Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
(٢٥) كتاب الصيد والذبائح - (٤) باب: إباحة أكل ميتة البحر
وقْب عينه بالقلال الدُّهن، ونقتطع منه الفِدَرَ كالثَّور، أو كقَدْرِ الثَّور، ولقد
أخذ منا أبو عبيدة ثلاثة عشر رجلاً فأقعدهم في وقب عينه، وأخذ ضلعاً من
يومه، وإن تعشَّى حرمت عليه ليلته. وهذا الذي قاله هؤلاء تعضده القاعدة، وهي:
أن كلَّ ما أُبيح لضرورة(١) فيتقدّر بقدرها، على أنَّه يمكن أن يقال في قضيَّة كل ما أُبيح
أبي عبيدة، وأكلهم من تلك الميتة شهراً حتى سمنوا: إن ذلك القَدْرَ كان قَدْر لضرورةٍ فيتقدّر
ضرورتهم؛ وذلك أنهم كانوا قد أشرفوا على الهلاك من الجوع، والضعف،
بقدرها
وسقطت قواهم، وهم مستقبلون سفراً، وعدواً؛ فإن لم يفعلوا ذلك ضعُفوا عن
عدوهم، وانقطعوا عن سفرهم، وهذا كما قال النبي وولفر لأصحابه عند الفتح:
(تَقَوَّوا لعدوكم، والفطر أقوى لكم))(٢).
و (قوله: حتى سَمِنًا) يعني: تقوينا، وزال ضَعْفُنا، كما قال في الرواية
الأخرى: (حتى ثَابَتْ إلينا أجسامُنا) أي: رجعتْ إلينا قوتنا. وإلا فما كانوا سِمَاناً
قَطّ. و (حجاج العين) يقال: بفتح الحاء وكسرها، وهو الوَقْب أيضاً. وهو غارُ
العين الذي فيه حَبَّتُها. وأصل الوَقْب: الحفرة في الحجر. و (الفِدَر): جمع فِدْرة:
وهي القطعةُ من اللحم، والعجين، وشبههما. وهي: (الثور) أيضاً، وجمعه:
أثوار. والمرادُ بها هنا: قطعُ العجين أو السويق؛ ولذلك شبّه قطع اللحم بها، إذ
قال: كَقَدْر الثَّور. فإن قيل: كيف جاز لهم أن يأكلوا من هذه الميتة إلى شهر؛
ومعلوم: أنَّ اللحمَ إذا أقام هذه المدَّة، بل أقلَّ منها، أنه ينتن، ويشتدُّ نتنه، فلا
يحلُّ الإقدام عليه، كما تقدَّم في الصيد إذ قال: ((كُلُهُ ما لم يُنْتِن))(٣)؟.
فالجواب: أن يقال: لعلَّ ذلك لم يَنْتَهِ نَتَنُه إلى حالٍ يُخافُ منه الضرر لبرودة
(١) ليست في (ع).
(٢) رواه مالك في الموطأ (٢٩٤/٢).
(٣) انظره في التلخيص برقم (٢٠٤١).

٢٢٢
(٢٥) كتاب الصيد والذبائح - (٤) باب: إياحة أكل ميتة البحر
أضلاعه فأقامها، ثم رَحَلَ أعظم بعير معنا، فمرَّ من تحتها، وتزودنا من
لحمه وشائقَ، فلما قدمنا المدينة أتينا رسول الله ﴿ فذكرنا ذلك له فقال:
((هو رزق أخرجه الله لكم، فهل معكم من لحمه شيء فتطعمونا؟))، قال:
الموضع، أو يقال: إنهم أكلوه طريّاً، ثم ملَّحوه، وجعلوه وشائق. أي: قدَّدوه
قدائد، كما يُفْعَل باللحم. ويُقال فيه: وشقتُ اللحم، فاتَّشق، والوشيقة: القديدة.
وعلى هذا يدلُّ قوله: (ونقتطع منه الفِدَر) أي: القِطَع الكبار.
و (قوله: وتزوَّدنا من لحمه وَشَائِقٍ) أي: قدائد. وهذا اللفظ يدلُّ أيضاً:
يُتَزَّوَّد من على أنه يُتزوَّدُ من الميتة إذا خاف ألّاً يجدَ غيرها، فإن وجد غيرها، أو ارتجى
وجوده لم يستصحبها. وهو قولُ مالك، وغيرِه من العلماء.
الميتة إذا خِيف
ألا يوجد غيرها
و (قوله: كُنَّا نَغْتَرِف من وَقْب عينها (١) بالقِلال الدُّهْنَ) دليل: على أنهم كانوا
حكم الانتفاع يُجيزون الانتفاعَ بشحوم الميتة، وبالزيت النجس، كما يقوله ابن القاسم، ويُجَّب
بشحوم الميتة المساجد. وخالفه عبد الملك وغيره، فقالوا: لا يُنتفع بشيء من ذلك؛ لقوله وَالفول
في سمن الفأرة: ((إن كان مائعاً فلا تقربوه))(٢).
و (قوله وَاجٍ: ((هو رِزْقُ اللَّهِ أخرجه لكم))) تذكيرٌ لهم بنعمة الله تعالى
لیشکروه عليها .
و(قوله وَلير: ((فهل عندكم شيء منه فتطعمونا))) وأكله منه ليبيِّن لهم بالفعل
أكل ميتة البحر جوازَ أكل ميتة البحر في غير الضرورة، وأنها لم تدخل في عموم الميتة المحرّمة
في غير الضرورة في القرآن، كما قد بيَّن ذلك بقوله وَط هير: ((هو الطهور ماؤه، الحل ميتته))(٣). وفي
(١) في التلخيص: عينه.
(٢) رواه أحمد (٢٣٣/٢ و٢٦٥)، وأبو داود (٣٨٤١). وانظره في: بلوغ المرام لابن
حجر برقم (٨٠٧).
(٣) سبق تخريجه قبل قليل.

