Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
(٣٣) كتاب النبوات - (١٦) باب: طيب رائحة النبي قل
(١٦) باب
طيب رائحة النَّبِي وَِّ وعرقه ولين مسِّه
[٢٢٤١] عن جابر بن سمرة، قال: صلَّْتُ مع رسول الله وَل ـ صلاة
الأولى، ثم خرج إلى أهله وخرجتُ معه، فاستقبله وِلْدانٌ، فجعل يمسح
خدَّيْ أحدهم واحداً واحداً. قال: وأما أنا فمسح خدِّي. قال: فوجدت
لِيَدِهِ برداً - أو ريحاً - كأنما أخرجها من جؤنة عطَّارٍ.
رواه مسلم (٢٣٢٩) (٨٠).
(١٦ و١٧ و١٨ و٢٩ و٢٠ و٢١) ومن باب: طيب رائحة
رسول الله وَل﴿ وحسن شعره وشيبه وحسن خَلْقِه(١)
(قول جابر - رضي الله عنه -: صليتُ مع رسول الله وَ ﴿ صلاةَ الأولى) هذا
من باب إضافة الاسم إلى صفته، كما قالوا: مسجد الجامع. وقد تقدَّم القولُ فيه،
يعني بالصلاة الأولى: صلاة الظهر؛ فإنها أولُ صلاة صلاها جبريلُ بالنبيِّ وَِّ،
ويُحتمل أن يريدَ بها صلاة الصبح؛ لأنها أول صلاة النهار.
و (وقوله: فوجدتُ ليده برداً أو ريحاً) هذه (أو) الأولى أن تكون بمعنى الواو
لا للشك؛ لأنها لو كانت شكاً، فإذا قدرنا إسقاط (أو ريحاً) لم يستقم تشبيه برودة يده
بإخراجها من جُؤنة عطار؛ فإن ذلك إنما هو تشبيهٌ للرائحة، فإذا حملت (أو) على
معنى الواو الجامعة استقام التشبيه للرائحة، والإخبار عن وجدان برودة اليد التي
تكون عن صحة العضو، ويحتمل أن يريدَ بالبرودة برودة الطيب؛ فإنهم يصفونه
(١) شرح المؤلف - رحمه الله - تحت هذا العنوان ما أشكل أيضاً في أحاديث باب: في
شعر رسول الله ﴿، وباب: في شيب رسول الله ﴿﴿، وباب: في حسن أوصاف
النبي وَ ل9، وباب: في خاتم النبوة، وباب: كم كان سن رسول الله صَلهـ

١٢٢
(٣٣) كتاب النبوات - (١٦) باب: طيب رائحة النبي ◌َ لفو
[٢٢٤٢] وعن أنس، قال: ما شممتُ عنبراً قطُّ ولا مِسْكاً ولا شيئاً
أطيب من ريح رسول الله وَله، ولا مَسِسْت شيئاً قطّ ديباجاً ولا حريراً ألين
مسّاً من رسول الله وَالچ.
وفي رواية: كان رسول الله ﴿ ﴿ أزهرَ اللون؛ كأنَّ عرقه اللؤلؤ، إذا
مَشَى مَشَى تكفُؤاً. وذكر نحوه.
بالبرودة، كما قال الشاعر(١):
وتَبْرُدُ بَزْدَ رِداءِ العَرُو سِ فِي الصَّيْفِ رَقْرَقْتَ فيهِ العَبِيرا
و (الجُؤْنَة): بضم الجيم، وفتح النون: هي سفط يَحْمِلُ فيه العطارُ متاعه.
قاله الحربي، وهو مهموز وقد يُسَهَّل، وقال صاحبُ العين: هو سُليلةٌ مستديرة
مُغْشَّاةٌ أُدْماً.
طيب ريحه 03*ل
و (قوله: ما شممتُ عنبراً، ولا مسكاً، ولا شيئاً أطيب من ريح
رسول الله ◌َ*) هذا يدلُّ على أنه كان طيِّبَ الريح وإن لم يتطيب، ثم إنه كان
يستعملُ الطيب، ويعجبه رائحته؛ لأنه كان يناجي الملائكة؛ ولأنه مُستلذٌّ لحس
الشمِّ كالحلاوة لحسِّ الذوق؛ ولأنه مُقَوِّ للدماغ، ومحرِّك لشهوة الجماع؛ ولأنه
مما يرضي الله تعالى إذا قصد به القربة، والتهيؤ للصلاة.
و (قوله: كان أزهر اللون) يعني: أبيض اللون في صفاء، كما قال في الرواية
الأخرى: ليس بالأبيض الأمهق، أي: المتألق البياض الذي صفته تشبه بياض
الثلج، والجصِّ.
و (قوله: إذا مشى مشى تكفؤاً) مهموزاً. قال شمر: أي: مال يميناً وشمالاً.
قال الأزهري: هذا خطأ، وهذه صفةُ المختال. ولم تكن صفته وَ ﴿ وإنما معناه: أن
صفة مشيته وَالخ
(١) هو الأعشى.

١٢٣
(٣٣) كتاب النبوات - (١٦) باب: طيب رائحة النبي 108
رواه أحمد (١٠٣/٣)، والبخاريُّ (٦٢٨١)، ومسلم (٢٣٣٠) (٨١
و ٨٢)، والنسائي (٢١٨/٨).
[٢٢٤٣] وعنه، قال: دخل علينا النَّبيُّ وَّهِ فقالَ عندنا، فعَرِقَ،
وجاءت أمِّي بقارورةٍ، فجعلتُ تسْلُتُ العرق فيها، فاستيقظ النَّبِيُّ ◌َّ
فقال: ((يا أم سُلَيم! ما هذا الذي تصنعين؟)) قالت: هذا عرقُك نجعلُهُ في
طيِنا، وهو من أطْيب الطِّيب.
وفي روايةٍ: أنَّه عليه الصلاة والسلام كان يأتيها، فيقيلُ عندها،
فتبسط له نَطْعاً فيقيلُ عليه، وكان كثيرَ العرق، فكانت تجمعُ عَرَقَهُ، فتجعلُهُ
في الطِّيب والقوارير، فقال النبي ◌َّ: ((يا أمَّ سُليم ما هذا؟)) قالت: عرفُك
أدوڤُ به طيبي.
يميل إلى سمته، ويقصد في مشيته، كما قال في الرواية الأخرى: كأنما ينحطُّ من
صبب .
قلتُ: ويبيّته ما قد جاء في رواية ثالثةٍ: يمشي تقلُّعاً.
و (قولها: دخل عليَّ رسولُ اللهِ وَ﴿ فقالَ عندنا) أي: نام عندهم في القائلة، الدخولُ
وفيه دليلٌ: على دخول الرجل على ذوات محارمه في القائلة، وتبشُّطه معهنّ، على المحارم
ونومه على فراشهن، وكانت أمُّ سليم ذات محرمٍ له من الرَّضاعة. قاله القاضي
عیاض.
و (قولها: فجعلتُ أسلتُ(١) العَرَقَ فيها) أي: تجمعه في القارورة، كما قد
جاء في الرواية الأخرى. وقولها: أدوف به طيبي - بالدال المهملة - ثلاثياً، أي:
أخلطه، وهكذا صحيحُ الرواية فيه، وهو المشهورُ عند أهل اللغة، وحُكِيَ فيه:
الذال المعجمة، ثلاثياً ورباعیاً، وقد استوفيناه في كتاب الإيمان.
(١) في صحيح مسلم والتلخيص: فجعلتْ تَسْلُتُ.

