Indexed OCR Text

Pages 621-640

٦٢١
(٣١) كتاب الرقى والطب - (١٦) باب: لا عدوى ولا طيرة
من أوهام جهَّال العرب. وبيان ذلك: أنهم كانوا يعتقدون أن المريض إذا دخل في من أوهام
الأصحاء أمرضهم، وأعداهم، وكذلك في الإبل. فنفى النبيُّ ◌َ﴿ ذلك وأبطله. ثم الجاهلية
إنَّهم لما أوردوا على النبيِّ وَّفي الشبهة الحاملة لهم على ذلك - حين قالوا: فما بال
الإبل تكون في الرمل كأنها الظباء فيجيء البعير الأجرب فيدخل فيها فيجربها،
قطع حَّتهم، وأزاح شُبهتهم بكلمةٍ واحدةٍ، وهي قوله: ((فمن أعدى الأول؟))
ومعنى ذلك: أن البعير الأجرب الذي أجرب هذه الصحاح ـ على زعمهم - من أين
جاءه الجرب؟ أمن بعير آخر؟ فيلزم التسلسل. أو من سبب غير البعير؟ فهو الذي
فعل الجرب في الأول والثاني، وهو الله تعالى الخالق لكل شيء، والقادر على كل
شيءٍ. وهذه الشبهةُ التي وقعت لهؤلاء هي التي وقعت للطبائعيين أولاً، وللمعتزلة
ثانياً. فقال الطبائعيون بتأثيرات الأشياء بعضها في بعضٍ، وإيجادها إياها، وسمّوا شبهة الطبائعيين
المؤثر طبيعة. وقالت المعتزلة بنحو ذلك في أفعال الحيوانات والمتولدات،
وقالوا: إنَّ قُدَرَهم مؤثرة فيها بالإيجاد. وإنهم خالقون لأفعالهم، مستقلّون
باختراعها. واستند الكل ممَّن ذكر للمشاهدة الحسية، وربما نسبوا منكِر ذلك إلى
إنكار البديهة. وهذا غلطُ فاحشٌ، وسَبَيُّه: أنهم التبس عليهم إدراك الحس بإدراك إدراك الحس
العقل، فإنَّ الذي شاهدوه إنَّما هو تأثير شيء، عند شيءٍ آخر، وهذا حظُ الحسرِّ، وإدراك العقل
أما تأثيره فيه فلا يدرك حسّاً، بل عقلاً، فإن الحسَّ إنما أدرك وجود شيءٍ عند
شيءٍ، وارتفاعَه عند ارتفاعه، أما إيجاده به فليس للحسِّ فيه مدخلٌ، فأما
المتقاربات في الوجود على حالةٍ واحدةٍ فالعقلُ هو الذي يفرِّق، فيحكم بتلازم
بعضها بعضاً عقلاً، ويحكم بتلازم بعضها بعضاً(١) عادةً مع جواز التبدُّل عقلاً.
ولقد أحسن مَنْ قال مِن العقلاء النظّار الفضلاء: إياك والانخداعَ بالوجود
والارتفاع. واستيفاءُ الكلام على هذا في علم الكلام.
(١) في (ج ٢): لبعض. وفي (م ٢) و(ز): ببعض.

٦٢٢
(٣١) كتاب الرقى والطب - (١٦) باب: لا عدوى ولا طيرة
طِيرَة، ولا صَفَر، ولا هامة)). فقال أعرابي: يا رسول الله! فما بَالُ الإبل
تكون في الرَّمْل كأنَّها الظِّاء، فيجيء البَعِيرُ الأجْربُ، فيدخُلُ فيها،
فَيُجْرِبها كُلَّها؟ قال: ((فمن أَعْدَى الأوَّل؟)).
زاد في روايةٍ: ((ولا نَوْءَ)).
رواه أحمد (٢٦٧/٢)، والبخاريُّ (٥٧١٧)، ومسلم (٢٢٢٠).
مشافهة مَن
وقعت له شبهة
وفيه دليلٌ على جواز مشافهة مَن وقعت له شُبهةٌ في اعتقاده بذكر البرهان
العقلي؛ إذا كان السائل(١) أهلاً لفهمه. فأما أهل القصور؛ فيخاطبون بما تحتمله
عقولُهم من الأمور الإقناعيات.
و (الطيرة) قد تقدم الكلامُ فيها في الصلاة، ويأتي إن شاء الله.
ما هو الصَّفَر؟
و (الصَّفَر): تأخير المحرَّم إلى صفر. وهو النسيء الذي كانوا يفعلونه. وإلى
هذا ذهب مالكٌ، وأبو عبيدة. وقيل: هو دودٌ في البطن يهيجُ عند الجوع، كانت
العرب تراها أعدى من الجرب، وأنشدوا(٢):
لا يَتَأْزَّى لِمَا فِي القِدْرِ يَزْقُبُهُ وَلاَ يَعَضُّ عَلَى شُرْسُوفِهِ الصَّفَرُ
ما هي الهامّة؟
وإلى هذا ذهب مطرِّف، وابن وهب، وابن حبيبٍ، وهو اختيارُ أبي عبيدة.
و (الهامّة) - مشدَّد الميم - طائر تتشاءم به العرب، فإذا سقطت في دار أحدهم رآها
ناعيةً له نفسه، أو أحداً من أهله. وإلى هذا التفسير ذهب مالك. وقيل: كانت
العرب تعتقد: أن عظامَ الميت، أو رأسه ينقلبُ هامَّةً يطير، ويُسمَّى ذلك الطائر:
الصَّدی. قال لبید:
فَلَيْسَ النَّاسُ بَعْدَكَ في نَعِيمٍ وَلاَ هُمْ غَيْرَ أَصْدَاءِ وَهامٍ
(١) في (م ٣) و(ز): السامع.
(٢) قائل هذا البيت هو أعشى باهلة، يرثي أخاه.

