Indexed OCR Text

Pages 601-620

٦٠١
(٢٠) كتاب الصدقة والهبة والحبس - (٥) باب: فيما جاء في الحُبْس
أصلها وتصدَّقت بها)). قال: فتصدق به عمر: أنه لا يباع أصلها، ولا
إلى ورثته] (١). ومن جهة المعنى: فإنَّها عطيّة على جهة القربة، فتلزم، كالهبة
للمساكين، ولذي الرَّحم، وكالصَّدقة. ولأنَّه قد أُجْمِع على تحبيس المساجد من
غير حكم. ولا فرق بين تحبيسها وتحبيس العقار لا سيَّما على الفقراء والمساكين.
فإذا ثبت هذا: فالحُبْسُ لازمٌ في كلِّ شيءٍ تمكن العطيّةُ فيه.
واختلف عن مالك في تحبیس الحیوان، کالإبل، والخیل، على قولين:
المنع: وبه قال أبو حنيفة، وأبو يوسف.
حكم تحبیس
الحيوان
والصحة: وبه قال الشافعيُّ: وهو الصحيح؛ لأنَّه عطيَّةٌ على وجه القربة،
يتكرر أَجْرُها، كالعقار، وغيره؛ ولأنَّ المسلمين على شروطهم، وقد شرط صاحبُ
الفرس في صدقته: أنها لا تُباع، ولا تُوهب، ولا تُورث. فيَنْفُذُ شرطه. وقد تقدَّم
القولُ على هذا المعنى في باب: العمرى.
فإذا فهمتَ هذا؛ فاعلم: أنَّ الألفاظَ الواقعةَ في هذا الباب إمّا أن يقترنَ معها
ما یدُّ على التأبيد أو لا .
فالأوَّل: نحو قوله: لا يباع، ولا يوهب، ولا يورَّثُ. أو: أبداً. أو: دائماً.
أو: على مجهولين، أو: على العقب. فهذا النَّوع لا يبالي بأيٌّ لفظٍ نُسِقٍ معه؛ لأنَّه
يفيدُ ذلك المعنى؛ كقوله: وقفٌ، أو: حبسٌ. أو: صدقة. أو: عطيّة.
فأما الثاني: وهو إذا تجرَّدَ عمَّا يدلُّ على ذلك، فلفظُ الوقف صریحُ الباب،
فيقتضي التأبيد، والتحريم. ولم يختلفِ المذهبُ في ذلك.
وفي الحُبْس روايتان. إحداهما: أنَّه كالوقف. والثانية: أنَّه يرجع إلى
المحبّس بعد موت المحبَّس عليه. والظاهر الأول؛ لأنه يستعمل في ذلك شرعاً،
(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع) و(ل ١)، ومستدرك من (ج ٢).

