليه. وبغت السماء:
اشتدَّ مطرُها. وبغى الجرُح: ورم وترامى إلى فساد، وبغى الوالي: ظلم. وكلُّ
مجاوزة، وإفراط على المقدار الذي هو حدُّ الشيء: بغيٌّ. ويرىء جرحه على
بغي: وهو أن يبرأ وفيه شيءٌ من نَغَلٍ، وعلى هذا فقد صار الحال في البغي كالحال
في الصلاة، والدَّابة، وغير ذلك من الأسماء العرفية التي إذا سمعها السامعُ سبق
لفهمه المعنى العرفي المستعمل، لا الأصلي الذي قد صار كالمطّرح، كما بيَّناه في
الأصول، وإلى حمل اللفظ على ما قلناه صار عبد الله بن عمرو بن العاص، وغيره
يوم قُتل عمَّار، وأكثرُ أهل العصر، ورأوا: أن ذلك التأويل تحريف. سلَّمنا نفي
العرف، وأن لفظ الباغية صالح للطلب وللتعدّي، لكن النبيَّ ◌َ ﴿ ذكرَ الفئة الباغية
في هذا الحديث في مَعرض إظهار فضيلة عمَّار وذمٍّ قاتليه، ولو كان المقصود
البغي الذي هو مجرد الطلب لما أفاد شيئاً من ذلك، وقد أفادَهما بدليل مساق
الحديث فتأمَّلْه بجميع طرقه تجده كذلك، وأيضاً فلو كان ذلك هو المقصود لكان
تخصيص قتلة عمّار بالبغي الذي هو الطلب ضائعاً، لا فائدة له؛ إذ عليٍّ وأصحابه
طالبون للحقِّ ولقتلة عثمان، لو تفرغوا لذلك، وتمكَّنوا منه، وإنما منعَهم من
ذلك معاوية وأصحابُه بما أبدوا من الخلاف، ومن الاستعجال مع قول عليٍّ لهم:
ادخلوا فيما دخلَ فيه الناس، ونطلبُ قتلةً عثمان، ونقِيمُ عليهم كتابَ الله. فلم
يلتفتوا لهذا، ولا عرَّجوا عليه، ولكن سبقت الأقدار، وعظمت المصيبة بقتیل الدار.
وأما فساد التأويل الثاني فواضح؛ لأنه عدل عمن وُجد القتل منه إلى من
٢٥٨
(٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (١٢) باب: الخليفة الكائن في آخر الزمان
وفي روايةٍ: ((وَيْسَ ابنِ سمية! أو: يا وَيْسَ)).
رواه مسلم (٢٩١٥) (٧٠ و٧١).
[٢٨٢١] ونحوه؛ عن أم سلمة.
رواه أحمد (٢٨٩/٦)، ومسلم (٢٩١٦) (٧٢ و٧٣).
لا تصح نسبته إليه، إذ لم يُجبز عمَّار على الخروج؛ بل: هو خرجَ بنفسه وماله
مجاهداً في سبيل الله، قاصداً لقتال من بغى على الإمام الحقِّ، وقد نقلنا ما صدرَ
عنه في ذلك، وحاش معاوية عن مثل هذا التأويل، والعهدة على الناقل، بل قد
حكي عن معاوية أنه قال عندما جاءه قاتل عمَّار برأسه: سمعتُ رسول الله وَه
يقول: ((بَشِّروا قائلَ ابن سُميَّة بالنَّار))(١). فلما سمعَ القائلُ ذلك قال: بئست
البشارة، وبئست التحفة، وأنشد في ذلك شعراً، والله أعلم بحقيقة ما جرى من
ذلك، وقد تقدَّم قول النبي ◌َ ◌ّه في الخوارج: ((تقتلُهم أَوْلَى الطائفتين بالحقِّ))(٢)،
والقاتل لهم هو عليّ - رضي الله عنه - وأصحابه.
و (قوله: ((بُؤسَ ابنِ سُميّة))) هو منادی مضاف محذوف حرف النداء تقديره:
يا بؤسَ ابن سميّة، وهي أُ عمَّار، والبأس والبؤس والبأساء: المكروه والضرر،
وفي الرواية الأخرى: ((يا ويسَ ابن سميّة))، وفي البخاري: ((يا ويح ابن سُميَّة))(٣)،
وكلاهما بمعنى التفجُّع والترجُم. والويل: بمعنى الهلكة، هذا هو الصحيح، وقد
تقدَّم الخلاف فيهما.
(١) رواه أحمد (١٩٨/٤) بلفظ: ((إن قاتلَه وسالبَه في النَّار)).
(٢) رواه مسلم (١٠٦٤) (١٥٠).
(٣) رواه البخاري (٢٨١٢).
٢٥٩
(٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (١٢) باب: الخليفة الكائن في آخر الزمان
[٢٨٢٢] وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَله: ((لقد مات
كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هَلَكَ قَيْصَرُ فلا قَيْصَرَ بعده، والذي نَفْسي بيده
لتَنْفَقَن كُنُوزُهُما في سبيل الله!)).
رواه أحمد (٣١٣/٢)، والبخاريُّ (٣٠٢٧)، ومسلم (٢٩١٨)
(٧٥).
