Indexed OCR Text
Pages 301-320
٣٠١
(٢٧) كتاب آداب الأطعمة - (٤) باب: لعق الأصابع والصحفة
[١٩١٩] وعنه، قال: سمعت النبي وَ﴿ يقول: ((إنّ الشَّيطان يَحْضُرُ
أحدَكُم عند كل شيء من شأنه، حتى يَحْضُرَهُ عند طعامه، فإذا سقطت من
أحدكم اللُّقمةُ فَلْيُمِطْ ما كان بها من أذىّ، ثمَّ لْيأْكُلْها، ولا يَدَعْها للشَّيطان،
فإذا فرغ فليعلق أصابعه فإنّه لا يدري في أيٍّ طعامه تكون البركة)).
زاد في روايةٍ: ((ولا يمسح يده بالمِنْديل حتى يلْعَق أصابعه أو
يُلْعِقها، فإنه لا يدري في أيٍّ طعامه البركةُ».
رواه مسلم (٢٠٣٣) (١٣٥).
يجعلُ غيره يلعقها. وهذا كلُّه يدلُّ على استحباب لعق الأصابع إذا تعلَّق بها شيء
من الطعام، كما قدَّمناه. لكنه في آخر الطعام، كما نصَّ عليه، لا في أثنائه؛ لأنه
يَمَسُّ بأصابعه بزاقَه في فيه إذا لَعِقَ أصابعَه ثم يُعيدها، فيصير كأنه يبصقُ في
الطعام؛ وذلك مستقذر، مستقبح.
و (قوله وَله: ((إنَّ الشيطانَ يحضرُ أحدَكم عند كلِّ شيءٍ من شأنه))) فائدته أن
يُخْضِرَ الإنسانُ هذا المعنى عند إرادته فعلاً من الأفعال كائناً ما كان، فيتعوَّذ بالله
من الشيطان ويُسمِّي الله تعالى فإنه يُكْفَى مضرَّةَ الشيطان، كما قد جاء في حديث
الجماع ؛ الذي ذكرناه في النّكاح، وكما يأتي في الدعوات - إن شاء الله تعالى -.
و (قوله: ((فليُمطْ عنها الأذى))) أي: يُزِيله. و (قوله: ((ليأكلها))) أمر على ذمّ تارك اللقمة
جهة الاحترام لتلك اللُّقمة، فإنها من نعم الله تعالى، لم تصل للإنسان حتى سخّر الساقطة
الله فيها أهلَ السموات والأرض. و (قوله: (ولا يدعها للشيطان))) يعني: إنه إذا
تركها، ولم يرفعها فقد مكَّن الشيطانَ منها؛ إذ قد تكبِّرَ عن أخذها، ونسيَ حقَّ
الله تعالى فيها، وأطاعَ الشيطانَ في ذلك، وصارت تلك اللُّقمة مناسبةً للشيطان؛ إذ
-----
أ
٣٠٢
(٢٧) كتاب آداب الأطعمة - (٥) باب: من دعي إلى الطعام فتبعه غيره
[١٩٢٠] وعن أنس: أنَّ رسول الله وَ لِّ كان إذا أكل طعاماً لَعِق
أصابِعَهُ الثلاث. قال: وقال: ((إذا سقَطت لُقْمة أحدكم فلْيُمِطْ عنها الأذى،
وليأكُلْها ولا يَدَعْها للشيطان)). وأمرنا: أن نَسْلُتِ القَصْعة. قال: ((فإنكم
لا تدرُون في أي طعامِگُم البرکُ».
رواه أحمد (١٧٧/٣)، ومسلم (٢٠٣٤)، وأبو داود (٣٨٤٥)،
والترمذي (١٨٠٣).
(٦(٥)ـاب
من دعي إلى الطعام فتبعه غيره
[١٩٢١] عن أبي مسعودٍ الأنصاريٍّ، قال: كان رجلٌ من الأنصار
يقال له أبو شُعَيْبٍ، وكان له غلامٌ لخَامٌ، فرأى رسول الله وَّي فعرف في
قد تُكُبِّر عليها، وهو متكبِّر، فصارت طعامَه. وهذا كلُّه ذمّ لحال التارك، وتنبيهٌ على
تحصيل غَرض الشيطان من ذلك.
(٥ و٦) ومن باب: إذا دعي إلى طعام(١)
اللَّام: الذي يبيعُ اللحم، وهو الجزَّار. وهذا على قياس قولهم: عَطَّار،
وتَمَّار؛ للَّذي يبيع ذلك. و (خامسَ خمسةٍ) أي: أحد خمسة. هذا الحديث، وما
يأتي بعده يدلُّ: على ما كانوا عليه من شِدَّة الحال وشظف العيش، وذلك
للتمحيص في الدنيا، وليتوفَّرَ لهم أجرُ الآخرة.
-
(١) شرح المؤلف - رحمه الله - تحت هذا الباب ما أشكل أيضاً في باب: إباحة تطييب
الطعام، كما في التلخيص.
1
٣٠٣
(٢٧) كتاب آداب الأطعمة - (٦) باب: إباحة تطبيب الطعام
وجهه الجُوعَ فقال لغلامه: ويحك! اصنع لنا طعاماً لخمسة نفرٍ؛ فإنِي أريدُ
أن أدعوَ النَّبِيَّ وَّهِ خامس خَمْسةٍ. قال: فصنع، ثم أتى النَّبِيَّ ◌َِّ فدعاه
خامس خمسةٍ، وانَّبعهم رجلٌ، فلمَّا بلغ الباب قال النَّبيُّ وَّهِ: ((إنَّ هذا
اَّبعنا فإن شئت أن تأذن له، وإن شئت رجع)). قال: لا، بل آذن له
يا رسول الله !.
رواه أحمد (١٢٠/٤)، والبخاريُّ (٢٠٨١)، ومسلم (٢٠٣٦)،
والترمذيُّ (١٠٩٩).
