Indexed OCR Text
Pages 341-360
٣٤١
(٣٣) كتاب النبوات - (٤٧) باب: ذكر حديث أم زرع
عظيم الرَّماد، قريب البيت من النادي. قالت العاشرة: زوجي مالكٌ؛ فما
مالكٌ؟ مالكٌ خيرٌ من ذلك،
قَصُرَتْ حَمَائِلُهُ عَلَيْهِ فَقَلَصَتْ وَلَقَدْ تَمَطَّطَ بَيْنَها فَأَطَالَها
وكانت العرب تتمادح بالطول وتذُ بالقِصَر، وذلك موجود في أشعارهم.
و (قولها: عظيم الرَّماد) تعني: أن نار قِراه للأضياف لا تُطفأ، فرمادُ ناره
کثیر عظیم، كما قال:
مَتَى تَأْتِهِ تَعْشُو إلَى ضَوْءِ نارِهِ تَجِدْ حَطَباً جَزْلاً ونَاراً تَأَجَّجا
وقال آخر:
لَهُ نَارٌ تُشَبُّ عَلَى يَفَاعِ إِذَا النِّرَانُ أَلْبِسَتِ القِنَاعا
و (قولها: قريب البيت من النادي) النادي، والنديُّ، والمنتدى: مجلس
القوم، ومنه قوله تعالى: ﴿فَيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ [العلق: ١٧]. أي: أهل مجلسه. تصفه
بالشرف والسؤدد في قومه، فهم إذا تشاوروا، أو تفاوضوا في أمرٍ أتوه فجلسوا
قريباً من بيته، فاعتمدوا على رأيه، وامتثلوا أمره. ويُحتمل أن تريد: أن النادي إذا
أتوه لم يصعب عليهم لقاؤه أي: لا يحتجبُ عنهم، ولا يتباعد منهم، بل: يقرب
منهم، ويتلقَّاهم مُرحِّباً بهم، ومُبادراً لإكرامهم. ومقتضى حديثها: أنها وصفته
بالسيادة والكرم، وحسن الخلق، وطيب المعاشرة.
و (قول العاشرة: زوجي مالك، وما مالك؟) هذا تعظيم لزوجها، وهذا على
نحو قوله تعالى: ﴿وَأَعْخَبُ اَلْيَمِينِ مَآ أَصْحَبُ آلْيَمِينِ﴾ [الواقعة: ٢٧] و ﴿الْمَثَّةُ * مَا
اْمَثَّهُ﴾ [الحاقة: ١ -٢].
و (قولها: مالكٌ خيرٌ من ذلك) أي: هو أجلُّ من أن أصفَه لشهرة فضله،
و كثرة خيره.
٣٤٢
(٣٣) کتاب النبوات ۔ (٤٧) باب: ذکر حديث أم زرع
له إبلٌ كثيراتُ المَبارِك، قليلاتُ المَسَارح، إذا سَمِعْنَ صوت المِزْهَرِ أيْقَنَّ
أنهنَّ هَوَالِكُ. قالت الحادية عشرة: زوجي أبُو زَرْعٍ؛ فما أبو زرع؟ أَنَاسَ من
حُلِيٍّ أُذُنَيَّ، وَملَّ من شَحمٍ عضُدَيَّ، .
و (قولها: له إبلٌ كثيرات المَبَارك، قليلاتُ المَسَارح) مَبَارك الإبل: مواضع
بروكها. واحدُها: مَبْرك، ومَسَارِحُها: مواضع رعيها، واحدها مَسْرح، واختلف
في معناه على ثلاثة أقوال: أحدُها: أنه أكثر بروكَها وأقلَّ تسريحَها مخافة أن ينزلَ
به ضيف وهي غائبةٌ، ذكره أبو عُبيد، والثاني: أنها إذا بركت كانت كثيرة لتوقُّر
عددها، وإذا سرحت كانت قليلة لكثرة ما يجزرُ منها للضيفان. قاله ابن أبي
أويس. وثالثها: أنها إذا بركت كانت كثيرة لكثرة من ينضمُّ إليها ممن يلتمسُ
لحمها ولبنها، وإذا سرحت كانت قليلة لقلة من ينضم إليها منهم.
و (قولها: إذا سمعنَ صوت المِزْهر أيقنَّ أنهنَّ هوالك) المِزهر - بكسر
الميم -: هو عود الغِناء، وهو معروف عند العرب ومذكور في أشعارها، وقد أخطأ
من قال: إنه مُزْهِر بضم الميم وكسر الهاء، وفسَّره: بموقد النار في الرواية
والمعنى. أما الرواية: فلا يصحُ منها إلا ما ذكرناه، وهو كسر الميم، وفتح الهاء،
وأما المعنى؛ فقيل فيه قولان؛ أحدهما: أنه يتلقَّى ضيفانَه بالغِناء مبالغةً في
الترحيب والإكرام، وإظهار الفرح. والثاني: أنه يأتي ضيفانَه بالشراب والغِناء، فإذا
سمعتِ الإبلُ صوتَ المِزْهر والغِناء أيقنَّ بنحرهنَّ للأضياف، وكلا القولين: أمدح،
ومعناهما أوضح.
و (قول الحادية عشرة: أناس من حُليٍّ أذنيّ) تريد: حلّني قِرَطَةً وشُنُوفاً
تنوسُ بأذنيّ، أي: تتحرك، والنَّوْسُ: حركة كل شيء متدلٌّ، يقال فيه: ناسَ ينوسُ
نَوْساً، وأناسَه غيرَه إناسةً، وسُمِّي ملكُ اليمن ذا نُواس؛ لضفيرتين كانتا له تنوسان
على عاتقه.
و (قولها: ملّ من شحمٍ عَضُدَيَّ) أي: سمَّنني بالإحسان، وكثرة المأكل،
٣٤٣
(٣٣) كتاب النبوات - (٤٧) باب: ذكر حديث أم زرع
وبَجَّحني فَبَجَحَتْ إليَّ نَفْسي، وجَدنِي في أهلٍ غُنيمةٍ بشقٌّ ، فجعلني
في أهلٍ صَهِيلٍ وأطيطٍ، ودائسٍ ومُنَقٌّ،
وخصَّت العضدين؛ لأنهما إذا سمنا سَمِنَ جميع الجسد.
و (قولها: فبجّحني فبجحت إليَّ نفسي) الرواية المعروفة: فبجَحت؛ بفتح
الجيم والحاء وسكون تاء الفرق، وإليَّ مشدد الياء، وتكون ((نفسي)) فاعلة بجحت
وقد رواه أبو عُبيد فَبَجُختُ، بضم الجيم، وسكون الحاء وتاء مضمومة، هي ضمير
المتكلم الفاعل، وإلى ساكنة: حرف جر، نفسي: مجرورة، ومعنى: بجحني:
فرَّحني ورفعني، ففرحتُ، وترفَّعتُ. يُقال: فلان يتبجَّح بكذا، أي: يترفّع
ويفتخر، قال الشاعر وهو الراعي:
وَمَا الفَقْرُ مِنْ أَرْضِ العَشِيرَةِ سَاقَنَا إِلَيْكِ وَلْكِنَّا بِقُرْبِكِ نَجَحُ
أي : نترفّع، ونفتخر.