٦٢٣
(٣١) كتاب الرقى والطب - (١٦) باب: لا عدوى ولا طيرة
[٢١٦١] وعن أبي الزُّبير: أنَّه سمع جابر بن عبد الله، يقول:
سمعت رسول الله ◌َّهو يقول: ((لا عَدْوى، ولا صَفَر، ولا غُولَ)).
وفي رواية: (ولا طيرة (بدل) ولا صفر)).
وذكر أبو الزبير: أنَّ جابراً فسَّر لهم فقال: الصَّفَر: البطْن؛ فقيل
لجابر: كيف؟ قال: كان يقال: دوابُ البطن؛ ولم يفسر الغُول. قال
أبو الزبير: هذه الغُول التي تَغوَّلُ.
رواه أحمد (٣٨٢/٣)، ومسلم (٢٢٢٢) (١٠٧ و١٠٩).
قال الإمام أبو عبد الله: أما البوم؛ فالأنثى منه الهامَّة، والذكر منه يسمى
الصَّدی.
قلتُ: وهذا يُشْعِر: أن أبا عبد الله وقع له في هذا الحديث: (ولا بوم)
ففسَّره بما قال، ولم يقع في كتاب مسلمٍ إلا قوله: ((ولا نوء))، أي: لا تصح نسبة
الأمطار والرياح للنوء، وقد تقدَّم تفسيره في الإيمان.
و (الغُول): كانت العرب تتحدَّث أن الغيلان تتراءى للناس في الفلوات ما هي الغول؟
فتتغول لهم تغوّلاً، أي: تتلوَّن تلوّناً، فتضلّهم عن الطريق فتهلكهم. قال
الجوهري: الغُول - بالضم - من السَّعالَى، والجمع: أغوال وغيلان. وكلّ ما اغتال
الإنسانَ فأهلكه: فهو غُولٌ. يقال: غالته غُول: إذا وقع في مهلكةٍ. ومقصودُ هذا
الحديث: إيطالُ ما كانت العرب تقوله، وتعتقده في هذه الأمور، وأَلَّا يُلتفت لشيءٍ
من ذلك؛ لا بالقلب ولا باللسان. والله أعلم.

٦٢٤
(٣١) كتاب الرقى والطب - (١٧) باب: لا يورد ممرض على مصح
(١٧) باب
لا یورِدُ ممرضٌ علی مُصحّ
[٢١٦٢] عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوفٍ، أنَّ رسولَ الله ◌ِلَه
قالَ: ((لا عدوى)). ويحدِّث: أنَّ رسولَ الله وَّهِ قالَ: ((لا يُورِد مُمْرِضٌ على
مُصِحّ)).
(١٧) ومن باب: لا يُورِدُ ممرضٌ علی مُصِحّ
الورود هو الوصولُ إلى الماء. و (أورد إبله): إذا أوصلها إليه، فصاحبُ
الإبل: مُورِد؛ والإبل مُورَدَةٌ، ومُمْرِض: اسم فاعل من أمرض الرجل: [إذا أصاب
ماشيته مرض، قاله يعقوب. ومصحّ: اسم فاعل من أصحّ](١)؛ إذا أصابت ماشيته
عاهة ثم صحت. قاله الجوهري. وقد جمع أبو هريرة - رضي الله عنه - في هذه
الرواية بين قوله وَلجر: ((لا عدوى))، وبين قوله: ((لا يُورِدُ ممرضٌ على مُصِحّ)). وهو
جمعٌ صحيح لا بُعْدَ فيه؛ إذ كلاهما خبرٌ عن المشروعية، لا خبرٌ عن الوجود،
فقوله: ((لا عدوی) أي: لا يجوز اعتقادها.
و (قوله: ((لا يُورِد مُمْرِضٌ على مُصِحّ)) أي: لا يفعل ذلك. فهما خبران
يتضمنان النهي عن ذلك، وإنما نهى عن إيراد الممرض على المصحّ مخافةَ الوقوع
فيما وقع فيه أهلُ الجاهلية من اعتقاد ذلك، أو مخافة تشويش النفوس، وتأثير
الأوهام، وهذا كنحو أمره * بالفرار من المجذوم، فإنا وإن كنا نعتقد أن الجذام
لا يُعدي، فإنا نجد من أنفسنا نفرة، وكراهية لذلك، حتى إذا أكره الإنسانُ نفسَه
على القرب منه وعلى مجالسته تألَّمت نفسُه، وربما تأذَّتْ بذلك، ومرضت.
ويحتاج الإنسانُ في هذا إلى مجاهدةٍ شديدة، ومكابدةٍ. ومع ذلك فالطبع أغلب،
الحكمة من
النهي عن إيراد
المريض على
المصح
(١) ما بين حاصرتين سقط من (ع).

٦٢٥
(٣١) كتاب الرقى والطب - (١٧) باب: لا يورد ممرض على مصح
قال أبو سلمة: كان أبو هريرة يحدِّثهما كلتيهما عن رسول الله وَله،
ثم صَمَت أبو هريرة بعد ذلك عن قوله: ((لا عَدْوى))، وأقام على: ((أنْ لا
يُورِدُ مُمْرِض على مُصِحّ)، فلا أدري أنَسِي أبو هريرة، أو نسخ أحدُ القولين
الآخَر؟.
رواه أحمد (٤٣٤/٢)، والبخاريُّ (٥٧٧١)، ومسلم (٢٢٢١)
(١٠٤)، وأبو داود (٣٩١١)، وابن ماجه (٣٥٤١).
وإذا كان الأمر بهذه المثابة(١)؛ فالأولى بالإنسان أَلَّ يقرب شيئاً يحتاج الإنسان فيه
إلى هذه المكابدة، ولا يتعرّض فيه إلى هذا الخطر. والمتعرض لهذا الألم زاعماً
أنه يجاهد نفسه حتى يزيل عنها تلك الكراهة؛ هو بمنزلة من أدخل على نفسه مرضاً
إرادةَ علاجه حتى يزيله. ولا شك في نقص عقل من كان على هذا، وإنما الذي
يليق بالعقلاء، ويناسب تصرُّف الفضلاء أن يباعدَ أسبابَ الآلام، ويُجانب طرق العاقل يباعد
الأوهام، ويجتهد في مجانبة ذلك بكل ممكنٍ مع علمه بأنه لا ينجي حذرٌ عن قدرٍ، أسبابَ الآلام
وبمجموع الأمرين وردتِ الشرائع، وتوافقتْ على ذلك العقول والطبائع. وأما
سكوت أبي هريرة عن قوله: ((لا عدوى))، وإيراد الحديث من غير: ((لا يورد
ممرض على مصح)) بعد أن حدّث بمجموعهما، فلا يصحُّ أن يكون من باب
النسخ، كما قدَّره أبو سلمة بن عبد الرحمن لأنهما لا تعارض بينهما، إذ الجمعُ
صحيحٌ كما قدَّمناه، بل الواجبُ أن يقال: إنهما خبران شرعيان عن أمرين
مختلفين، لا متعارضين؛ كخبرٍ يتضمَّن حكماً من أحكام الصلاة، وآخر يتضمن
حكماً من أحكام الطهارة مثلاً. وقد بيَّنَّا وَجْهَ تباين الخبرين. وعلى هذا: فسكوتُ
أبي هريرة يحتمل أوجهاً:
(١) في (ع): الصفة.