١٢٤
(٣٣) كتاب النبوات - (١٧) باب: في شعر رسول الله ﴾
وفي أخرى: نرجو بركته لصبياننا. قال: ((أصْبْت)).
رواه أحمد (١٣٦/٣)، ومسلم (٢٣٣١) (٨٣ و٨٤) و (٢٣٣٢)
(٥).
[٢٢٤٤] وعن عائشة؛ قالت: إنْ كان ليُنْزَلُ على رسول الله وَالر في
الغداة الباردة، ثم تفيضُ جبهتُّهُ عَرَقاً.
رواه أحمد (٥٨/٦)، ومسلم (٢٣٣٣) (٨٦).
(١٧) بابٌ
في شَعْرٍ رسول الله څ و كيفيته
[٢٢٤٥] عن ابن عباس، قال: كان أهل الكتاب يَسْدُلُون أشعارَهُم،
وکان المشرکون یفرُقُون رؤوسهم،
سنيَّة فرق
الشعر
و (قوله: كان أهلُ الكتاب يَسْدلون أشعارهم، وكان المشركون يَفْرُقُون
رؤوسهم) قال القاضي: سدلُ الشِّعر: إرساله، والمراد به هنا عند العلماء: إرساله
على الجبين واتخاذه كالقَصَّة. يقال: سدل شعره وثوبه: إذا أرسله، ولم يضمَّ
جوانبه. والفرق: تفريق الشعر بعضه عن بعض. والفرق: تفريقك بين كل شيئين.
قال الحربي: والمفرق: موضع الفرق، والفرق في الشعر سُنَّة؛ لأنه الذي رجع إليه
النبيُّ وَّهِ. والظاهرُ أنه بوحي، لقول أنس: أنه كان يحبُّ موافقة أهل الكتاب فيما لم
يؤمر فيه بشيءٍ، فسدل، ثم فَرَق بَعْدُ، فظاهره: أنه لأمر من الله تعالى، حتى جعله
بعضُهم نسخاً، وعلى هذا لا يجوزُ السَّدْلُ، ولا انِّخاذ الناصية والجُمَّة. وقد روي:
أن عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - كان إذا انصرف من الجمعة أقام على باب
المسجد حَرَساً يجُّون كلَّ من لم يفرقْ شعره.

١٢٥
(٣٣) كتاب النبوات - (١٧) باب: في شعر رسول اله﴾
وكان رسول الله وَل﴿ يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر به ، فسَدَلَ
رسولُ اللهِ﴿ ناصیتَهُ، ثم فرَق بعدُ.
رواه أحمد (٢٨٧/٢)، والبخاري (٣٥٥٨)، ومسلم (٢٣٣٦)
(٩٠)، وأبو داود (٤١٨٨)، وابن ماجه (٣٦٣٢).
قلتُ: وفيما قاله القاضي - رحمه الله - وحكاه نظر. بل: الظاهر من
مساق الحديث أن السّدلَ إنما كان يفعلُه لأجل محبته استئلاف أهل الكتاب
بموافقتهم، لكنه كان يوافقهم فيما لم يشرّع له فيه، فلما استمروا على عنادهم،
ولم ينتفعوا بالموافقة، أحبَّ مخالفتهم أيضاً فيما لم يشرع له، فصارت مخالفتهم
محبوبةً له لا واجبةً عليه كما كانت موافقتهم.
و (قوله: فيما لم يؤمر)) يعني: فيما لم يُطلب منه، والطلب يشملُ الواجبَ
والمندوب كما قرَّرناه في الأصول. وأما توقُّم النسخ في هذا، فلا يُلتفت إليه
لإمكان الجمع، كما قررناه، وهذا بَعْدَ تسليم أنَّ محبةً موافقتهم ومخالفتهم حكمٌ
شرعي، فإنه يحتمل أن يكون ذلك أمراً مصلحياً، هذا مع أنه لو كان السَّدلُ
منسوخاً بوجوب الفرق لصار الصحابة - رضي الله عنهم - إليه، أو بعضهم، وغايةٌ
ما روي عنهم: أنه كان منهم من فَرَق، ومنهم من سَدَل، فلم يعبِ السادلُ على
الفارق، ولا الفارقُ على السادل، وقد صحَّ عنهِوَّهِ أنه كان له لِمَّةٌ؛ فإن انفرقت
فرقها، وإلا تركها(١). وهذا يدلُّ على أن هذا كان غالبَ حاله؛ لأن ذلك ذكره مع
جملة أوصافه الدائمة، وحِلْيته التي كان موصوفاً معروفاً بها، فالصحيح: أن الفرق
مستحبٌّ لا واجب، وهذا الذي اختاره مالك. وهو قولُ جلّ أهلِ العلم(٢).
والله أعلم.
و (قوله: كان يحبُّ موافقةَ أهل الكتاب) قد قلنا: إن ذلك كان في أوَّل أمره
(١) انظر: سبل الهدى والرشاد (٢٢/٢).
(٢) في (ع) و(م ٢): المذاهب.

