Indexed OCR Text
Pages 581-600
٥٨١
(٣٤) كتاب البر والصلة - (٢٠) باب: لا ينبغي للمؤمن أن يكون لغّاناً
[٢٥٠٦] وعن أبي برزة الأسلميُّ، قال: بينما جاريةٌ على ناقةٍ عليها
بعضُ متاع القومِ، إذْ بَصُرَتْ بِالنَّبِيِّ وَهِ، وتضايَقَ بهمُ الجبلُ، فقالت:
حَلْ! اللَّهُمَ العنها! قال: فقال النبيّ وَّهِ: ((لا تُصَاحِبُنا ناقَةٌ عليها لعنةٌ)).
وفي روايةٍ: ((لا، آيم الله، لا تصاحبُنا!)).
رواه أحمد (٤٢١/٤)، ومسلم (٢٥٩٦) (٨٢ و٨٣).
أن هذه اللَّعنة: إنما هي عبارة عن إبعاد هذه الناقة عن مالكتها، وعن استخدامها
إياها فتلك اللعنة إنما ترجع لصاحبتها؛ إذ قد حيل بينها وبين مَالِهَا، ومنعت
الانتفاع به، لا الناقة، لأنها قد استراحت من ثقل الحمل وكدِّ السير، فإن قيل:
فلعل معنى لعنة الله الناقة أن تُتركَ ألاَّ يتعرّض لها أحد، فالجواب: أن معنى ترك
الناس لها إنما هو أنهم لم يُؤوها إلى رحالهم، ولا استعملوها في حمل أثقالهم،
فأما أن يتركوها في غير مرعى، ومن غير علفٍ حتى تهلكَ فليس في الحديث ما
يدلُّ عليه. ثم هو مخالف لقاعدة الشرع في الأمر بالرُّفق بالبهائم، والنهي عن
تعذيبها، وإنما كان هذا منهجر تأديباً لصاحبتها، وعقوبة لها فيما دعت عليها بما
دعت به. ويُستفاد منه: جواز العقوبة في المال لمن جنى فيه بما يُناسب ذلك، جواز العقوبة
والله تعالى أعلم. والورقاء: التي يُخالط بياضَها سوادٌ، والذَّكَرُ أورق.
في المال
و (قوله: فقالت: حَلْ) هي كلمةٌ تُزجر بها الإبل، يُقال: حَلْ! حَلْ! بسكون
اللام ويُقال: حَلٍ! حَلٍ! بكسر اللام فيهما منوَّة، وغير منوَّة.
٥٨٢
(٣٤) كتاب البر والصلة - (٢١) باب: لم يبعث النبي # لعاناً
(٢١) باب
لم يبعث النبي ◌َّ﴿ لغَّاناً وإنما بُعِثَ رحمةً،
وما جاء من أنَّ دعاءه على المسلم
أو سبَّه له طهور وزكاة ورحمة
[٢٥٠٧] عَن أبي هريرة، قال: قيل لرسول الله وَلقول: ادعُ على
المشركين، قال: ((إنِّي لم أُبَّعَثْ لعَّاناً، وإنَّما بُعِثْتُ رَحْمةً!)).
رواه مسلم (٢٥٩٩).
لم يُتْعَدْ﴾
لقاناً
[(٢١) ومن باب: لم يُبعث النبيُّ وَّهِ لعَّناً وإنما بُعِث رحمة](١)
(قوله ◌َّهِ: ((إني لم أُبعثْ لعّاناً، وإنما بُعِثْتُ رحمة))) كان هذا منه وَّهِ بعد
دعائه على رعلٍ، وذكوان، وعصية الذين قتلوا أصحابَه ببئر معونة، فأقام النبيُّ وَّيه
شهراً يدعو عليهم، ويلعنهم في آخر كلِّ صلاةٍ من الصَّلوات الخمس يقنتُ بذلك
حتى نزل عليه جبريلُ فقال: ((إن الله تعالى لم يبعثك لعّاناً ولا سَبّاباً، وإنما بعثك
رحمةً، ولم يبعثْك عذاباً) ثم أنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءُ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ
يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨])) على ما خرَّجه أبو داود في مراسيله(٢)
من حديث خالد بن أبي عمران، وفي الصحيحين ما يؤثِّدُ ذلك، ويشهدُ بصحته.
و (قوله: ((إنَّما بُعِثْتُ رحمة)) هذا كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَكَ إِلََّّ رَحْمَةً
لِلْعَلَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، أي: بالرسالة العامة، والإرشاد للهداية، والاجتهاد
في التبليغ، والمبالغة في النصح، والحرص على إيمان الجميع، وبالصبر على
جفائهم، وترك الدُّعاء عليهم؛ إذ لو دعا عليهم لهلكوا. وهذه الرحمةُ يشتركُ فيها
بُعِث ﴾ رحمةٌ
للعالمين
(١) هذا العنوان لم يرد في نسخ المفهم جميعها، واستدركناه من التلخيص.
(٢) رواه أبو داود في المراسيل رقم (٨٩)، والبيهقي (٢١٠/٢).
٥٨٣
(٣٤) كتاب البر والصلة - (٢١) باب: لم يُبعث النبيِ وَله لعّاناً
[٢٥٠٨] وعن عائشة، قالت: دخل على رسولِ اللَّهِ وَ ل﴿ل رجلانِ،
فكلَّماهُ بشيءٍ لا أدري ما هُوَ! وأغضباه، فلعنهما، وسَبَّهما، فلمَّا خَرَجا
قُلتُ: يا رسول الله! لَمَنْ أصابَ مِن الخيرِ شيئاً ما أصابَهُ هذان! قال: ((وما
ذاك؟)» قالتْ: قلتُ: لَعَنْتَهُما، وسَبَيْتَهُما! قال: ((أَوَما عَلمتِ ما شارَطْتُ
عليه رَبِّي؟! قلتُ: اللَّهم! إنَّما أنا بَشَرٌ، فأيُّ المسلمين لعنتُه، أو سببتُه
فاجْعَلْه له زكاةً وأجراً».
رواه مسلم (٢٦٠٠) (٨٨).
المؤمنُ والكافر، أما رحمتُه الخاصَّةُ فلمن هداه اللَّهُ تعالى، ونوَّر قلبَه بالإيمان،
وزيَن جوارحَه بالطاعة، كما قال تعالى: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾
[التوبة: ١٢٨]، فهذا هو المغمورُ برحمة الله، المعدود في زمرة الكائنين معه في
مستقرّ كرامته، جَعَلَنا اللَّهُ منهم، ولا حال بيننا وبينهم.
