Indexed OCR Text
Pages 581-600
٥٨١
(٣١) كتاب الرقى والطب - (٥) باب: ممّاذا يُرْقى؟
[٢١٣٤] وعنها، قالت: كان رسول الله ﴿ يأمرني أن أَسْتَرْقِيَ من
العين.
رواه أحمد (٩٣/٦)، والبخاري (٥٧٣٨)، ومسلم (٢١٩٥) (٥٦)،
وابن ماجه (٣٥١٢).
[٢١٣٥] وعن أنسٍ، قال: رخّص رسولُ الله وَ لقي في الرقية من العين
والحُمَةِ والنَّملة.
رواه أحمد (١١٨/٣)، ومسلم (٢١٩٦) (٩٧)، والترمذيُّ
(٢٠٥٦)، وابن ماجه (٣٥١٦).
بِرُقىَ هو شركٌ، وبما لا يُفْهَمُ، وكانوا يعتقدون: أن ذلك الرُّقى يؤثِّر. ثمَّ: إنَّهم لما
أسلموا وزال ذلك عنهم نهاهم النبيُّ وَّر عن ذلك عموماً، ليكون أبلغ في المنع،
وأسدَّ للذَّريعة. ثم: إنّهم لما سألوه، وأخبروه: أنهم ينتفعون بذلك؛ رخّص لهم
في بعض ذلك، وقال: ((اعرضوا عليَّ رقاكم، لا بأس بالرُّقى ما لم يكن فيه
شركٌ))(١) فجازت الرُّقيةُ من كلِّ الآفات من الأمراض، والجراح، والقروح،
والحُمَةِ، والعين، وغير ذلك؛ إذا كان الرُّقى بما يُفهم، ولم يكن فيه شركٌ، ولا أفضل الرُّقى ما
شيء ممنوعٌ. وأفضل ذلك، وأنفعه: ما كان بأسماء الله تعالى وكلامه، وكلام كان بأسماء
رسوله .
الله تعالى
و (قوله: من كلِّ ذي حُمَةٍ) أي: من لَسْع كلِّ دابَّةٍ ذات سمٍّ. والحُمَةُ:
السُّ. والمشهور فيه: ضمُّ الحاء. قال بعضهم: وقد تفتح. وهي مخففة الميم
على كلِّ حالٍ.
و (النَّملة). قال ابن قتيبة: هي قروحٌ تكون في الجنب، وغير الجنب [تزعم
(١) رواه مسلم (٢٢٠٠)، وأبو داود (٣٨٨٦).
٥٨٢
(٣١) كتاب الرقى والطب - (٥) باب: ممّاذا يُرْقى؟
[٢١٣٦] وعن أم سلمة: أنَّ رسولَ الله وَِّ قالَ لجاريةٍ في بيت أمِّ
سلمة رأى بوجهها سَفْعَةً، فقال: (بها نَظْرَةٌ، فاسترقوا لها) يعني: بوجهها
صُفْرة.
رواه مسلم (٢١٩٧) (٥٩
المجوسُ: أنَّ ولد الرّجل إذا كان من أخته فخطّ على الثَّملة شفي صاحبها وأنشد:
وَلَ عَيْبَ فِيْنَا غَيْرَ عِزْقٍ (١) لِمَعْشَرٍ كِرَامٍ وأنَّا لا نَخْطُّ على الثَّمْلِ
أي: لسنا بمجوسٍ ننكح الأخوات. قال غيره: تكون في الجنْبِ وغير
الجنب](٢). والمشهور فيها: فتح النون. وحكى الهرويُّ فيها: الضمَّ. فأمَّا النِّمْلة
- بكسر النون : فهي المِشْيةُ المتقاربة. حكاها الفرَّاء.
و (السَّفعة) تُروى بفتح السِّين، وضمِّها، والفتح أكثر. وقد فسَّرها الراوي
بقوله: يعني: بوجهها صفرةٌ. وفيه تسامحُ؛ فإنَّ السَّفعةَ هي فيما قاله الأصمعيُّ:
حمرةٌ يعلوها سواد. وقال الحربيُّ: هي سوادٌ في الوجه.
و (النَّظرة): العين. قاله الهروي. وقال أبو عبيد: يقال: رجلٌ به نظرة.
أي: عينٌ(٣).
قلتُ: وجميعُ أحاديث الزُّقية الواقعة في كتاب مسلم: إنَّما تدلُّ: على
جواز الرَّقي بعد وقوع الأسباب الموجبة للرُّقية من الأمراض والآفات، وأمَّا قبل
وقوع ذلك: ففي البخاريٍّ عن عائشة: أن النبيَّ ◌َ ◌ّ كان إذا أوى إلى فراشه؛ نفث
جواز الاسترقاء
مما یُتوقَّع
(١) في اللسان: نَمل.
(٢) ما بين حاصرتين سقط من (ع).
(٣) في (ج ٢): عيب.
٥٨٣
(٣١) كتاب الرقى والطب - (٥) باب: ممّاذا يُرْقى؟
[٢١٣٧] وعن جابر بن عبد الله، قال: رخّص رسولُ اللهِ وَ لآل
خَزْمٍ فِي رُقْية الحيّة، وقال لأسماء بنت عُمَيس: ((مَا لِي أرى أجسام بني
أخي ضَارِعَةً تُصيبُهم الحاجةُ؟)) قالت: لا؛ ولكن العين تُسْرِع إليهم. قال:
((ازْقِيهم)). قالت: فعرضْتُ عليه. فقال: ((ازْقيهم)).
رواه مسلم (٢١٩٨) (٦٠).
في كفه بـ: ﴿قل هو الله أحد ... ﴾، والمعوذتين، ثمَّ يمسح بهما وجهه وما بلغت
يدُه من جسده(١)، فكان هذا دليلاً على جواز استرقاء ما يُتوقع من الطوارق والهوامِّ
وغير ذلك من الشُّرور. وقد تقدم في الإيمان الخلافُ فيه.
و (قوله: ((ما لي أرى أجسام بني أخي ضارعة؟!)) أي: ضعيفةً، نحيلةً.
وأصل الضراعة: الخضوع والتذلل. ويعني بهم: بني جعفر بن أبي طالبٍ
- رضي الله عنهم -.
(١) رواه البخاري (٦٣١٢).
