Indexed OCR Text

Pages 681-700

٦٨١
(٣٥) كتاب القدر - (١٠) باب: الآجال محدودة والأرزاق مقسومة
رسول الله وَ﴾: ((إنَّك سألت الله لآجالٍ مضروبةٍ، وآثار موطوءة؛ وأرزاقٍ
مقسومةٍ، لا يُعَجِّل شيئاً منها قبل حَلِّه، ولا يؤخِّرُ منها شيئاً بعد حَلِّه، ولو
سألتِ الله أن يعافيكِ من عذاب الثَّار، وعذابٍ في القبر لكان خيراً لك».
قال: فقال رجل: يا رسول الله! القردة والخنازير هي مما مُسِخ؟ فقال
النبي وَّه: ((إنَّ الله عزَّ وجلَّ لم يُهْلِكْ قوماً، أو يعذب قوماً فيجعلَ لهم
نسلاً، وإنَّ القردة والخنازيرَ كانوا قبل ذلك».
وفي روايةٍ: ((ولأيام معدودةٍ)) بدل: ((آثارٍ موطوءةٍ)).
رواه أحمد (٤١٣/١)، ومسلم (٢٦٦٣) (٣٢ و ٣٣).
#
و (قوله: ((لا يعجِّلُ شيئاً منها قبل حَلِّه، ولا يؤخر شيئاً منها بعد (١) حَلِّه)))
كذا الرواية بفتح الحاء في الموضعين، وهو مصدرُ حلَّ الشيء يحلّ حلاً وحلولاً
ومحلّاً، والمحلّ أيضاً: الموضعُ الذي يُحَلُّ فيه، أي: يُنْزَلُ.
و (قوله: «لقد سألتِ اللَّهَ لآجالٍ مَضْرُوبة .... إلى آخره)))، ثم قال بعد
هذا: ((ولو سألتِ اللَّهَ أن يعافِيَكِ من عذابٍ في القبر، وعذابٍ في النار(٢)، كان
خيراً لكِ)). وقد أورد بعضُ علمائنا على هذا سؤالاً، فقال: ما معنى صرفه لها عن
الدُّعاء بطول الأجل، وحضّه لها على العياذ من عذاب القبر. وكلُّ ذلك مقدَّرٌ
لا يدفعُه أحدٌ ولا يردُّه سبب؟ فالجواب: أنه ولو لم ينهها عن الأول، وإنما أرشدها الاستعاذة من
إلى ما هو الأولى والأفضل، كما نصَّ عليه، ووَجْهُه: أنَّ الثانى أَوْلى وأفضل؛ أنه عذاب النار
قيامٌ بعبادة الاستعاذة من عذاب النار والقبر، فإنه قد تعبَّدنا بها في غير ما حديث، والقبر عبادة
(١) وردت في نسخ المفهم (قبل) والصواب ما أثبتناه من التلخيص.
(٢) كذا في نسخ المفهم، وفي التلخيص وصحيح مسلم: ((من عذاب النار وعذاب في
القبر)).

٦٨٢
(٣٥) كتاب القدر - (١١) باب: في الأمر بالتقوى والحرص على ما ينفع
(١١) باب
في الأمر بالتقوى والحرص
على ما ينفع وترك التفاخر
[٢٥٩١] عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَّهُ: ((المؤمنُ القويُّ
خيرٌ وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضَّعيفِ، وفي كلٍّ خيرٌ، احرِصْ على ما
ينفعُك، واستعِنْ بالله، ولا تَعْجِزْ،
ولم يتعبَّدْنا بشيءٍ من القسم الذي دعتْ هي به، فافترقا. وأيضاً: فإنَّ التعوّذَ من
عذاب القبر والنار تذكيرٌ بهما، فيخافهما المؤمنُ، فيحذرهما، ويتَّقيهما، فيجعل
من المتقين الفائزين بخير الدنيا والآخرة.
(١١) ومن باب: الأمر بالتقوى والحرص على ما ينفع
خبريّة المؤمن
القوي
قوله: ((المؤمن القويُّ خيرٌ وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضَّعيف))) أي: القويّ
البدن والنَّفس، الماضي العزيمة، الذي يصلحُ للقيام بوظائف العبادات من الصَّوم،
والحج، والجهاد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والصَّبر على ما يُصيبه
في ذلك، وغير ذلك مما يقومُ به الدِّين، وتنهضُ به كلمةُ المسلمين، فهذا هو
الأفضلُ، والأكملُ، وأمَّا من لم يكن كذلك مِن المؤمنين، ففيه خيرٌ من حيثُ كان
مؤمناً، قائماً بالصلوات، مكثِّراً لسواد المسلمين، ولذلك قال وَ طاهر: ((وفي كلِّ خيرٌ))
لكنه قد فاته الحظُّ الأكبر، والمقامُ الأفخر.
الحرص على
الاستعانة بالله
و (قوله: ((احرص على ما ينفعكَ، واستعن بالله، ولا تعجز))) أي: استعملٍ
ما ينفع مع الحرص، والاجتهاد في تحصيل ما تنتفعُ به في أمر دينك ودنياك التي تستعينُ بها
على صيانة دينك، وصيانة عيالك، ومكارم أخلاقك، ولا تفرِّط في طلب ذلك،
ولا تتعاجز عنه مُتَّكِلاً على القدر، فَتَنْسَب للتقصير، وتُلام على التفريط شرعاً
وعادةً. ومع إنهاء الاجتهاد نهايته، وإبلاغ الحرص غايته، فلا بُدَّ من الاستعانة

٦٨٣
(٣٥) كتاب القدر - (١١) باب: في الأمر بالتقوى والحرص على ما ينفع
وإنْ أصابك شيءٌ فلا تقل: لو أنِّ فعلتُ لكان كذا وكذا؛ ولكنْ قلْ قدَّر
الله وما شاء الله فَعَلَ، فإنَّ لو تفتحُ عمل الشَّيطان)).
رواه أحمد (٣٦٦/٢)، ومسلم (٢٦٦٤)، وابن ماجه (٤١٦٨).
بالله، والتوكُّل عليه، والالتجاء في كلِّ الأمور إليه، فمن سلك هذين الطَّريقين
حَصَل على خير الدَّارين.
و (قوله: ((وإن أصابك شيءٌ فلا تقلْ: لو أنّي فعلتُ لكان كذا وكذا. قل:
قدَّر اللَّهُ، وما شاء فَعَل)) يعني: إنَّ الذي يتعيَّنُ بعد وقوع المقدور التَّسليمُ لأمر الرضا بقدر
الله، والرِّضا بما قدَّره اللَّهُ تعالى ﴿ والإعراض عن الالتفات لما مضى وفات. فإن الله تعالى
افتكر فيما فاته مِن ذلك وقال: لو أنّي فعلتُ كذا لكان كذا جاءته وساوسُ
الشيطان، ولا تزالُ به حتى تُفْضِيَ به إلى الخسران؛ لتعارض توقُّم التَّدبير سابق
المقادير، وهذا هو عَمَلُ الشَّيطان الذي نهى عنه النبيُّ وَّه بقوله: ((فلا تقل: لو،
فإن لو تفتح عمل الشيطان)). ولا يُفْهَمُ من هذا: أنَّه لا يجوزُ النُّطْقُ بـ (لو) مطلقاً
إذ قد نطق بها النَّبِيُّ وَِّ فقال: ((لو أني استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لم أسق
الهدي، ولجعلتُها عمرة)»(١). و((لو كنت راجماً أحداً بغير بيّنة لرجمتُ هذه))(٢).
وقال أبو بكر - رضي الله عنه -: لو أنَّ أحدهم نظر إلى رجليه لرآنا. ومثله كثير؛
لأن محلَّ النهي عن إطلاقها إنَّما هو فيما إذا أطلقت في معارضة القَدَر، أو مع
اعتقاد: أنَّ ذلك المانعَ لو ارتفع لوقع خلافُ المقدور، فأما لو أخبر بالمانع على
جهة أن تتعلَّق به فائدةٌ في المستقبل، فلا يختلف في جواز إطلاقه؛ إذ ليس في
ذلك فتحٌّ لعمل الشَّيطان، ولا شيءٌ يُفْضِي إلى ممنوعٍ، ولا حرامٍ، واللَّهُ تعالى
أعلم.
(١) رواه البخاري (٢٥٠٦)، ومسلم (١٢١١) (١٣٠).
(٢) رواه البخاري (٧٢٣٨)، ومسلم (١٤٩٧) (١٣).

٦٨٤
(٣٦) كتاب العلم - (١) باب: فضل من تعلم وتفقه في القرآن
(٣٦)
كتاب العلم
(١) باب
فضل من تعلَّم وتفقَّه في القرآن
[٢٥٩٢] عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَله: ((من نفَّسَ عن
مسلمٍ كُرْبَةً من كُرَبِ الدنيا نَفَّسَ الله عنه كُرْبةً من كُرَبٍ يوم القيامة، ومن
يسَّر على مُعْسرٍ يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً ستره الله
في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن
سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهَّل الله له به طريقاً إلى الجنَّة،.
(٣٦)
كتاب العلم
(١) ومن باب: فضائل طلب العلم
(قوله: ((من سلكَ طريقاً يلتمسُ فيه علماً سلك(١) الله به طريقاً إلى الجنة)))
الترغيب في
الرحلة لطلب
العلم
أي: من مشی إلی تحصیل علم شرعيٍّ قاصداً به وجه الله تعالی جازاه الله علیه بأن
يُوصلَه إلى الجنَّة مسلماً مكرَّماً. ويلتمسُ: معناه يطلبُ، كما قال: ((التمسْ ولو
(١) كذا في المفهم، وفي التلخيص وصحيح مسلم: ((سَهَّلَ)).

٦٨٥
(٣٦) كتاب العلم - (١) باب: فضل من تعلّم وتفقّه في القرآن
خاتَماً من حديد))(١) وهو حضٍّ وترغيب في الرحلة في طلب العلم. والاجتهاد في
تحصيله، وقد ذكر أبو داود هذا الحديث من حديث أبي الدرداء وزاد زياداتٍ
حسنة، فقال: عن أبي الدرداء - رضي الله عنه - قال: سمعتُ رسول الله ټ يقول:
((من سلكَ طريقاً يلتمسُ فيه علماً سلكَ الله به طريقاً من طرق الجنة، وإن الملائكة
لتضعُ أجنحتها رضاً لطالب العلم، وإن العالمَ ليستغفر له من في السموات، ومن
في الأرض، والحيتان في جوف الماء، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر
ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثةُ الأنبياء، وإن الأنبياءَ لم يُورُِّوا
ديناراً ولا درهماً، ورَّوا العلمَ، فمن أخذه أخذَ بحظٍّ وافر))(٢) وهذا حديث عظيم
يدلُّ على أن طلبَ العلم أفضلُ الأعمال، وأنه لا يبلغ أحدٌ رتبة العلماء، وأن طلب العلم
أفضل الأعمال
رتبتهم ثانيةً عن رتبة الأنبياء.
و (قوله: ((إن الملائكة لتضعُ أجنحتها رِضا لطالبِ العلم))) قيل: معناه
تخضع له وتعظّمه، وقيل: تبسطُها له بالدُّعاء؛ لأن جناح الطائر يده.
و (قوله: وإنَّ العالمَ ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض)، يعني استغفار
بـ ((من)) هنا: من يعقل، وما لا يعقل، غير أنه غلّب عليه من يعقل، بدليل أن هذا
الكلام قد جاء في غير كتاب أبي داود، فقال: ((حتى النملة في جحرها، وحتى
الحوت في جوف الماء)»(٣)، وعلى هذا المعنى يدلُّ - من حديث أبي داود هذا -
عطف الحيتان بالواو على من في السموات، ومن في الأرض، فإنه يُفيد أن من
يعقل، وما لا يعقل يستغفرُ العالم؛ فأما استغفارُ من يعقل فواضح؛ فإنه دعاءٌ له
المخلوقات
للعالم
(١) رواه أحمد (٣٣٦/٥)، والبخاري (٥١٤٩)، ومسلم (١٤٢٥)، والترمذي (١١١٤)،
والنسائي (١٢٣/٦)، وابن ماجه (١٨٨٩).
(٢) رواه أبو داود (٣٦٤١)، والترمذي (٢٦٨٢)، وابن ماجه (٢٢٣).
(٣) رواه الترمذي (٢٦٨٥) عن أبي أمامة.

٦٨٦
(٣٦) كتاب العلم - (١) باب: فضل من تعلّم وتفقّه في القرآن
٠٠
بالمغفرة، وأما استغفارُ ما لا يعقل، فهو - والله أعلم - أنَّ اللَّهَ يغفرُ له، ويأجرُه بعَدَد
كلّ شيءٍ لحقَه أثرٌ من علم العالم. وبيان ذلك: أن العالم يُبيِّنُ حكمَ الله تعالى في
السموات وفي الأرض، وفي كلّ ما فيهما، وما بينهما، فيُغفرُ له ذنبه، ويعظم له
أجرُه بحسب ذلك، ويحتمل أن يكونَ ذلك على جهة الإغياء، والأول أولى،
والله تعالى أعلم.
فضل العالم
على العابد
و (قوله: ((وإنَّ فضلَ العالم على العابد، كفضل القمر ليلة البدر على سائر
الكواكب») هذه المفاضلة لا تصحُّ حتى يكونَ كلُّ واحد منهما قائماً بما وجبَ عليه
من العلم والعمل؛ فإنَّ العابدَ لو تَرَك شيئاً من الواجبات، أو عملها على جهل
لم يستحقَّ اسمَ العابد، ولا تصحُّ له عبادةٌ، والعالم لو تركَ شيئاً من الواجبات لكان
مذموماً، ولم يستحقَّ اسمَ العالم، فإذاً محلُّ التفضيل: إنما هو في النوافل، فالعابدُ
يستعملُ أزمانَه في النوافل من الصلاة، والصوم، والذكر وغير ذلك، والعالمُ
يستعملُ أزمانَه في طلب العلم وحفظه، وتقييده، وتعليمه، فهذا هو الذي شبَّهه
بالبدر؛ لأنه قد كَمُلَ في نفسه، واستضاء به كلُّ شيءٍ في العالم من حيث أنَّ علمَه
تعذَّى لغيره، وليس كذلك العابد؛ فإن غايتَه أن ينتفعَ في نفسه، ولذلك شبَّهه
بالكوكب الذي غايتُهُ أن يُظهرَ نفسَه.
تعلیل کون
و (قوله: ((وإنَّ العلماءَ ورثةُ الأنبياء))) إنما خصَّ العلماء بالوراثة، وإن كان
العلماء ورثة العُبَّاد - أيضاً - قد ورثوا عنه العلمَ بما صارُوا به عُبَّاداً؛ لأن العلماء هم الذين نابوا
الأنبياء
عن النبيِّ ◌َّهِ في حملهم العلمَ عنه، وتبليغهم إيَّه لأمته، وإرشادِهم لهم،
وهدايتهم. وبالجملة فالعلماء: هم العالمون بمصالح الأمَّة بعدَه، الذَّابُون عن
سنَّته، الحافظون لشريعته، فهؤلاء الأحقُّ بالوراثة، والأولى بالنيابة والخِلافة، وأما
العُبَّاد فلم يُطلق عليهم اسمُ الوراثة لقصور نفعهم، ويسير حظّهم.
و (قوله: ((إن الأنبياء لم يُورِّوا ديناراً ولا درهماً))) يعني: أنهم صلوات الله
زهد الأنبياء

٦٨٧
(٣٦) كتاب العلم - (١) باب: فضل من تعلّم وتفقّه في القرآن
وما اجتمع قومٌ في بيتٍ من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم
إلا نزلت عليهم السكينةُ
عليهم كان الغالبُ عليهم الزهد، فلا يتركون ما يُورث عنهم، ومن تركَ منهم شيئاً،
يصحُّ أن يُورثَ عنه تصدَّق قبلَ موته، كما فعل نبيّنا نَّ حين قال: ((لا نُورث، ما
تركنا صدقة»(١).
و (قوله: ((فمن أخذه أخذ بحظُّ وافر))) أي: بحظُّ عظيم، لا شيءٌ أعظمُ منه
ولا أفضلُ، كما ذكرناه.
و (قوله: ((ما اجتمعَ قومٌ في بيت من بيوتِ الله يتلون كتابَ الله ويتدارسونه
بينهم إلا نزلت عليهم السكينة))) بيوت الله هي المساجد كما قال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ تعليم القرآن
أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِهَا أَسْمُهُ﴾ [النور: ٣٦]. ففيه ما يدلُّ على جواز تعليم في المساجد
القرآن في المساجد، أما للكبار الذين يتحفظون بالمسجد فلا إشكالَ فيه، ولا
يُختلف فيه، وأما الصِّغار، الذين لا يتحفظون بالمساجد، فلا يجوز؛ لأنه تعريضُ
المسجد للقذر والعبث، وقد قال له: ((جنُّوا مساجدكم صِبْیانكم ومجانینکم))(٢)،
وقد تمسّك بهذا الحديث من يُجيز قراءة الجماعة القرآن على لسان واحدٍ، كما
يُفعل عندنا بالمغرب، وقد كره بعض علمائنا ذلك، ورأوا أنَّها بدعة إذ لم تكنْ
كذلك قراءةُ السلف، وإنما الحديثُ محمول على: أنَّ كلَّ واحدٍ يدرسُ لنفسه، أو
مع من يُصلِح عليه، وليستعينَ به.
و (قوله: ((إلا نزلت عليهم السَّكينةُ))) قد تقدَّم الكلام على السكينة في كتاب
الصلاة، وأنها إما السكون، والوقار، والخشوع، وإمَّا الملائكة الذين يستمعون
(١) رواه أحمد (٢٥/١)، والبخاري (٥٣٧٥)، ومسلم (١٧٥٧) (٥٠).
(٢) رواه عبد الرزاق في مصنفه (١٧٢٦)، وذكره الهيثمي في المجمع (٢٦/٢) وقال: رواه
الطبراني في الكبير، ومكحول لم يسمع من معاذ.

٦٨٨
(٣٦) كتاب العلم - (١) باب: فضل من تعلّم وتفقّه في القرآن
وغَشِيَتْهم الرحمةُ، وذكرهم الله فيمن عنده ، ومن بطَّأ به عملُه لم يسرغ
به نسبه» .
رواه أحمد (٢٥٢/٢)، ومسلم (٢٦٩٩)، وأبو داود (٤٩٤٦)،
والترمذيُّ (١٤٢٥)، وابن ماجه (٢٢٥).
[٢٥٩٣] وقد تقدَّم من حديث أبي هريرة قوله عليه الصلاة
والسلام: ((إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا مِنْ ثلاثةٍ: صدقةٍ جاريةٍ، أو
علمٍ ینتفع به، أو ولد صالح يدعو له)).
رواه أحمد (٣٧٢/٢)، ومسلم (١٦٣١)، وأبو داود (٣٨٨٠)،
والترمذيُّ (١٣٧٦)، والنسائيُّ (٢٥١/٦).
القرآنَ، سُّوا بذلك لما هم عليه من السكون والخشوع.
و (قوله: ((وغشيتهم الرحمة))) أي: تكفير خطيئاتهم، ورفع درجاتهم،
وإيصالُهم إلى جنَّته وكرامته.
و (قوله: ((وذكرَهم اللَّهُ فيمن عنده))) يعني: في الملأ الكريم من الملائكة
المقرّبين، كما قال: ((إنْ ذكرني في ملأ ذكرتُه في ملأ خير منهم))(٢)، وهذا الذِّكر
يحتملُ أن يكونَ ذكرَ ثناءٍ وتشريفٍ، ويحتملُ أن يكون ذكرَ مباهاةٍ، كما باهى
الملائكةَ بأهل عرفة.
و (قوله: ((مَنْ بطَّأْ به عملُه لم يُسرغ به نسبُه))) يعني: أن الآخرة لا ينفعُ فيها
إلا تقوى الله تعالى والعمل الصالح، لا الفخر الراجح، ولا النسب الواضح.
ما ينفع في
الآخرة
(١) رواه البخاري (٧٤٠٥)، ومسلم (٢٦٧٥).