٦٢٦
(٣١) كتاب الرقى والطب - (١٨) باب: في الفأل الصالح
(١٨) باب
في الفأل الصالح وفي الشؤم
[٢١٦٣] عن أبي هريرة قال: سمعت النبيَّ وَّهُ يقول: ((لا طيرةَ
وخَيرُها الفألُ)). قيل: يا رسول الله! وما الفَأْلُ؟ قال: ((الكلمة الصالحة
یسمَعُها أحدُكُم)).
رواه أحمد (٢٦٦/٢)، والبخاريُّ (٢٧٥٥)، ومسلم (٢٢٢٣)
(١١٠).
أحدها: النسيان المتقدم، كما قال أبو سلمة.
وثانيها: أنهما لما كانا خبرين متغايرين(١) لا ملازمة بينهما؛ جاز للمحدِّث
أن يحدِّثَ بأحدهما، ويسكت عن الآخر؛ حسبما تدعو إليه الحاجة الحالية.
وثالثها: أن يكون خاف اعتقاد جاهلٍ يظنهما متناقضين، فسكت عن أحدهما
حتى إذا أمن من ذلك حدَّث بهما جميعاً.
ورابعها: أن يكون حمله على ذلك وَجْه غير ما ذكرناه، لم يُطْلِعِ عليه أحداً.
وعلى الجملة: فكلُّ ذلك محتملٌ، غير أنَّ الذي يُقطع بنفيه: النسخ، على
ما قرَّرناه. والله أعلم.
(١٨) ومن باب: الفأل الصَّالح
(قوله وَّهِ: ((لا طيرة، وخيرها الفأل))) حاصلُ الطيرة: أن يَسْمَعَ الإنسانُ
فولاً، أو يرى أمراً يخاف منه أَلَّ يحصلَ له غرضه الذي قصد تحصيله. والفأل:
نقيض ذلك، وهو أن يسمع الإنسانُ قولاً حسناً، أو یری شيئاً يستحسنه؛ يرجو منه
الطيرة والفأل
(١) في (ز) و (م ٢): متعارضين.

٦٢٧
(٣١) كتاب الرقى والطب - (١٨) باب: في الفأل الصالح
[٢١٦٤] ونحوه عن أنسٍ.
رواه البخاريُّ (٥٧٥٦ و٥٧٧٦)، ومسلم (٢٢٠٤) (١١١ و١١٢)،
وأبو داود (٣٩١٦)، والترمذيُّ (١٦١٥).
أن يحصل له غرضه الذي قصد تحصيله. وهذا معنى ما فسَّر به النبيُّ ◌َّ الفأل.
وكان رسولُ الله ◌َ﴿ يكره الطيرة، ويعجبه الفأل. وروى الترمذي عن أنسٍ
- رضي الله عنه - أنَّ النبيَّ ◌َّ كان إذا خرج لحاجته يعجبه أن يسمع: یا راشد!
یا نجیح! وهو حديث حسن(١) صحيح غريب(٢). وروى أبو داود عن بريدة أن
النبيَّ ◌َ ير كان لا يتطير من شيءٍ، وكان إذا بعث غلاماً سأل عن اسمه، فإذا أعجبه كان ◌َلي لا يتطير
اسمه فرح به، ورُئي بِشْرُ ذلك في وجهه، وإن كره اسمه رُئي كراهية ذلك في من شيء
وجهه. وإذا دخل قرية سأل عن اسمها فإذا أعجبه اسمها فرح بها، ورئي بِشْرُ ذلك
في وجهه، وإن كره اسمَها رُئي كراهيةُ ذلك في وجهه ◌َِّ(٣). وروى قاسم بن
أصبغ عن بريدة بن حصيبٍ قال: كان رسول الله وَله لا يتطير، ولكن يتفاءل، كان ◌َ * يحبّ
فركب بريدة في سبعين راكباً من أهل بيته من بني سهم يتلقى رسول الله وصلة ليلاً، الفأل
فقال له رسولُ الله وَّر: ((من أنت؟)) فقال: بريدة. فالتفت إلى أبي بكرٍ - رضي الله
عنه - فقال: ((بَرَدَ أمرُنا وصلح))، ثم قال: ((ممَّن؟)) قال: من أسلم. قال لأبي بكر:
(سَلِمنا)). ثم قال: ((ممّن؟)) قال: من بني سهم. قال: ((خرج سهمُنا))(٤). وذكر
الحدیث.
وإنما كان يُعجبه الفأل؛ لأنه تنشرحُ له النفس، وتستبشر بقضاء الحاجة،
وبلوغ الأمل؛ فيَحْسُنُ الظَّنُّ بالله - عز وجل -، وقد ((قال الله تعالى: أنا عند ظنِّ
(١) زيادة من (ز) و(م ٣).
(٢) رواه الترمذي (١٦١٦).
(٣) رواه أبو داود (٣٩٢٠).
(٤) رواه ابن عبد البر في الاستيعاب (١٧٤/١) بهامش الإصابة، وذكره ابن الأثير في أسد
الغابة (٣٩٦/١).

