Indexed OCR Text
Pages 501-520
٥٠١ (٣٠) كتاب الأدب - (١٣) باب: النهي عن المبيت عند غير ذات محرم الحَمْءَ؟ قال: ((الحَمْءُ الموتُ!)). قال الليث بن سعد: الحمو: أخو الزوج، وما أشبهه من أقارب الزوج: ابن العم ونحوه. رواه أحمد (١٤٩/٤)، والبخاريُّ (٥٢٣٢)، ومسلم (٢١٧٢) (٢٠ و ٢١)، والترمذيُّ (١١٧١). كما يقال: إيّاك والأسد! وإياك والشرّ! أي: اَّق ذلك واحذره، والمنصوبان: مفعولان بفعلين مقدَّرين يدلُّ عليهما المعنى. و (المغيَّبات): جمع مغيبةٍ، وهي التي غاب عنها زوجها؛ يقال: غاب الزوج، فهو غائب، وأغابت زوجته في حال غيبته؛ فهي مُغيَّبة. و (الحَمْءُ): أحد (١) الأحماء، وهم قرابةُ الزَّوج، مثل أخيه، وعمّه، وابنيهما. ويقال لهؤلاء من جهة الزوجة: أَخْتَان. والصهر يجمعُ ذلك كلَّه. وقد جاء الحَمْءُ في هذا الحديث مهموزاً، والهمز أحد لغاته. ويقال فيه: حموٌ - بواو مضمومةٍ - كدلوٍ، و (حَمّى) مقصور، كـ (عصاً). والأشهر فيه: أنَّه من الأسماء السنّة(٢) المعتلَّة المضافة التي تُعرب في حال إضافتها إلى غير ياء المتكلم بالواو رفعاً، وبالألف نصباً، وبالياء خفضاً؛ فتقول: جاءني حموك، ورأيت حماك، ومررت بحميك. و(قوله: ((الحَمْءُ الموت))) أي: دخوله على زوجة أخيه يشبه الموت في دخول الحَمْءِ الاستقباح والمفسدة. أي: فهو محرَّمٌ معلوم التحريم، وإنما بالغ في الزجر عن على الزوجة ذلك، وشبَّهه بالموت لتسامح الناس في ذلك من جهة الزوج والزوجة، لإلْفِهم حرام لذلك، حتى كأنه ليس بأجنبيٍّ من المرأة عادةً، وخرج هذا مخرجَ قول العرب: الأسد الموت، والحرب الموت. أي: لقاءه يفضي إلى الموت. وكذلك دخول (١) في (ع) و (ج ٢) و(ل ١): واحد. (٢) في (ل ١): الخمسة. ٥٠٢ (٣٠) كتاب الأدب - (١٣) باب: النهي عن المبيت عند غير ذات محرم [٢٠٨٤] وعن عبد الله بن عمرو بن العاص: أنَّ نَفَراً من بني هاشم دخلوا على أسماء بنت عُمَيس، فدخل أبو بكر الصديق - وهي تَحْتَه يومئذٍ - فرآهم، فكره ذلك، فذكر ذلك لرسول الله وَ لخير، وقال: لم أرَ إلّا خيراً. فقال رسول الله وَطاهر: ((إنَّ الله قد برَّأها من ذلك)) ثم قام رسول الله ﴿ على المنبر فقال: ((لا يَدْخُلَنَّ رجلٌ بعد يَوْمي هذا على مُغَيَّبةٍ إلا معه رَجُلٌ أو اثْنَان)). رواه أحمد (١٨٦/٢)، ومسلم (٢١٧٣) (٢٢). * * الحمو على المرأة يفضي إلى موت الدِّين، أو إلى موتها بطلاقها عند غَيْرة الزوج، أو برجمها إن زنت معه. و (قوله: إنَّ نفراً من بني هاشم دخلوا على أسماء بنت عميسٍ) كان هذا الدخولُ في غيبة أبي بكرٍ - رضي الله عنه -، لكنَّه كان في الحضر لا في السفر، وكان على وجه ما يعرف من أهل الصلاح والخير، مع ما كانوا عليه قبل الإسلام مما تقتضيه مكارمُ الأخلاق من نفي التهمة والرِّيَب، كما قدمناه. ولعل هذا كان قبل نزول الحجاب، وقبل أن يُتقدَّم لهم في ذلك بأمرٍ ولا نهيٍ؛ غير أنَّ أبا بكرٍ - رضي الله عنه - أنكر ذلك بمقتضى الغَيْرة الجِبِلِّيَّة، والدِّينيّة، كما وقع لعمر - رضي الله عنه - في الحجاب. ولما ذكر ذلك للنبيِّ وَلّم قال: ما يعلمه من حال الدَّاخلين، والمدخول لها؛ قال(١): لم أرَ إلا خيراً. يعني: على الفريقين، فإنَّه علم أعيان الجميع؛ لأنهم كانوا من مسلمي بني هاشم، ثم خصَّ(٢) أسماء بالشهادة لها فقال: «إن الله قد بژأها من ذلك» أي: مما وقع في نفس أبي بكرٍ، فكان ذلك فضيلةً عظيمةً من أعظم فضائلها، ومَنْقَبَةً من أشرف مناقبها، ومع ذلك فلم يكتفِ من فضائل أسماء بنت عُمَیْس (١) أي: أبو بكر - رضي الله عنه -. (٢) أي: رسول الله ﴾ . ٥٠٣ (٣٠) كتاب الأدب - (١٤) باب: اجتناب ما يُوقع في التّهم (١٤) باب اجتناب ما يوقع في التُّهم ويجرُّ إليه [٢٠٨٥] عن صفية بنت حُيَيٍّ، قالت: كان النبيُّ وَّه مُعْتَكِفاً. - وفي روايةٍ: في المسجد في العَشْرِ الأواخر من رمضان - فأتيته أزوره ليلاً فحدَّثْتُه، بذلك رسولُ اللهِ وَ﴿ حتى جمع الناسَ، وصَعِد المنبر، فنهاهم عن ذلك، وعلَّمهم ما يجوز منه فقال: ((لا يدخلنَّ رجلٌ على مغيبةٍ إلا ومعه رجلٌ، أو اثنان)) سدّاً لذريعة الخلوة، ودفعاً لما يؤدِّي إلى التهمة. وإنما اقتصر على ذكر الرَّجل والرّجلين لصلاحية أولئك القوم؛ لأنَّ التهمةِ كانت ترتفع بذلك القدر. فأمَّا اليوم: فلا يكتفى بذلك القدر، بل بالجماعة الكثيرة لعموم المفاسد، وخبث المقاصد، ورحم الله مالكاً، لقد بالغ في هذا الباب [حتى منع فيه ما يجرُّ إلى بعيد الثُهم