١٢٦
(٣٣) كتاب النبوات - (١٧) باب: في شعر رسول الله اَثار
عند قدومه على المدينة في الوقت الذي كان يستقبل قبلتهم، وإن ذلك كلَّه كانت
حكمته التأنيس لأهل الكتاب حتى يصغوا إلى ما جاء به، فيتبيَّن لهم أنه الحقُّ،
والاستئلاف لهم ليدخلوا في الدين، فلما غلبت عليهم الشقوة، ولم ينفع معهم
مخالفةُ أهل ذلك نسخ اللَّهُ تعالى استقبالَه قبلتهم بالتوجُّه نحو الكعبة، وأمَرَ النبيُّ ◌َّ بمخالفتهم
الكتاب
في غير شيء، كقوله: ((إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم))(١). وذكر
أبو عمر في التمهيد عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله ولفتٍ:
((اخضبوا وفرقوا، خالفوا اليهود))(٢). قال: إسناده حسن، ورجاله كلهم ثقات.
وكقوله في الحائض: ((اصنعوا كل شيءٍ إلا النكاح))(٣). حتى قالت اليهود: ما يريد
هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئاً إلا خالَفَنا فيه، فاستقر آخر أمره وَ الحفر على
مخالفتهم فيما لم يحكم عليه فيه بحكم، فإذا ثبت هذا فلا حجَّة في قول عائشة
- رضي الله عنها - كان ◌َّ﴿ يحب موافقة أهل الكتاب. على أن شرعهم شرعٌ لنا (٤)،
فتأمَّل ذلك. واختلاف هذه الأحاديث في كيفية شَعْر رسول الله وَّو إنما هو اختلاف
أحوالٍ؛ إذ قد فعل ذلك كله، فقد سدل، وفَرَق، وكان شعره لِمَّةً، ووفرةً، وجُمَّة.
وقد روى الترمذيُّ من حديث أم هانىء - رضي الله عنها - قالت: قَدِمِ
رسول الله پے مکة وله أربع غدائر(٥). قال: هذا حديث حسن صحيح.
(١) رواه أحمد (٢/ ٢٤٠)، والبخاري (٣٤٦٢)، ومسلم (٢١٠٣)، وأبو داود (٤٢٠٣)،
والنسائي (١٣٧/٨).
(٢) رواه ابن عدي في الكامل (٦١٤/٢)، وانظر: التمهيد (٧٦/٦).
(٣) رواه أحمد (١٣١/٣)، ومسلم (٣٠٢)، والترمذي (٢٩٧٧)، والنسائي (١٥٢/١)،
وابن ماجه (٦٤٤).
(٤) في (ع) و (م ٢): له.
(٥) رواه الترمذي (١٧٨١).

١٢٧
(٣٣) كتاب النبوات - (١٧) باب: في شعر رسول الله ◌ِ﴾
[٢٢٤٦] وعن البراء بن عازبٍ، قال: ما رأيت من ذي لِمَّةٍ في حُلَّةٍ
حمراءَ أحسنَ من رسول اللهِ وَّهِ؛ شعرهُ يضرِبُ مَنْكِبِيْه، بعيد ما بين
المَنْكِبَيْنِ، ليس بالطويل ولا بالقصير.
رواه مسلم (٢٣٣٧) (٩٢)، وأبو داود (٤١٨٣)، والترمذيُّ
(١٧٢٤)، والنَّسائي (١٨٣/٨)، وابن ماجه (٣٥٩٩).
[٢٢٤٧] وعن أنسٍ، قال: كان شَعَرُ رسولِ الله وَ شَعَراً رَجِلاً،
ليس بالجعْد، ولا السَّبْطِ، بين أذنيه وعاتقه.
وفي أخرى: كان يضرب شَعَرُه مَنْكِبَيْهِ.
وفي أخرى: كان شَعَرُه إلى أنصاف أذنيه.
رواه أحمد (١١٨/٣)، والبخاريّ (٥٩٠٣ - ٥٩٠٦)، ومسلم
(٢٣٣٨) (٩٤ -٩٦)، وأبو داود (٤١٨٥ - ٤١٨٦)، والنسائي (١٨٣/٨)،
وابن ماجه (٣٦٣٤).
قلتُ: والغدائر: الضفائر. قال امرؤ القيس:
غَدَائِرِه مُسْتَشْزِراتٌ إلى العُلا تَضِلُّ المدارى(١) فِي مُثَنّىَ ومُرْسَلٍ
و (قول البراء - رضي الله عنه -: ما رأيت من ذي لِمَّةٍ في حلة حمراء أحسن حكمُ لبس
من رسول الله وَ﴿). قال شَمِر: الجُمَّةُ أكثر من الوفرة، والجُمَّة إذا سقطت على الثياب الملوّنة
المنكبين، والوفرة إلى شحمة الأذن، واللمة التي ألمت بالمنكبين، وقد تقدَّم
القولُ في الحلَّة، وفيه دليلٌ على جواز لباس الأحمر، وقد أخطأ من كره لباسه
(١) في الديوان وشرح المعلقات السبع ص (٥٣): العِقاص.

١٢٨
(٣٣) كتاب النبوات - (١٨) باب: في شيب رسول الله ◌ِ﴾
(١٨) باب
في شيب رسول الله صلقد وخضابه
[٢٢٤٨] عن محمد بن سيرين، قال: سألتُ أنس بن مالكِ:
أَخَضَبَ رسول الله وََّ؟ قال: إنَّه لم ير من الشَّيب إلا قليلاً.
رواه البخاريُّ (٥٨٩٤)، ومسلم (٢٣٤١) (١٠٢).
[٢٢٤٩] وعن ثابتٍ، قال: سئل أنسُ بنُ مالكِ: أَخَضَبَ
رسولُ الله وََّ؟ قال: لو شئتُ أن أعُدَّ شَمَطَاتٍ كنَّ في رأسه فعلتُ. وقال:
لم يختضب. وقد اختضب أبو بكر بالحنَّاء والكَتَم، واختضب عمر بالحنَّاء
بحتاً .
رواه أحمد (٢٢٧/٣)، والبخاريّ (٥٨٩٥)، ومسلم (٢٣٤١)
(١٠٣).
[٢٢٥٠] وعن أنس بن مالكٍ، قال: يُكرهُ أن ينتفَ الرجلُ الشعرة
البيضاء من رأسه ولحيته. قال: ولم يَخْضِبْ رسولُ اللهِ وَّهِ، إنَّما كان
البياض في عَنْفَقَتِهِ، وفي الصُّدغين، وفي الرأس نبذةٌ.
رواه مسلم (٢٣٤١) (١٠٤).
مطلقاً، غير أنه قد يختصُّ بلباسه في بعض الأوقات أهلُ الفسق والدعارة
والمجون، فحينئذ يُكره لباسه؛ لأنه إذ ذاك تشبُّهُ بهم، وقد قال ◌َله: ((من تشبّه
بقومٍ فهو منهم))(١)، لكن ليس هذا مخصوصاً بالحمرة، بل هو جارٍ في كل الألوان
والأحوال، حتى لو اختص أهلُ الظلم والفسق بشيءٍ مما أصله سُنَّة كالخاتم
(١) رواه أبو داود (٤٠٣١).