و (قولها: وجدني في أهل غنيمة بشِقّ) الأكثر الأعرف في الرواية بكسر
الشين، وقد ذكره أبو عبيد بفتح الشين. قال: والمحدِّثون يقولونه بالكسر، والفتح
الصواب، وهو موضع. وقال ابنُ الأنباري: هو بالفتح والكسر، واختلف الذين
كسروه، فمنهم من قال: هو شقّ جبلٍ، أي: غنمهم قليلة، ومنهم من قال: هو
الجهدُ والمشقَّة. كما قال تعالى: ﴿إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾ [النحل: ٧].
و (قولها: فجعلني في أهل صهيل وأطيط) الصهيل: حمحمة الخيل،
والأطيط: صوت الرَّحْل والإبل من ثقل أحمالها. يقال: لا آتيك ما أطَّت الإبل،
وكذلك صوت الجوف من الجَوَى(١).
و (قولها: ودائسٍ ومُنقٌ) دائس: اسم فاعل من داس الطعام يدوسه دياسة
فانداس هو، والموضع: مداسة. والمدوس: ما يداس به، أي: يدقّ ويُدْرَس،
(١) ((الجوى): الحرقة وشدة الوجد من عشق أو حُزْن. وكل داءٍ في الجوف.
٣٤٤
(٣٣) كتاب النبوات - (٤٧) باب: ذكر حديث أم زرع
فعنده أقول فلا أُقْبَّحُ، وأرقُد فأتصبَّحُ ، وأشرَبُ فَأَتَقَنَّحُ. أمُّ أبي زرعٍ، فما
أُ أبي زرع؟ عکومُھا رَدَائٌ،
ويقال: داس الشيءَ برجله يدوسه دوساً إذا وطئه. ومُنَقُّ: صحيح الرواية فيه بضم
الميم وفتح النون: اسم فاعل من نقى الطعام والشيء ينقيه تنقية، فهو مُنَق. يعني:
أن لهم زرعاً يُداس وينقى، وقاله ابنُ أبي أويس بكسر النون، قال: وهو نقيق
أصوات المواشي والأنعام.
قلتُ: وهذا ليس بشيءٍ؛ لأنه لا يقال لشيءٍ من ذلك: نق، وإنما يقال:
نق العقرب والضفدع والدجاجة، وقد يقال: نق الهر، وهو قليل، ولذلك قال
النيسابوري: تريدُ الدجاج، وهو بعيد؛ لأنَّ الدجاج لا تمتدحُ بها العرب، ولا
تذكرُها في الأموال، ومقصودُ قولها هذا: أنها كانت في قومٍ ضعفاء فقراء، فنقلها
إلى قومٍ أغنياء أقوياء.
و (قولها: فعنده أقول فلا أُقَبَّح) أي: لا يُعاب لها قول، ولا يرد بل
یستحسن ويمتثل.
و (قولها: وأرقد فأتصبَّح) أي: أديم النومَ إلى الصَّباح، لا يوقظها أحدٌ؛
لأنها مُكرَّمة، مكفيَّةُ الخدمة والعمل.
و (قولها: فأتقَنَّح) يروى بالميم والنون مكانها. والروايتان معروفتان، غير
أن أبا عبيد لم يعرف رواية النون، فأما أتقمح - بالميم - فمعناه: أترؤَّى حتى أمجَّ
الشراب من الرِّيِّ. يقال: ناقةٌ قامح، وإبل قماح: إذا رفعتْ رؤوسها عند الشَّراب،
ونحو قوله تعالى: ﴿فَهُمْ تُفْمَحُونَ﴾ [يسَ: ٨]. وأما بالنون فمعناه: الزيادة على
الشرب بعد الريِّ. يقال: قنحت من الشراب، أقنح قنحاً إذا شربتُ بعد الرِّيِّ،
وقال ابنُ السِّكِّيت: معناه أقطع الشربَ وأشربُ قليلاً قليلاً.
و (قولها: عكومُها رداح) العكوم: جمع عكم، وهو العِذْلُ. ورداح:
٣٤٥
(٣٣) کتاب النبوات ۔ (٤٧) باب: ذکر حديث أم زرع
وبيتُها فَسَاحٌ. ابنُ أبي زرع، فما ابنُ أبي زرع؟ مضْجَعُهُ كمَسلِّ شَطْبةٍ،
وتُشْبِعِه ذِرَاعُ الجفرةِ. بنتُ أبي زرعٍ، فما بنتُ أبي زرعٍ، طوعُ أبيها، وطوعُ
أمّها، وملءُ کسائها، وصُفْر ردائِها،
مملوءة من الأمتعة، تعني: أنها كثيرةُ القماش والأثاث. ويقال: امرأة رداح؛ إذا
كانت عظيمةَ الكفل.
و (قولها: وبيتها فساح) أي: واسع. يقال: بيت فسيح، وفساح، وظاهره:
أنه فسيحُ الفِناء، ويحتملُ أن يكون كنايةً عمّا يُفعل فيه من الخير، والمعروف.
و (قولها: مضجعه كَمَسلِّ شطبة) الشَّطبة: هي بفتح الشين، وأصلها ما
شطب من جريد النخل، وذلك: أنه يُشَقُّ منه قضبان دقاق تُنسج منها الحصر.
وقال ابنُ الأعرابي وغيرُه: الشطبة هنا: السيف يُسَلُّ من غمده.
و (قولها: وتشبعه ذراع الجفرة) وهي: الأنثى من ولد المعز، والذكر:
جفرٌ، وإذا أتى على ولد المعز أربعة أشهر، وفُصِل عن أمه، وأخذ في الرعي قيل
عليه: جفر. مَدَحَتْهُ بقلَّة أكله، وقلَّة لحمه، وهما وصفان ممدوحان. قال الشاعر:
تَكْفِيهِ حُزَّةٌ فِلْذٍ إِنْ أَلَمَّ بِهَا مِنَ الشِّواءِ ويُزْوِي شُرْبَهُ الْغُمَرُ
و (قولها: ملء كسائها) أي: ممتلئة الجسم.
و (قولها: صفر ردائها)(١) أي: خاليته، والصفر: الشيء الفارغ. قال الهروي:
أي: ضامرة البطن، والرداء ينتهي إلى البطن. وقال غيره: يريد أنها خفيفةُ أعلى
البدن، وهو موضعُ الرداء ممتلئة أسفله، وهو موضعُ الكساء والأزرة، ويؤيده
قولُها في بعض روايات الحديث: مِلْءُ إزارها. قال القاضي: والأولى: أنه أراد:
(١) هذه العبارة ليست في التلخيص، وقد وردت في مسلم برواية أخرى.
٣٤٦
(٣٣) کتاب النبوات ۔ (٤٧) باب: ذکر حديث أم زرع
وغيظ جارتها.
أن امتلاء منكبيها، وقيام نهديها يرفضان الرداء عن أعلى جسدها(١)، فهو لا يمسُه
كالفارغ منها بخلاف أسفلها، كما قال الشاعر:
أَبَتِ الرَّوادِفُ وَالثُّدِيُّ لِقُمْصِها مَسَّ الْبُطُونِ وَأَنْ تَمَسَّ ظُهُورا
و (قولها: وغيظ جارتها) تريد أن ضرتها يغيظها ما تراه من حسنها،
وجمالها، وعفافها.
