Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
(٣٣) كتاب النبوات - (٢٠) باب: في خاتم النبوة
(٢٠) باب
في خاتم النُّوَّةِ
[٢٢٥٧] عن السائب بن يزيدَ، قال: ذَهَبَتْ بي خالتي إلى
رسولِ الله وَّهِ فقالت: يا رسول الله! إنَّ ابنَ أختي وَجِعٌ! فَمَسَحَ رأسي،
ودعا لي بالبركة، ثم توضَّأ فشربتُ من وَضُوئِه، ثم قُمتُ خلفَ ظهرِه،
فنظرتُ إلى خاتَمِهِ بين كَتِفِيه مِثلُ زرِّ الْحَجَلَةِ.
رواه البخاريُّ (٣٥٤١)، ومسلم (٢٣٤٥)، والترمذيُّ (٣٦٤٣).
[٢٢٥٨] وعن عبد الله بن سَرْجسٍ، قال: رأيتُ النَّبيَّ وَّهِ وأكلتُ
معه خُبْزاً ولَخماً - أو قال: ثريداً - قال: فقلت له: أسْتَغْفَرَ لَكَ النبيُّ ◌َّهَ؟
قال: نعم، ولك، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَأَسْتَغْفِرْ لِذَنْكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ
وَالْمُؤْمِنَتِ﴾ [محمد: ١٩].
قال: ثم دُرتُ خلفَهُ فنظرتُ إلى خاتم النُّبوةِ بين كَتِفَيْهِ عند ناغِضِ
كَتِفِهِ الْيُسْرى جُمْعاً، عليه خيلانٌ، كأمثال الثَّآليلِ.
رواه أحمد (٨٢/٥)، ومسلم (٢٣٤٦)، والترمذيُّ في الشمائل
(٢٢).
كذا وقع لبعض الرواة. معناه: كم مُدَّة كونِه وإقامتِه بها؟ أي: بعد المبعث، وقد
روي: لبثَ، بمعناه.
و (قوله: فإن ابن عباس يقول: بضع عشرة)(١) قد تقدَّم أن الأشهر في
(١) هذه الفقرة والتي تليها لم ترد في التلخيص، وإنما شرح المؤلف - رحمه الله - من
خلالها ما ورد في حديث الأم رقم (٢٣٥٠) (١١٦).

١٤٢
(٣٣) كتاب النبوات - (٢١) باب: كم كان سن رسول الله ◌َّه يوم قُبِض؟
(٢١) باب
كم كانَ سِنُّ رسولِ الله ◌ِّهِ يومِ قُبض؟
وكم أقام بمكة؟
[٢٢٥٩] عن أنس بنِ مالكِ، قال: قُبِضَ رسولُ اللهِوَلِّ وهو ابنُ
ثلاثٍ وستين، وأبو بكر وهو ابن ثلاثٍ وستين، وعمرُ وهو ابن ثلاث
وستين.
رواه مسلم (٢٣٤٨).
[٢٢٦٠] عن ابن عباسٍ، قال: أقامَ رسولُ الله ◌ِوَلَه بمكة ثلاثَ عَشْرَةَ
سنةً يوحى إليه، وبالمدينة عَشْراً، ومات وهو ابن ثلاثٍ وستين سنةً.
رواه أحمد (٢٤٩/١)، والبخاريُّ (٣٨٥١)، ومسلم (٢٣٥١)
(١١٨)، والترمذيُّ (٣٦٥١) و (٣٦٥٢).
[٢٢٦١] وعنه، أنَّ رسول الله وَّ﴿ توفي وهو ابن خمسٍ وستين.
البضع أنه من الثلاث إلى التسع، فيصلح البضعُ هنا لقول ابن عباس الثلاث عشرة
والخمس عشرة، فأنكر عروةُ ذلك.
و (قوله: فغَفَّرَ) من المغفرة، وهي رواية الجلودي، أي: قال غفر الله له.
وفي رواية ابن ماهان: فصغَّره من الصغر، أي: أشار إلى أن ابن عباس كان صغيراً
في ذلك الوقت، فلم يضبطه لصغره، وقيل: إنه ولد في الشعب قبل الهجرة بثلاث
سنين، وهذا هو المناسب لقول عروة.
و (قوله: إنما أخذه من قول الشاعر) يعني به: قول أبي قيس بن صَرْمَة:
تَوَى فِي قُريشٍ بِضْعَ عَشْرَةَ حِجَّةً يُذَكِّرُ لَوْ يَلْقَى صَدِيقاً مُوَاتِيَا

١٤٣
(٣٣) كتاب النبوات - (٢١) باب: كم كان سن رسول الله # يوم قُبِض؟
وفي روايةٍ: أربعين بُعِثَ لها: خَمْسَ عَشْرَة بمكة. يأمن ويخاف.
وعَشْراً مُهَاجَرُه إلى المدينة.
وفي أخرى: أَقَامَ رسولُ الله ◌َّه بمكةَ خَمْسَ عَشْرةَ سنةً: يَسْمَعُ
الصَّوْتَ، ويرى الضوء سَبْعَ سنين ولا يرى شيئاً، وثمانَ سِنین يُوحَى إليه،
وَأَقَامَ بالمدينةِ عشراً.
رواه أحمد (٢١٥/١)، ومسلم (٢٣٥٣) (١٢١ و١٢٢ و١٢٣).
و (قول ابن عباس - رضي الله عنهما -: خمس عشرة سنة، يأمنُ، ويخاف)
يعني: أنه كان في تلك الحال غير مستقلِّ لإظهار أمره، فكان إذا أخفى أمره
تركوه، فأمن على نفسه، وإذا أعلن أمره وأفشاه، بأن يدعوهم إلى الله، ويفتح
عليهم، تكالبوا عليه، وهمُّوا بقتله، فيخاف على نفسه إلى أن أخبره الله تعالى
بعصمته منهم، فلم یکن یبالي بهم كما قدمناه.
و (قوله: يسمع الصوت، ويرى الضوء سبع سنين) أي: أصوات الملائكة سلام
والجمادات والحجارة، فيسلمون عليه بالرسالة، كما خرّجه الترمذي عن عليٍّ بن
أبي طالب - رضي الله عنه - قال: كنتُ مع النبي ◌َّ بمكة، فخرجنا في بعض
نواحيها، فما استقبله جبلٌ، ولا شجرٌ، إلا وهو يقول: السلام عليك يا رسول الله.
قال: هذا حديث حسن غريب(١). ويعني بالضوء: نور الملائكة، ويحتملُ أن
يكون أنواراً تنوّر بين يديه في أوقات الظلمة، يحجب عنها غيره. ولذلك نقل: أنه
كان يُبصر بالليل كما يبصر بالنهار، ويعني: أن هذه الحالة ثبتتْ عليه سبع سنين،
ثم بعد ذلك أوحى الله إليه. أي: جاءه الوحي، وشافهه بالخطاب ثماني سنين،
وعلى هذا: فكمل له بمكة خمس عشرة سنة.
الجمادات
عليه ول# بمكة
(١) رواه الترمذي (٣٦٢٦).