٦٨٩
(٣٦) كتاب العلم - (٢) باب: كراهة الخصومة في الدين
(٢) باب
كراهة الخصومة في الدِّين
والغلو في التأويل والتحذير من اتّباع الأهواء
[٢٥٩٤] عن عائشة، قالت: قال رسولُ اللهِ وَلَّهِ: ((إنَّ أبغضَ الرِّجال
إلى الله الأَلَدُّ الخَصِمُ)).
رواه أحمد (٥٥/٦)، والبخاريُّ (٢٤٥٧)، ومسلم (٢٦٦٨)،
والترمذيُّ (٢٩٧٦)، والنسائيّ (٢٤٧/٨).
(٢) ومن باب: كراهة الخصومة في الدين والغلوّ
في التأويل والتحذير من اتّباع الأهواء(١)
(قوله: ((إن أبغض الرجال إلى الله الألدُّ الخَصْم)) الروايةُ الخَصْم - بسكون
الصاد -، وقد قيَّده بعضُهم بكسرها، وكلاهما اسمٌ للمخاصِم، غير أن الذي
بالسكون هو مصدرٌ في الأصل، وُضِع موضع الاسم؛ ولذلك يكون في المذكر
والمؤنث، والتثنية والجمع بلفظٍ واحدٍ في الأكثر، ومِن العرب مَن يثنيه ويجمعه؛
لأنه يذهبُ به مذهبَ الاسم، وقد جاءتِ اللغتان في كتاب الله تعالى، قال
الله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَنْكَ نَبَؤُّأْ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَُّواْ الْمِحْرَبَ﴾ [ص: ٢١]، ثم قال:
﴿خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾ [صَ: ٢٢]، فأما الذي بالكسر فهو الشديدُ الخصومة،
ويُجمع: خُصْمٌ، فيقال: خصم، وخصم خصمون، كما قال تعالى: ﴿هُمْ قَوْمُ
خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨]. والألدُ: هو الشديد الخصومة، مأخوذٌ من اللدیدین،
وهما جانبا الوادي؛ لأنه كلما أخذ عليه جانبٌ أَخَذَ في جانب آخر، وقيل: لإعماله
(١) لم يرد هذا الباب في التلخيص، والحديثان المشروح ما أشكل فيهما تحت هذا العنوان
وردا في صحيح مسلم، الأول برقم (٢٦٦٨) (٥) والثاني برقم (٢٦٦٩) (٦).

٦٩٠
(٣٦) كتاب العلم - (٢) باب: كرامة الخصومة في الدِّين
لديدَيْه، وهما: صفحتا عنقه عند خصومته. وكان حُكم الألد أن يكون تابعاً
للخصم؛ لأن الألدَّ صفة، والخصم اسم، لكن لما كان خصمٌ مصدراً في الأصل،
وكان الألدُّ صفةً مشهورةً عكس الأمر، فجُعل التابع متبوعاً، وهذا على نحو قوله:
﴿وَغَرَاِيبُ سُودٌ﴾ [فاطر: ٢٧]، وإنما يقال: أسود غربيب. وهذا الخصم المبغوض
عند الله تعالى هو الذي يقصد بخصومته: مدافعةَ الحق، وردّه بالأوجه الفاسدة،
والشُّبَهَ الموهمة، وأشدّ ذلك الخصومة في أصول الدِّين، كخصومة أكثر المتكلِّمين
المعرضين عن الطرق التي أرشد إليها كتابُ الله، وسُنَّةُ نبيّهِوَّهِ، وسَلَف أمته إلى
طرق مبتدعة، واصطلاحات مخترعة، وقوانين جَدَلية، وأمور صناعية، مدارُ
أكثرها على مباحث سُوفِسطائية، أو مناقشات لفظية تردّ بشبهها على الآخذ فيها
شبهٌ ربما يعجز عنها، وشكوك يذهب الإيمانُ معها، وأحسنهم انفصالاً عنها
أجدلهم، لا أعلمهم، فكم مِن عالمٍ بفساد الشبهة لا يقوى على حلها! وكم من
من الأبحاث منفصلِ عنها لا يدركُ حقيقةَ علمها! ثم إنَّ هؤلاء المتكلمين قد ارتكبوا أنواعاً من
المبتدعة في المحال لا يرتضيها البُّلْه، ولا الأطفال، لما بحثوا عن تحيّر الجواهر، والأكوان،
والأحوال، ثم إنهم أخذوا يبحثون فيما أمسك عن البحث فيه السلف الصَّالح، ولم
علم الكلام
يوجدْ عنهم فيه بحثٌ واضحٌ، وهو كيفيَّةُ تعلُّقات صفات الله تعالى، وتقديرها،
واتّخاذها في أنفسها، وأنها هي الذات، أو غيرها، وأن الكلام، هل هو مُتَّحد، أو
منقسم؟ وإذا كان مُنقسماً فهل ينقسمُ بالأنواع، أو بالأوصاف؟ وكيف تعلّق في
الأزل بالمأمور؟ ثم إذا انعدم المأمورُ فهل يبقى ذلك التعلُّقُ؟ وهل الأمرُ لزيد
بالصلاة مثلاً هو عين الأمر لعمرو بالزكاة؟ إلى غير ذلك من الأبحاث المبتدعة التي
لم يأمر الشرعُ بالبحث عنها، وسكت أصحابُ النبيِّ وَُّ ومَن سَلَك سبيلَهم عن
الخوض فيها لعلمهم بأنها بحثٌ عن كيفية ما لا تُعْلَم كيفيته؛ فإنَّ العقولَ لها حدٍّ
تقفُ عنده، وهو العجزُ عن التكييف لا يتعدَّاه، ولا فَرْقَ بينِ البحث في كيفية
الذات، وكيفية الصِّفات، ولذلك قال العليمُ الخبير: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ
أشدّ
الخصومات:
مدافعة الحق