و (قولها: وعقر جارتها(٢)) الرواية الصحيحة: بعين مهملة مفتوحة، وقاف
من العقر، وهو الجرح، أو الهلاك. تعني: أنَّ ضَرَّتها(٣) تموتُ من أجلها حسداً
وغيظاً، أو ينعقر قلبها، وفي قولها: ملء كسائها، وصفر ردائها، وغيظ جارتها
دليلٌ لسيبويه: على صحة ما أجازه من قول: مررتُ برجلٍ حَسَنٍ وجهه، وهو رأْ
على المبرّد والزجَّاج؛ فإنهما مَنَعا ذلك، وعلَّل الزجاجي المنع بإضافة الشيء إلى
نفسه، وخطَّأ سيبويه في إجازة ذلك، وقال: إنما أجازه سيبويه وحده، وقد أخطأ
الزجاجيُّ في هذا النقل في مواضع، أخطأ في المنع، وأخطأ في التعليل، وفي
تخطئته سيبويه، وفي قوله: إنه لم يقلْ به غيرُ سيبويه. وقد قال أبو الحسن بن
خروف: أنَّه قال به طائفةٌ لا يحصون، وفي قوله: إنَّ جمیعَ النَّاس خطّؤوا سيبويه؛
وليس بصحيح. وكيف يخطأ باللسان من تمسّك بالسَّماع بالصحيح، كما جاء في
هذا الحديث المثَّفق على صحته. وقد جاء عن بعض الصّحابة - رضي الله عنهم -
في وصف النبيِّ وَّه فقال: شَثَنٌ أصابعه(٤)، وقد اتفق أهل اللسان على صحة قول
الشاعر :
(١) في (ز): صدرها.
(٢) هذه العبارة ليست في التلخيص، وإنما جاءت في روايةٍ إثر حديث الباب، في صحيح
مسلم.
(٣) في (ز): جارتها.
(٤) ((الشَّئن): الغليظ الأصابع من الكفَّين والقدمين.
٣٤٧
(٣٣) كتاب النبوات - (٤٧) باب: ذكر حديث أم زرع
جاريةُ أبي زرع، فما جاريةُ أبي زرع؟ لا تَبِّثُ حديثَنا تبثيئاً، ولا تُنَقِّثُ مِیرتَنا
تَنْقِيثاً، ولا تملأ بيتنا تعشيشاً.
أَمِنْ دِمْنتين عزَّج الركبُ فيهما بحقل الرُّخامى قد عفا طللاهُما
أقامَتْ عَلَى رَبْعَيهِما جارَتا صَفاً كُميتا الأعالي جونتا مُصطلاهما
وقد تعسَّف المانعُ في تأويل هذا السَّماع بما تمُّه الأسماع، ولتفصيل ذلك
مبسوطات النحو، ومن تمسّك بالسماع فردُ حُجَّته لا يُستطاع.
و(قولها: لا تبثُّ حديثنا تبثيئاً) يُروى بالباء بواحدة، من البث: وهو الإظهارُ
والإشاعةُ، فتصفها بكتمان ما تسمعُه من الحديث، وهذا يدلُّ على عقلها،
وأمانتها، ويُروى بالنون، وهو بمعنى الأول. يقال: نثَّ الحديث إذا أنثاه، وفي
الصحاح: بث الخبر، وأبثَّه: إذا أفشاه، ونثَّه بالنون ينثّه بالضم كذلك، وأنشد:
إذا جاوَزَ الاثنين سرٍّ فإنَّهُ بِنَثْ وَتَكْثِير الوُشَاةِ قَمينُ
و (قولها: ولا تنقِّث ميرتنا تنقيئاً) أصل التنقيث: الإسراع. يقال: خرجتُ
أنقث - بالضم - أي: أسرع السير، وكذلك أنتقت. والميرة: ما يمتارُ من موضع
إلى موضع من الأطعمة، وأرادت: أنها أمينةٌ على حفظ طعامنا وحافظة له.
و (قولها: ولا تملأ بيتنا تعشيشاً) يُروى هذا بالعين المهملة والمعجمة،
فعلى المهملة فسَّره الخطابي بأنها لا تفسد الطعام المخبوز، بل تتعهده بأن تُطعمنا
منه أولاً فأولاً، وتلاه على هذا التفسير المازري، وهذا إنما يتمشَّى على رواية مَن
رواه: ولا تفسد ميرتنا تعشيشاً. وأما على رواية ما صح هنا من قولها: ولا تملأ،
فلا يستقيم، وإنما معناه: أنها تتعهَّد بيتها بالنظافة والكَنْس، ولا تترك كناسةً في
البيت، حتى يصير كعش الطائر، وأما روايةُ الغين المعجمة فهو من الغش
والخيانة. أي: لا تخوننا في شيءٍ من ذلك، ولا تترك النصيحةَ في صَنْعة.
والأوطاب: جمع وطبٍ، وهو من الجموع النادرة، فإن (فَعْلًا) في الصحيح قياسه
٣٤٨
(٣٣) كتاب النبوات - (٤٧) باب: ذكر حديث أم زرع
قالت: خرج أبو زرعٍ والأوطابُ تُمْخَضُ، فلقي امرأةً معها ولدان لها
كالفهدين، يَلْعَبان من تحتِ خَصْرهَا برُمَّانَتَين، فطلَّقني ونكحها. فنكحتُ
بعده رجلاً سَرّاً، رَكِبَ شَرِيّاً، وأخذ خطّاً، وأراح عليَّ نَعَماً ثَرِيّاً،
وأعطاني من کل رائحة زَوْجاً؛
أن يأتي في القلة على أفعلٍ، وفي الكثرة على فُعُول، وفِعَال، وهي: أسقيةُ اللبن،
وتُمْخَض: تُحَرَّك ليخرجَ زبدها.
و (قولها: يلعبان من تحت خصرها برمَّانتين) قال ابن أبي أويسٍ: تعني
بالرمانتين: ثدييها. قال أبو عبيد: ليس هذا موضعه، وإنما معناه: أنها عظيمة
الكَفَل، فهي إذا استلقتْ صار بينها وبين الأرض فجوةٌ يجري فيها الرُّمان، قال
القاضي: وما أنکره أبو عبيد أظهر وأشبه، لا سيما وقد روي: من تحت صدرها،
ومن تحت درعها، ولأن العادة لم تجر برمي الصبيان الرمان تحت أصلاب
أمهاتهم، ولا باستلقاء النساء كذلك، حتى يشاهد ذلك منهن الرجال، والأشبه:
أنهما رمانتا الثَّديين، شبَّههما بذلك لنهودهما، ودلَّ على ذلك صِغَرُ سِنْها.
و (قولها: فنكحتُ بعده رجلاً سرياً، ركب شرياً، وأخذ خطياً، وأراح عليَّ
نَعَماً ثرياً) السري - بالسين المهملة -: هو السيِّدُ الشريف، ومنه قوله تعالى: ﴿ قَدْ
جَعَلَ رَبُّكِ تَحْنَكِ سَرِيبًا﴾ [مريم: ٢٤] على قول الحسن، وسراةُ كلّ شيءٍ: خيارُه،
وسروات النّاس: كبراؤهم، وحكى يعقوب فيها الشين المعجمة، وركب شَرِيّاً،
أي: فرساً سريعاً. يُقال: استشرى الفرس؛ إذا لجَّ في سيره ومضى فيه، وقال
يعقوب: فرس شريٌّ: خيارٌ، وهو بالمعجمة لا غير. والخطيُّ: الرمح؛ منسوب
إلى موضع بالبحرين يقال له: الخط. والنَّعَم: الإبل. وثرياً: كثيرة كالثرى، وهو
التراب. وأراحها: أتى بها إلى مراحها، وهو موضعُ مبيتها.