و (قوله: لَمَنْ أصاب من الخير شيئاً ما أصابه هذان) هذا الكلامُ من السَّهل
الممتنع، وذلك أنَّ معناه أنَّ هذين الرَّجلين ما أصابا منكَ خيراً، وإن كان غيرُهما
قد أصابه، لكن تنزيل هذا المعنى على أفرادٍ ذلك الكلام: فيه صعوبةٌ، ووجهُ
التَّنزيل يتبيَّنُ بالإعراب، وهو أنَّ اللامَ في لَمَنْ. هي: لام الابتداء، وهي متضمنة
للقسم، ومَن: موصولة في موضع رفع بالابتداء، وصلتها: أصاب، وعائدها:
المضمر في أصاب، وما بعدها متعلق به، وخبره محذوف تقديره: واللّهِ لرجل
أصاب منك خيراً: فائز أو ناج. ثم نفى عن هذين الرَّجلين إصابةَ ذلك الخير
بقوله: ما أصابه هذان، ولا يصح أن يكون ما أصابه خبراً لـ (مَنْ) المبتدأ لخلوها
عن عائد يعود على نفس المبتدأ، وأما الضمير في أصابه فهو للخير، لا لمن،
فتأمله يصحّ لك ما قلناه، والله تعالى أعلم.
و (قوله: ((اللهم! إني بشرٌ أغضبُ كما يغضبُ البشر، فأيّ المسلمين لعنتُه، محمد عَلِّ بشرٌ
أو سببتُه، أو جَلَدْتُه، فاجعل ذلك له كفَّارةً ورحمة))) ظاهرُ هذا: أنه خاف أن يغضب كغيره
٥٨٤
(٣٤) كتاب البر والصلة - (٢١) باب: لم يُبعث النبيلَله لعّاناً
[٢٥٠٩] وعن أبي هريرة: أنَّ النَّبِيَّ ◌َه قال: ((اللهم! إنّي أَتّخذُ
عندكَ عهداً لَنْ تُخْلِفَنيه، فإنَّما أنا بشرٌ، فأيُّ المؤمنين آذيتُهُ، شتمتُه، لعنتُهُ،
جَلَدْتُه، فاجعلها لَه صلاةً وزكاةً» .
يصدرَ عنه في حال غضبه شيء من تلك الأمور فيتعلَّق به حقُّ مسلم، فدعا اللَّهَ
تعالى، ورغب إليه في أنه: إن وقع منه شيء من ذلك لغير مستحقّ في ألَّ يفعل
بالمدعو عليه مقتضى ظاهر ذلك الدعاء، وأن يُعوِّضه من ذلك مغفرةً لذنوبه،
ورفعة في درجاته، فأجاب اللَّهُ تعالى طَلِبةَ نبيَّهِ ﴿ وَوَعَدَهُ بذلك، فلزم ذلك بوعده
الصدق، وقوله الحق، وعن هذا عبَّر النبيُّ لَله بقوله: ((شارطت ربِّي))، و((شرط
عليَّ ربِّي))، و(اتخذت عنده عهداً لن يخلفنيه)) لا أن الله تعالى يُشْتَرط عليه شرط،
ولا يجبُ عليه لأحدٍ حقّ، بل: ذلك كلُّه بمقتضى فَضْلِهِ، وكَرَمه على حسب ما
سبق في علمه. فإن قيل: فكيف يجوز أن يصدرَ من النبيِّ وَ ﴿ لعنٌّ، أو سبٌّ، أو
جلدٌ لغير مستحقه، وهو معصومٌ من مثل ذلك في الغضب، والرِّضا؛ لأن كل ذلك
محرَّم وكبيرة، والأنبياء معصومون عن الكبائر، إما بدليل العقل، أو بدليل الإجماعِ
كما تقدَّم؟
قلتُ: قد أشكل هذا على العلماء، وراموا التخلُّصَ من ذلك بأوجهٍ
مُتعدِّدة، أوضحها وجهٌ واحد، وهو: أنَّ النبيَّ ◌َ﴿ إنما يغضبُ لما يرى من
المغضوب عليه من مخالفة الشرع، فغضبُه لله تعالى لا لنفسه؛ فإنه ما كان يغضبُ
لنفسه، ولا ينتقمُ لها، وقد قرَّرنا في الأصول: أن الظاهر من غضبه تحريمُ الفعل
المغضوب من أجله. وعلى هذا فيجوزُ له: أن يُؤدِّبَ المخالفَ له باللعن والسَّبِّ
والجَلْد والدُّعاء عليه بالمكروه، وذلك بحسب مخالفة المخالف، غير أنَّ ذلك
المخالفَ قد يكون ما صَدَر منه فلتة أوجبتها غفلة، أو غلبة نفس، أو شيطان، وله
فيما بينه وبين الله تعالى عملٌ خالص، وحالٌ صادق يدفع اللَّهُ عنه بسبب ذلك أثر
ما صدر عن النّبيِّ ◌َّ له من ذلك القول، أو الفعل. وعن هذا عبَّر النبيُّ وَله بقوله:
((فأيما أحدٍ دعوتُ عليه مِن أمتي بدعوةٍ ليس لها بأهلٍ أن تجعلها له طهوراً،
غضبهڑ
٥٨٥
(٣٤) كتاب البر والصلة - (٢١) باب: لم يُبعث النبي 8# لعّاناً
وفي روايةٍ: ((ورحمةً، وقربةً تقربه بها إليك يوم القيامة)).
وفي روايةٍ: ((اللَّهم! إنَّما محمدٌ بَشَرٌ، يَغضبُ كما يغضبُ البشرُ))،
وفيها: «فاجعلها لَهُ كفارةً، وقربة تقرِّبه بها)). وذكره. قال أبو الزناد: جَلدُّه
لغة أبي هريرة.
رواه أحمد (٣١٦/٢)، والبخاريُّ (٦٣٦١)، ومسلم (٢٦٠١) (٨٩
و ٩٠ و ٩١).
[٢٥١٠] وعن أنس بن مالك، قال: كانت عند أمِّ سُلَيْمٍ يتيمةٌ - وهي
أُ أنسٍ - فرأى رسولُ اللهِ وَل﴿ اليتيمة فقال: ((آنتِ هِيَهْ؟ لقدْ كبرتٍ لا كبِر
سِتُّكِ)). فرجعت اليتيمةُ إلى أمِّ سُليمٍ تبكي! فقالت أم سليم: ما لك يا بُنيَّة؟
وزكاةً، وقُربة تقرّبُه بها يوم القيامة)) أي: عوّضه من تلك الدعوة بذلك، والله تعالى
أعلم.
