Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١ (٢٢) كتاب القسامة - (٢) باب: القصاص في العين وحكم المرتد رسول الله وَ﴿، فبلغ ذلك النَّبِيَّ وَّهِ، فبعث في أَثَرهم فَأَتَيَ بهم، فقطَعَ أيديَهم، وأرجلَهم، وسَمَلَ أعْيُنُهُمْ، وتركهم في الحَرَّة حتى ماتوا. بالقصاص، وإمَّا بالحِرابة؛ فلا بدَّ من قتلهم، فلا يظهر للاستتابة فائدة، فاستغنى عنها - والله تعالى أعلم - غير أنَّه يبقى على هذا إشكالٌ آخر، وهو: أنَّ من قطع يد رجلٍ أو رِجْلَه، أو فقأ عينَه، ثم قتله، قُتِل به، ولم يُفْعَلْ به شيء ممَّا فَعَل بالمقتول من قطعٍ، أو جرحٍ. بل يُقْتَل خاصةً إلا أن يكون قد مثّل به فيفعل به كما فعل، ثمَّ يُقْتَلِ. هذا مذهب مالكِ. وقال أبو حنيفة، والشافعي: يجرح، أو يقطع، ثمَّ يُقْتَل. فعلى قولهما لا إشكالَ فيه. ويزولُ الإشكالُ على قول مالكِ بأنَّهم مَثَّلوا بالرَّاعي فَمُثِّلَ بهم، ثم قُتِلوا. وقد اختلف العلماءُ فيماذا نزلتْ: ﴿إِنَّمَا جَزَّوَأْ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ سبب نزول آية وَرَسُولَهُ ... ﴾ [المائدة: ٣٣]؟ فقيل: نزلتْ في هؤلاء العُرَنِيِّين كما ذكرناه في المحاربة حديث أبي داود. وذهب الحسنُ البصريُّ، وعطاءُ بن أبي رباح: إلى أنّها نزلتْ في المشركين. وذهب ابنُ جريرٍ: إلى أنَّها نزلتْ في اليهود. قال: ويدخل تحتها كلُّ ذمِّيٌّ وملِيٍّ. وذهب مالكٌ، والشَّافعيُّ، وأبو ثور، وأصحابُ الرأي: إلى أنَّها نزلت في المسلمين المحاربين. وهذا القولُ أصحها - إن شاء الله تعالى - لوجهين: أحدهما: أنَّ الكفار لا تخييرَ فيهم بين القتل والصَّلْبِ، وقطع الأيدي والأرجل. وإنَّما حكم الكافر الأصليِّ: إمَّا القتل، وإمّا السِّباء، أو الجزية. وأمَّا المرتد: فالقتل. وهل يُستتابُ أو لا؟ هذا محلُّ الخلاف كما تقدَّم. وثانيهما: أنَّ الكافر لو تاب فأسلم بعد القدرة عليه لصحت توبته، وحرم قتلُه بالإجماع. وآية المحاربة بنصِّها مخالفةٌ لهذين الوجهين. فدلَّ اختلافُ حكم الكافر لحكم المحارب: أنَّ المحارب إنَّما هو مسلمٌ بحكم اعتقاده، محارب بفعله. فحكمه ما ذكره الله تعالى في آية المحاربة. ثمَّ المحاربةُ عندنا هي: إخافةُ السبيل، معنى المحاربة وإشهار السّلاح قصداً لأخذ الأموال، وسعياً بالفساد في الأرض، ويكون خارج ٢٢ (٢٢) كتاب القسامة ـ(٢) باب: القصاص في العين وحكم المرتد وفي رواية: قال: وسُملتْ أعينهم، وأُلْقُوا في الحرّة يَسْتَسْقُونَ فلا يُسْقَوْنَ. رواه أحمد (١٠٧/٣)، والبخاري (٤١٩٢)، ومسلم (١٦٧١)، (٩ و١٠)، وأبو داود (٤٣٦٤)، والترمذي (٧٢)، والنسائي (٧/ ٩٣) وابن ماجه (٢٥٧٨) (٩ و١٠). المصر وداخله عندنا، وعند الشافعيِّ. وقال أبو حنيفة، وعطاء: لا تكون في المصر. وقد فسَّر مجاهدٌ المحاربة بالزِّنى والسرقة. وليس بصحيح؛ لأنَّ الله تعالى قد بيّن في كتابه، وعلى لسان رسوله وَ له: ((أنَّ السارق تُقطعُ يده فَقط، وأنَّ الزَّاني يجلد ويغرَّب إن كان بكراً، أو يُرجم إن كان ثيّاً محصناً). وأحكامُ المحارب في هذه الآية خلافُ ذلك؛ اللَّهم إلا أن يريد (مجاهدٌ): إخافة الطّرق بإظهار السُّلاح قصداً للغلبة على الفروج؛ فهذا أفحشُ المحاربة، وأقبح من أخذ الأموال. ولا ينبغي أن يختلفَ في ذلك. وقد دخل ذلك في قوله تعالى: ﴿ويسعون في الأرض فساداً﴾ وأيُّ فساد أعظم من الهجم على حرم المسلمين وأولادهم، وإشهار ذلك، وإظهار السلاح لأجله. وقد كثر ذلك في بلاد الأندلس في هذه المدد القريبة، وظهر فيهم ظهوراً فاحشاً، بحيث اشترك فيه الشُّبان بالفعل، وأشياخهم بالإقرار عليه، [وترك الإنكار. فسلَّط اللَّهُ عليهم عدوّهم فأهلكهم، واستولى على بلادهم. فإِنَّا لله، وإنّا إليه راجعون](١). حكم المُحارِب فأمَّا حكم المحارب: فأولى الأقوال فيه ما شهد له ظاهر الآية. وهو: تخييرُ الإمام بين القتل مع الصَّلب، والقطع، والنفي. فأيُّ ذلك رأى الإمام أنكى، أو أحقَّ، فعل. وهو مرويٍّ عن ابن عبّاسٍ. وإليه ذهب عطاءٌ، والحسن البصريُّ، والنخعيُّ، ومجاهدٌ، والضَّحاكُ، ومالكٌ، وأبو ثورٍ. واختُلِفَ عن مالكِ في (١) ما بين حاصرتين سقط من (ع). ٢٣ (٢٢) كتاب القسامة - (٢) باب: القصاص في العين وحكم المرتد [١٧٦٢] عن أنس قال: إنما سَمَلَ النَّبيُّ ◌َ﴿ أَعينَ أولئك؛ لأنَّهم سملوا أعين الرِّعاء. رواه مسلم (١٤٧١) (١٤). * الصَّلب. هل يكون قبل القتل، أو بعده؟. وروي أيضاً عن ابن عباس: أنَّ إِنْ أخاف السبيل وأخذ المال؛ قُطِعَتْ يدُه ورجلُه من خلافٍ. وإنْ أخذ المال وقتل؛ قطعت يده ورجله، ثمَّ قتل. وإنْ قتل، ولم يأخذ مالاً؛ قتل. وإن لم يأخذ مالاً(١) ولم يقتل؛ نُفِي. وبه قال قتادة، وأبو مِجْلَز. وقال الأوزاعيُّ: إن أخافَ السبيل، وشهر السلاح؛ قُتِل، ولم يُصْلَبْ. وإن أخذ، وقتل؛ قُتِل مصلوباً. وإن أخاف السبيل ولم يقتل؛ قُطِع؛ أخذَ المال، أو لم يأخذ. وقال الشافعيُّ: إنْ قتل، وأخذ؛ قُتِل، وصُلِب. وإن قتل ولم يأخذ؛ قُتِل ولم يُصلب، ودُفع إلى أوليائه، وإن أخذ ولم يقتل؛ قُطِعت یده الیمنی، ثم حُسِمت بالنار، ثمَّ رجله اليسرى، ثم حُسِمت. وقال أحمد: من قتل قُتِل، ومن أخذ المال قُطِع. والأولى: القولُ بالتخيير. [والله العليم الخبير](٢). (١) زيادة من (ل ١). (٢) في (ع): والله تعالى أعلم، وهو العليم الخبير. ٢٤ (٢٢) كتاب القسامة - (٣) باب: القصاص في النفس بالحجر (٣) باب القصاص في النفس بالحجر [١٧٦٣] عن أنس بن مالكِ: أنَّ جاريةً وُجد رأسُها قد رُضَّ بين حجرين، فسألوها من صنع هذا بك؟ فلان؟ فلان؟ حتى ذكروا يهودياً، (٣) ومن باب: القصاص في النَّفْس (قوله: إنَّ جاريةً وُجِدَ رأسها قد رُضَّ بين حجرين فجيء بها [إلى النبيِّ وبها رمق](١)). الرَّضُّ: الكسر غير المبان. و (الرَّمق): بقية الحياة. يعني: أنها قد أشرفتْ على الموت. ولذلك لمَّا سئلت عمَّن أصابها أومأت برأسها لمَّا ذُكِرَ لها القاتل، ولم تقدر على الكلام بلسانها. ومَن قال مِن الرواة: إنَّها قالت: نعم. فإنَّما عبَّرَ عمَّا فُهِم عنها من الإشارة بالقول، فإنَّها تنزلت منزلةَ القول. قتلُ الرجل بالمرأة ففيه من الفقه: قتل الرَّجل بالمرأة. وهو قولُ الجمهور خلافاً لمن شذَّ فقال: لا يُقْتَل بها. وهو عطاء، والحسن. وقد روي عن عليّ - رضي الله عنه - وأمَّا القصاصُ بينهما في الأطراف: فهو أيضاً مذهبُ الجمهور. وقد ذهب إلى نفيه فيها مَن نفاه في النَّفْس، وأبو حنيفة، وحمَّاد، وإن قالا به في النفس. والصحيحُ قولُ الجمهور في المسألتين؛ لقوله تعالى: ﴿وَكَتْبِنَا عَلَيْهِمْ فِهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ... ﴾ [المائدة: ٤٥]. وفيه: جواز ذكر من انُّهم، وعرضهم على المقتول واحداً، واحداً بعينه واسمه، وإن لم تقمْ دلالةٌ على لطخه أكثر من أنَّه يحتملُ ذلك احتمالاً قريباً. ولا یکون ذلك عرضاً يُستباح. وفيه: ما يدلُّ: على اعتبار التَّدمية على الجملة. وقد تقدَّم الكلامُ فيها، لكن (١) ما بين حاصرتين من الرواية التي في صحيح مسلم برقم (١٦٧٢) (١٥). ٢٥ (٢٢) كتاب القسامة - (٣) باب: القصاص في النفس بالحجر فأومأت برأسها، فأُخِذَ اليهوديُّ، فأقرَّ، فأمر به رسول الله وَ له أن يُرَضَّ رأسه بالحجارة. الصحيح في هذا الحديث: أنَّ اليهوديَّ إنَّما قُتِل بالمرأة بإقراره، لا بمجرد التَّدمية. والرِّواية الَّتي يظهر منها: أنَّ قُتِل بمجرد التَّدمية مردودة إلى الرواية التي ذُكِر فيها: أُنَّه قُتِل بإقراره لوجهین: أحدهما: أن القضية واحدةٌ وإن اختلفت الرِّوايات، فيحمل مطلقها على مقيّدها. والثاني: أنَّ ظاهر تلك الرواية المطلقة مجمعٌ على تركه؛ إذ لم يقلْ أحدٌ من المسلمين: أنَّ التَّدميةَ بمجردها يقتل بها، وإنَّما هي عند من قال بها لوثٌ يقسم معها. ولم يسمعْ قطّ في شيءٍ من طرق هذا الحديث، ولا رواياته: أنَّ أولياء هذه الجارية أقسموا على اليهوديِّ. وفيه: قتل الكبير بالصَّغير؛ لأنَّ الجارية اسمٌ لمن لم يبلغ من النساء، کالغلام في الرجال. وهذا لا يختلف فيه. وفيه: أنَّ من قَتَل بشيءٍ قُتِل به. وقد اختلف فيه. فذهب الجمهور: إلى أنَّه مِن قتلَ بشيء يُقْتَل بمثل ما قَتَل من حجرٍ، أو عصاً، أو تغريقٍ، أو خنقٍ، أو غير ذلك ما لم يقتله قتل به بفسقٍ كاللوطية، وإسقاء الخمر؛ فيقتل بالسيف. وحجّتهم هذا الحديث، وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَأَعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، وقوله تعالى: ﴿وَاُلْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] والقصاص أصله: المساواة في الفعل. ومِن هؤلاء مَن خالف في التحريق بالنّار، وفي قتله بالعصا. فجمهورهم: على أنَّه يُقتل بذلك. وقال ابنُ الماجشون وغيره: لا يُحرَّق بالنار لقول رسول الله قال: ((لا يعذِّب بالنَّار إلا الله))(١). وقال مالكٌ في إحدى الروايتين عنه: (١) رواه أحمد (٣٠٧/٢)، والبخاري (٣٠١٦)، وأبو داود (٢٦٧٤)، والترمذي (١٥٧١). ٢٦ (٢٢) كتاب القسامة - (٣) باب: القصاص في النفس بالحجر وفي روايةٍ: فقتله رسولُ الله پټ بین حجرين. رواه أحمد (١٨٣/٣)، والبخاري (٢٤١٣)، ومسلم (١٦٧٢) (١٥)، وأبو داود (٤٥٢٧)، والترمذي (١٣٩٤)، وابن ماجه (٢٦٦٥). إنَّه إن كان في قتله بالعصا تطويل، وتعذيبٌ قتل بالسَّيف. وفي الأخرى: يقتل بها وإن كان فيه ذلك. وهو