و (قولها: وأعطاني من كلِّ رائحة زوجاً) رائحة - بالراء -: هو اسمُ فاعل من
٣٤٩
(٣٣) کتاب النبوات ۔ (٤٧) باب: ذکر حديث أم زرع
قال: فَكُلِي أَمَّ زرع، ومِيرِي أهْلَكِ، فلو جَمَعْتُ كُلَّ شيءٍ أعطاني ما بَلَغَ
أَصْغَر آنِيَةِ أبي زرع. قالت عائشة: قال لي رسولُ الله ◌َّر: ((كنت لك كأبي
زرعٍ لأُ زرعٍ».
راح، تعني: أنه أعطاها من كلِّ صنف من الإبل، والغنم، والبقر. والزَّوجُ:
الصُّنف(١)، كما قال تعالى: ﴿وَكْتُ أَزْوَبًّا ثَلَاثَةً﴾ [الواقعة: ٧]. وقد يُراد بالزوج:
اثنان. يقال فرد وزوج، وزوج المرأة: بعلها، وهي زوجٌ له. وقد جاء زوجُه،
ويقال: هما زوجان للاثنين، وهما زوج، كما يقال: هما سيّان، وهما سواء، قاله
الجوهري. وقال غيره: ولا يوضع الزوجُ على الاثنين أبداً. قال الله تعالى: ﴿وَأَنَُّ
خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى﴾ [النجم: ٤٥]، وقد رويت هذه الكلمة: ذابحة بالذال
المعجمة، من الذبح، وتكون فاعلة بمعنى مفعولة. كـ ﴿عِيشَةٍ رَّضِيَةٍ﴾
[القارعة: ٧] أي: مرضية. يعني: أنه أعطاها من كلِّ شيءٍ يُذبح.
و (قوله: فكلي أمّ زرع، ومِيْري أَهْلَكِ) أباح لها أن تأكلَ ما شاءت من
طعامه، وأن تبعث منه بما شاءت لأهلها، مبالغة في إكرامها، وفي الاحتفال بها،
ومع ذلك كلِّه، فكانت أحوالُه كلُّها عندها محتقرةً بالنسبة إلى أبي زرع، ولذلك
قالتْ: فلو جمعتُ كلَّ شيءٍ أعطاني ما بلغ أصغر ابنة أبي زرع، وسَبَبُ ذلك: أن
أبا زرع كان الحبيب الأول. كما قال الشاعر(٢):
نقُلْ فؤادَك حيث شئتَ من الهوى ما الحبُّ إلا للحبيبِ الأوَّلِ
و (قوله وَ﴿ لعائشة: ((كنتُ لك كأبي زرع لأم زرع)) تطييبٌ لقلبها، ومبالغةٌ
في حُسْن عشرتها، ومعناه: أنا لك، وهذا نحو قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل
عمران: ١١٠] أي: أنتم، ويمكن بقاؤها على ظاهرها، أي: كنتُ لكِ في علم الله
(١) في (ز): الضعف.
(٢) هو أبو تمام.
٣٥٠
(٣٣) کتاب النبوات - (٤٧) باب: ذكر حديث أم زرع
وفي رواية؛ قال: عياياء طَبَاقاء - ولم يَشُكَّ - وقال: قليلاتُ
المَسارحِ. وقال: وصفر ردائها، وخيرُ نسائها، وعَقْرُ جارتِها. وقال: ولا
تنقُثُ مِيرَتَنا تنقيئاً. وقال: وأعطاني من كل ذابحةٍ زوجاً.
رواه البخاريُّ (٥١٨٩)، ومسلم (٢٤٤٨).
#
السَّابق، ويمكن أن تكون ممَّا أُرِيدَ بها الدوامُ، كما قال تعالى: ﴿وَكَانَ اَللَّهُ سَمِيعًا
بَصِيرًا﴾ [النساء: ١٣٤].
ما في حديث
وحديثُ أمِّ زرع هذا؛ فيه أحكامٌ، منها: جوازُ محادثة الأهل، ومباسطتهن
أم زرع من بما لا ممنوعَ فيه. وفيه: جوازُ إعلام الزوج زوجته بمحبته إياها بالقول إذا لم يؤدِّ
ذلك إلى مفسدةٍ في حاله بحيث تهجره، وتتجرَّأ عليه. وفيه: ما يدلُّ على أن ذِكْرَ
أحکام وفوائد
عُيوب مَن ليس بمعيَّن لا يكون غيبة، وفيه جوازُ الانبساط بذكر طُرَفِ الأخبار،
ومُسْتطابات الأحاديث، وتنشيط النفوس بذلك، وجواز ذِكْر محاسن الرجال
للنِّساء، ولكن إذا كانوا مجهولين بخلاف المعيَّن، فإنَّ ذلك هو المنهيُّ عنه
بقوله وَله: ((لا تصفِ المرأةُ المرأةَ لزوجها حتى كأنه ينظرُ إليها))(١). وفيه: ما يدلُّ
على جواز الكلام بالألفاظ الغريبة والأسجاع، وأن ذلك لا يُكره، وإنما يُكره
تكلُّف ذلك في الدُّعاء.
(١) رواه الطبراني في الكبير (١٧٣/١٠)، وانظر: التمهيد (٦٥/٤).
٣٥١
(٣٣) كتاب النبوات - (٤٨) باب: فضائل فاطمة بنت النبي ◌َّ
(٤٨) باب
فضائل فاطمة بِنْتِ النبيِّ وَل
[٢٣٥٨] عن المِسْوَرِ بنِ مَخْرَمَةَ: أنَّه سمع رسولَ الله وَلِّ على
المنبر، وهو يقول: ((إنَّ بني هاشم بن المغيرة استأذنوني أن يُنْكِحوا ابنتهم
عليَّ بن أبي طالبٍ، فلا آذنُّ لهم، ثمَّ لا آذنُ لهم، ثم لا آذن لهم؛ إلا أن
(٤٨) ومن باب: فضائل فاطمة - رضي الله عنها -
بنت رسول الله مَالخ
سيِّدةُ نساء العالمين - رضي الله عنها - وقد اختلف في أصغر بنات فاطمة أصغر
بنات
رسول الله وَ﴿ قال أبو عمر: والذي تسكنُ النفسُ إليه: أن زينبَ هي الأولى، ثم الرسول الأولى
رقية، ثم أم كلثوم، ثم فاطمة، ولدت لرسول اللّهِ وَ له سَنَةَ إحدى وأربعين مِن
مولده وَّهُ وتزوَّجها عليٍّ - رضي الله عنهما - بعد وقعة أُحُد. وقيل: بعد أن ابتنى زواجها من
النبيُّ وَّ بعائشة - رضي الله عنها - بأربعة أشهر ونصف شهر، وبنى بها عليٌّ بعد علي رضي الله
تزويجها بسبعة(١) أشهر ونصف، وکان ◌ِتُّها یوم تزوّجها - رضي الله عنهما - خمس
عنهما
عشرة سنة وخمسة أشهر ونصف، وسِنُّ عليٍّ يومئذ: إحدى وعشرون سنة وستة
أشهر، وولدت له الحسن والحسين، وأم كلثوم، وزينب، وتوفيت بعد أولاد فاطمة
رسول الله ◌َ﴿ بيسير. قيل: بثمانية أشهر. وقيل: بستة أشهر. وقيل: بثلاثة أشهر.