١٤٤
(٣٣) كتاب النبوات - (٢١) باب: كم كان سن رسول الله ﴾ يوم قُبِضٍ؟
[٢٢٦٢] وعن جريرٍ: أنَّه سمع معاوية يخطبُ، فقال: مات
رسول الله وَلّ وهو ابنُ ثلاثٍ وستين، وأبو بكرٍ وعمرُ، وأنا ابن ثلاث
وستين .
رواه أحمد (٩٦/٤ و٩٧)، ومسلم (٢٣٥٢) (١٢٠)، والترمذيّ
(٣٨٥٤).
و (قول معاوية: مات رسولُ اللهِوَ ﴿ وهو ابنُ ثلاث وستين سنة، وأبو بكر
وعمر - رضي الله عنهما -) معطوفان على رسول الله وض له، ويحتمل أن يُرفعا
بالابتداء، وخبرهما محذوف، أي: وهما كذلك.
و (قوله: وابن ثلاث وستين) الواو للحال، فيحتمل أن يريدَ أنه كان وقت
توفي رسولُ الله ◌َ ﴿ ابن ثلاث وستين، ويحتمل أن يكون كذلك وقت حدَّث بهذا
الحديث، والحاصل: أنه وصل إلى ثلاث وستين سنة، وقد قيل في هذا: إن
معاوية استشعر أنه يوافقهم في السنِّ فيموت وهو ابن ثلاث وستين سنة، وليس
بصحيح عند أحدٍ من علماء التاريخ؛ فإن أقلَّ ما قيل في عمره يوم توفي: أنه كان
ثمانياً وسبعين سنة، وأكثر ما قيل فيه: ست وثمانون، وقيل: اثنان وثمانون سنة،
[وكانت وفاته بدمشق، وبها دُفِن سنة ستين في النصف من رجبها. قال ابن إسحاق:
كان معاوية أميراً عشرين سنة](١)، وكان خليفةً عشرين سنةً، وقال غيره: كانت
خلافته تسع عشرة سنةً وستة أشهرٍ وثمانية وعشرين يوماً.
(١) ما بين حاصرتين سقط من (ع).

١٤٥
(٣٣) كتاب النبوات - (٢٢) باب: عدد أسماء النبي ◌َّ
(٢٢) باب
عدد أسماء النَّيِّ أَلآ
[٢٢٦٣] عن جُبَيرٍ بن مُطْعم، عن أبيه: أنَّ النبي ◌َّ قال: ((أنا
محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يُمحى بي الكُفر، وأنا الحاشِرُ الذي
يُحشر الناسُ على عَقبي، وأنا العاقب)).
(٢٢) ومن باب: عدد أسماء رسول الله وَل
(قوله : (أنا محمد، وأنا أحمد))) كلاهما مأخوذٌ من الحمد، وقد تكلّمنا
على الحمد في أول الكتاب. فمحمَّد: مفعَل من حمَّدت الرجل مشدداً: إذا نسبت
الحمد إليه، كما يقال: شجَّعت الرجل، وبخلته: إذا نسبت ذلك إليه، فهو بمعنی
المحمود. والنبيُّ ◌َّ أحقُّ الخلق بهذا الاسم؛ فإن الله تعالى قد حمده بما لم
يحمد به أحداً من الخلق، وأعطاه من المحامد ما لم يعط مثله أحداً من الخلق،
ويُلْهِمُه يوم القيامة من محامده ما لم يلهمه أحداً من الخلق، وقد حمده أهلُ
السموات والأرض والدنيا والآخرة، حمداً لم يحمد به أحداً من الخلق، فهو أحمدُ
المحمودین، وأحمدُ الحامدین.
و (قوله: ((وأنا الماحي الذي يُمحى بي الكفر))) أي: من الأرض التي زويت من أسمائه
له، وأُرِي أن مُلْكَ أمته سيبلغه، أو يعني بذلك: أنه محي به معظم الكفر وغالبه #الماحي
بظهور دينه على كل الأديان بالحجج الواضحة، والغلبة العامة الفادحة، كما قد
صرَّح به الحقُّ بقوله: ﴿لُِظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣].
و (قوله: ((وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على عقبي)) (١)) الحاشر: اسم من أسمائه وَالو
الحاشر
(١) في كل أصول المفهم: (قدمي) وما أثبتناه من إكمال إكمال المعلم للأبي، ومن
التلخيص، وصحيح مسلم.

١٤٦
(٣٣) كتاب النبوات - (٢٢) باب: عدد أسماء النبي تَلو
والعاقب: الذي ليس بعده نبي.
وفي رواية: ((الذي يحشر الناس على قدميّ)) وقد سمَّاه الله رؤُوفاً
رحيماً.
رواه أحمد (٨٠/٤)، والبخاري (٣٥٣٢)، ومسلم (٢٣٥٤) (١٢٤
و ١٢٥)، والترمذيُّ (٢٨٤٠).
فاعل من حشر، أي: جمع. فيعني به: أنه الذي يُحشر الخلقُ يوم القيامة على
أثره، أي: ليس بينه وبين القيامة نبيٌّ آخر؛ ولا أمَّةٌ أخرى، وهذا كما قال: ((بُعثت
أنا والساعة كهاتين)) وقرن بين أصبعيه: السبابة والوسطى (١).
و (قوله في الرواية الأخرى: ((على قدمي))) قيل فيه: على سابقتي، كما قال
تعالى: ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَيْهِمْ﴾ [يونس: ٣] أي: سابقة خير وإكرام. وقيل:
على سُنَّتي. وقيل: بَعْدي. أي: يتبعوني إلى يوم القيامة. وهذا أشبهها؛ لأنه يكون
معناه معنى عقبي؛ لأنه وقع موقعه في تلك الرواية، ووجه توسُّعه فيه: كأنه قال:
يحشر الناسُ على أثر قدمي، أي: بعدي. والله أعلم.
من أسمائه
و (قوله ◌َّر: ((وأنا العاقب))، وفي الرواية الأخرى: ((المقفّي))) ومعناهما
وَ العاقب واحد، وهو أنه وَل﴿ آخرُ الأنبياء، وخاتمهم، وأكرم أعقابهم، وأفضل مَن قبلهم.
وقفّاهم، أي: كان بعدهم، واتبع آثارهم. قال ابنُ الأنباري: المقفّي: المتّبع
للنبيين قبله، يقال: قفوته، أقفوه، وقفيته: إذا تبعته، ومثله: قفته، أقوفه، ومنه
قوله تعالى: ﴿ثُمَّقَفَِّنَا عَلَىْ ءَ اثَرِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى أَبْنِ مَرْيَمَ﴾ [الحديد: ٥٧]،
﴿ وَلَا نَّقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِ، عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]، وقافية كل شيءٍ: آخره.
(١) رواه البخاري (٦٥٠٥)، وابن ماجه (٤٠٤٠) من حديث أبي هريرة.

