Indexed OCR Text
Pages 621-640
٦٢١ (٣٤) كتاب البر والصلة - (٣٣) باب: تغليظ عقوبة من أمر بمعروف ولم يأته خروجُه بسرعة(١) من غمده، والأقتاب: الأمعاء، واحدها قتب. وقال الأصمعيُّ: واحدُها قتبة، ويقال لها أيضاً: الأقصاب، واحدها قصب، قاله أبو عبيد. وقال أبو عبيدة: القتب: ما تحوّى من البطن يعني: استدار، وهي الحوايا، وإنما اشتدَّ عذابٌ هذا؛ لأنه كان عالماً بالمعروف وبالمنكر، وبوجوب القيام عليه بوظيفة كلِّ واحدٍ منهما، ومع ذلك فلم يعملْ بشيءٍ من ذلك، فَصَار كأنه مستهينٌ بحرمات الله تعالى، ومستخفّ بأحكامه، ثم إنه لم يتبْ عن شيءٍ من ذلك، وهذا من جملة من لم ينتفع بعلمه، الذين قال فيهم النبيُّ وَّهِ: ((أشدُّ الناسِ عذاباً يوم القيامة: عالمٌ تشديد عذاب لم ينفعْه اللَّهُ بعلمه))(٢). وإنما ذكر أسامةُ هذا الحديثَ مُستدلّاً به على مَنْع إطراء من لم يعمل الأمير؛ بأن يُقال له: أنت خيرُ الناس؛ لأنه يمكنُ أن يكونَ ذلك الأميرُ ممَّن يأمرُ بعلمه بالمعروف، ولا يفعلُه، وينهى عن المنكر ويفعلُه فيستحقُّ هذا العقاب الشديد، فكيف يُقال له: أنت خيرُ الناس؟! ويشهدُ لهذا مساقُ قوله؛ فتأمَّلْه، والله أعلم، وقد تقدَّم القول في وجوب تغيير المنكر. (١) ليست في (ز). (٢) رواه الطبراني في المعجم الصغير (١٨٢/١ -١٨٣)، والبيهقي في شعب الإيمان (١٧٧٨). وانظر: مجمع الزوائد (١٨٥/١)، والترغيب والترهيب للمنذري (٢٢٢). ٦٢٢ (٣٤) كتاب البر والصلة - (٣٤) باب: في تشميت العاطس (٣٤) باب في تشميت العاطس إذا حمد الله تعالى [٢٥٤٧] عن أنس بن مالكِ، قال: عَطَس عند النَّبِيِّ ◌َ﴿ رجلان، فشَمَّتَ أحَدَهُما ولم يُشَمَّتِ الآخر! فقال الذي لم يُشَمَّتْهُ: عطس فلان فشمَّنَّه، وعَطَسْتُ أنا فلم تُشَمَّتْنِي؟! قال: ((إن هذا حَمِدَ الله وإنَّك لم تَحْمد الله)). رواه أحمد (١٠٠/٣)، والبخاريُّ (٦٢٢٥)، ومسلم (٢٩٩١)، وأبو داود (٥٠٣٩)، والترمذيُّ (٢٧٤٢)، وابن ماجه (٣٧١٣). [٢٥٤٨] وعن أبي موسى، قال: سمعت النَّبِيَّ ◌َّ يقول: ((إذا عَطَس أحدُكم فحَمِدَ الله فَشمُّتُوه، (٣٤ و ٣٥) ومن باب: تشميت العاطس وكظم التثاؤب (١) حكم تشمیت العاطس (قوله: ((إذا عَطَس أحدُكم فحمِد اللَّهَ فشمِّتوه))) تشميتُ العاطس: هو الدُّعاءُ له بالخير، يال: شمَّت العاطسَ وسمَّته بالشين والسين: إذا دعا له بالخير. والشين: أعلى اللغتين. قاله أبو عبيد. وقال ثعلب: معنى التشميت بالشين: أبعدَ اللَّهُ عنك الشَّماتة. وأصلُ السين من السّمت، وهو القصدُ والهُدى. وقال ابنُ الأنباري: كلُّ داع بالخير مُسمِّتٌ. وقد اختلف في تشميت العاطس الحامد لله؛ فأوجبه أهلُ الظاهر على كُلِّ مَن سمعه، للأمر المتقدِّم، ولقوله ◌َّ: ((إذا عَطَس أحدُكم فحمد الله كان حقّاً على كلِّ مسلم يسمعُه أن يقول: يرحمك الله))(٢). (١) شرح المؤلف - رحمه الله - في المفهم تحت هذا العنوان بابين في التلخيص، وهما: باب: تشميت العاطس، وباب: في التثاؤب وكظمه. (٢) رواه البخاري (٦٢٢٦). ٦٢٣ (٣٤) كتاب البر والصلة - (٣٤) باب: في تشميت العاطس وإذا لم يَحْمَد الله فلا تُشَمِّتُوهُ)). رواه مسلم (٢٩٩٢). أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -. والمشهور من مذهب مالك، ومن اتَّبعه في جماعة العلماء: أنه فَرْضٌ على الكفاية، فيجزىء فيه دعاءُ بعضٍ عن بعض. وذهبت فرقةٌ: إلى أنه على النَّدب، وإليه ذهبَ القاضي أبو محمد ابن نصر، وتأوَّلوا قولَه وَّهِ: ((حقٌّ على كلِّ مسلم سمعه أن يشمته)): أن ذلك حقٌّ في حكم الأدب، ومكارم الأخلاق، كقوله: ((حقُّ الإبل أن تُحلب على الماء))(١). ثم اختلف العلماءُ في كيفية الحمد والردّ لاختلاف الآثار. فقيل: يقول: كيفية الحمد الحمد لله. وقيل: الحمد لله ربِّ العالمين. وقيل: الحمد لله على كل حال، وخيَّره بعد العطاس الطبريُّ فيما شاء من ذلك، ولا خلافَ أنه مأمورٌ بالحمد. وأما المشمِّت فيقول: ما يردّبه يرحمُنا اللَّهُ وإياكم، واختلف في ردِّ العاطس على مشمِّته، فقيل يقول: يهديكم العاطس على الله، ويصلح بالكم. وقيل يقول: يغفر الله لنا ولكم. وقيل: يرحمنا الله وإياكم، المشمت ويغفر لنا ولكم. وقال مالك والشافعي: إن شاء قال: يغفر الله لنا