٢٢٣
(٢٥) كتاب الصيد والذبائح - (٥) باب: النهي عن لحوم الحمر الأهلية
فأرسلنا إلى رسول الله وَ﴾ منه، فأكله.
رواه أحمد (٣١١/٣)، ومسلم (١٩٣٥) (١٧ و١٨)، وأبو داود
(٣٨٤٠)، والنسائيُّ (٢٠٨/٧).
(٥) باب
النهي عن لحوم الحُمُر الأهلية،
والأمر بإکفاء القدور منها
[١٨٣٦] عن عليٍّ بن أبي طالب: أنَّ رسول الله بِّهِ نهى عن: متعة
النساء يوم خيبر، وعن لحوم الحُمُر الإنسية)).
رواه البخاريُّ (٥٥٢٣)، ومسلم (١٤٠٧)، والنسائي (١٢٦/٦)،
وابن ماجه (١٩٦١).
هذا الحديث للجمهور ردّ على من قال بمنع ما طفا من ميتات الماء. وهو:
طاووس، وابن سيرين، وحماد بن زيد، وأصحاب الرأي - وأبو حنيفة وأصحابه -
وروي عن جابر بن عبد الله أنه قال: يؤكل ما يوجد في حافَّتي البحر، وما جزر
عنه، ولا يؤكل ما طفا. ومثله رُوي عن ابن عباس، وكأنهما قصرا الإباحةَ على
حديث أبي عبيدة المذكور. والصحيح: الإباحةُ في الجميع لقوله وَّ: (هو
الطهور ماؤه، الحل ميتته)) والله تعالى أعلم.
(٥) ومن باب: النَّهي عن لحوم الحُمر الأهلية
قد تقدَّم الكلامُ في(١) تحريم نكاح المتعة في كتاب: النكاح.
(١) في (ل ١): على.

٢٢٤
(٢٥) كتاب الصيد والذبائح - (٥) باب: النهي عن لحوم الحمر الأهلية
[١٨٣٧] وعن أبي ثعلبة، قال: حرّم رسولُ الله ◌َّ لحوم الحمر
الأهلية.
رواه البخاريُّ (٥٥٢٧)، ومسلم (١٩٣٦)، والنسائي (٣٠٤/٧).
و (قوله: حرَّم رسولُ الله وَلاير لحوم الحمر الأهلية) وفي الروايات الأخر:
(نهى)، والأولى نصّ في تحريمها. وهي مفسِّرةٌ للنَّهي الوارد في الروايات الأخر.
وبالتحريم للحُمُر الأهلية قال جمهورُ العلماء - سلفاً وخلفاً - وفي مذهب مالك
قولٌ بالكراهة المغلَّظة. والصحيحُ: الأول؛ لما تقدَّم. لا يقال: كيف يُجزم بتحريم
أكلها مع اختلاف الصحابة في تعليل النهي الوارد فيها على أقوال؟ فمنهم من قال:
نهى عنها لأنَّها لم تخمّس. ومنهم من قال: لأنها كانت حَمُولتهم. ومنهم من قال:
لأنها كانت تأكل الجَلَّة، كما ذكره أبو داود. ومنهم من قال: لأنها رجسٌ. وهذه
كلُّها ثابتة بطرقٍ صحيحة، وهي متقابلة، فلا تقوم بواحد منها حجَّةٌ. فكيف يُجزم
بالتحريم؟ وإذا لم يُجزمْ بالتحريم فأقل درجات النهي أن يُحمل على الكراهة؛ لأنا
نجيبُ عن ذلك: بأن الصحابيَّ قد نصَّ على ذلك التحريم كما ذكرناه آنفاً، وبأن
أَوْلى العلل ما صرَّح به منادي رسول الله وَ﴿ل حيث قال: (إنَّ اللَّهَ ورسوله يَنْهَيَانِكم
عنها، فإنها رِجْسٌ من عمل الشيطان). والرّجس: النّجس. فلحومُها نجسة؛ لأنها
هي التي عاد عليها ضمير (إنها رجس). وهي التي أمر بإراقتها من القدور، وغسلها
تحريم الحمر منها، وهذا محُكْم النجاسة. فظهر: أنَّ هذه العلَّةَ أَوْلى من كلِّ ما قيل فيها. وأما
الأهلية والحكم التعليلُ الذي ذكره أبو داود من حديث غالب بن أَبْجَر، وهو الذي قال فيه عن
بنجاستها
النبيِّ ◌َّهِ: ((إنما حرمتها عليكم من أجل جوالُ القرية))(١) فحديث لا يصحُّ؛ لأنَّه
يرويه عن عبد الله بن عمرو بن لُوَيم، وهو مجهول، وقد رواه رجلٌ يقال له:
عبد الرحمن بن بشرٍ، وهو أيضاً مجهولٌ على ما ذكره أبو محمد عبد الحق، وأما
(١) رواه أبو داود (٣٨٠٩).

٢٢٥
(٢٥) كتاب الصيد والذبائح - (٥) باب: النهي عن لحوم الحمر الأهلية
[١٨٣٨] وعن ابن عمر، نهى رسول الله ويقول عن: أكل الحمار
الأهلي يوم خيبر، وكان النَّاس احتاجوا إليها .
رواه البخاريُّ (٤٢١٨)، ومسلم (٥٦١) في الصيد والذبائح (٢٥)،
والنسائي (٢٠٣/٧).
[١٨٣٩] وعن عبد الله بن أبي أوفى، وسئل عن لحوم الحمر
الأهلية؟ فقال: أصابتنا مجاعةٌ يوم خيبر. ونحن مع رسول الله مَّه وقد
أصبنا للقوم حمراً خارجة من المدينة، فنحرناها، فإنَّ قدورنا لتغلي إذ
نادى منادي رسول الله وَ له: أن اكفَؤُوا القدور ولا تَطْعَمُوا من لحوم الحمر
ما عدا ذلك من العلل التي ذكرناها فمُتوهَّمة مُقدَّرة، لا يشهدُ لها دليلٌ. فصحَ ما
قلناه، والحمد لله .
ثم نقول: لا بُعْد في تعليل تحريمها بعلل مختلفة، كلُّ واحدة منها مستقلة
بإفادة التحريم. وهو الصحيح من أحد القولين للأصوليين. وأمَّا تعليلُ مَنْ علَّلها
بعدم التخميس فغير صحيح؛ لأنه: يجوز أكل الطعام والعلوفة قبل التخميس أكل الطعام
اتفاقاً، لا سيَّما في حال المجاعة، والحاجة.
والعلوفة قبل
التخمیس
وقد تقدم القولُ في الإنسيّة، وأنها تقال بفتح الهمزة والنون. [وهي الأشهرُ
عند المحققين من أهل التقييد. ويقال أيضاً: بكسر الهمزة وسكون النون](١).
وكلاهما منسوبٌ إلى الإنس.
و (قوله: أن أنهؤوا القدور) الروايةُ المشهورةُ بوصل الألف، وفتح الفاء
من: كفأت القدر إذا قلبتها، وقد رُوِيت بقطع الهمزة وكسر الفاء من: أكفأت. قال
ابنُ السكِّيت وابن قتيبة: هما لغتان بمعنّى واحد. وقال الأصمعي: كفأت الإناء،
(١) ما بين حاصرتين سقط من (م ٢).

