Indexed OCR Text

Pages 501-520

٥٠١
(٣٣) كتاب النبوات - (٨٣) باب: ما ذكر في فضل أويس القرني
فإذا رأيتَ رجلين يَخْتصمانِ فيها في موضع لَبِنَةٍ ، فاخرجْ منها)) . قال:
فرأيتُ عبدَ الرحمنِ بنَ شُرَحْبِيل بنِ حَسَنة وأخاهُ رَبيعةَ يختصمانِ في موضع
لَبِنَةٍ فخرجتُ منها.
وفي أخرى: ((فاستوصُوا بأهلها خيراً فإنَّ لهم ذمةً ورَحِماً».
رواه أحمد (١٧٤/٥)، ومسلم (٢٥٤٣) (٢٢٦ و ٢٢٧).
[٢٤٤٩] وعن أبي برزةَ، قال: بعثَ رسولُ الله وَليل رجلاً إلى حيّ
من أحياء العربِ فسَبُّوه، وضربُوه، فجاء إلى رسول الله وَ لتر، فأخبره، فقال
رسولُ الله ◌َ﴿: ((لو أنَّ أهلَ عُمانَ أتيتَ؛ ما سَبُّوكَ ولا ضربُوكَ)).
رواه مسلم (٢٥٤٤).
و (قوله: ((فإذا رأيتم رجلين يختصمان فيها في موضع لَبِنَةٍ فاخرجْ منها»)
يعني بذلك: كثرة أهلها، ومشاحتهم في أرضها، واشتغالهم بالزراعة والغرس عن
الجهاد، وإظهار الدِّين، ولذلك أَمَره بالخروج منها إلى مواضع الجهاد، ويحتملُ
أن يكونَ ذلك؛ لأنَّ الناسَ إذا ازدحموا على الأرض، وتنافسوا في ذلك كثرتْ
خصومتُهم، وشرورُهم، وفشا فيهم البخلُ، والشرّ، فيتعيَّن الفِرار من محلٌّ يكون
كذلك، إن وجد محلاً آخر خليّاً عن ذلك، وهيهات! كان هذا في الصدر الأول،
وأما اليوم، فوجودُ ذلك في غاية البعد، إذ في كلِّ وادٍ بنو سعد. واللَّبِنَةُ: الطوبة،
وتُجمع لَبِن. وفيه من الفقه: الأمر بالرّفق بأهل أرياف مصر، وصعيدها،
والإحسان إليهم، وخصوصاً أهل تينك القريتين، لما ذكر من تينك الخصوصيَّتين.
و (قوله وَّر: ((لو أنَّ أهل عُمان أتيتَ ما سُبُّوك ولا ضربوك))) يُروى عُمان صفات أهل
- بضم العين، وتخفيف الميم - وهو موضعٌ بالشام(١)، ويعني: أن أهلَ عُمان قومٌ عُمان
(١) هذا الموضع ذُكر بفتح العين وتشديد الميم. انظر: اللسان ومعجم البلدان.

٥٠٢
(٣٣) كتاب النبوات - (٨٤) باب: في ثقيف كذابٌ ومبير
(٨٤) باب
في ثقيفٍ كذاب ومبيرٌ
[٢٤٥٠] عن أبي نوفلٍ، قال: رأيتُ عبدَ الله بن الزُّبَيْرِ على عَقَبَةٍ
المدينة. قال: فجَعَلَتْ قريشٌ تمرُّ عليه والناسُ، حتى مرّ عليه عبدُ الله بنُ
عُمَر، فوقف عليه، فقال: السّلام عليك أبا خُبَيْبٍ! السَّلامُ عليكَ
فيهم علم، وعفاف، وتثبّت، والأشبه: أنهم أهلُ عمان التي قبل اليمن؛ لأنهم ألينُ
قلوباً، وأرقُ أفئدة، وأما أهلُ عُمان الشام فسلامة لك منهم وسلام، وأهلُ هذين
الاسمين مِن عمن بالمكان: أقام به، ويُقال: أعمن الرجل: إذا صار إلى عُمان.
(٨٤) ومن باب: في ثقيف كذّاب ومُبِیر
(قول أبي نوفل: رأيتُ عبدَ الله بن الزبير على عَقَبة المدينة) يعني: أنه رآه
مَصْلُوباً على خشبةٍ على عَقَبة المدينة، صلبه الحجاجُ - بعد أن قُتِل في المعركة -
منكساً، وكان من حديثه ما قد تقدَّم بعضُه، وذلك أنه لما مات معاويةُ بن يزيد بن
بيعة ابن الزبير معاوية بن أبي سفيان، ولم يولِّ أحداً، بقي الناس لا خليفةً لهم، ولا إمام مُدَّةً قد
بمكة
تقدَّم ذِكْرُها، فعند ذلك بايع الناسُ لعبد الله بن الزُبير بمكة، واجتمع على طاعته
أهلُ الحجاز، وأهلُ اليمن، والعراق وخراسان، وحجَّ بالناس ثماني حجج، ثم
بايع أهلُ الشام لمروان بن الحكم، واجتمع عليه أهلُ الشام، ومصر، والمغرب،
وكان ابنُ الزبير أولى بالأمر من مروان وابنه على ما قاله مالك - وهو الحقُّ - لعلم
ابن الزبير، وفَضْله، وبيته، فجرتْ بينهم حروبٌ وخطوبٌ عظيمة، إلى أن توفي
مروان وولي عبد الملك، واستفحل أمرُه بالحجّاج، فوجَّه الحجاجَ إلى مكة في
مقتل ابن الزبير جيشٍ عظيم، فحاصر فيها عبدَ الله بن الزبير مدة ستة أشهر وسبعة عشر يوماً، ثم
وصلبه بعد
حصاره
دخل عليه، فقُتل يوم الثلاثاء لسبع عشرة ليلة خلت من جمادى الأولى. وقيل:
جمادى الآخرة، سنة ثلاث وسبعين، وهو ابنُ اثنتين وسبعين سنة - قال المدائني:

٥٠٣
(٣٣) کتاب النبوات - (٨٤) باب: في ثقيف كذّاب ومُبیر
أبا خُبَيْبٍ! السَّلام عليك أبا خبيب! أما والله! لقد كنتُ أنهاك عن هذا! أما
والله! لقد كنت أنهاك عن هذا! أما والله! لقد كنتُ أنهاك عن هذا! أما والله!
إن كنتَ مَا علمتُ صوّاماً، قوّاماً، وَصُولاً للرّحم، أما واللَّهِ لأُمَّةٌ أنْتَ شَؤُها
لأَمَّةٌ خيرٌ.
بُويع له بالخلافة سنة [خمس وستين، وكان قبل ذلك لا يُدْعى باسم الخلافة، وقال
غيره: بويع له بالخلافة سنة](١) أربع وستين - ثم بقي مصلوباً على خشبةٍ إلى أن
رحل عروةُ بنُ الزبير إلى عبد الملك بن مروان، فرغب إليه أن ينزل من الخشبة
فأشفعه، فأُنزل. قال ابنُ أبي مليكة: كنتُ الآذنَ لمن(٢) بشَّر أسماء بنزول ابنها
عبدالله بن الزبير من الخشبة، فدعت بمركن وشبّ يمان، وأمرتني بغسله، فكنّا
لا نتناول عضواً إلا جاء معنا، وکنا نغسلُ العضو، ونضعه في أکفانه حتى فرغنا منه،
وكانت أمُّه أسماء تقولُ قبل ذلك: اللهم لا تُمتني حتى تُقرَّ عيني بجثته، فما أتتْ
عليها جمعةٌ حتى ماتت. وفي مدّة صَلْبِهِ مرَّ به ابنُ عمر فقال: السلام عليك أبا
خُبيب! كنَّاه بابنٍ له يُسمَّى خبيباً، وكنيتُه الشهيرة أبو بكر.
و (قول ابن عمر: أما والله لقد كنتُ أنهاكَ عن هذا) أي: عن التعرُّض لهذا،
وكأنه كان أشار عليه بالصُّلح، ونهاه عن قتالهم لما رأى من كثرة عدوّه، وشدَّة
شوكتهم، ثم إنه شهدَ بما علم من حاله فقال: أما والله إن كنتَ ما علمتُ صوَّاماً، شهادة ابن عمر
قوَّاماً، وصولاً للرحم. وكان يصومُ الدهر، ويواصلُ الأيام، ويُحيي الليل، وربما لابن الزبير
قرأ القرآنَ كلَّه في ركعة الوتر! و (إنْ) التي مع كنت مخففة من الثقيلة، واسمها
محذوف، تقديره: إنك كنت، وما مع الفعل بتأويل المصدر.
و (قوله: أما والله! لأمّة أنت شرها لأمةٌ خيرٌ) يعني بذلك: أنهم إنما قتلوه
(١) ما بين حاصرتين سقط من (ز).
(٢) في الاستيعاب (٣٠٥/٢) - على هامش الإصابة -: كنتُ أُوَّل مَن.

٥٠٤
(٣٣) كتاب النبوات - (٨٤) باب: في ثقيف كذّاب ومُبير
ثم نفذ عبدُ الله بنُ عمر. فبلغ الحجّاجَ موقفُ عبدِ اللهِ وقولُهُ،
فأرسل إليه، فَأُنْزلَ عن جِذْعِهِ، فَأُلقي في قُبُور الْيَهُودِ، ثمَّ أَرسلَ إلى أُمَّهِ
أسماء بنتِ أبي بَكْرٍ، فأبتْ أنْ تأتِيَهُ، فأعاد عليها الرسولَ: لَتَأْتِيِنِّي، أو
لأبْعَثَنَّ إليكِ من يَسْحَبُّك بُقُرونك! قال: فأبتْ، وقالتْ: والله! لا آتيكَ
حتى تبعثَ إليَّ من يَسْحَبُني بقُروني! قال: فقال: أَرُوني سِبْتَيَّ! فَأَخَذَ
نَعْلَيْهِ، ثم انطَلَق يَتَوَذَّفُ؛ حتى دخل عليها. قال: كيفَ رَأيْتِنِي صَنَعْتُ
بعدو اللَّهِ؟! قالتْ: رأيتُكَ أفسدْتَ عليه دُنْيَاه، وأفسد عليك آخِرَتَكَ! بلغني
أنّك تقولُ: يا بنَ ذاتِ النِّطاقين! أنا والله! ذاتُ النطاقين؛ أمَّا أحدُهما
فكنتُ أرفُع به طعامَ رسولِ اللهِوَّهِ وطعامَ أبي بكر من الدوابِّ، وأمّا الآخَرُ
فَنِطاق المرأةِ التي لا تَسْتَغْنِي عنه، أمَا إنَّ رسول اللّهِ وَ لِّ حدَّثنا: أنّ في
وصلبوه؛ لأنه شُّ الأمة في زَعْمهم، مع ما كان عليه من الفضل والدِّين والخير،
فإذا لم يكن في تلك الأمة شرٍ منه، فالأمة كلُّها أمة خير، وهذا الكلام يتضمَّن
الإنکارَ علیھم فیما فعلوه به.
و (قوله: فبلغ الحجَّاجَ موقفُ عبدِ الله وقَوْلُهُ، فأرسل إليه، فأُنزل عن
جِذْعه) ظاهرُ هذا: أنه إنما أنزله عن الخشبة لقول عبدالله وموقفه، وقد نقلنا: أنَّ
إنزالَهُ كان عن سؤال عُروة لعبد الملك في ذلك، فيجوز أن يكونَ اجتمع إذنُ
(عبد الملك)، وموقفُ عبدالله، فكان إنزالهُ عنهما. و(نسحبُكِ): نجرُكِ.
و (قُرُونها): الثوبُ الذي تنتطقُ به المرأة، أي: تحتزمُ. و (يتوذَّف): يمشي
متبختراً، وقيل: مسرعاً. و (المُبير): المهلك، وكذلك كان الحجاجُ؛ فإنه روي
أنه أُحصي مَن قَتَله الحجاجُ صَبْراً، فوجدوهم ثلاثين ألفاً، وأمَّا من قتل في
الحروب فلم يحصوا .
وأما الكذاب فهو: المختار بن أبي عبيد الثقفي، فإنه ادَّعى النبوة، وتبعه
على ذلك خَلْقٌ كثيرٌ حتى قتله اللَّهُ تعالى كما تقدم.
من هو
الكذّاب؟