١٢٩
(٣٣) كتاب النبوات - (١٩) باب: في حسن أوصاف النبي ◌َّ
[٢٢٥١] وعنه: أنه سئل عن شيب رسول الله وَ لَه؟ قال: ما شَانَهُ
اللَّهُ بِبَيْضَاءَ.
رواه مسلم (٢٣٤١) (١٠٥).
[٢٢٥٢] وعن أبي جُحَيْفَة، قال: رأيت رسول الله وَ طفل هذه منه
بيضاء - ووضع زُهَيْرٌ بعض أصابعه على نفقته - قيل له: مِثلُ من أنتَ
يومئذٍ؟ قال: أبْرِي النَّبَلَ وأريشُه.
رواه أحمد (٣٠٨/٤)، ومسلم (٢٣٤٢) (١٠٦).
(١٩) باب
في حسن أوصاف النبي وَّل
[٢٢٥٣] عن البَرَاء، قال: كان رسول الله وَ الفوز رجلاً مَرْبُوعاً، بعيد ما
بين المَنْكِبَين، عظيمَ الجُمَّة إلى شحمة أُذنَيه، عليه حُلَّةٌ حمراءُ، ما رأيت
شيئاً قطّ أحسنَ منه ◌َِ له.
وفي روايةٍ: كانَ أحسنَ النَّاسِ وَجْهاً، وأحسَنَهُ خَلْقاً، لَيْسَ بالطَّويلِ
الذاهبِ ولا بالقصير.
والخضاب والفرق لكان ينبغي لأهل الدين ألَّا يتشبهوا بهم؛ مخافةَ الوقوع فيما
كرهه الشرعُ من التشبه بأهل الفسق؛ ولأنه قد يظنُّ به من لا يعرفه أنه منهم، فيعتقد
ذلك فيه، وينسبه إليهم، فيُظَنُّ به ظنَّ السوء، فيأثم الظانُّ بذلك والمظنون بسبب
المعونة علیه.
رسول الله ◌َ﴾
أحسنُ الناس
و (قوله: كان أحسنَ الناس وجهاً، وأحسنه خَلْقاً) الروايةُ بتوحيد ضمير وجهاً

١٣٠
(٣٣) كتاب النبوات - (١٩) باب: في حسن أوصاف النبي ◌َ ◌ّ
روه أحمد (٢٩٠/٤)، والبخاريُّ (٣٥٥١)، ومسلم (٢٣٣٧)
(٩١)، وأبو داود (٤٠٧٢)، والترمذيّ (٣٦٣٥)، والنسائي (١٨٣/٨)،
وابن ماجه (٣٥٩٩).
[٢٢٥٤] وعن أبي الطُّفيل، قال: رأيتُ رسول الله وَ لّ وما على
الأرضِ رجُلٌ رآه غيري. قال: فقلتُ: فكيف رأيتَه؟ قال: كان أبيضَ مَلِيْحاً
مُقَصَّداً.
أحسنه، وبفتح الخاء وسكون اللام من خَلْقاً، فأما توحيد الضمير؛ فقال أبو حاتم:
العرب تقول: فلان أجمل الناس وأحسنه. يريدون: أحسنهم، ولا يتكلمون به.
قال: والنحويون يذهبون به إلى أنه أحسن مَنْ ثمَّة، وأما خَلْقاً: فأراد به: حُسْن
الجسم، بدليل قوله بعده: ليس بالطويل الذاهب، ولا بالقصير. وأما في حديث
أنس، فروايته: بضم الخاء واللام؛ لأنه يعني به حسن المعاشرة بدليل سياق ما
بعده من الحديث.
اعتدال
جسمه ◌َله
و (قوله: كان أبیض ملیحاً مُقَصَّداً) أبيض: يعني في صفاء، كما جاء أنه كان
أزهر، وكما قال: ليس بالأبيض الأمهق. والملاحة: أصلها في العينين كما تقدَّم.
والمقصَّدُ: القصد في جسمه وطوله. يعني: أنه لم يكون ضئيل الجسم، ولا
ضخمه، ولا طويلاً ذاهباً، ولا قصيراً متردداً، كان وسطاً فيهما.
و (قوله: كان شعره رَجِلاً) أي: ليس بالجَعِد، ولا بالسَّبِط. الرواية في
رجلاً، بفتح الراء وكسر الجيم، وهي المشهورة. وقال الأصمعيُّ: يقال: شعرٌ
رَجِلٌ: بفتح الراء وكسر الجيم، ورَجَلٌ: بفتح الجيم، ورَجْل: بسكونها. ثلاث
لغات، إذا كان بين الشُُّوطة، والجُعُودة، قال غيره: شعر مرجَّلٌ، أي: مُسرَّح.
وكان شعره وَ ﴿ بأصل خِلْقته مُسَرَّحاً(١).
صفة شعره
(١) في الأصول: مسرح.