١٤٧
(٣٣) كتاب النبوات - (٢٢) باب: عدد أسماء النبي ◌َله
[٢٢٦٤] عن أبي موسى الأشعري، قال: كان رسول الله وَّه يُسمِّي
لنا نفسهُ أسماءً. فقال: ((أنا محمد، وأحمدُ، والمُقفِّي، والحاشر، ونبي
الثَوبة، ونبي الرحمة)».
رواه أحمد (٣٩٥/٤)، ومسلم (٢٣٥٥) (١٢٦).
#
و (قوله: ((ونبيُّ التوبة))) أي: الذي تکثر التوبةُ في أمته، وتعمُّ حتى لا يوجد محمد چ# نبيّ
فيما ملكته أمته إلا تائب من الكفر، فيقرب معناه على هذا من (الماحي)؛ إلا أن التوبة
ذلك يشهدُ بمحو ما ظهر من الكفر، وهذا يشهدُ بصحَّة ما يخفى من توبة أمته منه،
ويحتمل أن يكون معناه: أن أمته لما كانت أكثرَ الأمم كانت توبتُهم أكثرَ من توبة
غيرهم، ويحتمل أن تكون توبةُ أمته أبلغ حتى يكون التائبُ منهم كمن لم يذنب،
ولا يُؤاخذ لا في الدنيا، ولا في الآخرة، ويكون غيرُهم يُؤاخذ في الدنيا؛ وإن لم
يؤاخذ في الآخرة، والله أعلم. والذي أحوجَ إلى هذه الأوجه: اختصاصُ نبينا ◌ِه
بهذا الاسم مع أن كلَّ نبيِّ جاء بتوبة أمته، فيصدق أنه نبيُّ التوبة، فلا بُدَّ من إبداء
مزيَّةٍ لنبينا يختصُّ بها كما بيَّنَّا.
و (قوله: ((ونبيُّ الرحمة))، وفي أخرى: ((المرحمة))، وفي أخرى:
((الملحمة))) فأما الرحمة، والمرحمة فكلاهما بمعنىّ واحد، وقد تقدَّم أن الرحمةَ
إفاضةُ النعم على المحتاجين، والشفقة عليهم، واللطف بهم، وقد أعطى الله
نبينا وَ﴿﴿ وأمته منها ما لم يُغْطِه أحداً من العالمين، ويكفي من ذلك قوله تعالى:
﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَكَ إِلَّ رَحْمَةً لِلْعَلَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] فهو أعظمُ كل رحمة، وأمته
القابلة لما جاء به قد حصلت على أعظم حظّ من هذه الرحمة، وشفاعتُه يوم القيامة
لأهل الموقف أعمُّ كلِّ رحمة، ولأهل الكبائر أجلُّ كلِّ نعمة، وخاتمة ذلك شفاعته
في ترفيع منازل أهل الجنّة. وأما رواية مَن روى: نبيُّ الملحمة: فهذا صحيحٌ في
نعته، ومعلومٌ في الكتب القديمة مِن وصفه، فإنه قد جاء فيها: أنه نبيُّ الملاحم،
محمد 13 نبيّ
الرحمة والملحمة

١٤٨
(٣٣) كتاب النبوات - (٢٢) باب: عدد أسماء النبي الرّ
وأنه يجيء بالسيف والانتقام ممن خالفه من جميع الأنام، فمنها ما جاء في صحف
حبقوق(١)، قال: جاء الله من التين، وتقدس من فاران، وامتلأت الأرض من
تحميد أحمد وتقديسه، وملأ الأرض من هيبته. وفيها أيضاً: تضيء الأرض
بنورك، وستنزع في قوسك إغراقاً، وترتوي السهام بأمرك يا محمد ارتواءً. ويعني
بالتين الجبال التي تنبته، وهي جبال بيت المقدس، ومجيء الله تعالى منها عبارة
عن إظهار كلامه الذي هو الإنجيلُ على لسان عيسى عليه السلام. وفاران: مكة،
كما قال تعالى في التوراة: إن الله أنزل هاجر وابنها إسماعيل فاران، يعني: مكة بلا
خلافٍ بينهم. وفي التوراة قال: قد جاء الله من سيناء، وأشرق من ساعير،
واستعلى من فاران. فمجيئه تعالى من سيناء: كناية عن ظهور موسى عليه السلام
بها. وإشراقه من ساعير: وهي جبال الروم من أدوم: كناية عن ظهور عيسى
عليه السلام. واستعلاؤه من فاران: كناية عن القهر الذي يقهر به نبيّنا وَلَ﴾ الكفرَ كلَّه
بالقتل والقتال. وقال في التوراة: يا موسى! إنِّي أقيم لبني إسرائيل [من إخوتهم
نبياً مثلك، أجعل كلامي على فيه، فمن عصاه انتقمتُ منه، وإخوة بني إسرائيل](٢)
العرب؛ فإنهم ولد إسماعيل عليه السلام، وهم المعنيون هنا. وقوله: أجعل
كلامي على فيه. يعني به: القرآن، والانتقام ممن عصاه: هو القتلُ والقتال الذي
جاء به، ومثل هذا كثير. وقد ذكرنا منه مواضع كثيرة جاءت في كتب أنبياء
بني إسرائيل في كتاب (الأعلام)(٣).
(١) من أنبياء اليهود قبل الجلاء، تنبّأ في أواخر القرن السابع في مملكة يهوذا، فأنّب
الشعب، وأنذره بمجيء الكلدانيين قصاصاً لهم. ونبوة حبقوق من أسفار العهد
القديم. (المنجد).
(٢) ما بين حاصرتين سقط من (م ٢).
(٣) انظر كتاب: ((حجة الله على العالمين)) (٨٦/١) وما بعدها.