٦٩١
(٣٦) كتاب العلم - (٢) باب: كراهة الخصومة في الدِّين
السَّمِيعُ اَلْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، ولا تبادر بالإنكار فِعْل الأغبياء الأغمار؛ فإنك
قد حُجِبْتَ عن كيفية حقيقة نفسك مع علمك بوجودها، وعن كيفية إدراكاتك، مع
أنك تدركُ بها. وإذا عجزتَ عن إدراك كيفية ما بين جنبيك، فأنتَ عن إدراك ما
لیس کذلك أعجز.
وغايةُ علم العلماء، وإدراك عقول الفضلاء أن يقطعوا بوجود فاعل هذه
المصنوعات منَّه عن صفاتها، مقدَّس عن أحوالها، موصوف بصفات الكمال
اللائق به .
ثم مهما أخبرنا الصَّادقون عنه بشيءٍ من أوصافه، وأسمائه قبلناه، ذُّ السلف
واعتقدناه، وما لم يتعرَّضوا له سكتنا عنه، وتركنا الخوضَ فيه. هذه طريقةُ لعلم الكلام
السّلف، وما سواها مهاوٍ وتَلَف، ويكفي في الردع عن الخوض في طرق
المتكلمين ما قد وَرَدَ في ذلك عن الأئمة المتقدِّمين، فمن ذلك قول عمر بن
عبد العزيز: مَن جَعَل دينَه غرضاً للخصومات أكثرَ الشُّغْلَ، والدِّينُ قد فرغ منه،
ليس بأمرٍ يُؤْتَكَفُ على النظر فيه. وقال مالك: ليس هذا الجدال من الدِّين في
شيءٍ، وقال: كان يقال: لا تمكِّنْ زائغَ القلب من أذنك؛ فإنك لا تدري ما يعلقك
من ذلك. وقال الشافعي: لأن يُبتلى العبدُ بكلِّ ما نهى اللَّهُ عنه، ما عدا الشرك،
خيرٌ له من أن ينظرَ في علم الكلام. وإذا سمعت من يقول: الاسم هو المسمَّى، أو
غير المسمى، فاشهدْ أنه من أهل الكلام، ولا دِيْن له. قال: وحُكْمي في أهل
الكلام أن يُضْرَبُوا بالجريد، ويُطاف بهم في العشائر والقبائل، ويقال: هذا جزاءُ
مَن تركَ الكتابَ والسُّنَّة، وأخَذَ في الكلام. وقال الإمامُ أحمد بن حنبل: لا يُفْلِحُ
صاحبُ الكلام أبداً، علماءُ الكلام زنادقة. وقال ابنُ عقيل: قال بعض أصحابنا:
أنا أقطع أنَّ الصحابةَ - رضي الله عنهم - ماتوا وما عرفوا الجوهر والعرض، فإن
رضيتَ أن تكون مثلَهم فَكُنْ. وإن رأيتَ أن طريقةَ المتكلمين أولى من طريقة أبي
بكر وعمر فبئسَ ما رأيته. قال: وقد أفضى هذا الكلام بأهلِه إلى الشكوك، وبکثیرٍ

٦٩٢
(٣٦) كتاب العلم - (٢) باب: كرامة الخصومة في الدِّين
منهم إلى الإلحاد، وأصلُ ذلك: أنهم ما قَنِعُوا بما بُعِثَتْ به الشرائع، وطَلَبوا
الحقائق، وليس في قوة العقل إدراك ما عند الله من الحِكَم التي انفرد بها، ولو لم
يكن في الجدال إلا أن النبيَّ ◌َ لهُ قد أخبر أنه الضلال، كما قال فيما خرّجه
الترمذي: ((ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل))(١)، وقال: إنه
صحيح.
رجوع کثیر من
أئمة المتكلمين
عن علم الكلام
قلتُ: وقد رجع كثيرٌ من أئمة المتكلِّمين عن الكلام بعد انقضاء أعمار
مديدة، وآماد بعيدة لما لطف اللَّهُ تعالى بهم، وأظهر لهم آياته، وباطن برهانه،
فمنهم: إمام المتكلِّمين أبو المعالي(٢)، فقد حكى عنه الثقاتُ أنه قال: لقد خلَّيتُ
أهلَ الإِسلام وعلومهم، وركبتُ البحرَ الأعظم، وغصتُ في الذي نُهُوا عنه، كلُّ
ذلك رغبةً في طَلَبِ الحقُّ، وهَرَباً من التقليد، والآن فقد رجعتُ عن الكلِّ إلى
كلمة الحقِّ، عليكم بدين العجائز، وأختم عاقبة أمري عند الرحيل بكلمة
الإخلاص، والويل لابن الجوينيِّ.
وكان يقول لأصحابه: يا أصحابنا! لا تشتغلُوا بالكلام، فلو عرفتُ أن الكلامَ
يبلغُ بي ما بلغ ما تشاغلتُ به.
وقال أحمدُ بن سنان: كان الوليدُ بن أبان الكرابيسي، خالي، فلما حضرتْهُ
الوفاةُ قال لبنيه: تعلمون أحداً أعلم مني؟ قالوا: لا، قال: فتَّهموني؟ قالوا: لا.
قال: فإنِّي أوصيكم أفَتَقْبَلُون؟ قالوا: نعم. قال: عليكم بما عليه أصحاب الحديث
فإِنِّي رأيتُ الحقَّ معهم.
وقال أبو الوفا بن عقيل: لقد بالغتُ في الأصول طول عمري، ثم عدتُ
القهقرى إلى مذهب المكتب.
(١) رواه الترمذي (٣٢٥٣).
(٢) هو إمام الحرمين الجويني (ت ٤٧٨ هـ).

٦٩٣
(٣٦) كتاب العلم - (٢) باب: كرامة الخصومة في الدِّين
قلتُ: وهذا الشهرستاني صاحب ((نهاية الإقدام في علم الكلام)) وصف
حالَه فيما وصل إليه من الكلام وما ناله، فتمثل بما قاله:
لَعَمْري لقدْ طفتُ المعاهدَ كلَّها وصَيَّرْتُ طَرْفِي بَيْنَ تِلْكَ المَعَالِمِ
عَلَى ذَقَنٍ أوْ فَارِعاً سِنَّ نَادِمِ
فلم أرَ إلَّ وَاضِعاً كَفَّ خَائِرٍ.
ثم قال: عليكم بدين العجائز؛ فإنه (١) أسنى الجوائز.
قلتُ: ولو لم يكنْ في الكلام شيءٌ يُذَمُّ به إلا مسألتان هما من مبادئه، مسؤَّغات ذُّ
علم الكلام
لكان حقيقاً بالذَّمَ، وجديراً بالتَّرك.
إحداهما: قول طائفة منهم: إنَّ أولَ الواجبات الشكُّ في الله تعالى.
والثانية: قول جماعة منهم: إنَّ مَن لم يعرفِ الله تعالى بالطرق التي طرقوها،
والأبحاث التي حرّروها، فلا يصحُّ إيمانه، وهو كافر.
فيلزمهم على هذا تكفيرُ أكثر المسلمين من السَّلف الماضين، وأئمة
المسلمين، وأنَّ مَن يبدأ بتكفيره أباه، وأسلافه، وجيرانه، وقد أورد على بعضهم
هذا، فقال: لا يُشَنَّعُ عليَّ بكثرة أهل النار، وكما قال: ثم إن من لم يقل بهاتين
المسألتين من المتكلُّمين ردّوا على مَن قال بهما بطرق النظر والاستدلال بناءً منهم
على: أن هاتين المسألتين نظريتان، وهذا خطأٌ فاحش، فالكلُّ يخطّئون الطائفةً
الأولى بأصل القول بالمسألتين، والثانية بتسليم أنَّ فسادَها ليس بضروري، ومن
شكَّ في تكفير من قال: إن الشكَّ في الله تعالى واجبٌ؛ وأنَّ معظمَ الصحابة
والمسلمين كُفَّار، فهو كافر شرعاً، أو مختلّ العقل وَضْعاً؛ إذ كلُّ واحدةٍ منهما
معلومةُ الفساد بالضرورةِ الشرعية الحاصلة بالأخبار المتواترة القطعية، وإن لم يكن
(١) في (ز): فهو.