١٣١
(٣٣) كتاب النبوات - (١٩) باب: في حسن أوصاف النبي اَل﴾
قال مسلم: مات أبو الطُّفَيْل سَنَة مئةٍ، وهو آخرُ من ماتَ من أصحاب
رسول الله العقد.
رواه أحمد (٤٥٤/٥)، ومسلم (٢٣٤٠) (٩٨ و٩٩).
و (قول أنس - رضي الله عنه - وقد سُئِل عن خِضاب رسول الله وَّل: لم ير هل اختضبَ
من الشيب إلا قليلاً. وفي الرواية الأخرى: لو شئتُ أن أَعُدَّ شمطاتٍ كُنَّ في رأسه رسول الله وَلي؟
فعلتُ) ظاهِرُهُ: أنه لم يكن ◌َّهُ يختضب، كما قد نصَّ عليه في بقية الحديث.
وبهذا الظاهر أخذ مالك فقال: لم يختضب رسولُ الله ێے، وإليه ذهب أبو عمر بن
عبد البر، وذهب بعضُ أصحاب الحديث إلى أنه خَضَبَ، متمسِّيكن في ذلك بما
رواه أبو داود عن أبي رمثة، قال: انطلقتُ مع أبي نحو النبيِّ بَّ فإذا هو ذو وفرةٍ،
وبها ردٌ من حنَّاء، وعليه بُزْدان أخضران(١). وروى أبو داود أيضاً عن زيد بن
أسلم: أن ابن عمر - رضي الله عنهما - كان يصبغُ لحيته بالصفرة حتى تمتلىء ثيابُه
من الصفرة. فقال: إنِّي رأيتُ رسولَ الله ◌ِ ﴾ يصبغ بها، ولم يكن شيء أحبَّ إليه
منها، وقد كان يصبغ بها ثيابه كلها حتى عمامته(٢). ويعتضد هذا بأمره وص له بتغيير
الشيب، كما قال: ((غيِّرُوا هذا الشيب واجتنبوا السواد))(٣)، وقال: ((غَيِّرُوا الشيبَ
ولا تشبَّهوا باليهود))(٤) وما كان ◌َّ يأمر بشيء إلا كان أول آخذٍ به. ومما يُعْتَضَدُ به
لذلك ما رواه البخاري عن عبد الله بن موهب، قال: دخلتُ على أم سلمة،
فأخرجتْ لي شعرات من شعر رسول الله صل# مخضوباً(٥). زاد ابن أبي شيبة:
(١) رواه أبو داود (٤٢٠٦).
(٢) رواه أبو داود (٤٠٦٤).
(٣) رواه أحمد (٣١٦/٣)، ومسلم (٢١٠٢) (٧٩)، وأبو داود (٤٢٠٤)، والنسائي
(١٣٨/٨)، وابن ماجه (٣٦٢٤).
(٤) رواه أحمد (٢٦١/٢)، والبخاري (٣٤٦٢)، ومسلم (٢١٠٣)، وأبو داود (٤٢٠٣)،
والنسائي (٨/ ١٣٧).
(٥) رواه البخاري (٥٨٩٧).

١٣٢
(٣٣) كتاب النبوات - (١٩) باب: في حسن أوصاف النبي ﴾
بالحناء والكتم، والإسناد واحد(١). ومما يعتضد به هؤلاء خضاب الخليفتين
- رضي الله عنهما - فلو علما أن النبيَّ وَ ل﴿ لم يختضب لما اختضبا، فإنهما ما كانا
باللذين يعدلان عن سُنَّته، ولا عن اتباعه، والفَضْل لهؤلاء من أحاديث أنس، وما
في معناها بأن الخضابَ لم يكن منه ﴿ دائماً، ولا في كلِّ حال، وإنما كان في
بعض الأوقات، فلم يلتفتْ أنسٌ لهذه الأوقات القليلة، وأطلق القول، وأولى من
هذا أن يقال: إنه * لما لم لكن شيئُه كثيراً، وإنما كان في لحيته وصُذْغيه نحو
العشرين شعرة بيضاً، لم يكن الخضاب يظهر فيها غالباً، والله تعالى أعلم. وقد
اعتذر أصحابُ القول الأول عن حديث أبي رمثة وابن عمر بأن ذلك لم يكن خضاباً
بالحناء، وإنما كان تغييراً بالطيب، ولذلك قال ابنُ عمر - رضي الله عنهما -: كان
يصبغ بالصفرة، ولم يقل: بالحناء، وهذه الصفرة هي التي قال عنها أبو رمثة: ردع
من حناء؛ لأنه شبَّهها بها، وأما حديث أم سلمة فيحتمل أن يكون ذلك فُعِلَ بشعر
رسول الله وَ لفي بعده بطيب أو غيره احتراماً وإكراماً. والله أعلم.
والشَّمَطات: جمع شمطة، ويعني بها: الشعرات البيض المخالطة للشعر
الأسود. قال الأصمعي: إذا رأى الرجلُ البياضَ؛ فهو أشمط. وقد شمط. والكَتَم
- بالتحريك -: نبت يُخلط بالوسمة. يُختضب به. قاله في الصحاح. والبحث
- بالموحدة والحاء المهملة -: هو الخالص من الشيء، المنفرد عن غيره. وقال
أبو حنيفة اللغوي: الوسمة: الحظر، والعِظْلِمُ، والثبلج، والتَّنومة؛ وكله يُصْبَغ به.
والحِنَّاء ممدودة. قال أبو عليٍّ: جمع حِنَّاءة. والكَتَمُ - مخفّفُ التاء -: هو
المعروف. وأبو عبيد يقولها بالتشديد. ونبذٌ: الرواية فيه بفتح النون وسكون الباء.
أي: شيء قليلٌ متبددٌ. وبعض النَّاس يقوله: تُبُذٌ - بضم النون وفتح الباء -: جمع
تُبُذة، كغرفة وغُرَف، وظُلْمَة وظُلَم. وهذا لا يستقيمُ هنا؛ لأنَّه كان يلزم منه أن
(١) رواه ابن أبي شيبة (٢٤٦/٨).

١٣٣
(٣٣) كتاب النبوات - (١٩) باب: في حسن أوصاف النبي ◌َّ
[٢٢٥٥] وعن جابرٍ بن سَمُرَة، قال: كان رسولُ اللهِ وَ له قد شَمِطَ
مُقدَّمُ رأسِهِ ولِحِیَتِهِ،
يكون سَبَبُه نبذاً مجتمعةً في أنفسها، متفرقةً في مواضع عديدةٍ، ويلزم عليه أن
يكون سببه كثيراً، فيكون هذا مخالفاً لما قاله أنسٌ في الأحاديث الأخر.
وكراهتُهُ وَ﴿ِ نَتْف الشيب إنّما كان لأنَّه وقارٌ، كما قد روى مالك: ((أن أوَّل كراهيةُ نتف
من رأى الشَّيبَ إبراهيم - عليه السلام - فقال: يا رب! ما هذا؟ فقال: وقار. قال: الشَّيب
یا رب زدني وقاراً»(١)، أو لأنَّه نورٌ يوم القيامة، کما روى أبو داود من حديث
عمرو بن شعيبٍ عن أبيه، عن جدِّه قال: قال رسولُ اللهِ وَليهِ: ((لا تنتفوا الشَّيب! ما
من مسلم يشيب شيبةً في الإسلام إلا كانت له نوراً يوم القيامة)). وفي أخرى: ((إلا
كتب الله له حسنةً، وحطّ عنه خطيئةً))(٢).
و (قول أنسٍ - رضي الله عنه -: ما شانه الله بِبَيْضاء) أي: لم يكن شيئُه كثيراً كان شيب
بيِّناً حتى تزولَ عنه بهجةُ الشباب، ورونقه، ويلحق بالشيوخ؛ الذين يكون الشيب رسول الله ﴾
يسيراً
لهم عيباً؛ فإنَّه يدلُّ على ضَعْفهم، ومفارقة قوة الشّباب ونشاطه. ويحتمل أن يريدَ:
أنَّ ما ظهرَ عليه من الشَّيب اليسير زاده ذلك في عين الناظر إليه أُبَّهةً، وتوقيراً،
وتعظيماً. و (الشَّيْن): العيب. و(أبري النَّبل): أنحته، و (أريشه): أجعل فيها
الريش. ويعني: أنَّه قد كان كبر، وقوي، وعرف. وهذا حالُ المراهق.
و (قوله: قد شَمِطَ مُقَدَّمُ رأسه ولحيته) أي: خالط الشيبُ ذينك الموضعين.
ومُقدَّم اللحية: يعني به: العنفقة، كما قال أبو جحيفة: رأيتُ هذه منه بيضاء.
يعني: عنفقته. و (مقدَّمه) يعني به: الصُّدغين، كما قال أنسٌ: إنما كان البياض في
عنفقته وصُدْغيه. وهذا يدلُّ: على أنَّ قولَ أنسٍ في الرِّواية الأخرى: إنَّه كان في
(١) رواه مالك في الموطأ (٢/ ٩٢٢).
(٢) رواه أبو داود (٤٢٠٢).