قول الشَّافعيِّ. وقال الشَّافعيُّ فيمن حبس رجلاً أيَّاماً في بيتٍ حتَّى مات جوعاً، أو عطشاً (١)، أو قطع يديه ورجليه، ورمى به من جبلٍ أن يُفْعَل به مثل ذلك، فإن مات، وإلا قُتل. وذهبت طائفة إلى خلاف ذلك كلّه فقالوا: لا قود إلا بالسَّيف. وهو مذهب أبي حنيفة، والشعبيِّ، والنخعي. واحتجوا على ذلك بما روي عن النبيِّ ف﴿ أنه قال: ((لا قود إلا بحديدة))(٢)، وبالنَّهي عن المثلة. والصحيح مذهب الجمهور لما تقدم، ولأنَّ الحديث؛ الذي هو: ((لا قود إلا بحديدة)) ضعيفٌ عند المحدثين، لا يروى من طريقٍ صحيح، ولأنَّ النهي عن المثلة نقول بموجبه إذا لم يمثَّل بالمقتول، فإذا مثَّلَ مثَّلنا به، لقوله تعالى: ﴿فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾، ولحديث العُرنيين على ما تقدَّم. وقد شذَّ بعضهم(٣) فقال فیمن قتل بخنقٍ، أو بسمٌّ، أو تردية من جبلٍ أو في بئرٍ، أو بخشبةٍ أنه لا يقتل، ولا يقتص منه إلا إذا قتل بمحدّدٍ: حدید،أو حجرٍ، أو خشبٍ، أو كان معروفاً بالخنق والتردية. وهذا منه ردِّ للكتاب، والسُّنَّة، وإحداث ما لم يكن عليه أمر الأمَّة، وذريعةٌ إلى رفع القصاص الذي شرعه الله حياةً للنفوس، فلیس عنه مناصٌ. ثم اختلف العلماء فيما إذا قتل بما لا يَقْتُل مثله (٤) غالباً، كالعضَّة واللَّطمةِ، حكم القتل بما لا يقتل مثله (١) ساقط من (ج ٢). (٢) رواه البيهقي (٦٢/٨)، وعبد الرزاق في مصنفه (١٧١٧٩). (٣) في (م) و (ج ٢): أبو حنيفة. (٤) في (ع): به. ٢٧ (٢٢) كتاب القسامة - (٣) باب: القصاص في النفس بالحجر وضربة السَّوط، والقضيب، وشبه ذلك. فقال مالكٌ، والليث: هو عمدٌ، وفيه القود. قال أبو عمر: وقال بقولهما جماعةٌ من السلف من الصحابة والتَّابعين. وذهب جمهورُ فقهاء الأمصار: إلى أنَّ هذا كلَّه شبه عمد، إنَّما فيه الدِّيةُ مغلظةٌ. وهو قولُ الثوريٍّ، والأوزاعيِّ، وأبي حنيفة، والشافعيِّ، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وقد ذكر عن مالك، وقاله ابن وهب، وجماعةٌ من الصحابة والتَّابعين. قلتُ: وهو الصحيح إن شاء الله تعالى؛ إذ العمد: القصد إلى القتل، وهو الاحتياط في أمر خفيٌّ لا يُطَّلِعُ عليه، فلا بدَّ من دليل عليه، ولا بدَّ أن تكون تلك الدَّلالة واضحةً الدماء رافعةً للشَّكِّ. ودلالة ما يقتل مثله(١) غالباً دلالة محقّقةٌ، صحيحةٌ، وليس كذلك اللطمة، وضربة السوط، فلا دلالة فيهما. والدِّماءُ أحقُّ ما احتيط لها؛ إذ الأصل صيانتها في أهبها، فلا نستبيحها إلا بأمرٍ بَيِّنٍ، لا إشكال فيه، وهذا فيه إشكال، ولا نستبيحُ به دماً، ولمَّا كان متردِّداً بين العمد والخطأ؛ حكم له بشبه العمد، وهو حكم بين حكمين، فلا هو عمدٌ محضٌ، ولا خطأً محضٌ، فلا قود فيه؛ إذ لم يتحقق العمد. ومع ذلك فيمكن أن يكون قصد القتلَ، فتكون فيه الدِّيَةُ المغلَّظةُ، هذا مع ما قد رواه أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو: أنَّ رسولَ الله وَلَه خطب يوم الفتح بمكة، فذكر الحديث، وقال فيه: ((ألا وإنَّ دية الخطأ شبه العمد ما كان بالسَّوط، أو العصا مئةٌ من الإبل، أربعون في بطونها أولادها))(٢). وهذا نصٌّ في الباب، فلا ينبغي أن يعدلَ عنه. ثُمَّ اختلف القائلون بشبه العمد في الدِّيَة المغلظة ما هي؟ فقال عطاءٌ، والشَّافعيُّ: ما هي الدية هي ثلاثون حِقَّةً، وثلاثون جَذَعةٌ، وأربعون خَلِفَةً. وقد رُوي ذلك عن عمر، وزيد بن المغلظة؟ ثابت، والمغيرة، وأبي موسى. وهو مذهب مالكِ حيث يقول: بشبه العمد. (١) سقطت من (ع). (٢) رواه أبو داود (٤٥٤٧ و٤٥٤٨)، والنسائي (٤١/٨)، وابن ماجه (٢٦٢٧). ٢٨ (٢٢) كتاب القسامة - (٣) باب: القصاص في النفس بالحجر ومشهور مذهبه: أنَّه لم يقل به إلا في مثل فعل المدلجيِّ بابنه حيث ضربه بالسَّيف. وقيل: إنَّ دية شبه العمد أربعون جَذَعةً إلى بازلٍ عامها، وثلاثون حِقَّةً، وثلاثون بنت لبون. وروي هذا عن عثمان. وبه قال الحسنُ، وطاووس، والزُّهري. دية العمد وأمَّا ديةُ العمد: فهي عند الشَّافعيِّ ثلاثون حِقَّةً، وثلاثون جَذَعةٌ، وأربعون خلفةً، كما قال في شبه العمد. وقال مالكٌ: هي أرباع: ربعٌ بنات مخاض، وربعٌ بنات لبون، وربعٌ جِذائٌ، وربعٌ حقاقٌ. وبه قال الزُّهريُّ، وربيعةُ، وأحمدُ. وقال أبو ثور: أخماسٌ، ويزيد على الأربعة الأسنان المتقدِّمة بني لبون. وهي عنده ديةُ شبه العمد. دية الخطأ وأمَّا دية الخطأ: فهي عنده(١) أخماسٌ كما ذكرناه آنفاً. وبه قال عمر بن عبد العزيز، وسليمان بن يسار، والزُّهريُّ، وربيعةُ، والشافعيّ. ونحوه قال أبو حنيفة، غير أنَّه جعل بدل بني لبون بني مخاضٍ. وبه قال النَّخعيُّ، وأحمدُ، ويعقوبُ، ومحمد. ورُوِي