٥٨٤
(٣١) كتاب الرقى والطب - (٦) باب: لا يُرقى برقى الجاهلية؟
(٦) باب
لا ◌ُرقی پرقی الجاهلية، ولا بما لا یفهم
[٢١٣٨] عن جابرٍ، قال: نهى رسول الله وَ لقر عن الرُّقى، فجاء آل
عمرو بن حزم إلى رسول الله وَي﴿ فقالوا: يا رسول الله! إنَّه كانت عندنا رُقْيةٌ
نَرْقِي بها من العقرب؛ وإنك نهيت عن الرُّقَى. قال: فعرضوها عليه،
فقال: ((لا أرى به بأساً؛ من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليَفْعَل)).
رواه أحمد (٣٠٢/٣)، ومسلم (٢١٩٩) (٦٢ و ٦٣).
[٢١٣٩] وعن عوفِ بنِ مالكِ الأشجعيِّ، قال: كنا نَرْقي في
الجاهليّة فقلنا: يا رسول الله! كيف ترى في ذلك؟ فقال: ((اعْرِضُوا عليّ
رُقَاكُم؛ لا بأس بالرُّقى ما لم يكُن فيه شِرْكٌ».
رواه مسلم (٢٢٠٠)، وأبو داود (٣٨٨٦).
[(٦) ومن باب: لا يرقى برقى الجاهلية
ولا بما لا يفهم](١)
الحض على
السعي في إزالة
الأمراض
(قوله {وَ﴿ لمَّا عرضوا عليه الرُّقى والتطُّب(٢): ((لا أرى به بأساً؛ من استطاع
منكم أن ينفع أخاه فليفعل))) دليلٌ على جواز الرُّقى والتطبُّبِ بما لا ضرر فيه، ولا
منع شرعيّاً مطلقاً وإن كان بغير أسماء الله تعالى وكلامه، لكن إذا كان مفهوماً.
وفيه: الحضُّ على السعي في إزالة الأمراض والأضرار عن المسلمين بكلِّ ممكنٍ
جائز.
(١) ما بين حاصرتين ليس في الأصول، واستدركناه من التلخيص.
(٢) زيادة من (ز) و (م ٣).
٥٨٥
(٣١) كتاب الرقى والطب - (٧) باب: أم القرآن رقية من كل شيء
(٧) باب
أمّ القرآن رقيةٌ من كلِّ شيءٍ
[٢١٤٠] عن أبي سعيد الخدري: أنَّ ناساً من أصحاب
رسول الله ﴿ كانوا في سفرٍ. فمؤُوا بحيٍّ من أحياء العرب؛ فاسْتَضافُوهم،
فلم يُضِيفُوهُم؛ فقالوا لهم: هل فيكُم رَاقٍ؟ فإن سيِّد الحيِّ لَدِيغ - أو
مُصَاب - فقال رجلٌ منهم: نعم. فأتاه فَرَقَاهُ بفاتحة الكتاب؛ فبَرأَ الرجل
فأعطي قَطِيعاً من غنمٍ؛ فأبى أن يَقْبلَها وقال: حتى أذكر ذلك للنبيِّ وَّهـ
فأتى النبيَّ ◌َ﴿ فذكر ذلك له. فقال: يا رسول الله! والله؛ ما رَقيتُ إلَّا
بفاتحة الكتاب! فتبسَّم، وقال: ((وما أدراك أنَّها رُقْيَةٌ؟))
(٧) ومن باب: أمُّ القرآن رقيةٌ من كل شيءٍ
(الحيُّ): القبيل. و (استضافوهم): سألوهم الضيافة. و (اللديغ): الذي
لدغته الحيَّةُ، أو العقرب. وقد يسمَّى بالسليم تفاؤلاً، كما قد جاء في الرواية
الأخرى(١). و(القطيع من الغنم): هو الجزء المقتطع منها؛ فعيل، بمعنى:
مفعول.
و (قوله: ((وما أدراكَ: أنها رقيةٌ؟!))) أي: أيُّ شيءٍ أعلمك: أنَّها رقيةٌ؟!
تعجّباً من وقوعه على الرُّقى بها، ولذلك تبسَّم النبيُّ ◌َ ه عند قوله: ((وما أدراك:
أنها رقية؟!)) وكأنَّ هذا الرجل علم أنَّ هذه السورة قد خُصَّت بأمورٍ. منها: أنَّها
فاتحة الكتاب، ومبدؤه، وأنّها متضمنةٌ لجميع علوم القرآن؛ من حيث: إنها تشتملُ خواصُّ سورة
على الثناء على الله - عز وجلَّ - بأوصاف كماله وجلاله، وعلى الأمر بالعبادات، الفاتحة
والإخلاص فيها، والاعتراف بالعجز عن القيام بشيءٍ منها إلا بإعانتهِ تعالى، وعلى
الابتهال إلى الله تعالى في الهداية إلى الصراط المستقيم، وكفاية أحوال الناكثين،
(١) انظر: صحيح مسلم (٢٢٠١) (٦٦).
٥٨٦
(٣١) كتاب الرقى والطب - (٧) باب: أم القرآن رقية من كل شيء
وعلى بيان عاقبة الجاحدين. وقد روى الدارقطني من حديث أبي سعيد الخدري
مرفوعاً(١)، وفيه: فقال: ((وما يدريك: أنَّها رقيةٌ؟!))، فقلتُ: يا رسول الله! شيء
ألقي في روعي. قال: ((فكلوا وأطعمونا من الغنم))(٢). وقيل: إنَّ موضع الرُّقية
منها إنما هو: ﴿إِيَّاك نعبد وإِيَّكُ نستعين﴾. ويظهرُ لي: أنَّ الشُّورةَ كلَّها موضعُ
الرُّقية لما ذكرناه، ولقوله {وَله: ((وما أدراك أنَّها رقية؟!))، ولم يقلْ: إنَّ فيها رقية.
و (قوله: ((اقسِموا(٣)، واضربوا لي بسهم معكم))) [هذه القسمة] (٤) إنَّما هي
قسمةٌ برضا الرَّاقي؛ لأن الغنم ملكه؛ إذ هو الذي فعل العوض الذي به استحقَّها،
لكن طابت نفسُه بالتشريك، فأحاله النبيُّ ◌َ﴿ على ما يقعُ به رضا المشتركين عند
القسمة، وهي القرعة، فكان فيه دليلٌ: على صحة العمل بالقرعة في الأموال
المشتركة، وقد تقدَّم ذكرُ الخلاف فيها في النكاح.
