Indexed OCR Text
Pages 421-440
٤٢١ (٢٩) كتاب اللباس - (١٥) باب: لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب (١٥) باب لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب ولا صورة إلا أن تكون الصورة رقماً [٢٠١٥] عن عائشة؛ أنَّها قالت: واعد رسولَ الله ◌ِنَ ◌ّهِ جبريلُ في ساعةٍ يَأْتيه فيها، فجاءت تلك الساعة ولم يَأْتِهِ، وفي يَدِه عصاً، فألقاها من يده. وقال: ((ما يُخْلِفُ الله وعْدَه، ولا رسُلُه)) ثم التفت فإذا جِرْؤُ كَلْبٍ تحت سَرِيره، فقال: ((يا عائشةُ متى دخل هذا الكلب ها هنا؟)) فقالت: والله ما دَرَيْتُ! فَأَمَر به فأُخْرِجَ، فجاء جبريل، فقال رسول الله وَّهِ: ((وَاعَدْتَنِي فَجِلْستُ لكَ فلمْ تَأْتٍ!)) فقال: منعني الكلْبُ الذي في بيتك! إنَّا لا نَدْخُلَ بَيْتاً فيه كلبٌ ولا صُورٌ. رواه أحمد (١٤٢/٦)، ومسلم (٢١٠٤)، وابن ماجه (٣٦٥١). (١٥) ومن باب: قوله: ((لا تدخل الملائكة بيتاً فیہ کلبٌ ولا صورةٌ» الملائكة هنا - وإن كان عموماً - فالمراد به الخصوص؛ فإن الحَفَظَةَ ملازمةٌ ما يمنع دخول للإنسان. هكذا قاله بعضُ علمائنا. والظاهر العموم، والمخصِّص ليس نصّاً. الملائكة إلى وكذلك قوله: كلبٌ، وصورةٌ؛ كلاهما للعموم؛ لأنهما نكرتان في سياق النفي. البيوت وقد ذهب بعضُ العلماء إلى أنَّ المراد به: الكلاب التي لم يُؤذن في اتخاذها، فيستثنى من ذلك: كلب الصيد، والماشية والزَّرع. وأمَّا الصُّورة: فيراد بها التماثيل تعليل عدم من ذوات الأرواح. ويستثنى من ذلك الصورة المرقومة، كما نُصَّ عليه في دخول الملائكة الحدیث على ما يأتي. إلى مكان فيه تمثال أو كلب وإنَّما لم تدخل الملائكةُ البيتَ الذي فيه التمثال، لأنَّ مَّخذها في بيته قد ٤٢٢ (٢٩) كتاب اللباس ۔ (١٥) باب: لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب [٢٠١٦] ومن حديث ميمونة نحوه؛ وفيه: فأمر به فَأُخْرِجَ. ثم أخذ بيده ماء فَتَضَح مكانه. وفيه فأصبح رسول الله صلي يومئذ فأمر بقتل الكلاب تشبَّه بالكفار الذين يتَّخذون الصور في بيوتهم، ويعظّمونها، فكرهت الملائكة ذلك منه، فلم تدخل بيته هجراناً له، وغضباً عليه. واختلف في المعنى الذي في الكلب المانع للملائكة من الدخول. فذهبت طائفة: إلى أنَّه النجاسة. وهو مِن حُجج مَن قال بنجاسة الكلب. وتأكد في ذلك بنضحه وَ ﴿ موضع الكلب. قلتُ: وهذا ليس بواضحٍ، وإنما هو تقديرُ احتمال يعارضه احتمالات أُخر: أحدها: أنها من الشياطين، كما جاء في بعض الحديث. وثانيها: استخباث روائحها، واستقذارها. وثالثها: النجاسة التي تتعلق بها؛ فإنها تأكلها وتتلطخ بها، فتكون نجسةً بما يتعلَّق بها، لا لأعيانها. والمخالف يقول: هي نجسة الأعيان. وعلى ما قلناه: يصحُ أن يقال: إنَّهِ وَّرُ شك في طهارة موضعه؛ لإمكان أن يكون أصابه من النجاسة اللازمة لها غالباً شيء، فنضحه؛ لأنَّ النضح طهارةٌ للمشكوك فيه، فلو تحقَّق إصابة النجاسة الموضعَ لغسلَه؛ كما فعل ببول الأعرابي، ولو كان الكلبُ نجساً لعينه؛ لا لما يتعلق به: لما احتاج إلى غسله، كما لا يحتاجُ إلى غسل الموضع أو الثوب الذي يكون عليه عظم ميتة، أو نجاسةٍ لا رطوبة فيها. وعلى هذا: فهذا الاحتمال أولى أن يُعتبر، فإن لم يكن أولى فالاحتمالات متعارضة، والدَّسْتُ قائمٌ، ولا نصَّ حاكمٌ. و (قوله: فأصبح رسولُ الله ◌َل﴿ يومئذٍ فأمر بقتل الكلاب) كذا رواه جمیعُ الرواة: فأصبح، فأمر مرتباً بفاء التسبيب، فيدلُّ ذلك: على أنَّ أمره بقتل الكلاب في ذلك اليوم كان لأجل امتناع جبريل من دخول بيته. ويحتمل أن يكون ذلك لمعنىّ آخر؛ غير ما ذكرناه. وهو: أن ذلك إنما كان لينقطعوا عما كانوا ألفوه من ٤٢٣ (٢٩) كتاب اللباس - (١٥) باب: لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب حتى إنه يأمر بقتلٍ كلب الحائط الصغير ويترك كلب الحائط الكبير. رواه أحمد (٣٣٠/٦)، ومسلم (٢١٠٥)، وأبو داود (٤١٥٧)، والنسائي (١٨٦/٧). [٢٠١٧] وعن بُسْرِ بن سعيد: أنَّ زيد بن خالد الجهني، حدَّثه ومع بُسرٍ عبيدُ الله الخَوْلانيُ: أنَّ أبا طلحة حدَّثه: أنَّ رسول الله وَ ◌ّه قال: ((لا تدخل الملائكة بيتاً فيه صورة)). قال بُسْرٌ: فمرض زيد بن خالدٍ فَعُدْناه؛ فإذا نحن في بيته بِستْرٍ فيه تَصَاوير. فقلت لعبيد الله الخولانيٍّ: ألم يُحدثنا في التصاوير؟ قال: إنَّه قال: ((إلا رَقْماً في ثوبٍ)) ألم تَسْمعْه؟! قلت: لا. قال: بلی؛ قد ذكر ذلك. الأنس بالكلاب، والاعتناء بها، واتخاذها في البيوت، والمبالغة في إكرامها. وإذا كان كذلك كثرت، وكثر ضررها بالناس من الترويع، والجرح، وكَثُرَ تنجيسها للديار، والأزقَّة، فامتنع جبريلُ من الدخول لأجل ذلك، ثم أخبر به النبيّ ◌َّر، وأمر بقتل الكلاب، فانزجر الناسُ عن اتخاذها، وعمّا كانوا اعتادوه منها. والله تعالى أعلم. وفيه من الفقه: أن الكلابَ يجوزُ قَتْلُها لأنها من السِّباع، لكن لمَّا كان في جواز قتل بعضها منفعةٌ، وكانت من النوع المتأنّس سُومح فيما لا يضرّ منها. الكلاب و (قوله: حتى إنه يأمر بقتل كلب الحائط الصغير، ويترك كلب الحائط الكبير) هذا يدلُّ: على جواز اتخاذ ما ينتفعُ به من الكلاب في حفظ الحوائط، جواز اتخاذ ما وغيرها. ألا ترى: أنَّ الحائط الكبير لما كان يحتاجُ إلى حفظ جوانبه تَرَكَ له كلبه، ينتفع به من ولم يقتله، بخلاف الحائط الصغير منها، فإنّه أمر بقتل كلبه؛ لأنه لا يحتاجُ الحائط الكلاب الصغير إلى كلبٍ، فإنه ينحفظ من غير كلب لقرب جوانبه. و (قول بسرٍ لعبيد الله الخولانيّ: ألم يحدِّثنا في التصاوير؟!) يعني: زيد بن ٤٢٤ (٢٩) كتاب اللباس - (١٥) باب: لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب رواه أحمد (٢٨/٤)، والبخاريُّ (٣٢٢٦)، ومسلم (٢١٠٦) (٨٦)، والنسائي (٢١٢/٨). خالدٍ، وذلك: أنَّه لما دخل منزلَ زيدٍ فرأى الستر فيه صورٌ ذَّر بسرٌ عبيدَ الله الخولانيَّ بالحديث الذي حدثهم به زيدٌ عن أبي طلحة صاحب رسول الله صل و الذي سمع من رسول الله ◌َ ﴿ قوله: ((لا تدخل الملائكةُ بيتاً فيه صورة)» وكان أبو طلحة حكم الصور قد ذكر مع ذلك - متصلاً به - قوله و لفر: ((إلا ما كان رَقْماً في ثوبٍ))، فاستثنى المرقوم من الصور. فحصل منه: أن الملائكة لا تمتنع من دخول بيتٍ فيه صورةٌ مرقومةٌ. ومن هنا: فهم القاسم بن محمد جواز اتخاذها في البيوت(١) مطلقاً، كما حكيناه عنه ترجيحاً لهذا الحديث على حديث عائشة، أو نسخاً له، وفيه بُعْدٌ. والجمهور على المنع. فمنهم مَن منعه تحريماً، وهو مذهبُ ابن شهاب ترجيحاً لحديث عائشة على حديث زيدٍ، والجمهور حملوه على الكراهة، وهو الأولى - إن شاء الله -؛ إذ ليس نصّاً في التحريم، فأقلُّ ما يحمل ما ظهر منه على الكراهة. وحديث زيدٍ لا يقتضي الجواز، وإنَّما مقتضاه: أن الملائكةَ تدخلُ البيت الذي فيه الصُّور المرقومة بخلاف الصور ذوات الظل؛ فإنها لا تدخلُ بيتاً هي فيه. وهذا وَجْهٌ حَسَنٌ؛ غير أنَّه تكدّر بما رواه أبو داود من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله وَليقر: ((أتاني جبريلُ عليه السلام فقال لي: أتيتك البارحة، فلم يمنعني أن أكون دخلتُ إلا أنه كان على الباب تماثيل، وكان في البيت قرامٌ فيه صور، وكان في البيت كلب، - وذكر الحديث - ))(٢) وهذا يدلُّ دلالةً واضحةً أن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورةٌ مرقومة، وعند هذا يتحقق التعارض. والمخلِّص منه المرقومة لا تدخل الملائكة بيتاً فيه صورة مرقومة (١) كذا في جميع النسخ، وفي (ز): الثوب. (٢) رواه أبو داود (٤١٥٨). ٤٢٥ (٢٩) كتاب اللباس - (١٦) باب: كراهية الستر فيه تماثيل (١٦) بابُ كراهية السّتَر فیه تماثیل، وهَتکِه، وجعله وَسَائدَ وكراهية کسوة الجدُر [٢٠١٨] عن أبي طلحةَ الأنصاريِّ؛ قال: سمعت رسول الله وَّة يقول: ((لا تدخل الملائكةُ بيتاً فيه كلبٌ ولا صورةُ تماثيلَ)). قال: فأتيتُ عائشةَ فقلت: فهل سَمِعْتِ رسولَ الله ◌َّ رُ ذكر ذلك؟ فقالت: لا. ولكن سأحدِّثكم ما رأيتُهُ فَعَل. رأيته خرج في غزاةٍ فأخذتُ نَمَطاً، الترجيح، ولا شكَّ في ترجيح حديث مسلم، فالتمشُّكُ به على ما قررناه أولاً، والله تعالى أعلم. (١٦) ومن باب: كراهة الستر الذي فيه التماثيل وهتكه حديثُ عائشة كثرتْ رواياته، واختلفت ألفاظُه حتى يُتوهَّم: أنَّه مُضطرب، وليس كذلك؛ لأنَّه ليس فيه تناقض، وإنَّما كانت القضيةُ مشتملةً على كل ما نقل من الكلمات، والأحوال المختلفة، لكن نقل بعضُ الرواة ما سكت عنه غيرُهم، وعبَّر كلٌّ منهم بما تيسَّر له من العبارة عن تلك القضيّة. ويجوز أن يصدرَ مثل ذلك الاختلاف من راوٍ واحدٍ في أوقاتٍ مختلفةٍ، ولا يعدُّ تناقضاً؛ فإنَّه إذا جُمعت تلك الرواياتُ كلُّها؛ انتظمت وكملت الحكايةُ عن تلك القضية. وعلى هذا النحو وقع ذكرُ اختلاف كلمات القصص المتحدة في القرآن؛ فإنه تعالى يذكرها في موضع وجيزةً، وفي آخر مطوَّلةً، ويأتي بالكلمات المختلفة الألفاظ مع اتفاقها على المعنى، فلا ينكر مثل هذا في الأحاديث. و (قولها: فأخذتُ نمطاً فسترتُه على الباب) هذا النمط هو: الذي عبّر عنه في الرواية الأخرى بـ (الذُّرنوك) ويقال بضم الدَّال، وفتحها، وهو: السِّرُ الذي ٤٢٦ (٢٩) كتاب اللباس - (١٦) باب: كراهية الستر فيه تماثيل فسترته على الباب، فلما قَدِمِ فرأى النَّمَطَ عرفتُ الكَراهِية في وجْهه، كان فيه تماثيلُ الخيل ذوات الأجنحة. و (الباب) يُراد به هنا: باب السّهوة المذكورة في الرِّواية الأخرى، وهي: بيتٌ صغير يشبه المخدع. وقال الأصمعيُّ: هي شبهُ الطَّاق، يُجعل فيه الشيء. وقيل: شبه الخزانة الصغيرة. وهذه الأقوالُ متقاربةٌ. و (قولها: سترتُه على الباب) أي: سترتُ به الباب. أو جعلتُه ستراً على الباب. و (قولها: فلمَّا رأى النَّمطَ عرفتُ الكراهيةَ في وجهه) إنما عرفت الكراهية في وجهه؛ لأنَّه تلوَّن وجهه، ووقفَ ولم يدخل، كما جاء في الطَّريق الآخر. ولمَّا رأت تلك الحال خافت، فقدَّمت في اعتذارها التوبة، ثمَّ سألت عن الذَّنب؛ فإنَّها لم تعرفه، فعند ذلك جَبَذ النَّمط، فهتكه، فحصل من مجموع هذه القرائن: أنَّ تحريم الثياب اتخاذَ الثياب الَّتي فيها التماثيل محرَّم، رقماً كان فيها، أو صبْغاً. وهو مذهبُ التي فيها تماثيل ابن شهاب؛ فإنَّه منع الصُّور على العموم واستعمال ما هي فيه، ودخول البيت الذي هي فيه رقماً كانت أو غيره، في ثوبٍ، أو حائطٍ، يمتهن، أو لا يمتهن، تمشُّكاً بعمومات هذا الباب، وبما ظهر من هذا الحديث. وذهب آخرون: إلى جواز كلِّ ما كان رقماً في ثوبٍ، يُمتهن أو لا. معلقاً كان أو لا. وهو مذهبُ القاسم بن محمد تمشُّكاً بحديث زيد بن خالدٍ حين قال: ((إلا ما كان رقماً في ثوب)). وذهب آخرون: إلى كراهة ما كان منها معلّقاً، وغير ممتهنٍ؛ لأن ذلك مضاهاةٌ لمن يعظّم الصور، ويعبدها كالنصارى، وكما كانت الجاهليةُ تفعل. مذاهب العلماء في الصور والحاصل من مذاهب العلماء في الصور: أن كلّ ما كان منها ذا ظلِّ فصنعته، واتخاذه حرامٌ، ومنكرٌ يجب تغييره. ولا يختلف في ذلك إلا ما ورد في لعب البنات لصغار البنات، وفيما لا يبقى من الصور، كصور الفخار، ففي كلِّ واحدٍ منهما قولان، غير أن المشهور في لعب البنات جواز اتخاذها للرخصة في ٤٢٧ (٢٩) کتاب اللباس ۔ (١٦) باب: كراهية الستر فيه تماثيل فجذبه حتى هتكه، أو قَطَعهُ. وقال: ((إنَّ الله لم يأمرنا أن نَكْسُوَ الحِجارة والطّین)). ذلك، لكن: كره مالك شراء الرجل لها لأولاده؛ لأنه ليس من أخلاق أهل المروءات والفضل، غير أن المشهور فيما لا يبقى: المنعُ. وأما ما كان رقماً، أو صبغاً مما ليس له ظلّ: فالمشهور فيه الكراهة. و (قولها: فجذبه حتى هتكه) يدلُّ على أن ما صُنِع على غير الوجه المشروع لا حرمة لما لا ماليّة له، ولا حُزْمة، وأن من كسر شيئاً منها، وأتلف تلك الصورة لم يلزمه صُنع على غير الوجه المشروع ضمانٌ. و (قوله: ((إن الله لم يأمرنا أن نكسو الحجارة والطين))) يفهم منه: كراهة ستر الحيطان بالسُّتُر؛ لأنَّ ذلك من السَّرَف، وفضول زهرة الدنيا؛ التي نهى الله تعالى النبيَّ ◌َّهِ أن يمدَّ عينيه إليها بقوله تعالى: ﴿ وَلَ تَمُدَّنَ عَيْنَيَّكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ= أَزْوَجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَّوَةِ الدُّنْيَا﴾ [طه: ١٣١]، ولذلك قال في الرواية الأخرى: ((فإني كلما دخلتُ ذكرتُ الدنيا)). وهذا السترُ هو الذي كان يصلِّي إليه، وكانت صُوَّرُه تعرضُ في صلاته، كما قال البخاري: ((فإنه لا تزال تصاويرُه تعرضُ لي في صلاتي)). ويفيدُ مجموعُ هذه الروايات: أنَّ هَتْكَ هذا السِّتر إنما كان بعد تكرار دخول النبيِّ وَّ ورؤيته له، وصلاته إليه، فلما بين له حكمه امتنع مرّة (١) من دخول البيت حتى هتكه. وقد فعل سلمان الفارسي - رضي الله عنه - نحو هذا لما تزوَّج الكنديَّة، وجاء ليدخل بها، فوجد (٢) حيطان البيت قد سُترت، فلم يدخل، وقال منكراً لذلك: أمحمومٌ بيتكم، أم تحوَّلت الكعبةُ في كندة، فأزيل كل ذلك. ودعا ابنُ عمر أبا أيوب، فرأى سِتراً على الجدار. فقال: ما هذا؟ فقال: غلبنا عليه النساء! فقال: من كنت أخشى عليه، فلم أكن أخشى عليك، والله لا أطعمُ لك (١) زيادة من (١ ١) و(م ٢). (٢) في (ل ١): فرأى. ٤٢٨ (٢٩) کتاب اللباس ۔ (١٦) باب: كراهية الستر فيه تماثيل قالت: فَقطعْنا منه وِسَادَتَينٍ، وحشَوْتُهما لِيفاً، فلم يعِبْ ذلك عليَّ. وفي روايةٍ: قالت عائشة: فكان يَرْتَفِقُ عليهما. رواه مسلم (٢١٠٦) (٨٧) و (٢١٠٧)، وأبو داود (٤١٥٤). طعاماً! فرجع. ذكره البخاريُّ(١). المنع من ستر وقد أفاد حديث عائشة - رضي الله عنها - المنع من ستر حيطان البيوت، حيطان البيوت ومما يجرّ إلى الميل إلى زينة الدنيا، ومن اتخاذ الصور المرقومة، ومن الصلاة إلى ما يشغل عنها. و (قول عائشة: فقطعنا منه وسادتين حشوتهما ليفاً) يحتمل أن يكون هذا التقطيعُ أزال شكلَ تلك الصور، وأبطلها، فيزول الموجب للمنع، ويحتمل أن تكون تلك الصور، أو بعضها باقياً، لكنها لما امتهنت بالقعود عليها سامح فيها. وقد ذهب إلى كلِّ احتمالٍ منهما طائفةٌ من العلماء. والحقُّ: أن كلَّ ذلك محتمل، وليس أحدُ الاحتمالين بأولى من الآخر، ولا معيَّنَ لأحدهما، فلا حجَّة في جواز اتخاذ الحديث على واحد منهما، وإنما الذي يفيده هذا الحديث: جواز اتخاذ النّمارق، الوسائد والوسائد في البيوت. و (قول عائشة: أنها اشترت نُمرقةً فيها تصاوير) يجوزُ أن تكون أرادت بالنمرقة هنا: الستر الذي تقدَّم ذكره، وسمّته: نُمرقةً؛ لأنه آل أمره إلى النمرقة، كما يُسمَّى العنبُ خمراً بمآله. والنّمارق في أصل الوضع: الوسائد، والمرافق، ومنه قوله تعالى: ﴿وَنَارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾ [الغاشية: ١٥]. وقال الشاعر: كهولٌ وشُبَّانٌ حِسانٌ وُجُوهُهُمْ على سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَنَمَارِق غير أنَّ هذا التأويلَ يُبَعِّدُه قولُها في بقية الخبر، لمَّا قال لها النبيُّ وَّر: ((ما (١) رواه البخاري (٢٤٩/٩) تعليقاً. ٤٢٩ (٢٩) كتاب اللباس - (١٦) باب: كراهية الستر فيه تماثيل [٢٠١٩] وعن عائشة؛ قالت: كان لنا سِترٌ فيه تمثال طائر - وفي روايةٍ: دُرْتُوكاً فيه الخيل ذوات الأجنحة - وكان الدَّاخِل إذا دخل اسْتَقْبَله فقال لي رسول الله وَلجر: ((حَوِّلي هذا، فإنِّ كلما دخلتُ فرأيتُه ذكرتُ الدُّنيا)). قالت: وكانت لنا قَطِيفَةُ كُنَّا نقولُ عَلَمُها حَرِير، فكنّا نَلْبَسُها. رواه أحمد (٤٩/٦ و ٥٣)، ومسلم (٢١٠٧) (٨٨ و٩٠). [٢٠٢٠] وعنها: أنها كان لها ثوبٌ فيه تَصاوير مَمْدُودٌ إلى سَهْوةٍ. فكان النَّبِيُّ وَّهِ يصلي إليها؛ فقال: ((أخِّرِيه عنِّي)). قالت: فَأَخَّرْتُه فجَعلتُهُ وَسَائِد. رواه مسلم (٢١٠٧) (٩٣). [٢٠٢١] وعنها: أنَّها اشترت نُمْرُقَةً فيها تَصَاوير، فلمَّا رآها رسولُ اللهِوَ﴿ قام على الباب، فلم يَدْخُل، فعَرَفْتُ - أو فعُرِفَتْ - في وجْهِه بال هذه التُّمرقة؟))، فقالت مجيبةً: اشتريتها لك، تقعدُ عليها، وتوسَّدُها. فهذا يصرِّح بأن هذه التُّمرقةَ غير الستر، وأنَّ هذا حديثٌ آخرُ غير ذلك؛ وحينئذ يُستفاد منه: أن الصورَ لا يجوزُ اتخاذها في الثياب؛ وإن كانت ممتهنة. وهو أحدُ القولين کما قدَّمناه. و (قوله(١): وكانت لنا قطيفة كُنَّا نقولُ عَلَمها حرير، فكنا نَلْبَسُها) القطيفة: كساء له زئيرٌ(٢). وفيه دليلٌ على جواز لباس الثوب فيه العلم من الحرير، وقد تقدم جواز لباس القولُ فيه. ولم يرد في شيءٍ من الأحاديث أن هذا الثوبَ الذي كنِّي عنه بالدُّرنوك، الثوب فيه العلم من الحرير (١) كذا في جميع النسخ، والأولى أن يُقال: (وقولها). (٢) ((الزئبر)): ما يعلو الثوب الجديد، مثل ما يعلو الخزّ. ٤٣٠ (٢٩) كتاب اللباس - (١٧) باب: أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون الكَرَاهية فقالت: يا رسول الله! أَتُوب إلى الله وإلى رسوله، فماذا أَذْتَبْتُ؟! فقال رسول الله وَ له: ((ما بال هذه النُّمْرُقَةِ))، قالت: اشتريتها لك؛ تقعد عليها، وتوَسَّدُها. فقال رسول الله وَ له: ((إنَّ أصحاب هذه الصُّور يُعذَّبُون. ويقال لهم: أَخْيُوا ما خلقْتُم)). ثم قال: ((إنَّ البيت الذي