(٦) باب
إباحة تطييب الطعام وعرض من لم يُذْعَ
[١٩٢٢] عن أنس: أنَّ جاراً لرسول الله صلهر فارسياً كان طيِّبَ
المَرَقِ، فصنع لرسول الله وَلفر طعاماً، ثم جاء يدعوه. فقال: ((وهذه؟))
وهذا المُتَّعُ لهم كان ذا حاجة، وفاقةٍ، وجوع، واستئذان النبيِّ وَّ لصاحبِ
الدعوة في حقِّ المتَّبع بيان لحاله، وتطييب لقلب المستأذَن، ولو أمرَه بإدخاله معهم
لكان له ذلك؛ فإنه ◌َ﴿ قد أمرهم بذلك، وقال: ((من كانَ عنده طعامُ اثنين فليذهبْ
بثالثٍ، أو أربع فليذهب بخامس)) (١)، والوقت كان وقتَ فاقةٍ وشدَّة، وكانت
المواساةُ واجبةً إذ ذاك، والله أعلم. ومع ذلك فاستأذنَ صاحبَ المكان تطييباً
لقلبه، وبياناً للمشروعية في ذلك؛ إذ الأصل: ألا يتصرَّفَ في ملك الغير أحدٌ إلا عَدَم التصرّف
بإذنه .
في ملك الغير
إلا بالإذن
و (قول أنسٍ: كان لرسول الله ﴿ ﴿ل جارٌ فارسيٌّ طيِّب المرق) دليلٌ على جواز جواز تطييب
الأطعمة
(١) انظر تخريجه في التلخيص برقم (٢٢٥٤).
---
٣٠٤
(٢٧) كتاب آداب الأطعمة - (٦) باب: إباحة تطبيب الطعام
- لعائشة - فقال: لا. فقال رسول الله صلر: ((لا)). فعاد يدعوه فقال
رسول الله: ((وهذه؟)) فقال: لا. قال رسول الله مَله: ((لا)) ثم عاد
يدعوه. فقال رسول الله وَله: ((وهذه؟)) قال: نعم . - في الثالثة - فقاما
یتدافعان حتی أتیا منزله.
رواه أحمد (١٢٣/٣)، ومسلم (٢٠٣٧)، والنسائيّ (١٥٨/٦).
*
تطييب الأطعمة، والاعتناء بها، ولا خلافَ في جواز ذلك بين الأئمة، وامتناع
الفارسيِّ من الإذن لعائشة - رضي الله عنها -: أَوْلَى ما قيل فيه: إنه إنَّما كان صنع
من الطعام ما يكفي النبي 5 18 وحده؛ للذي رأى عليه من الجوع، فكأنه رأى: أن
مشاركة النبي ◌َ له في ذلك يجحفُ بالنبيِ هِ. وامتناع النبي ◌َ له من إجابة الفارسيِّ
عند امتناعه من إذن عائشة: إنما كان - والله أعلم - لأن عائشة كان بها من الجوع
مثل الذي كان بالنبي وصلإليه، فكره النبيُّ ◌َلإر أن يستأثر عليها بالأكل دونها، وهذا
تقتضيه مكارمُ الأخلاق، وخصوصاً مع أهل بيت الرجل، ولذلك قال بعضُ
الشعراء(١):
وَشِبْعُ الفتى لؤْمِّ إِذَا جَاعَ صَاحِبُه(٢)
وقد نبّه مالك - رحمه الله - على هذا المعنى حين سُئل عن الرجل يدعو
الرجل یکرمه؟ قال: إذا أراد فلیبعث بذلك إلیه یأکله مع أهله.
وفي هذين الحديثين أبواب من الفقه مَن تتبَّعها ظفر بها.
(١) القائل هو: بشر بن المغيرة بن المهلب بن أبي صفرة.
(٢) هذا عجز البيت، وصدره: وكلُّهُمْ قد نال شِبْعاً لِبَطْنِهِ.
٣٠٥
(٢٧) كتاب آداب الأطعمة - (٧) باب: من اشتد جوعه
(٧) باب
من اشتد جوعه تعيّن عليه أن يرتاد ما يرُّ به جوعه
[١٩٢٣] عن أبي هريرة، قال: خرج رسول الله وَ ل﴿ ذات يومٍ، أو:
ليلةٍ، فإذا هو بأبي بكر وعمر. فقال: ((ما أخرجكما من بيوتكما هذه
الساعة؟)) قالا: الجوع يا رسول الله! قال: ((وأنا والذي نفسي بيده
لأخرجني الذي أخرجكما؛ قوموا)). فقاموا معه. فأتى رجلاً من الأنصار؛
(٧) ومن باب: من اشتدَّ جوعُه تعيَّن عليه أن يرتاد لنفسه
(قوله { # لأبي بكرٍ وعمر: ((ما أخرجكما من بيوتكما؟)) قالا: الجوع. قال:
((وأنا أخرجني الذي أخرجكما))) هذا يدلُّ على شدَّةِ حالهم في أوَّل أمرهم. وسببُ من أحوال
المهاجرين
والأنصار في
الكرم والإيثار
ذلك: أن أهل المدينة كانوا في شظف من العيش عندما قدم عليهم النبي وَلقر مع
المهاجرين، وكان المهاجرون فرُّوا بأنفسهم، وتركوا أموالهم، وديارهم، فقدموا
فقراء على أهل شدَّةٍ، وحاجة، مع أن الأنصار - رضي الله عنهم - واسَوْهُم [فيما
کان عندهم](١) وشرکوهم فیما كان لهم، ومنحوهم، وهادوهم، غير أن ذلك ما
كان يسدُّ خلّاتهم، ولا يرفع فاقاتهم، مع إيثارهم الضراء على السراء، والفقر على
الغنى. ولم يزل ذلك دأبهم إلى أن فتح اللَّهُ عليهم وادي القرى، وخيبر، وغير
ذلك؛ فردوا لهم منائحهم، واستغنوا بما فتح الله عليهم. ومع ذلك فلم يزل عيشهم
شديداً، وجهدهم جهيداً حتى لقوا الله تعالى مؤثرين بما عندهم، صابرين على شدَّة
عيشهم، مُغْرِضين عن الدنيا وزهرتها ولذاتها. مقبلين على الآخرة، ونعيمها،
وكراماتها، فحماهم الله ما رغبوا عنه، وأوصلهم إلى ما رغبوا فيه. حشرنا الله في
زمرتهم، واستعملنا بِسُنّتهم.
و (قوله: ((قوموا))) أمْرٌ بالقيام لطلب العيش عند الحاجة. وهو دليلُ ما
(١) ما بين حاصرتين من (ج ٢).