٥٠٥
(٣٣) كتاب النبوات - (٨٥) باب: ما ذكر في فارس
ثقيفٍ كذَّاباً وَمُبِيراً، فأمَّا الكذَّاب فرأيناهُ، وأمّا المُبِير فلا إخَالُكَ إلا إياه!
قال: فقام عنها، ولم يُراجِعْها.
رواه مسلم (٢٥٤٥).
(٨٥) باب
ما ذکر في فارس
[٢٤٥١] عن أبي هريرة، قال: كنّا جُلُوساً عند النَّبِيّ وَّهِ، إذْ نزلتْ
عليه سورة الجُمعَة، فلما قرأ: ﴿ وَءَاخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ﴾
[الجمعة: ٣]، قال رجلٌ: مَنْ هؤلاء يا رسول الله؟! فَلَم يُراجِعه التَّبِيُّ وَله
و(قوله: فقام عنها، فلم يراجعها) قد حُكي عنه أنه قال: اللهم! مبيرٌ
لا كذَّاب.
و (إخالك): أظنُّك، وكسر همزة إخالك لغة فصيحة، والفتح الأصلُ
والقياس.
(٨٥) ومن باب: ما ذكر في فارس
(قوله تعالى: ﴿وَءَاخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ﴾ [الجمعة: ٣] هو مخفوضٌ
معطوفٌ على الأمِّيين(١)، ويجوزُ أن يكونَ منصوباً معطوفاً على الضَّمير في
يُعَلِّمُهُم. ولما يلحقوا بهم: أي لم يدخلوا في الإسلام، ولم يوجدوا وسيوجدون.
(١) أي: من قوله تعالى في الآية التي قبلها: ﴿هو الذي بعث في الأميين رسولاً
· [الجمعة: ٢].
منهم ..

٥٠٦
(٣٣) كتاب النبوات - (٨٦) باب: ما ذكر في فارس
حتى سأله مرةً، أو مرتين، أو ثلاثاً - قال: وفينا سَلْمَانُ الفارسيُّ - قال:
فوضع التَّبِيُّ نَّهِ يَده على سلمانَ، ثم قال: ((لو كانَ الإيمان عند الثُّريًّا لَنَالَه
رجالٌ من هؤلاء)».
وفي روايةٍ: ((لو كان الدِّينُ عند الثريا لذهب به رجلٌ من فارسَ - أو
قال: من أبْنَاء فارس - حتى يَتَنَاوَلَه.
رواه أحمد (٤١٧/٢)، والبخاريُّ (٤٨٩٧)، ومسلم (٢٥٤٦) (٢٣٠
و ٢٣١)، والترمذيُّ (٣٣١٠)، والنَّسائي في الكبرى (٨٢٧٨).
(٨٦) باب
[٢٤٥٢] عن أبي هريرة، أنَّ رسول الله وَّه قال: ((مِنْ أشدِّ أمَّتي لي
حُبّاً ناسٌ يكونون بعدي، يوُ أحدُهم لو رآني بأهله وماله)).
رواه البخاريُّ تعليقاً (٣٥٨٨)، ومسلم (٢٨٣٢).
[٢٤٥٣] وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله وَ له: ((تجدونَ الناسَ
كإبلٍ مِنَّةٍ لا تجِدُ فيها راحلةً».
رواه أحمد (٨٨/٢)، والبخاريُّ (٦٤٩٨)، ومسلم (٢٥٤٧)،
والترمذيُّ (٢٨٧٢).
وأحسن ما قيل فيهم أنهم أبناءُ فارس بدليل نصِّ هذا الحديث، وقد كثرتْ أقوالُ
المفسرين في ذلك. وقد ظهر ذلك للعيان، فإنهم ظهر فيهم الدِّينُ، وكثر فيهم
العلماءُ، فكان وجودُهم كذلك دليلاً من أدلَّ صِدْق النبي ◌َّه.
(٨٦) باب
و (قوله: تجدون الناسَ كإبلٍ مئة، لا تجدُ فيها راحلةٌ) قال الأزهري:
الراحلة: الناقةُ النجيبة والجمل النجيب، والهاء فيها للمبالغة. كرجل داعية

٥٠٧
(٣٣) كتاب النبوات - (٨٥) باب: ما ذكر في فارس
ونسّابة. وسُمِّيت بذلك لأنها تُرتحل، فهي فاعلة بمعنى مفعولة كعيشة راضية أي:
مرضيّة. قال: ومعنى الحديث عندي: أنَّ الكامل في الزهد في الدنيا والرغبة في الكمال في
الآخرة قليل.
الزهد قلیل
قلتُ: ويقع لي أن الذي يناسبُ التمثيلَ بالرَّاحلة إنما هو الرجلُ الكريم، صفات الرجل
الجوادُ؛ الذي يتحمَّل كلَّ الناس وأثقالهم بما يتكلَّفه من القيام بحقوقهم، والغرامات
القليل الوجود
عنهم، وكَشْف كُرَبهم، فهذا هو القليلُ الوجود، بل: قد يصدق عليه اسمُ
المفقود، وهذا أشبهُ القولين، والله تعالى أعلم.
كمل كتابُ المناقب، والحمد لله ربِّ العالمين.

٥٠٨
(٣٤) كتاب البر والصلة - (١) باب: في بر الوالدين
(٣٤)
كتاب البر والصلة
(١) باب
في برِّ الوالدين، وما للأمّ من البر
[٢٤٥٤] عن أبي هريرة، قال: جاء رجلٌ إلى رسولِ اللَّهِ وَ له فقال:
مَنْ أحقُّ النَّاس بحسن صحابتي؟ قال: ((أمُّك)). قال: ثمَّ مَنْ؟ قال:
((أمُّك)). قال: ثمَّ مَنْ؟ قال: ((أمُّك)). قال: ثمَّ مَنْ؟ قال: ((أبوك)).
(٣٤)
كتاب البرّ والصِّلة
(١) ومن باب: برّ الوالدين
(قوله: مَن أحقُّ الناس بِحُسْنِ صَحابتي) أحقُّ: أولى وأوكد، والصَّحابة:
الصُّحبة، يقال: صحبه يصحبه صحبة وصحابة.
المبالغة بحقٌ
الأُمُّ
و (قوله: ((أمُّك)) ثلاث مرات، وفي الرابعة: ((أبوك))) يدلُّ على صحّة قول
من قال: إنَّ للأم ثلاثة أرباع البر، وللأب رُبُعَه، ومعنى ذلك: أن حقَّهما - وإن
كان واجباً - فالأم تستحقُّ الحظّ الأوفر من ذلك، وفائدةُ ذلك المبالغةُ في القيام
بحقِّ الأم، وأن حقَّها مُقدَّمٌ عند تزاحم حقٌّها وحقٌّه.

