Indexed OCR Text

Pages 381-400

٣٨١
(٣٣) كتاب النبوات - (٥٤) باب: فضائل أبي بن كعب
ثابت، وأبو زيد. قال قتادة: قلتُ لأنس: مَنْ أبو زيدٍ؟ قال: أحدُ
عُمُومتي.
رواه أحمد (٢٧٧/٣)، والبخاريُّ (٣٨١٠)، ومسلم (٢٤٦٥) (١١٩
و ١٢٠)، والترمذيُّ (٣٧٩٤).
[٢٣٧٦] وعنه؛ قال: قال رسولُ اللهِ وَلّ لأبيّ بن كعبٍ: ((إنَّ الله
أمَرَني أن أقرأ عليك: (لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب﴾))، قال:
وسَمَّاني!؟ قال: ((نعم)). قال: فبَكَى.
رواه أحمد (١٣٠/٣)، والبخاريُّ (٣٨٠٩)، ومسلم (٧٩٩)
في فضائل الصحابة (١٢٢)، والترمذيُّ (٣٧٩٢)، والنسائيُّ في الكبرى
(١١٦٩١).
و (قول قتادة: قلت لأنسٍ: من أبو زيد؟ قال: أحد عُمومتي) أبو زيد هذا أبو زيد: اسمه
هو سعيدُ بن عبيد بن النعمان الأوسي من بني عمرو بن عوف، يُعرف بسعدٍ ونسبه ووفاته
القارىء، توفي شهيداً بالقادسية سنة خمس عشرة. قال أبو عمر: هذا قولُ أهل
الكوفة، وخالفهم غيرُهم، فقال أبو زيد: هذا هو قيسُ بن السكن الخزرجي من
بني عديٍّ بن النجار بدريٌّ. قال ابنُ شهاب: قُتِل أبو زيد قيس بن السَّكن
الخزرجي (١) يوم جِسْر أبي عبيد على رأس خمس عشرة. وقد تقدَّم القولُ على
حديث قراءة النبيِّ وَّر على أبيِّ - رضي الله عنه - في كتاب الصَّلاة في باب: ترتيل
القراءة وكيفية الأداء.
(١) ليست في (ز) ولا (م ٤).

٣٨٢
(٣٣) كتاب النبوات - (٥٥) باب: فضائل سعد بن معاذ
(٥٥) باب
فضائل سعد بن معاذ
[٢٣٧٧] عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسولُ اللهِوَّهِ - وجنازةٌ
سعدِ بن معاذٍ بين أيديهم -: ((اهتَزَّ لها عرشُ الرَّحمنِ)).
وفي روايةٍ: ((اهتَز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ)).
(٥٥) ومن باب: فضائل سعد بن معاذ - رضي الله عنه -
هو ابن النعمان بن امرىء القيس بن زيد بن عبد الأشهل الخزرجي الأنصاري
- رضي الله عنه - أسلم بالمدينة بين العقبة الأولى والثانية على يدي مصعب بن
عمير، وشهد بدراً وأُحُداً، ورُمي يوم الخندق بسهم، فعاش شهراً، ثم انتقض
جرحُه فمات منه. توفي سنة خمس من الهجرة، وقد تقدَّم حديثه في حكمه في بني
قريظة، وقوله : ﴿ للحاضرين من أصحابه: ((قوموا إلى سيدكم))(١)، وقالت عائشة
- رضي الله عنها -: كان في بني عبد الأشهل ثلاثة، لم يكن بعد النبيِّ وَّ من
المسلمين أحدٌ أفضل منهم: سعد بن معاذ، وأسيد بن حضير، وعبَّاد بن بشر،
تعني: من الأنصار، والله أعلم. وقال ابنُ عباس: قال سعد بن معاذ: ثلاثةٌ أنا
فيهن رجلٌ كما ينبغي، وما سوى ذلك فأنا رجلٌ من المسلمين. ما سمعتُ من
رسول الله ﴿ل حديثاً إلا علمتُ أنه حقٌّ من الله، ولا دخلت في صلاةٍ قطُّ فشغلتُ
نفسي بغيرها حتى قضيتُها، ولا كنتُ في جنازة قطُّ فحدَّثت نفسي بغير ما تقول،
اهتزاز عرش وما يُقال لها حتى أنصرفَ عنها.
اسمه ونسبه
وإسلامه
فضل سعد
الرحمن
لجنازة سعد
و (قوله: ((اهتز عرش الرحمن لجنازة سعد بن معاذ») حَمَل بعضُ العلماء
(١) رواه أحمد (٢٢/٣ و٧١)، والبخاري (٣٠٤٣)، ومسلم (١٧٦٨) (٦٤)، وأبو داود
(٥٢١٥ و ٥٢١٦).

٣٨٣
(٣٣) كتاب النبوات - (٥٥) باب: فضائل سعد بن معاذ
رواه أحمد (٢٩٦/٣) و (٣١٦/٣)،، والبخاريُّ (٣٨٠٣)، ومسلم
(٢٤٦٦) (١٢٣ و١٢٤)، والترمذي (٣٨٤٨)، وابن ماجه (١٥٨).
[٢٣٧٨] وعن البراء قال: أُهْدِيت لرسولِ الله وَّ لِ حُلَّةُ حريرٍ؛ فجَعَل
هذا الحديثَ على ظاهره من الاهتزاز والحركة، وقال: هذا ممكن؛ لأنَّ العرشَ
جِسْمٌ، وهو قابلٌ للحركة والسُّكون، والقدرة صالحة، وكانت حركته عَلَماً على
فضله، وحمله آخرون على حملة العرش، وحذف المضاف، وأقام المضاف إليه
مقامه، ويكون الاهتزازُ منهم استبشاراً بقدوم رُوحه الطيِّة، وفَرَحاً به، وحمله
آخرون على تعظيم شأن وفاته، وتفخيمه على عادة العرب في تعظيمها الأشياء،
والإغياء في ذلك، فيقولون: قامت القيامةُ لموت فلان، وأظلمتِ الأرضُ، وما
شاكل ذلك ممَّا انمقصودُ به التعظيمُ والتفخيمُ لا الثَّحقيق، وإليه صار الحربيُّ.
وكلُّ هذا مُنزّلٌ على: أنَّ العرش هو المنسوبُ الله تعالى في قوله: ﴿الرَّحْنُ عَلَى
اُلْمَرْشِ أَسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وهو ظاهِرُ قوله: ((اهتز عرشُ الرحمن لموت سعد)).
وقد روي عن ابن عمر: أن العرشَ هنا سرير الموت. قال القاضي: وكذلك جاء
في حديث البراء في الصحيح: ((اهتزَّ السَّرير))(١) وتأوَّله الهرويُّ: فَرِح بحمله عليه.
و (قوله: أُهديت لرسول الله وَ﴾ حلَّةُ حرير) كذا جاء في حديث البراء: حلَّة
بالحاء المهملة واللام، وفي حديث أنس: أن أُكَيْدر دُومة الجندل أهدى
لرسول الله وَهُ جُبَّة من سُندس(٢). وهذه أوجه وأصوب؛ لأن الحلة لا تكون عند
العرب ثوباً واحداً، وإنما هي لباس ثوبين، يحلُّ أحدُهما على الآخر، وأن الثوب
الفرد لا يُسمَّى حلةٌ. وقد جاء في السِّير أنها: قباء من ديباج مُخَوَّصٌ بالذهب،
وقد تقدَّم الكلامُ على لبس الحرير في اللباس. وأُكندر: بضم الهمزة وفتح الكاف
(١) جزء من حديث رواه البخاري برقم (٣٨٠٣).
(٢) رواه الترمذي (١٧٢٣)، والنسائي (١٩٩/٨).