٢٢٦
(٢٥) كتاب الصيد والذبائح - (٥) باب: النهي عن لحوم الحمر الأهلية
شيئاً. فقلت: حرمها تحريم ماذا؟ قالَ: تحدَّثنا بيننا فقلنا: حرَّمها ألبتة،
وحرَّمها من أجل أنها لم تخمَّس.
وفي روايةٍ: فقال: إنما نهى عنها رسولُ اللهِ وَلقر لأنها لم تخمَّس،
وقال آخرون: نهى عنها ألبتَّه.
رواه البخاريُّ (٣١٥٥)، ومسلم (١٩٣٧)(٢٦ و٢٧)، والنسائيُّ
(٢٠٣/٧).
[١٨٤٠] وعن ابن عباس، قال: لا أدري أنهى عنه رسول الله وَل
من أجل أنَّه كان حمولة الناس، فكره أن تذهب حمولتهم، أو حرَّمه يوم
خيبر؛ لحوم الحمر الأهلية.
رواه البخاريُّ (٤٢٢٧)، ومسلم (١٩٣٩).
[١٨٤١] وعن سلمة بن الأكوع، قال: خرجنا مع رسول الله وَطفول إلى
خيبر، ثم إن الله فتحها عليهم، فلما أمسى الناس اليوم الذي فتحت عليهم
أوقدوا نيراناً كثيرة فقال رسول الله وَطقه: ((ما هذه النيران؟ على أيٍّ شيءٍ
توقدون؟)) قالوا: على لحم. قال: ((على أي لحم؟)) قالوا: على لحم حُمُرٍ
إنْسِيَّةٍ. فقال رسول الله وَالر: ((أهريقوها، واكسروها)). فقال رجل:
يا رسول الله! أو نهريقها، ونغسلها قال: ((أو ذاك)».
رواه أحمد (٤٧١٤)، والبخاريُّ (٢٤٧٧)، ومسلم (١٨٠٢)،
وابن ماجه (٣١٩٥).
وكلّ شيء: قلبته. ولا يقال: أكفأت، وقيل: كفأتُ القِدْر: كببتُها ليخرجَ ما
فيها، وأكفأتها: أَمَلْتُها.
و (قوله ◌َ﴿ه في القدور: ((أَهْرِيقُوها، واكْسِرُوها))) كأنَّ الأمر بكسر هذه

٢٢٧
(٢٥) كتاب الصيد والذبائح - (٥) باب: النهي عن لحوم الحمر الأهلية
[١٨٤٢] وعن أنسٍ، قال: لما فتح رسول الله وَلقول خيبر أصبنا حمراً
خارجاً من القرية، فطبخنا منها، فنادى منادي النبيِّ وٍَّ: ألا إنَّ الله ورسوله
ينهيَانكم عنها؛ فإنَّها رجسٌ من عمل الشيطان، فأكفئت القدور بما فيها
وإنَّها لتفور بما فيها.
وفي روايةٍ: لما كان يوم خيبر جاء جاءٍ، فقال: يا رسول الله! أُكِلَت
الحمر. ثم جاء آخر فقال: يا رسول الله! أُفْنِيَتِ الحمر! فأمر رسول الله وَه
أبا طلحة فنادى: إنَّ الله ورسولَه ینهيانكم ... وذكر نحوه.
رواه البخاريُّ (٥٥٢٨)، ومسلم (١٩٤٠) (٣٤ و٣٥)، والنسائيُّ
(٢٠٤/٧)، وابن ماجه (٣١٩٦).
القدور إنما صدر منه بناءً على أنَّ هذه القدور لا يُنتفعُ بها مطلقاً، وأن الغسلَ
لا يؤثّر فيها لما يَسْري فيها من النَّجاسات، كما نقوله في أواني الخمر المضرَاةِ (١)،
فلما قال له الرجل: (أَوْ نُهرِيقُها، ونَغْسِلُها) فهم الرسول وَلي أنها مما ينغسل، فأباح
له ذلك، فتبدَّل الحكمُ لتبدُّلِ سببه. ولهذا في الشريعة نظائر. وهي تدلُّ على
أنَّه ◌َ﴿ كان يحكمُ بالاجتهاد فيما لم يُوْحَ إليه فيه شيء. وقد تقدَّم التنبيهُ على هذا تبدّل الحكم
لتبدّل السبب
في الحج عند قول العباس: (إلا الإذخر).
وفيه دليلٌ: على أنَّ إزالةَ النجاسات إنما تكونُ بالماء، خِلافاً لأبي حنيفة،
وقد تقدَّم.
(١) الضاري من الآنية: الذي ضُرِّي بالخمر (عُثُقَ) فإذا جُعِل فيه النبيذ صار مُشْكِراً.