١٤٩
(٣٣) كتاب النبوات - (٢٢) باب: عدد أسماء النبي ◌َّ
وقد قال النبيُّ نَّه: ((يا معشر قريش! لقد جئتُكم بالذبح))(١). وقال: ((أمرتُ
أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي، وبما محئت به))(٢)، فهو
نبي الملحمة التي بسببها عمَّت الرحمة وثبتت المرحمة. وقد تتبّع القاضي
أبو الفضل ما جاء في كتاب الله تعالى، وفي سُنَّة رسوله وَله، ومما نقل في الكتب
القديمة. وإطلاق الأمَّة أسماءً كثيرةً، وصفاتٍ عديدة للنبيِّ وَّ صدقت عليه
مسمّياتها، ووجدت فيه معانيها، وعُرِف في كتاب (الشفا في التعريف بحقوق
المصطفى). وقد ذكر القاضي أبو بكر بن العربي في كتاب (الأحكام) من أسماء
النبيِّ وَّله سبعة وستين اسماً، من أرادها وجدها هنالك(٣).
و (قوله: وقد سمّاه الله رؤوفاً رحيماً) ليس هذا من قول النبي ◌ّ الر بل: من من أسمائه وَله
قول غيره، وهو الصحابي، والله أعلم، ألا تراه كيف أخبر عنه بخطاب (٤) الغيبة، رؤوفٌ رحيم
ولو كان من قوله {وَ﴿ لقال: وقد سماني الله: رؤوفاً رحيماً. هذا الظاهِرُ، ويحتمل
أن يكون ذلك من قوله. وقد يخرج المتكلم من الحضور إلى الغيبة كما قال
تعالى: ﴿حََّ إِذَا كُنْتُمْ فِي الْقُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم﴾ [يونس: ٢٢] وفي هذا إشارةٌ إلى قوله
تعالى: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]. والرؤوف: الكثير الرأفة.
والرحيم: الكثير الرحمة؛ فإنها للمبالغة. وقد جاء في الصحيح: ((لي خمسة
أسماء)»(٥) فحصرها بالعدد، وذكر الأسماء المتقدّمة. وقد يقال: ما وجهُ تخصیص
هذه الأسماء الخمسة بالذكر مع أن أسماءه أكثر من ذلك؟ فيجاب عنه: بأن هذه
(١) رواه أبو يعلى (٣٤٣)، وأبو نعيم في دلائل النبوة (١٥٩).
(٢) رواه أحمد (١٩٩/٣)، والبخاري (٣٩٢)، وأبو داود (٣٦٤١)، والترمذي (٢٦٠٨).
(٣) انظر: أحكام القرآن لابن العربي (١٥٤٦/٣).
(٤) في (ز): بلسان.
(٥) رواه البخاري (٣٥٣٢).

١٥٠
(٣٣) كتاب النبوات - (٢٣) باب: كان النبي ◌َار أعلم الناس بالله
(٢٣) باب
كان النبيُّ نَِّ أعلمَ الناس
بالله وأشدّهم له خشبةً
[٢٢٦٥] عن عائشة، قالت: صَنَعَ رسول الله وَلاهر أمراً فترخّص فيه،
الخمسة الأسماء هي الموجودةُ في الكتب المتقدِّمة، وأَعرفُ عند الأمم السالفة،
ويُحتمل أن يقالَ: إنه في الوقت الذي أخبر بهذه الأسماء الخمسة لم يكن أوحي
إليه في غيرها بشيءٍ، فإن أسماءه إنَّما تلقَّاها من الوحي، ولا يُسمَّى إلا بما سمَّاه
اللَّهُ به، وهذا أسدُّ الجوابين إن شاء الله تعالى.
(٢٣) ومن باب: كون النبيِّ وَّو أعلم
الناس بالله وأشدهم له خشية
إنما كان النبيُّ ◌َ﴿ أعلمَ الناس بالله؛ لما خصَّه اللَّهُ تعالى به في أصل الخِلقة
من كمال الفطنة، وجودة القريحة، وسَداد النظر، وسرعة الإدراك، ولِما رفعَ اللَّهُ
عنه مِن موانع الإدراك، وقواطع النظر قبل تمامه، ومَن اجتمعتْ له هذه الأمورُ
سهل عليه الوصول إلى العلوم النظرية، وصارت في حقِّ كالضرورية، ثم إن
الله تعالى قد أطلعه من علم صفاته وأحكامه، وأحوال العالم كله على ما لم يُطْلع
عليه غيره، وهذا كلُّه معلومٌ من حاله و ﴿ بالعقل الصريح، والنقل الصحيح، وإذا
كان في علمه بالله تعالى أعلم الناس لزم أن يكون أخشى الناس لله تعالى؛ لأن
الخشيةَ منبعثةٌ عن العلم، وبحسبه، كما قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ
الْعُلَمَؤُا﴾ [فاطر: ٢٨]. وقد أشار بعضُ المتصوفة إلى أن علوم الأنبياء ضرورية،
وسماها: كشفاً، وهذا كلامٌ فيه إجمالٌ، ويحتاجُ إلى استفصال، فيقال لقائله: إن
أردت بكونها ضرورية أنها حاصلةٌ في أصل فطرتهم، وأنهم جُبِلُوا عليها، بحيث
كان * أعلمَ
الناس بالله

١٥١
(٣٣) كتاب النبوات - (٢٣) باب: كان النبي ◌َّلز أعلم الناس بالله
لم يستعملوا في شيء منها (١) أفكارهم، ولا حدقوا نحوها بصائرهم، ولا
أنظارهم، فهو قولٌ باطل؛ لما يعلم قطعاً أنهم مُكلَّفون بمعرفة الله، ومعرفة صفاته
وأحكامه، ومأمورون بها، والضروريُّ لا يكلّف به؛ لأنه حاصل، والحاصل
لا يطلب، ولا يُبتغى؛ ولأن الإنسانَ لا يتمكن مِن ترك ما جُبِل عليه، ولا من فعله،
وما كان كذلك لم يقع في الشريعة التكليفُ به بالنص والإجماع. وإنما الخلافُ في
جوازه عقلاً، وإن أراد به أن تلك العلومَ تصيرُ في حقهم ضرورية بعد تحصيلها
بالطرق النظرية، والقيام بالوظائف التكليفية، فتتوالى عليهم تلك العلومُ، فلا يتأتى
لهم التشكك فيها، ولا الانفكاك عنها، فنقول: ذلك صحيحٌ في حقِّ الأنبياء قطعاً،
وخصوصاً في حق النبيِّ ◌َ﴿ كما هو المعلوم من حاله وحالهم - صلّى الله عليه
وعليهم أجمعين -، وأما غيرهم فيجوز أن يكرم اللَّهُ تعالى بعضَ أوليائه بشيءٍ من
نوعٍ من ذلك، لكن على وجه الندور والقلة، وليس مُطَّرِداً في كُلِّ الأولياء، ومَن
فُتِحَ له بشيءٍ من ذلك في بعض الأوقات وبعض المعلومات، ويكون ذلك خَرْقاً
للعادات؛ فإن سُنّة الله تعالى في العلوم النظرية: أنها لا تتوالى، ولا تدوم، ويمكن
أن يُشكَّكَ فيما كان منها معلوماً، هذه سُنَّة الله الجارية، وحكمته الماضية، ولن
تجد لسنة الله تبديلاً ولا تحويلاً.
و (قول عائشة - رضي الله عنها -: صنع رسول الله ◌َفي أمراً فترخّص فيه) تركه قل
أي: فعل أمراً ترك فيه التشديد لأنَّ رُخِّص له فيه، كما قال في طريق آخر: ((ما بالُ التشديدَ في
الدِّین
رجالٍ يرغبون عما رُخِّص لي فيه))(٢) ولعل هذا من عائشة - رضي الله عنها - إشارة
لحديث النَّفر الذين استقلُّوا عبادةَ النبيِّ وَّ، فقال أحدهم: أما أنا فأصلِّي ولا أنام،
وقال الآخر: وأنا أصوم ولا أفطر، وقال الآخر: وأنا لا أنكح النساء، فلما بلغ
(١) في (م ٣): من ذلك.
(٢) رواه مسلم (٢٣٥٦) (١٢٨).