قلتُ: وقد يدخلُ في قوله: أيّما أحدٍ من أمتي دعوتُ عليه: الدعوات
الجارية على اللسان من غير قَصْدٍ للوقوع، كقوله: ((تربت يمينك)) (١) و ((عَقْرى
حَلْقى))(٢). ومن هذا النوع قوله لليتيمة: ((لا كبر سنّك))؛ فإنَّ هذه لم تكن عن
غضب، وهذه عادةٌ غالبةٌ في العرب يصلُون كلامَهم بهذه الدعوات، ويجعلونها
دعاماً لكلامهم من غير قصد منهم لمعانيها، وقد قدَّمنا في كتاب الطهارة في هذا
كلاماً للبديع، وهو من القول البديع. وبما ذكرناه يرتفعُ الإشكال، ويحصل
الانفصال.
ووجهُ لغةٍ أبي هريرة في: جَلَذُه(٣): أنه قَلَب التاء دالاً لقرب
(١) رواه أحمد (٨٠/٣)، والبزار (١٤٠٣)، والحاكم (١٦١/٢)، وأبو يعلى (١٠١٢).
(٢) رواه البخاري (١٥٦١)، ومسلم (١٢١١) (٣٨٧).
(٣) هي رواية في صحيح مسلم بإثر حديث (٢٦٠١) (٩٠).
٥٨٦
(٣٤) كتاب البر والصلة - (٢١) باب: لم يُبعث النبيِوله لعّاناً
قالت الجارية: دَعا عليّ رسول الله وَِّ أَن لا يَكْبَرَ سنِّي! فالآن لا يَكْبَرُ سنِّي
أبداً - أو قالت: قرني - فخرجت أم سليم مستعجلةً تَلُوثُ خمارها، حتى
لقيتْ رسول الله مَ ﴿ه، فقال لها رسول الله وَله: ((ما لكِ يا أمَّ سُلَيْمِ؟))
فقالت: يا نبي الله! أدعوت على يتيمتي؟ قال: ((وما ذاك يا أمَّ سُلَيْمِ؟))
قالت: زعمتْ أنَّك دعوت ألا يَكْبَرَ سِنُها، ولا يَكْبَر قرنُها! قال: فضحك
مخرجهما، ثم أدغم التاءَ في الدَّال، وهي على عكس اللغة المشهورة. فإنهم فيها
قَلَبُوا الدالَ تاءً، وأدغموا الدال في التاء، وهو الأولى.
و (قوله {وَل﴿ ليتيمة أمَّ سليم: ((آنتِ هِيَّة، لقد كبرت، لا كَبِرَ سِنُّكِ !! ») الهاء في
هِيَّة للوقف، فإذا وصلت حذفتها، وهذا الاستفهامُ على جهة التعجُّب، وكأنه وَله
كان قد رآها صغيرة، ثم غابت عنه مدَّة فرآها قد طالت وعَبُلت(١)، فتعجَّب من
سرعة ذلك فقال لها ذلك القولَ متعجباً، فوصل كلامَه بقوله: ((لا كبر سنُّكِ)) على
ما قلناه من إطلاق ذلك القول من غير إرادة معناه. وهذا واضحٌ هنا، ويحتملُ أن
يقال: إنما دعا عليها بأن لا يكبر ستُّها كبراً تعود به إلى أرذل العمر، كما كان
النبيُّ ◌َ﴿ يتعوذ من أن يردّ إلى أرذل العمر. والمعنى الأول أظهر من مساق بقية
الحدیث في اعتذاره ټژ عن ذلك.
و (قول اليتيمة: لا يكبر سني، أو قالت: قَزْني) هو بفتح القاف، وتعني به:
السن، وهو شكّ عَرَض لبعض الزُّواة، وأصله: أنَّ مَن ساوى آخَرَ في سِنِّه كان قرن
كان﴿ مجاب رأسه محاذياً لقرنه، وقرنُ الرأس: جانبه الأعلى، وهذا يدلُّ على: أنَّ إجابة
الدعوة
دعوات رسول الله صل﴿ كانت معلومةً بالمشاهدة عند كبارهم وصغارهم لكثرة ما
كانوا يشاهدون من ذلك، ولعلمهم بمكانته وَهِ. وتلوثُ خمارَها: تُدِيرُه على
رأسها وعُنُقها. والطَّهور - هنا -: هي الطهارةُ من الذُّنوب، وقد سمّاها في الرواية
(١) (عَبُّلت)): ضخمت وابيضَّت، فهي عَبْلة. والعَبْلة من النساء: التامَّةُ الخَلْق.
٥٨٧
(٣٤) كتاب البر والصلة - (٢١) باب: لم يُبعث النبي# لعّاناً
رسول الله وَّر، ثم قال: ((يا أمَّ سليم! أما تعلمين شرطي على ربِّي: أنّ
اشترطت على ربي فقلت: إنَّما أنا بشرٌ أرضى كما يرضى البشر، وأغضبُ
كما يغضبُ البشر، فأيُما أحدٍ دعوتُ عليه من أمَّتي بدعوةٍ ليس لها بأهلٍ أن
تجعلها له طهوراً، وزكاةً، وقربةً تقربه بها منه يوم القيامة)).
وفي رواية: يُتَيِّمَةُ - بالتَّصغير - في المواضع الثلاثة.
رواه مسلم (٢٦٠٣).
[٢٥١١] عن ابن عبّاسٍ، قال: كنتُ ألعب مع الصِّبيان فجاء
رسولُ الله ◌َ﴿ فتواريتُ خلف بابٍ، قال: فجاء فَحَطَأَنِي حَطْأَةَ، وقال:
الأخرى: كفَّارة. والصلاة من الله تعالى: الرحمة، كما قد عبّر عنها في الرواية
الأخرى. والزكاة: الزِّيادة في الأجر كما قد عبَّر عنها في الرواية الأخرى بالأجر.
والقربة: ما يُقرِّب إلى الله تعالى وإلى رضوانه. وفيه ما يدلُّ على تأُد الشفقة على الشفقة على
اليتيم، والذَّبِّ عنه، والحُنُوِّ عليه.
اليتيم
و (قول ابن عباس - رضي الله عنهما -: كنتُ ألعبُ مع الصِّبيان) دليلٌ على تخلية الصغير
جواز تخلية الصَّغير للَّعب لتنشطَ نفسُه، وتتقوّى أعضاؤه، وتتوقَّح رجلاه، أي: للعب
تتصلَّب.
و (قوله: فجاء رسولُ الله ◌ِوَ﴿ فتواريتُ خَلْفَ باب) أي: اختفيتُ بالباب،
وكأنه استحى من النبيُّ ێ وهابه.