٣٨٤
(٣٣) كتاب النبوات - (٥٥) باب: فضائل سعد بن معاذ
أصحابهُ يَلمِسُونها ويَعْجَبُون من لِينِها. فقال: ((أتعجبونَ من لِينِ هذهِ؟!
لَمناديلُ سعدِ بن مُعاذٍ في الجنَّة خيرٌ منها وأليَنُ)).
رواه أحمد (٣٠٢/٤)، والبخاريّ (٣٨٠٢)، ومسلم (٢٤٦٨)
(١٢٦)، والترمذي (٣٨٤٧)، وابن ماجه (١٥٧).
وياء التصغير بعدها: تصغير: أكدر، والكدرة: لونٌ بين السَّواد والبياض، وهو
الأغبر، وهو: أكيدر بن عبد الملك الكندي. ودومة: بفتح الدال وضمها، وأنكر
ابنُ دريد الفتح، وقال: أهل اللغة يقولونه بالضم، والمحدِّثون بالفتح، وهو خطأ،
وقال: ودومة الجندل: مجتمعه ومستداره، وهو من بلاد الشام قُرب تبوك، كان
أكيدر ملكها، وكان خالد بن الوليد قد أسره في غزوة تبوك وسلبه قباءً من ديباج
مُخَوَّصاً بالذهب. فأمَّنَه النبيُّ وَّهِ وردَّه إلى موضعه، وضرب عليه الجزية.
و (قوله: ((لمناديلُ سعد بن معاذ في الجنة خيرٌ منها وألين))) هذه إشارةٌ إلى
أدنى ثياب سعد؛ لأنَّ المناديلَ إنما هي مُمتهنئةٌ متخذةٌ لمسح الأيدي بها من الذَّنس
والوسخ، وإذا كان هذا حالُ المنديل، فما ظنُّك بالعِمامة والحلة؟! ولا يظنُّ أنَّ
طعامَ الجنة وشرابَها فيهما ما يدنس يدَ المتناول حتى يحتاج إلى منديل؛ فإنَّ هذا
ظُّ مَن لا يعرف الجنَّة ولا طعامها ولا شرابها؛ إذ قد نزَّه اللَّهُ الجنة عن ذلك كلِّه
وإنما ذلك إخبارٌ بأنَّ الله أعدَّ في الجنة كلَّ ما كان يُحتاجُ إليه في الدُّنيا، لكن هي
على حالةٍ هي أعلى وأشرف، فأعدَّ فيها أمشاطاً، ومجامر، وأُلُوَّةً، ومناديل،
وأسواقاً وغير ذلك مما تعارفناه في الدُّنيا، وإن لم نحتجْ له في الجنة إتماماً
للنعمة، وإكمالاً للمنَّة.
ثیاب سعد في
الجنة

٣٨٥
(٣٣) کتاب النبوات - (٥٦) باب: فضائل أبي دجانة وعبدالله بن عمرو بن حرام
(٥٦) باب
فضائل أبي دُجَانَة؛ سِمَاك بن خَرَشة،
وعبد الله بن عمرو بن حرام
[٢٣٧٩] عن أنسٍ: أنَّ رسول الله ◌ِ ◌ّ أخذ سيفاً يوم أُحُدٍ، فقال:
(مَنْ يأخذُ منِّي هذا؟)) فبَسطُوا أيديَهُم، كُلُّ إنسانٍ منهم يقولُ: أنا، أنا.
قال: ((فمن يأخُذُهُ بحقِّهِ؟)) فأحجَم القوم، فقال سماكُ بن خَرَشة
- أبو دجانة -: أنا آخذه بحقّه. قال: فأخذه، ففَلقَ به هامَ المشركين.
رواه مسلم (٢٤٧٠).
(٥٦) ومن باب: فضائل أبي دجانة - رضي الله عنه -
هو سماك بن خَرَشة بني لوذان الخزرجي الأنصاريُّ، وهو مشهورٌ بكنيته، شهد اسمه ونسبه
بدراً وأُحُدّاً، ودَافَع عن رسول اللهِ له يومئذ هو ومصعب بن عمير، وكثرتْ فيه ومشاهده
الجراحة، وقُتِل مصعب، وكان أبو دُجانة أحَدَ الشجعان، له المقاماتُ المحمودة
مع رسول الله ◌َ ﴿ل في مغازيه. استشهد يوم اليمامة، وقال أنس: رمى أبو دُجانة استشهاده
بنفسه في الحديقة، فانكسرت رِجْلُه، فقَاتَل حتى قُتِل، وقيل: إنه شارك وَخْشِيّاً في
قَتْل مسيلمة، وقد قيل: إنه عاش حتى شهد مع عليٍّ صفّين، والله تعالى أعلم. قال
أبو عمر: إسنادُ حديثه في الحرز المنسوب إليه فيه ضعف.
و (قوله وَله: ((من يأخذُ منِّي هذا السَّيف بحقِّه؟») يعني بالحق هنا: أنه يقاتل شجاعته
بذلك السيف إلى أن يفتح اللَّهُ تعالى على المسلمين أو يموت، فلما سمعوا هذا
أحجموا، أي: تأخّروا، يُقال: أحجم وأجحم بتقديم الحاء وتأخيرها. فأخذه
أبو دجانة وقام بشرطه، ووفى بحقه. و (هام المشركين) مخفَّفاً، يعني: رؤوسهم.
قال:
نضربُ بالسُّيوفِ رؤوسَ قومٍ أَزَلْنا هامَهُنَّ عن المقيل
المقيل: أصول الأعناق.