.
٦٢٨
(٣١) كتاب الرقى والطب - (١٨) باب: في الفأل الصالح
[٢١٦٥] وعن عبد الله بن عمر، أنَّ رسولَ الله وَّ قالَ: ((لا عَدْوَى،
ولا طِيرة، إنما الشؤمُ في ثلاثةٍ: المرأةُ، والفرس، والدار)).
رواه البخاريُّ (٥٧٥٣ و٥٧٧٢)، ومسلم (٢٢٢٥) (١١٦)،
وأبو داود (٣٩٢٢)، والترمذي (٢٨٢٥)، والنسائي (٢٢٠/٦)، وابن ماجه
(٨٦).
عبدي بي))(١). وإنما كان يكره الطيرة؛ لأنها من أعمال أهل الشرك، ولأنَّها تجلب
ظنَّ السُّوء بالله تعالى، كما قد روى أبو داود عن عبد الله بن مسعود عن النبيِّ ◌َليه
أنه قال: ((الطَّيَرة شِرْكٌ - ثلاثاً - وما منا إلَّا، ولكنَّ اللَّهَ يُذهبُه بالتوكل))(٢). أي: من
اعتقد في الطِّيَرة ما كانت الجاهلية تعتقده فيها، فقد أشركَ مع الله تعالى خالقاً آخرَ،
ومن لم يعتقد ذلك فقد تشبّه بأهل الشّرك، ولذلك قال: ((وما منا)) أي: ليس على
التطير ليس من سنتنا. وقوله: ((إلَّا)): هي إلّا الاستثنائية، ومعنى ذلك: أن المتطيِّر ليس على سنة
النبي ◌َ﴿ إلا أن يمضي لوجهِهِ، ويُعرضَ عنها، غير أنه قد لا يقدر على الانفكاك(٣)
سنة النبي 185
عنها بحيث لا تخطر له مرةً واحدةً، فإن إزالةَ تأثيرها من النفوس لا تدخل تحت
استطاعتنا، ولذلك قال النبيُّ وَله في حديث معاوية بن الحكم - لما قال له: ومنا
رجال یتطیّرون - فقال: «ذلك شيء يجدونه في صدورهم فلا یصدُّهم». وفي بعض
النسخ: ((فلا يضرّهم)) لكنه إذا صحَّ تفويضُه إلى الله تعالى، وتوُّله عليه، وداومَ
على ذلك أذهبَ الله تعالى ذلك عنه، ولذلك قال: ((ولكنَّ اللَّهَ يُذهبُه بالتوكل)) (٤).
وقد روى أبو أحمد بن عديٍّ من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه وَ ل * قال:
((إذا تطيرتم فامضوا، وعلى الله فتوكلوا))(٥).
(١) رواه أحمد (٤٩١/٣)، وابن حبان (٦٣٣) الإحسان.
(٢) رواه أبو داود (٣٩١٠)، وابن ماجه (٣٥٣٨).
(٣) في (م ٢): الانكفاف.
(٤) رواه أحمد (٤٤٧/٥)، ومسلم (٥٣٧)، وأبو داود (٩٣٠) و (٣٢٨٢).
(٥) رواه ابن عدي في الكامل (١٥٢٣/٤) وإسناده لين. انظر الفتح (٣٢٣/١٢).

٦٢٩
(٣١) كتاب الرقى والطب - (١٨) باب: في الفأل الصالح
و (الشؤم): نقيض اليمن، وهو من باب الطيرة، ولذلك قال ◌َ لي: ((لا طيرة،
إنما الشؤم في ثلاثة: المرأة، والفرس، والدار)). وقد تخيَّل بعضُ أهل العلم: أن
التطيُّر بهذه الثلاثة مستثنى من قوله: ((لا طيرة))، وأنه مخصوص بها، فكأنَّه قال: حقيقة التطيّر
لا طيرة إلا في هذه الثلاثة؛ فمن تشاءم بشيء منها نزل به ما کره من ذلك. وممَّن
بالمرأة والفرس
والدار
صار إلى هذا القول: ابن قتيبة، وعضد هذا بما يروى عن النبيِّ وَلّ من حديث
أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه قال: ((الطيرة على من تطيّر))(١). وقال أبو عبد الله:
إن مالكاً أخذ بحديث الشؤم في الدار، والمرأة، والفرس، وحمله على ظاهره.
ولم يتأوَّله. فذكر في كتاب الجامع من ((العتبية))(٢) أنه قال: رب دارٍ سكنها قوم
فهلكوا، وآخرون بعدهم فهلكوا، وأشار إلى حمل الحديث على ظاهره. ويعضد
هذا حديث يحيى بن سعيد قال: جاءت امرأة إلى النبيِّ وَل﴿ فقالت: يا رسول الله!
دار سكنَّاها، والعدد كثير، والمال وافرٌ، فذهب العدد، وقلَّ المال(٣)، فقال
رسول الله ﴿: ((دعوها ذميمةَ))(٤).
قلتُ: ولا يظنُّ بمن قال هذا القول: أن الذي رُخِّص فيه من الطيرة بهذه
الأشياء الثلاثة هو على نحو ما كانت الجاهلية تعتقد فيها، وتفعل عندها؛ فإنها
كانت لا تقدم على ما تطيرت به، ولا تفعله بوجهٍ بناءً على أن الطّيرة تضرُ قطعاً،
فإن هذا ظنّ خطأ، وإنما يعني بذلك: أن هذه الثلاثة أكثر ما يتشاءم الناس بها
لملازمتهم إياها، فمن وقع في نفسه شيء من ذلك فقد أباح الشرعُ له أن يتركه،
(١) رواه ابن حبان (٦١٢٣) من حديث أنس.
(٢) ((العتبية)): نسبة إلى مصنّعها فقيه الأندلس: محمد بن أحمد العتبي القرطبي
(ت ٢٥٤ هـ) وهو مسائل في مذهب الإمام مالك.
(٣) في (ج ٢): فقلّ العدد، وذهب المال.
(٤) رواه البيهقي (١٤٠/٨).