٢٢٨
(٢٥) كتاب الصيد والذبائح - (٦) باب: في إباحة لحوم الخيل
(٦) بابٌ
في إباحة لحوم الخيل وحمر الوحش
[١٨٤٣] عن جابر بن عبد الله، أنَّ رسول الله مَّقر نهى يوم خيبر عن
لحوم الحمر الأهلية، وأذن في لحوم الخيل.
(٦) ومن باب: إباحة لحوم الخيل
(قول جابر: وأذن في لحوم الخيل)، وفي الرواية الأخرى: (أكلنا زمنَ خيبر
لحوم الخيل الخيل) و (قول أسماء: نحرنا فرساً على عهد رسول الله وَله فأكلناه) كلُّها ظاهرةٌ
حكم اكل
في إباحة لحوم الخيل، وبذلك قال الجمهورُ من الفقهاء، والمحدِّثين، والسّلف
كالحسن، وعطاء، وحمَّاد بن أبي سليمان، وسعيد بن جبير، والشافعي،
والثوريٍّ، وأبي يوسف، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وابن المبارك. وذهبت
طائفةٌ إلى كراهتها. منهم: ابن عباس، ومجاهد، ومالك، والأوزاعي،
وأبو حنيفة، ومحمد بن الحسن، وأبو عبيد: متمسِّكين بقول الله تعالى: ﴿وَاَلْخَيَّلَ
وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَكَبُوهَاوَزِينَةً﴾ [النحل: ٨]. ويتقرر الاستدلال بها من وجهين:
أحدهما: أن اللَّهَ تعالى ذكر الأنعامَ التي هي: البقر، والإبل، والغنم، في
صدر الآية، ثم عدَّد جميعَ ما ينتفع به منها، ومن جملتها الأكل. ثمَّ ذكر بعدها:
الخيل، والبغال، والحمير، وذكر منافعها، ولم يذكر فيها الأكل، فلو كان الأكلُ
جائزاً لكان مذكوراً فيها؛ لأنَّ مقصودَ الآية التذكيرُ بالنِّعم، وتعديد ما أنعم اللَّهُ به
علينا في هذه الحيوانات من الفوائد، ثم إنَّ الأكلَ من أهمٌ الفوائد، فلو كان
مشروعاً فيها لما أغفله مع القصد إلى تعديدها، وذكر الامتنان بآحادها.
الثاني: أنَّ اللَّه تعالى قد سوى بين الخيل، والبغال، والحمير في العطف
والنَّسق، والبغال والحمير لا تؤكل بالاتفاق على ما مرَّ، فالخيل لا تؤكل، ثم
اعتذر القائلون بالكراهة عن الحديث بأنَّ ذلك كان في حالة مجاعةٍ وشدَّةِ حاجة،

٢٢٩
(٢٥) كتاب الصيد والذبائح - (٦) باب: في إباحة لحوم الخيل
وفي روايةٍ: قال: أكلنا زمن خيبر الخيل وحمر الوحش، ونهانا
النبي ول عن الحمار الأهلي.
رواه البخاريُّ (٥٥٢٠)، ومسلم (١٩٤١) (٣٦ و٣٧)، وأبو داود
(٣٧٨٨)، والترمذيُّ (١٤٧٨)، والنسائيُّ (٢٠٢/٧)، وابن ماجه
(٣١٩١).
[١٨٤٤] وعن أسماء، قالت: نحرنا فرساً على عهد رسول الله وَلقه
فأكلناه .
رواه أحمد (٣٤٥/٦)، ومسلم (١٩٤٢)، وابن ماجه (٣١٩٠).
*
فأباحها لهم، وكانت الخيلُ بالإباحة أولى من البغال، والحمير لخفَّة الكراهة فيها،
فكانت بالإباحة أولى. ويُستَئمَرُ من هذا: أن المضطرّ مهما وَجَد شيئين أحدهما المضطر يلجأ
أغلظ في المنع، عدل إلى الأخفِّ، واجتنب الأثقل، وكذلك يفعلُ في المحرمات؛ إلى الأخِفّ
تحريماً
إذا كان أحدهما - مثلاً - مُنَّفْقاً على تحريمه، والثاني مختلفٌ فيه، فينبغي للمضطرِّ
أن يأكلَ المختلفَ فيه. وقد شذَّت طائفةٌ منهم، فقالت بتحريم لحوم الخيل.
منهم: الحكم بن عُتَيَّبة، وفيه بُعْدٌ؛ لأنَّ الآيةَ لا تدلُّ عليه، والأحاديث تخالفه.
والله تعالى أعلم.
و (قول جابر: أكلنا يوم(١) خيبر حُمُرَ الوحش) يعني أنهم صادوها، ولا
خلافَ في جواز أكلها فيما علمته؛ لأنَّها من جُملة الصَّيد الذي أباحه اللَّهُ تعالى في
کتابه، وعلى لسان رسوله {آپڼ.
(١) في التلخيص: زمن.

٢٣٠
(٢٥) كتاب الصيد والذبائح - (٧) باب: ما جاء في أكل الضب
(٧) باب
ما جاء في أكل الضب
[١٨٤٥] عن ابن عمر، قال: سُئِل رسولُ اللهِلَله عن الضَّبِّ؟
فقال: ((لست بِآكِلہ، ولا محرّمه)).
وفي رواية: أُنِيَ رسول الله وَّر بضبٌّ فلم يأكله ولم يُحرِّمْه.
رواه أحمد (٦٢/٢ و٧٤)، والبخاريُّ (٥٥٣٦)، ومسلم (١٩٤٣)
(٣٩ - ٤١)، والترمذيُّ (١٧٩٠)، والنسائي (١٩٧/٧)، وابن ماجه
(٣٢٤٢).
(٧ و٨) ومن باب: أكل الضَّبِّ(١)
وهو حِرِذَوْن كبيرٌ يكون في الصحراء. و (المحنوذُ): المشويُّ بالرَّضف:
وهي الحجارة المحمَّاة، وهو الحنيذ أيضاً. وقيل: المشوي مطلقاً. يقال: حنَذَتْه
النار، والشمس؛ إذا شَوته.
أكل الضب
لیس بحرام
و(قوله وَه في الضبِّ: ((لستُ بآكله، ولا محرِّمه)))، و (قول خالد: أحرامٌ
الضبُّ يا رسول الله! فقال: ((لا))) دليلٌ على أنه ليس بحرام. وهي تبطل قول من
قال بتحريمه. حكاه المازريُّ عن قومٍ ولم يعيِّنهم. وحكى ابنُ المنذر عن عليّ
- رضي الله عنه - النهي عن أكله. والجمهور من السلف، والخلف على إباحته لما
ذكرناه، وقد كرهه آخرون: فمنهم من كرهه استقذاراً، ومنهم من كرهه مخافةً أن
يكون مما مُسِخ. وقد جاء في هذه الأحاديث التنبيهُ على هذين التعليلين. وقد جاء
(١) شرح الشيخُ - رحمه الله - تحت هذا العنوان ما أشكل في أحاديث هذا الباب، وما
أشكل في أحاديث الباب الذي يليه في التلخيص بعنوان: باب: ما جاء في أن الضَّبَّ
والفأر يتوقّع أن يكونا مما مسخ.