وقيل: بسبعين يوماً. وقيل: بمئة يوم. وهي أحبُّ بناتِ رسول الله وَلفي إليه،
وأكرمهن عنده، وسيدة نساء أهل الجنة على ما تقدَّم في باب خديجة. وكان ماكان
رسولُ اللهِ وَ﴿ إذا قدم من سفر يبدأ بالمسجد فيصلِّي فيه، ثم يبدأُ ببيتٍ فاطمة، يفعله وَ﴿ إذا
فيسألُ عنها، ثم يدورُ على سائر نِسائه، إكراماً لها، واعتناءً بها، وهي أوَّلُ مَن سُتِر
قدم من سفر
(١) في (ز): بستة.
٣٥٢
(٣٣) كتاب النبوات - (٤٨) باب: فضائل فاطمة بنت النبي 15
يحِبَّ ابنُ أبي طالبٍ أن يُطَلِّق ابنتي ويَنْكح ابنتهم، فإنَّما ابنَتي بَضْعَةٌ مِنِّي،
يَرِيبُنِي مَا رَابَها، ويؤذيني ما آذاها!)).
وفاتها
وتجهيزها
ودقتها
نعشُها في الإسلام، وذلك أنها لما احتضرت قالت لأسماء بنت عُميس: إني قد
استقبحتُ ما يُفْعَلُ بالنساء؛ إنه يُطْرَحُ على المرأة الثوبُ يصفها، فقالت أسماء:
يا بنة رسول الله ألا أريكِ شيئاً رأيتُه في الحبشة؟! فدعت بجرائد رطبةٍ، فَحَنَّتها،
ثم طرحتْ عليها ثوباً، فقالت فاطمةُ: ما أحسنَ هذا وأجمله! تُعرف به المرأةُ من
الرجل، فإذا أنا مثُّ، فاغسليني أنت وعليٍّ، ولا تُدْخِلي أحداً. فلما تُوفِّيتْ جاءت
عائشةُ لتدخل، فقالت أسماء: لا تدخلي. فشكتْ إلى أبي بكر فقالت: إنَّ هذه
الخثعميَّة (١) تحولُ بيننا وبين بنت رسول اللهلَ له، وقد جعلتْ لها مثل هودج
العروس، فجاء أبو بكر فوقف على الباب، فقال: يا أسماءُ! ما حَمَلَكِ على أن
منعتِ أزواجَ النبيِّ ◌َ﴿ يدخلن على بنت رسول الله ﴿ ﴿، وجعلتِ لها مثلَ هودج
العروس؟ فقالت: أمرتني أَلَّا يدخل عليها أحد، وأريتها هذا الذي صنعتُ،
فأمرتني أن أصنعَ ذلك بها. قال أبو بكر - رضي الله عنه -: اصنعي ما أَمَرَتْكِ، ثم
انصرف. وغسّلها عليٍّ، وأشارتْ أن يدفنها ليلاً، وصلَّى عليها العباس، ونزل في
قبرها هو وعليٍّ والفضل، وتوفِّيتْ وهي بنتُ ثلاثين سنة، وقيل: بنت خمس
و ثلاثین.
و (قوله وَل﴾: ((إنَّ فاطمة بَضْعَةٌ مني يَرِيبني ما رابها))) البَضْعةُ - بفتح الباء -:
القطعةُ من اللحم، وتُجمع بِضاع، كقصعة وقِصاع، وهي مأخوذةٌ من البَضْع، وهو
القطع، وقد سمَّاها في الرواية الأخرى: مُضْغة، وهي قَدْرُ ما يمضغُها الماضغ،
ويعني بذلك: أنَّها كالجزء منه يُؤلمه ما آلمها. و ((يَريبني ما رابها)): أي يشقُّ عليَّ
ويُؤْلمني. يقال: رابني فلان: إذا رأيتَ منه ما تكرهُه - ثلاثياً - والاسم منه: الرِّيبة.
-
(١) في (ز): الحبشية.
٣٥٣
(٣٣) كتاب النبوات - (٤٨) باب: فضائل فاطمة بنت النبي ◌َّ
وفي روايةٍ: أن عليَّ بن أبي طالب خطب بنت أبي جهلٍ؛ وعنده
فاطمةُ بنتُ النبيَِِّ فلمَّا سمعتْ بذلك فاطمةُ أتتِ النَّبِيَّ نَّهِ فقالتْ له: إنَّ
قَوْمَكَ يتحدثُون أنَّك لا تَغْضَبُ لبناتِكَ، وهذا عليٌّ ناكحاً ابنةَ أبي جهلٍ!
قال المِسْوَرُ: فقام النَّبِيُّ ◌َِّ.
وفي روايةٍ: يخطب الناس في ذلك على منبره هذا، وأنا يومئذٍ
محتلمٌ فسمعته حين تَشهَّدَ، قال: ((أما بعدُ. فإنِّي أنْكَحتُ أبا العاص بن
الرّبيع، فحذَّثني، فصَدَقني)).
وفي روايةٍ: ((ووعدني، وإنَّ فاطمةَ بنتَ محمدٍ مُضغةٌ مِّي، وإنَّما
أکره أن یفتنوها».
وفي روايةٍ: ((في دينها، وإنِّي لست أحرِّم حلالاً، ولا أحلُّ حراماً.
وهُذيل تقولُ فيه: أرابني - رباعياً - والمشهور: أن أراب: إنما هو بمعنى صار
ذا ريبةٍ، فهو مريب، وارتابَ بمعنى شكَّ، والرَّيب: الشك.
و (قولها: هذا عليٍّ ناكحاً ابنة أبي جهل) كذا الرواية: ناكحاً بالنَّصب على
الحال؛ لأنَّ الكلامَ قبله مُستقلٌّ بنفسه؛ لأنَّ قولها: هذا عليٍّ، كقولك: هذا زيد،
لكن رفعه أحسن لو روي؛ لأنه هو المقصودُ بالإفادة، وعليّ توطئةٌ له.
و (قوله ◌َلّى: ((لا آذن، ثم لا آذن، ثم لا آذن))) تأكيدٌ لمنع الجمع بين مَنْعُهُ وَّ عليّاً
فاطمة، وبين ابنة أبي جهلٍ، لما خاف النبيُّ وَّرَ على فاطمة مِن الفِتنةِ من أجل الجمع بين
فاطمة وبنت
الغَيْرة، ولما توقَّع من مُناكدة هذه الضَّرَّة؛ لأنَّ عداوة الآباء قد تؤثّر في الأبناء.