فيه الصُّورُ لا تدخُله الملائكة». رواه البخاريُّ (٥٩٥٤) و (٥٩٥٧) و (٥٩٦١)، ومسلم (٢١٠٦) (٩٦). (١٧) باب أشدّ الناس عذاباً يوم القيامة المصورون [٢٠٢٢] عن عبد الله بن مسعودٍ؛ قال: قال رسول الله وَله: ((أشدُّ النَّاس عذاباً يوم القيامة المصوِّرون)). والقرام، والنَّمط: أنه كان حريراً، وكذلك النمرقة؛ فلا حُجَّةً في شيء من ذلك لعبد الملك على قوله: إنَّه يجوزُ افتراشُ ثياب الحرير، ورأى أنَّ ذلك ليس لباساً لها، وهذا قولٌ شذّ به عن جمیع العلماء؛ فإنهم رأوا ذلك لباساً منھیاً عنه، ولباس كلِّ شيء بحسب ما جرت العادة باستعماله. والله تعالى أعلم. (١٧) ومن باب: أشدّ الناس عذاباً يوم القيامة المصوِّرون (قوله: ((أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون))) مقتضى هذا: ألَّ يكون في النار أحدٌ يزيد عذابه على المصوِّرين. وهذا يعارضه مواضعُ أُخر. منها: قوله تعالى: ﴿أَدْخِلُوْ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦]، [وقوله ◌َِّ: ((أشدُّ الناس ٤٣١ (٢٩) كتاب اللباس - (١٧) باب: أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون رواه أحمد (٣٧٥/١)، والبخاري (٥٩٥٠)، ومسلم (٢١٠٩) (٩٨). [٢٠٢٣] وعن سعيد بن أبي الحسن قال: جاء رجل إلى ابن عباسٍ فقال: إنّ أصوِرِ هذه الصُّور فَأَفْتِنِي فيها. فقال له: اذنُ منِّي؛ فدَنا. ثم قال له: اذنُ مني. فدنا حتى وضع يَدَه على رأسه، وقال: أُنَُّكَ ما سمعتُ من عذاباً يوم القيامة عالمٌ لم ينفعه اللَّهُ بعلمه))(١) ](٢)، وقوله: ((أشدُّ الناس عذاباً يوم القيامة إمام ضلالة))(٣). ومثله كثيرٌ. ووجه التلفيق: أنَّ الناس الذين أُضيف إليهم: أشدُّ؛ لا يُراد بهم كلُّ نوع الناس بل بعضهم المشاركون في ذلك المعنى المتوغَّد عليه بالعذاب (٤)؛ ففرعون أشدُّ الناس المذَّعين للإلهية عذاباً. ومن يقتدي به في ضلالة كفره أشدُّ ممن يقتدي به في ضلالة بدعةٍ. ومن صوَّر صور ذات الأرواح أشدُّ عذاباً ممن يُصوِّر ما ليس بذي روحٍ؛ إن تنزلنا على قول من رأى تحريمَ تصوير ما ليس بذي روح، وهو مجاهدٌ. وإن لم نتنزل عليه؛ فيجوز أن يعني بالمصوِّرين الذين يُصوِّرون الأصنام للعبادة، كما كانت الجاهلية تفعلُ، وكما تفعلُ النصارى، فإن عذابَهم يكون أشدَّ ممن يُصوِّرها لا للعبادة، وهكذا يعتبر هذا الباب. والله تعالى أعلم. و (قول ابن عباس لمستفتيه عن الصُّور: ادنُ منِّي - ثلاثاً - ووضعُه يده على رأسه) مبالغةٌ في استحضار ذهنه، وفهمه، وفي تسميعه، وتعظيمه لأمر ما يُلقيه إليه. (١) رواه الطبراني في المعجم الصغير (١٨٢/١ -١٨٣)، والبيهقي في الشعب (١٧٧٨) وانظر: الترغيب والترهيب برقم (٢٢٢). (٢) ما بين حاصرتين سقط من (م ٢). (٣) رواه أحمد (٢٢/٣)، والترمذي (١٣٢٩) عن أبي سعيد الخدري بلفظ: ((أشدُّ الناس عذاباً يوم القيامة إمام جائرٌ)) وفي إسناده عطية العوفي: ضعيف. (٤) في (ج ٢): بالعقاب. ٤٣٢ (٢٩) كتاب اللباس - (١٧) باب: أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون رسول الله ﴿ يقول: ((كُلُّ مصور في النَّار، يَجْعَلُ له بكلِّ صُورة صوَّرها نَفْساً فيعذِّبه في جهنّم)). وقال: إن كنتَ لا بُدَّ فاعلاً؛ فاصنع الشَّجر وما لا نَفْس له». وفي روايةٍ: قال ابن عباس: سمعت رسول الله وي ليه يقول: ((من صوَّر و (قوله ◌َّهِ: ((كلُّ مصوِّرٍ في النار))) محمله على مصوَّري ذوات الأرواح، بدليل قوله وَله: ((يُقال لهم: أحيُوا ما خلقتم)). و (قوله: ((كُلُّف أن ينفخَ فيها الرُّوحَ))) من هنا رأى ابن عباس: أنَّ تصويرَ ما ◌ُكم تصویر ما ليس له روح ليس له روح يجوز هو والاكتساب به. وهو مذهبُ جمهور السَّلف، والخلف. وخالفَهم في ذلك مجاهدٌ فقال: لا يجوز تصوير شيءٍ من ذلك كلِّه، سواءٌ كان له روح، أو لم يكن؛ متمسِّكاً في ذلك بقول الله تعالى (١): ((ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقاً كخلقي! فليخلقوا ذرَّةً، وليخلقوا حبَّةً، وليخلقوا شعيرةً)). فعمَّ بالذمِّ، والتهديد، والتقبيح كلَّ من تعاطى تصويرَ شيءٍ مما خلقه الله تعالى. وقد دلَّ هذا الحديث: على أن الذمَّ والوعيدَ إنما عُلِّق بالمُصوِّرين من حيث تشبّهوا بالله تعالى في خلقه، وتعاطوا مشاركةً فيما انفرد الله تعالى به من الخلق والاختراع. وهذا