٢٣١
(٢٥) كتاب الصيد والذبائح - (٧) باب: ما جاء في أكل الضب
[١٨٤٦] وعن ابن عباس، أنّ خالد بن الوليد الذي يقال له:
سيف الله؛ أخبره: أنه دخل مع رسولِ اللهِوَل على ميمونة؛ زوج النبي {َلله -وهي
خالته وخالة ابن عباس - فوجد عندها ضباً محنوذاً قَدِمتْ به أختها حُفَيْدَةُ
بنتُ الحارث من نجدٍ. فَقَدَّمتِ الضبَّ لرسول الله صلّ﴿ وكان قلَّما يقدِّم يديه
لِطعامٍ حتى يُحدَّثَ بِه، ويُسمَّى له - فأهوى رسول الله وَّيز يده إلى الضبِّ
فقالت امرأة من النسوة الحضور: أَخْبِرْنَ رسولَ اللهِوَّ بما قَدَّمْتُنَّ له.
قلن: هو الضبُّ يا رسول الله! فرفع رسول الله وَ﴿ يده، فقالَ خالد بن
الوليد: أحرامٌ الضبُّ يا رسول الله؟! قال: ((لا، ولكنّه لم یکن بأرض قومي
فأجدُني أعافه)).
في غير كتاب مسلم: أنه ◌َّ كرهه لرائحته، فقال: ((إنِّي يحضرني من الله
حاضرة)) (١) يريد: الملائكة. فيكون هذا كنحو ما قال في الثوم: «إني أناجي مَنْ
لا تناجي)»(٢).
قلتُ: ولا بعد في تعليل كراهة الضب بمجموعها(٣).
وإنما کان یسمَّی له الطعام إذا وضع بین یدیه لیقبل علی ما یحبُّ، ويترك ما
لا یحبُّ؛ فإنه ﴿ ما كان یذُّ ذواقاً، فإن أحبَّه أكله، وإن کرهه تركه، كما فعل
بالضبّ.
و (قوله: ((لم يكن بأرض قومي، فأجدني أعافه))) أي: أكرهه. يقال: عِفْتُ
الشيء أعافه [عيفاً: إذا كرهته. وعفته أعيفه](٤) عيافة: من الزَّجر. وعاف الطير،
(١) رواه مالك في الموطأ (٢/ ٩٦٧).
(٢) رواه البخاري (٨٥٥)، والبخاري (٥٦٤) (٧٣).
(٣) سقطت من (ز).
(٤) ما بين حاصرتين سقط من (ع).

٢٣٢
(٢٥) كتاب الصيد والذبائح - (٧) باب: ما جاء في أكل الضب
قال خالد: فاجتررته فأكلته، ورسول الله وَلا ينظر، فلم ينهني.
رواه البخاريُّ (٥٥٣٧)، ومسلم (١٩٤٥ و١٩٤٦)(٤٤)، وأبو داود
(٣٧٩٤)، والنسائيُّ (١٩٧/٧ و١٩٨)، وابن ماجه (٣٢٤١).
[١٨٤٧] وعن يزيد بن الأصمِّ، قال: دعانا عروسٌ بالمدينة فقرّبَ
إلينا ثلاثة عشر ضبّاً فآكلٌ وتاركٌ، فلقيتُ ابن عباس من الغد فأخبرته، فأكثر
القومُ حولَه حتى قال بعضهم: قال رسول الله صلاته: ((لا آكله، ولا أنهى
عنه، ولا أحرِّمه)) فقال ابن عباس: بئس ما قلتم. ما بعث نبي الله وَلقر إلا
يعيف: إذا حام على الماء ليشرب. وقوله: ((بأرض قومي)) ظاهره: أنه لم يكن
موجوداً فيها، وقد حُكي عن بعض العلماء: أن الضبّ موجودٌ عندهم بمكة؛ غير
أنه قليل، وأنهم لا يأكلونه. والله تعالى أعلم.
و (قول خالد: فاجتررتُه، فأكلته ورسول الله وَّه ينظر، فلم يمنعني) هذا
تقريرٌ منه ◌َ﴿ على جواز أكله، ولو كان حراماً لم يقِرَّ عليه، ولا أُكِلَ على مائدته،
ولا بحضرته، فثبت: أنه حلال مطلق لعينه. وإنما كرهه لأمور خارجة عن عينه،
كما نصَّ عليها فيما ذكرناه آنفاً.
و (قول يزيد بن الأصمِّ: دعانا عروس بالمدينة، فقرّب إلينا ثلاثة عشر ضباً)
دليل: على أن أكلهم للضباب كان فاشياً عندهم، معمولاً به في الحاضرة، وفي
البادية، ولذلك قال عمر - رضي الله عنه -: إنه طعامُ عامَّة الرِّعاء، ولو كان عندي
طعمته .
وإنكار ابن عباس على الذي نَقَل عن رسول الله وَّه أنه قال: ((لا آكلُه، ولا
أنهى عنه، ولا أحرِّمه)) إنما كان لأنَّه فهم من الناقل: أنه اعتقد أن النبي ◌َّ لم
يحكم في الضب بشيء، ولذلك قال له: بئس ما قلت، ما بُعِث رسولُ الله وَل ◌َه إلا
محرّماً ومحلِّلاً. ثم بيَّن له بعد ذلك الدليل على أنَّه ◌َ ار أباحه، فذكر الحديث.

٢٣٣
(٢٥) كتاب الصيد والذبائح - (٧) باب: ما جاء في أكل الضب
محلِّلاً ومحرِّماً، إنَّ رسول الله و ﴿ بينما هو عند ميمونة وعنده الفضل بن
عباس وخالد بن الوليد وامرأة أخرى إذا قرب إليهم خوانٌ عليه لحمٌ. فلما
أراد النبيُّ ◌َ﴿ أن يأكل قالت له ميمونة: إنَّه لحمُ ضبٍّ! فكفَّ يده وقال:
((هذا لحم لم آكله قط)). وقال لهم: ((كلوا)) فأكل منه الفضل، وخالد،
والمرأة. وقالت ميمونة: لا آكل من شيءٍ إلا شيءٌ يأكل منه
رسولُ الله ◌ِ.
وفي رواية: قال ابن عباس: أهدتْ خالتي أُ حُفَيْدٍ إلى
رسول الله ﴿﴿ سمناً وأَقِطاً وأضُبًّا فأكل من السَّمن والأقِطِ، وترك الضبَّ
و (الخوان): ما يُجعل عليه الطعام، يقال بكسر الخاء وضمها، وجمعه اتخاذ الأخونة
أخونة وخُوُن. ويُسمَّى بذلك إذا لم يكن عليه طعام، وإذا وضع عليه الطعام والأكل عليها
يُسمَّى: مائدة. وفيه دليلٌ: على جواز اتخاذ الأخونة، والأكل عليها؛ فإنه وَ﴿ قد
كان له خِوان، وأكل عليه بحضرته، على ما اقتضاه ظاهرُ هذا الحديث. وما رُوي:
أنه وأصحابه - رضي الله عنهم - لم تكن لهم موائد، وإنما يأكلون على السُّفَر،
فذلك كان غالب أحوالهم. والله تعالى أعلم.
و (قول ابن عباس: أهدتْ خالتي أُ حُفَيْد) مصغّر بغير هاء. كذا صوابه،
لأنَّه الأشهر. واسمها: هُزَيْلَةُ. وهكذا ذكره أبو عمر في ((الصحابة))، وهي روايةُ
النسفي في البخاري، وما عدا هذه الرواية فاضطرابٌ من الرواة. فمنهم من قال:
حُفَيْدة. ومنهم من قال: أُ حُفَيْدَة. ومنهم من قال: أمّ حُفيد(١). وعند بعض رواة
البخاري: أم حذيفة. والأول الصواب. والله تعالى أعلم.
و (الأَقِطُ): اللبن المجبَّن المجفّف.
(١) في (ل ١): حميد.