والارتياب](١) حتى منع خلوة المرأة بابن زوجها، والسفر معه، وإن كانت محرَّمةً عليه؛ لأنه ليس كلُّ أحدٍ يمتنع بالمانع الشرعي؛ إذا لم يقارنه مانعٌ عاديٌّ، فإنَّه من المعلوم الذي لا شك فيه: أنَّ موقعَ امتناع الرجل من النظر بالشهوة [لا مرأة أبيه](٢) ليس كموقعه منه لأمه وأخته. هذا قد استحكمت عليه النفرةُ العادية، وذلك قد أنست به النفس الشهوانية، فلا بدَّ مع المانع الشرعيِّ في هذا من مراعاة الذرائع الحاليّة(٣). (١٤) ومن باب: اجتناب التهم وما يجرُّ إليها قد تقدَّم الكلام على الاعتكاف لغةً وشرعاً في كتابه. (قول صفية - رضي الله عنها -: فأتيتهُ أزوره ليلاً، فحدَّثته) دليلٌ: على جواز زيارة المعتكف والتحڈُّث معه (١) ما بين حاصرتين سقط من (ل ١). (٢) ما بين حاصرتين سقط من (ل ١). (٣) في (ل ١): العادية. ۔ ٥٠٤ (٣٠) كتاب الأدب - (١٤) باب: اجتناب ما يُوقع في الثُّهم ثم قمت لأنْقَلِب؛ فقام معي لِقْلِيَتِي - وكان مَسْكَنُها في دار أُسامة بن زَيد - فمرَّ رجُلانٍ من الأنصار؛ فلما رَأْيَا النَّبِيَّ ◌َ أسرعا؛ فقال النَّبيُّ ◌َّ: ((على رِسْلِكُما! إنَّها صفيَّةُ بنت حُييٍّ). زيارة المعتكف، والتحدُّث معه، غير أنه يكره الإكثار من ذلك؛ لئلاّ يشتغل عمَّا دخل إليه من التفرّغ لعبادة الله تعالى، وعلى أنه: لا تكره له الخلوة مع أهله في معتكفه، ولا الحديث معها، وإنَّما الممنوعُ المباشرة، لكن هذا للأقوياء، وأما من يخاف على نفسه غلبةً شهوة، فلا يجوز لئلاّ يفسد اعتكافه. وقد كان كثيرٌ من الفضلاء يجتنبون دخولَ منازلهم في نهار رمضان مخافةً الوقوع فيما يُفسِد الصوم، أو ينقص ثوابه . حکم انصراف و (قولها: ثم قمتُ لأنقلب، فقام ليقلبني) أي: لأنصرف. و (ليقلبني): المعتكف من يصرفني، وهو مفتوحُ الياء ثلاثياً، وهذا يدلُّ على أنَّ للمعتكف أن ينصرفَ في معتكفه في المسجد المسجد، وإلى بابه إذا دعته إلى ذلك حاجةٌ، غير أنه لا يخرجُ من بابه إلا للأمور الضَّرورية التي تقدَّم ذِكْرُها، وقد رُوي في هذا الحديث: أنه إنما خرج معها إلى باب المسجد. وعلى هذا تأوّل البخاريُّ، ولم يختلفِ العلماءُ: أنَّه لا يفسده خروجُه إلى باب المسجد، وإن اختلفوا في كراهة تصرُّفه فيه لغير ضرورة، كزيارة مريضٍ، أو صلاةٍ على جنازةٍ، أو صعودٍ إلى المنارة للأذان، أو الجلوس إلى قومٍ ليصلح بينهم، فکره مالكٌ کلَّ ذلك في المشهور عنه. و (قوله وَ﴿: ((على رسلكما؛ إنما هي صفيَّة))) الرِّسْل - بكسر الراء -: الرِّفق واللين، وليس فتحُ الراء فيه معروفاً. و (الرِّسْل) بالكسر أيضاً: اللَّبَن. وقد جاء: أرسل القوم: صار لهم اللَّبنُ في مواشيهم. و (الرَّسَل) بفتح الراء والسين: القطيع من الخيل، والإبل، والغنم، وجمعه: أرسال. يقال: جاءت الخيلُ أرسالاً. أي: قطيعاً قطيعاً، و (إنما) هنا لتحقيق المتصل بها، وتمحيق المنفصل عنها، كقوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا اَللَّهُ إِلَهٌ وَحِدٌ﴾ [النساء: ١٧١]. أي: الإلهية متحقِّقة له منفيَّة عن ٥٠٥ (٣٠) كتاب الأدب - (١٤) باب: اجتناب ما يُوقع في التّهم فقالا: سبحان الله يا رسول الله! قال: ((إنَّ الشيطان يجري من الإنسان مَجْرى الدَّم؛ غيره. فكأنَّه قال: هذه صفيَّةُ لا غيرها حَسْماً لذريعة الثُّهم، ورداً لتسويل الشيطان، ووسوسته، كما قد نصَّ عليه، وإذا كان النبيُّ وَّهِ يتَّقي مواقعَ التهم عند (١) قيام الأدلّة القاطعة على عصمته كان غيره بذلك أولى. و (قول الرجلين: سُبحان الله) معنى هذه الكلمة في أصلها: البراءة الله من معنى: سبحانَ السُّوء. لكنَّها قد كثر إطلاقها عند التعُب والتفخيم، أو الإنكار، كما قال تعالى: الله ﴿سُبْحَتَكَ هَذَا يُهْتَننُ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦]. وكقوله ◌َلـ: ((سبحان الله! إن المؤمن لا ينجس)»(٢) ومثله كثير، وهذا الموضعُ منها، فكأنهما قالا: البراءة لله تعالى من أن يخلقَ في نفوسنا ظنَّ سَوْء بنبيّه ◌َّهَ، ولذلك قال في الرواية الأخرى: ومن كنتُ أظنُّ به فلم أكن أظنُّ بك! و (قوله: ((إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم))) حمله بعضُ العلماء الإخبار عن على ظاهره. فقال: إنَّ الله تعالى جعل للشيطان قوّةً وتمگُّناً من أن يسري في باطن ملازمة الشيطان للإنسان الإنسان، ومجاري دمه. والأكثرُ على أن معنى هذا الحديث: الإخبار عن ملازمة الشيطان للإنسان واستيلائه عليه بوسوسته، وإغوائه، وحرصه