٦٩٤
(٣٦) كتاب العلم - (٢) باب: كراهة الخصومة في الدِّين
[٢٥٩٥] عن أبي سعيد الخدريِّ، قال: قال رسول الله وَله: ((لَتَّبَعُنَّ
سَنَنَ الذين مِنْ قبلكم شِبْراً بِشِبْرٍ، وذِراعاً بذراعٍ؛ حتى لو دخلوا في جحر
ضبٍّ لاَّبعتمُوهم)). قلنا: يا رسول الله! اليهودُ وَالنَّصارى؟ قال: ((فمن؟)).
رواه أحمد (٨٤/٣)، والبخاريُّ (٧٣٢٠)، ومسلم (٢٦٦٩) وهذا
الحديث والذي قبله لم يردا في أصول التلخيص واستدركا من المفهم.
كذلك فلا ضروريّ يصارُ إليه في الشرعيات ولا العقليات. عصمنا الله من بِدَع
المبتدعين، وسَلَك بنا طرقَ السَّلف الماضين. وإنما طوَّلت في هذه المسألة
الأنفاسَ؛ لما قد شاع من هذه البدع في الناس، ولأنه قد اغترَّ كثيرٌ من الجهال
بزخرف تلك الأقوال، وقد بذلت ما وَجَب عليَّ من النصيحة، والله تعالى يتولَّى
إصلاحَ القلوب الجريحة.
و (قوله: ((لتتبعنَّ سَنَنَ الذين من قبلكم، شبراً بشبر، وذراعاً بذراع))) قيَّدناه
سَنَن بفتح السين، وهو الطريقُ وبضمّها، وهو جمع سُنَّة. وهي الطريقةُ المسلوكة.
وذِكْر الشبر، والذراع، والحجر أمثالٌ تفيدُ أنَّ هذه الأمةَ يطرأُ عليها مِن الابتداع
والاختلاف مثل الذي كان وَقَع لبني إسرائيل. وقد روى الترمذيُّ هذا المعنى
بأوضح من هذا، فقال: ((ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل، حذو النعل
بالنعل، حتى إن كان منهم من يأتي أمَّه علانيةً، لكان في أمتي من يصنعُ ذلك، وإِنَّ
بني إسرائيل تفرَّقت على ثنتين وسبعين ملَّة، وتفترقُ أمتي على ثلاث وسبعين،
كلها في النار إلا واحدة)). قالوا: ومن هي يا رسولَ الله؟ قال: ((ما أنا عليه
وأصحابي)) (١). خرّجه من حديث عبد الله بن عمر. وقد رواه أبو داود من حديث
معاوية بن أبي سفيان وقال: ((ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة، وهي
(١) رواه الترمذي (٢٦٤١).
الافتراقُ
المنھي عنه

٦٩٥
(٣٦) كتاب العلم - (٣) باب: كيفية التفقه في كتاب الله
(٣) باب
کیفیة التفقُّه في کتاب الله
والتحذير من اتّباع ما تشابه منه وعن المماراة فيه
[٢٥٩٦] عن عائشة، قالت: تلا رسول الله وَله: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَنْزَلَ عَلَيْكَ
الْكِتَبَ مِنْهُ مَايَتٌ تُكَمَنُ
الجماعة))(١). يعني: جماعة أصحابي ومن تابعهم على هَذيهم، وسَلَك طريقَهم،
كما قال في حديث الترمذي.
وقد تبيَّن بهذه الأحاديث: أن هذا الافتراقَ المحذَّر منه؛ إنما هو في أصول
الدِّين وقواعده؛ لأنه قد أطلقَ عليها مِللاً، وأخبر أن التمسُّك بشيءٍ من تلك الملل
مُوجِبٌ لدخول النار، ومثل هذا لا يقال على الاختلاف في الفروع؛ فإنه لا يوجبُ
تعديدَ الملل، ولا عذاب النار، وإنما هو على أحد المذهبين السَّابقين، إما مصيبٌ
فله أجران، وإما مخطىءٌ فله أجر على ما ذكرناه في الأصول. والضب: حرذون
الصحراء. وجحره خفيٍّ، ولذلك ضرب به المثل.
(٣) ومن باب: كيفية التفقُّه في كتاب الله
(قوله تعالى: ﴿هُوَ اَلَّذِىّ أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَبَ مِنْهُ مَايَتٌ تُحَكَمَهُ ... ) الآية [آل
عمران: ٣]). اختلف الناسُ في المحكمات والمتشابهات على أقوال كثيرة؛ منها: الاختلاف في
أن المحكم هو الناسخ، والمتشابه: هو المنسوخ.
المحكمات
ومنها: أن المحكم هو القرآن كله، والمتشابه: الحروف المقطَّعة في أوائل
السُّور.
والمتشابهات
(١) رواه أبو داود (٤٥٩٦).