٣٨٦
(٣٣) كتاب النبوات - (٥٦) باب: فضائل أبي دجانة وعبدالله بن عمرو بن حرام
وأما أبو جابر، فهو عبد الله بن عمرو بن حرام بن ثعلبة بن كعب بن غنم(١)
أبو جابر:
اسمه ونسبه ابن كعب بن سَلِمَةٍ الأنصاري السلمي، وهو أحدُ النقباء، شهد العقبة وبدراً، وقُتِل
ومشاهده
ووفاته
يوم أُحُدٍ، ومُثِّل به، وروى بقي بن مَخُلَدٍ عن جابرٍ - رضي الله عنه - قال: لقيني
رسولُ اللهِ ◌ّرَ فقال: ((يا جابر! ما لي أراك منكساً مهتماً(٢)؟)) قلت: يا رسول الله!
استشهد أبي وترك عيالاً، وعليه دَيْن. قال: أفلا أبشرِّك بما لقي اللَّهُ - عز وجل -
به أباك))؟ قلت: بلى يا رسول الله! قال: ((إنَّ اللهَ عز وجل أحيا أباك، وكلَّمه
كِفاحاً، وما كلَّم أحداً قطُّ إلا من وراء حجاب، فقال له: يا عبدي تمنَّ أعطك!
قال: يا رب! تردّني إلى الدنيا فأُقتل فيك ثانية فأبلِّغ من ورائي)) فأنزل الله تعالى:
﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّالَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَأَبَلْ أَحْيَاءُ ... ) الآية [آل عمران: ١٦٩](٣).
قلتُ: وقد تضمَّن هذا الحديثُ فضيلةً عظيمةً لعبد الله لم يُسْمَعْ بمثلها
ما خُصَّ به
أبو جابر من لغيره، وهي: أنَّ اللَّهَ تعالى كلَّمه مُشافهةً بغير حجاب حَجَبه به. ولا واسطة قبل
الفضل
يوم القيامة، ولم يفعل اللَّهُ تعالى ذلك مع غيره في هذه الدَّار، كما قال تعالى:
وَمَا كَانَ لِبَشَرِ أَنْ يُكَلِّمَهُ اَللَّهُ إِلَّ وَحْيًّا أَوْ مِن وَرَآٍ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾
[الشورى: ٥١]. وكما قال رسولُ اللهِوَّل له في هذا الحديث: ((وما كلَّم الله أحداً قطُّ
إلا من وراء حجاب)). وظاهرُ هذه الآية، وهذا الحديث: أنَّ الله تعالى لم يفعلْ
هذا في هذه الدَّار لحيٍّ ولا لميت، إلا لعبد الله هذا خاصَّةً، فيلزمُ على هذا
العموم: أنه قد خصَّ من ذلك بما لم يخصَّ به أحدٌ من الأنبياء. وهذا مشكلٌ
بالمعلوم من ضرورة الشّرع، ومِن إجماع المسلمين على: أنَّ درجةَ الأنبياء
وفضيلتهم أعظمُ من درجة الشهداء والأولياء كما تقدَّم، فَوَجْهُ التَّلفيق: أنَّ
(١) في (ع): عثمان، وهو خطأ، انظر: أسد الغابة (٣٠٧/١).
(٢) في (ز): مغتماً.
(٣) رواه الترمذي (٣٠١٠)، وابن ماجه (٢٨٠٠).

٣٨٧
(٣٣) كتاب النبوات - (٥٦) باب: فضائل أبي دجانة وعبدالله بن عمرو بن حرام
[٢٣٨٠] وعن جابر بن عبد الله، قال: لمَّا كان يومُ أحدٍ جيءَ بأبي
مُسَجَّى، وقد مُثِّلَ به. قال: فأردتُ أن أرفع الثَّوب، فنهاني قومي، ثم
أردت أن أرفع الثوبَ، فنهاني قومي، فرفعه رسولُ الله ◌ِصَّه - أو: أمر به
فَرُفِعَ - فسمع صوتَ باكيةٍ أو صائحةٍ، فقال: مَنْ هذه؟ فقالوا: ابنة عمرو
- أو أخت عمرو - فقال: ((ولِمَ تبكي؟ فما زالت الملائكةُ تُظِلُّهُ بأجنحتها
حتی رُفعَ!)).
قوله {َله: ((وما كلَّم اللَّهُ أحداً إلا مِن وراء حجاب)) إنما يعني به - والله أعلم -: أنه
ما كلَّم أحداً من الشهداء، وممَّن ليس بنبيُّ بعد موته، وقيل: يوم القيامة، إلا
عبدالله، ولم يرد به الأنبياء، ولا أراد بعد يوم القيامة، لما قد علم أيضاً من الكتاب
والسنة، وإجماع أهل السُّنَّة من: أنَّ المؤمنين يَرَوْنَ الله تعالى في الجنة، ويُكلِّمهم
بغير حجاب، ولا واسطة. وأمَّا الآية: فإنما مقصودُها حَصْرُ أنواع الوحي الواصل أنواع الوحي
إلى الأنبياء من الله تعالى، فمنه: ما يقذفهُ اللَّهُ تعالى في قلب النبيِّ، وورعه،
للأنبياء
ومنه: ما يُسْمِعه الله تعالى للنبيٌّ مع كون ذلك النبيِّ محجوباً عن رؤية الله تعالى،
ومنه: ما يبلِّغه له المَلَك، وحاصلها: الإعلامُ بأنَّ اللَّهَ تعالى لم يَرَهُ أحدٌ من البشر
في هذه الدَّار؛ نبيّاً كان أو غير نبيٍّ، ويشهد لهذا قولُهُ وَّه في الصحيح: ((اعلموا أنه
لا يرى أحدٌ رَّه حتى يموت)) (١)، وقد تقدَّم الخلافُ في رؤية نبينا محمد {َّ﴿ لربِّه،
والصحيحُ أنه لم يأت قاطعٌ بذلك، والأصلُ: بقاءُ ما ذكرناه على ما أصَّلناه، والله
تعالى أعلم.
و (قوله: وجيء بأبي مُسجَّىَ، وقد مُثِّل به) أي: مُغطّى بثوبٍ ومُثِّل به، أي: تمثيل
جُدِع أنفه وأذناه. فَعَل ذلك به المشركون.
و (قوله: ((ولِمَ تبكي؟))) كذا صحّتِ الروايةُ بـ (لِمَ) التي للاستفهام، تبكي
(١) ذكره الحافظ في فتح الباري (١/ ١٢٠).
المشركين بأبي
جابر