على إضلاله، وإفساد أحواله. فيجب الحذرُ منه، والتحُّز من حِيَلِه، وسدٍّ طرق وسوسته، وإغوائه وإن بَعُدَت. وقد بَيَّن ذلك في آخر الحديث بقوله: ((إني خشيت أن يقذفَ ظنُّ الشُّوء في قلوبكما شراً، فتهلكا))(٣). وخصوصاً في مثل هذا الذي يُفضي بالإنسان إلى والشَّرِّ بالأنبياء کفرٌ (١) في (ج ٢): مع. (٢) رواه أحمد (٢٣٥/٢)، والبخاري (٢٨٣)، ومسلم (٣٧١)، وأبو داود (٢٣١)، والترمذي (١٢١)، والنسائي (١٤٥/١)، وابن ماجه (٥٣٤). (٣) هذه الكلمة ليست في الحديث الذي في التلخيص، ولا في رواياته في صحيح مسلم، وهي في غير مسلم كما أشار إلى ذلك بعد قليل. ولم نجدها في المصادر الحديثية المتوافرة لدینا. ٥٠٦ (٣٠) كتاب الأدب - (١٤) باب: اجتناب ما يُوقع في التُّهم وإِنِّي خَشِيْتُ أن يَقْذِف في قلوبكما شرّاً) أو قال: ((شيئاً)). وفي رواية: أنَّه كان رجلاً واحداً، وأنَّه قال: يا رسول الله! من كنت أظنُّ به، فلم أكن أظن بك. رواه أحمد (٣٣٧/٦)، والبخاريّ (٣٢٨١)، ومسلم (٢١٧٤) (٢٣) و (٢١٧٥) (٢٤ و٢٥)، وأبو داود (٢٤٧٠ و٢٤٧١)، وابن ماجه (١٧٧٩). الكفر؛ فإن ظن السُّوء والشرِّ بالأنبياء كفرٌ. قال القاضي عياض - رحمه الله -: في هذا الحديث من الفقه: إنَّ من قال في النبيِّ وَله شيئاً [من هذا](١)، أو جوَّزه عليه فهو كافر مُستباح الدم. و (قوله: ((يَقْذِف في قلوبكما شرّاً)) أي: يرمي. ومنه: القذف. أي (٢) الرَّميُّ، والقذَّافة: الآلة التي تُزْمَى بها الحجارة. والشرّ هنا: هو الكفرُ الذي ذكرناه. وفي غير مسلم: ((فتهلكا)). أي: بالكفر الذي يلزم عن ظنِّ السُّوء بالنبيِّ ◌َّهِ. وذكَّرَ في الرواية الأخرى: أنَّه كان رجلاً واحداً؛ فيحتملُ أن يكونَ هذا في مرتين. ويحتملُ أن يكونَ النبيُّ وَل﴿ أقبل على أحدهما بالقول بحضرة الآخر، فتصحُّ نسبةُ القصَّة إليهما جمعاً وإفراداً، والله تعالى أعلم. (١) ما بين حاصرتين سقط من (م ٢). (٢) في (ج ٢): وهو. ٠ ٥٠٧ (٣٠) كتاب الأدب - (١٥) باب: من رأى فرجةً في الحلقة (١٥) باب من رأى فرجةً في الحلقة جلس فيها وإلا جلس خلفهم [٢٠٨٦] عن أبي واقدِ اللَّيثيِّ: أنَّ رسول الله وَّهِ بَيْنَما هو جالسٌ في المسجد والنَّاسُ معه إذ أقبل نفرٌ ثلاثةٌ؛ فأقبل اثنان إلى رسول الله وَله وذهب واحدٌ. قال: فوقفا على رسول الله ﴿ ﴿ فأمَّا أحدهما؛ فرأى فُرْجَةً في الحلقة؛ فجلس فيها؛ وأمَّا الآخر؛ فجلس خلفهم. وأما الثالث؛ فأدبر ذَاهِباً، فلما فرغ رسول الله ﴿ قال: ((ألا أُخبرِكم عن النَّفر الثلاثة: أمَّا أحدُهم فَأوى إلى الله؛ فَآوَاه الله، (١٥) ومن باب: من رأى فرجةً في الحلقة جلس فيها (قوله: إذ أقبل نفرٌ ثلاثةٌ) يدلُّ: على أنَّ أقلَّ ما يُقال عليه نفرٌ: ثلاثةٌ؛ إذ لا يُقال: نفرٌ اثنان، ولا: نفرٌ واحدٌ. و (قوله: ((أما أحدُهم فأوى إلى الله فآواه الله))) الرواية الصحيحة بقصر الأول، وهو ثلاثيٌّ غيرُ مُتعدٍّ. ومدِّ الثاني وهو متعدٍّ رباعيٍّ. وهو قولُ الأصمعيِّ. وهي لغة القرآن. قال الله تعالى: ﴿إِذْأَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ﴾ [الكهف: ١٠]. أي: انضمُّوا، ونزلوا. وقال في الثاني: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَشَاوَى﴾ [الضحى: ٦] أي: فضمَّك إليه. وقال أبو زيد: آويتُه أنا إيواءً، وأويتُه: إذا أنزلتُه بك، فَعَلْتُ وأَفْعَلْتُ بمعنىّ . قلتُ: فأمَّا أويت لِمَفَاقِرِهِ(١): فبالقصر لا غير. (١) ((المَفَاقِر)): وجوه الفقر لا واحد لها، كما في اللسان. ٥٠٨ (٣٠) كتاب الأدب - (١٥) باب: من رأى فرجةً في الحلقة وأما الآخر؛ فاسْتَحیا فاستَحيا الله منه؛ ومعنى ذلك: أن هذا الرجل لمَّا انضمَّ إلى الحلقة ونزل فيها، جازاه الله تعالى على ذلك بأن ضمَّه إلى رحمته، وأنزلَه في جنَّته وكرامته. الحضُّ على ففيه: الحضُّ على مجالسة العلماء، ومُداخلتهم، والكونُ معهم؛ فإنهم مجالسة العلماء القومُ الذين لا يَشقى بهم جليسُهم. وفيه: التحلّق لسماع العلم في المسجد حول العالم، والحضُّ على سدٌ خَلَلِ الحَلْقة؛ لأنَّ القربَ من العالم أولى، لما يحصلُ من ذلك من حسن الاستماع، والحفظ، والحالُ في حِلَق الذِّكر كالحالِ في صفوف الصلاة. يُتَمُّ الصَّفُّ الأول، فإن كان نقص ففي المُؤَخَّزِ. و (الحَلْقة) بفتح الحاء وسكون اللام، وكذلك حَلْقة الباب. والحَلْقة: الدروع، والجمع: الحِلَق على غير قياس. وقال الأصمعيُّ: الجمع حِلَقٌ، مثل: بَدْرَةٍ وبِدَرٍ، وقَصْعةٍ وقِصَعِ، وحكى يونس عن أبي عمرو بن العلاء: حَلَقة - في الواحد بتحريك اللَّمَ - والجمع: حَلَق، وحَلَقات. وقال أبو عمرٍو الشيبانيُّ: ليس في الكلام حَلَقة - بتحريك اللام - إلا قولهم: هؤلاء قومٌ حَلَقَةُ: جمع حالق للشعر. معنى الحياء في حق الله تعالی و (قوله: وأما الآخرُ فاستحيا، فاستحيا الله منه)؛ كأنَّ هذا الثالث كان متمكِّناً من المزاحمة؛ إذ لو شرعَ فيها لفُسِحَ له؛ لأنَّ التَّفَسُّح في المجلس مأمورٌ به، مندوبٌ إليه، لكنْ منعَه من ذلك الحَيَاءُ، فجلسَ خلف الصفِّ الأول، ففاتته فضيلةُ التقدُّم، لكنَّه جازَاه الله على إصغائه، واستحيائه بأن لا يعذِّبَه، وبأنْ يُكرمَه. وقد تقدَّمَ الكلامُ في الحياء، واستحياء الله تعالى؛ وأنَّ معناه في حقِّه تعالى: أنه يُعامِلُ عبيدَه بما يُعاملُ به من يستحيي منه؛ من المغفرة والكرامة؛ كما قد جاء عنه ◌َله: ((إنَّ اللَّهَ يستحيي من ذي الشَّيْبَة المسلم أنْ يُعذِّبَه))(١). (١) رواه الطبراني في الأوسط كما في مجمع الزوائد (١٤٩/١٠) وذكر الهيثمي في إسناده ضعفاً. ٥٠٩ (٣٠) كتاب الأدب - (١٦) باب: النهي عن أن يُقام الرجل من مجلسه وأما الآخر: فأعْرض فأعرض الله عنه)). رواه أحمد (٢١٩/٥)، والبخاريُّ (٦٦)، ومسلم (٢١٧٦)، والترمذيّ (٢٧٢٤). (١٦) باب النّهي عن أنْ يُقام الرجل مِنْ مجلسه، ومَنْ قام مِنْ مجلسه ثم رجع إليه عن قربٍ فهو أحقُّ به [٢٠٨٧] عن ابن عمر؛ عن النَّبِيِّ بَّهِ قال: ((لا يُقِمِ الرَّجلُ الرَّجلَ و (قوله: ((وأما الآخَرُ فأعرضَ، فأعرضَ الله عنه))) إن كان هذا المُعْرِضُ إعراض الله عن منافقاً؛ فإعراضُ الله عنه تعذيبُه في نار جهنَّمَ، وتخليدُه فيها في الدَّرْك الأسفل بعض عباده منها. وإن كان مُسلماً - وإنما انصرفَ عن الحَلْقة لعارضٍ عرضَ له فآثرَه - فإعراض الله تعالى عنه: منعُ ثوابه عنه، وحرمانُه مجالسةَ النبيِّ وَّر، والاستفادة منه، والخيرَ الذي حصل لصاحبيه](١). (١٦) ومن باب: النهي عن أن يُقامَ الرجلُ من مجلسه نهيه ﴿ عن أن يُقامَ الرجلُ من مجلسه إنَّما كان ذلك لأجل: أن السّابقَ لمجلسٍ قد اختصَّ به إلى أن يقومَ باختياره عند فراغ غرضه؛ فكأنه قد ملكَ منفعةً ما اختصَّ به من ذلك، فلا يجوز أن يُحالَ بينَه وبين ما يملكُه، وعلى هذا فيكون النهي على ظاهره من التَّحريم، وقيل: هو على الكراهة. والأوَّلُ أولى. ويستوي في هذا المعنى أن يجلسَ فيه بعد إقامته، أو لا يجلس، غيرَ أنَّ هذا الحديث خرجَ (١) ما بين حاصرتين ساقط من (م ٢). ٥١٠ (٣٠) كتاب الأدب - (١٦) باب: النهي عن أن يُقام الرجل من مجلسه من مجلسه ثم يجلس فيه؛ ولكن تَفَسَّحُوا وتَوسَّعُوا)). رواه أحمد (٨٩/٢)، والبخاريُّ (٦٢٦٩)، ومسلم (٢١٧٧) (٢٨)، وأبو داود (٤٨٢٨)، والترمذيُّ (٢٧٤٩). [٢٠٨٨] وعن جابرٍ، عن النبي ◌َّ قال: ((لا يُقيمنَّ أحدُكم أخاه يوم الجمعة ثمَّ لْيخالِفْ إلى مقعده فيقعدَ فیه، ولكن يقول: افسحوا)). رواه أحمد (٢٩٥/٣ -٣٤٢)، ومسلم (٢١٧٨). على أغلب ما يُفعل من ذلك، فإنَّ الإنسانَ في الغالب إنما يُقيمُ الآخرَ من مجلسِه ليجلسَ فيه. وكذلك يستوي فيه يومُ الجمعة، وغيرُه من الأيام التي يجتمعُ الناس فيها، لكنْ جرى ذكرُ يوم الجمعة في هذا الحديث؛ لأنه اليومُ الذي يجتمعُ الناس فيه، ويتنافسون في المواضع القريبة من الإمام، وعلى هذا: فيُلحق بذلك ما في معناه، ولذلك قال ابن جُريج: في يوم الجمعة وغيرها. أدب التفشّح في المجالس و (قوله: ((ولكن تفسَّحوا، وتوسّعوا))) هذا أمرٌ للجلوس(١) بما يفعلون مع الداخل، وذلك: أنه لما نُهِي عن أن يقيمَ أحداً من موضعه تعيَّنَ على الجلوس(١) أن يوسِّعوا له، ولا يتركوه قائماً، فإن ذلك يُؤذيه، وربَّما يُخجله. وعلى هذا: فمن وجدَ من الجلوس(٢) سَعةً تعيَّن عليه أن يُوسِّع له. وظاهرُ ذلك أنه على الوجوب تمشُّكاً بظاهر الأمر، وكأنَّ القائمَ يتأذَّى بذلك، وهو مسلم، وأذى المسلمِ حرامٌ. ويُحتمل أن يقال: إن هذه آدابٌ حسنٌ، ومن مكارم الأخلاق، فتُحمل على النَّذْب. وقد اختلف العلماء في قوله تعالى: ﴿إِذَا قِيلَ لَكُمْ نَفَسَحُواْفِى الْمَجِسِ فَأَفْسَحُواْ يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المجادلة: ١١]. فقيل: هو مجلسُ النبيِّ وَّر كانوا يزدحمون فيه تنافساً في القرب من النبيِّ وَّهِ. وقيل: هو مجلس الصَّفُ في القتال. وقيل: هو (١) جمع جالس. (٢) ((المجالس)): قراءة حفص، وما أثبته المؤلف: قراءة