و (قوله: فَحَطأني خَطْأَةً) فسَّره أمية بن خالد بقفدني قفدة، وكلاهما يحتاجُ
إلى تفسير، فأما حَطَأني: فهو بالحاء المهملة، وبالهمزة على قول شَمِر، وهو
المحكيُّ في الصِّحاح، وهكذا فيَّده أهلُ الإتقان والضَّبط، وهو أن تضربَ بيدك
مبسوطةً في القفا، أو بين الكتفين، وجاء به الهرويُّ غير مهموزٍ في باب الحاء،
٥٨٨
(٣٤) كتاب البر والصلة - (٢١) باب: لم يُبعث النبي 148 لعّاناً
((اذهب ادع لي معاوية))، قال: فجئتُ، فقلت: هو يأكل. قال: ثم قال
لي: ((اذهب فادع لي معاوية)). قال: فجئت، فقلت: هو يأكل. فقال: ((لا
أُشْبَعَ الله بَطْنَه)).
قال ابن المثنى: قلت لأُميَّة: ما حَطَأَنِي؟ قال: قَفَدَنِي قَفْدَةً".
رواه أحمد (٣٣٥/١)، ومسلم (٢٦٠٤) (٩٦).
والطاء، والواو، وقال ابنُ الأعرابي: الحطو: تحريك الشيء متزعزعاً. وأما القفد
- بتقديم القاف على الفاء - فالمعروف عند اللغويين أنه: المشيُّ على صدور
القدمين من قبل الأصابع، ولا تبلغ عقباه الأرض. يقال: رجل أقفد، وامرأة
قفداء، هو القَفَد - بفتح القاف والفاء -.
قلتُ: ولم أجدْ قفدني بمعنى حَطَأني إلا في تفسير أمية هذا. وهذا الضربُ
من النبيِّ وََّ لابن عباس تأديبٌ له، ولعله: لأجل اختفائه منه إذا كان حقُّه أن يجيءَ
إليه، ولا يفرّ منه. ويحتمل أن يكون هذا الضرب بعد أن أمره أن يدعوَ له معاوية،
فلم يؤكّدْ على معاوية الدعوةَ، وتراخى في ذلك، أَلاَ ترى قولَه في المرتين: هو
يأكل، ولم يزد على ذلك، وكان حقُّه في المرة الثانية ألَّا يفارقه حتى يأتي به،
والله تعالى أعلم. ففيه تأديب الصغار بالضرب الخفيف الذي يليق بهم، وبحسب
ما يصدر عنه.
و (قوله: ((ادع لي معاوية))) فيه استعمال الصغير فيما يليق بهم من الأعمال.
تأديب الصغار
و (قوله: ((لا أشبع الله بطنه))) يحتملُ أن يكونَ من نوع: ((لا كَبُر سنُّك» كما
قلناه، على تقدير: أن يكون معاويةُ من الأكل في أمر كان معذوراً به من شدّة
الجوع، أو مخافة فساد الطعام، أو غير ذلك، وهذا المعنى تأؤُلُ من أدخل هذا
الحديث في مناقب معاوية، فكأنه كنَّى به عن أنه دعا عليه بسبب أمرٍ كان معذوراً
٥٨٩
(٣٤) كتاب البر والصلة - (٢٢) باب: ما ذكر في ذي الوجهين وفي النميمة
(٢٢) باب
ما ذكر في ذي الوجهين وفي النميمة
[٢٥١٢] عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ اللهِ وَله قالَ: ((إنَّ من شرِّ النَّاسِ
ذا الوجهين؛ الذي يأتي هؤلاء بوجهٍ وهؤلاء بوجهٍ)).
وفي روايةٍ: ((تجدونَ من شرِّ النَّاس ذا الوجهين)) نحوه.
رواه مسلم (٢٥٢٦) في البر والصلة (٩٨ و١٠٠).
به، فحصل له من دُعاء النبيِّينَ﴿ الكفَّارةُ والرحمة والقربة إلى الله تعالى التي دعا
بها النبيُّ كما ذكرناه. ويحتمل: أن يكونَ هذا الدعاءُ من النبيِّ وَّز على حقيقته
أدَباً لمعاوية على تثبّطه في إجابة دعوة النَّبِيِّ ◌َ﴿. وإجابة دعوتِهِوَلّر واجبةٌ على
الفور، بدليل حديث أُبيِّ الذي أنكر عليه في ترك إجابته، وكان أبيٌّ في الصلاة.
(٢٢ و ٢٣) ومن باب: ما ذُكِر في ذي الوجهين
وفي النميمة والتَّحذير من الكذب(١)
(قوله: ((إنَّ من شرِّ الناس ذي الوجهين))) يعني به الذي يدخلُ بين الناس بالشَّرِّ ذو الوجهين
والفساد، ويواجه كلَّ طائفة بما يتوجّه به عندها مما يُرْضيها من الشَّرِّ، فإن رَفع من شرِّ الناس
حديثَ أحدهما إلى الآخر على جهة الشرِّ: فهو ذو الوجهين النَّمَّام، وأما من كان
ذا وَجْهين في الإصلاح بين الناس، فيواجه كلَّ طائفة بوجه خيرٍ، وقال لكلِّ واحدةٍ
منهما من الخير خلافَ ما يقول للأخرى، فهو الذي يُسمَّى: بالمصلح، وفِعْله ذلك
يُسمَّى: الإصلاح؛ وإن كان كاذباً؛ لقوله وَاجِ: ((ليس الكذابُ الذي يصلحُ بين
الناس فيقول خيراً، وينمي خيراً).
(١) شرح المؤلف - رحمه الله - في المفهم تحت هذا العنوان: هذا الباب، والباب الذي
یلیه، وهو: باب الأمر بالصدق والتحذير عن الكذب وما يُباح فيه.
٥٩٠
(٣٤) كتاب البر والصلة - (٢٣) باب: الأمر بالصدق والتحذير عن الكذب
[٢٥١٣] وعن عبد الله بن مسعود، قال: إنَّ محمداً ◌َّ قال: ((ألا
أنبئكم ما العَضْهُ؟ هي النميمة، القالة بين الناس)). وإنَّ محمَّداً وَِّ قال:
((إنَّ الرجلَ يَصْدُق حتى يُكْتَبَ صدِّيقاً، ويكذبُ حتى يُكْتَب كذَّاباً).
رواه مسلم (٢٦٠٦) (١٠٢).