٦٠٢
(٢٠) كتاب الصدقة والهبة والحبس - (٥) باب: فيما جاء في الحُبْس
يورث، ولا يوهب. قال: فتصدَّق عمر في الفقراء، وفي القربى، وفي
الرقاب، وفي سبيل الله، وابن السبيل، والضيف، ولا جناح على من وليها
أن يأكل منها بالمعروف، أو يطعم صديقاً غير متمولٍ فيه. وفي رواية: غير
مُتَأَثّلِ مالاً .
وعُرفاً. وأمَّا الصدقةُ: فالظاهر منها: أنها تمليكُ الرقبةِ. وفي روايةٍ: أنَّها كالوقف.
وفيها بُعْدٌ إلا عند القرينة. واختلف فيما لو جَمَعَ بينهما فقال: حُبْسُ صدقةٍ.
والظاهر: أنَّ حكمه حكمُ الحُبْسِ. وصدقةٌ: تأكيدٌ.
و (قوله: فتصدَّق بها عمر في الفقراء، وفي القربى، وفي الرِّقاب، وفي
سبيل الله، وابن السبيل، والضَّيف) قد تقدَّم القولُ في الفقير في كتاب الزَّكاة،
وكذلك: في الرِّقاب، وفي سبيل الله، وفي ابن السبيل. وأمَّا القربى: فظاهره أنَّه
أراد به قرابته. ويُحتمل أن يريدَ به: قرابة النبيِّ ◌َ ﴿ المذكورين في الخمس،
والفيء. وفيه بُعْدٌ؛ لأنه قد أطلق على ذلك الحبس صدقة، وهم قد حرموا
الصدقة، إلا إن تنزَّلنا: على أنَّ الذي حرموه هي الصَّدقةُ الواجبةُ(١) فقط. والرَّافعُ
لهذا الاحتمال الوقوفُ على ما صنع في صدقة عمر. فينبغي أن يبحثَ عن ذلك.
والأولى حَمْلُه على قرابة عمر الخاصة به. والله أعلم.
و (قوله: لا جُناح على من وليها أن يأكلَ منها بالمعروف) هذا رفعٌ للحرج
عن الوالي عليها، والعامل في تلك الصَّدقة في الأكل منها، على ما جرتْ به عادة
العمَّال في الحيطان(٢) من أكلهم من ثمرها حالةَ عملهم فيها. فإنَّ المنعَ من ذلك
نادرٌ، وامتناع العامل من ذلك أندر، حتى أنَّه لو اشترط ربُّ الحائط على العامل فيه
ألَّ يأكلَ لاستُقْبِحَ ذلك عادةً وشرعاً. وعلى ذلك: فيكون المراد بالمعروف: القدر
للوالي أن يأكل
من الحُبْس
بالمعروف
(١) أي: الزكاة.
(٢) ((الحيطان)): جمع حائط، وهو البستان المحاط بجدار.

٦٠٣
(٢٠) كتاب الصدقة والهبة والحبس - (٥) باب: فيما جاء في الحُبْس
رواه أحمد (١٢/٢)، والبخاري (٢٧٣٧)، ومسلم (١٦٣٢)،
وأبو داود (٢٨٧٨)، والترمذي (١٣٧٥)، والنسائي (٦/ ٢٣٠)، وابن ماجه
(٢٩٦).
الذي يدفع الحاجة، ويردُّ الشَّهوة، غير أكلِ بسرفٍ، ولا نَهْمةٍ، ولا متخذاً خيانةً
ولا خُبْنَةَ(١). وقيل: مراد عمر بذلك: أنْ يأكل العاملُ منها بقدر عمله. وفيه بُعْدٌ؛
لأنَّه لا يصحُّ ذلك حتى يُتأوَّلَ (يأكل) بمعنى: (يأخذ)؛ لأنَّ العاملَ إنَّما يأخذُ
أجرته، فيتصرَّف فيها بما شاء من بيع، أو أكلٍ، أو غير ذلك. و (أكل) بمعنى:
(أخذ) على خلاف الأصل، ولأنَّ مساقَ اللفظ لا يُشْعِرُ بقصدٍ إلى أنَّ تلك الإباحة
إنَّما هي بحسب العمل وبقدره. فتأَمَّله، لا سيَّما وقد أردفَ عليه: ويطعم صديقاً
غير متأثّلٍ مالاً. يعني به: صديقاً للوالي عليها، وللعامل فيها. ويحتمل: صديقاً
للمحبِّس. وفيه بُعْدٌ. والمتأثّل للشيء هو: المتَّخِذُ لأصله، حتى كأنَّه قديمٌ عنده.
ومنه قول الشاعر:
وقَدْ يُذْرِكُ المَجْدَ المُؤَثَّلَ أَمْثَالي
وَلَكنَّمَا أَسْعَى لِمَجْدٍ مُؤثّلٍ
أي: المجد القديم المؤصَّل. وأثلةُ الشيء: أصله. وفيه ما يدلُّ: على أنه
يجوزُ الحبسُ على الأغنياء.
(١) ((الخُبْنة)): ما يحمله الإنسان في حِضْنه أو تحت إبطه. قال رسول الله وَله: ((من دَخَل
حائطاً فليأكل ولا يتخذ خُبْنَةً))، رواه الترمذي (١٢٨٧)، وابن ماجه (٢٣٠١).