٦٩٦
(٣٦) کتاب العلم -(٣) باب: كيفية التنُّه في کتاب الله
هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأَخَرُ مُتَشَبِهَتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَِّعُونَ مَا تَشَبَهَ مِنْهُ أَبْتِغَاءَ اُلْفِتْنَةِ
وَأَبْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ، وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَةُ: إِلَّ اللَّهُ وَالزَّسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ، كُلِّ ◌ِنْ عِنْدِ رَيِّنَا
وَمَا يَذَكَّرُ إِلَّ أُوْلُواْ آلْأَ لْبَبٍ﴾ [آل عمران: ٧]،
ومنها: أن المحكمَ آياتُ الأحكام، والمتشابه: آيات الوعيد.
ومنها: أن المتشابهَ آياتُ إبهام قيام الساعة، والمحكم: ما عداها.
ومنها: أن المحكمَ ما وضح معناه، وانتفى عنه الاشتباه، والمتشابه:
نقيضه. وهذا أشبهُ ما قيل في ذلك؛ لأنه جارٍ على وضع اللسان، وذلك أنَّ
المحكم اسمُ مفعولٍ من: أحكم. والإحكامُ: الإتقان. ولا شكّ في أنَّ ما كان
واضحَ المعنى لا إشكالَ فيه، ولا تردُّد، وإنما يكون كذلك لوضوح مفردات
كلماته، واتفاق تركيبها، ومتى اختلَّ أحدُ الأمرين جاء التشابهُ والإشكال، وإلى نحو
ما ذکرناه صار جعفرُ بنُ محمد، ومجاهد، وابن إسحاق.
و (قوله: ﴿هُنَّ أم الكتاب﴾) أي: أصلُه الذي يرجعُ إليه عند الإشكال
والاستدلال، ومنه سُمِّيت الفاتحة: أمَّ القرآن؛ لأنها أصلُه؛ إذ هي آخذةٌ بجملة
علومه، فكأنه قال: المحكمات: أصولُ ما أشكل من الكتاب، فتعيَّن ردُّ ما أشكل
منه إلى ما وضح منه، وهذا أيضاً أحسنُ ما قيل في ذلك.
و (قوله: ﴿فأما الذين في قلوبهم زيغٌ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة
وابتغاء تأويله﴾) الزيغُ: الميلُ عن الحق، وابتغاءُ الفتنة: طلبُ الفتنة، وهي
الضلال. مجاهد: الشك. وتأويله ما آل إليه أمرُه، وكُنْه حقيقته، فكأنهم تعمَّقوا
في التأويل طلباً لِكُنْه الأمر وحقيقته، فكره لهم التعمُّق.
و (قوله: ﴿وما يعلمُ تأويلَه إلا الله﴾) أي: ما يعلمُ حقيقةَ ما أُريد بالمتشابه
إلا الله. والوقف على (الله) أولى.
و (قوله: ﴿والراسخون في العلم يقولون: آمنا به كل من عند ربنا﴾) جملةٌ

٦٩٧
(٣٦) کتاب العلم - (٣) باب: کيفية التنتُّه في كتاب الله
قالت: قال رسول الله : ((إذا رأيتم الذين يتَّبعون ما تشابه منه فأولئك
الذين سمَّاهم اللَّهُ، فاحذروهم!)).
رواه أحمد (٤٨/٦)، والبخاريُّ (٤٥٤٧)، ومسلم (٢٦٦٥)،
وأبو داود (٤٥٩٨)، والترمذي (٢٩٩٣)، وابن ماجه (٤٧).
ابتدائيةٌ مستأنفة. مقتضاها: أن حالَ الرَّاسخين عند سماع المتشابه الإيمان
والتسليم، وتفويض علمه إلى الخبير العليم، وهذا قولُ ابنٍ مسعود وغيره. وقيل:
والراسخون: معطوف على الله تعالى، حُكي عن عليٍّ وابن عباس، والأول أليقُ
وأسلم.
و (قوله: ((إذا رأيتم الذين يتَّبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمَّاهم الله ذُّ المتشككين
فاحذروهم))) يعني: يتّبعونه ويجمعونه طَلَباً للتَّشكيك في القرآن، وإضلالاً للعوام، في القرآن
كما فعلته الزَّنادقة، والقرامطة الطاعنون في القرآن، أو طلباً لاعتقاد ظواهر المتشابه
كما فعلته المجسّمة؛ الذين جمعوا ما وقع في الكتاب والسُّنَّة مما يُوهِم ظاهِرُه
الجسمية، حتى اعتقدوا: أن البارىء تعالى جسمٌ مُجَسَّم، وصورةٌ مصوَّرة ذاتُ
وجه، وعين، ويدٍ، وجنبٍ، ورجلٍ، وإصبع، تعالى الله عن ذلك، فحذَّر النبيُّ لِله
عن سُلوك طريقهم.
فأما القسم الأول، فلا شك في كفرهم، وأن حُكْمَ الله فيهم القتلُ من غير
استتابة .
وأما القسم الثاني، فالصحيحُ القولُ بتكفيرهم، إذ لا فرقَ بينهم وبين عُبَّاد
الأصنام والصُّور، ويُستتابون؛ فإن تابوا وإلا قُتِلوا، كما يُفعل بمن ارتدًّ.
فأما من يتبع المتشابه، لا على تلك الجهتين، فإن كان ذلك على إبداء مذهب السلف
تأويلاتها، وإيضاح مَعانيها، فذلك مختلفٌ في جوازه بناءً على الخلاف في جواز في المتشابه
تأويلها، وقد عُرِف أنَّ مذهبَ السَّلف ترك التعرُّض لتأويلاتها مع قَطْعِهم باستحالة

٦٩٨
(٣٦) کتاب العلم -(٣) باب: کیفیة النفقُّه في كتاب الله
[٢٥٩٧] وعن عبد الله بن عمرو، قال: هَجَّرت إلى رسول الله وَّه
يوماً، قال: فسمع أصوات رجلين اختلفا في آيةٍ، فخرج علينا
رسولُ الله ◌ِوَلِّ يُعْرفُ في وجهه الغَضَبُ فقال: ((إنَّما هلك من كان قبلَكُم
باختلافهم في الکتاب».
رواه مسلم (٢٦٦٦).
ظواهرها. ومذهب غيرهم: إبداء تأويلاتها، وحَمْلها على ما يصحُ حَمْلُه في
اللسان عليها من غير قَطْع مُتَعيِّن محملٍ منها. وأما من يتَبَعُ المتشابه على نحو ما
فعل صبيغ فحكمُه حُكْم عمر - رضي الله عنه - فيه الأدب البليغ. والراسخ في
العلم: هو الثابت فيه، المتمكن منه.
و (قوله: هَجَّرت إلى رسول الله وَليهِ يوماً) أي: خرجتُ إليه في الهاجرة،
وهي: شدة الحرِّ.
و (قوله: فسمع أصواتَ رجلين اختلفا في آيةٍ، فخرج يُعْرَفُ في وجهه
الغضبُ فقال: ((إنما هَلَكَ مَن كان قبلكم باختلافهم في الكتاب))) هذا الاختلافُ لم
يكن اختلافاً في القراءة؛ لأنه ◌َله قد سوَّغ أن يُقْرَأَ القرآن على سبعة أحرف كما
تقدَّم، ولم يكن أيضاً في كونها قرآناً؛ لأن ذلك معلومٌ لهم ضرورة، ومثل هذا
لا يختلفُ فيه المسلمون، ولا يُقَرُّون عليه؛ فإنه كفرٌ، فلم يَبْقَ إلا أنه كان اختلافاً في
المعنى. ثم تلك الآيةُ يحتملُ أن كانت من المحكمات الظّاهرة المعنى، فخالف
فيها أحدُهما الآخر إما لقصورٍ فَهْم، وإما لاحتمالٍ بعيد، فأنكر النبيُّ وَّر ذلك؛ إذ
قد ترك الظاهرَ الواضح، وعدل إلى ما ليس كذلك، ويحتمل أن كانت من
المتشابه، فتعرَّضوا لتأويلها، فأنكر النبيُّ مَّهرِ ذلك، فيكون فيه حُجَّةٌ لمذهب
السَّلف في التسليم للمتشابهات، وتَرْك تأويلها .