صحةُ العمل
بالقُرْعة
و (قوله في الأمُّ(٥): ما كنَّا نأبُه برقيةٍ) أي: نتهمه بها. يقال: أَبَنْتُ الرَّجل،
آبُنُه، وآبِنُهُ: إذا رميته بخلّة سوءٍ. ومنه: رجلٌ مأبون؛ أي: معيبٌ. والأبْنَةُ:
العيب. ومنه: عودٌّ مأبونٌ: إذا كان فيه أُنَةٌ تعيبه. أي: عقدةٌ. قاله القتبيُّ وغيره.
وقد روي هذا الحرف: ما كنّا نظُّه - بدل ــ نأبُه. أي: نتهمه. وقد ذكر
أبو داود(٦) حديث أبي سعيدٍ هذا على مساقٍ فيه زوائد، فلنذكره على سياقه فقال:
(١) زيادة من (ج ٢).
(٢) رواه الدارقطني (٦٣/٣ - ٦٤).
(٣) هذه اللفظة ليست في الرواية التي أوردها في التلخيص، وإنما هي في رواية أخرى في
الأم برقم (٢٢٠١) (٦٦).
(٤) ما بين حاصرتين زيادة من (ج ٢).
(٥) انظر صحيح مسلم (٢٢٠١) (٦٦).
(٦) رواه أبو داود (٣٤١٨).
٥٨٧
(٣١) كتاب الرقى والطب - (٧) باب: أم القرآن رقية من كل شيء
ثم قال: ((خُذُوا منهم، واضْرِبوا لي بسهمٍ معكم)).
عن أبي سعيد - رضي الله عنه - أنَّ رهطاً من أصحاب النبيِّ ◌َله انطلقوا في سفرةٍ
سافروها، فنزلوا بحيٍّ من أحياء العرب، فاستضافوهم، فأبوا أن يضيفوهم. قال:
فَلُدِغْ سيِّدُ ذلك الحيِّ، فَشَفَوْا له بكلِّ شيءٍ، لا ينفعه شيءٌ. فقال بعضهم: لو أتيتم
هؤلاء الرَّهط الذين نزلوا بكم لعلَّ يكون عند بعضهم شيءٌ ينفعُ صاحبكم. فقال
بعضهم: إنَّ سيدنا لُدِغْ فَشَفَيْنا له بكلُ شيءٍ، لا ينفعه شيءٌ. فهل عند أحدٍ منكم
شيءٌ يشفي صاحبنا رُقيةً. فقال رجلٌ من القوم: إنِّي لأرقي، ولكن استضفناكم
فأبيتم أن تضيّفونا! ما أنا براقٍ حتَّى تجعلوا لنا جعلاً! فجعلوا له قطيعاً من الشاء،
فأتاه، فقرأ عليه أمَّ الكتاب، ويَتْفِل حتى بَرَأ كأنما أَنْشِطَ من عقال. قال: فأوفاهم
جُعْلَهم الذي صالحوهم عليه. فقال: اقتسموا. فقال الذي رقى: لا تفعلوا حتى
نأتي رسولَ اللهِ وَ ﴿ ونستأمره، فغدوا على رسول الله وَّهِ، فذكروا ذلك له، فقال
رسول الله وَلي: ((من أين علمتم أنَّها رُقيةً؟! أحسنتم! فاضربوا لي معكم بسهم)).
وذُكِرَ عن الشعبيِّ، عن خارجة بن الصلت، عن عمِّه: أنَّه مرَّ بقومٍ، فأتوه، فقال:
إِنَّك جئت من عند(١) هذا الرجل بخير، فارق لنا هذا الرَّجل، فأتوه برجلٍ معتوهٍ في
القيود، فرقاه بأمِّ القرآن ثلاثة أيام غُدوةً، وعشَّةً، كلَّما ختمها جمع بزاقه ثم تفل،
فكأنّما أنشط من عقال، فأعطوه شيئاً، فأتى النبيَّ ◌َ ﴿ فذكر له، فقال
رسولُ اللهِوَّرَ: ((كُلْ، فلعمري لمن أكل برقيةٍ باطلٍ، لقد أكلتَ برقيةٍ حقٍّ))(٢). ولا
يخفى ما في هذا المساق من الفقه والزوائد، فتأمَّلْهُ.
وإيقافُ الصحابيِّ قبولَ الغنم على سؤال النبيِّ وَ لِ﴿ عملٌ بما يجبُ من التوقف وجوب التوقُّف
عند الإشكال
عند الإشكال إلى البيان، وهو أمرٌ لا يُختلف فيه.
إلى البيان
و (قوله وَلثر: (خُذوا منهم، واضربوا لي معكم بسهم))) بيانٌ للحكم بالقول،
(١) زيادة من (ل ١).
(٢) رواه أبو داود (٣٤٢٠).
.
٥٨٨
(٣١) كتاب الرقى والطب - (٧) باب: أم القرآن رقية من كل شيء
وفي روايةٍ: فجعل يقرأ أمَّ القرآنَ، ويجمع بُزَاقَهُ، ويَتْفُل، فَبَرَأَ
الرَّجُل.
رواه أحمد (١٠/٣)، والبخاريُّ (٢٢٧٦)، ومسلم (٢٢٠١) (٦٥)،
وأبو داود (٣٤١٨)، والترمذيّ (٢٠٦٤)، والنسائيُّ (١٠٢٨) في عمل اليوم
والليلة، وابن ماجه (٢٥٦٠).
جواز أخذ
الأجرة على
الرُّقی والطبّ
وتمكين له بالعمل؛ إذ لم تكن له حاجةٌ لذلك السَّهم إلا ليبالغ في بيان أنَّ ذلك من
الحلال المحض؛ الذي لا شُبهة فيه، فكان ذلك أعظم دليلٍ لمن يقول بجواز
الأجرة على الرُّقى والطبّ. وهو قولُ مالكِ، والشَّافعيِّ، وأبي حنيفة وأصحابه،
وأحمد، وإسحاق، وأبي ثورٍ، وجماعة من السّلف والخلف.
حكم الأجرة
علی تعلیم
القرآن
وأمَّا الأجرة على تعليم القرآن: فأجازها الجمهورُ من السلف والخلف
مُتمسِّكين بهذا الحديث، وما زاد فيه البخاريُّ من حديث ابن عباسٍ: أنَّ النبيَّ ◌ِله
قال: (إنَّ أحقَّ ما أخذتم عليه أجراً كتابُ الله)) (١). وهذا يلحقُ بالنُّصوص. وقد
حرَّم أبو حنيفة أخْذَ الأجرة على تعليم القرآن، وكذلك أصحابه، تمشُّكاً بأمرين :
أحدهما: أنَّ تعلُّم القرآن وتعليمه واجبٌ من الواجبات؛ التي تحتاجُ إلى نيّة
التَّقرب والإخلاص؛ فلا يؤخذ عليها أجرةٌ كالصلاة، والصِّيام.