٣٨٨
(٣٣) كتاب النبوات - (٥٧) باب: فضائل جليبيب
رواه أحمد (٢٩٨/٣)، والبخاري (٤٠٨٠)، ومسلم (٢٤٧١)
(١٢٩)، والنسائيُّ (١٢/٤).
(٥٧) باب
فضائل جُلَيْبِيب
[٢٣٨١] عن أبي برزة: أنَّ النَّبِيَّ وَل﴿ كان في مغزىّ له، فأفاء الله
عليه، فقال لأصحابه: ((هل تفقدون من أحدٍ؟)) قالوا: نعم؛ فلاناً وفلاناً
تکریم
جابر
بغير نون؛ لأنَّه استفهامٌ لمخاطبٍ عن فعل غائبه، ولو خاطبها بالاستفهام خطابَ
الحاضرة، لقال: ولم تبكين؟ بإثبات النون، وكذلك جاء في رواية أخرى: ((أولا
تبكيه؟ ما زالت الملائكة تظلُّه بأجنحتها)) (١) هو إخبارٌ عن غائبة، ولو كان خطاب
الملائكة لأبي الحاضرة لقال: تبكينه، أو لا تبكينه بنون فعل الواحدة المخاطبة، ويعني بهذا
الكلام: أنَّ عبد الله مكرَّمٌ عند الملائكة سواء بُكِي عليه، أو لم يُبْكَ، وكون
الملائكة تظلُّه بأجنحتها إنَّما ذلك لاجتماعهم عليه، وتراحمهم على مبادرة لقائه،
والصُّعود بروحه الكريمة الطيبة، ولتبشِّره بما له عند الله تعالى من الكرامة والدَّرجة
الرفيعة، والله تعالى أعلم.
(٥٧) ومن باب: فضائل جليبيب - رضي الله عنه -
وكان رجلاً من ثعلبة، وكان حليفاً في الأنصار، قال ابنُ سعد: سمعتُ من
تزويجه* يذكر ذلك. روى أنس بن مالك قال: كان رجلٌ من أصحاب النبيِّ وَّه يُقال له:
جُليبيب، وكان في وجهه دمامة، فعرض عليه رسولُ اللهِ وَلتر التزويج فقال: إذن
جلیبیب
(١) انظر: صحيح مسلم برقم (٢٤٧١) (١٣٠).

٣٨٩
(٣٣) کتاب النبوات - (٥٧) باب: فضائل جليبيب
وفلاناً. ثمّ قال: ((هل تفقدون من أحد؟)) قالوا: نعم، فلاناً وفلاناً. ثم
قال: ((هل تفقدون من أحدٍ؟)) قالوا: لا. قال: ((لكنِّي أفقِدُ جُلَيْسِيباً،
فاطلبوه)). فطُلِب في القتلى، فوجدُوهُ إلى جَنْبِ سبعةٍ قد قتلهم. ثم قتلوه،
فأتاه النَّبيُّ ◌َّهِ فوقف عليه، فقال: ((قَتل سبعة، ثم قتلوه، هذا منِّي وأنا
تجدّني كاسداً يا رسولَ الله! فقال: ((إنك عند الله لستَ بكاسدٍ))(١). وفي غير كتاب
مسلمٍ من حديث أبي برزة في تزويج جُليبيب: أن رسولَ اللهِ وَّه قال لرجلٍ من
الأنصار: ((يا فلان زوَّجني ابنتك))، قال: نعم، ونعمة عين، قال: ((إني لستُ
لنفسي أريدها))، قال: فلمن؟ قال: ((لجُليبيب))، قال: حتى أستأمرَ أمَّها، فأتاها
وأخبرها بذلك، فقالت: حلقى، ألجُليبيب؟! لا لَعَمْرُ الله، لا أُزَوِّج ◌ُليبيباً، فلما
قام أبوها ليأتي رسولَ اللهِ وَه قالت الفتاةُ مِن خِذْرها لأبويها: مَن خطبني إليكما؟
قالا: رسول الله ﴿، قالت: أفتردَّان على رسول الله أمره؟! ادفعاني إلى
رسول اللّه ◌َ﴿ فإنه لن يُضيِّعني، فذهب أبوها للنبيِّ ◌َ ﴿ فأخبره بذلك، وقال:
شأنُكَ بها؛ فزوَّجها جُليبيباً، ودعا لهما النبيُّ ◌َّه فقال: ((اللهم صُبَّ عليهما الرزقَ
صبّاً صبّاً، ولا تجعلْ عيشَهما كدّاً كدًا))(٢) ثم ذكر باقي الحديث على ما في كتاب
مسلم.
و (قوله: كان رسولُ الله ◌َل﴿ في مغزىّ له) أي: في غزوة.
و (قوله: ((هل تفقدون أحداً؟))) هذا الاستفهامُ ليس مقصوده استعلام كونهم
فقدوا أحداً ممن يعزّ عليهم فَقْده؛ إذ ذاك كان معلوماً له بالمشاهدة؛ وإنما مقصودُه
التَّنويهُ والتَّفخيم بمن لم يحفلوا به، ولا التفتوا إليه، لكونه كان غامِضاً في الناس،
(١) رواه أحمد (١٣٦/٣)، وأبو يعلى (٣٣٤٣)، وعبد الرزاق في المصنف (١٠٣٣٣).
وانظر: مجمع الزوائد (٣٦٨/٩).
(٢) ذكره ابن الأثير في الاستيعاب (٣٤٨/١).

٣٩٠
(٣٣) کتاب النبوات - (٥٨) باب: فضائل أبي ذر الغفاري
منه، هذا منِّ وأنا منه)). قال: فوضعه على ساعِدَيه، ليس له إَلا ساعِدَا
النَّبِيّ ◌َِّ. قال: فَحُفِرَ له ووُضِع في قبره. ولم يذكر غَسْلاً.
رواه أحمد (٤٢١/٤)، ومسلم (٢٤٧٢)، والنسائي في الكبرى
(٨٢٤٦).
(٥٨) باب
فضائل أبي ذرِّ الغفاريّ
[٢٣٨٢] عن عبد الله بن الصَّامت، قال: قال أبو ذرٍّ: خرجنا من
قومنا غِفَار، وكانوا يُحِلُّون الشهر الحرام، فخرجت أنا وأخي أُنْيس وأُّنا،
فنزلنا على خالٍ لنا، فأكرَمَنا خالنا، وأحسن إلينا، فحسدَنَا قومُه، فقالوا:
ولكون كل واحدٍ منهم أُصيب بقريبه أو حبيبه، فكان مشغولاً بمصابه لم يتفرَّغْ منه
إلى غيره، ولما أطلع اللَّهُ نبيَّه ◌َ # على ما كان من حال جُليبيب مِن قتله السَّبعة
الذين وُجِدوا إلى جَنَبه، نوَّه باسمه، وعرَّف بقدره، فقال: ((لكنِّي أفقدُ جُليبيباً)) أي:
فَقْدُه أعظمُ مِن فقد كلِّ من فقد، والمصاب به أشدّ، ثم إنه أقبلَ بإكرامه عليه،
ووسَّده ساعديه مبالغةً في كرامته، ولتناله بركةُ ملامسته. وجُليبيب: تصغير
جلباب، سُمِّي به الرجل.
استشهاده
رضي الله عنه
لشهـ
(٥٨) ومن باب: فضائل أبي ذرِّ الغفاري - رضي الله عنه -
واسمہ: جندب ـ على الأصح والأكثر ۔ ابن جنادة بن قيس بن عمرو بن ملیل
ابن حرام بن غفار، وغفار بن كنانة بن مدركة بن إلياس بن قصي بن نزار. هو من
كبار الصحابة - رضي الله عنه وعنهم-، قديم الإسلام، يقال: أسلم بعد أربعة
اسمه ونسبه
أبو ذر من
السابقين إلى
الإسلام