عن ابن مسعودٍ. وقيل: إنَّها أرباٌ كما تقدَّم في دية العمد. وبه قال الشعبيُّ، والحسن البصريُّ، والنخعيُّ، وإسحاق بن راهويه. قلتُ: وهذا في أهل الإبل مجمعٌ عليه: أن في النَّفس مئةً من الإبل. واختلف في غيرهم. فقالت طائفةٌ: يجب على أهل الذَّهبِ الذَّهبُ، وعلى أهل الورِقِ الورِقُ. وروي ذلك عن عمر، وعروة، وقتادة، ومالكِ، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثورٍ، وأصحاب الرأي، ولم يختلف هؤلاء: أنَّ دية الذَّهب ألفُ دينار. واختلفوا في الفضَّة. فقال الثوريُّ، والثّعمان، وصاحباه، وأبو ثورٍ: هي عشرةُ آلاف درهم. [وقال الحسن البصريُّ، وعروةُ، ومالكٌ، وأحمدُ، وإسحاقُ: اثنا عشر ألف درهماً](٢). وقال مالك، وأبو حنيفة: الدِّيةُ من الذَّهب، والإبل، (١) أي: عند أبي ثور. (٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ج ٢). ٢٩ (٢٢) كتاب القسامة - (٣) باب: القصاص في النفس بالحجر والفضة، ولم يعرفا الحُلَل، ولا الشَّاء، ولا البقر. وقال آخرون: هي على أهل البقر مئتا بقرةٍ. وعلى أهل الشاء ألفا شاةٍ. وعلى أهل الحُلَلِ مئتا حلَّةٍ. وروي هذا عن عمر، والحسن البصريٍّ. وبه قال عطاء، والزُّهريُّ، وقتادةُ، غير أنَّ هؤلاء الثلاثة لم يقولوا بالحُلَل. قلتُ: وسبب هذا الخلاف اختلاف الأحاديث الواردة في الباب، والاختلاف في تصحيحها، وذلك: أنَّه ليس شيءٌ منها متفقاً على صحته، وهي ما بين مرسلٍ، وضعيفٍ. فلنذكر منها (١) ما خرَّجه الترمذيُّ من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جدِّه: أنَّ رسول الله : ﴿ قال: ((من قتل متعمداً دفع إلى أولياء المقتول؛ فإن شاؤوا قتلوا، وإن شاؤوا أخذوا الدِّية، وهي: ثلاثون حِقَّةً، وثلاثون جَذَعةً، وأربعون خَلِفةً، وما صالحوا عليه فهو لهم، وذلك لتشديد العقل))(٢). قال الترمذيُّ: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ. وروى أبو داود عن حسين المعلم، عنِ عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جَدِّه: أنَّ رسول الله وَهُ قضى: أنَّ من قُتِل خطأً فَدِيَتُه مئةٌ من الإبل: ثلاثون بنت مخاضٍ، وثلاثون بنت لبون، وثلاثون حِقَّةٌ، وعشر بني لبونٍ ذکرٍ (٣). وروى أبو داود من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه، قال: كانت قيمةُ الدِّيةِ على عهد رسول الله : ﴿ ثمانمئةِ دينارٍ، أو ثمانية آلاف درهم، وديةُ أهل الكتاب على النّصف من دية المسلمين. قال: فكان ذلك حتى استخلف عمر، فقام خطيباً فقال: ألا إنَّ الإبل قد غَلَتْ، ففرضها على أهل الذّهب ألف دينارٍ وعلى أهل الورِق اثني عشر ألف درهم، وعلى أهل البقر مئتي بقرةٍ، وعلى أهل الشَّاءِ ألفي شاةٍ، وعلى أهل الحلل مئتي حلة. قال: وترك دية أهل (١) في (ج ٢): فلنذكرها فمنها. (٢) رواه الترمذي (١٣٨٧). (٣) رواه أبو داود (٤٥٤١). ٣٠ (٢٢) كتاب القسامة - (٣) باب: القصاص في النفس بالحجر [١٧٦٤] وعنه: أنَّ رجلاً من اليهود قتل جاريةً من الأنصار على حُلِيٍّ لها، ثم ألقاها في القَلِيْب، ورضخ رأسها بالحجارة، فَأُخِذَ فَأُتِيَ به الذِّمَّة لم يرفعها فيما رفع من الدِّية. وفي روايةٍ أخرى عنه قال: عقلُ شبه العمد مغلَّظةٌ مثل العمد، ولا يقتل صاحبه(١). وعن عطاء، عن جابرِ: أنَّ رسول الله ◌ِو فرض في الدِّية على أهل الإبل مئةً من الإبلِ، وعلى أهل البقر مئتي بقرةٍ، وعلى أهل الشّاء ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مثتي حلّة(٢). وعن ابن مسعودٍ قال: قال رسولُ اللهِوَ﴿ ((في دية الخطأ عشرون حِقَّةً، وعشرون جذعة، وعشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبونٍ، وعشرون بني مخاض ذكرٍ))(٣). وعن عكرمة، عن ابن عبّاس: أنَّ رجلاً من بني عديٍّ قُتِل، فجعل رسولُ الله ◌ِ له ديته اثني عشر ألفاً (٤). فهذه الأحاديث الّتي دارت بين العلماء الَّذين تقدَّم ذِكْرُ مذاهبهم، فصار كلُّ فريقٍ منهم إلى ما صحَّ عنده منها، وعمل به، ومن بلغه جميعها فلا بدَّ له من البحث عنها حتى يتبيَّن له الأرجح منها. و (قوله في الرواية الأخرى: أنَّ رجلاً من اليهود قتل جاريةً من الأنصار على حُلِيٍّ لها)، وفي روايةٍ(٥): (على أوضاح، فألقاها في القليب). و (الأوضاح): جمع: وضح، وهو الحُلِيُّ من الدراهم(٦). قاله أبو عبيد. و (القليب): البئر غير المطويَّة(٧). و (رضخ رأسها): شدخه. (١) رواه أبو داود (٤٥٤٢). (٢) رواه أبو داود (٤٥٤٣). (٣) رواه أبو داود (٤٥٤٥)، والترمذي (١٣٨٦)، والنسائي (٤٣/٨ و٤٤). (٤) رواه أبو داود (٤٥٤٦)، والترمذي (١٣٨٨)، وابن ماجه (٢٦٢٩). (٥) هذه الرواية في مسلم برقم (١٦٧٢). (٦) في (ج ٢): الفضة. (٧) جاء في حاشية (ل ١): وقال أبو عبيد: القليب: البئر العاديّة القديمة التي لا يُعْرَف لها ربٍّ، ولا حافر لها. تُذكَّر وتؤنث. ٣١ (٢٢) کتاب القسامة ۔ (٤) باب: من عضّ يد رجل رسولُ اللهِ وَل﴾، فأمر به أن يُرجَم حتى يموت. فرُجِم حتى مات. رواه مسلم (١٦٧٢). (٤) باب مَنْ عض يَدَ رجلٍ فَانْتَزَعَ بَدَه فسقطتْ ثنية العاضِّ [١٧٦٥] عن عمرانَ بنِ حُصينٍ قال: قاتل يَعْلَى بنُ مُنْيَةَ - أو ابن أُمَّةَ - رجلاً، فعضَّ أحدُهما صاحبه، فانتزع يده من فمه فنزع ثَنِيََّهُ - وفي و (قوله: فأمر به رسولُ اللهِ وَ لَ﴿ أَن يُرْجَم حتى يموت، فَرُجِمَ حتى مات) هذا مخالفٌ لمساق الرُّواية الأولى، فلذلك قيل في هذا: إنَّها قضيَّةٌ أخرى غير تلك. والأولى: أنَّ القضيّة واحدةٌ، غير أن الرَّاوي عبّر عن رضِّ رأس اليهوديِّ بالحجارة بالرَّجم. ولا بُعْدَ في ذلك؛ فإنّه من تسمية الشيءٍ بما يشبهه. (٤) ومن باب: من عَضَّ بَدَ رَجُلٍ (قوله: قاتل يعلى بن أميّة - أو: ابن مُنْيَة - رجلاً) كذا صوابُ هذا اللفظ. وصحيحُ مُنْيَة: بميم مضمومةٍ، ونون ساكنة، وياء باثنتين من تحتها. وهي امرأة، وبها كان يُعْرَف. واختلف فيها؛ هل كانت أمُّه، أو جدّته؟ قال أبو الحسن الدار قطني(١): مُنْيَةُ بنت الحارث هي جدة يعلى، وبها كان يعرف. قاله الزبير بن بكّار. وقال أهل الحديث: يقولون: هي أمُّه، وأنَّها مُنية بنت غزوان. وقال الطَّبريُّ: يعلى بن أميَّة، أمُّه: مُنْيَة بنت جابر. ومن قال: (مُنبِّه) بنونٍ مفتوحةٍ، وباءٍ مكسورة بواحدة تحتها فقد صحّف. قاله القاضي عياض. (١) المؤتلف والمختلف (١٥٠٦/٣). ٣٢ (٢٢) کتاب القسامة ۔ (٤) باب: من عضّ يد رجل روايةٍ: ثَنِيََّيْهِ - فاختصما إلى النبيِّ وَله فقال: ((أُعَضُّ أحدُكم كما يَعَضُّ الفحلُ؟ لا دية له)). وفي روايةٍ: فقال رسول الله وَليهِ: ((ما تأمرني؟! تأمرني أَنْ آمره أنْ يَدَعَ يده في فيك تَقْضَمُها كما يَقْضَمُ الفحل! ادفع يدك حتى يقضمَها، ثم انتزعها!». قلتُ: ويُعرف أيضاً بأبيه، وقد صحَّت نسبتُه إليهما في كتب الحديث. فمرةً نُسب إلى أبيه، وهو: أميّة، ومرةً نُسب إلى هذه المرأة. وهذه الرِّواية يظهر منها: أنَّ يعلى هو الذي قاتل الرَّجل. وفي الرواية الأخرى: أنَّ أجيراً ليعلى بن أميّة عضَّ يد رجلٍ. وهذا هو الأولى، والأليق؛ إذ لا يليق هذا (١) الفعلُ بيعلى بن أميّة مع جلالته وفضله. و (قوله: ((أن يدع يده في فيك يقضمها كما يَقْضَمُ الفحل؟))) أي: يَعَضُها كما يعضُّ الفحل، كما جاء مبيناً في الرواية الأخرى. يقال: قَضِمَت الدَّابة شعيرها - بكسر الضاد - تقضَمه - بفتحها - على اللغة الفصيحة: إذا أكلته بأطراف أسنانها. وخضمته - بالخاء المنقوطة بواحدة من فوقها -: إذا أكلته بفيها كلُّه. ويقال: الخضم: أكل الرَّطْب واللَّيِّن. والقضم: أكل اليابس. ومنه قول الحسن: تخضمون ونقضمُ، والموعد: الحساب. و (قوله: ادفع يدك حتى يقضمَها ثم انتزعها) هو أمرٌ على جهة الإنكار، كما قال قبل هذا: (بم تأمرني؟ تأمرني أن آمره أن يدع يده في فيك(٢) تقضمها؟!) فمعناه: أنك لا تدع يدك في فمه يقضمها، ولا يمكن أن يؤمر بذلك. (١) في (ج ٢): ذلك. (٢) في (ج ٢): فمك. ٣٣ (٢٢) کتاب القسامة ۔ (٤) باب: من عضّ يد رجل رواه أحمد (٢٢٢/٤)، والبخاري (٢٢٦٥)، ومسلم (١٦٧٤) (١٨ و٢١)، وأبو داود (٤٥٨٤ و٤٥٨٥)، والنسائي (٣٠/٨)، وابن ماجه (٢٦٥٦). و (قوله: ((لا ديةَ له))، وفي الأخرى: فأبطله رسولُ اللهِ وَلِّ) نصٌّ صريحٌ في إسقاط القصاص إسقاط القصاص والدِّية في ذلك. ولم يقل أحدٌ بالقصاص فيما علمت، وإنما والدِّية في العَضِّ الخلافُ في الضمان. فأسقطه أبو حنيفة وبعض أصحابنا، وضمنه الشافعيُّ. وهو مشهور مذهب مالك. ونزَّل بعض أصحابنا القول بالضَّمان على ما إذا أمكنه نزع يده برفق، فانتزعها بعنفٍ. وحمل بعضُ أصحابنا الحديث على أنَّه كان متحرِّك الثنايا. وهذا يحتاج إلى خُطُم(١) وأزمَّةٍ، ولا ينبغي أن يُعْدَلَ عن صريح الحديث. وقد روي عن مالك والشافعيِّ في الجمل الصَّائل إذا دفعه الرَّجل عن نفسه، فأدَّى إلى تلف الصائل، لم يكن فيه ضمانٌ؛ لأنَّه مأمورٌ بالدّفع عن نفسه. ومَن فعل ما أمر به لم يلزمه ضمانٌ. قلتُ: وعلى هذا: فيخرج من هذه المسألة قولُ بإسقاط الضمان في مسألة حكم الضمان العضِّ المتقدمة عن مالكِ، والشافعيِّ؛ لأنَّه مأمورٌ بنزع يده مِنْ فيه، وأبو حنيفة في العضِّ يُلْزِمُ الضَّمانَ في مسألة الصائل، لكنَّه يجيب عن هذا المعنى بأنَّه وإنْ سُلِّم أنَّه مأمورٌ بالدّفع عن نفسه، فلم يؤذن له في إتلاف مالٍ فيضمن. قلتُ: ويخرجُ من هذا قول عن أبي حنيفة في