وثانيهما: ما رواه أبو داود من حديث عبادة بن الصامت قال: عَلَّمْتُ ناساً
من أهل الصُّفة الكتابَ والقرآن، وأهدى إليَّ رجلٌ منهم قوساً، فقلتُ: ليست
بمالٍ، وأرمي عليها في سبيل الله، فلّتينّ رسولَ الله ◌َ﴿ فلأسالنَّه، فأتيته فسألته،
فقال: ((إن كنت تحبُّ أن تطوَّق قوساً من نارٍ فاقبلها))(٢).
(١) رواه البخاري (٥٧٣٧).
(٢) رواه أبو داود (٣٤١٦).
٥٨٩
(٣١) كتاب الرقى والطب - (٨) باب: الرقية بأسماء الله والتعويذ
(٨) باب
الرُّقْيَة بأسماء الله، والتَّعْويذ
[٢١٤١] عن عثمان بن أبي العاص الثقفيٍّ: أنَّه شكا إلى
رسول الله : ﴿ وَجَعاً يجده في جسده منذ أسلم، فقال له رسول الله وَلقوله:
(ضع يدك على الذي يألمُ من جَسدِك، وقُل: باسم الله ثلاثاً، وقل سبع
مرات: أعوذ بالله وقُدْرتِهِ من شرِّ ما أَجِدُ وأحاذِرُ)).
رواه مسلم (٢٢٠٢)، وأبو داود (٣٨٩١)، وابن ماجه (٣٥٢٢).
وللجمهور أن يقولوا: لا نسلم صحة ذلك القياس؛ لأنه فاسدُ الوضع؛ لأنَّه
في مقابلة قوله {وَ *: ((إنَّ أحقّ ما أخذتم عليه أجراً كتابُ الله))، وهو عمومٌ قويٌّ،
وظاهرٌ جليٍّ. والجوابُ عن القياس [بعد تسليمه](١): إنه لا يصح للفرق بين الفرع
والأصل، وهو: أنَّ الصلاة والصوم عباداتٌ خاصَّةٌ بالفاعل، وتعليمُ القرآن عبادةٌ
متعديةٌ لغير المعلم، فتجوز الأجرةُ على محاولة النقل، كتعليم كتابة القرآن.
وأمَّا الجوابُ عن الحديث بعد تسليم صحته: فالقولُ بموجبه؛ لأن تعليمَ
عبادةٍ لم يكن بإجارةٍ، ولا جُعْلٍ، وإنَّما علَّم لِلَّه تعالى تطوُّعاً، لا لغيره. ومَن كان
كذلك حرمَ عليه أخذ العِوض على ما فعله لِلَّه تعالى؛ لأنَّه ربَّما يُفْسِدُ عَمَلَهُ، ويأكل
مالاً بالباطل.
(٨) ومن باب: الرُّقية بأسماء الله - عزَّ وجلَّ -
(قوله: ((ضع يدك على الذي يألمُ من جسدك))) هذا الأمرُ على جهة التعليم مشروعية وضع
والإرشاد إلى ما ينفعُ من وضع يد الرَّاقي على المريض ومَسْحِه به. وأنَّ ذلك لم يد الراقي على
٢ المريض
(١) ما بين حاصرتين سقط من (ع) و (ج ٢).
٥٩٠
(٣١) كتاب الرقى والطب - (٨) باب: الرقية بأسماء الله والتعويذ
[٢١٤٢] وعنه: أنَّه أتى النَّبِيَّ وَّه فقال: يا رسول الله! إنَّ الشيطان
يكن مخصوصاً بالنبيِّ وَ﴿، بل ينبغي أن يفعلَ ذلك كلُّ راقٍ. وقد تأكد أمرُ ذلك
بفعل النبيِّ ◌َّير وأصحابه - رضي الله عنهم - ذلك بأنفسهم وبغيرهم، كما قد ذُكر
في الأحاديث المتقدِّمة، فلا ينبغي للرّاقي أن يعدلَ عنه للمسح بحدید ولا بغيره،
فإنّ ذلك لم يفعله أحدٌ ممن سبقَ ذکرُه، ففعلُه تمویة لا أصل له.
ومما ينبغي للرَّاقي أن يفعلَه: النَّفْث والنَّفْل. وقد قلنا: أنَّهما نفخٌ مع ريقٍ،
وإنَّ ريقَ الثَّفل أكثر. وقد قيل: إنَّ ريق النَّفث أكثر. وقيل: هما متساويان. والأول
أصحُ عند أهل اللغة. وقد كثر ذلك في الأحاديث المتقدِّمة وغيرها، فلا يُعدَل
عنه، وكذلك تكرار التسمية ثلاثاً، وتكرار العُوَذ سبعاً، كما جاء في هذا الحديث،
فينبغي للرَّاقي أن يحافظَ عليه؛ إذ قد علَّمه النبيُّ وَلِ وأمرَ به. فكلُّ ذلك فيه أسرارٌ
يدفعُ الله تعالى بها الأضرارَ. فأمَّا ما يفعلُه المُعَزِّمُون من الآلات والصَّلاصل:
فذلك كلُّه من باب التمويه والتَّطرُّق لأكل المال بالباطل.
حكم النُّشْرة
واختلفَ العلماءُ في النشرة. وهي: أن يكتبَ شيئاً من أسماء الله، أو من
القرآن، ثم يغسله بالماء، ثمَّ يمسحَ به المريضَ، أو يسقيَه إياه. فأجازَها سعيد بن
المسيِّب. قيل له: الرّجل يُؤخذ عن امرأته؛ أيحلُّ عنه ويُنشر؟ قال: لا بأسَ به،
وما ينفع لم يُنْه عنه. وقال المازريُّ: النشرة أمرٌ معروف عند أهل التعزيم،
وسُمِّيت بذلك لأنَّها تَنْشُرُ عن صاحبها. أي: تَحُلُّ. ومنعَها الحسنُ. وقال: هي
من السحر. وقد روى أبو داود من حديث جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - قال:
سُئل رسول الله وَ﴿ عن النُّشْرَة فقال: ((هي مِن عمل الشَّيطان))(١). قال بعضُ
علمائنا: هذا محمولٌ على أنَّها خارجةٌ عمَّا في كتاب الله تعالى وسنة رسوله وَّارِ،
وعن المداواة المعروفة، والنُّشرَة من جنس الطب.