٢٣٤
(٢٥) كتاب الصيد والذبائح - (٨) باب: ما جاء في أن الضب والفأر يتوقع أن يكونا مما مسخ
تقدُّراً، وأُكِلَ على مائدة رسول الله صل*، ولو كان حراماً ما أكل على مائدة
رسول الله (﴾.
رواه البخاري (٥٥٣٧)، ومسلم (١٩٤٧ و١٩٤٨)، وأبو داود
(٣٧٩٣)، والنسائيُّ (٤٣٢٤)، وابن ماجه (٣٢٤١).
*
*
(٨) باب
ما جاء في أنَّ الضب والفأر
يُتوقّع أن يكونا مما مسخ
[١٨٤٨] عن جابرٍ بن عبد الله، قال: أُتي النبيُّ ونَ﴿ه بضبٌّ فأبى أن
يأكل منه، وقال: ((لا أدري لعلَّه من القرون التي مُسِخَت)).
رواه أحمد (٣٢٣/٣ و٣٨٠)، ومسلم (١٩٤٩).
[١٨٤٩] وعن أبي الزبير، قال: سألت جابراً عن الضبّ؟ فقال:
لا تطعَمُوه. وقَذِرَه. وقال: قال عمر بن الخطاب: إنَّ النبيَّ وَّ لم يحرِّمه؛
إنَّ الله ينفع به غيرَ واحدٍ، فإنَّما طعام عامة الرِّعاء منه، ولو كان عندي
طعمته .
رواه مسلم (١٩٥٠).
[١٨٥٠] وعن أبي سعيد: أنَّ أعرابياً أتى رسولَ الله بَيْر فقال: ((إني
في غائط مَضَبّةٍ، وإنَّه عامَّة طعام أهلي! قال: فلم يجبه، فقلنا: عاوده،
و (قول الأعرابي: في غائط مَضَبةٍ) الغائط: المنخفضُ من الأرض.
و (مَضَبَّة) أي: ذات ضباب كثيرة، وهي بفتح الميم والضاد، كقولهم: أرض

٢٣٥
(٢٥) كتاب الصيد والذبائح - (٨) باب: ما جاء في أن الضب والفأر يتوقع أن يكونا مما مسخ
فعاوده، فلم يجبه - ثلاثاً - ثم ناداه رسول الله وَ فير في الثالثة فقال:
((يا أعرابي! إنَّ الله لعن - أو غضب - على سِبْطٍ من بني إسرائيل فمسخهم
دوابَّ يدِبُّون في الأرض، فلا أدري لعلَّ هذا منها، فلستُ آكلها ولا أنهى
عنها)).
رواه مسلم (١٩٥١) (٥٠ -٥١).
مسبعة، ومأسدة. أي: كثيرة ذلك. قال سيبويه: مفعلة - بالهاء والفتح - للتكثير،
وقد حكى غيره في مضبَّةٍ، كسر الميم والضاد، والأوَّل المعروف. و (السِّبْط):
واحد الأسباط، وهم كالقبائل في العرب.
و (قوله ﴿: ((إن الله لعن - أو: غضب ـ على سِبْط من بني إسرائيل،
فمسخهم دوابَّ يدبُّون. ولا أدري لعلَّ هذا منها))) هذا منه وَ﴿ توقُّع، وخوف لأن
يكون الضبُّ من نسل ما مُسِخ من الأمم. ومثله ما ذكره في الفأرة لما (قال:
(فُقِدَت أمّة من بني إسرائيل لا أدري ما فعلت، ولا أراها إلا الفأرَ))) كان هذا
منه ﴿ ظناً، وحدساً قبل أن يوحى إليه: ((إن الله تعالى لم يجعل لمسخ نسلاً))(١).
فلما أوحي إليه بذلك زال عنه ذلك التخوّف، وعلم أن الضب، والفأر ليسا من
نسل ما مُسِخ. وعند ذلك أخبرنا بقوله: ((إنَّ الله لم يجعل لمسخ نسلاً))(١). وقد
تقدمت النصوصُ بإباحة أكل الضبِّ، وأما الفأر: فلا يأكل، لا لأنه مسخ، بل لأن تحريم أكل
رسولَ الله ◌َ﴿ قد استخبثه، كما قد استخبث الوزَغ، وأمر بقتله، وسمَّاه: فويسقاً. الفار والوزغ
وإذا ثبت ذلك فقد تناوله قوله تعالى: [﴿ وَيُحِلُ لَهُمُ الَّيْبَتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ
لخبائتهما
الْخَبِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] فيكون أكلها حراماً. وأما الهرّ: فقد تناوله](٢) عموم
تحريم كلِّ ذي نابٍ. فإنه من ذوات الأنياب على ما تقدَّم. وقد جاء فيه حديثٌ
(١) رواه أحمد (٤٣٣/١)، ومسلم (٢٦٦٣).
(٢) ما بين حاصرتين سقط من (ع).
.