ولكم، وإن شاء قال: یهدیکم اللهُ ويصلح بالكم. و (قوله: ((وإن لم يحمَدِ الله فلا تشمته))) هذا نهيٌ عن تشميت مَن لم يحمدِ النهي عن الله بعد عطاسه، وأقلُّ درجاته: أن يكون الدعاء له مكروهاً عقوبة له على غفلته عن تشميت من لم نعمةِ الله عليه في العطاس؛ إذ خَرَج منه ما احتقن في الدِّماغ من البُخار. قاله بعضُ یحمد الله شيوخنا، ولا خلافَ أعلمه أنَّ مَن لم يحمد الله لا يشمَّت، وقد ترك النبيُّ لَّه تشميت العاطس الذي لم يحمدِ الله، ونصَّ على أنَّ تَرْكَ الحمدِ هو المانعُ مِن ذلك. (١) رواه البخاري (٢٣٧٨). ٦٢٤ (٣٤) كتاب البر والصلة - (٣٤) باب: في تشميت العاطس [٢٥٤٩] وعن سلمةَ بنِ الأكوع، أنَّه سمع النَّبيَّ نَلّ عَطَس عنده رجلٌ فقال له: ((يَرْحَمُكَ اللَّهُ)) ثم عطس أخرى فقال رسول الله وَليون: ((الرَّجل مزكومٌ)). رواه أحمد (٤٦/٤)، ومسلم (٢٩٩٣)، وأبو داود (٥٠٣٧)، والترمذيٍّ (٢٧٤٣). وجوب تشمیت العاطس على مَنْ سمع الحمد و (قوله في حديث البخاري: ((كان حقاً على كلِّ مَن سمعه أن يُشمِّته))) يدلُّ على: أنَّ العاطسَ ينبغي له أن يُسْمِعَ صوتَه لحاضريه، وينبغي لكلِّ مَن سَمِعه أن يشمِّتَه، بحيث يُسْمِعُ من يليه، وينبغي لمن لم يسمعِ العاطسَ وسمع المشمِّت، أن يُشمِّتَ العاطسَ إذا حصل له أنَّ ذلك تشمیتٌ له. والأظهرُ مِن الأحاديث المتقدِّمة وجوبُ التَّشميت على كلِّ من سمعه إذا حَمِد الله، وهو مذهبُ أهل الظَّاهرِ، وهي روايةٌ عن مالك. ◌ُكم التشميت في حال التكرار و(قول سلمة بن الأكوع: أنَّ النبي ◌َّهِ عَطَس عنده رجلٌ فقال له: ((يرحمُك الله)) ثم عَطَس أُخرى، فقال رسولُ اللهِ: ((الرجلُ مزكوم))) هكذا وقع هذا الحديثُ في كتاب مسلم: أنه وَِّ قال للرجل: ((إنك مزكوم)). وهو الصَّحيحُ في الثانية، وقد خرَّجه الترمذيُّ(١)، وقال في الثالثة: ((أنت مزكوم)). والصَّحيحُ في الرواية، وقد جاء في كتاب أبي داود وغيره الأمرُ بذلك مُبيَّناً: ((شمِّت أخاك ثلاثاً، فما زاد فهو مزكومٌ))(٢)؛ وبذلك قال مالك، وإن كان قد روى في موطئه الشك في الثالثة، أو الرابعة. (١) رواه الترمذي (٢٤٧٣). (٢) رواه أبو داود (٥٠٣٤). ٦٢٥ (٣٤) كتاب البر والصلة - (٣٥) باب: في التثاؤب وكظمه (٣٥) باب في التثاؤب وكظمه [٢٥٥٠] عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ الله وَهِ قالَ: ((التثاؤبُ من الشَّیطانِ! تنبيه: ينبغي للعاطس تغطيةُ وجهه في حال عطاسه، وأن يخفضَ صوتَه به؛ ما ينبغي أن لأَنَّ النبيَّ وَهَ كذلك كان يفعلُ؛ ولأنَّ تغطيةَ الوجه ستر لما يُغَيِّرُ العطاسُ من الوجه يفعله العاطس والهيئة؛ ولأن إعلاءَ الصَّوت عندها مباعدٌ للأدب والوقار(١). و (قوله: ((التثاؤب من الشَّيطان))) التثاؤبُ: مصدر تثاءب مهموزاً، ممدوداً، التثاؤب من ولا يُقال بالواو، ومُضارعه: يتثاءب، والاسم: الثُّغَباء، كلُّ ذلك بالهمز. قال الشيطان ابنُ دريد: أصلُه من: ثاب الرجل، فهو مثوّب؛ إذا استرخى وكسل، ونسبته للشَّيطان؛ لأنه يصدرُ عن تكسيله، فإنه قلَّ أن يصدرَ ذلك مع النشاط. وقيل: نُسِب إليه؛ لأنه يرتضيه. وفي البخاري عن أبي هريرة عن النبيِّ وَ ◌ّ قال: ((إنَّ الله يحبُّ العطاس، ويكره التثاؤب، فإذا عَطَسَ أحدكم ... ))(٢) الحديث، كما تقدم. قال: ((وأما التثاؤبُ فإنَّما هو من الشَّيطان، فإذا تثاءب أحدكم فليردَّه ما استطاع، فإنَّ أحدَكم إذا تثاءب ضحكَ الشيطانُ منه)). وهذا يُشْعِرُ بصحَّة التأويل الثاني؛ فإن ضحك الشيطانِ منه سخريةٌ به؛ لأنه صَدَرَ عنه التثاؤب الذي يكون عن الكَسَل، وذلك كلُّه يُرضيه؛ لأنه يجدُ به طريقاً إلى التكسيل عن الخيرات والعبادات، ولذلك جاء في بعض طرق هذا الحديث: ((التثاؤبُ في الصَّلاة من الشيطان))(٣)؛ لأنَّ ذلك يدلُّ (١) ولئلا يتناثر منه شيء بسبب العطاس فيؤذي مَن حوله. (٢) رواه البخاري (٦٢٢٣). (٣) رواه الترمذي (٣٧٠). ٦٢٦ (٣٤) كتاب البر والصلة - (٣٥) باب: في التثاؤب وكظمه فإن تثاءبَ أحدُكم فلیکظِمْ ما استطاع)). رواه أحمد (٥١٦/٢)، ومسلم (٢٩٩٤) (٥٦)، والترمذيّ (٣٧٠). [٢٥٥١] وعن أبي سعيد الخدريٍّ، قال: قال رسولُ الله وَلَ و: ((إذا تثاءب أحدكم فليُمْسِك بيده على فِيْهِ فإنَّ الشيطان يدخل)). وفي رواية: ((إذا تثاءب أحدُكم في الصَّلاة فَلْيَكْظِمْ ما استطاع فإنَّ الشیطان یدخل)). رواه أحمد (٩٦/٣)، ومسلم (٢٩٩٥) (٥٧ و٥٩)، وأبو داود (٥٠٢٦ و ٥٠٢٧). على كَسَله فيها، وعَدم نشاطه، فتثقلُ عليه، فيملّها، فيستعجلُ فيها، أو يُخِلُّ بها. و (قوله: ((فليكظمْ ما استطاع») هذا خطابٌ لمن غلبه ذلك؛ فإنه يكسرُه بسدِّ فاه ما أمكن، أو بوضع يده على فمه. وأما من أحسَّ بمباديه فهو المخاطبُ في حديث البخاري بقوله: «فليردَّه))، ويُحتمل أن يكون اللفظان بمعنى واحد. و (قوله: ((فإنَّ الشيطانَ يدخل))) يعني في الفم إذا لم يكظم. ويحصل من هذه الرواية، ومِن حديث البخاري: أنَّ مَن لم يكظم تثاؤبه ضحك الشيطانُ منه، ودَخَل في فمه، وقيل: إنه يتقيَّأ في فمه. قال القاضي: ولهذا أُمر المتثاءبُ بالتفل ليطرحَ ما ألقى الشيطانُ في فمه. وكلُّ هذا يُشْعِر بكراهة التَّثاؤب، وكراهة حالة المتثائب إذا لم يكظم، وأوامرُ هذا الباب من باب الإرشاد إلى محاسن الأحوال، ومكارم الآداب. ما يفعله من غلبه التثاؤب ٦٢٧ (٣٤) كتاب البر والصلة - (٣٦) باب: في كراهية المدح (٣٦) باب كراهية المدح وفي حثو التراب في وجوه المدَّاحين [٢٥٥٢] عن أبي بكرٍ، عن النَّبِيِّ وَِّ: أنَّهَ ذُكِر عنده رجلٌ، فقال رجلٌ: يا رسول الله! ما من رجلٍ بعد رسول الله وَ ﴿ أفضلَ مِنْهُ في كذا وكذا! فقال النَّبيُّ وَّر: ((ويحك! قطعت عنق صاحبِك)) - مراراً يقول ذلك - (٣٦) ومن باب: كراهة المدح (قوله: ((ويحك! قطعتَ عُنُقَ صاحبك))، وفي حديث أبي موسى: ((قطعتم النهي عن مدح الإنسان في وجھہ ظهر الرُّجل))) كلُّ ذلك بمعنى أهلكتموه. وقد جاء عنهم﴿ أَنَّه قال: ((إياكم والمدحَ؛ فإنه الذَّبْحُ))(١). ويعني بذلك كلِّه: أن الممدوحَ إذا أكثر عليه من ذلك يُخاف عليه منه العجبُ بنفسه، والكبر على غيره، فيهلك دينه بهاتين الكبيرتين، فإذاً المدحُ مظنَّهُ الهلاك الديني، فيحرم، لكن هذه المظنة لا تتحقَّقُ إلا عند الإكثار منه، والإطراء به، وأما مع الندرة والقلَّة؛ فلا يكون مظنَّة، فيجوزُ ذلك إذا كان حقّاً في نفسه، ولم يقصدْ به الإطراء، وأُمِن على الممدوح الاغترارُ به. وعلى هذا يُحمل ما وقع الصحابة - رضي الله عنهم - من مَذْح بعضهم لبعضٍ مشافهة ومكاتبة. وقد مُدِح النبيُّ ◌َ ﴿ مشافهةً نظماً ونثراً، ومَدَح هو أيضاً جماعةً من أعيانِ أصحابه مشافهة، لكنَّ ذلك كلَّه إنما جاز لمَّا صحَتِ المقاصد، وأُمِنتِ الآفاتُ المذكورة. و (قوله: ((إن كان أحدُكم مادحاً أخاه لا محالة، فليقلْ: أحسبُ فلاناً؛ إن ما يقوله مَن كان يرى أنه كذلك))) ظاهِرُ هذا: أنه لا ينبغي للإنسان أن يمدحَ أحداً ما وَجَد من كان مادحاً أخاه ذلك مندوحة، فإن لم يجدْ بُدّاً مَدَح لما يعلمه من أوصافه، وبما يظنُّه، ويتحرَّزُ من لا محالة (١) رواه أحمد (٩٩/٤). ٦٢٨ (٣٤) كتاب البر والصلة - (٣٦) باب: كراهية المدح ثم قال رسول الله وَله: ((إنْ كانَ أحدُكم مادحاً أخاه لا محالة؛ فَلْيَقُلْ: أحسب فلاناً إنْ كان يُرى أنَّهُ كذلك، ولا أزكِّي على الله أحداً». رواه أحمد (٤٦/٥)، والبخاريُّ (٢٦٦٢)، ومسلم (٣٠٠٠) (٦٥ و ٦٦)، وأبو داود (٤٨٠٥). [٢٥٥٣] وعن أبي موسى، قال: سمع النَّبِيُّ بَّه رجلاً يُثني على رجلٍ، ويطريه في المِدحة، فقال: ((لقد أهلكتُم - أو قطعتم - ظهر الرجل)). رواه أحمد (٤١٢/٤)، ومسلم (٣٠٠١). [٢٥٥٤] وعن هَمَّام بن الحارث: أنَّ رجلاً جعل يمدح عثمان، فعمد المقداد فجثا على ركبتيه - وكان رجلاً ضخماً - فجعل يحثو في وجهه الحصباء، فقال له عثمان: ما شأنك؟ فقال: إنَّ رسول الله وَلِّ قال: ((إذا رأيتم المدَّاحين فاحثوا في وجوههم التُّراب)). رواه أحمد (٥/٦)، ومسلم (٣٠٠٢) (٦٩). الجزم والقَطْع بشيءٍ من ذلك، بل: يتحرَّزُ بأن يقول: فيما أحسبُ أو أظنُّ، ويزيدُ على ذلك: ولا أزكِّي على الله أحداً، أي: لا أقطعُ بأنه كذلك عند الله؛ فإنَّ اللَّهَ تعالى هو المطَّلِعُ على السَّرائر، العالمُ بعواقب الأمور. عقوبة المذَّاح و (قول همَّامٍ: إنَّ رجلاً جَعَل يمدحُ عثمانَ، فجعل المقدادُ يحثو في وجهه الحصباء) كأن هذا الرجلَ أكثر من المدح حتى صَدَق عليه أنه مدَّاح، ولذلك عمل المقدادُ بظاهر ذلك الحديث، فحثا في وجهه التراب، ولعلَّ هذا الرجلَ كان ممَّن اتخذ المدحَ عادةً وحرفةً، فصدقَ عليه! مدَّاح، وإلا فلا يصدقُ ذلك على من مَدَح ٦٢٩ (٣٤) كتاب البر والصلة - (٣٦) باب: كراهية المدح مرَّة أو مرّتين، أو شيئاً أو شيئين. وقد بيَّن الصحابيُّ بفعله: أنَّ مراد النبي(١) من هذا الحديث: حَمْلُه على ظاهره، فعاقب المدَّاحَ برمي التراب في وجهه، وهو أقعدُ بالحال، وأعلمُ بالمقال. وقد تأوَّله غيرُ ذلك الصحابيِّ تأويلات؛ لأنه رأى: أنَّ ظاهِرَه جفاء، والنبي ◌َّهُ لا يأمر بالجفاء. فقيل: إنَّ معناه: خيِّيوهم، ولا تعطوهم شيئاً؛ لأن من أعْطِي التراب لم يُعْطَ شيئاً، كما قد جاء في الحديث الآخر: ((إذا جاء صاحب الكلب يطلبُ ثمنه فاملأ كفَّه تراباً)(٢). أي: خيبةً، ولا تعطه شيئاً. وقيل: إن معناه: أعطه ولا تبخل عليه؛ فإن مآلَ كلِّ ما يعطى إلى التّراب. كما قال (٣). وكلُّ الذي فوق الترابِ ترابُ (٤) وقيل: معناه: التَّنبيه للممدوح على أن يتذكَّرَ أنَّ المبدأ والمنتهى التراب فليعرضه على نفسه لئلا يعجب بالمدح، وعلى المدَّاح، لئلا يُفرط ويطري بالمدح، وأشبهُ المحامل بعد المحمل الظَّاهر الوجهُ الأول، وما بعده ليس عليه مُعَوَّل. (١) في (ع): الشرع. (٢) رواه أحمد (٢٨٩/١). (٣) القائل هو: أبو فراس الحمداني. (٤) هذا عجز بيت، وصدره: إذا صحَّ منك الودُ فالكلُّ هيِّنٌ. ٦٣٠ (٣٤) كتاب البر والصلة - (٣٧) باب: ما جاء أن أمر المسلم كله له خير (٣٧) باب ما جاء أنَّ أمر المسلم كلّه له خير ولا يلدغ من جحر مرتين [٢٥٥٥] عن صهيب، قال: قال رسول الله وقال : ((عجباً لأمر المؤمن، إنَّ أمرَه كلَّه له خير، وليس ذلك لأحدٍ إلا للمؤمن؛ إن أصابته سرَّاء شكر، فكان خيراً له، وإن أصابته ضرّاء صبر، وكان خيراً له)). رواه أحمد (٣٣٢/٤)، ومسلم (٢٩٩٩). [(٣٧) ومن باب: ما جاء أن أمر المؤمن كلّه له خير، ولا يُلدغ من جحر مرتين](١) (قوله: ((عَجَباً لأَمْر المؤمن، إنَّ أَمْرَه كلَّه له خيرٌ)) المؤمن هنا: هو العالمُ بالله، الرَّاضي بأحكامه، العامل على تصديق موعوده، وذلك: أن المؤمن المذكورَ إما أن يُبتلى بما يضرُّه، أو بما يسرُّه؛ فإن كان الأول صبر واحتسب ورضي، فحصل على خير الدنيا والآخرة وراحتهما، وإن كان الثاني عرف نعمة الله عليه، ومِنَّته فيها فشكرها، وعمل بها، فحصل على نعيم الدنيا ونعيم الآخرة. و (قوله: ((وليس ذلك إلا للمؤمن))) أي: المؤمن الموصوف بما ذكرتُه؛ لأنه إن لم يكن كذلك لم يصبر على المصيبة ولم يحتسبها، بل: يتضجَّر ويتسخَّط، فينضافُ إلى مصيبته الدنيوية مصيبتُه في دينه، وكذلك لا يعرف النعمة، ولا يقومُ بحقِّها، ولا يشكرها، فتنقلب النعمة نقمة، والحسنة سيئةً - نعوذ بالله من ذلك -. (١) هذا العنوان لم يرد في نسخ المفهم جميعها، واستدركناه من التلخيص. ٦٣١ (٣٤) كتاب البر والصلة - (٣٧) باب: ما جاء أنَّ أمر المسلم كله له خير [٢٥٥٦] وعن أبي هريرة، عن النَّبِيِّ ◌ِّ قال: ((لا يُلْدَغُ المؤمنُ من ◌ُخٍ واحدٍ مرّتین)). رواه أحمد (٣٧٩/٢)، والبخاريُّ (٦١٣٣)، ومسلم (٢٩٩٨)، وأبو داود (٤٨٦٢)، وابن ماجه (٣٩٨٢). # و (قوله وَليه: ((لا يُلْدَغُ المؤمنُ من جُخْرٍ واحدٍ مرتين))) هذا مَثَلٌ صحيح، وقولٌ بليغ ابتكره النبيُّ ◌َ﴿ من فوره، ولم يُسْمَغْ من غيره، وذلك أن السبب الذي أصدره عنه هو: أنَّ أبا عزيز بن عمير الشاعر أخا مصعب بن عمير: كان يهجو من هو الشاعر النبيَّ ◌َ ﴿ ويؤذيه، ويؤذي المسلمين. فأمكن اللَّهُ تعالى منه يومَ بدر. فأُخذ أسيراً، أبو عزيز؟ وجيء به إلى النبي ﴿ فسأله أن يَمُنَّ عليه، ولا يعود لشيء مما كان يفعله، فمنّ النبيُّ ێ علیه فأطلقه. فرجعَ إلی مکة، وعاد إلى أشدِّ مما كان عليه، فلما كان يوم أحد، أمكن اللَّهُ منه، فأُسِر، فأُحضر بين يدي النبي ◌َ ﴿ فسأله أن يمنَّ عليه، فقال له النبيُّ ◌َ﴾: ((لا يُلْدَغُ المؤمنُ مِن جُخْرٍ واحدٍ مرتين، والله لا تمسح عارضيك بمكة أبداً». فَأَمر بقتله. وأصل هذا المثل: أن الذي يلدغ من جحر لا يعيدُ يده إليه أبداً، إذا كان فَطِناً حذراً، بل: ولا لما يشبهه، فكذلك المؤمن لكياسته، وفَطَانته، وحَذَره إذا وقع في شيءٍ مما يضرُّه في دينه