٦٣٠
(٣١) كتاب الرقى والطب - (١٨) باب: في الفأل الصالح
ويستبدل به غيره مما تطيبُ به نفسه، ويسكن له خاطرُه، ولم يُلْزِمْهُ الشرعُ أن يقيمَ
في موضع يكرهه، أو مع امرأةٍ يكرهها. بل: قد فسح له في ترك ذلك كله؛ لكن
مع اعتقاد أن الله تعالى هو الفعَّالُ لما يريد، وليس لشيءٍ من هذه الأشياء أثرٌ في
الوجود، وهذا على نحو ما ذكرناه في المجذوم. فإن قيل: [فهذا يجري في كلِّ
متطيَّرٍ به، فما وجه خصوصية هذه الثلاثة بالذكر؟ فالجواب: ما نبَّهْنا عليه من أن
هذه ضروريَّةٌ في الوجود، ولا بُدَّ للإنسان منها، ومِن ملازمتها غالباً. فأكثر ما يقع
التشاؤمُ بها؛ فخصَّها بالذكر لذلك، فإن قيل](١): فما الفرق بين الدار وبين موضع
الوباء؛ فإن الدار إذا تُطُيِّر بها، فقد وسع له في الارتحال عنها، وموضعُ الوباء قد
مُنِعٍ من الخروج منه؟! فالجواب ما قاله بعضُ أهل العلم: إن الأمور بالنسبة إلى
هذا المعنى ثلاثة أقسام:
أحدها: ما لم يقع التأذِّي به، ولا الطَّردتْ عادة به خاصةٌ ولا عامَّةٌ،
لا نادرةٌ، ولا متكرّرةٌ؛ فهذا لا يُصْغَى إليه، وقد أنكر الشرع الالتفات إليه، كلقي
غرابٍ في بعض الأسفار، أو صراخ بومةٍ في دارٍ، ففي مثل هذا قال ◌َله: ((لا
طيرة))(٢) و((لا تطيَّروا)). وهذا القِسْم هو الذي كانت العرب تعتبره، وتعمل
عليه؛ مع أنَّه ليس في لقاء الغراب، ولا دخول البومة داراً ما يشعر بأذىّ ولا
مكروهٍ، لا على جهة الندور، ولا التكرار.
وثانيها: ما يقع به الضرر؛ ولكنه يعمُّ، ولا يخصُّ، ويندر، ولا يتكرر،
كالوباء؛ فهذا لا يُقْدَمُ عليه عملاً بالحزم والاحتياط، ولا ◌ُفَرُّ منه لإمكان أن يكون
قد وصل الضَّررُ إلى الفارِّ، فيكون سفره سبباً في محنته، وتعجيلاً لهلكته كما
قدمناه .
(١) ما بين حاصرتين سقط من (ع).
(٢) سبق تخريجه قبل قليل.
٠

٦٣١
(٣١) كتاب الرقى والطب - (١٨) باب: في الفأل الصالح
[٢١٦٦] وعنه، عن النبيِّ ◌َ﴾ُ أنَّه قال: ((إن يكن من الشؤم شيءٌ
حقاً؛ ففي الفَرس، والمرأة، والدَّار)).
رواه البخاريّ (٥٠٩٤)، ومسلم (٢٢٢٥) (١١٧).
[٢١٦٧] وعن جابر بن عبد الله، عن رسول الله وَ له قال: ((إنْ كان
في شيءٍ، ففي الرَّبع، والخادم، والفرس)).
رواه مسلم (٢٢٢٧) (١٢٠)، والنسائيُّ (٢٢٠/٦).
وثالثها: سببٌ يخصُّ، ولا يعمُّ، ويلحق منه الضَّرر بطول الملازمة، کالدار،
والفرس، والمرأة، فيباح له الاستبدال، والتوكل على الله تعالى، والإعراض عما
يقع في النفوس منها من أفضل الأعمال، وقد وضح الجواب، والله الموفق
للصواب.
وقد سلك العلماءُ في تأويل ذلك الحديث أوجهاً أُخَر.
منها: أن بعضهم قال: إنما هذا منه وَ لَهُ خبرٌ عن غالب عادة ما يتشاءم به،
لا أنه خبرٌ عن الشرع، وهذا ليس بشيء؛ لأنه تعطيلٌ لكلام الشارع عن الفوائد
الشرعية التي لبيانها أرسله الله سبحانه وتعالى. ومنهم من تأوّل الشؤم المذكور في
هذه الثلاثة فقال: الشؤم في المسكن ضيقه، وسوء جيرانه، وفي المرأة سوء
خُلُقُها، وألَّا تلد، وفي الفرس جماحه، وأَلَّ يُغْزَى عليه. وهذا المعنى لا يليق
بالحديث، ونسبته إلى أنه هو مرادُ الشرع من فاسد الحديث. وما ذكرناه أولى،
والله تعالى أعلم.
و (قوله: ((إن يكن من الشؤم شيء حقاً ففي: الفرس، والمرأة، والدار))،
وفي اللفظ الآخر: ((إن كان في شيءٍ ففي الربع، والخادم، والفرس))) مقتضى هذا

٦٣٢
(٣١) كتاب الرقى والطب - (١٩) باب: النهي عن الكهانة
(١٩) باب
النهي عن الكهانة، وعن إتيان الكُھَّان،
وما جاء في الخطّ
[٢١٦٨] عن معاويةً بن الحكم السُّلَمِيِّ قال: قلت: يا رسول الله!
أموراً كنّا نصنعها في الجاهلية: كنّا نأتي الكُهَّان! قال: ((فلا تأتوا الكُهَّان»،
قال: قلت: كنا نتطيّر. قال: ((ذاك شيء يجده أحدكم في نفسه، فلا
يصدّهم))، قال: قلت: ومنا رجال يخطُّون، قال: ((كان نبي من الأنبياء
یخطُّ فمن وافق خطّه، فذاك)».
رواه مسلم (٥٣٧) (١٢١).
المساق: أنه * لم يكن محقّقاً لأمر الشؤم بهذه الثلاثة في الوقت الذي نطق بهذا،
لكنه تحققه بعد ذلك، لما قال: ((إنما الشؤمُ في ثلاثةٍ))، وقد بيَّنَا مراده بالشؤم فيما
تقدَّم، والحمد لله. والمراد بالربع: الدار، كما قال في الرواية الأخرى، وقد يصحُ
حملُه على أعمَّ من ذلك، فيدخل فيه: الدكان، والفندق وغيرهما مما يصلح الرَّبُ
له. والمرأة تتناولُ الزوجة، والمملوكة. والخادم يتناول الذكر والأنثى؛ لأنه: اسم
جنسٍ.
(١٩) ومن باب: النهي عن الكهانة وإتيان الكُهَّان
الکھان: جمع کاهن، ککتاب: جمع کاتب، والكهانة: ادعاء علم الغيب،
وقد تكلَّمنا على حديث معاوية بن الحكم في باب: نسخ الكلام في الصلاة. قال
أقسام الكهانة القاضي أبو الفضل: الكهانة كانت في العرب على أربعة أضرب:
أحدها: أن يكون للإنسان ربِيٍّ من الجن يخبره بما يسترق من السمع. وهذا
عند العرب

