Indexed OCR Text
Pages 101-120
١٠١ (٣٨) كتاب الرقاق - (٧) باب: يهجر من ظهرت معصيته فخررتُ ساجداً، وعرفتُ أن قد جاءَ فرجٌ. قال: فَآذنَ رسولُ الله ◌ِوَ ◌ِّ النَّاسَ بتوبةِ الله علينا حين صَلَّى صلاةَ الفجر، فذهبَ النَّاسُ يُبَشِّرُونَنا، فذهبَ قِبَلَ صاحبيَّ مُبَشِّرونَ، وركضَ رجلٌ إليَّ فَرَساً، وسَعَى ساعٍ من أسلمَ قِبَلِي، وأوفى الجبلَ فكانَ الصوتُ أسرعَ من الفَرَس، فلمّا جاءَني الذي سمعتُ صوتَه يُبَشِّرُني نزعتُ ثَوْبِيَّ، فكسوتُهما إيّاه ببشارته، والله ما أملكُ غيرَهما يومئذٍ، واستعرتُ ثوبين فلبستُهما وانطلقتُ أتأمَّمُ رسولَ الله ◌َّهِ، يَتَلَقَّاني النّاسُ فَوْجاً فَوْجاً، يُهَنِّئوني بالتوبةِ، ويقولون: لِتَهْنِئْكَ توبةُ الله عليكَ حتّى دخلتُ المسجد، فإذا رسولُ اللهِوَّ جالسٌ في المسجد وحولَه النّاسُ، فقامَ طلحةُ بن عُبيد الله يُهرولُ حتى صافَحني، وهنّأْني، والله ما قامَ رجلٌ والرحب - بضم الراء -: السعة. وأوفى: أطلَّ وأشرف. وسَلْع : - بفتح السين وسكون اللام -: جبل بالمدينة معروف. و (قوله: فخررت ساجداً) هذه سجدةُ الشكر، وظاهِرُ هذا أنَّها كانت معلومةً عندهم، معمولاً بها فيما بينهم، وقال بها الشافعي ومالك في أحد قولَيْه، ومشهورُ مذهبه الكراهة. وركضُ الفرس: إجراؤه الجري الشديد. وكِسْوَتُه للبشير ثوبيه مع كونه ليس له غيرهما، دليلٌ على جواز مثل ذلك إذا ارتجى حصولَ ما يستبشرٌ به، وهو دليلٌ على جواز إظهار الفرح بأمور الخير والدِّين، وجواز البَذْل والهِبات جواز إظهار عندها، وقد نحر عمرُ لما حفظ سورة البقرة جزوراً. الفرح بأمور الخير والدين و (قوله: فتلقَّاني الناسُ فوجاً فوجاً يُهنئوني بالتوبة) أي: زمرة زمرة، وجماعة بعد جماعة. وفيه دليلٌ على جواز التَّهنئة بأمور الخير، بل على نُدْبتيها إذا جواز التهنئة كانت دِينيّة؛ فإنَّه إظهارُ السرور بما يُسَرُّ به أخوه المسلم، وإظهار المحبة، وتصفية بأمور الخير القلب بالمودة. حكم القيام و (قوله: فقام طلحةٌ بن عبيد الله يهرولُ حتى صافحني وهنّأْني) دليلٌ لمن للداخل ١٠٢ (٣٨) كتاب الرقاق - (٧) باب: يهجر من ظهرت معصيته من المهاجرين غيرُه. قال: فكانَ كعبٌ لا ينساها لطلحةَ. قال كعبٌ: فلمّا سلَّمتُ على رسول اللهِّهِ قالَ وهو يَبْرُقُ وجهُه مِن السُّرور، ويقول: ((أبشر بخيرٍ يوم مرَّ عليكَ منذُ ولدتكَ أُمُّك)). قال: فقلت: أمنْ عندكَ يا رسولَ الله أَم مِن عندِ الله؟ فقالَ: ((لا، بل من عند الله)). وكان رسولُ الله ◌ِ ل﴿ إذا سُرَّ استنارَ وجهُه كأنَّ وجهَه قطعةٌ قمرٍ. قال: وكنّا نعرفُ ذلك. قال: فلمّا جلستُ بين يديْه، قلت: يا رسولَ الله! إنَّ من تَوْبتي أن أنخلعَ من مالي صدقةً إلى الله، وإلى رسولِهِ مَّهِ. فقال رسول الله وَله : ((أمسكْ بعضَ مالِكَ فهو خيرٌ لك)). قال: فقلت: فإني أمسكُ سَهْمِيَ الذي بخيبَر، قال: وقلت: يا رسولَ الله! إنَّ اللَّهَ إنما نجّاني بالصِّدْقِ، وإنَّ من قال بجواز القيام للدَّاخل والمصافحة. وقد بيَّنَا الخلافَ في ذلك في الجهاد. و (قوله: وكان كعب لا ينساها لطلحة) أي: تلك القومة، والبشاشة التي صدرت له منه. ومعناه: أن تلك الفعلةَ أگدت في قلبه محبته، وألزمته حُزمته حتى عدَّها من الأيدي الجسيمة، والمنن العظيمة. و (قوله: إنَّ من توبتي أن أنخلعَ من مالي صدقةً إلى الله وإلى رسوله) أي: إنَّ من علامات صدق توبتي، أو من شُكْر توبتي أن أتصدَّق بمالي، أي إن عليَّ ذلك، فهي صيغةُ نَذْر والتزام، خرج مخرجَ الشكر وابتغاء الثَّواب. أقرَّ عليه النبيُّ ◌َّهه فكان ذلك جائزاً، ولم يدخل في عموم النّذر المنهي عنه بقوله: ((لا تنذروا))(١) وقد بيَّنا ذلك فيما تقدَّم. وعلى مُقتضى هذا اللفظ فقد وجب عليه إخراجُ كلِّ ماله، لكن لما كان ذلك يُؤدي إلى أن يبقى فقيراً محتاجاً، وربما يُفضي (١) رواه أحمد (٤١٢/٢)، والبخاري (٦٦٩٤)، ومسلم (١٦٤٠) (٥ و ٦). ١٠٣ (٣٨) كتاب الرقاق - (٧) باب: يهجر من ظهرت معصيته توبتي أَلَّا أُحَدِّثَ إلا صِدْقاً ما بقيتُ. قال: فوالله ما علمتُ أنَّ أحداً من المسلمينَ أبلاه الله في صِدْقِ الحديثِ منذُ ذكرتُ ذلك لرسول الله وَه أحسنَ مما أَبلاني اللَّهُ به، والله ما تعمّدتُ كِذْبَةً منذ قلتُ ذلك لرسول الله وَي﴿ إلى يومي هذا، وإنِّي لأرجو أن يحفظَني الله فيما بقيَ، قال: فأنزلَ الله تعالى: ﴿لَّقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَجِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ أَتَّبَعُوهُ فِ سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيعُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ * وَعَلَى الثَّلَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّىَ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ اُلْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ حتى بلغ (* فَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا به ذلك إلى سؤال الناس، وإلى الدخول في مفاسد، اكتفى الشرع منه ببعضه فقال: ((أمسك عليك بعضَ مالك فهو خيرٌ لك)) وهذا البعضُ الذي أمره بإمساكه هو الأكثرُ، والمتصدَّق به هو الأقل، كما قال في حديث سعد: ((الثلث والثلث کثیر)»(١) كما تقدم. و (قوله: فما أعلمُ أحداً أبلاه اللَّهُ في صِدْق الحديث أحسن مما أبلاني) أي: أنعم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَفِ ذَالِكُمْ بَلٌَّ مِّنْ زَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ٤٩]؛ أي: نعمة. ويقال في الخير والشر، ثلاثياً ورباعياً، وقد جمع بينهما زهير فقال: وأبْلَاهُمَا خَيْرَ البَلاَءِ الذِي يَبْلُو (٢) وأصله من الابتلاء، وهو الامتحان والاختبار. ويُمتحن بالخير والشر كما قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَاَلْخَيَّرِ فِتْنَةٌ﴾ [الأنبياء: ٣٧] والعسرة: الشدة وسُوء الحال، وهو العسر أيضاً، وتزيغ: تميلُ وتذهب ﴿ثُرَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾ (١) رواه أحمد (١٧٩/١)، والبخاري (٦٧٣٣)، ومسلم (١٦٢٨) (٥). (٢) هذا عجز بيت، وصدره: جَزَى اللَّهُ بالإحسانِ ما فَعَلا بكم ١٠٤ (٣٨) كتاب الرقاق - (٧) باب: يهجر من ظهرت معصيته أَتَّقُواْ اللّهَ وَّكُونُواْ مَعَ الصَّدِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٧ - ١١٩]. قال كعبٌ: والله ما أنعمَ الله عليَّ من نعمةٍ قطَّ بعدَ أن هداني الله للإسلام أعظمَ في نفسي من صِدْقي رسولَ الله ﴿ أَلَّ أكونَ كذبتُه فأهلكَ كما هلكَ الذين كذبوا، إن اللَّهَ قالَ للذينِ كَذَبُوا حينَ أنزلَ الوحيَ شرَّ ما قالَ لأحدٍ، وقال سبحانه: سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا أُنْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسُ وَمَأْوَنَهُمْ جَهَنَّمُ جَزَآءُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِن تَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَسِفِينَ﴾ [التوبة: ٩٥ - ٩٦]. قال كعبٌ: كنّا خُلِّفْنا أيُّها الثلاثةُ عن أَمْرِ أولئكَ الذين قبلَ منهم رسولُ الله ◌ِوَ ◌ّ حِينَ حلفوا له، فبايعَهم، واستغفرَ لهم، وأرجأ رسولُ الله وَّهِ أَمْرَنا حتَّى قضَى الله فيه، فبذلكَ قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَعَلَ القَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّقُواْ﴾ [التوبة: ١١٨] وليس الذي ذكرَ اللَّهُ مما خُلِّفنا تَخَلُّفنا [التوبة: ١١٧] أي: ألهمهم أسبابَ التوبة، وأعانهم عليها، ليتوبوا، أي: ليقبلها منهم. وقيل: تاب عليهم قبل توبتهم، وليتوبوا: أي: ليدوموا عليها. و (قوله: ما أنعم الله عليَّ من نعمة قطّ بعد أن هَدَاني للإسلام أعظم في نفسي من صِدْقي رسول الله # ألا أكون كَذَبته فأهلك) كذا عند جميع رواة مسلم والبخاري: ألا أكون وهي زائدة، وتقدير الكلام: أن أكون، وكما قال: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢] معناه: أن تسجد، وقد رواه الأصيلي عن البخاري: إلا أن أكون كذبته، وليست بشيءٍ، والأولى الصواب. والرّجس: المستخبث، المستقذر، المذموم. و (قوله: كنا خُلِّفْنا أيها الثلاثة) أي: أُخِّروا عن المنافقين، ولم يُقْضَ فيهم بشيءٍ، وقد بيَّن ذلك في بقية الحديث. ١٠٥ (٣٨) كتاب الرقاق - (٨) باب: تقبل التوبة ما لم تطلع الشمس من مغربها عن الغزو، وإنما هو تخليفُه إيّانا، وإرجاؤُه أمرَنا عمَّن حلفَ له، واعتذرَ إلیه فقبلَ منه. رواه أحمد (٣٨٦/٦)، والبخاري (٢٧٥٧)، ومسلم (٢٧٦٩) (٥٣)، وأبو داود (٢٢٠٢)، والنسائي (٥٣/٢). (٨) باب تقبل التوبة ما لم تطلع الشمس من مغربها [٢٦٨٥] عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَالَ: ((مَنْ تَابَ قبلَ ◌ُلوعِ الشَّمسِ من