أبي جھل
و (قوله: ((وإني لستُ أحرِّم حلالاً، ولا أُحِلُّ حراماً)) صريحٌ في أن الحكمَ الحكم
بالتحليل والتحريم من الله تعالى، وإنما الرسول مُبلِّغ، ويُستدلُّ به في منع اجتهاد بالتحليل
النبيِّ وَّرَ في الأحكام، ومِنْ مَنْعِ جواز تفويض الأحكام إلى النبيِّ وٍَّ ولا حُجَّة
فيه؛ لأنَّ اجتهادَ المجتهد لا يُوجِبَ الأحكام، ولا يُنشئها، وإنما هو مُظْهِر لها،
والتحريم من
الله تعالی
٣٥٤
(٣٣) كتاب النبوات - (٤٨) باب: فضائل فاطمة بنت النبي ◌َ#
وإنَّها والله! لا تجتمعُ بنتُ رسولِ الله وبنتُ عدوِّ الله عند رجل واحدٍ أبداً)).
قال: فترك عليٌّ الخِطْبَةَ.
رواه أحمد (٣٢٨/٤)، والبخاريّ (٥٢٣٠)، ومسلم (٢٤٤٩) (٩٣ -
٩٦)، وأبو داود (٢٠٧١)، والترمذيُّ (٣٨٦٧)، وابن ماجه (١٩٩٨).
كما أوضحناه في الأصول. ويُفيد هذا: أن حُكْم الله على عليٍّ، وعلى غيره التَّخيير
في نكاح ما طاب له من النساء إلى الأربع، ولكن النبيَّ وَِّ إنَّما مَنَعَ علياً من ذلك
لِما خاف على ابنته من المفسدة في دِيْنها من ضَرر عداوةٍ تَسْري إليها، فتأذَّى في
نفسها، فيتأذَّى النبيُّ وَلَّه بسببها، وأذى النبي ◌َِّ حرام، فيحرمُ ما يُؤدِّي إليه. ففيه
القولُ بسد الذَّرائع، وإعمال المصالح، وأنَّ حُرْمَةَ النبيِّ ◌َِِّ أعظمُ من حُرمة غيره،
وتظهر فائدةُ ذلك: بأن مَن فَعَل منَّا فعلاً يجوزُ له فعله لا يُمْنَعُ منه، وإن تأذَّى
بذلك الفعل غيره، وليس ذلك حالُنا مع النبيِّ وَّهِ بل يحرمُ علينا مطلقاً فِعْلُ كلٌ
شيءٍ يتأذَّى به النبيُّ وَّ؛ وإن كان في أصله مُباحاً، لكنَّه إن أدَّى إلى أذى النبيِّ وَل
ارتفعتِ الإباحةُ، ولزم التَّحريم. وفيه: ما يدلُّ على جواز غضب الرَّجل لابنته
وولده وحرمه، وعلى الحرص في دفع ما يُؤدِّي لضررهم؛ إذا كان ذلك بوجهٍ
جائز، وفيه ما يدلُّ على جواز خُطبة الإمام الناس وجَمْعهم لأمر يَحْدُثُ.
و (قوله: ((واللَّهِ! لا تجتمع ابنةُ نبيِّ الله وابنة عدوّ الله عند رجلٍ واحدٍ أبداً))
دليلٌ على: أنَّ الأصلَ أنَّ وَلَدَ الحبيبِ حبيب، وولد العدو عدوٌ، إلى أن يتيقن
خلافُ ذلك، وقد استنبط بعضُ الفقهاء مِن هذا مَنْعَ نكاح الأَمَة على الحرّة، ولیس
بصحيح؛ لأنه يلزمُ منه مَنْعُ نكاح الحُرَّة الكتابية على المسلمة، ومنع نكاح ابنة
المرتدّ على مَن ليس أبوها كذلك، ولا قائلَ به فيما أعلم. فدلَّ ذلك على أنَّ ذلك
الحُكْمَ مخصوصٌ بابنة أبي جهل وفاطمة - رضي الله عنها -.
و (قوله: فترك عليّ الخِطبة) يعني: لابنة أبي جهلٍ وغيرها، ولم يتزوَّج
عليها، ولا تسرَّى حتى ماتت - رضي الله عنها -.
القول بسدّ
الذرائع
وإعمال
المصالح
٣٥٥
(٣٣) كتاب النبوات - (٤٨) باب: فضائل فاطمة بنت النبي ◌َ﴾
[٢٣٥٩] وعن عائشة، قالت: كنَّ أزواجُ النبيِّ ◌َ طّر عنده، لم يُغادِرْ
منهنَّ واحدةٌ، فأقْبَلتْ فاطمةُ تَمْشي - ما تُخطىءُ مِشيَتُها مشيةَ رسول الله وَه
و (قوله وَ ل﴿ل: ((إنَّ أبا العاص بن الربيع حدَّثني فَصَدَقني، ووعدني فوفى من هو أبو
لي(١)))) أبو العاص هذا: هو زوجُ ابنة رسول اللهِوَ ﴿ ﴿ زينب - رضي الله عنها - العاص؟
واسمه: لقيط - على الأكثر -. وقيل: هشيم (٢) بن الربيع بن عبد العُزَّى بن عبد
شمس بن عبد مناف، وأمُّه هالة بنت خويلد أخت خديجة لأبيها، وكان النبيُّ ◌َّـ
قد أنكحه زينب، وهي أكبرُ بناته وذلك بمكة فأحسن عُشْرتها، وكان مُحِبّاً لها،
وأرادتْ منه قريش أن يطلِّقها فأبى، فشكر له النبيُّ ◌َ﴿ ذلك، ثم إنَّه حَضَر مع
المشركين ببدرٍ فأُسِر، وحُمِل إلى المدينة، فبعثتْ فيه زينبُ قلادتها، فَرُدَّت عليها،
وأُطلق لها، وكان وَعَدَ النبيَّ ◌َ # أن يرسلها إليه ففعل، وهاجرتْ زينب، وبقي هو
بمكّة على شِرْكِهِ إلى أن خرج في عِيْرٍ لقريش تاجراً، وذلك قُبيل الفتح بيسير،
فعرض لتلك العير زيد بن حارثة في سرية من المسلمين من أصحاب رسول الله الفيوم
فأخذها، وأفلت أبو العاص هارباً إلى أن جاء إلى المدينة، فاستجار بزينب
فأجارته، وكلَّم النبيُّ وَّهِ الناسَ في ردِّ جميع ما أُخِذ من تلك السَّرية، ففعلوا،
وقال: إنه يرُ أموالَ قريش، ويسلم، ففعل ذلك، فلذلك شكره النبيُّ وَّه وقال:
((حذَّثني فصدقني، ووعدني فوفى لي)).
و (قول عائشة: كُنَّ أزواجُ النبيِّ وَ ﴿ِ عنده لم يغادر منهن واحدةٌ) أي: لم
يترك، ولم يغفلْ عن واحدة منهن، وهذا كان لما اشتدَّ مرضُه، ومُرِّض في بيت
عائشة. والسُّرار: السُّ. يقال: سارره يسارره سرّاً، وسراراً، ومُسارّة. ويكاءُ
فاطمة في أول مرَّة كان حزناً على النبيِّ وَ﴿ لما أعلمها بقرب أَجَله، وضحكُها ثانية
(١) قوله: فوفى لي، رواية لمسلم برقم (٢٤٤٩) (٩٥).