أو دنياه لا يعودُ إليه. والروايةٌ المعروفة: ((لا يُلدخ)) بضم الغين، وكذلك قرأته على الخبر، وهو الذي يشهدُ له سببُ الخبر ومساقه، وقد قيَّده بعضُهم بسكون الغين على النهي، وفيه بُعْدٌ. ٦٣٢ (٣٤) كتاب البر والصلة - (٣٨) باب: اشفعوا تؤجروا (٣٨) باب اشفعوا تؤجروا ومثل الجليس الصالح والسمِىء [٢٥٥٧] عن أبي موسى، قال: كان رسول الله وَ ل﴿ إذا أتاه طالبُ حاجةٍ أقبل على جلسائه فقال: ((اشفعوا تُؤجروا، ولْيَقْض الله على لسان نبيِّه ما أحبَّ)). رواه أحمد (٤١٣/٤)، والبخاريُّ (١٤٣٢)، ومسلم (٢٦٢٧)، وأبو داود (٥١٣١)، والترمذيُّ (٢٦٧٤)، والنسائيّ (٧٨/٥). (٣٨) ومن باب: اشفعوا إليَّ تُؤْجَروا (قوله: كان رسولُ الله ◌ِوَلَه إذا أتاه طالبُ حاجةٍ أقبل على جلسائه فقال: (شفعوا تُؤجروا))) كذا وقع هذا اللفظ ((تُؤْجَرُوا)) بغير فاء ولا لام، وهو مجزومٌ على جواب الأمر المضمَّن معنى الشرط، ومعناه واضح لا إشكال فيه، وقد رُوي ((فلتؤجروا)» بفاء ولام، وهكذا وجدتُه في أصل شيخنا أبي الصبر أيوب، وينبغي أن تكونَ هذه اللامُ مكسورةً؛ لأنها لام كي، وتكون الفاءُ زائدةً، كما زيدتْ في قوله ◌ِ وَّهِ: ((قومُوا فلأصلِّي لكم))(١) في بعض رواياته، وقد تقدَّم قولُ من قال: إنّ الفاء قد تأتي زائدة، ويكون معنى الحديث: اشفعوا لكي تُؤْجَرُوا، ويُحتمل أن يقال: إنها لام الأمر، ويكون المأمورُ به التعرُّض للأجر بالاستشفاع؛ فكأنه قال: استشفعوا وتعرّضوا بذلك للأجر، وعلى هذا فيجوزُ كسرُ هذه اللام على أصل لام الأمر، ويجوزُ تخفيفُها بالسكون لأجل حركة الحرف الذي قبلها . و (قوله: ((ولْيَقْضِ اللَّهُ على لسان نبيّه ما أحبَّ))) هكذا صحتِ الروايةُ هنا (١) رواه أحمد (١٣١/٣)، والبخاري (٣٨٠)، ومسلم (٦٥٨)، وأبو داود (٦١٢)، والترمذي (٢٣٤)، والنسائي (٨٥/٢، ٨٦). ٦٣٣ (٣٤) كتاب البر والصلة - (٣٨) باب: اشفعوا تؤجروا [٢٥٥٨] وعنه؛ عن النَّبِيِّ ◌َِّ قال: ((إنَّما مثلُ الجليسِ الصَّالحِ وجليس السُّوء كحامل المسك، ونافخ الكير، ولْيَقْضِ باللام، وجزم الفعل بها، ولا يصحُ أن تكون لام كي كذلك، ولا يصُ أيضاً أن تكون لام الأمر؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى لا يُؤمر. وكأن هذه الصِّيغة وقعتْ موقعَ الخبر كما قد جاء في بعض نسخ مسلم، ويقضي اللَّهُ: على الخبر بالفعل المضارع، ومعناه واضح، وهذه الشفاعةُ المذكورةُ في الحديث هي في الحوائج الحض على والرَّغبات للسُّلطان، وذوي الأمر والجاه، كما شهد به صدرُ الحديث ومساقه، ولا الشفاعة في يخفى ما فيها من الأجر والثواب؛ لأنها من باب صنائع المعروف، وكشف الحوائج الكرب، ومعونة الضعيف؛ إذ ليس كلُّ أحدٍ يقدر على الوصول إلى السلطان، وذوي الأمر، ولذلك كان النبيُّ ◌َله يقول - مع تواضعه وقربه من الصغير والكبير(١) إذكان لا يحتجب، ولا يحجب ـ: ((أبلغوني حاجةً من لا يستطيعُ إبلاغها))(٢) وهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿مَّن يَشْفَعْ شَفَعَةٌ حَسَنَةٌ يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا ﴾ [النساء: ٨٥]. قال القاضي: ويدخل في عموم الحديث الشفاعة للمذنبين، فيما لا حدَّ فيه عند السلطان وغيره، وله قبولُ الشفاعة فيه، والعفو عنه إذا رأى ذلك كله متى تُقبل كما له العفو عن ذلك ابتداءً. وهذا فيمن كانت منه الزَّلَّة والفلتة، وفي أهل الستر الشفاعة في الذنوب؟ والعفاف. وأما المصرُّون على فسادهم، المستهترون في باطلهم، فلا تجوزُ الشفاعةُ لأمثالهم، ولا ترك السلطان عقوبتهم ليزدجروا عن ذلك وليرتدعَ غيرُهم بما يُفْعَلُ بهم. وقد جاء الوعيدُ بالشفاعة في الحدود. و (قوله: ((إنما مثلُ جليس الصَّالح وجليس السوء))) كذا وقع في بعض النسخ، وهو من باب: إضافة الشيء إلى صفته، ووقع في بعضها: ((الجليس الصَّالح والجليس السوء)» وهو الأفصحُ والأحسن، ثم قال بَعْدَ هذا: ((كحامل (١) في (ز): والضعيف. (٢) رواه الطبراني والبيهقي كما في: كشف الخفاء (٤٣/١)، وفيض القدير (٨٣/١). ٦٣٤ (٣٤) كتاب البر والصلة - (٣٨) باب: اشفعوا تؤجروا فحامل المسك إمَّا أن يُحْذِيَكَ، وإمَّا أنْ تبتاع منه، وإما أنْ تجدَ منه ريحاً طيبةً، ونافخُ الكِيْر، إمَّا