إثبات الضمان في مسألة العضّ. ويقرب من هذا مسألة من اطّلع من باب بيتٍ ففقئت عينه لذلك، فاختلف أصحابُنا في ذلك. فالأكثر منهم على الضمان. وبه قال أبو حنيفة، وبعضهم قال بنفيه. وبه قال الشافعي. (١) في (م): خصم. ٣٤ (٢٢) كتاب القسامة - (٥) باب: القصاص في الجراح (٥) باب القصاص في الجراح [١٧٦٦] عن أنس: أن أخت الرُّبَيِّع أمَّ حارثة جرحت إنساناً، قلتُ: وهو الظاهر من قوله وَ﴿: ((لو أنَّ امراً اطّلع عليك بغير إذنٍ فخذفته بحصاةٍ، ففقأتَ عينه لم يكن عليك جُناحٌ))(١). وأيضاً: فقد رام النبيُّ ◌َ﴿ أن يطعنَ بالمدراة في عين من أراد أن يطلع من حُجْرٍ في باب بيته. وقال: ((لو أعلم أنَّك تطّلع لطعنتُ به في عينك))(٢)، وما كان النبيّ ◌َ ير بالذي يريد أن يفعل ما لا يجوز، أو ما يؤدِّي إلى ديةٍ. وأيضاً: فقد جاء عنه أنه قال: ((من اطّلع في بيت قومٍ بغير إذنهم فقد حلَّ لهم أن يفقؤوا عينه))(٣). وأمَّا من زعم: أنَّه يضمن فمن حجَّته: أنَّه لو نظر إنسانٌ إلى عورة آخر لما أباح ذلك منه فقء عينه، ولما سقط عنه الضمان بالاتفاق. [فهذا أولى بنفي الضمان](٤). وحملوا قوله: ((لا جُناح عليك)). أي: لا إثم. ومنهم مَن قال: يحمل الحديث على أنَّه رماه بحصاةٍ. ولم يرد فقْء عينه، فانتفی عنه الإثمُ لذلك. قلتُ: وهذا تحريفٌ وتبديل، لا تأويلٌ، ولا قياسٌ مع النصوص. (٥) ومن باب: القِصاص في الجراح (قوله: إنّ أخت الرُّبَيِّع أمّ حارثة جرحت إنساناً) كذا وقع هذا اللفظ في كتاب (١) رواه أحمد (٢٤٣/٢)، والبخاري (٦٩٠٢)، ومسلم (٢١٥٨)، والنسائي (٨/ ٦١). (٢) رواه أحمد (٣٣٠/٥)، والبخاري (٦٢٤١)، ومسلم (٢١٥٦) (٤٠)، والترمذي (٢٧٠٩)، والنسائي (٦٠/٨ - ٦١). (٣) البخاري (٦٨٨٨)، ومسلم (٢١٥٨). (٤) في (ج ٢): وكذلك هذا. ٣٥ (٢٢) كتاب القسامة - (٥) باب: القصاص في الجراح مسلم. قال القاضي عياض: المعروف: أنَّ الرُّبَيِّع هي صاحبةُ القصَّة. وكذا جاء الحديثُ في البخاريِّ في الرُّوايات الصحيحة: أنَّها الرُّبَيِّعُ بنت النَّضر، وأختُ أنس بن النَّضر، وعمَّة أنس بن مالك. وأنَّ الذي أقسم هو أخوها أنس بن النَّضر، وكَذَا في المصنَّفات، وجاء مفسَّراً عند البخاريِّ وغيره: أنها لطمتْ جاريةً، فكسرتْ ثنيَّتها. ورواية البخاريِّ هذه تدل: على أنَّ الإنسانَ المجروحَ المذكور في رواية مسلم هو جاريةٌ. فلا يكونُ فيه حجَّةٌ لمن ظنَّ أنَّه رجلٌ، فاسْتدلَّ به: على أن القِصاص جارٍ بين الذكر والأنثى فيما دونَ النفس. والصحيح: أن الإنسانَ ينطلق على الذكر والأنثى وهو من أسماء الأجناس. وهي تعمُّ الذكر والأنثى، جريان القصاص بين الرجل والمرأة كالفَرَس يعُّ الذكر والأنثى. والجمهورُ من السلف، والخلف على جريان القِصاص . بينَ الذكر والأنثى فيقتلُ الذكرُ بالأنثى إلا خلافاً شاذاً عن الحسن وعطاء، وروي في النفس وما ذلك عن عليٍّ بن أبي طالبٍ. وهم محجوجون بقوله تعالى: ﴿وَكَبِنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ دونها النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]، فعمَّ، وبأنَّه قد تقدَّم: أن النبيَّ ◌َ ﴿ قتلَ اليهوديّ بالجاريةِ(١). فأمَّا قوله تعالى: ﴿يَّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ اَلْقِصَاصُ فِ اَلْقَدْلَ ... ﴾ [البقرة: ١٧٨]، فإنما اقتضت بيان حكم النوع إذا قتلَ نوعَه، فبيَّنت حكم الحرِّ إذا قتلَ حرّاً، والعبدِ إذا قتلَ عبْداً، والأنثى إذا قتلت أنثى. ولم تتعرّضْ لأحد النَّوعين إذا قتلَ الآخر، لكنْ بَيِّن ذلك بقوله تعالى: ﴿وَكَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] وبيَّته النبيُّ وَّهِ بستُّته لمَّا قتلَ اليهوديَّ بالمرأة. وأمَّا القِصَاصُ بين الرَّجل والمرأةِ فيما دُون النّفس: فهو قولُ الجمهور أيضاً، وخالفَهم في ذلك ممن يرى القصاص بينهما في النفس أبو حنيفة، وحمَّاد، فقالا: لا قصاصَ بينهما فيما دُون النفس. وهما محجوجان بإلحاق ما دونَ النَّفس على طريق الأحرى والأولى. وذلك: أنَّهما قد وافقا الجمهورَ: على أنَّ الرَّجل يُقتل بالمرأة مع عظم حرمة (١) انظر الحديث في التلخيص برقم (٢٠٦٣ و٢٠٦٤). ٠ ٣٦ (٢٢) كتاب القسامة - (٥) باب: القصاص في الجراح فاختصموا إلى النَّبِيِّ وَّهِ، فقال رسولُ الله ◌َِّ: ((القِصاصَ القِصاصَ!)). فقالت أمُ الرُّبَيِّع: يا رسول الله! أَيُقْتَصُّ من فلانة؟! واللَّهِ لا يُقْتَصُّ منها. النَّفْس. ولا شكَّ: أن حرمةَ ما دونَ النفس أهونُ من حرمة النَّفس. فكان القِصاصُ فيها أحرى وأولى. وفي المسألتين مباحثُ مستوفاةٌ في علم الخلاف. و (قوله: ((القصاصَ. القصاصَ))) الرّواية بنصب القصاص في