*
(٢٣) باب
الأمر بالصِّدق والتحذير عن الگَذِب وما یباحُ منه
[٢٥١٤] عن عبد الله بن مسعودٍ، قال: قال رسول الله مَله: ((عليكم
بالصِّدق، فإنْ الصِّدق يهدي إلى البرِّ، وإنَّ البرّ يهدي إلى الجنَّة، وما يزال
الرَّجل يصدُق ويتحرَّى الصِّدقَ حتى يكتب عند الله صدِّيقاً وإياكم والكذب؛
تعريف العَضْه
و (قوله: ((أَلا أُنْبتكم ما العَضْه؟))) هكذا أذكر أني قرأتُه بفتح العين، وإسكان
الضاد والهاء، وهذا عند الجيَّاني، وهو مصدر عضهه بعضهه عضهاً: إذا رماه
بكذب وبهتان، وقد رواه أكثرُ الشيوخ ما العِضة - بكسر العين وفتح الضاد والتاء
المنقلبة في الوقف هاءً - وهي أصوب؛ لأنَّ العِضَةَ اسم، والنميمةُ: اسم، فصحَّ
تفسيرُ الاسم بالاسم، والعضه مصدره، ولا يحسنُ تفسيرُ المصدر بالاسم. فالروايةُ
الثّانية أولى، والذي يُبيِّن لك أن العضه اسم ما قاله الكسائي: قال: العضه:
الكذب والبهتان، وجمعها عضون مثل: عزه وعزين، وقد بيّنا أن العِضة:
المصدر، فصح ما قلناه، وقد تقدَّم القولُ في حُكْم ذي الوجهين والنَّمَّام، وقد فسَّر
النبيُّ وَ﴿ العِضة بالنَّميمة؛ لأنَّ النميمةَ لا تنفكُّ عن الكذب والبهتان غالباً.
و (قوله: ((عليكم بالصِّدق؛ فإنَّ الصدقَ يهدي إلى البِرِّ؛ وإن البِرَّ يهدي إلى
الجنة، وإياكم والكذب ... )) الحديث) يهدي: يرشد ويوصل، والبرّ: العمل
٥٩١
(٣٤) كتاب البر والصلة - (٢٣) باب: الأمر بالصدق والتحذير عن الكذب
فإنَّ الكذبَ يهدي إلى الفُجورِ، وإنَّ الفجور يهدي إلى النَّار، وما يزال
الرَّجلُ يكذبُ ويتحرَّى الكذِبَ حتى يُكتبَ عند الله كذَّاباً)».
رواه أحمد (١٩/٣)، والبخاري (٦٠٩٤)، ومسلم (٢٦٠٧)
(١٠٥)، والترمذيُّ (٢١٩١)، وابن ماجه (٤٠٠٧).
[٢٥١٥] وعن أمّ كلثوم بنت عقبة بن أبي مُعَيْطٍ - وكانت من
المهاجرات الأُوَل اللاتي بايعْنَ رسول اللهِوَّهِ - أنَّها سمعت رسول الله وَلَه ــ
وهو يقول: ((ليس الكذَّابُ الذي يُصْلِح بين النَّاس خيراً، ويقول خيراً،
ويَنْمِي خیراً)).
وفي روايةٍ: قالت: ولم أسمعه يرخص في شيءٍ مما يقولُ النَّاس
الصالح أو الجنة كما قدَّمناه. والفجورُ: الأعمالُ السَّيّئة. وعليكم من ألفاظ الإعزاء
المصرِّحة بالإلزام، فحقٌّ على كل مَن فهم عن الله تعالى أن يلازمَ الصِّدْقَ في ملازمة الصدق
الأقوال، والإخلاص في الأعمال، والصفاء في الأحوال، فمن كان كذلك لحق
بالأبرار، ووصل إلى رضا الغفّار. وقد أرشد اللَّهُ تعالى إلى ذلك كلِّه بقوله عند
ذكر أحوال الثلاثة التائبين(١) فقال: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ
الصَّدِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩]. والقولُ في الكذب المحذّر عنه على الضدِّ من
القول في الصدق، وقد تقدَّم القول في البر والفجور والهدى.
و (قول أم كلثوم: ولم أسمعه يرخّصُ في شيءٍ مما يقوله الناس إلا في
ثلاث) تعني بذلك: أنه لم يُرخِّص في شيءٍ مما يكذب الناس فيه إلا في هذه
الثلاث، وقد جاءَ لفظ الكذب نصّاً في كتاب الترمذي. من حديث أسماء بنت
-
(١) هم كعب بن مالك ومرارة بن ربيعة وهلال بن أمية الواقفي. وكلُّهم من الأنصار.
وانظر قصتهم في تفسير القرطبي (٢٨٢/٨).
٥٩٢
(٣٤) كتاب البر والصلة - (٢٣) باب: الأمر بالصدق والتحذير عن الكذب
كذبٌ إلا في ثلاثٍ؛ ((الحربُ، والإصلاح بين الناس، وحديث الرَّجل
امْرأَتَهُ، وحديث المرأة زوجها)).
وقد روى مسلم هذا من كلام ابن شهاب.
ما رُخِّص فيه يزيد، قالت: قال رسول اللهِوَ﴿: ((لا يحلُّ الكذبُ إلا في ثلاث: يُحدِّث الرجل
الكذب
امرأته ليرضيها، والكذب في الحرب، والكذبُ ليُصلحَ بين الناس))(١). فهذه
الأحاديث قد أفادت: أن الكذبَ كلَّه محرّمٌ لا يحل منه شيء إلا هذه الثلاثة؛ فإنه
رخّص فيها لما يحصل بذلك من المصالح، ويندفعُ به من المفاسد، والأولى: ألا
يكذب في هذه الثلاثة؛ إذا وجدَ عنه مندوحة؛ فإن لم تُوجد المندوحة أُعملتِ
الرُخصة. وقد يجبُ ذلك بحسب الحاجة إلى تلك المصلحة، والضرورة إلى دفع
تلك المفسدة، وما ذكرته هو - إن شاء الله - مذهب أكثر العلماء، وقد ذهبَ
ما ذهب إليه الطبريُّ إلى أنه لا يجوز الكذب الصريح بشيءٍ من الأشياء لا في هذه الثلاثة، ولا
في غيرها مُتمسّكاً بالقاعدة الكلية في تحريمه، وتأوَّل هذه الأحاديث على التورية
الطبري في
الكذب
المرخّص به
والتعريض، وهو تأويل لا يعضدُه دليل، ولا تعارضَ بين العموم والخصوص كما
هو عن العلماء منصوصٌ. وأما كذبةٌ تنجي ميّاً، أولياً، أو أمماً، أو مظلوماً
ممن يُريد ظلمه، فذلك لا تختلف في وجوبه أمة من الأمم، لا العرب، ولا
العجم.
وجوب تحرّي
الصدق
و (قوله: ((إن الرجلَ لا يزالُ يصدق، ويتحرَّى الصِّدْقَ حتى يُكتبَ عند الله
صِدِيقاً)) يتحرى الصدق يقصدُ إليه ويتوّاه، ويجتنب نقيضه الذي هو الكذب،
حتى يكون الصِّدْق غالبَ حاله، فيكتب من جملة الصدِّيقين، ويثبتُ في ديوانهم،
وكذلك القول في الكذب. وأصل الكَتْب: الضم والجمع، ومنه: كتبتُ البغلةَ: إذا
جمعتَ بين شُفْرَيْها بحَلْقة.
(١) رواه الترمذي (١٩٣٩).