١٥٢
(٣٣) كتاب النبوات - (٢٣) باب: كان النبي ◌َّر أعلم الناس بالله
فبلغ ذلك ناساً من أصحابه، فكأنهم كرهوه وتنزَّهوا عنه، فَبَلَغه ذلك، فقام
خطيباً فقال: ((ما بالُ رجالٍ بَلَغَهم عنِّي أمرٌ ترخَّصْتُ فيه فكرهُوه وتنزهُوا
عنه، فوالله لأنا أعلمُهُم بالله، وأشدُّهُم له خشيةً!)).
رواه مسلم (٢٣٥٦) (١٢٧).
النبيَّ ◌َّر ذلك، قال: ((وأما أنا فأصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأنكح النساء، فمن
رغب عن سنَّي فليس مني))(١). وقد تقدَّم في النكاح.
و (قوله: ((ما بالُ رجالٍ بلغهم عني أني ترخَّصت في أمرٍ فكرهوه(٢)،
وتنزَّهُوا عنه))) هذا منه ◌َّهِ عدولٌ عن مواجهة هؤلاء القوم بالعتاب، وكانوا معينين
عنده، لكنَّه فعل ذلك لغلبة الحياء عليه، ولتلطُّفه في التأديب، ولسَتْر المعاتب.
وتنُّه هؤلاء عما ترخَّص فيه النبيُّ وَهُ غَلَطُ أوقعهم فيه ظنُّ أن المغفور له يُسامح
في بعض الأمور، ويسقط عنه بعض التكاليف، والأمر بالعكس لوجهين:
أحدهما: أن المغفورَ له يتعيَّنُ عليه وظيفةُ الشكر، كما قال ◌َالنّ: ((أفلا أكون
عبداً شكوراً))(٣).
الأعلم بالله
وثانيهما: أن الأعلم بالله وبأحكامه: هو الأخشى له، كما قال وَلاغير: ((إني
تعالى هو لأعلمكم بالله تعالى، وأشدكم له خشية)) وقال في موضع آخر: ((وأعلمكم بما أتقي
الأخشی له
الله)) .
ويستفاد من هذا الحديث النهيُ عن التنطُّع في الدين، وعن الأخذ بالتشديد
النهي عن
التنطع في
الدِّین
(١) سبق تخريجه .
(٢) في التلخيص: عني أمر ترخصتُ فيه فكرهوه.
(٣) رواه أحمد (٢٥٥/٤)، والبخاري (٤٨٣٦)، ومسلم (٢٨١٩) (٨٠)، والترمذي
(٤١٢)، والنسائي (٢١٩/٣)، وابن ماجه (١٤١٩).

١٥٣
(٣٣) كتاب النبوات - (٢٤) باب: وجوب الإذعان لحكم رسول الله وَإ فو
(٢٤) باب
وجوب الإذعان لحكم رسول الله وجل اله
والانتهاء عما نهى عنه
[٢٢٦٦] عن عبد الله بن الزُبير: أنَّ رجلاً من الأنصار خاصَم الزُّبِيرَ
عند رسول الله وَ ﴿﴿ في شِراج الحرّة التي يسقون بها النخلَ، فقال
الأنصاريُّ: سرِّح الماءَ يمرُّ. فأبى عليهم، فاختصموا عند رسول الله وَه،
في جميع الأمور، فإن دينَ الله يُسْرٌ، وهو: الحنيفية السَّمحة؛ فإن الله يُحبُّ أن
تُؤتى رخصه، كما يُحبُّ أن تؤتى عزائمه. وحاصل الأمر: أنّ الواجبَ التمسك
بالاقتداء بهدي النبيِّ وَّر، فما شدَّد فيه التزمناه على شدَّته، وفعلناه على مشقّته، وما
ترخَّص فيه أخذنا برخصته، وشكَرْنا الله تعالى على تخفيفه ونعمته، ومن رَغِبَ عن
هذا، فليس على سُنَّتِهِ، ولا على منهاج شريعته، وفيه حُجَّة على القول بمشروعية
الاقتداء به في جميع أفعاله، كما نقولُه في جميع أحواله، إلا ما دلَّ دليلٌ على: أنه
من خصوصياته، وقد أوضحنا هذا في الأصول.
(٢٤) ومن باب: وجوب الإذعان لحكم رسول الله {
ـلىالله
وَسَيَّة
(قوله: إنَّ رجلاً من الأنصار خاصمَ الزبير في شِراج الحرّة) قيل: إنَّ هذا
الرَّجل كان من الأنصار نسَباً، ولم يكن منهم نصرةً وديناً، بل كان منافقاً؛ لما صدر
عنه من تهمة رسول الله وَّه بالجَوْر في الأحكام لأجل قرابته، ولأنَّه لم يرضَ
بحكمه، ولأنَّ اللَّهَ تعالى قد أنزل فيه: ﴿فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا
شَجَرَ بَيْنَهُمْ ... الآية﴾ [النساء: ٦٥]. هذا هو الظَّاهر من حاله، ويحتمل: أنَّه
لم يكن منافقاً، ولكنْ أصدرَ ذلك منه بادرةُ نفسٍ، وزلَّةُ شيطانٍ، كما قد اثَّفقَ
لحاطب بن أبي بلتعة، ولحسَّانَ، ومِسْطح، وحَمْنَة في قضية الإفك، وغيرهم ممَّن