٣٠٦
(٢٧) كتاب آداب الأطعمة - (٧) باب: من اشتد جوعه
فإذا هو ليس في بيته؛ فلما رأته المرأة قالت: مرحباً، وأهلاً! فقال لها
رسول الله وَ﴿: ((أين فلان؟)) قالت: ذهب يَسْتَعْذِبُ لنا من الماء؛ إذ جاء
الأنصاري، فنظر إلى رسول الله وَل﴿ وصاحبيه ثم قال: الحمد لله! ما أحدٌ
اليوم أكرمَ أضيافاً منِّي قال: فانطلق فجاءهم بعِذْقٍ فيه بُسْرٌ، وتمرٌ،
ورُطَبٌ، فقال: كُلوا من هذه، وأخذ المُذْيَة. فقال له رسول الله وَله: ((إيَّاك
رسمناه في الترجمة، وهذا الرجلُ الأنصاري هو: أبو الهيثم بن النَّيَّهان على ما جاء
مفسَّراً في روايةٍ أخرى. واسمه: مالك بن النَّيِّهان. [قاله أبو عمر](١).
و (قولها: يستعذب لنا ماءً) أي: يطلب الماء العذب. وفيه دليلٌ: على
جواز الميل للمستطابات طبعاً من الماء وغيره.
جواز الميل
للمستطابات
و (قول الرجل: الحمد لله، ما أحدٌ اليوم أكرم أضيافاً مني!) قولٌ صدقٌ،
ومقالٌ حقٌّ؛ إذ لم تُقِلَّ الأرض، ولا أظلَّت السَّماء في ذلك الوقت أفضل من
أضيافه؛ فإنهم: محمد رسول الله وَلاير، وخليفتاه: أبو بكرٍ، وعمر. ولمَّا تحقق
الرجلُ عظيمَ هذه النعمة قابَلَها بغاية مقدور الشكر، فقال: الحمد لله ! .
و (العِذْق) - بكسر العين -: الكباسة، وهي: العُرجون. و (العَذْق) - بفتح
العين -: النخلة. وإنما قدَّم لهم هذا العرجون؛ لأنه الذي تيسّر له بغير كلفةٍ،
لا سيَّما مع تحقّقه حاجتهم، ولأن فيه ألواناً من التمر، والبسر، والرطب، ولأنَّ
الابتداء بما يتفكّه به من الحلاوة أَوْلى من حيث إنه أقوى للمعدة؛ لأنه أسرعُ
هضماً.
و (المدية): السكّينِ. و (الحَلُوب) - بفتح الحاء -: الشاة التي تحلبُ لبناً
كثيراً. وإنما نهاه عنها؛ لأن ذبحها تضييعٌ للبنها، مع أن غير ذات اللبن تتنزّل
منزلتها عند الضيف، ويحصل بها المقصود.
(١) من (ج ٢).
٣٠٧
(٢٧) كتاب آداب الأطعمة - (٧) باب: من اشتد جوعه
والحلوب!)) فذبح لهم فأكلوا من الشاة، ومن ذلك العِذْقٍ، وشربوا. فلمَّا
أن شبعوا، ورَؤُوا؛ قال رسول الله وَ ﴿ لأبي بكر وعمر: ((والذي نفسي بيده
لتسألنَّ عن هذا النَّعيم يوم القيامة! أخرجكم من بيوتكم الجوع، ثم لم
ترجعوا حتى أصابكم هذا النعيم)).
رواه مسلم (٢٠٣٨)، والترمذي (٢٣٧٠).
*
و (قوله: فأكلوا من تلك الشاة، ومن ذلك العِذق) دليلٌ على جواز جمع جواز جمع
طعامين فأكثر
على مائدة
طعامين فأكثر على مائدةٍ.
و (قوله: حتى شبعوا، وَرَؤُوا) دليلٌ على جواز الشِّبع من الحلال. وما جاء جواز الشبع من
مما يدلُّ على كراهة الشّبع عن النبي ◌َّز، وعن السلف: إنما ذلك في الشِّبَع المثقل الحلال
للمعدة، المبطىء بصاحبِه عن الصلوات، والأذكار، المضرّ للإنسان بالتخم،
وغيرها؛ الذي يُفضي بصاحبه إلى البطر، والأشر، والنوم، والكسل. فهذا هو
المكروه. وقد يُلحقُ بالمحرَّم إذا كثرت آفاته، وعمَّت بَلِيَّاتُه. والقسطاس المستقيم
ما قاله مَنْ عليه الصلاة والتسليم: ((ما ملأّ آدميٌّ وعاءً شراً من بطنٍ؛ بحسبٍ ابن آدمَ
أُكَلاَتٌ يُقِمْنَ صُلْبَه؛ فإن كان ولا بدَّ: فثلثٌ لطعامه، وثلث لشرابه، وثلثٌ
لنَفَسه)»(١).
و (قول النبي وَ له: ((لتسألنَّ عن نعيم هذا اليوم))) أي: سؤال عرض لا سؤال
مناقشة، وسؤال إظهار التفضُّل والمنن، لا سؤالاً يقتضي المعاتبة، والمِحَن.
و (النعيم): كلُّ ما يُتَنَّم به. أي: يُستطاب، ويُتلذَّذ به. وإنما قال النبيُّ ◌َّ هذا
استخراجاً للشكر على النعم، وتعظيماً (٢) لذلك. والله تعالى أعلم.
(١) رواه أحمد (١٣٢/٤)، والترمذي (٢٣٨٠).
(٢) في (ج ٢): تعليماً.