مَغْرِبِها تابَ اللَّهُ عليه)). رواه أحمد (٤٢٧/٢)، ومسلم (٢٧٠٣). (٨) ومن باب: من تاب قبل طلوع الشمس من مغربها تاب اللَّهُ عليه يعني: أن التوبةَ تصحُ وتُقْبَلُ دائماً إلى الوقت الذي تطلعُ فيه الشمسُ من حيث تغرب، فإذا كان ذلك طبع على كلِّ قلب بما فيه، ولم تنفعْ توبةُ أحد، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِى بَعْضُ ءَايَتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَتُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِىّ إِيَنِهَا خَيْرً﴾ [الأنعام: ١٥٨] وسؤُّ ذلك وسَبَيُّه: أنَّ ذلك هو أوَّلُ قيام الساعة؛ فإذا شُوهِد ذلك، وعُوِيِنَ حصل الإيمانُ الضروري، وارتفع الإيمانُ بالغَيب الذي هو المكلَّفُ به، وسيأتي القولُ في تحقيق القولِ في طلوع الشمس من مغربها . ١٠٦ (٣٨) كتاب الرقاق - (٨) باب: تقبل التوبة ما لم تطلع الشمس من مغربها [٢٦٨٦] وعن أبي موسى، عن النبيِّ نَّه قال: ((إِنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ يدَه باللَّيْلِ ليتوبَ مُسِيءُ النَّهارِ، ويَبْسُطُ يدَه بالنَّهار ليتوبَ مُسيءُ اللَّيْلِ حتَّى تطلعَ الشَّمسُ مِن مَغْرِبِها)). رواه أحمد (٣٩٥/٤)، ومسلم (٢٧٥٩) (٣١). و (قوله: ((إنَّ الله يَبْسُطُ يده بالليل ليتوب مسيءُ النهار، ويَبْسُطُ يده بالنهار ليتوب مسيءُ الليل))) وقد تقدم الكلامُ على اليد المنسوبة لله تعالى غير مرَّة، وهذا استدامة اللطف الحديثُ أُجري مجرى المثل الذي يُفهم منه دوامُ قبول التوبة، واستدامة اللُّطف والرحمة من والرّحمة، وهذا تنزُّلُ عن مقتضى: الغنيِّ، القوي، القاهر، إلى مقتضى: اللطيف، الله تعالی الرؤوف، الغافر، وهو نحو قوله تعالى: ﴿مَّن ذَا الَّذِى يُفْرِضُ اَللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥]. وقوله وَ﴾: ((من يُقرض غير عدوم، ولا ظلوم))(١). فَمِنْ لطيفٍ لْفِه: أنه خاطَبَنا مخاطبة الأخذ لنفسه، المحتاج. ومن عجائب كَرَمه: أنه استقرض منَّا ماله استقراض مَن احتاج، فنسأله بعظمته وجلاله، وبحقِّ محمد وآله؛ أي: يُعامِلَنا بِلُطْفه، وعفوه، وإفضاله. (١) رواه مسلم (٧٥٨) (١٧١). ١٠٧ (٣٩) كتاب الزهد - (١) باب: هوان الدنيا على الله تعالى (٣٩) كتاب الزهد (١) باب هوان الدُّنيا على الله تعالى وأنَّها سجنُ المؤمن [٢٦٨٧] عن جابرِ بنِ عبد الله: أنَّ رسولَ الله وَ له مرَّ بالسُّوق داخلاً من بعض العالية والناس كَنَفَتَه، فمرَّ بجَدْىٍ أسكَّ مَيِّتٍ، فتناوله، فأخذ (٣٩) كتاب الزهد (١ و٢ و٣ و٤ و٥ و٦) باب: هوان الدُّنيا على الله تعالى، وأنَّها سجنُ المؤمن(١) (قوله: والناس كَنَفَتَيَّه) أي: بجنبتيه، ويُروى كتفيه: تثنية كتف، وهو منصوبٌ على الظرف، وهو خبرُ المبتدأ. و (قوله: بِجَذْىٍ أَسَكَّ) أي: صغير الأذنين، ضيِّق صماخهما، وقيل: هو الذي لا يسمع. (١) شرح المؤلف - رحمه الله - تحت هذا العنوان: هذا الباب، والأبواب التي تليه، وهي: باب ما للعبد من ماله، وما الذي يبقى على قبره. وباب: ما يحذر من بسط الدنيا، = ١٠٨ (٣٩) كتاب الزهد - (١) باب: هوان الدنيا على الله تعالى بأُذْنِه، ثم قال: ((أيُّكم يحبُّ أنَّ هذا له بدرهم؟)). فقالوا: ما نحبُ: أنَّه لنا بشيءٍ وما نصنع به؟! قال: ((أتحبون أنه لكم؟!))، قالوا: والله لو كان حيّاً كان عيباً فيه؛ لأنَّ أُسَكٌّ، فكيف وهو ميت؟! قال: ((فوالله! للدُّنيا أهونُ علی الله من هذا علیگم!)). رواه أحمد (٣٦٥/٣)، ومسلم (٢٩٥٧) (٢). و (قوله: ((واللَّهِ للدنيا أهونُ على الله من هذا عليكم))) الدنيا: وزنها فُعْلى وألفها للتأنيث، وهي من الدُّنو بمعنى القرب، وهي صفةٌ لموصوف محذوف، كما قال تعالى: ﴿ وَمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] غير أنه قد كثر استعمالها استعمال الأسماء، فاستغني عن موصوفها، كما جاء في هذا الحديث. والمرادُ: الدار الدُّنيا، أو الحياة الدُّنيا التي تقابلها الدَّار الأخرى، أو الحياة معنى هوان الأخرى، ومعنى هوان الدنيا على الله: أنَّ الله تعالى لم يجعلها مقصودةً لنفسها؛ الدنيا على الله بل: جعلها طريقاً موصلةً إلى ما هو المقصودُ لنفسه، وأنه لم يجعلْها دارَ إقامة، ولا جزاء، وإنما جعلها دارَ رحلةٍ وبلاء، وأنه مَلَّكها في الغالب الكفرةَ والجهَّالَ، وحماها الأنبياءَ، والأولياءَ، والأبدال. وقد أوضح النبيُّ ◌َفي هذا المعنى