(٢) في (ز): مهيم. وفي (م ٤): مهشم. وذكر ابن الأثير في أسد الغابة الاسمين: هشيم
ومهشم.
٣٥٦
(٣٣) كتاب النبوات - (٤٨) باب: فضائل فاطمة بنت النبي ◌َ﴾
شيئاً - فلمَّا رآها رَخَب بها، فقال: ((مرحباً بابنتي!)) ثُمَّ أجلَسَها عن يمينه
- أو عن شماله - ثم سارَّها، فبكت بكاءً شديداً، فلمّا رأى جَزَعَها سارّها
الثانية فضَحِكتْ. فقلتُ لَهَا: خَصَّكِ رسولُ اللهِ وَّهِ مِنْ بينِ نِسَائِهِ بِالسِّرارِ،
ثُمَّ أنتِ تَبْكِينَ! فلمَّا قام رسولُ الله ◌ِوَهِ سَأَلتُها: ما قال لكِ رسولُ الله وَلّ؟
قالتْ: ما كنتُ أُفْشِي على رسولِ الله وَّهِ سِرَّهُ. قالت: فلمَّا تُوقِّيَ
رسول الله وَلّ قُلتُ: عزَمتُ عليكِ بما لي عليك من الحقِّ لَمَا حدَّثْتَنِي ما
قال لكِ رسولُ الله وَّ! فقالت: أمّا الآن فَنَعَمْ! أمَّا حين سارَّني في المرة
الأولى؛ فأخبرني: أنَّ جبريل كان يُعارضُهُ القرآنَ في كل سنةٍ مرَّةً، وإنَّه
عارضه الآن مرتين: ((وإنِّي لا أُرَى الأجَلَ إلَّا قدِ اقترب، فاتقي الله
واصْبِرِي، فإنَّه نِعم السلفُ أنا لك!)). قالتْ: فبَكَيْتُ بُكائي الذي رأيتٍ،
فلمّا رأى جَزَعي سارَّني الثانية، فقال: ((يا فاطمة! أما تَرْضَيْ أن تكوني
سيّدَة نساء المؤمنين - أو سيدةَ نساء هذه الأمةِ -؟)) قالت: فضَحِكتُ
ضَحِكي الذي رأیتٍ.
وزاد في روايةٍ: ((وإنَّكِ أولُ أهلِ بيتي لُحُوقاً بي)).
رواه أحمد (٨٢/٦)، والبخاريُّ (٦٢٨٥ - ٦٢٨٦)، ومسلم
(٢٤٥٠) (٩٨ - ٩٩).
فرحاً بما بشّرها به من السلامة من هذه الدار، ولقُرْب الاجتماع به، وبالفوز بما لها
عند الله من الكرامة، وكفى بذلك: أن قال لها: إنها سيدة نساء أهل الجنة، وقد
تقدَّم الكلامُ على هذا في باب: خديجة. وكونه ® كان جبريل يعارضُه كل
استحباب
عرض القرآن سنة مرَّةً؛ يدلُّ على استحباب عرض القرآن على الشيوخ ولو مرَّة في السَّنَّة، ولما
على العلماء عارضه جبريلُ القرآنَ في آخر سنةٍ مرتين استدلَّ النبيُّ وَهِ بذلك على قُرْب أَجَله من
٣٥٧
(٣٣) كتاب النبوات - (٤٩) باب: فضائل أم سلمة وزينب زوجي النبي القد
(٤٩) باب
فضائل أمِّ سلمة وزينب زوجي النَِّي وَه
[٢٣٦٠] عن أبي عثمانَ، عن سلمانَ، قال: لا تكُونَنَّ - إن
حيثُ مخالفةُ العادة المتقدِّمة، والله تعالى أعلم. وكان النبيُّ وَّر كثر عليه الوحيُّ
في السنة التي توفي فيها حتى كمَّل اللَّهُ من أمره ووحيه ما شاء أن يكمله.
(٤٩) ومن باب: فضائل أم سلمة - رضي الله عنها - زوج النبي ◌َّ-
واسمها هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، واسم اسمها ونسبها
أبيها: حذيفة، يُعرف بزاد الراكب، وكان أحدَ أجواد العرب المشهورين بالكرم،
وكانت قبل النبيِّ ◌َ ﴿ تحت أبي سلمة بن عبد الأسد، وأسلمت هي وزوجها، وكان
أوَّلَ من هاجر إلى أرض الحبشة، ويُقال: إن أم سلمة أول ظعينة قدمت المدينة
مُهاجرةً. قال أبو عمر: تزوَّج بها رسولُ الله ◌َله بعد سنتين من الهجرة، بعد وقعة زواجه { #1 من
بدرٍ، وعقدَ عليها في شوال، وابتنى بها في شوال. قال أبو محمد - عبد الله بن أم سلمة
علي الرَّشاطي -: [هذا وهم شنيع](١)، وذلك: أن زوجَها أبا سلمة شهدَ أُحداً،
وكانت أُحدٌ في شوال سنة ثلاثٍ، فجرح فيها جُرْحاً اندملَ، ثم انتقض به فتوفي منه
لثلاثٍ خلونَ من جمادى الآخرة سنة أربع، وانقضت عِدَّة أم سلمة منه في شوال
سنة أربع، وبنى بها عند انقضائها. قال: وقد ذكرَ أبو عمر هذا في صدر الكتاب،
وجاء به على الصَّواب. وتوفيت أم سلمة في أول خلافة يزيد بن معاوية سنة وفاتها
ستين. وقيل: توفيت في شهر رمضان، أو شوال سنة تسع وخمسين، وصلَّى عليها
أبو هريرة، وقيل: سعید بن زيد، ودُفنت بالبقيع.
نسب زینب
وأما زینب فهي ابنة جحش بن رئاب بن یعمر بن صرة بن مرة بن کبیر بن بنت جحش
(١) ما بين حاصرتين سقط من (ز).
٣٥٨
(٣٣) كتاب النبوات - (٤٩) باب: فضائل أم سلمة وزينب زوجي النبي الا
استطعت - أوّل من يدخُلُ السوقَ، ولا آخِرَ من يخرُجُ منها؛ فإنَّها معركةُ
أزواجه ﴾
غنم بن دُودان بن أسد بن خزيمة، وهي التي كانت تُسامي عائشة في المنزلة عند
رسول الله ﴿ وقد أثنت عليها عائشة بأوصافها الحسنة المذكورة في باب
فخرها على عائشة(١)، وكانت تفخر على أزواج النبيِّ وَ ل﴿ فتقول لهنَّ: أنكحكنَّ أولياؤكنَّ، وإن
الله أنكحني بنبيُّه ◌َ ل من فوق سبع سموات، تعني بذلك قوله تعالى: ﴿زَوَّحْتَكَهَا﴾
وفاتها
[الأحزاب: ٣٧] توفيت سنة عشرين في خلافة عمر - رضي الله عنه -، وفي هذا
العام استفتحت مصر. وقيل: توفيت سنة إحدى وعشرين، وفيها فُتحت
الإسكندرية، وكانت زينب هذه أوَّلَ أزواجه اللَّتي توفي عنهن لحاقاً به، وكان
زینب بنت
للنبيِّ ◌َ﴿ زوجة أخرى تُسمَّى زينب بنت خزيمة الهلالية، وتُدعى أُمَّ المساكين
خزيمة زوجة لحنوِّها عليهم، وهي من بني عامر، تزوجها النبيُّ وَّل سنة ثلاث، ولم تلبث عنده
رسول الله
إلا يسيراً شهرين أو ثلاثة، وتوفيت في حياة النبيِّ ◌َ ﴿ وكانت قبلَه تحت عبد الله بن
جحش، قُتل عنها يوم أحد.