٣٩١
(٣٣) كتاب النبوات - (٥٨) باب: فضائل أبي ذر الغفاري
فكان خامساً، ثم انصرف إلى بلاد قومه، فأقام بها حتى قدم على النبيِّ بَطّ عام
الحديبية، بعد أن مضت بدر، وأحد، والخندق، ويدلُّ على كيفية إسلامه،
وتفصيل أحواله: حديثه المذكور في الأصل، وكان قد غلب عليه التعبُّد والزُّهد،
وكان يعتقدُ أن: جميع ما فضل عن الحاجة كنز وإمساكه حرام، ودخل الشام بعد
موت النبيِّ وَّرَ فوقع بينه وبين معاوية نزاعٌ في قوله تعالى: ﴿وَاَلَّذِينَ يَكْتِرُونَ
الذَّهَبَ وَاَلْفِضَّةَ ... ) الآية [التوبة: ٣٤]، فشكاه معاوية إلى عثمان، فأقدمه
عثمان المدينة، فقدمها، فزهد أبو ذرٍّ في كلّ ما بأيديهم، واستأذن عثمانَ في
سُكنى الرَّبَذَة، فأذن له، وقد كان رسولُ الله ◌َ ﴿ أذنَ له في البدو، فأقام بالرَّبَذَة في
موضعٍ منقطعٍ إلى أن مات بها سنة اثنتين وثلاثين على ما قاله ابنُ إسحاق، وصلى وفاته
عليه عبد الله بن مسعود منصرفه من الكوفة في ركب، ولم يوجد له شيءٌ يُكفَّن
فيه، فكفَّنه رجلٌ من أولئك الركب في ثوبٍ من غَزْل أمه، وكان قد وصَّى أَلَّا يكفنه
أحدٌ وَلِيَ شيئاً من الأعمال السلطانية، وخبره بذلك معروف. روى عن
رسول الله و ﴿ مئتي حديث وواحداً وثمانين حديثاً. أخرج له منها في الصَّحيحين رواياته عن
رسول الله ◌َلڼ
ثلاثةٌ وثلاثون حديثاً.
غریب حديث أبي ذر - رضي الله عنه -:
الشنة: السقاء البالي، والشنان: الأسقية، واحدها شرٌّ، وكلّ جلدٍ بالٍ: فهو
شنٌّ. ويقال للقربة البالية: شنَّة، وهي أشدُّ تبريداً للماء من الجدد.
و (قوله: ما أنى للرجل) أي: ما كان، يقال: أنى وآن بمعنى واحد،
و (تقفوه): تتبعه.
و (قوله: لأصرخنَّ بها) أي: بكلمة التوحيد (بين ظهرانيهم): يعني
المشرکین بمكة.

٣٩٢
(٣٣) كتاب النبوات - (٥٨) باب: فضائل أبي ذر الغفاري
إنَّك إذا خرجتَ عن أهلك خَالف إليهم أُنْيسٌ، فجاء خالُنا فنثا علينا الذي
قيل له. فقلت: أمَّا ما مضى من معروفِكَ فَقَدْ كذَّرتَهُ، ولا جِماع لك فيما
بعدُ، فقرَّبْنا صِرمَتنا، فاحْتَمَلْنا عليها، وتغطّى خالُنا ثوبَهُ فجعل يبكي،
فانطَلَقْنا حتَّى نزلنا بحضرة مكَّة. فنافَرَ أُنيسٌ عن صِرْمَتِنا وعن مِثْلِها، فأتيا
الكاهِنَ فخيَّر أنيساً، فأتانا أُنيسٌ بِصِرْمَتِنا ومثلِها معها. قال: وقد صلَّيتُ
يا بن أخي! قبل أن أَلْقَى رسولَ اللهِ ◌ّهِ بثلاث سنين، قلتُ: لمن؟ قال:
و (قوله: فنثا علينا خالنا الذي قيل له) أي: أظهر لنا بالقول، يقال: النثى
- بتقديم النون، والقصر - في الشر والكلام القبيح، وإذا قدّمت الثاء ومَدَدت فهو
الكلامُ الحسنُ الجميل.
و (قوله: لا جِمَاع لك) أي: لا اجتماع يبقى بيننا. و (الصِّرْمَةُ): القطعةُ من
الإبل، نحو الثلاثين، وقد تكون الصِّرمة في غير هذا: القطعة من النخل، والصّرم:
القطع.
و (قوله: فنافر أنيسٌ عن صِرْمتنا، وعن مثلها) أي: التزم أنَّ مَن قُضي له
بالغلبة أخذ ذلك، قال أبو عبيد: المنافرة: أن يفتخرَ الرجلان كلُّ واحد منهما على
صاحبه، ثم يُحكِّما رجلاً بينهما، والنافر: الغالب، والمنفور: المغلوب. يُقال:
نَفَرَه، يَنْفِرُه، ويَنْفُرُهُ نَفْراً: إذا غلب عليه.
و (قوله: فَأَتَيا الكاهن فخيَّر أنيساً) أي: غلبه، وقضى له، وكانت منافرته في
الشعر: أيهما أشعر؟.
و (قوله: وقد صلَّيت قبل أن ألقى رسولَ اللهِوَ﴿) هذا إلهامٌ للقلوب
الطَّاهرة، ومُقتضى العقول السّليمة(١)؛ فإنها توفَّق للصواب، وتُلهم للرّشد.
(١) في (ز): السامية.

٣٩٣
(٣٣) كتاب النبوات - (٥٨) باب: فضائل أبي ذر الغفاري
لله، قلتُ: فأين توَجَّهُ قال: أتوجَّهُ حيث يوجُّهُني ربي، أصلُّ عِشاءً حتى
إذا كان من آخر الليل أُلقِيتُ كأني خِفَاءٌ، حتى تعلُّوني الشَّمسُ. فقال
أَنَيْسٌ: إنَّ لي حاجةً بمكةَ فاكفني، فانطلق أنيس حتى أتى مكة، فرَات
عَليَّ، ثم جاء، فقلتُ: ما صنعتَ؟ قال: لقيتُ رجلاً بمكة على دينك يزعم
أنَّ الله أرسله! قلت: فما يقول الناس؟ قال: يقولون: شاعر، ساحر،
كاهن، ـ وكان أنيس أحد الشعراء - قال أنيس: لقد سمعت قول الكهنة فما
هو بقولهم، ولقد وضعت قوله على أقراء الشِّعر فما يلتئم على لسان أحدٍ
و (قوله: أَلْقِيت كأني خِفَاء) الرواية في أُلْقِيت بضم الهمزة وكسر القاف مبنياً
لما لم يُسَمَّ فاعله. والخِفاء: بكسر الخاء والمد: هو الغطاء؛ وكل شيء غطيته
بكساء، أو ثوبٍ، فذلك الغطاء خِفاءً، ويُجمع أخفية، قاله أبو عبيد. وقال
ابنُ دريد: الخِفاء: كساء يُطرح على السّقاء.
و (قوله: فراث عليَّ) أي: أبطأ .
و (قوله: وضعتُ قوله على أقراء الشعر) قال ابنُ قتيبة: يريدُ أنواعه،
وطُرُقه، واحدها قَرْء. فيقال: هذا الشعرُ على قَرء هذا.
و (قوله: فتضعَّفتُ رجلاً) أي: رأيته ضعيفاً، فعلمتُ أنه لا ينالني بمكروه،
ولا يرتابُ بمقصدي.
و (قوله: كأني نُصُب أحمر) أي: قمتُ كأني لجريان دمي من الجراحة التي
أُصِبْتُ بها أَحَدَ الأنصاب، وهي الحجارةُ التي كانوا يذبحون عليها فتحمر بالدماء.
فأما زمزم، فقال ابنُ فارس: هو من قولهم: زمزمت الناقةَ؛ إذا جعلت لها زماماً
تحبسها به، وذلك أنَّ جبريل - عليه السلام - لما هَمَز الأرضَ بمقادیم جناحيه،
ففاض الماء زمَّتْها هاجرُ فسُمِّيت: زمزم.
و (قوله: ولقد وضعت قوله على أقراء الشعر) كذا الرواية الصحيحة أقراء:

٣٩٤
(٣٣) كتاب النبوات - (٥٨) باب: فضائل أبي ذر الغفاري
بعدي أنَّه شعرٌ، واللَّهِ! إنَّه لصادق وإنَّهم لكاذبون. قال: قلت: فاكفني
حتى أذهب فأنظرَ.
وفي رواية: قال: نعم، وكنْ على حذرٍ من أهل مكَّة، فإنهم قد
شَنِفُوا له وتجهَّموا، قال: فأتيتُ مكَّة، فتضعَّفتُ رجلاً منهم، فقلتُ: أين
هذا الذي تدعونه الصابىء؟ فأشار إليَّ، فقال: الصابىءَ! فمال عليَّ أهلُ
الوادي بكل مَدَرةٍ وعظم، حتى خررتُ مغشيّاً عليَّ. قال: فارتفعت حين
ارتفعتُ كأنِّي نُصُبٌ أحمر. قال: فأتيتُ زمزم فغسلتُ عنِّي الدماء، وشربتُ
من مائها، ولقد لبثت يا بن أخي! ثلاثين، بين ليلةٍ ويوم ما كان لي طعام
إلَّا ماءُ زمزم. فسمنتُ حتى تكسَّرت عُكَنُ بَطني. وما وجدتُ على كبدي
سَخْفَةَ جُوعٍ.
بالراء، جمع قَزْءٍ على ما تقدم، وقيّده العذري: أقواء بالواو، ورواه بعضُهم بالواو
وكسر الهمزة. قال القاضي: لا وَجْهَ له.
و (قوله: فما يلتئم على لسان أحدٍ بَعْدي أنه شعر) هكذا الرواية عند جميع
الشيوخ. بعدي: بالباء بواحدة، والعين المهملة: بمعنى غيري. يُقال: ما فعل هذا
أحدٌ بعدك، أي: غيرك. كما يقال ذلك في (دون) وهو كثيرٌ فيها. ومعنى الكلام:
أنه لما اغْتَبَرَ القرآنَ بأنواع الشعر تبيَّن له ليس من أنواعه، ثم قطع: بأنه لا يصحُ
لأحدٍ أن يقول: إنه شعر، ووقع في بعض النُّسخ: يَقْري بفتح الياء. قال القاضي:
وهو جيد، وأحسن منه: يُقري بضمها، وهو ممَّا تقدَّم، يقال: أقرأتُ في الشعر،
وهذا الشعر على قَزْءٍ هذا، وقرؤه: أي قافيته، وجمعها: أقراء. وفي بعض النسخ
أيضاً (على لسان أحدٍ يُعزى إلى شعر) أي: يُنسب إليه، ويُوصف به. وللرِّوايات
کلّها وَجْه.
و (قوله: فما وجدت على كبدي سَخْفَةَ جوع) قال الأصمعي: السخفة:

٣٩٥
(٣٣) كتاب النبوات - (٥٨) باب: فضائل أبي ذر الغفاري
قال: فبينا أهل مكة في ليلة قمراءَ إِضْحِيانَ؛ إذ ضُرِب على أصمختهم، فما
يطوفُ بالبيت أحدٌ، وامرأتان منهم تدعوان إسافاً ونائلة. قال: فأتتا عليَّ في
طوافهما، فقلتُ: أَنْكِحا أحَدَهُما الآخر. قال: فما تناهتا عن قولهما. قال:
فأتتا عليَّ، فقلتُ: هَنَّ مثلُ الخشبة - غير أنيُّ.
الخفّة، ولا أَحْسِبُ قولهم: سخيف إلا من هذا.
و (قوله: في ليلة قمراء إِضْحِيان) القمراء: المقمرة، وهي التي يكونُ فيها
قمر، ويُسمَّى الهلالُ قمراً من أول الليلة الثالثة إلى أن يصيرَ بدراً، ثم إذا أخذ في
النَّقص عاد عليه اسمُ القمر، وإضحيان - بكسر الهمزة والضاد المعجمة -: معناه
كثير ضوء قمرها. قال ابن قتيبة: ويقال ليلة إضحيانٌ، وإضحيانة، وضحيانة(١):
إذا كانت مضيئة.
و (قوله: ضُرِبَ على أصمختهم) أي: ناموا، ومنه قوله تعالى: ﴿ فَضَرَيْنَا
عَلَى مَاذَانِهِمْ فِى الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا﴾ [الكهف: ١١] أي: أنمناهم. الأصمخة:
جمع صِماخ، وهو خُرْق الأذن، وهو بالصاد، وقد أخطأ من قاله: بالسين.
وإساف ونائلة: صنمان، وقد تقدَّم ذكرهما في كتاب الحج، وقد روى ابن أبي
نجيح: أن إسافاً ونائلة كانا رجلاً وامرأة حاجًّا من الشام، فقبَّلَها وهما يطوفان
فُمُسخا حجرين، فلم يزالا في المسجد حتى جاء الإسلام، فأُخرجا منه.
و (قوله: فما تناهتا عن قولهما) أي: ما رجعتا عنه.
و (قوله: هَنٌّ مِثْل الخَشبة) يعني به الذكر، وقد تقدَّم أن: هناً كناية عن
النكرات، وأراد بذكره هنا سبَّ إسافٍ ونائلة، وهو تقبيحٌ، كقوله أولاً: أَنْكِحا
أحدهما الآخر.
(١) ليست في (م ٤).