٢٣٦
(٢٥) كتاب الصيد والذبائح - (٨) باب: ما جاء في أن الضب والفأر يتوقع أن يكونا مما مسخ
[١٨٥١] وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَله: ((فُقِدَتْ أُمَّةٌ من
بني إسرائيل لا يُدْرَى ما فعلتْ، ولا أُراها إلا الفأرَ، ألا تَرَوْنَها إذا وضع لها
ألبان الإبل لم تشْربه؛ وإذا وضع لها ألبان الشاء شربته؟))، قال أبو هريرة:
فحدثت هذا الحديث كعباً، فقال: آنت سمعته من رسول الله وَلتر؟ قلت:
نعم. قال: ذلك مراراً. قلت: آقرأ التوراة؟.
وفي أخرى: أأنزلت عليَّ التوراة؟ ولفظها: الفأرةُ مَسْخٌ وآيةُ ذلك:
أنَّه يُوضَعُ ... وذكر نحوه.
رواه أحمد (٤١١/٢)، ومسلم (٢٩٩٧) (٦١ و٦٢).
النهي عن أكل صحيح ذكره أبو داود من حديث جابر بن عبد الله قال: نهى رسول الله صلفر عن أكل
الهرِّ، وأكل ثمنه(١).
الهر وبيعه
و (قول أبي هريرة: آقرأُ التوراةَ؟) هو بعد همزة أقرأ؛ لأنها للاستفهام على
جهة الإنكار على كعبٍ لمَّا كرَّر عليه السؤالَ بقوله: آنت سمعته من رسول الله وَلي؟
وقد بيَّنه في الرواية الأخرى حيث قال: أأنزلتْ عليَّ التوراة؟. وكان هذا من أبي
هريرة تعريضاً بكعبٍ، فإنَّه كان يقرأُ التوراة، وكان أكثرَ أحاديثه منها. وأما
أبو هريرة فما كان يُحدِّث إلا عن رسول الله وَله.
(١) رواه أبو داود (٣٤٨٠)، والترمذي (١٢٨٠)، وابن ماجه (٣٢٥٠).

٢٣٧
(٢٥) كتاب الصيد والذبائح - (٩) باب: أكل الجراد والأرانب
(٩) باب
أکل الجراد والأرانب
[١٨٥٢] عن عبد الله بن أبي أوفى، قال: غزونا مع رسول الله وَه
نأکل الجراد.
وفي روايةٍ: سبع غزوات.
رواه أحمد (٣٥٧/٤)، والبخاريُّ (٥٤٩٥)، ومسلم (١٩٥٢)،
وأبو داود (٣٨١٢)، والترمذي (١٨٢٢)، والنسائيُّ (٢١٠/٧).
(٩) ومن باب: أكل الجراد والأرنب
(قوله: ((غزونا مع رسول الله ﴿ سبع غزوات نأكل الجراد) ظاهِرُه جوازُ أكل حُكْم أكل
الجراد مطلقاً، ولم يختلفْ في جواز أكل الجراد على الجملة، لكن اختلف فيه؛ الجراد حباً
وميتاً
هل يحتاجُ إلى سبب يموتُ به أم لا يحتاج؟ فعامَّة الفقهاء: على أنه لا يحتاجُ إلى
ذلك. فيجوز أكل الميتة منه. وإليه ذهب ابنُ عبد الحكم، ومطرِّف من أصحابنا.
وذهب مالك: إلى أنَّه لا بدَّ له من سبب يموت به، كقطع رأسه، أو رجله، أو
أجنحته إذا مات من ذلك، أو يشوى، أو يصلق. وقال الليث: يكره أكلُ ميت
الجراد إلا ما أُخِذ حياً ثم مات، فإنَّ أخذَهُ ذكاتُه، وإليه ذهب سعيد بن المسيب،
والجمهور تمسّكاً بظاهر حديث ابن أبي أوفى المتقدم، وبما ذكره ابنُ المنذر: أن
أزواجَ النبيِ﴿ كنَّ يتهادين الجراد فيما بينهنَّ(١). وبما ذكره الدارقطني عن
ابن عمر: أن رسول الله ﴿ل قال: ((أحلَّ لنا مَيْتتان: الحوت والجراد، ودمان:
الكبد والطحال)) (٢) على أنه لا يصحُ لأنه من رواية عبد الله، وعبد الرحمن ابني
(١) رواه ابن ماجه (٣٢٢٠).
(٢) رواه أحمد (٩٧/٢)، وابن ماجه (٣٣١٤ و٣٢١٨). وانظره في: بلوغ المرام رقم
(١٥).

٢٣٨
(٢٥) كتاب الصيد والذبائح - (٩) باب: أكل الجراد والأرانب
[١٨٥٣] وعن أنس بن مالكٍ، قال: مررنا فاستنفجْنا أرنباً بمرً
الظَّهْرانِ فسعوا عليه فَلَغَبُوا، قال: فسعيت حتى أدركتُها، فأتيتُ بها أبا
زيد بن أسلم، ولا يحتج بحديثهما. ومِن الجمهور مَنْ رأى: أنه من صيد البحر،
وعلى هذا فيجوز للمُخْرِم صيدها(١) من غير جزاء، ويجوز أكلُ ما صاد المجوسيُّ
منه. وإليه ذهب النّخعي، والشافعي، والنعمان، وأبو ثور. فأما مالك والليث
فرأيا: أن الجرادَ من حيوان البرِّ فميتتُهُ محرَّمة؛ لأنها داخلةٌ في عموم قوله:
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]، ولم يصحَّ عندهم: ((أحلَّت لنا مَيْتتان)) وقالا
بموجب حديث ابن أبي أوفى، وبما ذكره ابنُ المنذر بشرط الذَّكاة، إذ ليسا
بنصَّين. وإذا كان كذلك فلا بدَّ من ذكاةٍ إلا أن ذكاءً كلّ شيء بحسب ما يتأتى فيه.
فرأى مالك: أنه لا بدَّ من فعل يُفعل فيها حتى تموت بسببه. ورأى الليث: أنَّ
أَخذها وتركها إلى أن تموت سببٌ يُبيحها. ولم يرَ مالك ذلك لأنه لم يفعلْ فيها
شيئاً. وقال أشهب: لا يُؤكل الجرادُ إلا إذا قطعت رؤوسه، أو يُطرح حياً في نار،
أو ماء. فأما قطع أرجله، وأجنحته فلا يكون ذلك ذکاة عنده؛ وإن مات بسببه،
وعلى هذا: فلو صُلِقِ الحيُّ منه مع الميت فقال أشهب: يُطْرَحُ الجميع، وقال
سحنون: يؤكل الأحياء، وتكون الموتى بمنزلة خشاش الأرض يموت في القِذر.
قلتُ: وهذا من سحنون ميلٌ إلى أنه من الحيوان الذي ليس له نفسٌ
سائلة. ويلزمُ على هذا ألّا ينجسَ بالموت، ولا ينجس ما مات فيه. وحينئذ
يجوزُ أَكْلُه مَيْتاً. والله تعالى أعلم.
و (قول أنس: استنفجنا أرنباً) هذا الحرفُ صحيح روايته ومشهورها عند
أهل التقييد واللغة بالنون والفاء، لا يعرفون غيره. ومعناه: استثرنا الأرنب،
[وأخرجناه من مكمنه. يقال: نفجت الأرنب إذا وثبت. قال الهروي: أنفجتُ
جواز أكل
الأرنب
(١) في (ل ١): صيده.