أنْ يُحرِقَ ثيابك، وإما أنْ تجدَ ريحاً خبيثةً)). رواه أحمد (٤٠٨/٤)، والبخاريُّ (٢١٠١)، ومسلم (٢٦٢٨). المسك ونافخ الكير)) هذا نحو مما يسميه أهلُ الأدب لف الخبرين، وهو نحو قول امریء القيس : كَأَنَّ قُلُوبَ الطَّيْرِ رَطْباً ويَابِساً لَدَى وَكْرِها العُنَّابُ والحَشَفُ البَالي فكأنه قال: قلوب الطير رطباً العناب، ويابساً الحشف. ومقصود هذا الحض على التمثيل: الحضُّ على صحبة العلماء، والفضلاء، وأهل الدين، وهو الذي يزيدُك صحبة العلماء نطقه علماً، وفِعْله أدباً، ونظره خشية. والزَّجر عن مخالطة مَن هو على نقيض والفضلاء ذلك. و (قوله: ((فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاعَ منه))) تطابقت أصل المسك الأخبار، واستفاضتْ على أنَّ المسكَ يجتمعُ في غدّة حيوان هو الغزال أو يشبهه وحکمه فيتعفَّن في تلك الغدة حتَّى تييس وتسقط، فتؤخذ تلك الغدة كالجليدات المحشوّة، وتلك الجلدة هي المسماة: بفأرة المسك. والجمهور مِن علماء الخلف والسَّلف على طهارة المسك، وفأرته، وعلى ذلك يدلُّ استعمالُ النبيِّ ◌َلّ له، وثناؤه عليه، وإجازة بيعه، كما دلَّ عليه هذا الحديث. ومن المعلوم بالعادة المستمرة بين العرب والعجم استعماله، واستطابة ريحه، واستحسانه في الجاهلية والإسلام، لا يستقذره أحدٌ من العقلاء، ولا ينهى عن استعماله أحدٌ من العلماء، حتى قال القاضي أبو الفضل: نقل بعضُ أئمتنا الإجماعَ على طهارته، غير أنه قد ذكر عن العمرين كراهيته. ولا يصحّ ذلك، فإن عمر - رضي الله عنه - قد قسم ما غنم منه بالمدينة. وقال أبو عبد الله المازري: وقال قومٌ بنجاسته، ولم يعينهم. والصحيح: القول ٦٣٥ (٣٤) كتاب البر والصلة - (٣٨) باب: اشفعوا تؤجروا بطهارته، وإن لم يكن مُجمعاً عليه الأحاديث الصحيحة، الدَّالة على ذلك؛ إذ قد كان النبيُّ ◌َ﴿ كثيراً ما يستعملُه، حتى إنه كان يخرج، ووبيص المسك في مفرقه، كما قالت عائشة - رضي الله عنها(١) -. وقد تقدم قوله: ((أطيب الطيب المسك))(٢)، وغير ذلك. وقد قلنا: إنَّ أهلَ الأعصار الكريمة مُطْبِقُون على استطابته واستعماله؛ فإن قيل: كيف لا يكون نجساً وقد قلتم: إنَّه دم، والدمُ نجسٌ في أصله بالإجماع، وإنما يُعْفَى عن اليسير منه لتعذُّر التحرُّز منه على ما هو مُفَصَّل في الفقه؟ فالجواب: إنَّا؛ وإن سلمنا أن أصلَ المسك الدم، فلا نُسَلِّمُ أنه بقي على أصل الدموية، فإن الدَّم إذا تعقّن تغيَّر لونُهُ ورائحتُه إلى ما يُسْتَقْذَر ويُسْتَخْبَث، فاستحال إلى فساد، وليس كذلك المسك؛ فإنه قد استحال إلى صلاح يُستطاب ويُستحسن، ويُفَضَّل على أنواع كلِّ الطيب، وهذا كاستحالة الدم لبناً وبيضاً، وإن شئت حررتُ فيه قياساً فقهياً فقلت: مائع له مقرّ يستحيلُ فيه إلى صلاح، ويكون طاهراً كاللبن والبيض. وتكميلُ هذا القياس في مسائل الخلاف. و (قوله: ((إما أن يُخْذِيَك))) هو بضم الياء رباعياً من أحذيته: إذا أعطيته، وفي الصحاح: أحذيته نعلاً: إذا أعطيته نعلاً، تقول منه: استحذيته فأحذاني، وأحذيته من الغنيمة: إذا أعطيته منها، والاسم: الحذيا. والكير: منفخ الحداد. والكور: المبنى الذي يُنْفَخُ فيه على النار والحديد. ويجوز أن يُعبَّر بالكير عن الكور. (١) رواه أحمد (٤١/٦)، والبخاري (٢٧١)، ومسلم (١١٩٠). (٢) رواه أحمد (٣١/٣ و٤٧)، ومسلم (٢٢٥٢)، والترمذي (٩٩١)، والنسائي (٣٩/٤). ٦٣٦ (٣٤) كتاب البر والصلة - (٣٩) باب: ثواب من ابتلي بشيء من البنات (٣٩) باب ثواب من ابتلي بشيء من البنات وأحسن إلیھن [٢٥٥٩] عن عائشة، قالت: جاءتني امرأةٌ ومعها ابنتان لها، فسألتني، فلم تَجِدْ عندي شيئاً غير تمرةٍ واحدةٍ، فأعطيتُها إيّاها، فأخَذَتْها، فَقَسَمَتْها بين ابنتيها، ولم تأكلْ منها شيئاً، ثم قامتْ فخرجتْ وابنتاها، فدخل عليَّ النَّبِيُّ وَّهِ، فحدَّثْتُه حديثَها، فقال النَّبيُّ ◌َّهُ: ((مَن ابتُلي مِنَ البنات بشيءٍ فأحسن إليهنَّ كُنَّ له سِتْراً من النَّار)». (٣٩) ومن باب: ثواب القيام على البنات والإحسان إليهن (قوله: ((من ابتلي بشيءٍ من البنات فأحسن إليهن كنَّ له ستراً من النار))) ابتلي: امتحن واختبر. وأحسن إليهن: صانهنَّ، وقام بما يصلحهن، ونظر في أصلح الأحوال لهن، فمن فعل