يُوضِّح حَّةَ مجاهدٍ. وقد استثنى الجمهور من الصُّور لعبَ البنات كما تقدَّم. وشدَّ بعضُ الناس فمنعَها، ورأى أن إباحةَ ذلك منسوخة بهذا النهي. وهو ممنوعٌ من ذلك، مطالبٌ بتحقيق التعارض والتاريخ، واستثنى بعضُ أصحابنا من ذلك النهي ما لا يبقى كصُور الفَخَّار، والشَّمع، وما شاكلَ ذلك، وهو مطالبٌ بدليل التخصيص، وليس له عليه نصٌّ، بل ولا ظاهر، وإنما هو نظرٌ قاصرٌ يردُه المعنى الذي قرَّرناه، والظواهر. سبب ذمّ المصوّرین - (١) أي في الحديث القدسي. ٤٣٣ (٢٩) كتاب اللباس - (١٧) باب: أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون صُورة في الدُّنيا كُلُّف أن ينفُخَ فيها الرُّوح يوم القِيَامة. وليس بنَافخٍ)). رواه أحمد (٢١٦/١)، والبخاريُّ (٧٠٤٢)، ومسلم (٢١١٠) (٩٩ و ١٠٠)، والنسائي (٢١٥/٨). [٢٠٢٤] وعن أبي هريرة؛ قال: سمعت رسول الله وَ له يقول: ((قال الله: ومن أظلم مِمَّن ذهب يَخُلُقُ خَلْقاً كخَلْقِي؟ فليخْلُقُوا ذرةً. وليخلقوا حبَّةً. ولْيَخْلُقُوا شَعِيرة)). رواه أحمد (٢٥٩/٢)، والبخاريُّ (٥٩٥٣)، ومسلم (٢١١١) (١٠١). و (قوله: ((كُلُّف أن ينفخَ فيها الروحَ، وليس بنافخٍ))) أي: أُلزم ذلك وطوِّقه، ولا يقدرُ على الامتثال، فيُعذّب على كل حالٍ. ويُستفاد منه جواز التكليف بالمُحال في الدنيا، كما جازَ ذلك في الآخرة. جواز التكليف لكن: ليس مقصود هذا التكليف طَلَبَ الامتثال، وإنما مقصودُه تعذيبُ المُكلَّف، بالمحال تعذيباً وإظهارُ عجزه عمَّا تَعاطاه مبالغةً في توبيخه، وإظهارُ قبيح فعله. والله تعالى أعلم. " ٤٣٤ (٢٩) كتاب اللباس - (١٨) باب: في الأجراس والقلائد في أعناق الدواب (١٨) باب في الأجْراس والقَلائِد في أعْناق الدَّوابُّ [٢٠٢٥] عن أبي هريرة؛ أنَّ رسولَ الله وَّهِ قالَ: ((لا تصحَبُ المَلائِكَةُ رُفْقةً فيها كلبٌ ولا جرسٌ)). رواه أحمد (٢٦٣/٢ و٣١١)، ومسلم (٢١١٣)، وأبو داود (٢٥٥٥)، والترمذيُّ (١٧٠٣). (١٨) ومن باب: الأجراس والقلائد في أعناق الدَّوابِّ (قوله: ((لا تصحبُ الملائكة رُفقةً فيها كلبٌ ولا جرسٌ))) يُفهم من هذا حكم الكلاب غير المأذون الحديث، ومما تقدَّم: أن مقصودَ الشرع مباعدةُ الكلاب، وأَلَّ تُتَّخذَ في حضرٍ، في اتخاذها ولا سفرٍ؛ وذلك للعلل التي تقدَّم ذكرُها. وهو حَّة لمن منعَ انِّخاذَ الكلب لحراسة الدوابِّ، والأمتعة من السُّرَّاق في الأسفار. وهو قول أصحاب مالكٍ، وأجازَ هشام ابن عُروة انِّخاذَها لحراسة البقر من السليلة(١). قلتُ: والظاهر: أن المرادَ بالكلب هنا غير المأذون في اتخاذه، كما تقدَّم لأن المسافرَ قد يحتاجُ إلى حفظ ماشية دَوَابُّه، وإبله، وغير ذلك، فيضطر إلى اتخاذها كما يضطرُّ إليها في الحَضَر لزرعه وضرعه. و (الجرَس): ما يُعلَّق في أعناق الإبل مما له صلصلة، والذي يُضرَب به، وهو بفتح الراء، وجمعه أجراس. فأما: الجَرْسُ، فهو: الصوت الخفيُّ. يُقال: بفتح الجيم وكسرها. كراهة اتخاذ الأجراس في الأسفار وفيه ما يدلُّ على كراهة اتخاذ الأجراس في الأسفار، وهو قول مالك وغيره. (١) سلَّ الشيء: سرقه، والسَّالُّ: السارق. والسُّلَّة: السرقة الخفية، وقد جاء في (ل ١): الشُّلَّة بدل السليلة. ٤٣٥ (٢٩) كتاب اللباس - (١٨) باب: في الأجراس والقلائد في أعناق الدواب [٢٠٢٦] وعنه: أنَّ رسولَ الله وَّه قالَ: ((الجرس مَزَامِيرُ الشَّيطان)). رواه أحمد (٢/ ٣٧٢)، ومسلم (٢١١٤)، وأبو داود (٢٥٥٦). [٢٠٢٧] وعن أبي بشيرٍ الأنصاريٍّ: أنَّه كان مع رسول الله وَّر في بعض أَسْفَارِه قال: فأرسل رسولُ الله ◌ِ ﴿ رسولاً. قال عبد الله بن أبي بكرٍ : حسِبْتُ: أنَّه قال والناس في مَبِيتِهم: ((لا يَبْقَينَّ في رقبةٍ بعيرٍ قِلادةٌ من وَتَرٍ - أو قِلادةٌ - إلا قُطِعَتْ)). قال مالك: أرى ذلك من العَيْنِ. قلتُ: وينبغي أَلَّا تُقْصَر الكراهةُ على الأسفار، بل هي مكروهة في الحَضر أيضاً، بدليل قوله مَّه: ((الجرسُ مزاميرُ الشيطان)). ومزامير الشيطان مكروهةٌ سفراً وحضراً، ثمَّ: هذا يعمُّ الكبيرَ، والصغيرَ منها. وقد فرَّق بعضُ الشاميين؛ فأجازوا الصغيرَ، ومنعوا الكبيرَ. ووجه الفرق: أن الكبيرَ به يقعُ التشويش على الناس، وبه تحصلُ المشابهة بالنصارى؛ فإنهم يستعملون النواقيسَ في سفرهم، وحضرهم. [و (قوله: ((تماثيل