الباقين. ٥١١ (٣٠) كتاب الأدب - (١٦) باب: النهي عن أن يُقام الرجل من مجلسه [٢٠٨٩] وعن أبي هريرة، أنَّ رسولَ اللهِوَّهِ قالَ: ((إذا قام أحدكم)) - وفي رواية: مَنْ قام - من مجلسه، ثمَّ رجع إليه؛ فهو أحقُ به». رواه أحمد (٢٨٣/٢)، ومسلم (٢١٧٩)، وأبو داود (٤٨٥٣)، وابن ماجه (٣٧١٧). عائمّ في كلِّ مجلسٍ اجتمع فيه المسلمون للخير، والأجر، وهذا هو الأَوْلى؛ إذ المجلسُ للجنس على ما أصَّلْناه في الأصول. و (قوله: ((إذا قام أحدُكم من مجلسه ثم رجعَ إليه فهو أحقُ به))) هذا يدلُّ اختصاصُ على صحّة القول بوجوب ما ذكرناه من اختصاص الجالس بموضعِه إلى أن يقومَ الجالس منه، لأنه إذا كان أولى به بعد قيامه؛ فقَبْلَه أحرى وأولى. وذهب آخرون: إلى أنَّ بموضعه ذلك على الندب؛ لأنَّه موضعٌ غيرُ متملَّكٍ لأحدٍ، لا قبلَ الجلوس، ولا بعده. وهذا فيه نظر؛ وهو أن يُقال: سلَّمنا أنه غيرُ متملّك له، لكنَّه يختص به إلى أن يفرغَ غَرضُه منه، فصَارَ كأنَّه يملكُ منفعته؛ إذ قد مُنع غيرُه من أن يزاحمَه عليه. وحملَه مالكٌ على النَّدب إذا كانت رجعتُه قريبةً. قال: وإن بَعُدَ ذلك حتى يذهبَ، ويَبْعُد فلا أرى ذلك، وأنَّه من محاسن الأخلاق. وعلى هذا فيكون هذا عاماً في كلِّ المجالس. وقال محمد بن مسلمة: الحديث محمول على مجلس العلم (١) هو أولى به إذا قام لحاجةٍ، فإذا قامَ تاركاً له؛ فليس هو بأولى. وقد اختلف العلماءُ فيمن ترَّب من العلماء، والقُرّاء بموضع من المسجد للفتيا، وللتدريس. فحُكي عن مالكٍ: أنه أحقُّ به إذا عُرف به. والذي عليه الجمهور: أن هذا استحسانٌ، وليس بواجبٍ، ولعلَّه مراد مالكٍ. وكذلك قالوا فيمن قعدَ من الباعة في موضعٍ من (١) في (١ ١) و(ج ٢): العالم. ٥١٢ (٣٠) كتاب الأدب - (١٧) باب: الزجر عن دخول المختثين على النساء (١٧) باب الزجر عن دخول المخنثين على النساء [٢٠٩٠] عن أمّ سلمة، أن مُخَنَّئاً كان عندها؛ ورسول الله نَّه في البيت. فقال لأخي أمّ سَلمة: ((يا عبد الله بن أبي أميَّة! إنْ فتح الله عليكم أفنية الطُرق، وأفضية البلاد غير المُتَمَلَّكة فهو أحقُّ به ما دامَ جالساً فيه، فإن قام منه، ونيَّتُه الرجوعُ إليه من غده؛ فقيل: هو أحقُّ به حتى يتمَّ غرضُه. حكاه الماورديُّ عن مالكٍ؛ قطعاً للتنازع. وقيل: هو وغيره سواء، والسّابق إليه بعد ذلك احڅُّ به. (١٧) ومن باب: الزجر عن دخول المختَّتين على النساء التخلُّث: هو اللِّين والتكسُّر. والمخنث: هو الذي يلين في قوله، ويتكسَّر في مشيته، ويتثنَّى فيها كالنساء. وقد يكون خلقةً، وقد يكون تصنُّعاً من الفسقة. ومن كان ذلك فيه خلقةً؛ فالغالب من حاله: أنَّه لا أرب له في النساء، ولذلك كان أزواج النبيِّ وَ ﴿ يعدُذن(١) هذا المخنث من غير أولي الإربة، فكانوا لا يحجبونه إلى أن ظهر منه ما ظهر فحجبوه. و (قوله: إن مختَّئاً كان عندها) اختُلِف في اسم هذا المخنث، والأشهر: أن اسمه هِيتُ - بياء ساكنةٍ بعد الهاء باثنتين من تحتها، وآخرها تاء باثنتين من فوقها -. وقيل: صوابه هنب - بنونٍ وباءٍ بواحدةٍ أخيراً - والهنب: الرجل الأحمق. قاله ابن درستويه(٢). وقيل: إن هذا المخنث هو ماتع - باثنتين من فوقها - مولى (١) كذا في (ل ١) وفي باقي النسخ: يعدُّون. (٢) هو عبد الله بن جعفر بن محمد بن درستويه، من علماء اللغة، من تصانيفه: ((تصحيح الفصيح)، و ((الكتّاب)). توفي سنة (٣٤٧ هـ). ٥١٣ (٣٠) كتاب الأدب - (١٧) باب: الزجر عن دخول المختثين على النساء الطَّائفَ غداً فإنِّي أدلُك على بنت غَيْلَان؛ فإنها تُقْبل بأربعٍ وتُذْبر بثمانٍ؛ قال: فسمعه رسول الله ﴿﴿ فقال: ((لا يدخل هؤلاء عليكم)). رواه أحمد (٢٩٠/٦)، والبخاريُّ (٥٨٨٧)، ومسلم (٢١٨٠)، وأبو داود (٤٩٢٩)، وابن ماجه (١٩٠٢ و٢٦١٤). أبي فاختة المخزومية. قيل: وكان هو وهيتٌ يدخلان في بيوت النبيِّ لنَّ، فلما وقعتْ هذه القصّة غرَّبهما النبيُّ ◌َ﴿ [إلى الحمى. وقيل: إن مختَّئاً كان بالمدينة نفاه النبيُّ ◌َلِيَ](١)، إلى حمراء الأسد. و (قول المخنث: أدلك على ابنة غيلان، فإنها تقبل بأربع، وتدبر بثمانٍ) قال أبو عبيد: يعني به العُكّن، وهي أربع(٢) تقبل بهنَّ، ولها أطراف أربعة من كل جهةٍ فتصير ثمانية . قلتُ: وإنَّما أنث فقال: بأربع، وبثمانٍ؛ [وهو يريد الأطراف، وواحدها طرف، مذكر؛ لأن هذاعلى حدّ قولهم: هذا الثوب سبع في ثمان، والثمان یراد بها الأشبار، ووجه ذلك أنه](٣) يعني به العكن، وهي جمع عكنة، وهي