٥٠٩
(٣٤) كتاب البر والصلة - (١) باب: في بر الوالدين
وفي روايةٍ: ((ثُمَّ أَدْنَاكَ أدناك)).
رواه أحمد (٣٢٧/٢)، والبخاريُّ (٥٩٧١)، ومسلم (٢٥٤٨)
(١ و٢)، وابن ماجه (٢٧٠٦).
[٢٤٥٥] وعن عبد الله بن عمر، قال: جاء رجل إلى النَّبي ◌َّفو
يستأذِنُهُ فِي الجِهادِ. فقال: ((أخَيٍّ وَالِداكَ؟)) قال: نعم. قال: ((ففيهما
فجاهد».
و (قوله: ((ثم أدناك أدناك))) يعني: أنك إذا قمت بيرِّ الأبوين تعيّن عليك القيام بصلة
القيامُ بصلة رَحِمك، وتبدأ منهم بالأقرب إليك نسباً فالأقرب، وهذا كلُّه عند الرحم
تزاحم الحقوق، وأما عند التمكُّن من القيام بحقوق الجميع، فيتعيَّن القيامُ بجميع
ذلك.
و (قوله: ((أما وأبيك لتنبأنَّه))(١)) قد تقدَّم الكلامُ في الأيمان على القسم
بالأب عند قوله: ((أفلح وأبيه! إن صدق))(٢). ولتنبأنَّ: لتخبرنَّ بذلك، والهاء
للسّکت، ويُحتمل: أن تكون ضمير المصدر الذي دلَّ علیه لتنبأنَّ.
و (قوله: جاء رجل يستأذنه في الجهاد فقال: ((ألك أبوان؟)) قال: نعم) فيه
ما يدلُّ على أن المفتي إذا خاف على السَّائل الغلط، أو عَدَم الفهم تعيّن عليه
الاستفصال، وعلى أنَّ الفروضَ والمندوبات مهما اجتمعت قُدِّم الأهمُّ منها، وأنَّ
القائمَ على الأبوين يكونُ له أجرُ مجاهدٍ وزيادة.
و (قوله: ((ففيهما فجاهد))) أي: جاهد نفسك في برِّهما وطاعتهما، فهو الجهاد في بر
الأولى بك؛ لأنَّ الجهادَ فرضُ كفاية، وبُّ الوالدين فرضُ عين، فلو تعيَّن الجهادُ الوالدين
(١) لم تَرد هذه العبارة في التلخيص، وإنما وردتْ في الأم برقم (٢٥٤٨) (٣).
(٢) رواه أحمد (١٦٢/١)، والبخاري (٤٦)، ومسلم (١١).

٥١٠
(٣٤) كتاب البر والصلة - (١) باب: في بر الوالدين
رواه أحمد ١٨٨/٢)، والبخاريُّ (٣٠٠٤)، ومسلم (٢٥٤٩) (٥)،
والترمذيُّ (١٦٧١)، والنسائي (١٠/٦).
[٢٤٥٦] وعنه؛ قال: أقبل رجلٌ إلى النَّبيِّ وَّ فقال: أُبَابِعُكَ على
الهجرةِ والجهادِ، أبتغي الأجرَ من اللَّهِ. قال: ((فهل من والديك أحدٌ حيٍّ؟))
قال: نعم؛ كلاهما. قال: ((فَتبتغي الأجرَ من اللَّهِ؟)) قال: نعم. قال:
((فارجع إلى والديكَ فأحسنْ صُحْبَتَهُما)).
رواه أحمد (٣٦٨/٥)، ومسلم (٢٥٤٩) (٦).
وكان والداه في كفاية، ولم يمنعاه، أو أحدهما من ذلك، بدأ بالجهاد. فلو لم
يكونا في كفايةٍ تعيَّن عليه القيامُ بهما، فبدأ به، فلو كانا في كفايةٍ ومنعاه لم يلتفتْ
إلى منعهما؛ لأنهما عاصيان بذلك المنع، وإنما الطاعةُ في المعروف، كما لو مَنَعاه
من صلاة الفرض. فأما الحجُ فله أن يؤخّره السنة والسنتين ابتغاءً رضاهما، قاله
مالك. هذا وإن قلنا: إنه واجبٌ على الفور مراعاةً لقول من يقولُ: إنه على
التّراخي. وقد تقدَّم القولُ على ذلك في الحج.
و (قول الأعرابي: أبايعك على الهجرة) أي: على أنْ أهجر دار قومي،
وأهاجرَ إليك، فأقيم معك في المدينة، وهذا كان في زمن وُجُوب الهجرة.
و (قوله: ((فارجع إلى والديك فأحسنْ صُحبتهما))) قد قدَّمنا ذِكْرَ الخلافِ في
حكم تعارض
بر الوالدين مع وجوب الهجرة، هل كان على أهل مكَّة خاصَّة، أو كان على كلِّ مَن أسلم؟ وعلى
الهجرة
القولين فقد أسقط عنه الهجرة، لأنَّ حقَّ الوالدين أولى؛ لأنه إن كانت الهجرةُ عليه
واجبة، فقد عارضها ما هو أوجبُ منها، وهو حقُّ الوالدين، فقُدِّم، وإن لم تكن
واجبةً عليه، فالواجبُ أولى على كلِّ حال، لكنه إنما يصحُ هذا ممن يَسْلمُ له في
موضعه دِينُهُ، فأما لو خاف الفتنةً على دينه لوجبَ عليه الفِرارُ بدينه، وتَرْكُ آبائه

٥١١
(٣٤) كتاب البر والصلة - (٢) باب: ما يتقى من دعاء الأم
(٢) باب
ما يتَّقى من دعاء الأمّ
[٢٤٥٧] عن أبي هريرة، عن النَّبِيِّ وَّهِ قال: ((لم يتكلمْ في المهْدِ
إلّا ثلاثةٌ: عيسى ابنُ مريمَ، وصاحبُ جُرَيْجٍ، وكان جريجٌ رجلاً عابداً،
فاتخذ صومعةً، فكان فيها، فأَتْه أُّه وهو يُصَلِّي، فقالتْ: يا جريجُ! فقال:
وأولاده، كما فَعَل المهاجرون الذين هم صَفْوة الله من عباده. وبژُّ الوالدين واجبٌ
على الجملة بالكتاب، والسُّنَّة، وإجماع الأمَّة، وكذلك صِلةُ الأرحام، وأما تفصيلُ
ما يكون برّاً وصلة، وما لا يكون، فذلك يستدعي تفصيلاً وتطويلاً ليس هذا
موضعه .
(٢) ومن باب: ما يتَّقى من دعاء الأم
(قوله: ((لم يتكلّم في المهد إلا ثلاثة))) المهد: أصله مصدر مَهَّدت الشيء
أُمَهِّده: إذا سؤَّيته وعدَّلته. فمهدُ الصبيِّ: كلُّ محل يُسوَى له ويُوطَّأ، وقد يكون
سريره، وقد يكون حجر أُمُّه، كما قال قتادة: في قوله تعالى: ﴿ كَيْفَ تُكَلِّمُ مَن كَانَ
فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم: ٢٩] أي: في حجر أمه. وظاهر هذا الحصر يقتضي أن لا
يُوجد صغير تكلّم في المهد إلا هؤلاء الثلاثة، وهم: عيسى، وصبيُّ جريح، الصغار الذين
والصبيُّ المتعوِّذ من الجبّار. وقد جاء من حديث صهيب(١) المذكور في تفسير تكلّموا في
سورة البروج في قصة الأخدود: أن امرأة جيء بها لتُلقى في النار على إيمانها
المهد
ومعها صبيٌّ لها في - غير كتاب مسلمٍ: يرضعُ(٢) - فتقاعست أن تقعَ فيها، فقال لها
(١) رواه مسلم (٣٠٠٥)، والترمذي (٣٣٣٧).
(٢) رواه أحمد في المسند (١/ ٣١٠) من حديث ابن عباس، وفي الدر المنثور (٤٧٠/٨)
عن صُهيب، ولم ترد لفظة ((يرضع)).