(١) رواه أبو داود (٣٨٦٨).
٥٩١
(٣١) كتاب الرقى والطب - (٨) باب: الرقية بأسماء الله والتعويذ
قد حَالَ بيني وبين صلاتي وقراءتي، يَلْبِسها عليَّ. فقال له رسول الله وَله :
((ذاك شيطانٌ يقال له خِتْزَبٌ، فإذا أحسَسْتَه؛ فتعوَّذ بالله منه، واتْفُل على
يسارِك ثلاثاً). قال: ففعلتُ ذلك، فأذْهَبَهُ الله عَنِّي.
رواه مسلم (٢٢٠٣).
قلتُ: ويتأيِّد هذا بقوله : {وَله: ((لا بأسَ بالرُّقى ما لم يكن فيه شِرْكٌ، ومَن
استطاعَ منكم أن ينفعَ أخاه فليفعلْ))(١).
قال القاضي عياض - رحمه الله - في النفث: وفائدةُ ذلك - والله أعلم -
التَّبُّك ببلل الرُّطوبة، أو الهواء، والنَّفَس المباشِر للرُّقية الحسنة، كما يُتَبَرَّكُ بغسالة
ما يُكتب من أسماء الله الحسنى في النُّشَر. قال: وقد يكون ذلك على وجه التفاؤل
من زوال ذلك الألم، وانفصاله عن المريض كانفصال ذلك النَّفْث، وقد كان مالكٌ
ينفث إذا رقى نفسَه، وكان يكره الحديدةَ والملحَ الذي يُعقد، والذي يكتبُ خاتمَ
سليمان، وكان العقدُ عندَه أشدَّ كراهةً؛ لما في ذلك من مشابهة السِّحر.
و (قوله: جاء(٢) يَلْبِسُها عليَّ) هو بكسر الباء؛ لأن ماضيه: لَسَ - بفتحها -
كما قال الله تعالى: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٩] وهو الخلط. فأمَّا
لَبِسْتُ الثوبَ: فهو على العكس من ذلك.
و (قوله: ((ذلك شيطانٌ يُقال له: خِنْزَبٌّ. هو بالحاء المهملة وبفتحها عند
الجيَّانيِّ، وبكسرها عند الصَّدفيِّ. وفي الصِّحاح: الخِنْزابُ: هو الغليظ القصير
وأنشد:
(١) تقدم تخريجه في التلخيص برقم (٢٨٤٦).
(٢) كلمة (جاء) ليست في نص الحديث الذي في التلخيص، ولا روايات الحديث في
صحيح مسلم.
٥٩٢
(٣١) كتاب الرقى والطب - (٩) باب: لكل داء دواء
(٩) باب
لكل داءٍ دواءٌ، والتداوي بالحجامة
[٢١٤٣] عن جابرٍ، عن رسول الله وَ لهو أنه قال: ((لكلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ؛
تاحَ لَهَا بَعْدَكَ خِنْزابٌ وَزَى(١)
والوزى: الشديد. فيمكن أن يُسمَّى الشيطان: خِنْزباً؛ لأنَّه يتراءى غليظاً
قصيراً. وحذفت الألف لمّا صارَ علماً، فكثيراً ما تُغَيَّر الأعلام عن أصولها.
(٩) ومن باب: لكلِّ داءٍ دواءٌ،
وفي التداوي بالحجامة
(قوله: ((لكلِّ داءٍ دواءٌ)) الدَّاء: بفتح الدَّال لا غير. والدَّواء: تُفتح داله
وتكسر، والفتح أفصح. وهذه الكلمةُ صادقة العموم لأنها خبرٌ من الصادق البشير
عن الخالق القدير: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اَللَّطِيفُ الْخِيرُ﴾ [الملك: ١٤]، فالدَّاء
والدَّواء خَلْقه؛ والشِّفاء والهلاك فِعْله، ورَبْط الأسباب بالمسببات حِكْمته وحُكْمه
على ما سبق به عِلْمه. فكلُّ ذلك بقدر لا مَعْدِل عنه، ولا وزر. وما أحسن قول
النبيِّ ◌َ﴿ فيما خرَّجه الترمذيُّ عن أبي خزامة بن يعمر، قال: سألتُ رسولَ اللهِ،
فقلت: يا رسول الله! أرأيت رقىّ نسترقيها، ودواءً نتداوى به؛ هل ترؤُ من قدر الله
شيئاً؟ قال: ((هي من قدر الله))(٢)، قال: هذا حديث حسن صحيح. وكفى بهذا
بيان، لكن للبصراء، لا للعميان.
(١) هذا عجز البيت، وصدره: قدْ أَبْصَرَتْ سَجَاحِ من بعدِ العَمَىُ. وقائله: الأغلب العجليُّ
يهجو سجاح. وجاء في حاشية اللسان مادة (وزى) قوله: خنزاب، بالخاء المعجمة.
كذا بالطبعات جميعها وهو تحريف، صوابه: حنزاب، بالحاء المهملة، كما في
الصحاح والتهذيب، والحنزاب: القصير، الغليظ.
(٢) رواه الترمذي (٢٠٦٥ و ٢١٤٨).
٥٩٣
(٣١) كتاب الرقى والطب - (٩) باب: لكل داء دواء
فإذا أُصِيبَ دَواءُ الدَّاء بَرَأ بإذن الله)).
رواه أحمد (٣٣٥/٣)، ومسلم (٢٢٠٤).