٥٩٣
(٣٤) كتاب البر والصلة - (٢٣) باب: الأمر بالصدق والتحذير عن الكذب
رواه أحمد (٤٠٣/٦)، والبخاريُّ (٢٦٩٢)، ومسلم (٢٦٠٥)،
وأبو داود (٢٩٢٠ و٢٩٢١)، والترمذيُّ (١٩٣٨).
و (قوله: ﴿كَتَبَ فِ قُلُوبِهِمُ الْإِيمَنَ﴾ [المجادلة: ٢٢] جمعَه وثبّته، و:
﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِيَنَ أَنَا وَرُسُلِ﴾ [المجادلة: ٢١] أي: حكمَ وأوجب)، فكأنه جمع
ما حكم به في المحكوم عليه، وكتبتُ الكتابَ: جمعت فيه المكتوبَ وثُّّهُ، وقد
تقدَّم القولُ في الصِّدِّيق. وخرّج أبو مسعود الدمشقي حديث عبد الله بن مسعود هذا
وزاد فيه: ((وإن شرّ الروایا روایا الكذب، وإن الكذبَ لا يصلحُ فيه جدّ ولا هزل،
ولا يَعِدُ الرجل صاحبَه فيُخلفه)). وذكر أبو مسعود: أن مُسلماً خرَّج هذه الزيادة،
ولم تقع لنا هذه الزيادة، ولا لأحدٍ من أشياخنا فيما علمناه، وقال أبو عبد الله
الحميدي: وليست عندنا. والروايا: جمع راوية، يعني به: حامل الكذب وراويه،
والهاء فيه للمبالغة، كعلاّمة ونسَّابة، أو يكون استعارة، شبَّه حاملَ الكذب لحمله
إياه بالراوية الحاملة للماء. وفيه حجَّة للطبري في تحريمه الكذبَ مطلقاً وعموماً.
وفيه ما يدلُّ على وجوب الوفاء بالوعد، ولو كان بالشيء الحقير مع الصبيِّ وجوب الوفاء
بالوعد
الصغير .
٥٩٤
(٣٤) كتاب البر والصلة - (٢٤) باب: ما يقال عند الغضب
(٢٤) باب
ما يقال عند الغضب
ومدح من يملك نفسه عنده
[٢٥١٦] عن سليمانَ بن صُرَدٍ، قال: استبَّ رجلانِ عند النَّبِيِّ وَّ؛
فجعل أحدُهما يغضبُ، ويحمرُّ وجهُه، وتنتفخ أوداجُه، فنظر إليه النَّبيُّ وَه
فقال: ((إنِّي لأعلم كلمةً لو قالها لذهب ذا عنه: أعوذ بالله من الشيطان
الرجيم)). فقام إلى الرَّجلِ رجلٌ سمع النبي وَلّ؛ فقال: أتدري ما قال
(٢٤) ومن باب: ما يقال عند الغضب والنهي عن ضرب الوجه
(قوله وَي﴿ للغضبان: ((إني لأعرفُ كلمةً لو قالها لذهبَ عنه: أعوذ بالله من
أثر الشيطان في الشيطان الرجيم)) يدلُّ: على أن الشيطانَ له تأثير في تهييج الغضب، وزيادته حتى
تهييج الغضب يحمله على البطش بالمغضوب عليه، أو إتلافه، أو إتلاف نفسه، أو شرٌّ يفعلُه
يستحقُّ به العقوبة في الدنيا والآخرة، فإذا تعوَّذ الغضبانُ بالله من الشيطان الرجيم،
وصحَّ قصدُه لذلك فقد التجأ إلى الله تعالى، وقصدَه، واستجارَ به، والله تعالى
أكرمُ من أن يخذلَ من استجارَ به، ولما جهلَ ذلك الرجل ذلك المعنى، وظنَّ أن
الذي يحتاجُ إلى التَّعوُّذ إنما هو المجنون، فقال: أمجنوناً تراني؟ مُنكراً على من
نَّهه على ما يُصلحه، وراداً لما ينفعُه، وهذا من أقبح الجنون، والجنون فنون(١)،
وكأنَّ هذا الرجلَ كان من جُفاة الأعراب الذين قلوبُهم من الفقه والفهم خراب.
و (قوله: ((أتدرون ما تعدُّون الرَّقُوب فيكم)) قال: قلنا: الذي لا يُولد له)
الرقوب: فعول، وهو الكثير المراقبة، كضروب، وقتول، لكنه صار في عرف
استعمالهم عبارة عن المرأة التي لا يعيشُ لها ولدٌ، كما قال عَبِيد بن الأبرص:
تعريف
الرقوب
(١) هذه الجملة ليست في (ز).
٥٩٥
(٣٤) كتاب البر والصلة - (٢٤) باب: ما يقال عند الغضب
رسول الله صل آنفاً؟ قال: ((إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب ذا عنه: أعوذ
بالله من الشيطان الرجيم)). فقال له الرجل: أمجنوناً تراني؟ !.
رواه أحمد (٣٩٤/٦)، والبخاريُّ (٣٢٨٢)، ومسلم (٢٦١٠) (١٠٩
و ١١٠)، وأبو داود (٤٧٨١).
كَأَنَّهَا شَيْخَةٌ رَقُوبُ(١)
قلت: هذا نقل أهل اللغة، ولم يذكروا أن الرَّقوب يُقال على من لا يولد
له، مع أنه قد كان معروفاً عند الصحابة - رضي الله عنهم -، ولذلك أجابوا به
رسولَ اللهِ وَلّهِ. والقياسُ يقتضيه؛ لأن الذي لا يُولد له يكثر ارتقابه للولد، وانتظاره
له، ويطمع فيه إذا كان ممن يرتجى ذلك، كما يُقال على المرأة التي ترقب موت
زوجها: رقوب. وللناقة التي ترقب الحوضَ فتنفر منه، ولا تقربُه: رقوب.
قلتُ: ويحتمل أن يُحمل قولهم في الرقوب: إنه الذي لا يُولد له بعد فقد
أولاده لوصوله من الكبر إلى حال لا يُولد له، فتجتمع عليه مصيبة الفقد ومصيبة
اليأس، وهذا هو الأليق بمساق الحديث. ألا ترى قوله: ((ليس ذلك الرقوب،
ولكنَّه الزجل الذي لا يُقدِّمُ من ولده شيئاً)) أي: هو أحقُّ باسم الرَّقوب من ذلك؛
لأن هذا الذي أُصيب بفقد أولاده في الدنيا ينجبر في الآخرة بما يُعوَّض على ذلك
من الثواب، وأما من لم يمت له ولدٌ فيفقد في الآخرة ثوابَ فقد الولد. فهو أحثُّ
باسم الرَّقوب من الأول، وقد صدرَ هذا الأسلوبُ من النبيِ وَ # كثيراً، كقوله:
(ليس المسكين بالطَّوَّافِ عليكم))(٢) و ((ليس الشديدُ بالصُّرَعة)) و ((ليس الواصلُ
بالمكافىء))(٣) ومثله كثير. ولم يُرد بهذا السَّلْب سَلْبَ الأصل. لكن سَلْبَ الأَولى
(١) هذا عجز بيت، وصدره: باتَتْ على إرَمِ عذوباً.