٣٩٦
(٣٣) كتاب النبوات - (٥٨) باب: فضائل أبي ذر الغفاري
لا أُكْني - فانطَلَقَتا تُولولان، وتقولان: لَو كان ها هنا أحد من أنفارِنَا! قال:
فاستقبلَهُما رسولُ اللهِ له وأبو بكر وهما هابطتان. قال: ((ما لَكُما؟)) قالتا:
الصابىءُ بين الكعبة وأستارها. قال: ((ما قال لكما؟)) قالتا: إنه قال لنا كلمة
تملُ الفم، وجاء رسول الله وَل حتى استلم الحجر، ثم طاف بالبيت هو
وصاحبُه. ثمَّ صلَّى، فلمّا قضى صلاته (قال أبو ذر): فكنتُ أوَّلَ من حيّاه
بتحية الإسلام. قال: فقلت: السلام عليك يا رسول الله! فقال: ((وعليك
ورحمة الله))، ثم قال: ((من أنت؟))، قال: قلت: من غِفار. قال: فأهوى
بيده فوضع أصابِعَه على جبهته، فقلت في نفسي: كرِه أن انتميتُ إلى
غفار، فذهبتُ آخذ بيده، فَقَدَعَنِي صاحبُه، وكان أعلمَ به منِّ، ثم رفع
رأسه، فقال: ((متى كنت ها هنا؟)) قال: قد كنت ها هنا منذ ثلاثين؛ بين
ليلة ويوم. قال: فمن كان يطعمك؟ قال: قلتُ: ما كان لي طعامٌ إلا ماءُ
و (قوله: تولولان) أي: تدعوان بالويل، وترفعان بذلك أصواتهما.
و (قولهما: لو كان أحدٌ من أنفارنا) أي: من قومنا، وهو جمع نفر، والنَّفَر:
ما بين الثلاثة إلى العشرة، وجواب لو محذوف، أي: لنصرنا عليكَ ونحوه.
و (قولهما: الصابىء) أي: الخارج عن دين قومه، ويُهمز، ولا يُهمز، وقد
قُریء بهما.
و (قولهما: قال كلمة تملأ الفم) أي: عظيمة، حتى كأن الفم يضيقُ عنها.
و (قوله: فكنت أوَّلَ من حيَّه بتحيَّة الإسلام) يعني به: السلام عليك
يا رسولَ الله، وظاهره: أنه أُلهمَ النُّطقَ بتلك الكلمة إذ لم يكن سمعَها قبلَ ذلك،
وعلمُه بكونه أوَّلَ من حيَّاه: يحتملُ أن يكون إلهاماً، ويحتمل أن يكون علمه بغیر
ذلك بالاستقراء، ثم أُخبرَ عنه، والله تعالى أعلم.
و (قوله: فَقَدَعَنِي صاحبُهُ) أي: كفَّني ومنعني. يُقال: قَدَعْتُ الرَّجلَ،

٣٩٧
(٣٣) كتاب النبوات - (٥٨) باب: فضائل أبي ذر الغفاري
زمزم، فسمِنْتُ حتى تكسَّرتْ عُكَنُ بطني، وما أجد على كبدي سَخْفَة
جوعٍ. قال: (إنَّها مباركة، إنَّها طَعَام ◌ُعْم)). فقال أبو بكر: يا رسول الله!
ائذن لي في طعامه الليلة، فانطلق رسولُ اللهِ وَه وأبو بكرٍ، وانطلقتُ
معهما، ففتحَ أبو بكرٍ باباً، فجعل يقبض لنا من زبيب الطائف، فكان ذلك
وأقدعتُه: إذا كففتُه، ومنه قول الحسن: اقدعوا هذه الأنفس، فإنَّها طُلَعَةٌ(١)، وهو
بالدال المهملة.
و (قوله: ((إنها طعامُ طُعْمٍ))) أي: يُشبع منه، ويَرُ الجوعَ. الرواية فيه: طعامُ
طعمٍ بالإضافة، والطعام: اسم لما يتطَّم، فكأنه قال: طعامُ إشباعٍ، أو طعام
يُشبع، فأضافه إلى صفته، هذا على معنى ما قاله ابنُ شميل، فإنه قال: يُقال:
إنَّ هذا لَطَعَامُ طُعمٍ، أي: يُطعم من أكله، أي: يَشبعُ منه الإنسان، وما يُطعم
أكلُ هذا الطعام، أي: ما يُشبعَ منه، غير أنه قد قال الجوهري: الطُّعْمُ بالضم:
الطعام، وبالفتح: ما يُشتھی منه. قال: قال أبو خراش:
ويُؤْثَرُ غيري من عيالكِ بالطُّغْمِ
أُرَُّ شُجاعَ الْبَطنِ لَوْ تَعْلَمِينَهُ
إذا الزَّادُ أَمْسَى لِلْمُزَلَّجِ ذَا طَعْمٍ
وأَغْتَبِقُ الماءَ القَرَاحَ فَأَنْتَهِي
قال: فأراد بالأول الطعام وبالثاني ما يُشتهى.
قلتُ: وعلى هذا فلا تصحُ الإضافة من جهة المعنى؛ فإنه يكون كقولك:
طعامُ طعامٍ، ولا يصحُّ؛ لأنه إضافة الشيء إلى نفسه، وإنما يستقيمُ معنى الحديث
على ما حكاه ابن شُميل، ويحصلُ من قولهما: أن طُغْماً تُستعمل بمعنى الاسم،
كما قاله الجوهري، وبمعنى الصفة، كما قاله ابن شُميل. والله تعالى أعلم.
وقد روى أبو داود الطيالسي من حديث أبي ذرِّ - رضي الله عنه - عن النبيّ ◌َل
(١) نفسُ طُلَعَة: كثيرة التطلع إلى الشيء.

٣٩٨
(٣٣) كتاب النبوات - (٥٨) باب: فضائل أبي ذر الغفاري
أوّلَ طعامٍ أكلتُه بها، ثم غَبَرْتُ ما غَبَرتُ، ثم أتيتُ رسول الله وَله فقال:
«إنَّه قد وُجُّهَتْ لي أرضٌ ذاتُ نخلٍ؛ لا أُراها إلا يثربَ؛ فهل أنت مُبلِّغٌ عِنِّي
في زمزم: ((إنَّها مباركةٌ، وهي طعامُ طُعْمٍ، وشفاء سُقْم))(١) أي: طعام من جوع،
وشفاء من سُقم.
بر کة ماء زمزم
و (قوله في هذا الحديث: ((إنها مباركة))) أي: إنها تظهر بركتها على من صحَّ
صدقه، وحسنت فيها نيته، كما قد روى العقيلي أبو جعفر من حديث أبي الزبير عن
جابرٍ: أن النبيَّ ◌َّه قال: ((ماءُ زمزمَ لما شُربَ له))(٢). فينبغي أن يتبرّك بها،
ويحسنَ النية في شربها، ويحمل من مائها، فقد روى الترمذي عن عائشة
- رضي الله عنها -: أنها كانت تحملُ من ماء زمزم، وتخبرُ أنَّ رسول الله و لوكان
يحمله(٣). قال: حديث حسن غريب.
و (قوله: ثم غَبَرْتُ ما غَبَرْتُ) أي: بقيت ما بقيت، وقد تقدَّم: أن غبر من
الأضداد.
و (قوله: ((وقد وُجُّهتُ إلى أرضٍ ذاتِ نخل))) أي: ذُهبَ بي إلى تلك الجهة
وأُریتھا.
و (قوله: ((لا أراها إلا يثرب))) هذا كان اسم المدينة قديماً حتى قدمها
النبيُّ ◌َ﴿، فكره أن تُسمَّى يثربَ؛ لأنه: مأخوذ من التثريب، وهو اللَّوْم والتقبيح،
وسمَّاها (طابة)، وقد تقدَّم هذا في الحج، وأيماء بن رحضة يروى بفتح الهمزة
وكسرها، ورحضة بفتح الحاء المهملة، والضاد المعجمة.
اسم المدينة
قديماً
(١) مسند الطيالسي (٦١).
(٢) رواه العقيلي في كتاب ((الضعفاء الكبير)) (٣٠٣/٢)، وفي إسناده عبد الله بن المؤمل،
ضعيف .
(٣) رواه الترمذي في الحج (٩٦٣).