فقال: ((لو كانت الدُّنيا تعدلُ عند الله جناحَ بعوضةٍ ما سقى الكافرَ منها شربةَ ماء))(١)، وحسبك بها هواناً، أن الله قد صغَّرها، وحقَّرها، وذمَّها، وأبغضها، وأبغضَ أهلها، ومُحِبِيِها، ولم يرضَ لعاقلٍ فيها إلا بالتزوُّد منها، والتأقُّب للارتحال عنها، ويكفيك من ذلك ما رواه أبو عيسى الترمذي عن النبيِّ وَّ أنه قال: ((الدُّنيا ملعونة، ملعونٌ ما فيها إلا ذكر الله وما والاه، أو عالم، أو متعلُّم))(٢) = ومن التنافس. وباب: لا تنظر إلى من فضَّل الله عليك في الدنيا، وانظر إلى من فُضِّلْتَ عليه. وباب: في الابتلاء بالدنيا وكيف يعمل فيها، وباب: الخمول في الدنيا والتقلُّل منها. (١) رواه ابن ماجه (٤١١٠). (٢) رواه الترمذي (٢٣٢٢). ١٠٩ (٣٩) كتاب الزهد - (١) باب: هوان الدنيا على الله تعالى [٢٦٨٨] وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَله: ((الدُّنيا سجنُ المؤمن وجنّةُ الكافر)». رواه أحمد (٣٢٣/٢)، ومسلم (٢٩٥٦)، والترمذيُّ (٢٣٢٤)، وابن ماجه (٤١١٣). رواه من حديث أبي هريرة، وقال: حديث حسن غريب. ولا يُفْهَمُ من هذا الحديث إباحةُ لعن الدنيا وسبّها مطلقاً؛ لما رويناه من حديث أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - قال: قال رسولُ الله وَله: ((لا تسبوا الدنيا فنعمت مطية المؤمن عليها يبلغ الخير وبها ينجو من الشر، إنه إذا قال العبدُ: لعن الله الدنيا، قالت الدنيا: لعن اللَّهُ أعصانا لربِّه))(١). خرجه الشريفُ أبو القاسم زيد بن عبد الله بن مسعود الهاشمي. وهذا يقتضي المنع من سبِّ الدنيا، ولَعْنها، ووجهُ الجمع المنع من سبُّ الدنیا ولعنها بينهما: أن المباحَ لَعْنُه من الدنیا ما کان منها مُبعِداً عن الله، وشاغِلاً عنه، كما قال بعضُ السلف: كلُّ ما شغلك عن الله تعالى من مال وولد فهو عليك مشؤوم، وهو الذي نبَّه اللَّهُ على ذمِّه بقوله تعالى: ﴿ أَنَّمَا الحَيَوَةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِ اَلْأَمْوَلِ وَالْأَوْلَدِ﴾ [الحديد: ٢٠]، وأما ما كان من الدنيا يُقرِّبُ إلى الله تعالى، ويُعين على عبادة الله تعالى، فهو المحمودُ بكلٌ لسان، والمحبوب لكلِّ إنسان، فمثلُ هذا لا يسب، بل: يرغّب فيه، ويُحَبّ، وإليه الإشارةُ بالاستثناء حيث قال: ((إلا ذكر الله، وما والاه، أو عالم، أو متعلم)) وهو المصرَّحُ به في قوله: ((فإنها نعمتْ مطيّةُ المؤمن، عليها يبلغ الخير، وبها ينجو من الشر)» وبهذا يرتفعُ التعارضُ بين الحديثين. والله أعلم. و (قوله: ((الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر))) إنما كانت الدُّنيا كذلك لأنَّ معنى: الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر (١) رواه ابن عدي (٣٠٤/١). ١١٠ (٣٩) كتاب الزهد - (٢) باب: ما للعبد من ماله، وما الذي يبقى عليه في قبره (٢) باب ما للعبد من ماله وما الذي يبقى عليه في قبره [٢٦٨٩] عن مطرِّفٍ، عن أبيه، قال: أتيتُ النَّبيَّ ◌َّهِ وهو يقرأ: ﴿ألهاكم التكاثر .. ﴾ المؤمنَ فيها مقيّدٌ بقيود التكاليف، فلا يقدر على حركةٍ ولا سكون إلا أن يفسحَ له الشرعُ، فيفكّ قيده، ويُمكِّنَه من الفعل أو الترك، مع ما هو فيه من توالي أنواع البلايا والمحن والمكابدات من الهموم، والغموم، والأسقام، والآلام، ومكابدة الأنداد، والأضداد، والعيال، والأولاد. وعلى الجملة: ((وأشدُّ الناس بلاءً الأنبياء، ثم الأولياء، ثم الأمثل فالأمثل. يُبتلى الرجلُ بحسب دينه))(١) كما قاله ﴿. وأُّ سِجْنٍ أعظمُ من هذا؟! ثم هو في هذا السجن على غاية الخوف والوجل، إذ لا يدري بماذا يُخْتَم له من عمل. كيف وهو يتوقَّعُ أمراً لا شيءَ أعظمُ منه، ويخاف هلاكاً لا هلاكَ فوقه؟! فلولا أنه يرتجي الخلاصَ من هذا السجن لهلك مكانه، لكنه لطف به، فهوّن عليه ذلك كلَّه بما وعد على صبره، وبما كُشِف له من حميد عاقبة أمره. والكافر منفكٌ عن تلك الحالات بالتكاليف، آمنٌ من تلك المخاويف، مقبلٌ على لذَّاته، منهمكٌ في شهواته، معترّ بمساعدة الأيام، يأكلُ ويتمتَّع كما تأكل الأنعام، وعن قريب يستيقظُ من هذه الأحلام، ويحصل في السجن الذي لا يُرام، فنسألُ اللَّهَ السلامةَ من أهوال يوم القيامة. و (قوله: ﴿أَلْهَنَكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر: ١]) يعني: شغلكم الإكثارُ من الدنيا ومن الالتفات إليها عما هو الأولى بكم من الاستعداد