[٢١٤٤] وعن عاصم بن عمر بن قتادة، قال: جاءنا جابر بن عبد الله
في أهلنا ورجل يشتكي خُرَاجاً به أو جِرَاحاً، فقال: ما تشتكي؟ قال:
خُرَاجٌ بي قد شَقَّ عليَّ. فقال: يا غلام اثْتِنِي بحجَّامٍ! فقال له: ما تصنع
بالحجَّام يا أبا عبد الله؟! قال: إني أرِيد أن أُعلِّق فيه مِحْجَماً. قال: والله إن
الذُّبَاب ليُصيبُني، أو يُصِيبُني الثَّوبُ فيُؤْذِيني، ويَشُقُّ عليَّ؛ فلما رأى تَبرُمَهُ
و (قوله: ((فإذا أُصيبَ دواءُ الدَّاءِ بَرَأَ بإذن الله))) ومعناه: أنَّ الله تعالى إذا شاء
الشِّفاء يسَّر دواءَ ذلك الدَّاء، ونبَّه عليه مستعمله، فيستعمله على وجهه، وفي وقته،
فيشفى ذلك المرض. وإذا أراد إهلاك صاحب المرض أذهل عن دوائه، أو حجبه
بمانعٍ يمنعه، فهلك صاحبه. وكلُّ ذلك بمشيئته وحكمه، كما سبق في علمه. ولقد
أحسن من الشعراء مَنْ قال في شرح الحال:
والنَّاسُ يلحَوْنَ الطَِّيْبَ وإنَّما غَلَطُ الطَّبِيبِ إصابَةُ المقْدُورِ
وقد خرّج أبو داود هذا الحديث وحديث أسامة بن شريكٍ، وقال فيه: كلُّ داء له دواءٌ
إِنَّهِ وَ ه قال: ((يا عباد الله! تداووا، فإنَّ الله لم يضع داءً إلا وضع له شفاءً غير داءٍ إلا الهرم
واحدٍ: الهرم))(١). فاستثنى الهرمَ من جملة الأدواء؛ وإن لم يكن داءً بنفسه، لكن
تلازمه الأدواء، وهو مُفْضٍ بصاحبه إلى الهلاك. وهذا نحوٌ من قوله في الحديث
الآخر: ((كفى بالسَّلامة داءً)) (٢). أي: مصير السَّلامة إلى الدَّاء، وكما قال حميد بن
ثور:
أُرَى بَصَرِيْ قَدْ رابَنِيْ بَعْدَ صِحَّةٍ وَحَسْبُكَ دَاءَ أَنْ تصحَّ وتَسْلَما
(١) رواه أبو داود (٣٨٥٥).
(٢) رواه القضاعي في مسند الشهاب رقم (٨٦١).
٥٩٤
(٣١) كتاب الرقى والطب - (٩) باب: لكل داء دواء
من ذلك قال: إنِّي سمعت رسول الله له يقول: ((إنْ كان في شيءٍ من
أدْوِيتكم خَيرٌ؛ ففي شَرْطة مِخْجَمٍ، أو شَرْبَةٍ من عَسلٍ، أو لَذْعَةٍ بنارٍ)). قال
و (قوله ﴾: ((إنْ كان في أدويتكم خيرٌ ففي شَرْطة محجمٍ، أو شَرْبة عسلٍ،
أو لذعةٍ بنارٍ))) يعني بالخير: الشِّفاء. والمحجم: هو الوعاءُ الذي يُجمع به موضع
الحجامة، ويجتمع فيه الدَّم، وهو جمعٌ واحده: مِخجَمةٌ. وهي بكسر الميم. وقد
يقال على الحديدة التي يُشرط بها، وهي المعنية هنا. وجاء هذا الحديث هنا بصيغة
الاشتراط من غير تحقيق الأخبار. وقد جاء في البخاريٍّ من حديث ابن عبّاسٍ
مرفوعاً: ((الشِّفاء في ثلاثٍ))(١)، وذكرها. فحقّق الخبر.
العِلَلُ وأنواعُها
قال بعضُ علمائنا: أشار النبيُّ ◌َ﴿ إلى جميع ضروب المعاناة القياسيَّةِ،
وذلك: أنَّ العللَ منها ما يكون مفهوم السبب، ومنها ما لا يكون كذلك. فالأول:
كغلبة أحد الأخلاط التي هي: الدم، والبلغم، والصفراء، والسَّوداء. فمعالجةُ
ذلك باستفراغ ذلك الامتلاء بما يليق به من تلك الأمور المذكورات في الحديث.
فمنها ما يُستفرغ بإخراج الدَّم بالشَّرط، وفي معناه: الفصد، والبطُ، والعَلَق. ومنها
ما يُستفرغ بالعسل وما في معناه من الأدوية المسهِّلة. ومنها ما يُستفرغ بالكيّ؛ فإنَّه
يُجفّف رطوبات موضع المرض، وهو آخرُ الطبّ.
وأمّا ما كان من العلل عن ضعف قوةٍ من القوى؛ فعلاجه بما يقومي تلك
القوة من الأشربة. ومن أنفعها في ذلك: العسلُ إذا استعمل على وجهه. وأمَّا ما
كان من العلل غير مفهوم السبب، فكالسِّحر، والعين، ونظرة الجنَّ؛ فعلاجُه
بالرُّقى، والكلام الحسن، وأنواع من الخواصِ مغيبةِ السِّرِّ. ولهذا القِسْم أشار
رسولُ اللهَِ﴿ فيما روي عنه: أنَّه زاد في هذا الحديث: ((أو آيةً من كتاب الله)) زيادةً
على ما ذکر فیما تقدّم منه.
(١) رواه البخاري (٥٦٨٠ و ٥٦٨١).
٥٩٥
(٣١) كتاب الرقى والطب - (٩) باب: لكل داء دواء
رسول الله وَ طي: ((وما أحب أن أكْتَوي)). قال: فجاء بحجّام، فشرطه،
فذهب عنه ما يَجِدُ.
وفي روايةٍ، قال: لا أبرح حتى تَحتجم؛ فإنّي سمعت رسول الله وَّيه
يقول: ((إنَّ فيه شفاءً)».
رواه أحمد (٣٣٥/٣)، والبخاريُّ (٥٦٩٧)، ومسلم (٢٢٠٥) (٧٠
و ٧١).
قلتُ: هذا معنى ما قاله علماؤنا، ويمكن أن يقال: إنَّ هذه المذكورات في
هذا الحديث إنما خُصَّت بالذكر؛ لأنَّها كانت أغلب أدويتهم، وأنفع لهم من غيرها
بحكم اعتيادهم لها، ومناسبتها لغالب أمراضهم، ولا يلزم أن تكون كذلك في حقٌّ
غيرهم ممن يخالفهم في بلادهم وعاداتهم وأهويتهم. ومن المعلوم بالمشاهدة
اختلافُ العلاجات والأدوية بحسب اختلاف البلاد والعادات؛ وإن اتحدت أسبابُ
الأمراض. والله تعالى أعلم.
و (قوله: ((وما أحبُّ أن أكتوي)))، وفي لفظ البخاريّ: ((وأنا أنهى أمتي عن حكمة النهي عن
الكيِّ)). إنما كان ذلك لشدَّة ألم الكيِّ، فإنه يُزبي على ألم المرض. ولذلك الكيِّ
لا يرجع إليه إلا عند العجز عن الشِّفاء بغيره من الأدوية. وأيضاً: فلأنَّه يشبه التعذيب
بعذاب الله الذي نُهي عنه. وقد تقدَّم القولُ في هذا في: الإيمان.