٣٩٩
(٣٣) كتاب النبوات - (٥٨) باب: فضائل أبي ذر الغفاري
قومك عسى الله أن ينفعهم بك ويأجُرَك فيهم؟)). فأتيتُ أُنيساً فقال: ما
صنعتَ؟ قلت: صنعتُ أَنِّي قد أسلمتُ وصدَّقْتُ. قال: ما بي رغبةٌ عن
دينك، فإنِّي قد أسلمتُ وصدَّقت، فأتينا أمَّنا، فقالت: ما بي رغبةً عن
دينكما؛ فإنَّي قد أسلمتُ وصدَّقتُ، فاحْتَمَلْنا حتى أتينا قومنا غفاراً، فأسلم
نصفهُم، وكان يؤمُّهم إيماءُ بن رَحَضةَ الغِفاريُّ، وكان سيِّدَهُم. وقال
نِصْفُهم: إذا قدم رسولُ اللهَ﴿ المدينة أسلمنا، فقدم رسولُ الله وَله
المدينة، فأسلم نصفُهم الباقي. وجاءت أسلمُ، فقالوا: يا رسول الله!
إخوتُنا نُسْلِمُ على الذي أسلَمُوا عليه، فأسلموا، فقال رسول الله وَّةٍ:
(غِفَارُ غَفَرَ الله لها، وأَسْلَمُ سالمها الله)).
و (قوله: ((غِفَار، غفرَ الله لها، وأسلم سالمَها الله))) [إنما دعا النبيُّ نَّر إسلام قبيلتي
لهاتين القبيلتين](١)؛ لأنهما: أسلمتا طَوْعاً من غير قتال، ولا إكراه، ويُحتمل أن غفار وأسلم
يكون ذلك خبراً عما فعلَ الله بهاتين القبيلتين من المغفرة، والمسالمة لهما. وكيف
ما كان فقد حصلَ لهما: فخرُ السابق، وأجرُ اللَّحق، وفيه مراعاة التجنيس في
الألفاظ .
و (قوله: إنهم قد شَنِفُوا له، وتَجَهَّمُوا)(٢) أي: أبغضوه، وعبسوا في وجهه،
والشَّنَفُ: البغض، ويُقال: رجل جهم الوجه: إذا كان غليظه منعقده؛ کأنه یعبس
وجهَه لكلِّ أحدٍ.
(١) ما بين حاصرتين سقط من (ع).
(٢) هذه العبارة لم ترد في التلخيص، وإنما جاءت في صحيح مسلم في رواية من روايات
هذا الحديث. انظر صحيح مسلم (٤: ١٩٢٣).

٤٠٠
(٣٣) كتاب النبوات - (٥٨) باب: فضائل أبي ذر الغفاري
وفي روايةٍ: قال: فتنافرا إلى رجلٍ من الكُهَّان. قال: فلم يزلْ أخي
أنيسٌ يمدَحُه حتى غَلَبَهُ. قال: فأخذْنَا صِرْمَتَه فضممناها إلى صِرمَتِنا، وفيها
أيضاً: قال: فجاءَ النَّبِيُّ وَلِ فطاف بالبيت وصلَّى ركعتين خلف المَقَام.
وفيها بعد ((بتحية الإسلام)) قال: قلت: السلام عليك يا رسول الله! قال:
((وعليك السلام من أنت؟)). وفيها: فقال أبو بكرٍ: أَتْحِفْني بضِيَافَتِهِ الليلةَ.
رواه أحمد (١٧٤/٥)، ومسلم (٢٤٧٣).
[٢٣٨٣] وعن ابن عباسٍ، قال: لما بلغ أبا ذرِّ مبعثُ النَّبِيِّ وَلّه بمكةَ
قال لأخيه: اركب إلى هذا الوادي، فاعلم لي علم هذا الرجل؛ الذي يزعم: أنَّه
يأتيه الخبرُ من السّماء، واسمع من قوله، ثم ائتني، فانطَلَق الآخر حتى قدم
مكة، وسمع من قوله، ثم رجع إلى أبي ذر فقال: رأيتُهُ يأمرُ بمكارم
الأخلاق، وكلاماً ما هو بالشعر، فقال: ما شفيتَني فيما أردتُ، فتزوّدَ
وحمل شنَّةً له، فيها ماء. حتى قدم مكة، فأتى المسجد فالتمس النَّبِيَّ وَله
ولا يعرفه، وكره أن يسأل عنه، حتى أدركه - يعني الليل - فاضطجع فَرَآه
و (قوله: فلم يزل أخي أُنيس يمدحُه حتى غلبَه) كذا في رواية السَّجزيِّ
وغيره، وهي واضحة. أي: لم يزل ينشدُ شعراً يقتضي المدحَ، حتى حكم له
الكاهنُ بالغلبة على الآخر، وأنه أشعرُ منه، وكأن هذا الكاهن كان شاعراً فقضى
بينهما بذلك، وفي رواية العذري: فلم يزل أخي أُنيس يمدحه ويثني عليه مكان:
حتى غلبه. قال: فأخذنا صِرْمَتَه، فَضَمَمْناها إلى صِرْمتنا، والرواية الأولى أولى؛
لأنها أفادت معنىّ مناسباً، به التأم الكلام بما بعده، وهو أنه إنما أخذ صِرْمَته؛ لأنَّ
الكاهن قضى له بالغلبة؛ ولأن قوله: ويثني عليه مكرر؛ لأنه قد فُهم ذلك من
قوله: يمدحه، فحَمْلُ الكلام على فائدة جديدة أولى. وإنما ذكر هذا المعنى
ليُبَيِّنَ: أن أخاه أُنيساً كان شاعراً مُفْلِقاً مُجيداً، بحيث يُحكم له بغلبة الشعراء، ومن