و (قوله: ((لقد مات كسرى فلا كسرى بعدَه، وإذا هلك قيصر فلا قيصر إخباره # عن
هلاك كسرى
و قیصر
بعده))) كذا جاء هذا الحديث في الأم، قد مات كسرى بلفظ الماضي المحقق بقد،
وقد وقع هذا اللفظ في كتاب الترمذي من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - وعنه وملكهما
سعيد بن المسيب، وعنه الزهري، وعنه سفيان، وبهذا السند رواه مسلم، غير أن
الترمذي قال: ((إذا هلكَ كسرى))(١)، ولم يقل: ((قد مات)) وبين اللفظين بون
عظيم، فلفظ مسلم يقتضي أن كسرى قد كان وقع موته، فأخبرَ عنه النبيُّ مَلآ ،
وعلى هذا يدلُّ حديث أبي بكرة الذي خرَّجه البخاري قال: لما بلغَ رسولُ اللهِ وَله
أنَّ أهلَ فارسَ قدملَّكوا عليهم بنت كسرى، قال: ((لن يُفْلحَ قومٌ ولَّوا أمرهم
امرأة))(٢) يعني: أنه لما مات كسرى ولَّوا عليهم ابنته، وعلى هذا فلا يصح أن
يُقال: مكان: ((قد مات)): ((إذا مات))، ولا ((إذا هلك))؛ لأن إذا للمستقبل، ومات
للماضي، وهما متناقضان، فلا يصح الجمع بينهما لاتحاد الراوي، واختلاف
المعنى، إلا على تأويل بعيد، وهو أن يقدَّر أن أبا هريرة سمعَ الحديث من
النبيِّ ◌َّ﴿ مرتين، فسمع أولاً إذا هلك كسرى، وبعدَه: قد هلك كسرى. فيكون
النبيُّ ◌َّ قال الحديث الأول قبل موت كسرى؛ لأنه علم أنه يموتُ ويهلك،
ويكون النبيُّ ◌َّ أيضاً قال الحديث الثاني بعد موته، ويحتمل أن يُفْرَّق بين الموت
(١) رواه الترمذي (٢٢١٦) عن أبي هريرة - رضي الله عنه -.
(٢) رواه البخاري (٧٠٩٩).
٢٦٠
(٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (١٢) باب: الخليفة الكائن في آخر الزمان
[٢٨٢٣] وعن جابر بن سمرة، قال: سمعت رسول الله ﴾ يقول:
(لَتَفْتَحَنَّ عِصَابةٌ من المُسلِمِينَ - أو من المؤمنين - كَثْزَ آلٍ كِسرى الّذي في
والهلاك، فيقال: إن موت کسری کان قد وقع في حياة النبيِّ پ# فأخبر عنه بذلك،
وأما هلاك ملكه، فلم يقع ذلك إلا بعد موت النبيِّ وَ ﴿ وموت أبي بكر، وإنما هلك
ملكه في خلافة عمر - رضي الله عنه - على يديْ سعد بن أبي وقّاص وغيره من
الأمراء الذين ولَّاهم عمرُ حربَ فارسَ، فهزموا جموعَه، وفتحوا بلاده، وانتقلوا
كنوزَه إلى المدينة، وذخائرَه، وحِلْيته، حتى تاجَه كما هو المعروف في كتب
التواريخ، وكان موت كسرى وتمزيق ملكه بسبب دعوة النبيِّ وَّ كما خرَّجه
البخاريُّ(١) من حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - أنَّ رسولَ اللهِوَ له بعث بكتابه
إلى كسرى مع عبد الله بن حذافة السهميٌّ، فأمرَه أن يدفعَه إلى عظيم البحرين،
فدفعَه عظيمُ البحرين إلى كسرى، فلما قرأَه مزَّقه، فحسبتُ أن ابن المسيب قال:
فدعا رسول الله وَ ﴿ أن يُمزَّقُوا كلَّ مُعَزَّق، فعجَّل الله تعالى موته، ومَزَّق بعد ذلك
ملكَه. وقد تقدَّم أن كلَّ ملك للفرس يُقال له كسرى، وكلَّ ملك للروم: يُقال له
قيصر. وكلَّ ملك للحبشة يُقال له: النجاشي. ويُقال كَسرى بفتح الكاف، وهو
قول الأصمعي، والكسر لغيره.
و (قوله: ((فلا كسرى بعده، ولا قيصرَ بعده»). قال القاضي: معناه عند أهل
العلم: لا يكون كسرى بالعراق، ولا قيصر بالشام، فأعلم بانقضاء ملكهما، وزواله
من هذين القطرين، فكان كما قال، وانقطع أمر كسرى بالكليّة، وتمزَّق ملكُه
واضمحلّ، وتخلَّى قيصرُ عن الشام، ورجعَ القهقرى إلى داخل بلاده، واحتوى
المسلمون على ملكهما، وكنوزهما، وأُنفقا في سبيل الله، كما أخبر عنه نبيُّنا
محمد الد .
و (قوله: ((لتَفْتَحَنَّ عِصابةٌ من المسلمين كنز آلِ كسرى))) العصابة: الجماعة
(١) رواه البخاري (٦٤).
استيلاء
المسلمين على
کنز ال کسری