٦٩٩
(٣٦) كتاب العلم - (٣) باب: كيفية التفقُّه في كتاب الله
[٢٥٩٨] وعن جُنْدب، قال: قال رسول الله وَ له: ((اقرؤوا القرآن ما
ائتلفتْ عليه قلوبكم، فإذا اختلفتُم فيه فقوموا)).
رواه أحمد (٣١٢/٤)، والبخاريُّ (٥٠٦١)، ومسلم (٢٦٦٧) (٣).
*
*
*
و (قوله: ((اقرؤوا القرآنَ ما ائتلفتْ عليه قلوبُكم، فإذا اختلفتم فيه فقوموا»)
يحتملُ هذا الخلافُ أن يُحْمَلَ على ما قلناه آنفاً. قال القاضي: وقد يكون أمرُه
بالقيام عند الاختلاف في عصره وزمَنه؛ إذ لا وَجْهَ للخلاف والتَّازع حينئذٍ، لا في
حروفه، ولا في معانيه، وهو ◌َِّ حاضرٌ معهم، فيرجعون إليه في مُشْكِله، ويقطعُ
تنازعهم بتبیانه.
قلتُ: ويظهر لي: أنَّ مقصودَ هذا الحديث الأمرُ بالاستمرار في قراءة الأمر بقراءة
القرآن، وفي تدبُّره، والزَّجْر عن كلِّ شيءٍ يقطعُ عن ذلك. والخلاف فيه في حالة القرآن مع
القراءة قاطعٌ عن ذلك في أي شيءٍ كان من حروفه، أو معانيه، والقلبُ إذا وَقَعَ فيه
التدبر
شيءٌ لا يمكن ردُّه على الفور، فأمرهم بالقيام إلى أن تزول تشويشاتُ القلب.
ويُستفادُ هذا من قوله: ((اقرؤوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم)) فإن القراءةَ باللسان،
والتدبُّر بالقلب، فأمر باستدامة القراءة مدَّةَ دوام تدبُّر القلب، فإذا وقع الخلافُ في
تلك الحال انصرفَ اللِّسانُ عن القراءة، والقلبُ عن التدبُّر. وعلى هذا فمن أراد أن
يتلوَ القرآن، فلا يبحث عن معانيه في حال قراءته مع غيره، ويفرد لذلك وقتاً غير
وقت القراءة. والله أعلم.
والحاصلُ: أن الباحثين في فَهْم معاني القرآن يجبُ عليهم أن يقصدوا ما يجب على
ببحثهم التعاونَ على فهمه، واستخراج أحكامه، قاصدين بذلك وجه الله تعالى،
الباحث في
فهم معاني
ملازمين الأدبَ والوقار، فإن اتفقتْ أفهامُهم، فقد كملت نعمةُ الله تعالى عليهم، القرآن
وإن اختلفت، وظهر لأحدهما خلافُ ما ظهر للآخر، وكان ذلك من مثارات
الظُّنون، ومواضع الاجتهاد، فحقُّ كلِّ واحد أن يصيرَ إلى ما ظهر له، ولا يثرِّب
على الآخر، ولا يلومه، ولا يجادله، وهذه حالةُ الأقوياء والمجتهدين، وأما مَن لم

٧٠٠
(٣٦) كتاب العلم - (٤) باب: إثم من طلب العلم لغير الله
(٤) باب
إثم من طلب العلم لغير الله
[٢٥٩٩] عن أبي هريرة، قال: سمعتُ رسول الله وَلَ﴾ يقول: ((إنَّ
أول الناس يُقْضَى عليه يومَ القيامة رجلٌ استُشْهِد - وقد تقدم الحديث -،
وفيه: ورجلٌ تعلَّم العِلْمَ وعلَّمه، وقرأ القرآن، فأتي به، فعرَّفه نعمه،
فعرفها. قال: فما عَمِلْتَ فيها؟ قال: تعلَّمْتُ العلم وعلَّمْتُه، وقرأت فيك
القرآن. قال: كذبت، ولكنَّك تعلَّمت العلم لِيُقال عالم، وقرأت القرآن
لِيُقال قارىء، فقد قيل، ثم أُمِرَ به، فسحب على وجهه حتى ألقيَ في النَّار)).
رواه مسلم (١٩٠٥) (١٥٢).
يكن كذلك فحقُّه الرجوعُ إلى قول الأعلم، فإنه عن الغلط أَبْعَدُ وأسلم، وأما إن
كان ذلك من المسائل العلمية فالصَّائر إلى خلافِ القطع فيها محروم، وخلافُه فيها
محرَّم مَذْمُوم، ثم حُكْمُه على الثَّحقيق إما التَّكفير، وإما التَّفسيق.
هلاك
المتنطعين
و (قوله: ((هَلَكَ المتنطّعون - ثلاثاً ))(١)) هم المتعمّقون في الكلام، الغالون
فيه، ويعني بهم: الغالين في التأويل، العادلين عن ظواهر الشَّرع بغير دليلٍ؛
كالباطنية، وغُلاة الشيعة. وهلاكُهم بأن صُرِفُوا عن الحق في الدنيا، وبأن يُعَذَّبُوا
في الآخرة. والتكرار: تأكيدٌ وتفخيمٌ بعظيم هلاكهم.
[(٤) ومن باب: إثم من طلب العلم لغير الله](٢)
(قوله: كذبت، ولكنك تعلَّمت العلم ليقال: عالم، وقرأتَ القرآنَ ليقال:
قارىء، فقد قيل، ثم أُمِرَ به، فسُحِبَ على وجهه حتَّى أَلْقِي في النار))) دليلٌ على
(١) هذه العبارة لم ترد في أحاديث التلخيص، وإنما وردت في صحيح مسلم برقم
(٢٦٧٠) (٧).
(٢) هذا العنوان لم يرد في نسخ المفهم، واستدركناه من التلخيص.