ذلك، وقصد به وَجْهَ الله تعالى، عافاه الله تعالى من النَّار، وباعده منها، وهو المعبَّر عنه بالستر من النار. ولا شكّ في أنَّ مَن لم يدخل النارَ دخل الجنَّة، وقد دلَّ على ذلك قولُه في الرواية الأخرى في المرأة التي قسمت التمرة بين بنتيها: إنَّ اللَّه قد أوجب لها الجنة، وأعاذها من النار. و (قوله: ((بشيءٍ من البنات))) يفيدُ بحكم عمومه: أنَّ الستر من النار يحصلُ بالإحسان إلى واحدةٍ من البنات، فأما إذا عال زيادةً على الواحدة فيحصلُ له زيادة على الستر من النار السَّبقُ مع رسول الله وَ ﴿ إلى الجنة، كما جاء في الحديث الآخر، وهو قوله: ((من عالَ جاريتين حتى تبلغا جاء يومَ القيامة أنا وهو - وضمَّ بين أصابعه ـ)). ومعنى: ((من عال جاريتين حتى تبلغا)»: قام عليهما بما يصلحهما ويحفظهما. يقال منه: عال الرجل عياله، يعولُهم، عولاً وعيالة، ويقال: علته شهراً؛ إذا كفيته معاشه. ويعني ببلوغهما وصولهما إلى حالٍ يستقلان بأنفسهما، وذلك إنما يكون في النساء، إلى أن يدخلَ بهن أزواجُهُنَّ، ولا يعني ببلوغها إلى أن الإحسان إلى البنت ينجّي من النار منى تستغني البنت عن کافلها ٦٣٧ (٣٤) كتاب البر والصلة - (٣٩) باب: ثواب من ابتُلي بشيء من البنات وفي روايةٍ: فأطعمتُهما ثلاثَ تَمَراتٍ، فأعْطَتْ كلَّ واحدةٍ منهما تمرةً، ورفعتْ إلى فيها تمرةً لتأكُلَها، فاسْتَطَعَمَتْها ابنتاها، فشقَّتِ الثّمرةَ التي كانت تريدُ أن تأكلَها بينهما، فأعجبني شأنُها، فذكرتُ الذي صَنَعَتْ لرسولِ الله وَ ﴿ فقال: ((إنَّ الله قد أوجب لها بها الجنَّة))، أو: ((أعتقها بها من النَّار)). رواه أحمد (٣٣/٦ و٩٢)، والبخاريُّ (١٤١٨)، ومسلم (٢٦٢٩)، والترمذيُّ (١٩١٣)، وابن ماجه (٣٦٦٨). [٢٥٦٠] وعن أنسٍ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((مَنْ عال جاريتين حتى تَبْلُغا جاء يوم القيامة أنا وهو - وضَمَّ أصابِعَهُ .)). رواه أحمد (١٤٧/٣ - ١٤٨)، ومسلم (٢٦٣١)، والترمذيُّ (١٩١٤). تحيض وتكلّف، إذ قد تتزوَّجُ قبل ذلك فتستغني بالزوج عن قيام الكافل، وقد تحيضُ وهي غيرُ مُستقلَّة بشيءٍ من مصالحها، ولو تُركت لضاعت، وفسدتْ أحوالُها. بل: هي في هذه الحال أحقُّ بالصيانة، والقيام عليها لتكمل صيانتُها فيُرْغب في تزويجها، ولهذا المعنى قال علماؤنا: لا تسقط النفقةُ عن والد الصَّبيَّة بنفس بلوغها، بل: بدخول الزَّوج بها. ٦٣٨ (٣٤) كتاب البر والصلة - (٤٠) باب: من يموت له شيء من الولد فيحتسبهم (٤٠) باب من يموت له شيء من الولد فيحتَسِبُهُم [٢٥٦٠] عن أبي هريرة، عن النّبِيِّ وَّرِ قال: ((لا يموتُ لأحدٍ من المسلمين ثلاثةٌ مِنَ الولد فَتَمَسَّه النَّارُ إلا تَحِلَّةَ القَسَم)). [(٤٠) ومن باب: من يموت له شيء من الولد فيحتسبهم](١) (قوله: ((لا يموتُ لأحدٍ من المسلمين ثلاثةٌ من الولد فتمسَّه النار ... ))) الولد: يقال على الذكر والأنثى بخلاف الابن، فإنه يقالُ على الذكر: ابن، وعلى الأنثى: ابنة، وقد تَقَيَّد مطلقُ هذه الرواية، بقوله في الرواية الأخرى: ((لم يبلغوا الحنث)) كما تقيّد مطلقُ حديث أبي هريرة بحديث أبي النضر السُّلَمِيِّ؛ فإنه قال فيه: ((لا يموتُ لأحدٍ من المسلمين ثلاثةٌ من الولد فيحتسبهم)). فقوله: ((لم يبلغوا الحنث)) أي: التكليف. والحنث: الإثم. وإنما خصَّه بهذا الحد؛ لأنَّ الصَّغير حبُّه أشدّ، الأجر على والشفقة عليه أعظم، وقيّده بالاحتساب لما قررناه غير مرَّة: أنَّ الأجورَ على المصائب لا تحصلُ إلا بالصَّبر والاحتساب، وإنما خصَّ الولدَ بثلاثة؛ لأنَّ الثلاثة أوَّلُ مراتب الكثرة، فتعظم المصائب، فتكثر الأجور؛ فأما إذا زاد على الثلاثة فقد يخفُّ أمرُ المصيبة الزَّائدة، لأنها: كأنَّها صارتْ عادةً ودَيْدَناً، كما قال المتنبي: المصائب لا يحصل إلا بالصبر والاحتساب أنْكَرْتُ طَارِقَةَ الحَوَادِثِ مَرَّةً ثُمَّ اغْتَرَفْتُ بِهَا فَصَارَتْ دَيْدَنا وقال آخر: رُؤْعَتُ بِالْبَيْنِ حَتَّى مَا أُراعَ لَهُ وَبِالمَصائِبِ فِي أَهْلِي وَجِيرانِي ويُحتمل أن يقال: إنما لم يذكر ما بعد الثلاثة؛ لأنه من باب الأحرى والأولى؛ إذْ من المعلوم: أنَّ من کثرتْ مصائبُه کثرُ ثوابُه، فاکتفي بذلك عن ذِكْره، (١) هذا