الطيُّ الذي يكون في جانبي البطن من السِّمن، وتجمع: عُكَنٌ، وأَغْكانٌ. وتعكَّن البطن: إذا صار ذلك فيه. يريد المخنَّثُ: أنَّ هذه المرأة إذا أقبلت كان لها من كل جانبٍ من جوانب بطنها عكنتان، وإذا أدبرت لها من خلفها ثمان، وأنَّث العدد لتأنيث المعدود، وهو: العكن: جمع عكنة. وقد روى هذا الحديث الواقديُّ، والكلبيُّ، وقالا: إنَّ (هيتاً) المخنث، (١) ما بين حاصرتين سقط من (ل ١). (٢) أي: في بطنها، كما نقله عنه المازريُّ. (٣) ما بين حاصرتين مستدرك من (ج ٢). ٥١٤ (٣٠) كتاب الأدب - (١٧) باب: الزجر عن دخول المختثين على النساء [٢٠٩١] وعن عائشة، قالت: كان يدخل على أزواج النبي وَلـ مُخَنَّثٌ فكانوا يعدُّونه من غير أُولي الإزبَة؛ قال: فدخل النبيُّ مَّه يوماً وهو عند بعض نسائه؛ وهو يَنْعتُ امرأةً. قال: إذا أقبلت أقبلت بأربعٍ، وإذا وكان مولىّ لعبد الله بن أبي أمية المخزومي أخي أم سلمة لأبيها، وأُمُّ عبد الله عاتكة عمة رسول الله﴿ قال له في بيت أمّ سلمة، ورسول الله وَليه يسمع: إن افتتحتم الطائف فعليك ببادية بنة غيلان بن غيلان الثقفي؛ فإنَّها تقبل بأربع وتدبر بثمانٍ مع ثغرٍ كالأقحوان، إن جلست تثنَّت، وإن تكلَّمت تغنَّت، بين رجليها کالإناء المکفوء، وهي كما قال قيس بن الخطیم: كأنَّما شَفَّ وَجْهَها نَزَفُ تَغْتَرِقُ الطَّرْفَ وَهِيَ لاهِيَةٌ قصداً فلا غَيْلَةٌ ولا نصفُ(١) بَيْنَ شُكُولِ النِّساء خِلْقَتُها قَامَتْ رُوَيْداً تكاد تنقصف(٢) تَنَامُ عَنْ كِبْرِ شَأْنِها فَإذَا فقال النبي ◌َّهى: ((لقد غلغلت النظر إليها يا عدوَّ الله))) ثم أجلاه عن المدينة إلى الحمى(٣). قال: فلمَّا فتحت الطائف تزوجها عبد الرحمن بن عوف، فولدت له في قول الكلبيِّ. قال: ولم يزل هيت بذلك المكان حتَّى قُبض النبيُّ وَّهِ. فلما ولي أبو بكر - رضي الله عنه - كُلِّم فيه، فأبى أن يردّه، فلمَّا وَلِي عمر - رضي الله عنہ۔ ◌ُلِّم فیه، فأبى أن يردّه، ثم كُلِّم فيه بَعْدُ، وقيل: إنه قد کبر وضعف وضاع، فأذِنَ له أن يدخلُ كلَّ جمعة، فيسألَ، ويرجع إلى مكانه. قال أبو عمر بن عبد البر: يقال: بادية - بالياء - وبادنة - بالنون - والصواب بالياء، وهو قول أكثرهم. و (قوله: تغنت هو من الغنة، لا من الغناء)، أي: أنها تتغنّن في كلامها (١) في اللسان مادة - قضف ـ: قصدٌ فلا جبلةٌ ولا قضف. (٢) في اللسان مادة (كبر): تنغرف بدل تنقصف. (٣) ذكره الحافظ ابن حجر في فتح الباري (٣٣٦/٩). ٥١٥ (٣٠) كتاب الأدب - (١٧) باب: الزجر عن دخول المختثين على النساء أدبرت أدبرت بثمانٍ. فقال النَّبيُّ وَلّ: ((ألا أرى هذا يعرف ما ها هنا! لا يدخل عليكم)»، قالت: فَحَجَبُوه. رواه أحمد (١٥٢/٦)، ومسلم (٢١٨١)، وأبو داود (٤١٠٧ و ٤١٠٨)، والنسائيُّ في عشرة النساء (٣٦٥). للينها، ورخامة صوتها. يقال: تغنَّن الرجل، وتغنَّى، مثل: تضنَّن وتضنَّى. وفيه: ما يدلُّ على جواز العقوبة بالنفي عنالوطن لمن يُخَاف منه الفساد، العقوبة بالنفي والفسق. وعلى تحريم ذكر محاسن المرأة المعينة؛ لأنَّ ذلك إِطْلَاعُ الأسماع على عن الوطن عورتها، وتحريك النفوس إلى ما لا يحلُّ منها. ولذلك قال ◌َله: ((لا تصف المرأةُ المرأةَ لزوجها حتى كأنَّه ينظر إليها)) (١). فأما ذكر محاسن من لا تعرف من النساء: تحريم ذكر فمباٌ إن لم يدع إلى مفسدةٍ؛ من تهييج النفوس إلى الوقوع في الحرام، أو في محاسن المرأة المُعيَّة المكروه. و (قوله ◌َ﴾: ((ألا أرى هذا يعرف ما ها هنا))) يدلُّ: على أنهم كانوا يظنُّون أنه لا يعرف شيئاً من أحوال النساء، ولا يخطرن له بالبال. وسببه: أن التخنيث کان فیه خلقةً، وطبعاً، ولم یکن یعرف منه إلا ذلك، ولذلك کانوا یعدّونه من غير أولي الإربة. أي: ممن لا حاجة له في النساء. وقد قدَّمنا: أن الأرب والإربة: الحاجة. فلما سمع النبيُّ ◌َله وصفه لتلك المرأة: علم أنَّه عنده تشوُّفٌ للنساء؛ فحُجب لذلك، ثم بولغ في تنكيله، وعقوبته، ونفيه لما اطّلع عليه من محاسن تلك المرأة، وكشف من سترها، ولم تكن عقوبته لنفس التخنيث؛ فإن ذلك كان فيه خلقة، ولم يكن مكتسباً له، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها. وأمَّا من تخانث وتشبّه بالنساء، فقد أتى كبيرةً من أفحش الكبائر؛ لعنه الله عليها ورسولُه، ولا يقرُّ عليها. عقوبة المُخلَّك المتشبّه بالنساء (١) ذكره ابن عبد البر في التمهيد (٦٥/٤ -٦٦). ٥١٦ (٣٠) كتاب الأدب - (١٨) باب: امتهان ذات القدر نفسها (١٨) باب امتهان ذات القدر نفسها في خدمة زوجها وفرسه، لا یغضّ من قدرها [٢٠٩٢] عن أسماء بنت أبي بكرٍ، قالت: تزوَّجني الزُبير وما له في الأرض من مالٍ ولا مملوكٍ ولا شيءٍ غیر فَرَسِهِ؛ بل: يؤذَّب بالضرب الوجيع والسجن الطويل، والنفي حتى ينزع عن ذلك، ويكفي دليلاً على ذلك ما خرّجه البخاري عن ابن عباس قال: لعن رسول الله واليوم المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال(١). وقال: ((أخرجوهم من بيوتكم))(٢). وأخرج فلاناً، وفلاناً؛ غير أنه لا يُقتل لما رواه أبو هريرة: أن النبيَّ ◌َ﴿﴿ أُتي برجلٍ قد خضَّب يديه ورجليه، فقال: ((ما بال هذا؟!)) فقيل: يتشبّه بالنساء، فأمر به، فنفي إلى النقيع - بالنون -، فقيل: يا رسول الله! ألا نقتله؟ فقال: ((إني نُهِيْتُ عن قتل المصلِّين))(٣). (١٨) ومن باب: امتهان ذات القدر نفسها في خدمة زوجها (قولها: تزوَّجني الزبير، وما له في الأرض من مال، ولا مملوك، ولا شيءٍ غير فرسه) هذا يدلُّ: على ما كانوا عليه من شدّة الحال في أول الأمر، وعلى أن المعتبر عندهم في الكفاءة إنَّما كان: الدين، والفضل. لا المال، والغِنى، كما المُعتبرُ في الكفاءة (١) رواه البخاري (٥٨٨٥). (٢) رواه البخاري (٥٨٨٦). (٣) رواه أبو داود (٤٩٢٨). ٥١٧ (٣٠) کتاب الأدب ۔ (١٨) باب: امتهان ذات القدر نفسها قالت: فكنت أعْلِفُ فرسه، وأكْفِيه مَؤُونته، وأسوسُه، وأدقُّ النَّوى لِنَاضِحه، وأعلِفُه، وأسْتَقي الماء، وأخْرُزُ غَزْبَه، وأعجن، ولم أكن أُخْسِن أخپِز، فكان يخبز لي جاراتٌ من الأنصار؛ وكن نِسوةَ صِدقٍ. قال ◌َله: ((فعليك بذات الدين تربت يداك))(١). وإنما كان ذلك؛ لأنَّ القوم كانت مقاصدهم في النكاح التعاون على الدين، وتكثير أمة محمد خاتم النبيين، ولأنهم علموا: أنَّ المالَ ظلُّ زائلٌ، وسحابٌ حائلٌ، وأنَّ الفضل باقٍ إلى يوم التلاق. فأما اليوم: فقد انعكست الحال، وعدل الناسُ عن الواجب إلى المحال. و(قولها: فكنتُ أعلِفُ فرسَه، وأكفيه مؤونته ... الخ الكلام) فيه ما يدلُّ: على ما خدمةُ المرأة في كانوا عليه من تبدّل المرأة في خدمة زوجها وبيته وفرسه؛ وإن كانت شريفة. لكنَّ بيت زوجها هذا كله فعلته متبرِّعةً بذلك مختارةً له، راغبةً لما علمت فيه من الأجر، والثواب، وعوناً لزوجها على البرِّ والتقوى. ولا خلاف في حسن ذلك، ولا في أن كل ذلك ليس بواجب عليها. إذ لا يجب عليها أن تخرز الغرب، ولا أن تخدم الفرس، ولا أن تنقل النوى، وإنما اختلف في خدمة بيتها من عجنٍ، وطبخٍ، وكنس، وفرشٍ؛ فالشريفة ذات القدر؛ التي رفع في صداقها؛ لا يجب عليها أن تفعل شيئاً من ذلك، ولا يحكم عليها به، ولا يجب عليها عند مالك أن تأمر الخدم بذلك، ولا تنهاهم، وليس عليها إلا أن تمكن من نفسها. وقال بعض شيوخنا عليها أن تأمرهم، وتنهاهم بما يصلح حال زوجها إذ لا كُلْفة عليها في ذلك، ولجريان العادة بمثله في الأشراف. وفي كتاب ابن حبيب (٢): عليها في العسر الخدمة الباطنة، كما (١) رواه أحمد (٤٢٨/٢)، والبخاري (٥٠٩٠)، ومسلم (١٤٦٦)، وأبو داود (٢٠٤٧)، والنسائي (٦٨/٦)، وابن ماجه (١٨٥٨). (٢) هو عبد الملك بن حبيب بن سليمان العباسي القرطبي المالكي: فقيه، مؤرخ، نسَّابة، أديب، لغوي، شاعر. له: ((غريب الحديث)) و ((طبقات الفقهاء والتابعين)) وغير ذلك توفي سنة (٢٣٨ هـ). ٥١٨ (٣٠) كتاب الأدب - (١٨) باب: امتهان ذات القدر نفسها قالت: وكنت أنقل النَّوى من أرض الزبير - التي أقْطعهُ رسولُ الله وَلطفى - على رأسي، وهي على ثُلَي فرسخٍ. قالت: فجئتُ يوماً والنَّوى على رأسي. هي على الدنيّة، وأما من ليست كذلك فيجب عليها من خدمة بيتها: ما جرت العادة بأن مثلها تفعله. ومأخذ هذا الباب عندنا النظر إلى العوائد؛ فإن الإنسان إذا تزوَّج عند قومٍ، فالغالب أنه يبحث عن عاداتهم، ومناشئهم، فيعلمها، ولا يكاد يخفى عليه حالهم. فإذا تزوَّج ممن عادتهم أن لا تُخْدِم نساؤهم أنفسهنَّ، وإنما يُخدمن، فقد دخل على أنه يبقيها على عادتها، ويسير بها سيرة نسائها، فلا يحكم له عليها بشيءٍ من ذلك. بخلاف من جرت عادتها بأن مثلها لا تُخْدَم، وإنما تخدمُ نفسها؛ فإنه يحكم له عليها بما ذكر من خدمة بيتها، وكذلك في رَضاع الولد. فأمَّا من يُجْهَلُ حالها، ولا تُعْلم عادة نسائها: فالأصل: أنها تخدمُ نفسها، فيحكم عليها بذلك، وبرضاعة الولد إلى أن يتبين أنها شريفةٌ لها الحال، والقدر. هذا أصلُ مالك، وتفريعه، وقد خولف في ذلك؛ فمن الناس