٥١٢
(٣٤) كتاب البر والصلة - (٢) باب: ما يُتَّقى من دعاء الأم
يا ربِّ! أمِّي وصلاتي! فأقْبَل على صلاتِهِ، فانْصَرفَتْ، فلما كانَ من الغد
أتته وهو يصلِّي، فقالتْ: يا جريجُ! فقال: يا رب! أمي وصلاتي! فأقبل
على صلاته، فانصرفتْ. فلما كان من الغد أتته، فقالت: يا جريج! فقال:
أيْ ربِّ! أمِّي وصلاتي! فَأقبل على صلاته. فقالتْ: اللهم لا تُمِتْه حتى
ينظرَ إلى وجوه المُومِسَات، فتذاكر بنو إسرائيل جريحاً وعبادته، وكانتٍ
امرأة بَغِيٌّ يُتمثّلُ بحُسْنِها، فقالتْ: إنْ شِئْتُم لأَفْتِنَنَّهُ لكم. قال: فتعرضتْ له
فلم يلتفتْ إليها، فأتتْ راعياً كان يأوي إلى صومعته فأمْكَنَتْه من نفسها،
الغلامُ: يا أُمَّه! اصبري، فإنك على الحق. وقال ابن عباس - رضي الله عنهما -:
إنَّ شاهدَ يوسف كان صبيّاً في المهد، وقال الضخَّاك: تكلّم في المهد ستة: شاهد
يوسف، وصبيُّ ماشطة امرأة فرعون، وعيسى، ويحيى، وصاحب جريج،
وصاحب الأخدود.
قلتُ: فأسقطَ الضخَاكُ صبيَّ الجبّار، وذكرَ مكانَه يحيى، وعلى هذا
فيكون المتكلُّمون في المهد سبعة، فبطلَ الحصرُ بالثلاثة المذكورين في الحديث.
قلتُ: ويُجاب عن ذلك: بأن الثلاثة المذكورين في الحديث هم الذين
صحَّ أنهم تكلَّموا في المهد، ولم يختلف فيهم فيما علمت، واختلف فيمن
عداهم، فقيل: إنهم كانوا كباراً بحيث يتكلَّمون ويعقلون، وليس فيهم أصحُ من
حديث صاحب الأخدود، ولم تَسْلَم صحة الجميع، فيرتفعُ الإشكال بأن النبيَّ وَله
أخبرَ بما كان في علمه مما أُوحي عليه في تلك الحال، ثم بعد هذا أعلمَه الله تعالى
بأشياءَ من ذلك، فأخبرنا بذلك على ما في علمه.
و (قوله: ((يا ربِّ أُمِّي وصلاتي))) قول يدلُّ على: أن جُريجاً - رضي الله
عابداً ولم يكن عنه - كان عابداً، ولم يكن عالماً؛ إذ بأدنى فكرة يُدْرَكُ أن صلاتَه كانت ندباً،
عالماً
وإجابة أُمّه كانت عليه واجبةً، فلا تعارضَ يُوجبُ إشكالاً، فكان يجبُ عليه تخفيفَ
كان جريج

٥١٣
(٣٤) كتاب البر والصلة - (٢) باب: ما يُتَّقى من دعاء الأم
فوقع عليها، فحملت، فلما ولدت قالت: هو من جُرَيْجٍ. فَأَتوه،
فاستنزلُوه، وهدموا صَوْمعته، وجعلوا يَضْرِبونَه. فقال: ما شأنُكُم؟ قالوا:
صلاته، أو قطعَها، وإجابةَ أُمُّه، لا سيما وقد تكرّر مجيئها إليه، وتشوُّقُها
واحتياجُها لمكالمته. وهذا كلُّه يدلُّ على تعيّن إجابته إياها، ألا ترى أنه أغضبها
بإعراضه عنها، وإقبالِه على صلاته؟ ويبعدُ اختلاف الشرائع في وجوب برِّ
الوالدين. وعند ذلك دعتْ عليه، فأجابَ الله دعاءَها تأديباً له، وإظهاراً لكرامتها،
والظاهر من هذا الدعاء أن هذه المرأة كانت فاضلةً عالمةً، ألا ترى كيف تحرَّزت
في دعائها فقالت: اللهم! لا تُمته حتى ينظرَ إلى وجوه المومساتِ، فقالت: حتى
ينظرَ، ولم تقل غيرَ ذلك، وقد جاءَ في بعض طرق هذا الحديث: ولو دعت عليه
أن يُفتن لفُتِنَ. وهي أيضاً: لو كظمتْ غيظَها وصبرت لكان ذلك الأولى بها، لكنْ
لما علمَ الله تعالى صدق حالهما لطفَ بهما، وأظهرَ مكانتهما عنده بما أظهرَ من
کرامتهما .
وفائدته: تأكُّدُ سعي الولد في إرضاء الأم، واجتناب ما يُغيِّر قلبها، واغتنامُ من فوائد
صالح دعوتِها، ولذلك قال وَ له: ((الجنة تحت أقدام الأمهات)) (١) أي: من انتهى
حدیث جریج
من التواضع لأُمِّه بحيث لا يشقُّ عليه أن يضعَ قدمها على خدِّه استوجبَ بذلك
الجنة، والأولى في هذا الحديث أن يقال: أنه خرجَ مخرج المثل الذي يُقصد به
الإغياء في المبرّة والإكرام، وهو نحو من قوله وَّه: ((الجنَّة تحت ظلال
السيوف))(٢).
والمومسات: جمع مُومسة، وهي الزانية.
(١) ذكره العجلوني في كشف الخفاء (٣٣٥/١) وقال: رواه الخطيب في جامعه،
والقضاعي في مسنده عن أنس، ورواه الديلمي في مسند الفردوس (٢٦١١)، وابن
عدي في الكامل (٢٣٤٧/٦).
(٢) رواه البخاري (٣٠٢٥)، ومسلم (١٧٤٢)، وأبو داود (٢٦٣١).