للآخرة، وهذا الخطابُ (١) رواه الحاكم (٣٤٣/٣). ١١١ (٣٩) كتاب الرقاق - (٢) باب: ما للعبد من ماله، وما الذي يبقى عليه في قبره قال: ((يقول ابن آدم: مالي مالي! قال: وهل لك يا بنَ آدَمَ مِنْ مالك إلا ما أَكَلْتَ فأفْنَيْتَ، أو لَبِسْتَ فأبليْتَ، أو تصدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ؟)). رواه أحمد (٢٤/٤)، ومسلم (٢٩٥٨)، والترمذي (٢٣٤٢)، والنسائيُّ (٢٣٨/٦). [٢٦٩٠] وعن أبي هريرة، أنَّ رسولَ الله وَّهِ قالَ: ((يقولُ العبد: مالي مالي! إنَّما له مِنْ ماله ثلاث: ما أكل فأفنى، أو لَبِسَ فأبلى، أو أعطى فاقتنى، وما سوى ذلك فهو ذاهبٌ، وتاركُه للنَّاس». رواه مسلم (٢٩٥٩). [٢٦٩١] وعن أنس بن مالكٍ، قال: قال رسولُ اللهِ وَ له: ((يَتْبُع الميِّتَ ثلاثةٌ؛ فيرجع اثنان، ويبقى واحدٌ؛ يتبعه أهلُه، وماله، وعمله؛ فيرجع أهلُه ومالُه، ويبقى عملُه)). رواه البخاريُّ (٦٥١٤)، ومسلم (٢٩٦٠)، والترمذيُّ (٢٣٧٩). للجمهور إذ جنسُ الإنسان على ذلك مفطور، كما قال تعالى: ﴿كَلََّبَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ * وَذَرُونَ الْأَخِرَةَ﴾ [القيامة: ٢٠ - ٢١]، وكما قال: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ الآية [آل عمران: ١٤]. النّساءِ وَالْبَنِينَ و (قوله: ((يقول ابن آدم مالي مالي))) أي: يغترُّ بنسبة المال إليه وكونه في يديه، حتى ربما يعجب به ويفخر به، ولعلَّه ممن تعب هو في جمعه، ويصل غيره إلى نفعه، ثم أخبر بالأوجه التي ينتفعُ بالمال فيها، وافتتحَ الكلام بـ (إنما) التي هي للتحقيق والحصر فقال: ((إنما له من ماله ثلاث)) وذكر الحديث. و (قوله: ((أو أعطى فاقتنى))) هكذا وقع هذا اللفظُ عند جمهورهم، وَوَجْهُه: ١١٢ (٣٩) كتاب الزهد - (٣) باب: ما يحذر من بسط الدنيا (٣) باب ما يحذر من بسط الدنیا ومن التنافس [٢٦٩٢] عن عمرو بن عوفٍ - وهو حلیف بني عامر بن لؤي - وكان شهد بدراً مع رسول الله وَله: أنَّ رسول الله رَّهِ بعث أبا عبيدةَ بنَ الجرَّاح إلى البحرين يأتي بجزيتها، وكان رسولُ اللهِوَ﴿ هو صالَحَ أهل البحرين، وأمَّر عليهم العلاءَ بنَ الحضرميِّ، فقدم أبو عبيدةً بمالٍ من البحرين، فسمِعَت الأنصار بقدوم أبي عبيدةً، فوافوا صلاة الفجر مع رسول الله (ێے، فلما صلَّى رسولُ اللهِ﴿ انصرف، فتعرَّضوا له، فتبسَّم رسولُ اللهِ وَّ حين رآهم، ثم قال: ((أظنُّكم سمعتم: أنَّ أبا عبيدةَ قَدِمَ بشيءٍ من البحرين؟)). فقالوا: أجل يا رسول الله! قال: ((فأبشروا وأمِّلوا ما يسُّكم! فوالله! ما الفَقْرَ أخشى عليكم؛ ولكنِّ أخشى عليكم أن تُبْسَط الدنيا عليكم، كما بُسِطَتْ أعطى الصدقة فاقتنى الثوابَ لنفسه، كما قال في الرواية الأخرى: ((تصدقت فأمضيت))(١)، وقد رواه ابن ماهان: ((فأقنى)) بمعنى: أكسب غيره، كما قال تعالى: ﴿أَغْنَى وَأَقْنَ﴾ [النجم: ٤٨]. و (قوله: فوافوا صلاةَ الفجر مع رسول الله وَ لاغير) أي: جاؤوا فاجتمعوا عند صلاة الصبح معه ليقسِمَ بينهم ما جاءَ به أبو عبيدة؛ لأنهم أرهقتهم الحاجةُ والفاقةُ التي كانوا عليها، لا الحرص على الدنيا، ولا الرغبة فيها، ولذلك قال لهم رسول الله وَّر: ((أبشروا وأمِّلوا ما يسُّكم))، وهذا تهوينٌ منه عليهم ما هم فيه من الشدة، وبشارةٌ لهم بتعجيل الفتح عليهم. و (قوله: ((واللَّهِ ما الفقرَ أخشى عليكم))) الفقر منصوب على أنه مفعول مقدّم (١) رواه مسلم (٢٩٥٨) (٣). ١١٣ (٣٩) كتاب الزهد - (٣) باب: ما يحذر من بسط الدنيا على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلِكَكُم كما أهلكتهم)). وفي روايةٍ: «وتُلھیگُم کما الھتھُم (بدل) فتهلكَكُم)). رواه أحمد (٣٢٧/٤)، والبخاريُّ (٣١٥٨)، ومسلم (٢٩٦١)، والترمذيُّ (٢٤٦٢)، وابن ماجه (٣٩٩٧). [٢٦٩٣] وعن عبد الله بن عمرو بن العاص عن رسول الله وَلاَلِ أنَّه قال: ((إذا فتحت عليكم فارس والروم أيُّ قوم أنتم؟!))