من لا يرى على المرأة الخدمة مطلقاً. ومنهم من يرى عليها الخدمة مطلقاً، [وهو أحوط](١). والأحسن التفصيلُ الذي صار إليه مالكٌ، والله تعالى أعلم. و (الغرب): الدلو العظيمة. إقطاعُ الإمام و (قولها كنت أنقلُ النوى من أرض الزبير - التي أقطعه رسول الله وَ لفو - على الأرضَ المواتَ رأسي) قيل: إن هذه الأرضَ المقطعةَ من موات البقيع(٢) أقطعه من ذلك حُضْرَ فرسه(٣)، فأجراه، ثم رمى بسوطه رغبةً في الزيادة فأعطاه ذلك كله. وفي البخاري عن عروة أنه وَّي أقطع الزبير أرضاً من أموال بني النضير، وليست هذه الأرض التي (١) ما بين حاصرتين سقط من النسخ، وأثبتناه من هامش (ج ٢). (٢) في (ل ١) و (م ٢) و (م ٣): النقيع - بالنون -. (٣)! أي: إسراعه في عدوه. ٥١٩ (٣٠) كتاب الأدب ۔ (١٨) باب: امتهان ذات القدر نفسها فلقيت رسول الله ونَ ﴿ ومعه نفرٌ من أصحابه. فدعاني ثم قال: ((إِخْ؛ إِخْ)) ليحملني خلفه. قالت: فاستحييت، وعرفت غَيْرتك. كانت أسماء تنقل منها النوى على رأسها، لقولها: وهي على ثلثي فرسخٍ، فالأشبه أنها الأرض التي بالبقيع كما تقدَّم في القول الأول، ففيه من الفقه ما يدل على جواز إقطاع الإمام الأرض لمن يراه من أهل الفضل، والحاجة، والمنفعة العامة، كالعلماء، والمجاهدين، وغيرهم، لكن تكون تلك الأرض المقطعة من موات الأرض أو من الأرض الموقوفة لمصالح المسلمين كما قدمناه في الجهاد. وفيه ما يدل على جواز الاستزادة من الحلال، وإظهار الرّغبة فيه، كما فعل الزبير - رضي الله عنه - حيث أجرى فرسه، فلما وقف رمى بسوطه رغبة في الزيادة، والنبي ◌َّے ◌ُبصر ذلك كله، ولم يُنكره عليه. وليس إقطاعُ الإمام تمليكاً للرقبة، وإنما هو اختصاصٌ بالمنفعة، لكن لو أحيا الموات المقطع لكان للمخيي، لقول النبي وله: ((من أحيا أرضاً ميتة فهي له))(١). و (قولها: فلقيتُ النبيَّ ◌َ ﴿ في نفرٍ من أصحابه، فدعاني، ثم قال: «إِخْ، إلخ)) تعني به: أنه نوَّخ ناقته ليُزكِبها عليها. و (إِخْ) - بكسر الهمزة، وسكون الخاء - وهو صوتٌ تُنَوَّخ به الإبل. وظاهر هذا المساق يدلُّ على أنه تمَّ عرض عليها الركوب، فلم تركب؛ لأنها استحيت، كما قالت. وعلى هذا فلا يحتاج إلى اعتذار عن النبيِّ وَ ﴿ في ركوبها معه، فإنه يُحتمل أنها لو اختارت الركوبَ تركها راكبة وحدها، ولا يكون فيه من حيث هذا اللفظ دليل على جواز ركوب اثنين على بعيرٍ، فتأمله. و (قولها: وعرفت غَيْرَتَكَ) تعني: ما جُبِل عليه من الغَيْرة، وإلا فالنبيُّ وَِّ النبيُّ ◌َّ لا يغار لأجله، كما قال عمر - رضي الله عنه - للنبيِّ وَّه: وعليك أغار لا يُغار لأجله (١) رواه أحمد (٣١٣/٣) من حديث جابر بن عبد الله. ٥٢٠ (٣٠) كتاب الأدب - (١٨) باب: امتهان ذات القدر نفسها فقال: والله لَحَمْلُك النوى على رأسك أشدُّ من ركوبك معه. قالت: حتى أرسل إليَّ أبو بكر بعد ذَلِك بخادم ، فكفتني سياسة الفرس ؛ فكأنما أغتقتني. رواه أحمد (٣٤٧/٦)، والبخاريُّ (٥٢٢٤)، ومسلم (٢١٨٢) (٣٤) . يا رسول الله! حين أخبره أنه ﴿ رأى قصراً من قصور الجنّة فيه امرأةٌ من نساء الجنَّةِ فقال: ((لمن أنتِ؟)) فقالت: لعمر بن الخطاب. قال صلحه: ((فذكرت غَيْرَتَكَ)) (١)، فتوقَّع النبيُّ وَاه تحريك الغيرة بحكم الجبلَّةِ، وإن لم يُغر لأجله. و (قول الزبير: والله لحملكِ النوى على رأسكِ أشدُّ عليَّ من ركوبك معه) هذا يدلُّ على أنَّ الزبير لم يكلفها شيئاً من ذلك، وإنما فعلتْ هي ذلك لحاجتها إلى ذلك، وتخفيفاً عن زوجها؛ على عادة أهل الدين والفضل الذين لا التفات عندهم لشيءٍ من زينة الدنيا، ولا من أحوال أهلها، فإنهم كانوا لا يعيبون على أنفسهم إلا ما عابه الشرع، فكانوا أبعد الناس منه، وأخرج هذا القول من الزبير فرطُ الاستحياء المجبول عليه أهلُ الفضل. ويعني بذلك: أنَّ الحياء الذي لحقه من تبذلها بحمل النوى على رأسها أشدّ عليه من الغَيْرة التي كانت تلحقه عليها لو ركبت مع النبيِّ وَّ؛ فإنه وَّر ليس ممن يغار على الحريم لأجله. والله تعالى أعلم. و (قولها: حتى أرسل إليَّ أبو بكر - رضي الله عنه - بعد ذلك بخادم، فكفتني مكارم أخلاق أبي بكر سياسة الفرس، فكأنما أعتقتني) دليلٌ على مكارم أخلاق القوم؛ فإن أبا بكرٍ رضي الله عنه - رضي الله عنه - علم ما كانت عليه ابنته من الضرر والمشفَّة؛ ولم يطالب صهره بشيءٍ من ذلك، وكان مترقباً لإزالة ذلك، فلما تمكَّن منه أزاله من عنده. (١) رواه أحمد (٣٠٩/٣)، والبخاري (٥٢٢٦)، ومسلم (٢٣٩٤).