٥١٤
(٣٤) كتاب البر والصلة - (٢) باب: ما يُنَّقى من دعاء الأم
زَنَّتَ بهذه البَغِيِّ، فولدتْ منك! فقال: أين الصَّبيُّ؟ فجاؤوا به، فقال:
دعوني حتى أُصَلِّيَ، فصلَّى، فلمَّا انصرفَ أتى الصبيَّ، فطَعَنَ فِي بَطْنِهِ،
فقال: يا غلام! من أبوك؟ قال: فلانٌ الرّاعي! قال: فَأَقْبَلُوا على جُريج
يُقَبِّلونَه ويَتَمَسَّحون به. وقالوا: نَبَّنِي لَكَ صومعتَك من ذَهَبٍ. قال: لا.
أَعِيدُوها من طينٍ كما كَانَتْ، فَفَعَلُوا. وبَيْنا صَبِيّ يرضَعُ من أُمُّه. فمرّ رجلٌ
أثر الزنى في
التحليل
والتحريم
و (قوله: ((يا غلامُ من أبوكَ؟ قال: فلان الراعي))) يتمسك به من قال: إن
الزِّنى يُحرِّم كما يُحرِّم الوطء الحلال، فلا تحلُّ أُّ المزني بها، ولا بناتها للزاني،
ولا تحلُّ المزني بها لآباء الزاني، ولا لأولاده. وهي رواية ابن القاسم عن مالك
في المدونة، وفي الموطأ: أن الزِّنى لا يُحرِّم حلالاً. ويُستدل به أيضاً: أن
المخلوقةَ من ماء الزاني لا تحلُّ للزاني بأُمها، وهو المشهور، وقد قال عبد الملك
ابن الماجشون: أنها تحلُّ، ووجه التَّمشُك على تينك المسألتين: أن النبيَّ وَِّ قد
حكي عن جُريج أنه نسبَ ابن الزنى للزاني، وصدَّقَ الله نسبته بما خرقَ له من العادة
في نُطق الصبيِّ بالشهادة له بذلك، فقد صدَّق الله جُريجاً في تلك النسبة وأخبر بها
النبيَّ وَل عن جُريج في معرض المدح لجريج وإظهار كرامته، [فكانت تلك النسبة
صحيحةً بتصديق الله وبإخبار النبيِّ وَّ عن ذلك فثبتت البنوَّة](١) وأحكامها.
لا يُقال: فيلزم على هذا أن تجري بسببهما أحكام النبوّة والأبوة من التوارث،
والولايات، وغير ذلك، وقد اتفق المسلمون على: أنه لا توارثَ بينهما، فلم تصحَ
تلك النسبة؛ لأنا نُجيب عن ذلك بأن ذلك موجب ما ذكرناه، وقد ظهر ذلك في
الأم من الزنى؛ فإن أحكام النبوّة والأمومة جارية عليهما، فما انعقدَ الإجماع عليه
من الأحكام: أنه لا يجري بينهما استثنيناه، وبقيَ الباقي على أصل ذلك الدليل.
وفيها مباحث تُستوفى في غير هذا الموضع - إن شاء الله تعالى -.
و (قوله: ((نبني صومعتك من ذهب. قال: لا! إلا من طينٍ كما كانت))) يدلُّ
(١) ما بين حاصرتين سقط من (ع).
من هدمَ حائطاً
بنی مثله

٥١٥
(٣٤) كتاب البر والصلة - (٢) باب: ما يُّقى من دعاء الأم
راكبٌ على دابةٍ فارهة، وشارةٍ حَسَنة. فقالتْ أُمُّه: اللهُمّ! اجْعَلْ ابنِي مثل
هذا! فترك الثَّدْيَ وأقْبَل إلَيْهِ، فنظر إليه، فقال: اللهم لا تجْعَلْنِي مِثْله! ثم
أقبل على ثَدْيهِ فجعل يرتضع، فكأنِّي أنظرُ إلى رسولِ اللهِ وَّهِ وهُو يَحْكِي
ارْتضاعَه بإصْبعِه السََّّابة في فَمِهِ، فَجعَلَ يَمُصُّها. قال: ومُّوا بجاريةٍ وهم
يضربُونَها ويقولون: زَنَّيَّتِ! سَرَقْتِ! وهي تقول: حَسْبِيَ اللَّهُ ونِعمَ الوكيلُ،
فقالتْ أمُّه: اللَّهُم لا تَجعل ابني مِثْلَها. فترك الرَّضاعَ، ونَظَر إليها، فقال:
اللهم اجْعَلِنِي مِثْلَها! فهناك تراجَعا الحديث. فقالتْ: حَلْقَى! مرَّ رجلٌ
حسنُ الهيئة فقلتُ: اللهم! اجْعَل ابنِي مِثْلَه. فقلتَ: اللهم! لا تجعلني
مثلَه! ومروا بهذه الأمَةِ وهم يضْرِبونها ويقولون: زَنَيَّتِ، سَرَقْتٍ. فقلتُ:
اللهم! لا تجعلِ ابنِي مِثْلَها، فقُلْتَ: اللهم اجعلني مثلَها! قال: إنَّ ذَاكَ
الرجلَ كان جبَّاراً، فقلتُ: اللهم لا تجْعَلْني مثله! وإنَّ هذِهِ يقولون لها:
زَنَّتِ، ولم تزنِ! سرقتِ، ولم تسرقْ! فقلتُ: اللهم! اجعلني مِثْلَها !.
على أن: من تعدَّى على جدار أو دار وجب عليه أن يُعيدَه على حالته، إذا انضبطت
صفتُه، وتمكنت مماثلته، ولا تلزم قيمة ما تعدَّى عليه، وقد بوَّب البخاريُّ على
حديث جُريج هذا: من هدم حائطاً بنى مثلَه، وهو تصريح بما ذكرناه، وهو مقتضى
قوله تعالى: ﴿فَمَنِ أَعْتَدَىْ عَلَيْكُمْ فَأَعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، فإن
تعذَّرت المماثلة فالمرجع إلى القيمة، وهو مذهبُ الكوفيين والشافعي، وأبي ثورٍ
في الحائط، وفي العتبية عن مالك مثله، ومذهبُ أهل الظاهر في كلِّ متلفٍ هذا.
ومشهورُ مذهب مالك وأصحابه، وجماعة من العلماء: أن فيه وفي سائر المُتلفات
المضمونات القيمة؛ إلا ما يرجعُ إلى الكيل والوزن؛ بناءً منهم على أنه: لا تتحقق
المماثلة إلا فيهما.
والدَّابّة الفارهة: الحسنة النجيبة، والشَّارة: الهيئة المزيَنة التي يُشار إليها من