اللفظين. ولا يجوزُ غيره. وهو منصوبٌ بفعل مضمرٍ لا يجوزُ إظهاره. تقديره: ألزمُكم القصاصَ. أو: أقيموا القِصَاصَ. غير أنَّ هذا الفعل لا تُظهره العرب قطُّ، لأنهم استغنوا عنه بتكرار اللفظ. كما قالوا: الجدارَ، الجدارَ(١). والصبيَّ، الصبيّ. فضل أنس بن ولمَّا فهم أنسُ بن النَّضْر - على ما ذكرَه البخاريُّ، أو أُمُّ الرُّبيع على ما ذكره مسلم - النضر وإبرارُ لزومَ القِصاص؛ عظُم عليه أن تُكْسَرَ ثنيَّةُ الجانيةِ، فبذلوا الأرشَ؛ فلم يرضَ أولياءُ قسمه المجنيِّ عليها به، فَكُلِّمَ أهلُها في ذلك، فأبَوْا، فلمَّا رأى امتناعَهم من ذلك، وأنَّ القِصاصَ قد تعيَّنَ قال: أَيُقْتَصُ مِنْ فلانةٍ، واللَّهِ لا يُقْتَصُّ منها؟! ثقةً منه بفضل الله تعالى، وتعويلاً عليه في كشف تلك الكُرْبَةِ، لا أنَّه رَدَّ حكمَ الله وعاندَه، بل هو مُنَزَّةٌ عن ذلك لما عُلم من فضله، وعظيم قدره، وبشهادة النبيِّ وَّه بما له عند الله تعالى من المنزلةِ. وهذا التأويلُ أولى من تأويل من قال: إنَّ ذلك القسمَ كان منه على جهة الرَّغبة للنبيِّ ◌َ﴿ أو للأولياء؛ لأنَّ النبيَّ وَه قد أنكرَ ذلك عليه بقولهِ: ((سبحانَ الله! كتابُ الله القِصاص)). ولو كان رَغِبَهُ لما أنكرَه. وأيضاً: فإنَّ النبيَّ وَله قد سمَّاه قسماً، وأخبرَ: أنه قسمٌ على الله، وأنَّ الله تعالى قد أبَرَّه فيه لمَّا قالَ: ((إنَّ مِن عبادِ اللَّهِ مَنْ لو أقسم على الله لأبرَّه)). ففيه: العملُ بشرع مَنْ قَبْلَنَا إذا صحَّ عندنا؛ ولم يَثْبُتْ في شرعنا ناسخٌ له؛ ولا مانعٌ منه. وقد اختلفَ في ذلك الفقهاء، والأصوليون. وفي المذهب فيه شرط العمل بشرع من قبلنا (١) في (ع): الحذارَ الحذارَ. ٣٧ (٢٢) كتاب القسامة - (٥) باب: القصاص في الجراح فقال النبي ◌َّه: ((سبحان الله يا أمَّ الرُّبَّع! القصاصُ كتاب الله)). قالت: لا والله لا يُقْتَصُّ منها أبداً! قال: فما زالت حتى قبلوا الدِّية، فقال رسول الله وَ له: ((إنَّ من عِباد الله مَنْ لو أقسم على الله لأبرَّه)). رواه أحمد (١٢٨/٣)، والبخاري (٢٨٠٦)، ومسلم (١٦٧٥)، وأبو داود (٤٥٩٥)، والنسائي (٢٦/٨ -٢٧)، وابن ماجه (٢٦٤٩). قولان، ووجه هذا الفقه قوله: ((كتابُ الله القِصاصُ)) وليس في كتاب الله القِصَاصُ في السِّنِّ إلا في قوله تعالى حكايةً عمَّا حُكم به في التوراة في قوله تعالى: ﴿وَكَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا﴾ الآية إلى قوله: ﴿ وَأَلِسِنَّ بِأَلْسِنِ﴾ [المائدة: ٤٥]. وفيه: القِصاصُ في السنِّ إذا قُلِعَتْ أو طُرِحَتْ. وفي كسرها وكسر عظام القصاص في الجسد خلافٌ؛ هل يُقْتَصُّ منها، أو لا؟ فذهبَ مالك إلى القصاص في ذلك كلِّه إذا السُّنِّ والعظم أمكنتِ المماثلةُ وما لم يكن مخوفاً، كعظم الفخذ، والصُّلب أخذاً بقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اُعْتَدَىْ عَلَيْكُمْ فَأَعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، وبقوله: ﴿ وَأَلْسِنَّ بِأَلْسِنٍ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥]. وذهبَ الكوفيُّون، واللَّيث، والشَّافعيُّ: إلى أنَّه لا قودَ في كسرِ عظمٍ ما خلا السِّنَّ لعدمِ الثِّقَةِ بالمماثلة. وفيه ما يدلُّ على كرامات الأولياء. ٣٨ (٢٢) کتاب القسامة - (٦) باب: لا يحل دم امریء مسلم إلا بإحدى ثلاث (٦) باب لا يحلُّ دم امریءٍ مسلم إلا بإحدی ثلاث، وتکرار إثم من سنَّ القتل، وأنَّه أول ما يقضى فيه [١٧٦٧] عن عبد الله - هو ابن مسعود - قال: قال رسول الله مختلفه : (لا يحلُّ دمُ امرىءٍ مسلم يشهد أن لا إلهَ إلا الله وأنِّي رسول الله إلا بإحدى ثلاثٍ: الشَّيب الزَّاني، والنَّفْسُ بالنفس، (٦) ومن باب: لا يحلُّ دم امریءٍ مسلم إلا بإحدى ثلاث (قوله وَله: ((لا يحلُّ دمُ امرىءٍ مسلمٍ إلا بإحدى ثلاثٍ: الثيب الزّاني، والنَّفس بالنَّفس، والتَّارك لدينه المفارق للجماعة))) الثَّيِّبُ هنا: المحصن. وهو اسمُ جنس يدخل فيه الذَّكر والأنثى. وهو حُجَّةٌ على ما اتفق المسلمون عليه: من أنَّ حكم الزاني المحصن الرَّجمُ. وسيأتي شروطُ الإحصان، وبيانُ أحكام الرَّجم. حکم قتل والذميّ و (قوله: ((النَّسُ بالنَّفس)» موافقٌ لقوله تعالى: ﴿وَكَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ المسلم بالكافر بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] ويعني به: النفوس المتكافئة في الإسلام، والحرِّيَّة. بدليل قوله: ((لا يقتل مسلم بكافرٍ))(١) خرَّجه البخاريُّ عن عليّ بن أبي طالب - رضي الله عنه - وهو حجَّة للجمهور من الصَّحابة، والتابعين على مَن خالفهم، وقال: يُقتل المسلمُ بالذميِّ. وهم