(٢) رواه أحمد (٤٥٧/٢)، والبخاري (١٤٧٦)، ومسلم (١٠٣٩) (١٠٢)، وأبو داود
(١٦٣١)، والنسائي (٨٤/٥ - ٨٥).
(٣) رواه البخاري (٥٩٩١)، وأبو داود (١٦٩٧)، والترمذي (١٩٠٩).
٥٩٦
(٣٤) كتاب البر والصلة - (٢٤) باب: ما يقال عند الغضب
[٢٥١٧] وعن أنسٍ، أنَّ رسولَ الله ◌َ ﴿ قالَ: ((لمَّا صوَّر الله آدم في
الجنة تركه ما شاء الله أن يتركه فجعل إبليسُ يُطِيفُ به، ينظر ما هو! فلما
رآه أجوف؛ عَرَفَ أنَّه خُلِقَ خلقاً لا يتمالك)).
رواه أحمد (١٥٢/٣)، ومسلم (٢٦١١).
[٢٥١٨] وعن عبد الله بن مسعودٍ، قال: قال رسول الله الفوز: ((ما
تَعُدُّونَ الرَّقُوبَ فيكم؟)) قال: قلنا: الذي لا يُولد له. قال: ((ليس ذاك
بالرَّقُوب، ولكنَّه الرَّجل الذي لم يُقدِّم من ولده شيئاً)). قال: ((ما تَعُدُّون
الصُّرعةَ فيكم؟)). قال: قلنا: الذي لا يَصْرَعُه الرِّجال. قال: ((ليس بذلك،
ولكنه الذي يملك نفسه عند الغضب».
رواه أحمد (٣٨٢/١)، ومسلم (٢٦٠٨)، وأبو داود (٤٧٧٩).
[٢٥١٩] وعن أبي هريرة، أنَّ رسولَ الله ◌َّهِ قالَ: ((ليس الشَّديدُ
بالصُّرَعَةِ إنَّما الشَّدِيدُ الذي يملك نفسَهُ عند الغضب)).
رواه أحمد (٢٣٦/٢)، والبخاريُّ (٦١١٤)، ومسلم (٢٦٠٩)
(١٠٧).
والأَحقّ، والصُّرَعة: بفتح الراء هو الذي يصرعُ الناس كثيراً، وبالسكون هو الذي
يصرعُه الناس، وكذلك: هُزَأة وهُزْءَة، وسُخَرَة وسُخْرة، وقد تقدَّم.
و (قوله: ((لما صوَّر الله تعالى آدم في الجنة تركَه ما شاء الله أن يتركَه)))
يعني: أن الله تعالى لما صوَّر طينة آدم، وشكَّلها بشكله على ما سبقَ في علمه فلما
رآها إبليسُ أطافَ بها، أي: دارَ حولها، وجعلَ ينظر في كيفيّتها وأمرها، فلما رآها
٥٩٧
(٣٤) كتاب البر والصلة - (٢٥) باب: النهي عن ضرب الوجه
(٢٥) باب
النَّهي عن ضرب الوجه
وفي وعيد الذين يُعذِّبون النَّاس
[٢٥٢٠] عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَلهو: ((إذا قاتل
أحدُكم أخاه فلا يَلْطِمَنَّ الوجْهَ».
وفي روايةٍ: ((إذا قاتل أحدُكم أخاه فليجْتَنِب الوجْهَ؛ فإنَّ الله خلق آدمَ
على صورته)).
رواه أحمد (٢٤٤/٢)، والبخاريُّ (٢٥٥٩)، ومسلم (٢٦١٢)
(١١٤ و١١٥).
ذاتَ جَوْفٍ وقعَ له أنها مفتقرة إلى ما يسدُّ جوفَها، وأنها لا تتمالك عن تحصيل ما
تحتاجُ إليه من أغراضها، وشهواتِها، فكان الأمرُ على ما وقع.
(٢٥) ومن باب: إذا قاتل أحدكم أخاه
فلا يلطم الوجه
(قوله: إذا قاتل أحدُكم أخاه، فلا يلطمنَّ الوجه)). وفي الأخرى: ((فليجتنب النهي عن لطم
الوجه، فإن الله تعالى خلق آدمَ على صورته))) معنى قاتل: ضرب، وقد جاء كذلك الوجه
في بعض رواياته، وقد قلنا: إن أصل المقاتلة المدافعة، ويعني بالأخوَّة هنا - والله
أعلم - أخوّة الآدميّة؛ فإن الناسَ كلَّهم بنو آدمَ، [ودلّ على ذلك قوله وصله: ((فإن الله
خلقَ آدم على صورته)) أي: على صورة وجه المضروب، فكأن اللَّطم في وجه
أحد ولد آدم لطم وجه أبيه آدم](١). وعلى هذا فيحرم لطم الوجه من المسلم
والكافر، ولو أراد الأخوَّة الدينية لما كان للتعليل بخلق آدم على صورته معنىً.
لا يُقال: فكافر مأمور بقتله وضربه في أي عضو كان؛ إذ المقصودُ إتلافه، والمبالغة
(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).
٥٩٨
(٣٤) كتاب البر والصلة - (٢٥) باب: النهي عن ضرب الوجه
[٢٥٢١] وعن هشامٍ بن حكيم بن حزام: مرَّ على أُناس من الأنباط
بالشام قد أقيموا في الشمس.
وفي روايةٍ: وصُبَّ على رؤوسهم الزَّيتُ. فقال: ما شأنهم؟ قال:
إكرام وجه
المؤمن
لحرمته
استحالة
الصورة
الجسمية على
الله
العلم هو
الفیصل بین
الإنسان
والحيوان
في الانتقام منه، ولا شكّ في أن ضربَ الوجه أبلغُ في الانتقام والعقوبة، فلا يُمنع.