أ
٣٠٨
(٢٧) كتاب آداب الأطعمة - (٨) باب: جعل الله تعالى قليل الطعام كثيراً
(٨) باب
جعل الله تعالى قليل الطعام كثيراً ببركة
رسول الله ◌َلقر، وذكر كثير من آداب الأكل
[١٩٢٤] عن جابر بن عبد الله، قال: لما حُفر الخندقُ رأيت
برسولِ اللهِ وَهُ خَمَصاً، فانكفأت إلى امرأتي فقلت لها: هل عندك شيء؟
فإني قد رأيت برسول الله ول﴿ خَمَصاً شديداً! فأخرجت لي جِرَاباً فيه صاعٌ
من شعير، ولنا بهيمةٌ دَاجِنٌ. قال: فذبحتها، وطحنَتْ. فَفَرغتُ إلى
فَرَاغِي، فقَطَّعْتُها في بُرْمَتِها، ثمَّ ولَّيتُ إلى رسول الله وَ له فقالت: لا
تَفْضَحْني برسول الله وَّهِ ومن معه! قال: فجئته فسارَرتُهُ، فقلت:
يا رسول الله! إنا قد ذبحنا بُهَيمةً لنا، وطحنَتْ صاعاً من شعير كان عندنا،
فتعال أنت ونفرٌ معك. فصاح رسول الله وَ ط﴿ وقال: ((يا أهل الخندق! إنَّ
جابراً قد صنع لكم سُؤْراً فحيَّهلا بكم)). وقال رسول الله وَله: ((لا تُنْزِلُنَّ
(٨) ومن باب: جعل قليل الطعام كثيراً ببركة النبيِّ وَل
(الخَمْصُ): الجوع، وأصله: من خمص البطن، وهو: ضموره، ولمَّا كان
الجوعُ يضمرُ البطن سُمِّيَ به. و (البُهَيْمة) الصغيرة من الضأن، تصغير: بهمةٍ.
والجمع: بَهْمٌ. و (الدَّاجن): الملازم للبيت، ودجن في كذا، أي: أقام فيه.
و (قوله: وانكفأت إلى أهلي)(١) أي: انقلبتُ إليهم، وانصرفت.
و (الچراب): وعاء من جلدٍ.
و (قوله: إنَّ جابراً قد صنع لكم سُوراً) أي: اتخذ طعاماً لدعوة الناس. كلمة
فارسية. قاله الطبريُّ وغيره. وقال غيرهما: هو الطعام نفسه بالفارسية.
و (قوله: حيَّهلا بكم) أي: أقبلوا وهلُمُوا. قال الهرويُّ: حيَّ: كلمة على
(١) في التلخيص: امرأتي.
أ
1
أ
٣٠٩
(٢٧) كتاب آداب الأطعمة - (٨) باب: جعل الله تعالى قليل الطعام كثيراً
بُرْمَتَكُم ولا تَخْبِزُنَّ عَجِينِكُم حتى أجيءَ)). فجئتُ، وجاء رسول الله وَهل
يقدُمُ النَّاس، حتى جئتُ امرأتي، فقالت: بِكَ وِكَ! فقلت: قد فعلتُ
الذي قُلْتِ لي! فأخرجتُ له عجينَتَنا فبصق فيها، وبارَك، ثم عمد إلى
بُرْمَتِنا فبصق فيها، وبارك، ثم قال: ((ادعِي خابزةً فَلْتخْبزْ معكِ، واقْدَحي
من بُرْمتكم ولا تُنْزِلُوها))، وهم ألفٌ فأُقْسِمُ بالله لأكَلُوا حتى تركُوه وانحرفوا
حدة، ومعناها: هلمَّ، و (هلا): كلمة على حدة، فجعلا كلمة واحدة. قال غيره:
وفيها لغات، يقال: حيَّ هلْ، وهَلَ، وهَلَى، وهلا، وحَيَ هَلْ، وحَيْ هلْ
- بسكونهما -. وحكى أبو عبيد: حَيَّهَلَك، وهي التي يقال فيها: حيَّ على بمعنى.
وهي عند أبي عبيدة بمعنى: عليك بكذا. أي: ادع به.
و (قولها: بك وبك) عَتَبٌ عَتَبَتْ عليه، وكأنها قالت له: فعلتَ هذا برأيك،
وسوء نظرك. تعني: دعاءه للناس كلُّهم، وظنَّت أنه لم يخبر رسولَ الله وَله بقدر
الطعام. ويحتمل أن يكون معناه: بك تنزل الفضيحة، وبك يقعُ الخجل. ويحتمل
أن يكون دعاءً. أي: أوقع الله بك الفضيحة، أو الخجل، ونحو هذا.
و (قوله: فجاء رسول اللهِ وَ﴿ يَقْدُمُ الناس) هذا منه وَِّ مخالفٌ للذي نقل من
سيرته مع أصحابه: أنه كان لا يتقدمهم، ولا يوطأ عَقِبُه، وإنما كان يمشي بين كان ﴿ لا يتقدّم
أصحابه، أو يُقَدِّمهم. وإنما تقدمهم في هذا الموضع لأنه هو الذي دعاهم، فكان أصحابه
دلیلهم إلى الموضع الذي دعاهم إليه.
و (قوله: وبارك فيها) أي: دعا بالبركة، فاستجيب له على الفور، وظهرتْ
معجزاتُه، وبركاته لما أكل من الصاع الشعير، والبهمة ذلك العدد الكثير، ثم بقي
الطعام على حاله كما كان أوّل مرة. وعلى هذا (١): لو كانوا مئة ألفٍ لكفاهم.
وغطيط القدر: صوت فورانها.
(١) في (ج ٢): ذلك.
٣١٠
(٢٧) كتاب آداب الأطعمة - (٨) باب: جعل الله تعالى قليل الطعام كثيراً
وإن بُرْمَتَنَا لَتَغِطُّ كما هي. وإنَّ عجيننا لِيُخْبَزُ كما هو.
رواه البخاري (٣٠٧٠)، ومسلم (٢٠٣٩).
[١٩٢٥] وعن أنس بن مالك، قال: قال أبو طلحة لأمّ سليم: قد
سمعت صوت رسول الله* ضعيفاً أعرف فيه الجوع؛ فهل عندك من
شيء؟ فقالت: نعم. فأخرجت أقراصاً من شعيرٍ، ثم أخذت خماراً لها
فلفَّتْ الخبز ببعضه ثم دسَّتْه تحت ثوبي، وردّتْني ببعضه، ثم أرسلتني إلى
رسول الله ﴾. قال: فذهبتُ به، فوجدتُ رسول الله ◌َفي جالساً في
المسجد ومعه النَّاس، فقُمت عليهم، فقال رسول الله وَله: ((أرسلك
أبو طلحة؟)) قال: فقلت: نعم. قال: ((إلى طعام؟)) فقلت: نعم. فقال
و (قوله في حديث أنس: فأخرجتْ أقراصاً من شعير، فلقَّته بالخمار ثم
أرسلتْ بذلك إلى رسول الله (9). وفي الرواية الأخرى: (إن أبا طلحة أمر أمّ
سليم أن تصنعَ للنبي وَ﴿ طعاماً لنفسه خاصة). وفي أخرى: ((إن أبا طلحة قال لأم
سليم: هل من شيء؟ فقالت: نعم، عندي كِسَرٌ وتمرات، فإن جاء رسولُ اللهِ وَّ
وحده أشبعناه، وإن جاء أحدٌ معه قلَّ عنهم).