أصحابُ الرأي، والشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ، ولا يصحُ لهم ما رووه من حديث ربيعة: أنَّ النَّبيَّ ◌َهِ قَتَل يوم خيبر مسلماً بكافرٍ (٢)؛ لأنَّه (١) رواه البخاري (٦٩٠٣). (٢) رواه أبو داود في المراسيل (٢٥٠)، والشافعي في المسند (١٥٩/٢ - ١٦٠)، والبيهقي (٣٠/٨)، والدارقطني (١٣٥/٣)، وعبد الرزاق في المصنف (١٨٥١٤). قال الدارقطني والصواب عن ربيعة، عن ابن البيلماني مرسل عن النبي وَله. وابن البيلماني ضعيف لا تقوم به حجة إذا وصل الحديث، فكيف بما يرسله؟. ٣٩ (٢٢) كتاب القسامة - (٦) باب: لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث والتاركُ لدینه منقطعٌ، ومن حديث ابن البيلمانيّ، وهو ضعيف. ولا يصحُّ في الباب إلا حديث البخاريِّ المتقدِّم. وأمَّا الحريَّةُ فشرط في التكافؤ، فلا يقتل حرٍّ بعبدٍ عند مالكٍ، والشَّافعيِّ، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثورٍ. وهو قولُ الحسن، وعطاء، وعمرو بن حكم قتل الحرّ دينار، وعمر بن عبد العزيز مُحتجِّين في ذلك: بأن العبدَ لما كان مالاً متقوَّماً كان بالعبد كسائر الأموال إذا تلفت؛ فإنما يكون فيها قيمة المتلف بالغةً ما بلغت، والحرُّ لیس بمالٍ بالاتفاق، فلا يكون كفؤاً للعبد، فلا يقتل به، ويغرَّم قيمته ولو فاقت على دية الحرِّ، ويجلد القاتل مئةً، ويحبس عاماً عند مالكِ. وذهبت طائفةٌ أخرى: إلى أنَّه يُقتل به. وإليه ذهب سعيد بن المسيِّب، والنَّخَعيُّ، والشعبيُّ، وقتادةُ، والثوريُّ، وأصحاب الرأي محتجِّين بقوله وَله: ((المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم)) (١)، وذهب النَّخعيُّ، والثوري في أحد قوليه: إلى أنَّه يقتل به، وإن كان عبده، محتجين في ذلك بما رواه النَّسائيُّ من حديث الحسن عن سمرة: أنَّ رسولَ اللهِوَ ﴿ قال: ((من قتل عبده قتلناه، ومن جدعه جدعناه، ومن أخصاء خصيناه))(٢). قال البخاريُّ عن علي بن المدينيِّ: سماع الحسن من سَمُرة صحيحٌ. وأخذ بهذا الحديث. وقال البخاريُّ: وأنا أذهب إليه. وقال غيره: لم يسمع الحسنُ من سمُرة إلا حديث العقيقة. و (قوله: ((التارك لدينه))) يعني به: المرتدَّ؛ الَّذي قال فيه النبيُّ ◌َّه: ((من قتل المرتد عن بدَّل دينه فاقتلوه))(٣) وهذا الحديث يدل: على أنَّ المرتدَّ الذي يقتل هو الذي يبدِّل الإسلام بدين الإسلام دين الكفر؛ لأنَّه وَّ استثناه من قوله: ((لا يحل دمُ امرىءٍ مسلمٍ إلا بإحدى ثلاثٍ)) ثم ذكرهم، وذكر منهم: التارك لدينه. وقد تقدَّم الكلام في الرِّدَّة، وأحكامها . (١) رواه أبو داود (٢٧٥١)، وابن ماجه (١٦٨٣). (٢) رواه النسائي (٢٠/٨ -٢١). (٣) رواه أحمد (٢٨٢/١)، والبخاري (٦٩٢٢). ٤٠ (٢٢) كتاب القسامة - (٦) باب: لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث المفارقُ للجماعة)). رواه أحمد (٤٦٥/١)، ومسلم (١٦٧٦) (٢٥)، وأبو داود (٤٣٥٢)، والترمذي (١٤٠٢)، والنسائي (١٣/٨)، وابن ماجه (٢٥٣٤). [١٧٦٨] وعنه، قال: قال رسولُ الله وَلِ: ((لا تُقتلُ نفسٌ ظلماً، إلا کان على ابن آدم الأول کِفْلٌ من دمها، معنى المفارق لجماعة المسلمين وما تشمل و (قوله: ((المفارق للجماعة)) ظاهره: أنَّه أتى به نعتاً جارياً على التارك لدينه؛ لأنَّه إذا ارتد عن دين الإسلام، فقد خرج عن جماعتهم، غير أنَّه (يلحق بهم)(١) في هذا الوصف كلُّ من خرج عن جماعة المسلمين، وإن لم يكن مرتدّاً، كالخوارج، وأهل البدع إذا منعوا أنفسهم من إقامة الحدِّ (٢) عليهم، وقاتلوا عليه، وأهل البغي، والمحاربون، ومن أشبههم؛ فيتناولهم لفظ (المفارق للجماعة) بحكم العموم؛ وإن لم يكن كذلك لم يصحَّ الحصر المذكور في أول الحديث الذي قال: ((لا يحلُّ دمُ امرىءٍ مسلم إلا بإحدى ثلاث)) فلو كان المفارقُ للجماعة إنَّما يعني به: المفارقة بالرِّدَّة فقط لبقي مَن ذكرناه من المفارقين للجماعة بغير الردَّة لم يدخلوا في الحديث، ودماؤهم حلالٌ بالاتفاق، وحينئذٍ لا يصحُّ الحصر، ولا يصدق، وكلامُ الشارع مُنزَّهٌ عن ذلك. فدلَّ: على أنَّ ذلك الوصف يعمُّ جميعَ ذلك النوع، والله تعالى أعلم. وتحقيقُه: أنَّ كلَّ مَن فارق الجماعة يصدق عليه: أنَّه بدَّل دينه، غير أنَّ المرتدَّ بدَّل كلَّ الدِّين، وغيره من المفارقين بدَّل بعضه. و (قوله: ((لا تقتل نفسٌ ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها») يدخل فيه بحكم عمومه نفس الذِّميِّ، والمعاهد إذا قتلا ظلماً؛ لأنَّ (نفساً) نكرةٌ في سياق النفي، فهي للعموم. و (الكفل): الجزء والنصيب، كما قال تعالى: ﴿ وَمَن (١) في (ل ١): يَدْخل. (٢) في (ع) و (ل ١): الحق، والمثبت من (م) و(ج ٢).