وإنما مقصود الحديث: إكرام وجه المؤمن لحرمته؛ لأنا نقول: مُسَلَّمٌ أنَّا مأمورونَ
بقتل الكافر، والمبالغة في الانتقام منه لكن إذا تمكَّنا من اجتناب وجهه اجتنباه
لشرفيَّة هذا العضو؛ ولأن الشرعَ قد نَزَّل هذا الوجه منزلة وجه أبينا. وتقبيح لطم
الرجل وجهاً يُشبه وجه أبي اللَّطم، وليس كذلك سائر الأعضاء؛ لأنها كلَّها تابعةٌ
للوجه، وهذا الذي ذكرناه: هو ظاهرُ الحديث، ولا يكون في الحديث إشكال
يُوهم في حقِّ الله تعالى تشبيهاً، وإنما أشكلَ ذلك على من أعادَ الضمير في صورته
على الله تعالى، وذلك ينبغي ألا يصار إليه شرعاً، ولا عقلاً، أما العقل فيحيل
الصورة الجسمية على الله تعالى، وأما الشرع فلم يَنُصَّ على ذلك نصاً قاطعاً،
ومحال أن يكون ذلك، فإن النصَّ القاطع صادق، والصادق لا يقول المحال،
فيتعيَّن عود الضمير على المضروب؛ لأنه هو الذي سبق الكلام لبيان حكمه. وقد
أعادت المشبّهة هذا الضمير على الله تعالى، فالتزموا القولَ بالتجسيم، وذلك نتيجة
العقل السقيم، والجهل الصميم، وقد بيّنا جهلهم، وحفَّقنا كفرهم فيما تقدَّم، ولو
سلَّمنا: أن الضمير عائد على الله تعالى، فللتأويل فيه وجه صحيح، وهو أن
الصُّورة قد تُطلق بمعنى الصِّفة، كما يُقال: صورة هذه المسألة كذا، أي: صفتها،
وصَوَّر لي فلان كذا فتصوَّرته، أي: وصفه لي ففهمته، وضبطتُ وصفه في نفسي،
وعلى هذا فيكون معنى قوله: ((إن الله خلق آدمَ على صورته)) أي: خلقه موصوفاً
بالعلم الذي فصلَ به بينه وبين جميع أصناف الحيوانات، وخصّه منه بما لم يخصَّ
به أحداً من ملائكة الأَرضين والسَّموات، وقد قلنا فيما تقدَّم: إن التسليم في
المتشابهات أسلم، والله ورسوله أعلم. والأنباط: جمع نَبَط، وهم قوم ينزلون
٥٩٩
(٣٤) كتاب البر والصلة - (٢٥) باب: النهي عن ضرب الوجه
يحبسون في الجزية. قال هشام: أشهدُ لَسَمِعْتُ رسول اللهِوَلِّ يقول: ((إنَّ
الله يُعَذِّبُ الذين يُعَذِّبُون النَّاس في الدنيا)).
وفي روايةٍ: وأميرهم يومئذٍ عُمَيْرُ بنُ سعدٍ على فلسطين، فدخل
عليه، فحدَّثه، فأمر بهم فَخُلُّوا.
رواه أحمد (٤٠٣/٣)، ومسلم (٢٦١٣) (١١٧ و١١٨ و١١٩)،
وأبو داود (٣٠٤٥).
بالبطائح بين العراقين، سُّوا بذلك لأنهم ينبطون الماء، أي: يَحفِرون عليه حتى
يخرجَ على وجه الأرض. يقال: نبطَ الماء يَنْبُط وينْبِط: إذا نبعَ، وأنبطَ الحَفَّار
الماءَ إذا بلغ إليه، والاستنباط: استخراج العلوم، ويُقال على النَّبَط: نبيط أيضاً،
وكانوا إذ ذاك أهلَ ذمَّةٍ، ولذلك عُذِّبوا بالشمس، وصُبَّ الزيت على رؤوسهم
لأجل الجزية، وكأنهم امتنعوا من الجزية مع التمكُّن، فعُوقبوا لذلك، فأما مع تبيّن
عجزهم، فلا تحلُّ عقوبتهم بذلك، ولا بغيره؛ لأن من عجزَ عن الجزية سقطت
عنه .
و (قوله: ((إن الله يُعذّب الذين يُعذِّبون الناسَ في الدنيا))) يعني: إذا عذَّبوهم اللهِ يُعذِّب من
ظالمين، إما في أصل التعذيب فيعذبونهم في موضع لا يجوز فيه التعذيب، أو يُعذُّب الناس
بزيادة على المشروع في التعذيب: إما في المقدار، وإما في الصِّفة، كما بيَّناه في
الحدود.
و (قوله: وأميرُهم يومئذ عُمير بن سعد) كذا صحَّت الرواية عند أكثر
الشيوخ، وفي أكثر النسخ، وهو الصواب؛ لأنه عُمير بن سعد بن عمر القارىء من هو عميربن
الأنصاريّ من بني عمرو بن عوف، يُكنى أبوه أبا زيد، وهو أحدُ من جمعَ القرآن، سعد؟
الذي تقدَّم ذكره في حديث أنس، الذي قال فيه أنس: أبو زيد أحدُ عمومتي،
واختلف في اسم أبي زيد هذا، فقيل: سعد - كما تقدم - وهو الأعرف، وقيل:
سعيد، وكان عمر - رضي الله عنه - ولَّى عُميراً حمصَ وكان يُقال له: نسيجَ
٦٠٠
(٣٤) كتاب البر والصلة - (٢٦) باب: النهي أن يشير الرجل بالسلاح
[٢٥٢٢] وعن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله صل﴾ يقول: ((إنْ
طالتْ بكَ مُدَّةٌ أوشكْتَ أن ترى قوماً يَغْدُون في سَخَطِ الله، ويروحون في
لعنته، في أيديهم مِثْلُ أذناب البقر)).
رواه مسلم (٢٨٥٧) في الجنة وصفة نعيمها (٥٤).
*
(٢٦) باب
الَّهي أن يُشير الرجلُ بالسّلاح على أخيه
والأمر بإمساك السّلاح بنصولها
[٢٥٢٣] عن أبي هريرة، قال: قال أبو القاسم وَله: ((من أشار إلى
أخيه بحديدةٍ فإنَّ الملائكة تلعنُه،
وحده، ووقع في كتاب القاضي أبي عليَّ الصَّدفيُّ: عمر بن سعيد. قال أهل النقل:
وهو وهم، وأما عمرو بن سعید فمعدود في الصحابة، وهو عمرو بن سعيد ربیب
الجَلَّس ويتيمه. حكاه القاضي أبو الفضل.
وأوشكتَ: أسرعت، ومعناه: أنك ترى عن قرب ما يُخبرك به. وقد تقدَّم
القول في يوشك، وأنه من أفعال المقاربة، وفي القوم الذين بأيديهم سياط كأذناب
البقر.
(٢٦ و٢٧) ومن باب: النهي عن الإشارة بالسلاح
وفضل تنحية الأذى عن الطريق(١)
(قوله: ((من أشار إلى أخيه بحديدة، فإنَّ الملائكةَ تلعنُه حتى))) كذا صحّت
(١) شرح المؤلف - رحمه الله - تحت هذا العنوان ما أشكل في أحاديث بابي التلخيص رقم
(٢٦ و ٢٧).