٦٣٣
(٣١) كتاب الرقى والطب - (١٩) باب: النهي عن الكهانة
[٢١٦٩] وعن عائشة قالت: قلت: يا رسول الله! إنَّ الكهان كانوا
القسم قد بَطُل منذ بعث اللَّهُ محمداً ولي كما نص الله تعالى عليه في الكتاب.
والثاني: أن يخبره بما يطرأ ويكون في أقطار الأرض، وما يخفى مما قَرُب،
أو بَعُد؛ وهذا لا يبعد وجوده. ونفت هذا كله المعتزلة وبعض المتكلمين،
وأحالوه. ولا استحالة، ولا بُعْدَ في وجود مثل هذا، لكنَّهم بعد يكذبون، والنهي
عامٌّ في تصديقهم، والسماع منهم.
الثالث: التخمين والحزر، وهذا يخلق اللَّهُ فيه لبعض الناس شدة قوة، لكن
الكذب في هذا الباب أغلب. قال: ومن هذا الباب: العِرافة، وصاحبها عرَّاف، من هو العرّاف؟
وهو الذي يَستدلُّ على الأمور بأسبابٍ ومقدماتٍ يدَّعي معرفتها. وقد يعتضد بعض
أهل هذا الفنِّ في ذلك بالزجر، والطرق، والنجوم، وأسباب معتادة في ذلك.
وهذا الفن هي(١) العيافة - بالياء - وكلها ينطلق عليها اسم: الكهانة.
قلتُ: وإذا كان كذلك فسؤالُهم عن غيبٍ ليخبروا عنه حرامٌ، وما يأخذون سؤال الكهان
عن الغيب حرام
علی ذلك حرامٌ، ولا خلافَ فيه؛ لأنه حلوان الكاهن المنھيُّ عنه.
قال أبو عمر: ويجب على من ولي الحسبة أن يقيمهم من الأسواق، وينكر الإنكار على
عليهم أشدَّ النكير، ولا يَدَعْ أحداً يأتيهم لذلك؛ وإن ظهر صدق بعضهم في بعض الكهان
الأمور؛ فليس ذلك بالذي يخرجهم عن الكهانة، فإن تلك الكلمة إما خطفة جنِّيٍّ،
أو موافقة قَدَرٍ ليغترَّ به بعضُ الجهال، ولقد انخدع كثيرٌ من المنتسبين للفقه
والدين، فجاؤوا إلى هؤلاء الكهنة والعرافين فبهرجوا عليهم بالمحال، واستخرجوا
منهم الأموال، فحصلوا من أقوالهم على السَّراب، والآل(٢)، ومن أديانهم على
الفساد، والضلال.
(١) كذا في جميع النسخ، وفي إكمال إكمال المعلم للأبي: مِنَ.
(٢) ((الآل)): السراب.

٦٣٤
(٣١) كتاب الرقى والطب - (١٩) باب: النهي عن الكهانة
يحدِّثوننا بالشيء فنجده حقّاً؛ قال: ((تلك الكلمة يَخْطَفُها الجنيُّ فيقذفها
في أذن وليِّه ويزيدُ فيها مِئَةً كَذْبَةٍ)».
رواه أحمد (٨٧/٦)، والبخاريُّ (٥٧٦٢)، ومسلم (٢٢٢٨)
(١٢٢).
و (قوله: ((تلك الكلمة يخطفها الجنِّيُّ، فيقذفها في أذن وليه))) أي: يرميها
في أذنه، ويُسْمِعه إياها. وفي الرواية الأخرى: ((فيقرها في أذن وليه قرّ الدجاجة)))
أي: يضعها في أذنه. يقال: قررت الخبر في أذنه أقره قرّاً. ويصح أن يقال: ألقاها
في أذنه بصوت. يقال: قرَّ الطائر: صوَّت. و (قِرُّ الدجاجة) [- بكسر القاف -
حكاية: صوتها. قال الخطّابيُّ: قرَّت الدجاجة] (١) تقرّ قراً. وقريراً: إذا رجَّعَتْ
فيه. قيل: قرقرت قرقرةً، وقرقريراً. قال الشاعر:
وَإِنْ قَرْقَرَتْ هَاجَ الهَوَى قَرْقَرِيرُها(٢)
قال: والمعنى أن الجِنِّيَّ يقذفُ الكلمةَ إلى وليّه الكاهن فيتسامع بها
الشياطين، كما تُؤْذِنُ الدجاجةُ بصوت صواحباتها فتتجاوب.
قلتُ: والأشبه بمساق الحديث أن يكون معناه: أن الجنِيَّ يلقي إلى وليه
تلك الكلمات بصوت خفيٍّ متراجع يُزَمْزِمُهُ، ويُرَجِّعه له كما يلقيه الكهان للناس؛
فإنهم تُسمع لهم زمزمة، وإسجاع، وترجيعٌ، على ما عُلِم من حالهم بالمشاهدة
والنقل. ولم يختلف أحدٌ من رواة مسلمٍ أن الرواية في هذا اللفظ: قرَّ الدجاجة:
يعني به الطائر المعروف. واختلف فيه عن البخاريِّ. فقال بعض رواته: كقر
الزجاجة بالزاي. قال الدارقطني: هو مما صحَّفوا فيه. والصواب: الدجاجة
(١) ما بين حاصرتين سقط من (م ٢).
(٢) هذا عجز البيت الذي أنشده ابن القطاع، وصدره كما في الصحاح:
وما ذاتُ طَوْقٍ فوق عود أراكةٍ

٦٣٥
(٣١) كتاب الرقى والطب - (١٩) باب: النهي عن الكهانة
[٢١٧٠] وعنها قالت: سأل أناس رسول الله وَّه عن الكُهَّان فقال
لهم رسول الله وَطر: ((ليسوا بشيءٍ))، قالوا: يا رسول الله! فإنهم يحدِّثون
أحياناً الشيء يكون حقّاً، قال رسول الله وَ له: ((تلك الكلمة من الجن
يخطفها الجنيُّ فيقذفُها في أذن وليِّه قَرَّ الدجاجة، فيخلطون فيها أكثر من
مئةٍ كَذْبَةٍ».
رواه أحمد (٨٧/٦)، والبخاريُّ (٥٧٦٢)، ومسلم (٢٢٢٨)
(١٢٣).
[٢١٧١] وعن بعض أزواج النبيِّ وَلي قال: ((من أتى عرَّافاً فسأله عن
شيءٍ لم تُقبَل له صلاةٌ أربعين ليلةً)).
رواه أحمد (٦٨/٤)، ومسلم (٢٢٣٠).
*
- بالدال -. وقيل: الصواب الزجاجة؛ بدليل ما قد رواه البخاري: فيقُّها في أذنه؛
كما تُقِرُّ القارورة، وهي بمعنى الزجاجة. أي: كما يسمع صوت الزجاجة إذا حُكَّت
على شيء، أو إذا أُلقي فيها ماء، أو شيءٍ.
و (قوله: ((من أتى عرافاً لم تُقبل له صلاة أربعين يوماً))) العراف: هو
الحازي والمنجّم الذي يدَّعي الغيب، وهذا يدلُّ على: أن إتيان العرافين كبيرة، إتيان العرّافين
وظاهره أن صلاته في هذه الأربعين تحبط، وتبطل، وهو خارج(١) على أصول كبيرة
الخوارج الفاسدة في تكفيرهم بالذنوب. وقد بيَّنا فساد هذا الأصل فيما تقدم. وأنه
لا يحبط الأعمالَ إلا الردة، وأما غيرها فالحسنات تبطل السيئات كما قال تعالى:
﴿إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]. وهذا مذهبُ أهل السنَّة والجماعة،
فليس معنى قوله: ((لا تقبل له صلاة)) أن تحبط، بل: إنما معناه - والله أعلم - أنَّها
(١) في (ج ٢): جارٍ.