٥١٦
(٣٤) كتاب البر والصلة - (٢) باب: ما يُتَّقى من دعاء الأم
وفي روايةٍ: فوصف أبو هريرة صفة رسول الله وَّهِ أُمَّ جريج حين
دَعَتْهُ؛ كيف جعلتْ كفَّها فوقَ حاجِبِها، ثم رفعتْ رأسَها إليه تدعوه؛
فقالتْ: (يا جريجُ! أنا أُمُّك، كَلِّمْنِي، فصادفته يُصَلِّ. فقال: اللّهُمَّ أمّي
وصلاتي! فاختار صلاتَه. فقالتْ في الثالثة: اللّهُمّ! إنَّ هذا جُرِيجٌ، وهو
حسنها. وحلقى - غير مصروف -؛ لأن ألفه للتأنيث كسكرى، وهي كلمة جرت في
كلامهم مجرى المثل، وأصلُها فيمن أُصيبَ حلقها بوجع، وقد تقدَّم: أن عقرى
وحلقى: من الكلمات التي جرت على ألسنتهم في معرض الدعاء غير المقصود.
حقيقة الجمال
وأمّ هذا الصبيِّ الرضيع نظرت إلى الصُّورة الظاهرة فاستحسنتْ صورة الرجل
وهيأتَه، فدعت لابنها بمثل هذا، واستقبحت صورة الأمة وحالتَها، فدعت ألا
يجعلَ ابنَها في مثل حالتها، فأرادَ الله تعالى بلطفه تنبيهها بأنْ أنطقَ لها ابنَها الرضيع
بما تجبُ مراعاته من الأحوال الباطنة، والصِّفات القلبيّة. وهذا كما قال النبيُّ ◌َلّ:
((إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم))(١)،
وكما قال بعض حكماء الشعراء:
فاعْلَمْ وَإِنْ رُدِیتَ بُزدا
لَيْسَ الجَمالُ بِمِثْزَرٍ
إِنَّ الجَمالَ مَعادِنٌ وَمَناقِبٌ أَوْرَثْنَ مَجْدا
وهذا الصبي ظاهرُه أنَّ الله تعالى خلقَ فيه عقلاً وإدراكاً كما يخلقُه في الكبار
عادةً، ففهم كما يفهمون، ويكون خرقُ العادة في كونه خُلقَ له ذلك قبل أوانه،
ويحتمل أن يكون أجرى الله ذلك الكلامَ على لسانه وهو لا يعقله، كما خلقَ في
الذراع والحصى كلاماً له معنى صحيح، مع مشاهدة تلك الأمور باقيةً على
جمادتها، كلُّ ذلك ممكن، والقدرة صالحة، والله تعالى أعلم بالواقع منهما.
(١) رواه أحمد (٥٣٩/٢)، ومسلم (٢٥٦٤) (٣٤)، وابن ماجه (٤١٤٣).

٥١٧
(٣٤) كتاب البر والصلة - (٢) باب: ما يُتَّقى من دعاء الأم
ابني، وإني كلَّمْتُه فأبى أنْ يُكَلِّمَنِي، اللَّهم! فَلا تُمِتْه حتى تُرِيَه وجه
المُومساتِ! قال: ((ولَو دعتْ عليه أن يُفْتَتَن لَفُتِنَ)). وذكر نحو قصة جريجٍ
لا غير.
رواه أحمد (٣٠٧/٢)، والبخاريُّ (٢٤٨٢)، ومسلم (٢٥٥٠) (٧
و ٨).
فأما عيسى - عليه السلام - فخلقَ الله له في مهده ما خلقَ للعقلاء والأنبياء،
في حال كمالهم من العقل الكامل، والفهم الثاقب، كما شهدَ له بذلك القرآن.
وفي هذا الحديث ما يدلُّ على صحة وقوع كرامات الأولياء، وهذا قول جمهور صحة وقوع
أهل السُّنَّة والعلماء، وقد نُسبَ لبعض العلماء إنكارها، والظنُّ بهم: أنهم ما كرامات
أنكروا أصلَها، لتجويز العقل لها، ولما وقع في الكتاب والسنة وأخبار صالحي
الأولياء
هذه الأُمَّة مما يدلُّ على وقوعها، وإنما محل الإنكار ادعاء وقوعها ممن ليس
موصوفاً بشروطها، ولا هو أهلٌ لها، وادعاء كثرة وقوع ذلك دائماً متكرّراً حتى
يلزمَ عليه أن يرجعَ خرقُ العادة عادةً، وذلك إبطال لسنَّة الله، وحسم السبل
الموصلة إلى معرفة نبوة أنبياء الله تعالى.

٥١٨
(٣٤) كتاب البر والصلة - (٣) باب: المبالغة في بر الوالدين
(٣) باب
المبالغة في بر الوالدين
عند الکبر وبر أهل ودهما
[٢٤٥٨] عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ اللهِوَّهُ: ((رَغِمَ أَنْفُهُ! ثم
رغم أنفه! ثم رغم أنفه!)). قيل: من يا رسول الله؟! قال: ((مَنْ أَدْرَكَ والدَيهِ
(٣) ومن باب: المبالغة في برّ الوالدين
قوله: ((رغم أنفه، ثم رغم أنفه، ثم رغم أنفه))) يقال: بكسر الغين وفتحها،
لغتان. رغم: بفتح الراء وكسرها وضمّها، ومعناه: لصق بالرَّغام - بفتح الراء -:
وهو التُراب، وأرغم اللَّهُ أنفَه، أي: ألصقه به، وهذا من النبيِّ پير دعاء مؤگَّد على
من قصّر في پِرّ أبویه، ویحتمل وجهین:
أحدهما: أن يكون معناه: [صرعه اللَّهُ لأنفه فأهلكه، وهذا إنما يكون في
حقٌّ مَن لم يقمْ بما يجبُ عليه من برِّهما.
وثانيهما: أن يكون معناه](١): أذلَّه الله؛ لأنَّ من ألصق أنفه - الذي هو
أشرفُ أعضاء الوجه - بالتراب - الذي هو موطىء الأقدام وأخسّ الأشياء - فقد انتهى
من الذلِّ إلى الغاية القصوى، وهذا يصلحُ أن يُدعى به على من فرّط في متأكدات
المندوبات، ويصلح لمن فرّط في الواجبات، وهو الظاهِرُ، وتخصيصه عند الكبر
بالذِّكر - وإن كان بؤُهما واجباً على كلِّ حال - إنما كان ذلك لشدّة حاجتهما إليه،
ولضَعْفهما عن القيام بكثيرٍ من مصالحهما، وليبادرَ الولدُ اغتنامَ فرصة برِّهما؛ لئلا
تفوته بموتهما، فیندم على ذلك.
(١) ما بين حاصرتين سقط من (ع).