١٥٤
(٣٣) كتاب النبوات - (٢٤) باب: وجوب الإذعان لحكم رسول الله والده
فقال رسول الله وَل﴿ للزُّبير: ((اسق يا زبيرُ؛ ثم أرسل الماء إلى جارك)).
فغضب الأنصاري، فقال: يا رسول الله! أنْ كانَ ابنَ عمتك؟! فتلوّن وجه
نبي الله وَّر. ثم قال: ((يا زبير! اسق، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى
بدرتْ منهم بوادرُ شيطانيّة، وأهواءُ نفسانية، لكنْ لُطِفَ بهم حتى رجعوا عن الزَّلة،
وصحَّت لهم التوبة، ولم يؤاخذوا بالحَوْبة.
و (الشِّراج) - بالشين والجيم المعجمتين - جمع شَرِجَة، وهي مسيل الماء
إلى النَّخل والشَّجر. وإضافتها إلى الحرة لكونها فيها.
والمخاصمة إنَّما كانت في السَّقي بالماء الذي يسيلُ فيها، وكان الزبيرُ يتقدَّم
خصومةُ الزبير
مع رجل من شَرْبُه على شَرْب الأنصاريِّ، فكان الزبيرُ يُمسكُ الماءَ لحاجتِهِ، فطلبَ الأنصاريُّ أن
الأنصار
يُسرِّحَه له قبل استيفاءِ حاجتِهِ، فلما ترافعا إلى النبيِّ نَّهِ سلكَ النبيُّ ◌َ له معهما
مسلكَ الصُّلح، فقال له: ((اسق يا زبير! ثمَّ أرسلِ الماءَ إلى جارك)) أي: تساهلْ في
سقيكَ، وعجِّل في إرسال الماء إلى جارك، يحضُّه على المسامحة والتيسير. فلمَّا
سمعَ الأنصاريُّ بهذا لم يرضَ بذلك، وغضبَ لأنه كان يريدُ أَلا يمسكَ الماءَ
أصلاً؛ وعند ذلك نطقَ بالكلمة الجائرة المهلكة الفاقرة، فقال: آنْ كان ابنَ
عمتك؟! بمدِّ همزة ((أنْ)) المفتوحة؛ لأنَّه استفهامٌ على جهة الإنكار. أي: أتحكمُ
له عليَّ لأجلِ أنَّه قرابتك؟! وعند ذلك تلوَّنَ وجهُ رسول اللهِّله غضباً عليه وتألُّماً
من كلمته. ثمّ إنَّه بعدَ ذلك حكَم للزبير باستيفاء حقِّه، فقال: ((اسقِ يا زبير، ثُمَّ
أمسكٍ(١) الماءَ حتى يرجع إلى الجذر)). وفي غير هذه الرِّواية: فاستوعى للزبير
حقّه(٢) .
(١) كذا في الأصول، وفي التلخيص وصحيح مسلم وغيره: احبسنْ.
(٢) هي في البخاري (٢٣٦٢).

١٥٥
(٣٣) كتاب النبوات - (٢٤) باب: وجوب الإذعان لحكم رسول الله ◌ِ ل﴾
الجَدْر)). فقال الزبير: والله إني لأحْسِبُ هذه الآية نزلت في ذلك: ﴿فَلَاَ
وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ ... ﴾ [النساء: ٦٥].
و (الجَذْر) بفتح الجيم وسكون الدال هي روايتي، ويُجمع: جُدوراً. وهو
الأصل. ويعني به: حتى يصلَ الماء إلى أصول النَّخل والشجر، وتأخذَ منه حقَّها.
وفي بعض طرقه: حتى يبلغَ الماء إلى الكعبين(١). فيعني به . - والله أعلم -: حتى
يجتمع الماء في الشَّرِبات. وهي: الحفر التي تُحفر في أصول النَّخل والشَّجر إلى
أن تصل من الواقف فيها إلى الكعبين. وقد روي (الجِذْر) بكسر الجيم، وهو
الجدار، ويجمع على (جُدُر). ويعني به: جدران الشَّرِبات، فإنها تُرفع حتى تكونَ
تشبهُ الجدار. فإن قيل: كيف كان حكم النبيِّ وَّر للزبير على الأنصاريِّ في حال
غضبِه وقد قال ◌َلهير: ((لا يقضي القاضي وهو غضبان؟))(٢).
فالجوابُ: أنَّا قدَّمنا أنَّ هذا النَّهي مُعَلَّلٌ بما يُخافُ على القاضي من عصمته،قَ له من
التشويش المؤدِّي به إلى الغلط في الحكم، والخطأ فيه، والنَّبيُّ وَّ معصومٌ من الخطأ في
الخطأ في التبليغ والأحكام، بدليل العقل الدَّالِّ على صدقه فيما يُبَلَّغُه عن اللّه تعالى والأحكام
وفي أحكامه، ولذلك قالوا: أنكتب عنك في الرِّضا والغضب؟ قال: ((نعم))(٣).
فدلَّ ذلك: على أنَّ المراد بالحديث: من يجوزُ عليه الخطأ من القضاة، فلم يدخل
النَّبِيُّ ◌َ ﴿ في ذلك العموم.
التبليغ
و (قوله: واللهِ إنِّي لأحسبُ هذه الآية نزلت في ذلك: ﴿فلا وربك لا يؤمنون سبب نزول آية
حتّى يحكّموك فيما شجر بينهم﴾) هذا أحدُ ما قيل في سبب نزول هذه الآية.
﴿فلا وربك لا
يُؤمنون ... ﴾
(١) هي في البخاري (٢٣٦٢)، وأبو داود (٣٦٣٩).
(٢) رواه أحمد (١٥٠/١)، وأبو داود (٣٥٨٢)، وابن ماجه (٢٣١٠).
(٣) رواه أحمد (١٦٢/٢ و١٩٢ و٢٠٧ و٢١٥).