١٣٤
(٣٣) كتاب النبوات - (١٩) باب: في حسن أوصاف النبي ﴾
وكان إذا اذَّهَنَ لم يَتَبَيَّن، وإذا شَعِثَ رأسُهُ تَبَيَّنَ، وكان كَثير شعرِ اللُّحيةِ.
فقال رَجُلٌ: وجهُهُ مِثلُ السَّيْفِ؟ قال: لا، بل كان مثلَ الشمسِ
والقمرٍ، وكان مستديراً.
لحية رسول الله *ٍ ورأسه عشرون شعرةً بيضاء، إنَّما كان ذلك منه تقديراً على
جهة التقريب والتقليل لا التحقيق.
و (قوله: وكان إذا اذَّهن لم تتبيَّن، وإذا شَعِث تبيَّن) يعني: أنه كان إذا تطيَّب
بطيبٍ يكون فيه دهنٌ فيه صفرة خفي شيئُه، وهذه هي الصفرةُ التي رأى عليه
ابن عمر، وأبو رمئة. والله أعلم. وشعثُ الرأس: انتفاشُ شعره لعدم تسريحه،
وأراد به هنا: إذا لم يتطيّب.
و (قوله: كان وَجْهُهُ مثلَ السيف) يحتمل هذا التشبيه وجهين:
أحدهما: أن السيوف كانت عندهم مستحسنةً محبوبةً يتجمَّلون بها، ولا
يفارقونها، فشُبِّه وَجْهُ النبيِّ رَ﴿ به؛ لأنه مُستحسنٌ محبوبٌ يُتجمَّلُ به حين
المجالسة، ولا يُسْتَغْنی عنه.
وثانيهما: أنه کان پڼ أزهر، صافي البياض، يبرق وجهُه، وقد روي: أنه كان
يتلألأ وجهْه في الجُدُر (١)، فشُبِّه وجهُه بالسيف في صفاء بياضه وبريقه.
والله أعلم.
استدارةٌ وجه
رسول الله (#
و (قوله: لا! بل: مثل الشمس والقمر) هذا نفيٌ لتشبيه وجهه بالسيف، لما
في السيف من الطول، فقد يحتمل أن وجهه كان طويلاً، وإنما كان مستديراً في
تمام الخلق؛ ولأنه تقصير في التشبيه، فأضرب عن ذلك، وذكر من التشبيه ما هو
أوقع، وأبلغ. فقال: بل مثل الشمس والقمر، وهذا التشبيهُ: هو الغايةُ في
(١) ذكره ابن الأثير في النهاية (٥٥/٤). وانظر: سبل الهدى والرشاد (٥٨/٢).

١٣٥
(٣٣) كتاب النبوات - (١٩) باب: في حسن أوصاف النبي اَلّ
ورأيتُ الخاتَمَ عند كَتِفِهِ مِثلَ بيضةِ الحمامة يُشبهُ جَسَدَهُ.
رواه أحمد (٩٠/٥ و١٠٢)، ومسلم (٢٣٤٤) (١٠٨ و١٠٩)،
والترمذيُّ في الشمائل (٣٨ و ٤٣)، والنسائيّ (١٥٠/٨).
الحسن؛ إذ ليس فيما نشاهده من هذه الوجوه أحسن، ولا أرفع، ولا أنفع منهما،
وهما اللذان جرتْ عادةُ الشعراء والبلغاء بأن يشبهوا بهما ما يستحسنونه.
و (قوله: وكان كثير شعر اللحية) لا يفهم من هذا أنه كان طويلَها؛ فإنه قد
صحَّ أنه كان كثَّ اللحية، أي: كثير شعرها غير طويلة، وكان يُخَلِّل لحيته.
و (قوله: ورأيت الخاتم عند كتفه مثل بيضة الحمامة) الألف واللام في خاتم النبوة
الخاتم لتعريف العهد، أي: خاتم النبوة الذي من علاماته المعروفة له في الكتب وصفته
السابقة، وفي صدور علماء الملل السالفة، ولذلك لما حصل عند سلمان الفارسي
- رضي الله عنه - العلم بصفاته، وأحواله، وعلاماته وموضع مبعثه، ودار هجرته،
جدَّ في الطلب حتى ظفر بما طلب، ولمَّا لقيه جعل يتأمّل ظهره، فعلم النبيُّ ◌َّ:
أنه يريد أن يقف على ما يعرفه من خاتم النبوة، فنزع رداءه من على ظهره، فلما
رأی سلمان الخاتم أکبّ علیه یقبله، وهو يقول: أشهدُ أنك رسول الله. وروى
الترمذي عن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه -: أن النبيَّ ◌َّرِ لمَّا خرج مع عمه
أبي طالب إلى الشام، ونزلوا بصومعة راهبٍ كان هنالك، وقد سمِّي في غير هذا
الخبر (بحيرا)، فخرج إليهم ذلك الراهب، وكان قبل ذلك لا يخرج إليهم، ولا
يلتفت إليهم، فلما خرج جعل يتخلَّلهُم حتى جاء فأخذ بيد رسول الله موص له فقال:
هذا سيد العالمين، هذا رسول رب العالمين، يبعثه الله رحمة للعالمين. فقال له
أشياٌ من قريش: ما علمك؟ فقال: إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق حجر،
ولا شجر إلا خرّ ساجداً له. ولا يسجدان إلا لنبيٍّ، وإني لأعرفه بخاتم النبوة أسفل
من غضروفه مثل التفاحة ... وذكر الحديث بطوله، وقال في آخره: حديثٌ حسنٌ