٦٣٦
(٣١) كتاب الرقى والطب - (١٩) باب: النهي عن الكهانة
لا تقبل قبول الرضا، وتضعيف الأجر. لكنه إذا فعلها على شروطها الخاصة بها،
فقد برئت ذمّته من المطالبة بالصلاة، وتُقَصَّى عن عهدة الخطاب بها، ويفوته قبول
المرضيِّ عنه، وإكرامه، وثوابه، ويتضح ذلك باعتبار ملوك الأرض. ولله المثل
الأعلى، وذلك أن المُهدِي: إمَّا مردودٌ عليه، أو مقبول منه، والمقبول: إما مقرّب
مُكرَّم مثاب، وإما ليس كذلك. فالأول: هو المبعدُ المطرود، والثاني: هو
المقبول القبول التام الكامل. والثالث: لا يصدق عليه أنه مثل الأول، فإنه لم تردّ
هديته. بل: قد التفت إليه، وقُبلت منه. لكنه لما لم يُثَبْ، ولم يُقرَّب صار كأنه
غير مقبول منه؛ فيصدق عليه أنَّه لم يُقبل منه إذ لم يحصل له ثوابٌ ولا إكرام.
مواضعُ ذكِر وتخصيصه # الأربعين بالذكر قد جاء في مواضع كثيرة من الشرع. منها: قوله في
فيها لفظ
الأربعين
شارب الخمر: ((لا تقبل له صلاة أربعين يوماً))(١). وقوله: ((والذي نفسي بيده! إنه
ليجمع خلق أحدكم في بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون علقةً مثل ذلك، ثم يكون
مضغةً مثل ذلك))(٢). وقوله: ((من أخلص لله أربعين ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه
على لسانه))(٣). ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذْ وَعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [البقرة: ٥١].
ومنه: توقيته وَّر في قص الشارب، وتقليم الأظفار، وحلق العانة: ألا تترك أكثر
من أربعين ليلة. فتخصيص هذه المواضع بهذا العدد الخاص: هو سؤٍّ من أسرار
الشريعة لم يطَّلع عليه نصاً، غير أنه قد تنسم منه بعضُ علمائنا أمراً تسكن النفسُ
لماذا خصّ
بالذكر؟
إليه؛ وذلك: أنه قال: إن هذا العدد في هذه المواضع إنما خصَّ بالذكر لأنَّه مدَّة
العدد أربعون يكمل فيها ما ضربت له، فينتقل إلى غيره، ويحصل فيها تبدُّله، وبيانه بانتقال
أطوار الخلقة، في كل أربعين منها يكمل فيها طورٌ، فينتقل عند انتهائه إلى غيره،
(١) رواه النسائي (٣١٦/٨).
(٢) رواه أحمد (٣٨٢/١)، والبخاري (٦٥٩٤)، ومسلم (٢٦٤٣).
(٣) رواه ابن المبارك في الزهد (١٠١٤)، وأبو نعيم في الحلية (١٨٩/٥)، وانظر الترغيب
والترهيب رقم (١٣).

٦٣٧
(٣١) كتاب الرقى والطب - (٢٠) باب: في رمي النجوم للشياطين
(٢٠) باب
في رمي النجوم للشياطين عند استراق السَّمع
[٢١٧٢] عن عبد الله بن عباسٍ قال: أخبرني رجلٌ من أصحاب
رسول الله ◌َ﴿ من الأنصار: أنَّهم بينما هم جلوسٌ ليلةً مع رسول الله وَل
رُمي بنجمٍ، فاستنار، فقال لهم رسول الله صلي: ((ماذا كنتم تقولون في
الجاهلية إذا رُمِيَ بِمِثْلٍ هذا؟)) قالوا: الله ورسوله أعلم، كنا نقول: وُلد
الليلةَ رجلٌ عظيمٌ، ومات رجلٌ عظيمٌ. فقال رسول الله وَّهِ: ((فإنَّها لا يُرْمى
بها لموت أحدٍ ولا لحياته، ولكن ربّنا - تبارك وتعالى اسمُه - إذا قضى
أمراً سبَّح حملةُ العرش، ثم سبَّح أهل السماء الذين يلونَهم؛ حتى يبلغ
كما قد نصَّ عليه في الحديث، وكذلك في الأربعين الميعادية: أمر بنو إسرائيل أن
يكملوا تهيّؤهم لسماع كلام الله، فكمل لهم ذلك عند انتهائها، ومثل ذلك في
الأربعين الإخلاصية، وأما أربعون شارب الخمر فَلِيَتَبَدَّل لحمُ شارب الخمر بغيره،
ويؤيده أن أهل التجارب قالوا: إن السِّمن يظهر في الحيوان في أربعين يوماً،
وقريبٌ من هذا الأربعون المضروبة لخصال الفطرة؛ لأنها عند انتهائها يكمل
فحشها، واستقذارها، فينبغي أن تغير عن حالها. وأما أربعون إتيان العراف فلأنها
- والله أعلم - المدة التي ينتهي إليها تأثير تلك المعصية في قلب فاعلها، وفي
جوارحه، وعند انتهائها ينتهي ذلك التأثير. والله تعالى أعلم.
(٢٠) ومن باب: رمي الشَّياطين بالنجوم
(قوله: ((لكن ربّنا إذا قضى أمراً سبَّح حملةُ العرش))) أي: أظهر قضاءه، وما
حكم به لملائكته؛ لأن قضاءه إنَّما هو راجعٌ إلى سابِقٍ عِلْمِه، ونفوذ مشيئته، علم الله
وحُكْمِه، وهما أزليان، فإذا اطّلع حملةُ العرش على ما سبق في علمه خضعت ومشيئته أزليان
الملائكةُ لعظمته، وضَّت بتسبيحه، وتقديسه، فيسمع ذلك أهلُ السماء التي
١٢٠٠٠
5