العنوان ليس في نسخ المفهم، واستدركناه من التلخيص. ٦٣٩ (٣٤) كتاب البر والصلة - (٤٠) باب: من يموت له شيء من الولد فيحتسبهم وفي روايةٍ: ((لم يبلغوا الحِنْثَ إلا تَحِلَّة القَسَم)». رواه أحمد (٢٣٩/٢)، والبخاريُّ (١٢٥١)، ومسلم (٢٦٣٢) (١٥٠) و (٢٦٣٤)، والترمذيُّ (١٠٦٠)، والنسائيُّ (٢٥/٤)، وابن ماجه (١٦٠٣). واللَّهُ تعالى أعلم. وقد استشكل بعضُ الناس قوله بَّهِ: ((لا يموت لإحداكنَّ ثلاثةٌ من الولد إلا كانوا لها حجاباً من النار)). ثم لما سئل عن اثنين، قال: ((واثنين)). ووجهه: أنه إذا كان حُكْم الاثنين حكم الثلاثة، فلا فائدةَ لِذِكْر الثلاثة أوّلاً، وهذا المنطوقة إنما يصدرُ عمن يعتقدُ أنَّ دلالةَ المفهوم نصُّ كدلالة المَعِظُوم، وليس الأمرُ كذلك، بل: هي عند القائلين بها مِن أضعف جهات دلالات الألفاظ، وسائر وجوه الدَّلالات مُرجَّحةٌ عليها كما بيَّنَّه في الأصول، هذا إنْ قلنا: إنَّ أسماءَ الأعدادِ لها مَفْهُوم؛ فإنه قد اختلفَ في ذلك القائلون بالمفهوم، وألحقوا هذا النوعَ باللَّقَب الذي لا مفهومَ له باتفاقِ المحقّقين، ثم إنَّ الرَّافع لهذا الإشكال أن يُقالَ: إنَّ الثوابَ على الأعمال إنما يُعْلَمُ بالوحي، فيكون اللَّهُ تعالى قد أوحى إلى نبيِّه بذلك الثواب على الأعمال يُعلم بالوحي في الثلاثة، ثم إنه لما سُئِل عن الاثنين أوحى الله إليه في الاثنين بمثل ما أوحى إليه بالثلاثة، ولو سُئل عن الواحد لأجاب بمثل ذلك كما قد دلَّت عليه الأحاديثُ المذكورةُ في ذلك، ويُحتمل أن يقال: إنَّ ذلك بحسب شدَّة وَجْدِ الوالدة، وقوَّة صَبْرها، فقد لا يبعدُ أن تكونَ مَنْ فقدتْ واحداً أو اثنين أشدّ ممن فقدتْ ثلاثةً أو مساويةً لها، فتلحقُ بها في درجتها، واللَّهُ تعالى أعلم. و (قوله: ((إلَّا تحلّة القسم))) أي: ما يُحلَّل به القسم، وهو اليمين. وقد اختلف في هذا القسم، هل هو قسم معيَّن، أم لا؟ فالجمهورُ على أنه قسمٌ بعينه، فمنهم من قال: هو قولُه تعالى: ﴿فَوَرَيَّكَ لَنَحْثُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ﴾ [مريم: ٦٨]. وقيل: هو قوله: ﴿وَإِن ◌ِّنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١]. وقيل: هو قوله: ﴿ كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا﴾ [مريم: ٧١] أي: قسماً واجباً؛ كذلك فسَّره ابنُ مسعود ٦٤٠ (٣٤) كتاب البر والصلة - (٤٠) باب: من يموت له شيء من الولد فيحتسبهم [٢٥٦٢] وعن أبي سعيد الخدريِّ، قال: جاءت امرأةٌ إلى رسول الله وسلم فقالت: يا رسول الله! ذهب الرجال بحديثك، فاجعل لنا من نفسك يوماً نأتيك فيه، تُعَلِّمنا ممَّا علمك الله. قال: ((اجْتَمِعْنَ يوم كذا وكذا)) فاجْتَمَعْنَ، فأتاهُنَّ رسولُ الله ◌َّهِ فِعلَّمَهُنَّ مما علَّمَهُ الله، ثم قال: ((ما مِنْكُنَّ من امرأةٍ تُقدِّمُ بين يديها من وَلَدِها ثلاثةً إلا كانوا لها حجاباً من النَّار)). فقالت امرأة مِنهُنَّ: واثنين، واثنين، واثنين؟ فقال رسول الله وَله : ((واثنين، واثنين، واثنين!)). رواه أحمد (٣٤/٣)، والبخاريُّ (١٠١)، ومسلم (٢٦٣٣). [٢٥٦٣] وعن أبي حَسَّانَ، قال: قُلْتُ لأبي هريرة: قد مات لي ابنان فما أنت مُحَدِّثي عن رسول الله وَّه بحديثٍ تُطَيِّبُ أَنفُسَنا عن موتانا؟ والحسن. وأما من قال: لم يُعيَّنْ به قسمٌ بعينه، فهو ابنُ قتيبة. قال معناه: التقليل الأمر ورودها. وتحلَّة القسم: تُسْتَعْمَلُ في هذا في كلام العرب، وقيل معناه: لا تمسه النار قليلاً، ولا تلحة القسم، كما قيل في قوله: وَكُلُّ أَخٍ مُفَارِقُهُ أَخُوهُ لَعَمْرُ أَبِيِكَ إلّ الفَرْقَدانِ أي: والفرقدان، على أحد الأقوال فيه. قلتُ: والأشبهُ: قول أبي عبيد، ولبيان وجه ذلك موضعٌ آخر. و (قوله ◌َّ﴿ للنساء: ((اجتمِعْنَ في يوم كذا))) يدلُّ على أن الإمامَ ينبغي له أن يعلِّمَ النساءَ ما يحتجن إليه من أمر أذيانهنَّ، وأن يخصَّهنَّ بيومٍ مخصوصٍ لذلك، لكن في المسجد أو فيما كان في معناه حتى تؤمن الخلوة بهنَّ، فإن تمكَّن الإمامُ من ذلك بنفسه فعل، وإلا استنهض الإمامُ شيخاً يُوثَقُ بعلمه ودِينه لذلك حتى يقوم بهذه الوظيفة، وفي هذا الحديث ما يدلُّ على فضل نساء ذلك الوقت، وما كانوا تعلیم النساء