قلتُ: وهذه رواياتٌ مختلفة، فإن كان وقع ذلك مرَّات فلا إشكال، وإن
كان مرةً واحدةً كان ذلك اضطراباً، غير أنه يمكن الجمع بين تلك الألفاظ، ويرتفع
الاضطراب، لكن على تكلُّفٍ وبُعْدٍ.
و (قوله: فدسَّته تحت ثوبي) كذا في كتاب مسلم عند سائر رواته. وفي
الموطأ: تحت يدي. أي: إيطي. والدسُّ: وضع الشيء في خُفية، ولطافة.
و (قوله: وردَّتني ببعضه) يعني به: أنها جعلت الطرف الثاني من الخمار عليه
کالرداء.
٣١١
(٢٧) كتاب آداب الأطعمة - (٨) باب: جعل الله تعالى قليل الطعام كثيراً
رسول الله وَّ﴿ لمن معه: ((قوموا)). قال: فانطلق، وانطلقْتُ بين أيديهم
حتى جئتُ أبا طلحة فأخبرته. فقال أبو طلحة: يا أمَّ سُلَيم! قد جاء
رسول الله ◌َلي بالناس وليس عندنا ما نطعمهم؟ فقالت: الله ورسوله أعلم.
قال: فانطلق أبو طلحة حتى لقي رسول الله و *، فأقبل رسول الله وَلتر معه
حتى دخلا. فقال رسول الله وله: ((هَلُّمِّي ما عندك يا أم سليم!)) فأتت
بذلك الخُبْزِ. فأمر به رسول الله وَ لّهِ فَفُتَّ، وعَصَرتْ عليه أم سليم عُكَّةً لها
فَأَدَمَتْهُ، ثم قال رسول الله وَله فيه ما شاء الله أن يقول. ثم قال: ((ائذن
لعشرةٍ)) فأذنَ لهم فأكلوا حتى شبعوا، ثم خرجوا. ثم قال: ((ائذن لعشرةٍ)).
و (قول أبي طلحة لأم سليم: قد جاء رسولُ الله ◌ِ وَ ل# بالناس وليس عندنا ما
نطعمهم) قولٌ على مقتضى العادة. و (جواب أم سليم بقولها: الله ورسوله أعلم)
قولٌ أخرجه النظرُ إلى إمكان خرق العادة، ورجاء بركة رسول الله چ# كالذي كان.
و (العُكَّة): وعاء صغير من جِلْد يُجعل فيه السمن، والنِّحيُّ أكبر منه.
و (أَدَمَتْهُ) بمدّ الألف وقصرها: أي: جعلت السمنَ في الخبز وهو الأُدمُ(١)، فصار
الخبز مأدوماً.
و (قوله: ((ليتحلَّق عشرة عشرة)))(٢) فيه دليلٌ على استحباب اجتماع هذا استحباب
العدد على جفنة واحدة عند كثرة النأس، لكنَّ هذا إذا لم تحمل الجفنة أكثر من اجتماع العدد
، على جفنةٍ
ذلك، فلو كانت كجفنة الرَّكب(٣) لأكل عليها أكثر من هذا العدد.
واحدة
و (قوله: فأكلوا حتى شبعوا) دليلٌ على جواز الشِّبَع، خلافاً لمن كرهه كراهية الإفراط
في الشبع
(١) في (ج ٢): الإدام.
(٢) هذه العبارة لم ترد في كل روايات هذا الحديث، وإنما وردت في كتاب النكاح من
صحيح مسلم برقم (١٤٢٨) (٩٣). والعبارة المقصود شرحها هنا هي: ((ائذنْ لعشرة)).
(٣) ((الركب)): أصحاب الإبل في السفر.
٣١٢
(٢٧) كتاب آداب الأطعمة - (٨) باب: جعل الله تعالى قليل الطعام كثيراً
فأذن لهم فأكلوا حتى شبعُوا، ثم خرجوا. ثم قال: ((ائذن لعشرة)). حتى
أكل القوم كلهم، وشبعوا. والقوم سبعون رجلاً، أو ثمانون رجلاً.
وفي روايةٍ: قال: رأى أبو طلحة رسول الله ﴿ مُضْطجعاً في
المسجد يتقلَّبُ ظَهْراً لِبطْنٍ. فأتى أُمَّ سُليم فقال: إنِّي رأيت رسول الله وَهـ
مضطجعاً في المسجد يتقلَّب ظَهْراً لِبَطْن، وأظُنُّه جائعاً.
فأمر أبو طلحة أمَّ سُليم أن تصنعَ للنبيِّ ◌َ﴿ طعاماً لنفسه خاصة، ثم
أرسلني إليه. وساق الحديث. وفيه: فوضع النَّبِيُّ ◌َّ يده، وسمَّی علیه،
ثم قال: ((ائذن لعشرة)). فأذن لهم فدخلوا. فقال: ((كلوا وسمُّوا الله)).
فأكلوا، حتى فعل ذلك بثمانين رجلاً. ثم أكل النبي ◌َ ه بعد ذلك، وأهْلُ
البیت، وتركوا سُؤراً).
وفي روايةٍ: وأفْضَلُوا ما أَبْلَغُوا جِيرانَهُم.
رواه أحمد (٢١٨/٣)، والبخاريُّ (٥٤٥٠)، ومسلم (٢٠٤٠)
(١٤٢ - ١٤٣)، والترمذيُّ (٣٦٣٠).
مطلقاً. وهم قومٌ من المتصوفة، لكن الذي يُكره منه ما يزيد على الاعتدال، وهو
الأكلُ بكل البطن، حتى لا يترك للماء، ولا للنَّفَس مساغاً. وقد ينتهي هذا إلى
تجاوز الحد، فيحكم عليه بالتحريم كما تقدَّم. وكونه و لي أكل بعدهم؛ إنَّما كان
ذلك لأنه هو أطعمهم ببركة دعائه، فكان آخرهم أكلاً، كما قال في الشراب:
(ساقي القوم آخرهم شرباً)(١). وأيضاً: فَليحصلَ على درجة الإيثار؛ فإنه ◌َِّ كان
(١) رواه أحمد (٣٠٣/٥)، ومسلم (٦٨١)، والترمذي (١٨٩٤).