، قال عبد الرحمن بـ (أخشى)، ولا يجوزُ رفعه إلا على وجهٍ بعيد، وهو أن يُحذف ضمير المفعول، ونعامله معاملة الملفوظ، كما قال امرؤ القيس: فَثَوْباً نَسِيتُ، وثَوْباً أَجُرّ(١) فكأنه قال: فثوب نسيته، وثوب اجُه، وهي قليلٌ بعيدة. وفيه ما يدلُّ على أن الفقرَ أقربُ للسلامة، والاتساعَ في الدنيا أقربُ للفتنة، فنسأل اللَّهَ الكفافَ الاتساع في الدنيا أقرب للفتنة والعفاف. و (قوله: ((فتنافسوها كما تنافسوها))) أي: تتحاسدون فيها، فتختلفون وتتقاتلون فيهلك بعضُكم بعضاً، كما قد ظهر ووُجِد، وقد سمَّى في هذا الحديث التحاسُدَ تنافساً توسُّعاً لقرب ما بينهما، وقد بيًّا حقيقةَ كلِّ واحدٍ منهما فيما تقدَّم، ومعنى تلهيكم: تشغلكم عن أمور دينكم، وعن الاستعداد لآخرتكم. و (قوله: ((إذا فتحت عليكم فارس والروم، أيُّ قوم أنتم؟))) هذا استفهامٌ يشوبه إخبارٌ منه ◌َّر عن أمر قبل وقوعه، وقع على نحو ما أخبر عنه، فكان ذلك من أدلة صحة نبوَّه ورسالته ﴿ وكم له وَ لقر منها وكم! ومعنى: ((أيُّ قوم أنتم؟» (١) هذا عجز بيت، وصدره: فلمَّا دنوت تَسَدَّيْتُها ١١٤ (٣٩) كتاب الزهد - (٣) باب: ما يُجذر من بسط الدنيا ابن عوف: نقول كما أمرنا الله. قال رسول الله وَ ل فيه: ((أو غير ذلك؛ تتنافسون، ثُمَّ تتحاسدون، ثُمَّ تتدابرون، ثم تتباعضون، أو نحو ذلك، ثم تنطلقون في مساكين المهاجرين فتجعلون بعضهم على رقابٍ بعضٍ». رواه مسلم (٢٩٦٢)، وابن ماجه (٣٩٩٦). أي: على أيِّ حالٍ تكونون؟ فكأنه قال: أتبقون على ما أنتم عليه؟ أو تتغيَّر بكم الحال؟ فقال عبد الرحمن بن عوف: نقول كما أمرنا الله تعالى. أي: نقول قولاً مثل الذي أمرنا الله، وكان هذا منه إشارة إلى قول الله تعالى: ﴿حَسْجُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ تغيُّر الأحوال اَلْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، وذلك أنه فهم أن رسولَ اللهِوَ لِّ خافَ عليهم الفتنةَ في آخر الزمان من بَسْط الدنيا عليهم، فأجابه بذلك، فكأنه قال: نستكفي الفتنَ والمحن بالله، ونقول كما أمرنا، وهذا إخبارٌ منهم عمَّا يقتضيه حالُهم في ذلك الوقت، فأخبرهم النبيُّ وَ﴿ بأنَّهم لا يبقون على تلك الحال، وأنها تتغيَّر بهم. وقال بعضُ الشارحين: لعلَّه يكون كما أمرنا الله، وهذا تقديرٌ غلطٌ للرواة، لا يُحْتَاجُ إليه مع صحة المعنى الذي أبديناه، والله تعالى أعلم. و (قوله: ((أَوْ غيرَ ذلك))) هو بسكون الواو، وهي القاطعةُ، وغيرَ بالنصب على إضمار فعل، تقديره: أو تفعلون غير ذلك، ويجوز رفعه على تقدير: أو یکون غير ذلك. و (قوله: ((تتنافسون، ثم تتحاسدون، ثم تتدابرون، ثم تتباغضون))) أي: تتسابقون إلى أخذ الدنيا، ثم تتحاسدون بعد الأخذ، ثم تتقاطعون، فيولي كلُّ واحد منكم دبرَه عن الآخر مُعْرِضاً عنه، ثم تثبتُ البغضاءُ في القلوب، وتتراكمُ حتی یکون عنها الخلافُ، والقتال، والهلاك، کما قد وُجِد. و (قوله: ((ثم تنطلقون في مساكين المهاجرين فتجعلون بعضهم على رقاب بعض)))، وفي رواية السمرقندي: ((فتحملون))، قال بعضُهم: لعل أصولَ هذا ١١٥ (٣٩) كتاب الزهد - (٤) باب: لا تنظر إلى من فضّل الله عليك في الدنيا (٤) باب لا تنظر إلى من فضّل الله عليك في الدنيا وانظرْ إلى من فُضِّلْتَ عليه [٢٦٩٤] عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ الله وَ ل﴿ قَالَ: ((إذا نظر أحدُكم إلى من فُضِّل عليه في المال والخَلْقِ فلينظر إلى مَنْ هو أسفلَ منه مِمَّن فُضِّل عليه)). رواه أحمد (٣١٤/٢)، ومسلم (٢٩٦٣) (٨). الكلام: ((ثم تنطلقون في مساكين المهاجرين)). قال القاضي: لا أدري ما الذي حمل هذا على تفسير الرواية مع عدم توجيه الكلام على ما قبله، واستقلاله بالمراد، لا سيما مع قوله بعد هذا: ((فتحملون بعضهم على رقاب بعض)). والأشبه: أن يكون الكلام على وجهه، وأراد أنَّ مساكين المهاجرين، وضعفتهم ستُفتح عليهم إذ ذاك الدنيا، حتى يكونوا أمراء بعضهم على رقاب بعض. قلتُ: والعجبُ من إنكار القاضي على هذا المتأوّل، واختيارُه هذا المعنى الذي لا يقبله مساقُ الحديث، ولا يشهدُ له معناه، وذلك أنَّ معنى الحديث: أنه أخبرهم أنهم تتغيَّر بهم الحال، وأنهم يصدرُ عنهم أو عن بعضهم أحوالٌ غير مرضية، تخالفُ حالهم التي كانوا عليها معه من التَّنافس والتَّباغض، وانطلاقهم في مساكين المهاجرين، فلا بدَّ أن يكون هذا الوصفُ غير مرضيٍّ كالأوصاف التي قبله، وأن تكون تلك الأوصافُ المتقدِّمة تُوجِبُه، وحينئذٍ يلتئم الكلامُ أوله وآخره، ولا يصحُّ ذلك إلا بذلك التقدير الذي أنكر القاضي، فيكون معنى الحديث أنه إذا وقع التنافسُ، والتحاسد، والتباغض حملهم ذلك على أن يأخذَ القويُّ ما أفاءه اللَّهُ تعالى على المسكين؛ الذي لا يقدر على مدافعته، فيمنعه عنه ظلماً وهذا بمقتضى التنافس، والتَّحاسد، والتباغض، ويعضده رواية السمرقندي: ((فيحملون بعضهم ١١٦ (٣٩) كتاب الزهد - (٥) باب: في الابتلاء بالدنیا، و کیف یُعمل فيها [٢٦٩٥] وعنه؛ قال: قال رسول الله بَّه: ((انظروا إلى من هو أسْفَلَ مِنْكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر أَلَّ تَزْدَرُوا نعمة الله علیکم)). رواه أحمد (٢٥٤/٢)، ومسلم (٢٩٦٣) (٩)، والترمذيُّ (٢٥١٣)، وابن ماجه (٤١٤٢). (٥) باب في الابتلاء بالدنيا وكيف يعمل فيها [٢٦٩٦] عن أبي هريرة، أنَّه سمع النبيَّ وَّ يقول: ((إنَّ ثلاثةً في بني إسرائيل أبرصَ، وأقرعَ، وأعمى، فأراد الله أن يبتليَهُم، فبعث إليهم مَلَكاً، فأتى الأبرص فقال: أيُّ شيءٍ أحبُّ إليك؟ قال: لونٌ حسنٌ، وجلدٌ على رقاب بعضهم)). أي: بالقهر والغلبة، وأما ما اختاره القاضي فغيرُ ملائمٍ للحديث، فتدبّره تجده كما أخبرتك، والله تعالى أعلم. و (قوله: ((انظروا إلى مَن هو أسفلَ منكم، ولا تنظروا إلى مَن هو فوقكم))) أي: اعتبروا بمن فُضِّلتم عليه في المال، والخَلْقِ، والعافية، فيظهر عليكم ما أنعم اللَّهُ به عليكم فتشكرونه على ذلك، فتقومون بحقِّ النعمة، وذلك بخلاف ما إذا نظر إلى ما فضل عليه غَيْره من ذلك؛ فإنه يضمحل عنده ما أنعم اللَّهُ عليه به من النِّعم، ويحتقرها، فلا يحسبها نِعَماً، فينسى حقَّ الله فيها، وربما حَمَله ذلك النظرُ إلى أن تمتدَّ عينُه إلى الدنيا فينافس أهلها، ويتقطّع لحسرة فَوْتِها، ويحسد أهلها، وذلك هو الهلاكُ في الدنيا والآخرة. و (قوله: ((فهو أجدرُ أَلَّ تزدروا نعمةَ الله عليكم))) هو عائدٌ على مصدر: انظروا، وأجدر بمعنى أحقّ وأَوْجب، والازدراء: الاحتقار. ١١٧ (٣٩) كتاب الزهد - (٥) باب: في الابتلاء بالدنیا، و کیف یُعمل فيها حسنٌ، ويذْهَبُ عنِّي الذي قد قَذِرَتَي النَّاسُ! قال: فمسحه، فذهب عنه فَذَرُه، وأعطيَ لوناً حسناً، وجلداً حسناً. قال: فأيُّ المال أحبُّ إليك؟ قال: الإبل - أو قال: البقر (شك إسحق) - إلا أنَّ الأبرص أو الأقرع قال أحدهما: الإبل، وقال الآخر: البقر - قال: فأعطي ناقَةً عُشَرَاءَ، فقال: بارك اللَّهُ لك فيها! قال: فأتى الأقرعَ فقال: أيُّ شيءٍ أحبُّ إليك؟ قال: شعرٌ حسنٌ، ويذهب عِّي هذا الذي قَذِرني النَّاسُ! قال: فمسحه، فذهب عنه. قال: وأعطي شعراً حسناً. قال: فأيُّ المال أحبُّ إليك؟ قال: البقر. فأعطي بقرةً حاملاً، فقال: بارك الله لك فيها! قال: فأتى الأعمى، فقال: أيُّ شيءٍ أحبُّ إليك؟ قال: أن يردّ الله إليَّ بصري، فأبصرَ به النَّاسَ! قال: فمسحه، فردَّ اللَّهُ إليه بصرَه! قال: فأيُّ المال أحبُّ إليك؟ قال: الغنم. فأعطيَ شاةً والداً، فَأُنْتِجَ هذان وَوَلَّد هذا. قال: فكان لهذا وادٍ من الإبل، ولهذا وادٍ من البقر، ولهذا وادٍ من الغنم. و (قوله: ((ناقة عشراء))) هي التي مضى لها مِن حَمْلها عشرةُ أشهر، وجمعها: عشار، وكانت أنفسَ أموال العرب لقرب ولادتها، ورجاء لبنها. وقال ابنُ جنِّي: هي التي أتى عليها بعد وضعها عشرةُ أشهر. في الصحاح: العِشار - بالكسر - جمع عشراء: وهي الناقةُ التي أتى عليها من يوم أُرسل عليها الفحل عشرة أشهر وزال عنها اسم المخاض، ثم لا يزال ذلك اسمها حتى تضع، وبعدما تضع أيضاً. يقال: ناقتان عشراوان، ونوق عِشار، وعشراوات، يبدلون من همزة التأنيث واواً، وقد عشرت الناقةُ تعشيراً إذا صارت عشراء. و (قوله: ((فأُنْتِج هذان، وولَّد هذا))) أي: تولى نتاج ناقته وولادة شاته، ووقع هنا أُنتج رباعياً، والمعروف الثلاثي، وحكى الأخفش: نَتَجها، وأنتجها بمعنّى، وقد أشبعنا القولَ فيه فيما تقدَّم. ١١٨ (٣٩) کتاب الزهد - (٥) باب: في الابتلاء بالدنیا، و کیف یُعمل فيها قال: ثم إنَّه أتى الأبرص في صورته وهيئته، فقال: رجلٌ مسکین قد انقطعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله، ثم بك، أسألك بالذي أعطاك اللونَ الحسن؛ والجلد الحسن؛ والمال؛ بعيراً أتبلغ عليه في سفري! فقال: الحقوقُ كثيرةٌ! فقال له: كأنّ أعرفك؛ ألم تكن أبرص يَقْذَرُك الناس، فقيراً فأعطاك الله! فقال: إنَّما ورثتُ هذا المال كابراً عن كابر! فقال: إنْ كنت كاذباً فصيَّرك الله إلى ما كنتَ !. قال: وأتى الأقرع في صورته، فقال له مثل ما قال لهذا، وردّ عليه مثل ما ردّ على هذا، فقال: إنْ كنت كاذباً فصيرك الله إلى ما كنت. قال: وأتى الأعمى في صورته وهيئته، فقال: رجلٌ مسكينٌ، وابنُ سبيلٍ؛ انقطعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ ليَ اليومَ إلا بالله، ثمَّ بك، أسألك بالذي رد عليك بصرك شاةً أتبلغ بها في سفري! فقال: قد كُنْتُ أعمى فردَّ الله إليَّ بصري، فخذْ ما شئتَ، ودعْ ما شئت فوالله لا أَجْهَدُك اليوم شيئاً أخذته لله! فقال: أمسكْ ماَلَكَ؛ فإنَّما ابتليتُم، فقد رُضِيَ عنك وسُخِطَ على صاحِبَيْك!)). رواه البخاريُّ (٣٤٦٤)، ومسلم (٢٩٦٤). * ٠ * و (قوله: ((انقطعت بيَ الحبالُ في سفري») الروايةُ المشهورة بالحاء المهملة والموحدة، والباء المعجمة - بواحدة تحتها - وبالألف، وهي: جمع حبل، وهو المستطيلُ من الرمل، وقيل: هي الأسبابُ التي يتوصَّل بها إلى البلاغ، وهذا أوقعُ التفسيرَيْن، ورواه ابنُ الحذَّاء: الحيل: جمع حيلة، ورواه بعضُهم كذلك غير أنه زاد الفاء، ووقع لبعض رواةٍ البخاري: الجبال بالجيم، وفيه بُعْدٌ. و (قوله: ((والله لا أَجْهدكَ اليوم شيئاً أخذته للَّه))) كذا لأكثر الرواة، ومعناه: ١١٩ (٣٩) كتاب الزهد - (٦) باب: الخمول في الدنيا والتقلل منها (٦) باب الخمول في الدنیا والتقلل منها [٢٦٩٧] عن عامرٍ بن سعدٍ قال: كان سعدُ بنُ أبي وقاصٍ في إبله، فجاءه ابنُه عمر، فلما رآه سعدٌ قال: أعوذ بالله من شرِّ هذا الراكب! فنزل، فقال له: أنزلتَ في إبلك وغنمك وتركت الناس يتنازعون الملك بينهم؟! لا أبلغ منك جهداً، ومشقة في صنعك شيئاً أخذته للَّه. قال صاحب ((الأفعال)): جهدته وأجهدته: بلغت مشقته، وقيل: معنى لا أَجْهدك: لا أقلِّل لك فيما تأخذ، والجهدُ: ما يعيش به المقلُّ، ومنه: ﴿ وَأَلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهْ﴾ [التوبة: ٧٩]. وعند ابن ماهان: لا أحمدك، بالحاء المهملة والميم، من الحمد، وكذا رواه البخاريُّ، ومعناه: لا أحمدك في أخذ شيءٍ، أو إبقائه لطيب نفسي بما تأخذ، كما قال المرقِّش: ليس على طول الحياة ندم(١) أي: ليس على فوت الحياة ندم. و (قوله: ((إنما ورثتُ هذا كابراً عن كابر))) أي: كبيراً عن كبير، يعني: أنه ورث ذلك المالَ عن أجداده الكبراء، فحمله بخلُه على نسيان منَّة الله تعالى، وعلى جَخد نعمه، وعلى الكذب، ثم أورثه ذلك سخطَ الله الدائم، وكلُّ ذلك بشؤم البخل. واعتبر بحال الأعمى؛ لمّا اعترف بنعمة الله تعالى عليه، وشكره عليها، وسمحت نفسُه بها ثبتها اللَّهُ عليه، وشكر فِعْله، ورضي عنه، فحصل على الرُّتب الفاخرة، وجمعتْ له نِعَم الدنيا والآخرة. (١) هذا صدر بيت، وعجزه: ومن وراءِ المرءِ ما يَعْلَمْ والمعنى: إن أمام الإنسان عاقبة عمله، أو أمامه الشيب والهرم والأمراض والعلل. انظر: الشعر والشعراء (١/ ٧٣). ١٢٠ (٣٩) كتاب الزهد - (٦) باب: الخمول في الدنيا والتقلل منها فضرب سعدٌ في صدره، فقال: اسكت سمعتُ رسول الله وَ له يقول: ((إنَّ الله يحبُّ العبد التَّفَيَّ، الغنيَّ، الخفيّ)). رواه أحمد (١٦٨/١)، ومسلم (٢٩٦٥). [٢٦٩٨] وعن سعد بن أبي وقاصٍٍ يقول: والله! إنِّي لأولُ رجلٍ من العرب رمى بسهم في سبيل الله، ولقد كنّا نَغْزُو مع رسول الله وَّ ما لنا طعامٌ نأكلُه إلا وَرَقُ الحُبْلَةِ؛ هذا السَّمُرُ؛ حتى إنَّ أحدَنا ليضعُ كما تضع و (قوله ◌َّهِ: (إن الله يحبُّ العبدَ التقي الغني الخفي))) جمهورُ الرواة قيَّدوه الخفي - بالخاء المعجمة - من الخفاء، والتقيّ: المتقي الله تعالى، وقد بيَّنا التقوى فيما تقدم. والغني: يعني به: من استغنى بالله، ورضي بما قَسَم اللَّهُ له، وقيل: يعني به غِنى النفس. والخفي: يعني به الخامل الذي لا يريدُ العلوَّ فيها ولا الظهورَ في مناصبها، وهذا نحو ما قال في حديث آخر في صفة وليِّ الله: ((وكان غامضاً في الناس))(١) أي: لا يُعرف موضعه ولا يُؤْبَه له، وقد رواه الدولابي(٢): الحفي بالحاء المهملة، فقيل: معناه العالم، من قوله: ﴿كَنَّكَ حَفِىُّ عَنْهَا﴾ [الأعراف: ١٨٧]، وقيل: المتحفِّ بأهله، الوَصُول لهم بماله، السَّاعي في حوائجهم. و (قوله: ما لنا طعام نأكلُهُ إلَّ وَرَقُ الحُبْلَةِ، هذا السمر) كذا وقع عند عامة الرواة. وعند الطبري، والتميمي: وهذا السمر بواو، ووقع في البخاري: إلا الحبلة، وورق السمر، وكذلك ذكره أبو عبيد. الحُبْلة بضم الحاء وسكون الباء: ثمر العضاه. وقال ابنُ الأعرابي: ثمر (١) رواه أحمد (٢٥٢/٥)، والترمذي (٢٣٤٧). (٢) هو الإمام الحافظ أبو بشر، محمد بن أحمد بن حماد الأنصاري الدولابي. والحديثُ في كتابه: الكنى والأسماء (٦٢/٢)، توفي سنة (٣٢٠ هـ).