٢٣٩
(٢٥) كتاب الصيد والذبائح - (٩) باب: أكل الجراد والأرانب
طلحة، فذبحها، فبعث بوَركها وفخذيها إلى رسول الله بص فر، وأتيت بها
رسول الله ﴾﴾ فقبله.
رواه أحمد (٢٩١/٣)، والبخاريُّ (٥٥٣٥)، ومسلم (١٩٥٣)،
وأبو داود (٣٧٩١)، والترمذيُّ (١٧٩٠)، والنسائيُّ (١٩٧/٧)، وابن ماجه
(٣٢٤٣).
الأرنب](١) من جحره فنفج، أي: أثرته: فثار. وقد وقع للمازري: (فبعجنا) بالباء
بواحدة من تحتها، والعين المهملة. وفسّره بـ: شققنا، من: بعج بطنه؛ إذا شقَّه،
وهذا لا يصحُ روايةً ولا معنى، وإنما هو تصحيف، وكيف يشقُّون بطنها، ثم
يسعون خلفها؟! و (السغي): الجري. و(اللُّغوب): التعب والإعياء. وجمهورُ
السَّلف والخلف من الفقهاء، وغيرهم على العمل بحديث أنس هذا، في جواز أكل
الأرنب. وقد حكي عن عبد الله بن عمرو بن العاصي تحريمه. وعن ابن أبي ليلى
كراهته. وقد ذكر عبد الرزاق من حديث عبد الكريم بن أمية - وهو ضعيف - قال:
سأل جريرُ بن أنس رسولَ اللهِ وَل﴿ عن الأرنب فقال: ((أنبئت أنها تحيض،
لا آكلها)»(٢). وهو منقطع. وذكر النَّسائي أيضاً عن موسى بن طلحة، قال: أُتي
النبي 9 بأرنب قد شواها رجل، وقال: يا رسول الله! إني رأيتُ بها دماً. فتركها
رسول الله ﴿ فلم يأكلها، وقال لمن عنده: ((فإني لو اشتهيتها أكلتها))(٣). وهذا
(١) ما بين حاصرتين سقط من (ع).
(٢) رواه عبد الرزاق في مصنفه (٨٦٩٩)، وفيه أن الراوي عن النبي { * هو: جرير بن
أوس الأسلمي، وفي الإصابة: جزء بن أنس السلمي. وفي المحلى لابن حزم
(٤٣٣/٧): جرير بن أنس. قال حبيب الرحمن الأعظمي: وظني أنَّ ما في المحلى
تحريف.
(٣) رواه النسائي (١٩٦/٧) من حديث موسى بن طلحة عن أبي هريرة عن رسول الله صلفور.
ومن حديث موسى بن طلحة عن أبي الحوتكية قال: قال عمر ...

٢٤٠
(٢٥) كتاب الصيد والذبائح - (١٠) باب: الأمر بإحسان الذبح
(١٠) باب
الأمر بإحسان الذبح وحدٌّ الشفرة
[١٨٥٤] عن شدَّادِ بن أوس قال: ثنتان حفظتهما من
رسول الله وَ﴿؛ قال: ((إنَّ الله كتب الإحسان على كلِّ شيءٍ، فإذا قتلتم
مرسلٌ. وليس في شيء من الأحاديث - وإن ضعفتْ - ما يدلُّ على تحريم الأرنب.
وغايةُ هذين الخبرين استقذارُها مع جواز أكلها. فأما مَن حرَّم أكلها: فلا مُتمسّك
له فيما عَلِمناه، والحديثُ الأول حَُّةٌ عليه.
(١٠ و١١) ومن باب: الأمر بتحسين الذَّبح والنهي عن صبر البهائم(١)
(قوله: ((إن الله كتب الإحسان على كلِّ شيء))) أي: أمر به، وحضَّ عليه.
وأصل كتب: أثبت وجمع. ومنه قوله تعالى: ﴿كَتَبَ فِ قُلُوبِهِمُ الْإِيمَنَ﴾
[المجادلة: ٢٢] أي: ثبّته وجمعه. ومنه: كتبتِ البغلة؛ إذا جمعتْ حياءها.
و (على) هنا بمعنى: (في)، كما قال تعالى: ﴿وَأَتَّبَعُواْ مَا تَنْلُواْ الشَّيَطِيْنُ عَلَى مُلْكِ
سُلَيْمَنَ﴾ [البقرة: ١٠٢] أي: في ملكه. ويقال: كان كذا على عهد فلان، أي:
في عهده. حكاه القتبيُّ. و (الإحسان) هنا بمعنى: الإحكام، والإکمال،
والتحسين في الأعمال المشروعة، فحقُّ من شرع في شيء منها أن يأتيَ به على
غاية كماله، ويحافظَ على آدابه المصحِّحة، والمكمِّلة، وإذا فعل ذلك قُبِلَ عَمَلُه،
وكَثُرَ ثوابه. و (القِتلة) بكسر القاف، هي الرواية، وهي: هيئةُ القتل. و (القَتْلة)
بالفتح: مصدر قَتَل المحدود. وكذلك: الرِّكبة والمِشية: الكسر للاسم، والفتح
للمصدر. والذَّبح أصله: الشقُّ، والقطع. قال(٢):
(١) شرح الشيخ - رحمه الله - تحت هذا العنوان ما أشكل في أحاديث هذا الباب، وما
أشكل في أحاديث الباب الذي يليه، وهو في التلخيص بعنوان: باب النهي عن صبر
البهائم، وعن اتخاذها غرضاً، وعن الخذف.
(٢) هو منظور بن مرثد الأسديّ.