١٥٦
(٣٣) كتاب النبوات - (٢٤) باب: وجوب الإذعان لحكم رسول الله وَلاير
رواه أحمد (٤/٤ - ٥)، والبخاريُّ (٢٣٥٩)، ومسلم (٢٣٥٧)،
وأبو داود (٣٦٣٧)، والترمذيُّ (١٣٦٣)، والنسائيُّ (٢٤٥/٨)، وابن ماجه
(١٥ و ٢٤٨٠).
وقيل: نزلتْ في رجلين تحاكما إلى النبيِّ وَّ﴿ فحكم على أحدهما فقال له (١):
ارفعني إلى عمر بن الخطاب، وقيل: إلى أبي بكرٍ، وقيل: حكم النبيُّ رَّه ليهودي
على منافق، فلم يرض المنافق، وأتيا عمر بن الخطاب فأخبراه، فقال: أمهلاني
حتى أدخل بيتي، فدخل بيته فأخرج السيف، فقتل المنافق، وجاء إلى النبي تَطير
فقال: إنه ردَّ حكمك، فقال له رسول الله وَ له: ((فرَّقت بين الحق والباطل))(٢).
وقال مجاهد نحوه؛ غير أنه قال: إن المنافق طلب أن يُرَدَّ إلى حكم الكاهن، ولم
يذكر قضية قتل عمر بن الخطاب المنافق، وقال الطبريُّ: لا ينكر أن تكون الآية
نزلت في الجميع، والله تعالى أعلم.
ما یکتفی به من
الخصوم
وفي هذا الحديث أبواب من الفقه؛ فمنها: الاكتفاء من الخصوم بما يفهم
عنه مقصودهم، وألا يكلَّفوا النص على الدعاوي، ولا تحديد المدعى فيه، ولا
حَضْره بجميع صفاته، كما قد تنطَّع في ذلك قضاةُ الشافعية. ومنها: إرشاد الحاكم
إلى الإصلاح بين الخصوم، فإن اصطلحوا، وإلا استوفي لذي الحق حقّه، وبثَّ
إرشاد الحاكم الحكم. ومنها: أن الأولى بالماء الجاري: الأول فالأول حتى يستوفي حاجته،
إلى الإصلاح وهذا ما لم يكن أصلُه ملكاً للأسفل مختصاً به، فليس للأعلى أن يشربَ منه شيئاً؛
بين الخصوم
وإن كان يمرُّ عليه. ومنها: الصَّفح عن جفاء الخصوم ما لم يؤدِّ إلى هتك حُزْمة
الشّرع، والاستهانة بالأحكام؛ فإن كان ذلك فالأدب، وهذا الذي صدر من خصم
(١) ورد في (ز) و(م ٣): (له الآخر) ولا نرى مبرراً لوجود كلمة (الآخر) لأنَّ المعترض
هو الذي حکم علیه، ولیس الآخر.
(٢) رواه ابن أبي حاتم وابن مردويه، كما في (الدر المنثور ٥٨٥/٢)، وذكر السيوطي
رواية أخرى رواها الحكيم الترمذي في ((نوادر الأصول)).

١٥٧
(٣٣) كتاب النبوات - (٢٤) باب: وجوب الإذعان لحكم رسول الله أثاره
[٢٢٦٧] وعن أبي هريرة: أنَّه سمع رسول الله وَ ل يقول: ((ما
نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم، فإنما أهلك
الذين من قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم.
وفي روايةٍ: ((ذروني ما تركتم فإنما هلك من كان قبلكم لكثرة
مسائلهم ... )) الحديث.
رواه أحمد (٢٤٧/٢)، ومسلم (١٣٣٧) (١٣٠ و١٣١)، والترمذيُّ
(٢٦٧٩)، والنسائي (١١٠/٥ -١١١)، وابن ماجه (١ و٢).
الزبير أذىّ النبيِّ وَ ﴿ ولم يقتله النبيُّ وَلَّهِ لما قدَّمناه من عظم حِلْمِه وصَفْحه، ولئلا
يكون قتله منفراً لغيره عن الدخول في دين الإسلام، فلو صدر اليوم مثلُ هذا من
أحدٍ في حقِّ النبيِّ ◌َ﴿ لقُتِل قتلةَ زنديق، وقد أشبعنا القولَ في ذلك. ومنها: أن الأولى في
القدرَ الذي يستحقُّ الأعلى من الماء: كفايته، وغاية ذلك: أن يبلغ الماء إلى الأول فالأول
الماء الجاري
الكعبين، فقيل: في الشَّرَبَة(١) كما قلنا، وقيل: في أرض الحائط، وفيه بُعْدٌ.
و(قوله يلي: ((ما نهيتكم عنه فاجتنبوه))) أي: لا تُقدموا على فِعْل شيءٍ من بم يحصل
المنهي عنه، وإن قلَّ؛ لأنه تحصلُ بذلك المخالفة؛ لأن النهي: طلبُ الانكفاف الامتثال
المطلق، والأمر المطلق على النقيض من ذلك؛ لأنه يحصلُ الامتثالُ بفعلٍ أقلِ ما
للأمر؟
ينطلقُ عليه الاسم المأمور به على أيٍّ وجه فُعِلَ، وفي أي زمان فُعِل، ويكفيك من
ذلك مثال بقرة بني إسرائيل؛ فإنهم لما أمروا بذبح بقرةٍ، فلو بادروا وذبحوا بقرةً
- أيَّ بقرةٍ كانت - لحصل لهم الامتثال، لكنهم كثَّروا الأسئلة فكثرت أجوبتهم، فقلَّ
الموصوف، فعظم الامتحانُ عليهم، فهلكوا، فحذَّر النبيُّ وَلغير أمته عن أن يقعوا في
(١) ((الشَّرَبَةُ)): حُويّض يُحفر حول النخلة والشجرة يُملأ ماء، فیکون رئها.

١٥٨
(٣٣) كتاب النبوات - (٢٥) باب: ترك الإكثار من مساءلة رسول الله (3﴾
(٢٥) باب
ترك الإكثار من مساءَلةٍ
رسول الله ﴾ توقیراً له واحتراماً
[٢٢٦٨] عن أنس بن مالكِ: أنَّ الناس سألوا النَّبيَّ وَّ حتى أحفَوه
في المسألة. فخرج ذات يومٍ فصعد المنبر. فقال: ((سلوني! لا تسألوني
عن شيء إلا بَيَّنْتُهُ لكم)). وفي رواية: ((ما دمت في مقامي هذا)). فلما سمع
مثل ما وقعوا فيه، فلذلك قال: ((إنما أهلك الذين قبلكم كثرةُ سؤالهم))(١)، ولذلك
قال* للذي سأله عن تكرار الحج بقوله: أفي كلّ عام يا رسول الله؟! فقال: ((لو
قلت نعم لوجبت، ولما استطعتم، ذروني ما تركتكم))(٢) وذكر نحو ما تقدَّم،
فالواجبُ على هذا الأصل أن على السامع لنهي الشارع الانكفاف مطلقاً، وإذا سمع
الأمر: أن يفعل فيه ما يصدق عليه ذلك الأمر، ولا يتنطَّع؛ فيكثر من السؤال،
فيحصل على الإصر والأغلال، وقد استوفينا هذا المعنى في الأصول.
(٢٥) ومن باب: ترك الإكثار من مساءلة
رسول الله وَ﴾ توقيراً له واحتراماً
(قوله: سألوا رسول الله والث﴿ حتى أخْفَوه في المسألة) أي: حتى ألخُوا عليه.
يقال: أحفى في المسألة، وألعَّ بمعنىّ واحدٍ. وقد أشبعنا القولَ فيه فيما تقدَّم في
حديث أبي موسى - رضي الله عنه -.
(١) رواه أحمد (٢٥٨/٢)، والبخاري (٧٢٨٨)، ومسلم (١٣٣٧)، والنسائي (١١٠/٥
و ١١١).
(٢) رواه أحمد (٢١٨/٥)، وأبو داود (١٧٢٢).