و (قول سلمان: لا تكونن إن استطعت أول من تدخل السوق،
السوق معركة ولا آخر من يخرج منها، فإنها معركة الشيطان). كذا روى مسلم هذا
الشيطان
الحديث موقوفاً على سلمان من قوله. وقد رواه أبو بكر البزار مرفوعاً للنبيِّ وَّ من
طريق صحيح، وهو الذي يليق بمَساق الخبر؛ لأن معناه ليس مما يُدركُ بالرأي
والقياس، وإنما يُدرك بالوحي، وأخرجه الإمام أبو بكر البرقاني في كتابه مسنداً عن
أبي محمد عبد الغني بن سعيد الحافظ من رواية عاصم بن أبي عثمان النَّهدي عن
سلمان. قال: قال رسول الله ◌َ﴿: ((لا تكنْ أوَّلَ مَنْ يدخلُ السُّوقَ، ولا آخرَ من
يخرجُ منها؛ فإنها معركة الشيطان، فيها باضَ الشيطان وفرَّخ))(٢). والمعركة:
موضع القتال، سمِّي بذلك لتعارك الأبطال فيه، ومصارعة بعضهم بعضاً، فشبَّه
(١) انظر الحديث في التلخيص (٢٤٥٦).
(٢) ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٧٧) وقال: رواه الطبراني في الكبير.
٣٥٩
(٣٣) كتاب النبوات - (٤٩) باب: فضائل أم سلمة وزينب زوجي النبي ◌َ ◌ّ-
الشيطان، وبها يَنْصِبُ رايته. قال: وأُنبئتُ أنَّ جبريل - عليه السلامُ - أتى
نبيَّ الله ◌َّهِ وعنده أمُّ سلَمَة. قال: فَجَعَل يتحدثُ، ثم قام، فقال
نبيُّ الله وَّرِ لأمّ سلمة: ((من هذا؟)) أو كما قال. قالت: هذا دِحْيَةُ. قال:
فقالتْ أم سلمة: ايمُ الله! ما حَسِبتُهُ إلا إِيَاهُ؛ حتى سمعتُ خطبة النَّبِيِّ وَّلـ
يخبرُ خبرنا. أو كما قال. قال: فقلتُ لأبي عثمان: مِمَّنْ سمِعتَ هذا؟
قال: مِن أسامة بن زيدٍ.
رواه مسلم (٢٤٥١).
السوقَ، وفعل الشيطان بأهلها ونيله منهم بما يحملهم عليه من المكر، والخديعة،
والتساهل في البيوع الفاسدة والكذب، والأيمان الكاذبة، واختلاط الأصوات،
وغير ذلك بمعركة الحرب، ويمن يُصرع فيها.
و (قوله: وبها ينصب رايته) إعلام بإقامته في الأسواق، وجمع أعوانه إليه
فيها .
ويُفيد هذا الحديث: أن الأسواق إذا كانت موطنَ الشياطين ومواضعَ لهلاك
الناس، فينبغي للإنسان ألا يدخلها إلا بحكم الضرورة، ولذلك قال: لا تكوننَّ إن
استطعت أول من يدخل السوق، ولا آخر من يخرج منها؛ ولأن من کان أول داخلٍ
فيها أو آخر خارج منها كان ممن استحوذَ عليه الشيطان، وصرفه عن أمور دينه،
وجعل همَّه السوقَ، وما يُعمل فيها فأهلكَه. فحقُّ من ابتلاه الله بالسوق أن يخطرَ
بياله: أنه قد دخل محلَّ الشيطان، ومحلَّ جنوده، وأنه إن أقام هنالك هلكَ، ومن
كانت هذه حاله اقتصرَ منه على قدر ضرورته، وتحرَّز من سُوءٍ عاقبته، وبليَّتِه. وقد
تقدَّم القول في تمثل الملائكة والجنِّ في الصور المختلفة، وأن لهم في أنفسهم
صوراً خلقهم الله تعالى عليها، وأن الإيمان بذلك كله واجبٌ لما دلَّ عليه من التعريف بدحية
السمع الصادق، وكان دحيةُ بن خليفة رجلاً حسنَ الصورة، فلذلك تمثّل بصورته الكلبي
جبريلُ - عليه السلام - وهو دحية بن خليفة بن فروةَ الكلبيُّ، وكان من كبار
٣٦٠
(٣٣) كتاب النبوات - (٤٩) باب: فضائل أم سلمة وزينب زوجي النبي ◌َ ﴾
[٢٣٦١] وعن عائشةَ أُمِّ المؤمنين، قالت: قال رسولُ الله ◌َّلت:
((أسرعُكُنَّ لَحَاقاً بي، أطْوَلُكُنَّ يداً)). قالت: فَكُن يتطاولن أَكْتُهُنَّ أطولُ يداً.
قالت: فكانت أطولَنا يداً زَئِنَبُ؛ لأنها كانت تعمل بيديها وتصدَّقُ.
رواه أحمد (١٢١/٦)، والبخاريُّ (١٤٢٠)، ومسلم (٢٤٥٢)،
والنسائيُّ (٦٦/٥).
الصحابة، لم يشهد بدراً، شهد أحداً وما بعدها، وبقي إلى خلافة معاوية، وأرسلَه
رسول الله وَ﴿ إلى قيصرَ في سنة ستُّ من الهجرة فآمنَ قيصرُ، وأبت بطارقتُه أن
تؤمنَ، فأخبرَ دحيةُ بذلك النبيَّ وَ فقال: ((ثَبَتَ ملكُه)) (١).
زینب بنت
و(قوله ◌َل﴾: ((أسرعُكُنَّ لحاقاً بي أطولُكُنَّ يداً))) هذا خطاب منه لزوجاته
جحش أكثر خاصّة، ألا ترى أنه قال لفاطمة - رضي الله عنها -: ((أنت أوَّلُ أهل بيتي لحوقاً
أزواجه ◌ِلِ
صدقةٌ
بي))(٢)، وكانت زينب أوَّلَ أزواجه وفاةً بعده، وفاطمةُ أوَّلَ أهل بيته وفاةً، ولم يُرد
باللَّحاق به الموت فقط، بل: الموت والكون معه في الجنة والكرامة. و (تطاول
أزواجِه بأيديهنَّ) مقايسة أيديهن بعضهنَّ ببعض؛ لأنهنَّ حملن الطول على أصله
وحقيقته، ولم يكن مقصود النبيِّ وَّر ذلك، وإنما كانَ مقصوده: طول اليد بإعطاء
الصدقات، وفعل المعروف، وبيَّن ذلك أنه: لما كانت زينبُ أكثر أزواجه فعلاً
للمعروف والصَّدقات كانت أوَّلهنَّ موتاً، فظهرَ صدقُه، وصحَّ قوله وَّهِ.
(١) رواه البيهقي في الدلائل (٣٢٥/٦).
(٢) انظر الحديث في التلخيص (٢٤٦٥).