إذن الزوج في
تداوي زوجته
واستئذان أمِّ سلمة النبيَّ ◌َله في الحجامة دليلٌ: على أنَّ المرأة لا ينبغي لها
أن تفعل في نفسها شيئاً من التداوي، أو ما يشبهه إلا بإذن زوجها؛ لإمكان أن
يكون ذلك الشيء مانعاً له من حقِّه، أو مُنْقِصاً لغرضه منها، وإن كانت لا تشرع في
شيءٍ من التطوُّعات التي يُتقرَّبُ بها إلى الله تعالی إلا بإذنٍ منه؛ كان أحرى وأولى
ألَّا تتعرَّض لغير القرب إلا بإذنه؛ اللهمَّ إلا أن تدعوَ لذلك ضرورةٌ من خوفٍ
موتٍ، أو مرضٍ شديدٍ، فهذا لا يحتاجُ فيه إلى إذنٍ؛ لأنه قد التحق بقسم الواجبات
٥٩٦
(٣١) كتاب الرقى والطب - (٩) باب: لكل داء دواء
[٢١٤٥] وعن جابر: أنَّ أَمَّ سلمة استأذنت رسول الله اص طلقه في
الحِجَامة، فأمر رسول الله وَله أبا طَيْبَة أن يَحجُمَها. قال: حسبْت أنَّه قال:
كان أخاها من الرَّضاعة، أو غُلاماً لم يَختلم.
رواه أحمد (٣٥٠/٣)، ومسلم (٢٢٠٦)، وأبو داود (٤١٠٥)،
وابن ماجه (٣٤٠٨).
المتعينة. وأيضاً: فإنَّ الحجامة وما يتنزل منزلتها مما يحتاج فيها إلى محاولة
الغير؛ فلا بدَّ فيها من استئذان الزَّوج لنظره فيمن يصلح، وفيما يحلُّ من ذلك. أَلَا
ترى: أن النبيَّ ◌َ﴿ أمر أبا طيبة أن يحجمَها لما علم ما بينهما من السبب المبيح،
كما قال الرَّاوي: حسبتُ: أنَّه كان أخاها من الرّضاعة، أو غلاماً لم يحتلم. ولا
شكَّ: في أنَّ مراعاة هذا هي الواجبة متى وجد ذلك؛ فإن لم يوجد من يكون
كذلك، ودعتِ الضَّرورةُ إلى معالجة الكبير الأجنبيِّ جاز دفعاً لأعظم الضَّررين،
وترجيحاً لأخفِّ الممنوعَيْن.
وفيه من الفقه ما يدلُّ: على أنَّ ذا المحرم يجوز أن يطَّلع من ذات محرمه
على بعض ما يحرمُ على الأجنبيِّ، وكذلك الصبيُّ؛ فإنَّ الحجامةَ غالباً إنما تكون
من بدن المرأة فيما لا يجوز لأجنبيٌّ الاطلاع عليه، كالقفا، والرَّأس، والساقين.
٥٩٧
(٣١) كتاب الرقى والطب - (١٠) باب: التداوي بقطع العِزْق
(١٠) باب
التداوي بقطع العِزْق والكيِّ والسُّعوط
[٢١٤٦] عن جابرٍ، قال: بعث رسول الله ◌َّه إلى أبيّ بن كعبٍ
طبيباً؛ فقطع منه عرقاً؛ ثم گواه علیه.
وفي روايةٍ: قال: رُميَ أُبيّ يوم الأحزاب على أكْحَلِه. قال: فَكَواه
رسول الله وَال﴾.
رواه مسلم (٢٢٠٧) (٧٣ و٧٤)، وأبو داود (٣٨٦٤).
(١٠) ومن باب: التداوي بقطع العروق والكيِّ والسُّعوط
(قول جابر: رُمي أُبَيِّ يوم الأحزاب على أكحَلِهِ) صحيحُ رواية هذه اللفظة
بضم الهمزة، وفتح الباء، وياء التصغير. ورواها العذريُّ، والسَّمر قنديُّ: أبي
- بفتح الهمزة، وكسر الباء، على إضافته لياء المتكلِّم. والأول هو الصحيح بدليل
الرّواية التي نصَّ فيها على أنَّه: أبيُّ بن كعبٍ؛ ولأنَّ أبا جابرٍ لم يدركْ يوم
الأحزاب، وإنما استشهد يوم أحدٍ. و (الأكحل): عِزْقٌ معروفٌ. قال الخليل: هو
عرقُ الحياة، يقال: في كلِّ عضوٍ منه شعبةٌ لها اسم على حدةٍ؛ فإذا قطع في اليد لم
يرقأ الدم. وقيل: إنَّه يقال له في اليد: أكحلُ، وفي الفخذ: النَّسا، وفي الظهر:
الأبھرُ.
وكونه ﴿ بَعَثَ إلى أُبَيِّ طبيباً فكواه، دليلٌ: على أنَّ الواجبَ في عمل لا يُباشر الطبَّ
العلاج ألا يباشره إلا من كان معروفاً به، خبيراً بمباشرته، ولذلك أحال النبيُّ وَالنٍّ إلا الخبير
على الحارث بن كَلَدَة، ووصف له النبيُّ وَّهِ الدَّواءَ وكيفيةَ العمل، على ما يأتي.
(وكيُّ النبيِّ وَ﴿ لأبيِّ وسعدٍ دليلٌ: على جواز الكيِّ والعمل به إذا ظنَّ
الإنسانُ منفعته، ودعتِ الحاجةُ إليه. فيحمل نهيُّه وَله عن الكيِّ على ما إذا أمكن
٥٩٨
(٣١) كتاب الرقى والطب - (١٠) باب: التداوي بقطع العِزْق
[٢١٤٧] وعنه، قال: رُمي سعد بن معاذ في أُكْحَلِه. قال: فحَسَمه
النبيِ وَّهِ بيده بمِشْقَصٍ؛ ثم وَرِمَت، فحَسمهُ الثّانية.
رواه مسلم (٢٢٠٨) (٧٥).
[٢١٤٨] وعن ابن عباسٍ: أنَّ النبيَّ ◌َِّ اخْتَجم؛ وأعطى الحجّام
أجْره، واسْتَعط.
رواه البخاريُّ (٢٢٧٨)، ومسلم (١٢٠٢) (٧٦)، وأبو داود
(٣٤٢٣).