أو صور)))] (١) يحتمل أن يكون هذا شكاً من بعض الرواة، ويُحتمل أن يريدَ بالتماثيل: ما كان قائم الشّخص، وبالصُّوَر: ما كان رَقْماً، ويكون (أو) بمعنى: الواو، أو تكون للتوسيع. والله تعالى أعلم. و (قوله: ((لا يَبْقَيَنَّ في رقبة بعيرٍ قلادةٌ من وَتَرٍ، أو قلادةٌ إلا قُطِعَتْ))) يعني بالوتر: وترَ القوس. ولا معنى لقول من قال: إنَّه يعني بذلك: الوِتْرَ الذي هو الذَّحْل، وهو طلبُ الثَّارِ، لبعده لفظاً ومعنىّ. و (قول مالكٍ: أرى ذلك من العين) يعني: أنهم كانوا يتعوَّذون بتعليق أوتارٍ (١) ما بين حاصرتين لا علاقة له بأحاديث هذا الباب، وإنما هو من أحاديث الباب السابق في صحيح مسلم برقم (٢١١٢) (١٠٢) ولم يُورده المؤلف - رحمه الله - في التلخيص. ٤٣٦ (٢٩) كتاب اللباس - (١٨) باب: في الأجراس والقلائد في أعناق الدواب رواه البخاريُّ (٣٠٠٥)، ومسلم (٢١١٥)، وأبو داود (٢٥٥٢) وهو في الموطأ (٢/ ٩٣٧). قِسيِّهم في أعناق إبلهم من العَيْن، فأمرَ النبيُّ ◌َ﴿ بقطعها لأجل توقُّع ذلك. وظاهرُ قول مالكٍ: خصوصية ذلك بالوَتَر، ولذلك أجازَه ابن القاسم بغير الوَتَّر. وقال بعضُ أصحابنا فيمن قلَّدَ بعيرَه شيئاً ملوَّتاً فيه خرزٌ؛ إنْ كان للجَمال؛ فلا بأسَ به. واختلف العلماءُ في تقليد البعير وغيره من الحيوان والإنسان ما ليس بتعاويذَ قرآنية مخافةً العين. فمنهم من نهى عنه، ومنعَه قبل الحاجة، وأجازَه عند الحاجة إليه، ومنهم من أجازَه قبلَ الحاجة وبعدَها، كما يجوز الاستظهار بالتداوي قبلَ حلول المرض. حُكْم تقليد البعير وغيره ما ليس بتعاويذ قرآنية وقال غير مالك: إنَّ الأمرَ بقطع الأوتار إنما كان مخافةً أن يختنقَ به البعيرُ عند الرَّعي، أو يحتبسَ بغُصْنٍ من أغصان الشجرة، كما اتفقَ لناقة رسول الله وَهـ فقدَها ثمَّ وجدَها قد حبستها شجرةٌ. والله تعالى أعلم. و (قوله: ((مِن وَتَرٍ، أو قِلادةٍ)) هو شك من بعض الرواة، فكأنه لم يتحقّق قوله: من وَتَرٍ. هذا ظاهر كلامه. ويحتمل أن تكونَ: (أو) تنويعاً، فيكون المنهي عنه قلادة الأوتار وغيرها. والأَوْلى: ما صار إليه مالك والله تعالى أعلم. ٤٣٧ (٢٩) كتاب اللباس - (١٩) باب: النهي عن وشم الوجوه (١٩) باب النَّهي عن وَسْمِ الوجوه، وأين يجوز الوَسْمُ؟ [٢٠٢٨] عن جابر؛ قال: نهى رسول الله وَّه عن الضَّرْبِ في الوَجْه، وعن الوَسمِ في الوجه. رواه مسلم (٢١١٦)، وأبو داود (٢٥٦٤)، والترمذي (١٧١٠). (١٩) ومن باب: النهي عن وسم الوجوه وأين يجوز الوسم نهيه ◌َّر عن الضرب في الوجه، وعن الوسم فيه يدلُّ على احترام هذا سبب النهي عن العضو، وتشريفه على سائر الأعضاء الظاهرة؛ وذلك لأنه الأصلُ في خلقة ضرب الوجه الإنسان، وغيره من الأعضاء خادمٌ له؛ لأنه الجامع للحواس التي تحصلُ بها الإدراكاتُ المشتركة بين الأنواع المختلفة، ولأنَّه أولُ الأعضاء في الشخوص، والمقابلة، والتحدُّث، والقصد؛ ولأنَّه مدخلُ الروح ومخرجه، ولأنه مقرّ الجمال والحسن، ولأن به قوام الحيوان كلِّه: ناطقه وغير ناطقه. ولما كان بهذه المثابة: احترمه الشرع، ونهى أن يُتَعَرَّضَ له بإهانةٍ، ولا تقبيحٍ، ولا تشويهٍ. وقد مرَّ النبيُّ ◌َ﴿ برجل يضربُ عبدَه فقال: ((اتق الوجهَ، فإن الله تعالى خلق آدم على صورته))(١) أي: على صورة المضروب. ومعنى ذلك - والله أعلم -: أن المضروبَ من ولد آدم، ووجهه كوجهه في أصل الخلقة، ووجه آدم عليه السلام مكرّمٌ، مشرفٌ؛ إذ قد شرفه الله تعالى بأن خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأقبل عليه بكلامه، وأسجد له ملائكته. وإذا كان هذا الوجهُ يشبه ذلك الوجه فينبغي أن يُحترم كاحترامه. ولما سمع ذلك الصحابيُّ النهي عن الوسم، وفهم ذلك المعنى قال: والله لا أسمه، مبالغة في الامتثال والاحترام. و (الوسم): الكيُّ بالنَّار. وأصله: العلامة. يقال: وسم الشيء، يسمه: إذا (١) رواه أحمد (٣٤٧/٢)، والبخاري (٢٥٥٩)، ومسلم (٢٦١٢) (١١٤ - ١١٦). ٤٣٨ (٢٩) كتاب اللباس - (١٩) باب: النهي عن وشم الوجوه [٢٠٢٩] وعن ابن عباسٍ؛ قال: رأى رسول الله وَله حماراً مَوْسُومٍ الوجه، فَأَنْكَر ذلك. قال: فوالله لا أَسمُهُ إلا في أقْصى شيءٍ من الوجهِ! فأمر بحمارٍ لَهُ فَكُوِي فِي جَاعِرَتَيْهِ، فَهُوَ أول من كَوى الجَاعِرِتَیْنِ. رواه مسلم (٢١١٨). أعلمه بعلامة يُعرف بها. ومنه: السيماء: العلامة، ومنه قوله تعالى: ﴿ سِيمَاهُمْ فِی وُجُوهِهِم مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩]. ومعروف الرواية: (الوسم) بالسين المهملة، وقد رواه بعضُهم بالشين المعجمة(١)، وهو وهمٌ؛ لأن الوشم إنما هو غرزُ الشفاه والأذرع بالإبرة، وتسويدها بالنَّؤْور، وهو: الكحل، أو ما شابهه. والوسم: كيٍّ. فکیف یُجعل أحدُهما مكان الآخر؟ !. و (الجاعرتان): مؤخّر الوركين المشرفان مما يلي الدُّبر. وسميا بذلك: لأن الجَعْر - وهو البعر - يقع عليهما. و (قوله: قال: والله؛ لا أَسِمُهُ إلا أقصى شيء من الوجه) ظاهرُ مساقٍ هذا الحديث في كتاب مسلم: أنَّ القائلَ: هو ابنُ عباس راوي الخبر، وليس كذلك؛ لما صحَّ من رواية البخاريِّ في التاريخ، وفي رواية أبي داود في مصنفه: أن القائل هو: العبّاس والد عبد الله. وهو أوَّل من کوی في الجاعرتين، لا ابنه. و (المِئْسَم): المكوى. و (الظّهر) هنا: الإبلُ التي يُحْمَلُ عليها. وهذه الأحاديثُ كلُّها تدلُّ: على جواز كيِّ الحيوان لمصلحة العلامة في كلِّ جواز حيّ الحيوان إلا في الأعضاء إلا في الوجه. وهو مُستثنى من تعذيب الحيوان بالنار لأجل المصلحة الوجه الرَّاجحة. وإذا كان كذلك؛ فينبغي أن يُقتصر منه على الخفيف الذي يحصلُ به المقصود، ولا يبالغ في التعذيب، ولا التشويه. وهذا لا يختلفُ فيه الفقهاء إن شاء الله تعالى. (١) في (ج ٢): المثلثة. ٤٣٩ (٢٩) كتاب اللباس - (١٩) باب: النهي عن وسم الوجوه [٢٠٣٠] وعن أنسٍ؛ قال: لما وَلَدت أُمُّ سُلَيمٍ قالت لي: يا أنس! انْظُر هذا الغُلام، فلا يُصيبَنَّ شيئاً حتى تَغْدُو به إلى النّبِيِ وَّ يُحَنَّكُه. قال: فغدوت فإذا هو في الحائط، وعليه خَمِيصَةٌ حُوَيَتِيَّةٌ، وهو يَسِمِ الظَّهْر الذي قدم عليه من الفتح. وفي روايةٍ، قال: فإذا النَّبِي وَهِ في مِرْبَدٍ يسم غنماً. قال شعبة: وأكثر علمي أنه قال: في آذانِها . رواه أحمد (١٠٥/٣ و١٠٦)، والبخاريُّ (٥٤٧٠)، ومسلم (٢١١٩) (١٠٩ و١١٠)، وأبو داود (٢٥٦٣). وفيه: ما يدلُّ على استحسان استخراج المولود الذكر عند ولادته لمن يُرتجى استحسان بركةُ دعوته من العلماء، والفضلاء. وينبغي لذلك المرجوِّ بركته أن يحنِّك الصَّبي استخراج بتمرٍ إن كان، أو بما يتنزّل منزلته، كالزبيب، والتين، كما كانت العادة الجارية عندنا بالأندلس، لكنَّهم كانوا يخرجونه يوم السابع، وذلك عدولٌ عن مقتضى هذا دعوته الحديث؛ فإنه أخرج إثر ولادته، قبل أن يصيب لبناً، أو غيره. والكلُّ واسعٌ، والأول أحسن اقتداءً بالنبيِّ ◌َ ﴿ وبأصحابه - رضي الله عنهم -. المولود لمن ◌ُرتجی بر کٌ و (قول أنس - رضي الله عنه -: وعليه خميصة حُوَيَّتِيَّة) الخميصة: كساء أسود مربَّعٌ. وقال الأصمعيُّ: الخمائص: ثيابُ خزٍّ، أو صوفٍ معلمةٍ، كانت من لباس الناس. واختلف الرواة في (حُوَيِّتِيَّةٍ). فرواها العذريُّ بالحاء المهملة، وبعد الواو الساكنة تاء باثنتين من فوقها مفتوحةٌ، بعدها نونٌ. ورواية الهروي: (حُونِيَّةٌ) بضم الحاء وكسر النون بعد الواو. وعند الفارسيِّ: (خُوَيِّتِيَّةٌ) بضم الخاء المعجمة، وفتح الواو، وسكون الياء باثنتين من تحتها، بعدها تاءٌ. ورواه البخاريُّ: (خُرْيئِيَّةٌ) منسوبة إلى خُرَيْثٍ - رجلٍ من قضاعة -. وضبطها ابن مُفَوِّزٍ: (حُوََّبِيَّةٌ) بفتح الحاء المهملة، وفتح النون بعدها، وکسر الباء بواحدة من تحتها. ٤٤٠ (٢٩) كتاب اللباس - (١٩) باب: النهي عن وضم الوجوه [٢٠٣١] وعنه؛ قال: رأيت في يد رسول الله وَ﴿ الميسَمَ وهو يَسم إبل الصَّدقة. رواه أحمد (٢٨٤/٣ و٢٩٠)، والبخاريُّ (٥٨٢٤)، ومسلم (٢١١٩) (١١٢). قلتُ: ومع هذا الاضطراب لم نحصلْ من هذه اللفظة على تحقيق، وأشبه ما فيها: ما رواه البخاريُّ. و (المربد): أصله للإبل، فيحتملُ أن كان مربداً للإبل وأدخلت فيه الغنم. ويحتمل أن يكون استعاره لحظيرة الغنم. من تواضعه ◌َ﴾ وكونه ﴿ يَسِمُ الإبل والغنم بيده يدلُّ: على تواضعه وَّه، وعلى أنَّ الفضلَ في امتهان الرجل نفسه في الأعمال التي لا تزري بالإنسان شرعاً، وخصوصاً: إذا كان ذلك في مصلحة عامَّةٍ، كما وسم ﴿ إبلَ الصدقة بيده. ويحتمل أن تكون مباشرته للكيِّ بيده ليرفقَ بالبهائم في الوسم، ولا يبالغ في ألمها. والله تعالى أعلم.