٣١٣
(٢٧) كتاب آداب الأطعمة - (٨) باب: جعل الله تعالى قليل الطعام كثيراً
[١٩٢٦] وعنه، قال: جئت رسول الله ﴾ يوماً فوجدته جالساً مع
أصحابه يحدِّثهم وقد عصَّبَ بطنه بعصابةٍ. قال أسامة: وأنا أَشُكُ - على
حَجَرٍ -. فقلت لبعض أصحابه: لِمَ عَصَّب رسول الله وَله بطنه؟ فقالوا: من
الجوع. فذهبت إلى أبي طلحة - وهو زوج أم سُلَیم بنت ملحان - فقلت:
يا أبتاه! قد رأيت رسول الله وَّه عصَّب بطنه بعصابةٍ، فسألت بعض
أصحابه؛ فقالوا: من الجوع. فدخل أبو طلحة على أُمِّي فقال: هل من
شيء؟ فقالت: نعم، عندي كِسَرٌ من خُبْز، وتَمَراتٌ، فإن جاءنا
رسول الله وَل﴾ وحده أشبعناه. وإن جاء أحدٌ معه قلَّ عنهم. وساق
الحدیث.
وفي أخرى: ثم أخذ ما بقي فجمعه، ثم دعا فيه بالبركة. قال: فعاد
((دونكم هذا!)).
كما كان. فقال :
رواه مسلم (٢٠٤٠) (١٤٣).
أشدَّهم جوعاً؛ لأنه كان قد شدَّ على بطنه بحجرين، ومع ذلك فقدَّمهم عليه وآثرهم
بالأكل قبله. وشدُّ البطن بالحجر يسكنُ سورةَ الجوع، وذلك: أنه يلصقُ البطن
بالأمعاء، والأمعاء بالبطن، فتلتصق المعدة بعضها بالبعض، فيقلّ الجوع. وقيل:
إنما يفعل ذلك ليقوى من الضعف الذي يجده بسبب الجوع. والأول أَبيّن. وفيه
أبواب من الفقه لا تخفی.
٣١٤
(٢٧) كتاب آداب الأطعمة - (٩) باب: في أكل الدباء والقديد
(٩) باب
في أكل الذُّباء والقديد
[١٩٢٧] عن أنس بن مالكٍ، قال: إنَّ خَيَّاطاً دعا رسول اللهِ وَه
لطعامٍ صنعه. قال أنس بن مالك: فذهبت مع رسول الله وَلخير إلى ذلك
الطعام، فقرَّب إلى رسول الله وَ﴿ خُبزاً من شعير، ومرقاً فيه دُبَّاءٌ وقَدِيدٌ.
قال أنس: فرأيت النبي ◌َّهِ يتتبّع الدُّبَّاء من حوالي القصعةِ. قال: فلم أزل
أحب الدُّاء من يومئذٍ.
وفي روايةٍ: فجعل رسول الله # يأكل من ذلك الدباء ويُعْجِبُه. قال:
فلمَّا رأيت ذلك؛ وجعلتُ أُلْقِيه إليه، ولا أَطْعَمُهُ. قال أنس: فما زِلْتُ
يُعْجِبُنِي الدَُّّاءُ.
(٩ و١٠) ومن باب: أكل الدُّبَّاء والقديد والتمر(١)
الدباء: اليقطين. واحده: دبَّاءة - ممدود - وقد حكى فيه القصر: ابنُ
السَّرَّاج، وليس معروفاً، وعليه فيكون واحده دَّأة.
جواز المناولة
على الطعام
و (قول أنسٍ: وجعلت ألقيه إليه) دليلٌ على جواز مناولة بعض المجتمعين
في الاجتماع على الطعام [لبعض شيئاً منه](٢)، ولا يُنكر على مَن فعل ذلك، وإنَّما الذي يكره:
أن يتناول شيئاً من أمام غيره، أو يتناول مَنْ على مائدة مِنْ مائدة أخرى، فقد كرهه
ابنُ المبارك. و (تتبُّع النبي وَلاير الدباء من حوالي القصعة): إنما كان ذلك لأن
الطعام كان مختلفاً، فكان يأكلُ ما يعجبه منه - وهو الدبّاء - ويترك ما لا يعجبه
- وهو القدید -. وقد قدمنا جواز ذلك.
(١) شرح المؤلف تحت هذا العنوان ما أشكل أيضاً في باب: في أكل التمر مقعياً.
(٢) ما بين حاصرتين مستدرك من (ج ٢).
٣١٥
(٢٧) كتاب آداب الأطعمة - (١٠) باب: في أكل التمر مقعياً
وفي أخرى: قال أنس: فما صُنِعٍ لي طعامٌ بعدُ أقدر على أن يُصْنَع
فیه دُبّاء إلا صُنِعَ.
رواه البخاريُّ (٢٠٩٢)، ومسلم (٢٠٤١)(١٤٤ و١٤٥)، وأبو داود
(٣٧٨٢)، والترمذيُّ (١٨٥٠).
*
(١٠) بابٌ
في أكل التمر مقعياً، وإلقاء النوى
بین إصبعين، وأکل القِنّاء بالژُطب
[١٩٢٨] عن أنس بن مالك، قال: رأيت رسول الله وَ ل﴿ مُفْعِياً يأكلُ
تَمْراً.
رواه أحمد (١٨٠/٣)، مسلم (٢٠٤٤) (١٤٨)، وأبو داود
(٣٧٧١).
و (قول أنس: رأيتُ رسولَ الله ◌َّهُل مقعياً، يأكل تمرا) الإقعاء: جِلْسَةُ هيئة أمكله ◌َ﴾
المستوفز على أطراف أَلْيَتَيْه. مأخوذ من إقعاء السَّبُع. وقد تقدَّم في كتاب الصلاة.
وهو معنى قوله في الرواية الأخرى: (وهو محتفزاً بالزاي. أي: مستعجل، غير
مُتمكِّن. وإنما كان يأكلُ كذلك لعدم نَهَمِهِ، وقلَّة مبالاته بأكله إذ لم تكن همَّتُه فيما
يجعل في بطنه، وإنما كان يأكلُ القليلَ من الطعام عند الحاجة، وعلى جهة
التواضع، ولذلك قال ◌َّاجر: ((أما أنا فلا آكل متكِّئاً، ولكن آكل كما يأكلُ العبد،
وأجلسُ كما يجلس العبد))(١).