١٣٦
(٣٣) كتاب النبوات - (١٩) باب: في حسن أوصاف النبي ◌َليّ
غريب(١). وعلى هذا: فخاتم النبوة معناه: علامةُ نبوّةٍ نبينا محمد نَّه، وقد
اختلفتْ ألفاظُ النقلة في صفة ذلك الخاتم، فروى جابر بن سمرة، وأبو موسى
ما ذكرناه آنفاً، وروى السائب بن يزيد: أنه مثل زرِّ الحجلة. وروى عبد الله بن
سرجِس: أنه رأى جُمْعاً عليه خِيْلان مثل: الثآليل. وروى الترمذي عن جابر بن
سمرة، قال: كان خاتم رسول الله وَل﴿، يعني: الذي بين كتفيه غدَّة حمراء مثل
بيضة الحمامة، وقال: حسن صحيح(٢).
قلتُ: وهذه الكلماتُ كلُّها متقاربةُ المعنى مفيدةٌ: أن خاتم النبوة كان نتوءاً
قاتماً أحمر تحت كتفه الأيسر قدره إذا قُلِّل: بيضة الحمامة، وإذا كُثِّر: جَمْع اليد،
وقد جاء في البخاري: كان بَضْعةً ناشزة(٣)، أي: مرتفعة.
و (قوله: زِرّ الحجلة) الروايةُ المعروفةُ فيه: زرّ- بتقديم الزاي - قال أبو الفرج
الجوزي: الحجلة بيت كالقبة يُستر بالثياب، ويُجعل له باب من جنسه، فيه زوّ
وعروة. تُشَدُّ إذا أُغلق. وقال القاضي أبو الفضل: الزرّ: الذي يَعْقِدُ به النساء عُرى
أحجالهن كأزرار القميص. والحجلة هنا: واحدة الحجال، وهي ستورٌ ذات
سُجوفٍ. وقال غيره: الحجلة: هي الطائر المعروف، وزرُّها: بيضتها. كما قال
جابر: بيضة الحمامة.
قلتُ: والأول: أشهر في الزر، والثاني: أشبه بالمعنى؛ وقد أبعد الخطابيُّ
فرواه: رزّ الحجلة بتقديم الراء، أراد: بيضة الحجلة. يقال: أرزتِ الجرادةُ، أي:
أدخلت ذنبها في الأرض لتبيض.
قلتُ: وهذا لا يُلتفت إليه؛ لأن العرب لا تسمى البيضة رزة، ولا تُؤخذ
(١) رواه الترمذي (٣٦٢٠).
(٢) رواه الترمذي (٣٦٤٤).
(٣) ذكره ابن حجر في فتح الباري (٦/ ٥٦٣) وعزاه للترمذي.

١٣٧
(٣٣) كتاب النبوات - (١٩) باب: في حسن أوصاف النبي ◌َّ
اللغةُ قياساً. قال القاضي أبو الفضل: وهذا الخاتم هو أثر شقِّ الملكين بين كتفيه.
قلتُ: هذه غفلةٌ من هذا الإمام؛ فإن الشقَّ إنما كان في صدر النبيِّ لَّله
وأثره إنما كان خطّاً واضحاً من صدره إلى مراقٌ بطنه، كما هو منصوص عليه في
الأحاديث السالفة في كتاب الإيمان من كتاب مسلم، وفي البخاري وغيرهما، ولم
يثبتْ قطُ في روايةٍ صحيحةٍ، ولا حسنةٍ، ولا غريبةٍ أنه بلغ بالشق حتى نفذ من وراء
ظهره، ولو قدَّرنا أن ذلك الشقَّ، كان نافذاً إلى ظهره، وأن تلك أثره للزم عليه أن
يكون مستطيلاً [من بين كتفيه] (١) إلى قطنته؛ لأنه الذي يحاذي الصدر من مسربته
إلى مراقٌ بطنه، فهذه غفلةٌ منه - رحمه الله -. ولعلَّ هذا غلطٌ وقع من بعض
الناسخين لكتابه؛ فإنه لم يُسْمَعْ عليه فيما علمتُ. وناغض الكتف: هو ما رقَّ منه
ولانَ، سمِّي بذلك لنغوضه، أي: حركته، يقال: نغض رأسَه، أي: حرَّكه.
ونغضتُ القناةَ: هزَزْتُها. ومنه قوله تعالى: ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَّكَ رُءُوسَهُمْ﴾
[الإسراء: ٥١] أي: يحركونها استهزاءً، ويُسمَّى الناغض: الغضروف، وكذا جاء
في رواية أخرى.
و (قوله: جُمْعاً عليه خِيلانٌ) هو منصوبٌ على الحال، أي: نظرتُ إلى خاتم
النبوة مثل الجُمْع. قال ابنُ قتيبة: هو جُمْع الكفّ. يقال: ضربه بجُمْع كفِّه، إذا
جمعها فضربه بها. وهو بالضم، ويقال بكسرها. والخِيْلان: جمع خال، وهي نُقَطّ
سودٌ كانت على الخاتم، شبهها لِسَعتها بالثآليل؛ لا أنها كانت ثآليل، وهي جمع
تؤلول: وهي حبيباتٌ تعلو الجلد.
و (قوله: كان رسولُ اللهِ ﴿ ضليعَ الفم)(٢) فسَّره سِمَاك في الأصل: بأنه
(١) ما بين حاصرتين سقط من (ز).
(٢) هذا الكلام إلى قوله: منهوس العقبين، هو شرحٌ لما أشكل في الحديث رقم (٢٣٣٩)
(٩٧) في صحيح مسلم، ولم يورده الشيخ - رحمه الله - في التلخيص.