٦٣٨
(٣١) كتاب الرقى والطب - (٢٠) باب: في رمي النجوم للشياطين
التسبيح أهل هذه السماء الدنيا، ثم قال الذين يلُون حملة العرش لحملة
العرش: ماذا قال ربكم؟ فيخبرونهم ماذا قال. فيستخبر بعض أهل
السموات بعضاً حتى يبلغ الخبر هذه السماء الدنيا، فيخْطَفُ الجن السَّمع
فيقذفون إلى أوليائهم، ويُرْمون به، فما جاؤوا به على وجْهِهِ فهو حقٌّ،
ولكنهم یقْرِفُون فيه ویزیدون)).
تليهم، وهكذا ينتهي التسبيحُ لملائكة سماء الدنيا، ثم يتساءلون فيما بينهم: ماذا
قال ربكم؟ على الترتيب المذكور في الحديث.
التفاوت بين
الملائكة في
الفضل
ففيه ما يدل: على أنَّ حملة العرش أفضلُ الملائكة، وأعلاهم منزلة، وأن
؟ فضائل الملائكة على حسب مراتبهم في السموات، وأن الكلَّ منهم لا يعلمون شيئاً
من الأمور إلا بأن يعلمهم الله تعالى به، كما قال تعالى: ﴿ عَلِمُ الْغَيْبِ فَلَ يُظْهِرُ عَلَى
غَيْبِهِ: أَحَدًا * إِلَّا مَنِ أَرْتَضَى مِن رَّسُولٍ﴾ [الجنّ: ٢٦ -٢٧]. وفيه: ما يدل: على أن
علومَ الملائكة بالكائنات يستفيده بعضُهم من بعضٍ إلا حملة العرش؛ فإنهم
يستفيدون علومَهم من الحق سبحانه وتعالى؛ فإنهم هم المبدوؤون بالإعلام أولاً،
النجوم لا يُعْرَف ثم إن ملائكة كل سماءٍ تستفيدُ من التي فوقها، وفي هذا دليلٌ: على أن النجوم
بها علم الغيب لا يُعْرَفُ بها علمُ الغيب، ولا القضاء، ولو كان كذلك لكانت الملائكةُ أعلمَ بذلك
وأحقَّ به. وكل ما يتعاطاه المنجمون من ذلك فليس شيءٌ منه علماً يقيناً؛ وإنما هو
رجمٌ بظنّ، وتخمينٌ بوهمٍ، الإصابة فيه نادرةٌ، والخطأ والكذب فيه غالبٌ. وهذا
مشاهَدٌ من أحوال المنجِّمين. والمطلوب من العلوم النجوميات ما يُهتدى به في
الظلمات، وتُعرف به الأوقات، وما سوى ذلك فمخارق وتُزَهات، ويكفي في الردِّ
تحريم القضاء عليهم: ظهورُ كذبهم، واضطرابُ قولهم. وقد اتفقت الشرائع: على أن القضاء
بالنجوم
بالنجوم محرَّمٌ مذمومٌ.
و (قوله: ((ولکنھم یقْرِفون فيه ویزیدون))) هكذا عند ابن ماهان، وهو من
القرف: وهو الخلط. قاله صاحب الأفعال. أي: يخلطون فيها من الكذب.

٦٣٩
(٣١) كتاب الرقى والطب - (٢٠) باب: في رمي النجوم للشياطين
وفي روايةٍ: وقال الله: ﴿حَقََّ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ
الْحَقَّ .. ﴾ [سبأ: ٢٣].
رواه مسلم (٢٢٢٩) (١٢٤).
*
ورواه يونس: يُرَفَّون بضم الياء، وفتح الراء، وتشديد القاف. وفي بعض النسخ:
يَرْقُون - بفتح الياء، وتسكين الراء، وتخفيف القاف - أي: يتقوَّلون. يقال: رقي
فلانٌ على الباطل، أي: تقِوَّله - بكسر القاف -. وهو من الرَّقْيِ: وهو الصعود.
أي: إنهم يقولون فوق ما سمعوا. قاله القاضي عِيَاض.
و (قوله: ﴿حتى إذا فُزِّع عن قلوبهم. قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا:
الحق ... )) قرأه ابن عامر، ويعقوب: فزَّع عن قلوبهم - مبنياً للفاعل - ويكون فيه
ضميرٌ يعودُ على الله تعالى. أي: أزال عن قلوبهم الفزع، وهذا على نحو قولهم:
مرَّضتُ المريض؛ إذا عالجته، فأزلتُ مرضه. وقرأه الجماعة: فُزِّع - بضم الفاء -
مبنياً للمفعول الذي لم يُسمَّ فاعله. أي: أزيل عن قلوبهم الفزع، وهو الذّعر. على
كلتا القراءتين. قال كعب(١): إذا تكلَّم الله بلا كيف ضربت الملائكةُ بأجنحتها،
وخرَّت فزعاً، ثم قالوا فيما بينهم: ماذا قال ربكم؟.
و (قوله: ﴿قالوا: الحق﴾) بالنصب على أنه نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ. أي:
قال: القول الحق، وهو مفعول مطلق لا مفعول به؛ لأن القول لا يتعدى إلا إلى
الجمل في أکثر قول النحویین.
و (قوله: ﴿وهو العليُّ الكبير﴾) أي: العليُّ شأنه، الكبير سُلْطانه.
قلتُ: وهذا التفسيرُ هو الموافقُ لهذا الحديث، فتعيَّن أن يكون هو المرادَ
من الآية. وللمفسرين أقوالٌ أخرُ بعيدةٌ عن معنى الحديث، أضربتُ عنها لذلك،
فمن أرادها وجدها في كتبهم.
(١) في النسخ: (ثعلب) والمثبت من (ج ٢).