(١) رواه أحمد (٣٠٨/٤ و٣٠٩)، والبخاري (٥٣٩٩)، وأبو داود (٣٧٦٩)، والترمذي
(١٨٣٠)، وابن ماجه (٣٢٦٢).
٣١٦
(٢٧) كتاب آداب الأطعمة - (١٠) باب: في أكل التمر مقعياً
[١٩٢٩] وعنه، قال: أُتي رسول الله وَهُ بِتَمْر، فجعل النبي ◌َّه
يَقْسِمه - وهو مُخْتَفِزٌ - يأكل منه أكلاً ذريعاً.
وفي رواية: أكْلاً حَشيئاً.
رواه مسلم (٢٠٤٤) (١٤٩).
[١٩٣٠] وعن عبد الله بن بُسرٍ، قال: نزل رسول الله وَ لّ على أَبي.
قال: فقرَّبْنا إليه طعاماً ووَطْبَة، فأكل منها، ثم أُتِي بِتَمْر. فكان يأكل منه
و (قوله: فقدَّمنا إليه طعاماً ووطبة) كذا في كتاب أبي عيسى - بسكون الطاء -
وباء بواحدة.
قلتُ: وهي مؤنثة الوَطْب، وهي: قِرْبة اللَّبَن. وكأنه قدَّم له هذه القِرْبة
لیشرب منها.
وعند أبي بحر، وقرىء عليه: ووطيئةٍ - بكسر الطاء، والهمزة المفتوحة -
قال ابن دريد: الوطيئة: التمر يُستخرج نواه، ويُعجن بالسمن. قال ثابت: هو طعام
للعرب يتخذ من تمر أراه كالحَيْس.
قلتُ: وقد فسَّر القتبيُّ الوطيئة بغير هذا. قال: في حديثٍ: أتيت
رسول الله وَ﴿ في تبوك، فأخرجَ لنا ثلاث أُكَلِ من وَطيئةٍ(١). قال: والوطيئة:
الغِرَارةُ، والأُكَل: اللُّقم. و (قوله: أكلاً ذريعاً) أي: كثيراً. و (حثيثاً): أي:
مستعجلاً. وحاصلهما: أنّه كان يأكل أكلاً لا تَصَنُّع فيه، ولا رياء، ولا كِبْر؛ فإذا
احتاج إلى الإكثار أكلَ، وإذا حفزه أمرٌ استعجلَ، لكنَّه ما كان يخرج عن أدبٍ، ولا
يفعلُ شيئاً غير مستحسنٍ وَّر.
(١) رواه أبو داود (٢٠٤)، وابن ماجه (١٠٤١) مختصراً عن ابن مسعود، وانظر النهاية
لابن الأثير (٢٠٢/٥).
٣١٧
(٢٧) كتاب آداب الأطعمة - (١٠) باب: في أكل التمر مقعياً
ويلقي النَّوى بين إصبعيه، ويجمع السَّبابة والوسطى. ثم أُتِي بشراب،
فشربه، ثم ناوله الذي عن يمينه قال: فقال أبي - وأخذ بلجام دابَّتِهِ ــ: ادْعُ
الله لنا. فقال: ((اللهم بارك لهم فيما رزقتهم، واغفر لهم، وارحمهم)).
رواه أحمد (١٨٨/٤)، ومسلم (٢٠٤٢)، وأبو داود (٣٧٢٩)،
والترمذيُّ (٣٥٧٦)، والنَّسائي في عمل اليوم والليلة (٢٩٢ و ٢٩٣).
[١٩٣١] وعن عبد الله بن جعفر، قال: رأيت رسول الله صل يأكل
القِنَّاء بالرُطَبِ .
رواه البخاريُّ (٥٤٤٠)، ومسلم (٢٠٤٣)، وأبو داود (٣٨٣٥)،
والترمذيُّ (١٨٤٥)، وابن ماجه (٣٣٢٥).
*
و (كونه ◌َ ﴿ يلقي النَّوى بين السَّبابة والوسطى) مبين: أنَّه يجوز تصريف
الإصبعين لذلك، لئلا يُظنَّ: أنَّه لا يجوز تصريفُ السَّبابة إلا مع الإبهام؛ لأنه
الأمكن، والذي جرت به العادة. وإلقاء النَّوى خارجاً عنهم تعليمٌ لاجتناب إلقائها إلقاء النوى
بين أيدي الآكلين؛ لأنَّ ذلك ممَّا يُستكره، ويُستقذر. وقد تقدَّم التنبيه على سُنَّةٍ بعيداً عن
الآکلین
مناولة الشراب على اليمين.
وفي هذه الأحاديث: جواز أكل الطَّيِّيات من الأطعمة، والحلاوة الحلال، جواز أكل
وجمع ذلك في وقتٍ واحدٍ خلافاً لمن كرهه من المتقشفين. وكان ◌َ ﴿ يأكلُ القِنَّاء الطيبات
بالرُطبَ، ويقول: ((أَكْسِرُ حرَّ هذا ببرد هذا))(١). وفيه دليلٌ: على جواز مُراعاة جواز مراعاة
صِفاتِ الأطعمة، وطَبَائعها، واستعمالها على الوجه الأليق بها، كما يقولُه الأطبّاء. صفات الأطعمة
والله تعالى أعلم.
(١) رواه أبو داود (٣٨٣٦) وفيه: كان رسول الله لم يأكل البطيخ بالرطب، عن عائشة
رضي الله عنها، وانظر فتح الباري (٩/ ٥٧٣).
٣١٨
(٢٧) كتاب آداب الأطعمة - (١١) باب: النهي عن القرآن في التمر
(١١) باب
النهي عن القِران في التمر عند الجهد
[١٩٣٢] عن جَبَلَةَ بنِ سُحَيمٍ قال: كان ابن الزبير يرزقنا الثَّمر.
قال: وقد كان أصاب الناسَ يومئذٍ جُهدٌ، وكثَّا نأكلُ فيمُّ علينا ابنُ عمر
- ونحن نأكل - فيقول: لا تقارنوا؛ فإنَّ رسول الله وَ له نهى عن الإقران؛
(١١) ومن باب: النهي عن القِرَان في التَّمر
(الجهد) - بفتح الجيم -: المشفّة، وبالضم: الطّاقة.