٥١٩
(٣٤) كتاب البر والصلة - (٣) باب: المبالغة في بر الوالدين
عند الكِبَرِ أحَدَهُما، أو كليهما، ثم لَمْ يدخلِ الجنَّة)).
رواه مسلم (٢٥٥١) (١٠)، والترمذيُّ (٣٥٣٩).
و (قوله: ((أحَدَهُما أو كليهما))) كذا الرواياتُ الصَّحيحة بنصب أحدهما
وكليهما؛ لأنه بدلٌ من والديه المنصوب بأدرك، وقد وقع في بعض النسخ:
أحدُهما أو كلاهما مرفوعين على الابتداء، ويُتكلَّف لهما إضمارُ الخبر، والأول
أولى](١) .
و (قوله: ((ثم لم يدخل الجنَّة))) معناه: دخل النارَ لانحصار منزلتي الناس في ثواب المبالغة
الآخرة بين جنة ونار، كما قال: ﴿فَرِيقٌ فِ الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِ اَلسَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧]. في بر الوالدين
فمن قيل فيه: لم يدخل النار منهم؛ إنه في الجنة، وبالعكس، وأو المذكورة هنا
للتقسيم، ومعناه: أنَّ المبالغة في برِّ أَحَد الأبوين - عند عدم الآخر - يُدْخِل الولد
الجنة، كالمبالغة في برِّهما معاً، ويعني بهذه المبالغة: المبرّة التي تتعيَّنُ لهما في
حياتهما، وقد يتعيَّنُ لهما أنواعٌ من البر بعد موتهما، كما قد فَعَل عبدُ الله بنُ عمر
مع الأعرابي الذي وَصَلَه بالعِمامة والحمار، ثم ذكر ما سمعه من النبيِّ ◌َّ في
ذلك، وكما روى أبو داود عن أبي أُسَيْد قال: بينا نحن عند رسول الله وَلّ إذ جاءه
رجلٌ من بني سلمة فقال: يا رسولَ الله! هل بقي من برِّ أبويَّ شيءٌ أبُّهما به بعد
موتهما؟ قال: ((نعم! الصَّلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عَهْدهما من
بعدهما، وصِلة الرَّحِم التي لا تُوصَلُ إلَّا بهما، وإكرام صديقهما))(٢).
ولا خلافَ في أنَّ عقوقَ الوالدين محرَّمٌ، وكبيرةٌ من الكبائر، وقد دلَّ على عقوق الوالدين
ذلك الكتابُ في غير موضع وصحيحُ السُّنَّة، كما روى النَّسائي والبزار من حديث من الكبائر
ابن عمر عن النبيِّ وَّهِ قال: ((ثلاثةٌ لا ينظر اللَّهُ إليهم يوم القيامة: العاقُ لوالديه،
(١) ما بين حاصرتين سقط من (م ٤).
(٢) رواه أحمد (٤٩٧/٣ و٤٩٨)، وأبو داود (٥١٤٢)، وابن ماجه (٣٦٦٤).

٥٢٠
(٣٤) كتاب البر والصلة - (٣) باب: المبالغة في بر الوالدين
[٢٤٥٩] وعن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر: أنَّه كان إذا
خرج إلى مكَّة كان له حِمارٌ يَتَرَوَّحُ عليه إذا ملّ رُكُوبَ الراحلة، وعِمامَةٌ
يشدُّ بها رأسَهُ، فَبَيْنا هو يَوْماً على ذلك الحمارِ؛ إذْ مرَّ به أعرابيّ؛ فقال: أَسْتَ
ابن فلانِ ابنِ فلانٍ؟ قال: بلى! فأعطاه الحمار، وقال: اركبْ هذا،
والعمامةَ فاشددْ بها رأسَك. فقال له بعضُ أصحابه: غفر اللَّهُ لك! أعطيتَ
هذا الأعرابيَّ حماراً كنتَ تَرَوَّحُ عليه، وعمامةً كنتَ تَشُدُّ بها رأسك! فقال:
إني سمعتُ رسولَ اللهِوَله يقول: ((إنَّ مِن أبرِّ البرِّ صِلَةَ الرَّجُلِ أهلَ ودٌّ أبيه بعد
أن يُوَلِّيَ)). وإنّ أباه كان صديقاً لعمر.
رواه مسلم (٢٥٥٢) (١٣).
والدَّيُوث، والمرأةُ المرجِّلة تَشَبَّعُ بالرجال. وثلاثة لا يدخلون الجنة: العاقُّ
لوالديه، والمنَّان عطاءه، ومُدْمِن الخمر)»(١).
معنی البر
والعقوق
للوالدين
وعقوق الوالدين: مخالفتهما في أغراضهما الجائزة لهما، كما أنَّ بِرَّهما:
موافقتهما على أغراضهما الجائزة لهما، وعلى هذا إذا أمرا أو أحدهما ولدهما بأمرٍ
وجبت طاعتهما فيه إذا لم يكن ذلك الأمرُ معصية، وإن كان ذلك المأمورُ به من
قبيل المباحات في أصله، وكذلك إذا كان من قبيل المندوبات، [وقد ذهب بعضُ
الناس إلى أنَّ أمرهما بالمباح يصيِّره في حقِّ الولد مندوباً إليه، وأمرهما
بالمندوب](٢) يزيده تأكيداً في ندبيته، والصحيح الأول؛ لأن اللَّه تعالى قد قرن
طاعتهما، والإحسانَ إليهما بعبادته وتوحيده فقال :: ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوَاْ إِلَّآ
(١) رواه النسائي في الكبرى (٢٣٤٣)، والبزار كما في كشف الأستار (١٧٨٥).
(٢) ما بين حاصرتين سقط من (م ٤).