١٥٩
(٣٣) كتاب النبوات - (٢٥) باب: ترك الإكثار من مساءلة رسول الله ولو
ذلك القوم أرمُّوا ورَهِبوا أن يكون بين يدي أمرٍ قد حضر. قال أنس:
و (قوله: فلما أُكْثِرَ عليه غَضِب) يحتملُ أن يكون غَضَبُ النبيِّ وَّر من تعليل
إكثارهم عليه من المسائل؛ فإن ذلك: يقلِّل حرمةَ العالم، ويجرىء على الإقدام
غضبه وَلـ
عليه، فتذهب أَبُّهةُ العالِم، ووقاره، فإنه إذا كثرت المسائل: كثرتِ الأجوبة،
فحصل جميعُ ما ذكرناه من المفاسد. ويحتمل أنَّ غضبه بسبب أنه تحقَّق أنَّه كان
هنالك من يسأل تعنيتاً وتبكيتاً، قصداً للتعجيز والتنقيص، كما كان يفعلُ
المنافقون، واليهود، ويدلُّ على هذا قوله: ((سلوني، سلوني(١)، فوالله لا تسألوني
عن شيء إلا أخبرتكم به ما دمتُ في مقامي هذا))؛ فإنَّ هذا يصلحُ أن يكون جواباً
لمن قصد التعجيز والتبكيت حتى يبطل زعمه(٢)، ويظهر خرقه وذمُّه، ويحتمل أن
يكون من تلك المسائل ما يكره، كما قال في حديث أبي موسى: سُئِل
رسولُ اللهِّ﴿ عن أشياء كرهها، وكما دلَّ عليه قوله تعالى: ﴿لَا تَسْئَلُواْ عَنْ أَشْيَاءَ إِن
تَّدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]، ويحتمل أن يكون غضبُه لمجموع تلك الأمور
كلُّها، والله تعالى أعلم.
و (قوله: فأرقَّ القوم (٣)) أي: سكتوا، وأصله من المرمَّة، وهي: الشَّفة،
فكأنهم أطبقوا مرمَّاتهم فلم يُحرِّكوها بلفظة.
و (قوله: ورهبوا أن يكون من أمرٍ (٤) قد حضر) أي: خافوا أن تقع بهم
عقوبةٌ عند غضبه.
(١) كذا في جميع أصول المفهم، وقد جاءت في الأم والتلخيص: (سلوني) دون تكرار.
(٢) في (ز): فهمه. وفي (م ٣): وهمه.
(٣) في التلخيص ومسلم: فلما سمع ذلك القوم أرمُّوا.
(٤) في التلخيص ومسلم: بين يدي أمر.

١٦٠
(٣٣) كتاب النبوات - (٢٥) باب: ترك الإكثار من مساءلة رسول الله القوي
فجعلت ألتفت يميناً وشمالاً؛ فإذا كلُّ رجلٍ لافتُّ رأسَه في ثوبه يبكي،
ما يفعله جھَّال
العوامُ
حال
أصحابه ◌َاخ
عند ذكر الله
تعالی
و (قوله: فجعلتُ ألتفتُ يميناً وشمالاً، فإذا كلُّ إنسانٍ لافٌّ رأسَه في ثوبه
يبكي) هذه حالةُ العارفين بالله تعالى، الخائفين من سطوته وعقوبته، لا كما تفعله
جهَّالُ العوامِّ، والمبتدعة الطَّعام من الزعيق والزفير، ومن النهيق الذي يشبه نهاق
الحمير. فيقال لمن تعاطى ذلك، وزعم أن ذلك وَجْدٌ وخشوعٌ: إنك لم تبلغ
ذلك، أي: تساوي حال رسول الله وَلغيره، ولا حال أصحابه في المعرفة بالله تعالى،
والخوف منه، والتعظيم لجلاله، ومع ذلك فكانت حالهم عند المواعظ الفهم عن
الله تعالى، والبكاء خوفاً من الله، والوقار حياءً من الله، وكذلك وصف الله تعالى
أحوال أهل المعرفة فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ
عَلَيْهِمْ ءَايَتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَّكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٨] فصدَّر اللَّهُ تعالى الكلامَ في
هذه الآية بـ (إنما) الحاصرة لما بعدها، المحققة له؛ فكأنه قال: المؤمنون على
التحقيق هم الذين تكون أحوالهم هكذا عند سماع ذكر الله، وتلاوة كتابه، ومن لم
يكن كذلك فليس على هديهم، ولا على طريقتهم، وكذلك قال اللَّهُ تعالى في الآية
الأخرى: ﴿﴿ وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىَ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ
يَقُولُونَ رَبَّنَاَ ءَامَنَّا فَأَكْثُبْنَا مَعَ الشَِّهِدِينَ﴾ [المائدة: ٨٣]. فهذا وصفُ حالهم، وحكايةُ
مقالهم، فمن كان مُستّاً فليستنَّ، ومَن تعاطى أحوال المجانين والمجون، فهو من
أخشِّهم حالاً، والجنون فنون. فإن قيل: فقد صحَّ عن جماعة من السلف أنهم
صرخوا عند سماع القرآن، والمواعظ، فقد روي عن عمر بن الخطاب - رضي الله
عنه - أنه سمع قارئاً يقرأ: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَيِّكَ لَوَفِعٌ * مَّا لَهُ مِن دَافِعٍ﴾ [الطور: ٧ - ٨]
فصاح صيحةً خرَّ مغشياً عليه، فحمل إلى أهله، فلم يزلْ مريضاً شهراً. وروي أن
زرارة بن أوفى قرأ: ﴿فَإِذَا تُقِرَ فِ النَّاقُرِ﴾ [المدثر: ٨] فصُعِقٍ ومات في محرابه. وقرأ
صالح المرِّيُّ(١) على أبي جهين(١) فمات(٢)، وسمع الشافعي قارئاً يقرأ: ﴿هَذَا يَوْمُ
(١) في (م ٣): صالح المزني على أبي جهيم.
(٢) ليست في (م ٣).