١٣٨
(٣٣) كتاب النبوات - (١٩) باب: في حسن أوصاف النبي ◌َ و
عظيم الفم، وهو بمعنى واسع الفم كما قاله ثعلب. والعرب تتمدَّح بسعة الفم،
وتكره صغره.
قلتُ: وكأنَّهم يتخيَّلون أنَّ سَعة الفم يكون عنها: سَعة الكلام، والفصاحة،
وأن ضيقَ الفم يكون عنه قلَّةُ الكلام واللُّكنة، وقد وُصِفَ النبيُّ ◌َلاغير بأنه كان يفتتحُ
الكلام ويختمه بأشداقه، أي لِسَعة شِذْقيْه، وعدم تصنُّعه، ومن هذا المعنى سُمِّي
الرجل أشدق.
صفة فمه
و (قوله: أشكلَ العينين) قال أبو عُبيد: الشُّهلة: حمرةٌ في سواد العين،
والشُّكلة: حمرة في بياضها، وهو محمودٌ. قال الشاعر:
صفة عينيه 053#
ولا عَيْبَ فِيهَا غَيْرَ شُكْلَةٍ عَنْنِها كَذاكَ عِتَاقُ الخَيْلِ شُكْلٌ عُيُونُها
قال صاحب (الأفعال): شَكِلَتِ العينُ: بكسر الكاف، شُكْلةً، وشُكْلاً: إذا
خالطَ بياضها حمرةٌ.
قلتُ: ونحو هذا في الصحاح، وزاد: عين شَكْلاء: بيِّنة الشَّكَل. ورجلٌ
أَشكل، ودمٌ أشكل: إذا كان فيه بياض وحمرة، وهذا هو المعروف عند أهل اللغة،
فأما ما فسَّره به سِمَاك من أنه طويل شقِّ العين، فغير معروف عندَهم، ولم أقف
على من قاله غيره.
و (قوله: منهوس العقبين) (١) يروى بالسين المهملة والمعجمة. قال
ابن الأعرابي: يُقال رجل منهوس القدمين، ومنهوش القدمين، أي: قليل
لحمهما، كما قال سِمَاك، وهو مأخوذ من النهس والنهش. قال أبو العباس:
النهس أخذ بأطراف الأسنان، والنهشُ بالأضراس.
(١) في (ز) و(م ٣): القدمين.

١٣٩
(٣٣) كتاب النبوات - (١٩) باب: في حسن أوصاف النبي ◌َ﴾
[٢٢٥٦] وعن أنسٍ، قال: كانَ رسولُ الله ◌َِّ ليس بالطّويل البائنِ،
ولا بالقصير، وليس بالأبيضِ الأمْهَق، ولا بالآدَم، ولا بالجَعْدِ القَطَطِ، ولا
بالسَّبِط،.
و (قوله: ليس بالطويل البائن) أي: الذي يُباين الناسَ بزيادة طوله، وهو طولُهُ وَّ
الذي عبّر عنه في الرواية الأخرى: (بالمُشَذَّب)، وفي الأخرى: (بالمُمَعَّط)(١)
- بالعين والغين -: أي: المتناهي في الطول، وهو عند العرب: العَشَتَّقُ،
والعَشَنَّطُ.
و (قوله: ولا بالقصير المتردِّد)(١)) أي: الذي تداخلَ بعضُه في بعضٍ، وهو
المسمَّى عند العرب: بحنبل، وأقصر منه: الحنتل. وكلا الطرفين مستقبحٌ عند
العرب، وخيرُ الأمور أوساطها. وكذلك كان النبيُّ 98َ في جميع أحواله.
و (قوله: ليس بالأبيض الأمهق) أي: الشديد البياض؛ الذي لا يُخالط بياضَه لون بشرته ◌ِ﴾
حمرةٌ، ولا غيرُها. والعربُ تكرهه؛ لأنه يُشبه البرصَ.
و (قوله: ليس بالآدَم) أي: الذي تغلبُ سمرتَه السوادُ؛ فإنَّ السُّمرة بياضٌ
يميل إلى سوادٍ، والسَّخمَة - بالسين - فوقه، ثم الصَّحْمَة - بالصَّاد - فوقه، وهو
غالبُ لون الحبشة، ثم الأَدَمة فوقه، وهو غالبُ ألوان العرب. والنبيُّ ◌َّ كان
بياضُه مُشْرَباً بحمرة في صفاء، فصدقَ عليه أنه أزهرُ. وأنه مُشْرَبٌ، وهذا اللون:
هو أعدلُ الألوان وأحسنُها.
و (قوله: ولا بالجَعْدِ القَطَط) يروى بفتح الطاء وكسرها، وهو الشديد صفة شعره وله
الجعودة الذي لا يطول إلا باليد، وهو حالُ شعور السودان.
و (قوله: ولا بالسَّبِط) يعني المسترسل الذي لا تكشُّر فيه، وهو غالبُ شعور
الروم، والرَّجِلُ هو الوسطُ بين ذينك.
(١) رواه الترمذي برقم (٣٦٣٨) عن عليٍّ - رضي الله عنه -.

١٤٠
(٣٣) كتاب النبوات - (١٩) باب: في حسن أوصاف النبي ◌َ﴾
بعثه الله على رأس أربعين سنةً، فأقام بمكّة عَشْر سنينَ، وبالمدينةِ عَشْرَ
سنين، وتوفَّاه الله على رأس ستِينَ سنةً، وليس في رأسه ولحيته عشرونَ
شعرةً بيضاءَ.
وفي رواية: كان أَزْهَرَ.
رواه أحمد (٢٤٠/٣)، والبخاريُّ (٣٥٤٨)، ومسلم (٢٣٤٧)،
والترمذيُّ (٣٦٢٣).
سنه# حين
بُعث
و (قول أنسٍ: بعثَه الله على رأس أربعين سنةً) يعني: من مولده، أي عند
كمالها بعثه الله رسولاً. وهذا هو أكثرُ الأقوال، وقد جاء عن ابن عباس - رضي الله
عنهما - أنه بُعث على رأس ثلاث وأربعين سنة، وهو قول سعيد بن المسيب.
و (قوله: فأقامَ بمكة عَشْراً) يعني: بعد البعث وقبل الهجرة. وهذا مما
اختلف فيه. فقيل: عشر، وقيل: ثلاث عشرة، وقيل: خمس عشرة، ولم يُختلف
أنه أقامَ بالمدينة عشراً.
سنه * حين
توفي
و (قوله: وتوفَّاه الله على رأسٍ ستينَ سنة) هذا أحد قولي أنس، وفي الرواية
الأخرى عنه: ثلاث وستين. ووافقه على ذلك: عبد الله بن عباس ومعاوية وعائشة،
وهو أصحُ الأقوال، وأصحُ الروايات على ما ذكره البخاريُّ، وقد ذُكر عن أنس:
خمس وستين سنة، وهي الرواية الأخرى عن ابن عباس، ولا خلافَ أنه وَ لّ وُلد
عام الفيل.
و (قوله: وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء) قد قلنا إن هذا منه
تقدیرٌ على جهة التقلیل، وذكرنا: أن شیبه كان أكثر من هذا.
و (قول عمرو في الأصل لعروة: كم كانَ رسول الله وَّه بمكة؟ قال: عَشْراً)