-
أن يُستغنى عنه بغيره من الأدوية، فمن فَعَلَهُ في محلِّه، وعلى شرطه؛ لم يكن ذلك
مكروهاً في حقِّه، ولا مُنقِّصاً له من فضله. ويجوزُ أن يكونَ من السَّبعين ألفاً؛
متى يجوز الذين يدخلون الجنَّةَ بغير حسابٍ (١)، كيف لا وقد كوى النبيُّ ◌َّ سعد بن معاذ؛
الکيُّ؟
الذي اهتز له عرشُ الرَّحمن، وأبيَّ بن كعبِ المخصوص بأنه أقرأ الأمّة للقرآن؟!
وقد اكتوى عمران بن حصين. فمن اعتقد: أنَّ هؤلاء لا يصلحون أن يكونوا من
السبعين ألفاً؛ ففسادُ كلامه لا يخفى. وعلى هذا البحث: فيكون قوله وَلّ في
السبعين ألفاً: أنهم هم الذين لا يكتوون: إنَّما يعني به: الذي يكتوي وهو يجدُ عنه
غِنِىَ. والله أعلم.
و (السَّعوط): دواء يُصبُّ في الأنف. وقد أسعطتُّ الرَّجلَ فاستعَطَ هو
بنفسه. والمُسْعُطُ - بضم الميم ـ: هو الإناءُ الذي يُجعل فيه السَّعوط.
(١) رواه أحمد (٤٣٦/٤ و٤٤٣)، ومسلم (٢١٨) من حديث عمران بن حصين.
٥٩٩
(٣١) كتاب الرقى والطب - (١١) باب: الحمى من فيح جهنم
(١١) باب
الحمّی من فیح جهنم فأبردوها بالماء
[٢١٤٩] عن ابن عمر؛ عن النبيِّ وَ﴿ قال: ((الحمَّى من فَيْحِ جهنّم
فَابْردُوها بالماء».
وفي روايةٍ: ((فَأَطْفِئُوها بالماء)».
رواه أحمد (٢١/٢)، والبخاريُّ (٣٢٦٤)، ومسلم (٢٢٠٩) (٧٨
و ٧٩ و ٨٠).
(١١) ومن باب: الحمَّى من فيح جهنم
(فيح جهنّم): شدَّة حرارتها. وأصله من: فاحت القدر: إذا غَلَت. وقد يعبّر
عنه بالفور؛ كا جاء في الرواية الأخرى: ولفحُ النَّار: إصابة شدَّة حرِّها. وجهنم:
اسم علم من أسماء نار الآخرة؛ مؤنث. ولذلك لم ينصرف. وقد تقدم اشتقاقه.
و (قوله: ((فابْرُدُوها بالماء») صوابه بوصل الألف؛ لأنَّه من قولهم: برَّد الماءُ
حرارةَ جوفي. وهو ثلاثي معدَّى؛ كما قال:
وعطُّلْ قَلُوصِي فِي الرِّكَابِ فَإِنَّها ستَبْرُدُ أكبَاداً وتُبْكِي بَوَاكِيَا
وقد أخطأ من قال: أبردوها - بقطع الألف-، وفي الرواية الأخرى:
فأطفئوها - بالهمزة رباعيّاً - من: أطفأ. وقد اعترض بعضُ سخفاء الأطبّاء على هذا استعمال الماء
الحديث، فقال: استعمال المحموم الاغتسالَ بالماء خطرٌ مُقرِّبٌ من الهلاك؛ لأنَّه البارد في إطفاء
الحمّی
يجمع المسامَّ، ويحقن البخارَ، ويعكس الحرارة لداخل الجسم، فيكون ذلك سبباً
للتلف. وجوابه: أنَّ هذا إن صدر عمَّن ارتاب في صدق النبيِّ ◌َّرَ فجوابه
بالمعجزات الدَّالة على صدقه و ﴿ التي تدل قَطْعاً على صحة قوله، وصواب فِعْله،
فإن حصل له التصديق والإيمان، وإلا فقد يفعل اللَّهُ بالسيف والسِّنان ما لا يُفعل
٦٠٠
(٣١) کتاب الرقی والطب ۔ (١١) باب: الحمی من فيح جهنم
[٢١٥٠] وعن أسماء: أنَّها كانت تؤتى بالمرأة الموعُوكة فتدعو
بالماء فتَصُّه في جيبها، وتقول: إنَّ رسول الله وَلِّ قال: ((ابْردُوها بالماء)).
وقال: ((إنَّها من فَنْحِ جھئَّم)).
رواه البخاري (٥٧٢٤)، ومسلم (٢٢١١) (٨٢)، والترمذي
(٢٠٧٥).
[٢١٥١] وعن رافع بن خَدِيْج، قال: سمعت رسول الله وَل يقول:
((الحُمَّی من فَوْرٍ جهنم فابرُدُوها عنكم بالماء».
رواه البخاريُّ (٣٢٦٢)، ومسلم (٢٢١٢) (٨٣ و٨٤)، والترمذيُّ
(٢٠٨٤).
بالبرهان. وإن صدر عن مصدِقٍ له ومؤمنٍ برسالته - وما أقله فيمن يتعاطى صنعة
الأطباء ! - قيل له: تفهّم مُرادَه من هذا الكلام؛ فإنَّه لم ينصَّ على كيفية تبريد
الحمَّى بالماء، وإنَّما أرشد إلى تبريدها بالماء مطلقاً؛ فإن أظهر الوجودُ أو صناعةُ
الطبّ: أنَّ غمس المحموم في الماء، أو صبّه علی جمیع بدنه یضژُّه؛ فليس هو
الذي قصد النبيُّ وَله، وإنَّما قصد استعمال الماء على وجهٍ ينفع، فيُبْحَثُ عن ذلك
الوجه، وتُجرَّبُ الوجوهُ التي لا ضرر فيها، فإنَّه سيظهر نفعُه قطعاً. وقد ظهر هذا
المعنى في أمره للعائن بالغسل، فإنَّه وإنْ كان قد أمره بأن يغتسلَ مطلقاً؛ فلم يكن
مقصودُه أن يغسل جميعَ جسده، بل بعض ذلك، كما تقدَّم. وإذا تقرَّر هذا؛ فلا
يبعدُ أن يكون مقصودُه أن يُرشَّ بعض جسد المحموم، أو يفعل كما كانت أسماءُ
تفعل، فإنّها كانت تأخذ ماءً یسیراً ترشُّ به في جيب المحموم، أو ◌ُنضح به وجهُه،
ويداه، ورجلاه، ويذكرُ اسم الله تعالى، فيكون ذلك من باب النُّشرة الجائزة، كما
تقدم. وقد يجوز أن يكون ذلك من باب الطبِّ، فقد ينفعُ ذلك في بعض