و (قوله: نهى عن الإقران) هكذا وقعتِ هذه اللفظة لجميع رواة مسلم هنا،
وليست بمعروفةٍ. أعني: لفظةَ الإقران؛ فإنَّها وقعت رباعيَّةً من: أقرن، وصوابه:
القِران؛ لأنَّه من: قرنَ، يَقرن - ثلاثياً -، كما جاء في الرواية الأخرى: أن يقرنَ.
قال الفرَّاء: يُقال: قرنَ بين الحجِّ والعُمْرَة، ولا يُقال: أقرنَ. قال غيرُه: إنَّما يُقال:
أقرنَ على الشيء: إذا قَوِيَ عليه، وأطاقه. ومنه قوله تعالى: ﴿ وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾
[الزخرف: ١٣]. أي: مُطيقين.
قلتُ: غير أنه جاء في الصِّحاح: أقرنَ الدَّم في العِزْق، واستقرن؛ أي:
كثر. فيحتمل أن يُحملَ الإقران المذكور في هذا الحديث على ذلك، فيكون معناه:
أنه نهى عن الإكثار من أكل التمر إذا أَكَلَ مع غيره. ويَرجعُ معناه إلى القِران
المذكور في الرواية الأخرى، والله أعلم.
وقد حملَ أهلُ الظاهر هذا النهيَ على التحريم مطلقاً. وهو منهم جهلٌ
بمساق الحديث وبالمعنى. وحمل الجمهورُ، والفقهاءُ، والأئمةُ هذا النهي على
حالة المشاركة في الأكل والاجتماع عليه، بدليل فهم ابن عمر راوي التحديث ذلك
المعنى، وهو أفهمُ للمقال، وأقعدُ بالحال، وبدليل قوله: إلا أن يستأذنَ الرَّجلُ
٣١٩
(٢٧) كتاب آداب الأطعمة - (١١) باب: النهي عن القران في التمر
إلا أن يستأذنَ الرجلُ أخاه. قال شعبةُ: لا أرى هذه الكلمةَ إلا من كلمةِ ابن
عمر. يعني: الاستئذان.
وفي رواية: نهى رسول الله و # # أن يقرن الرجل بين التمرتين حتى
يستأذن أصحابه.
رواه البخاريُّ (٥٤٤٦)، ومسلم (٢٠٤٥) (١٥٠ و١٥١)، وأبو داود
(٣٨٣٤)، والترمذيُّ (١٨١٤)، وابن ماجه (٣٣٣١).
أخاه. فإن كان هذا من قول النبيِّ وَّرِ؛ فهو نصٌّ في المقصود، وإن كانَ من قول
ابن عمر؛ فكما قلناه. وقد علَّله الجمهور بعلتين. إحداهما: أنَّ ذلك يدلُّ على
كثرة الشَّرَه، والنَّهَم. وبهذا علَّلَتْهُ عائشة - رضي الله عنها - حيث قالت: إنها
نذالة (١). وثانيتهما: إيثار الإنسان نفسَه بأكثر من حقِّه علی مُشارِكِه، وحكمهم في
ذلك التساوي.
و (قوله: إلا أن يستأذنَ أخاه). قال الخطّابيُّ: إن ذلك النهي إنما كان في
زمنهم لما كانوا عليه من الضُّيق والمواساة، فأما اليوم: فلا يحتاجون إلى
الاستثمار.
قلتُ: وهذا فيه نظر وذلك أن الطَّعامَ إذا قُدُم إلى قومٍ فقد تشاركوا فيه، الأكل من
وإذا كان كذلك فليأكلْ كلُّ واحد منهم على الوجه المعتاد على ما تقتضيه المروءة،
الطعام
والنَّصَفَة من غير أن يقصدَ اغتنامَ زيادة على الآخر، فإن فعلَ وكان الطَّعامُ شركة
المشترك
يقتضي
بحكم الملك؛ فقد أخذ ما ليس له، وإن كان إنما قدَّمه لهم غيرهم، فقد اختلف التساوي
العلماء فيما يملكون منه. فإن قلنا: إنهم يملكونه بوضعه بين أيديهم؛ فكالأول.
وإن قلنا: إنهم إنما يملكُ كلُّ واحدٍ منهم ما رفعَ إلى فيه؛ فهذا سوءُ أدبٍ، وشَرَهٌ،
(١) انظر فتح الباري (٩/ ٥٧٢).
٣٢٠
(٢٧) كتاب آداب الأطعمة - (١١) باب: النهي عن القرآن في التمر
[١٩٣٣] عن عائشة، قالتْ: قال رسولُ الله وَّهِ: ((يا عائشةُ! بيتٌ
لا تَمْرَ فيه جِيَاعٌ أَهْلُهُ -أو -جاع أهله)» قالها مرتين أو ثلاثاً.
رواه أحمد (١٠٥/٦)، ومسلم (٢٠٤٦) (١٥٣)، وأبو داود (٣٨٣١)،
والترمذي (١٨١٥)، وابن ماجه (٣٣٢٧).
ودناءةٌ. فعلى الوجه الأول: يكون محرَّماً، وعلى الثاني: مكروهاً؛ لأنه يُناقض
مكارم الأخلاق، والله تعالى أعلم.
ضرورة
و(قوله وَلغيره: ((بيتٌ لا تمرَ فيه ◌ِياٌ أهله))) هذا إنما عنى به النبيُّ وَّلـ
تحصيل القوت المدينةَ، ومن كان على حالهم، مِمَّن غالبُ قوتهم: التمر، وذلك: أنه إذا خلا
الغالب على
البلد
البيتُ عن غالب القوت في ذلك الموضع كان عن غير الغالب أخلى، فيجوعُ أهلُه؛
إذ لا يجدون شيئاً. ويصدقُ هذا القولُ على كلِّ بلدٍ ليس فيه إلا صنفٌ واحد، أو
يكون الغالب فيه صنفاً واحداً، فيُقال على بلد ليس فيه إلا البرّ: بيت لا بُوَّ فيه جياعٌ
أهلُه. ويُفيد هذا التنبيه على مصلحة تحصيل القوت، وادِّخاره؛ فإنه أسكنُ للنفس
غالباً، وأبعدُ عن التشويش.