٦٠٤
(٢٠) كتاب الصدقة والهبة والحبس - (١) باب: الوفاء بالنذر
(٢١)
كتاب النذور والأيْمَان
(١) باب
الوفاء بالنَّذر، وأنَّه لا يرُ من قَدَرِ الله شيئاً
[١٧٣٧] عن ابن عباس قال: استفتى سعدُ بن عبادةَ رسولَ الله وَّل
في نذر کان علی أُمُه، تُوفیت قبل أن
(٢١)
كتاب النذور والأيمان
التُّذور: جمع نَذْرٍ، كَفَلْسٍ، وفلوس. وهو عبارةٌ عن التزام فعل الطَّاعات
بصيغ مخصوصةٍ، كقوله: لِلَّهِ عليَّ صومٌ، أو صلاةٌ، أو صدقةٌ.
والأيمان: جمع يمين، وهو في أصل اللغة: الحَلْفُ(١) بمعظَّم - في نفسه،
أو عند الحالف - على أمرٍ من الأمور؛ من فعلٍ، أو تركٍ، بصيغٍ مخصوصة،
كقوله: واللَّهِ لأفعلنَّ، وبحياتك لأتركنَّ.
وأمَّا تسمية العتق، والطلاق، والصَّدقة المعلقات على أمرٍ مستقبل أيماناً؛
فليست كذلك لغةً، ولا وَرَدَ في كلام الشَّارعِ تسميتها أيماناً، لكن الفقهاء سمَّوا
ذلك أيماناً، فيقولون: كتاب الأيمان بالطّلاق. ومن حلف بطلاق زوجته، أو بعتق
أَمَتِهِ فقال: إن شاء الله؛ لم ينفعه الاستثناء. وهم يريدون: إنْ دخلتِ الدَّار فأنتِ
طالقٌ إن شاء الله. وتسمية هذه أيماناً وَضْعٌ من جهتهم. والأحقُّ بهذا النَّوع أن
يُسمَّى التزاماً؛ لأنه شرطٌ ومشروط، وليس من نوع ما تُسمِّيه العربُ يميناً.
(١) ومن باب: الوفاء بالنَّذر
(قوله: استفتى سعدٌ رسولَ اللهِ ﴿ في نذرٍ كان على أمِّه توفيت قبل أن
(١) ويقال: الحِلْف والحَلِفُ.
استفتاء الأعلم
ما أمكن

٦٠٥
(٢٠) كتاب الصدقة والهبة والحبس - (١) باب: الوفاء بالنذر
تقضيه. قال رسول الله وَالله: ((فاقضه عنها)).
رواه أحمد (٢١٩/١)، والبخاري (٦٦٩٨)، ومسلم (١٦٣٨)،
وأبو داود (٣٣٠٧)، والنسائي (٢٥٣/٦).
[١٧٣٨] وعن عبد الله بن عمر، قال: أخذ رسول الله وَ ل﴾ يوماً ينهانا
عن التُّذور، ويقول: ((إنَّه لا يردُّ شيئاً، وإنما يُستخرج به من الشحيح)).
وفي روايةٍ: قال عليه الصلاة والسلام: ((النذر لا يقدِّمُ شيئاً ولا
يؤخره، وإنما يُسْتَخْرَجُ به من البخيل)).
وفي أخرى: ((إنه لا يأتي بخير)) (بدل): ((لا يقدِّم ولا يؤخِّرُ)).
رواه أحمد (١١٨/٢)، والبخاري (٦٦٩٢)، ومسلم (١٦٣٩).
تقضيه) فيه من الفقه: استفتاءُ الأعلم ما أمكن. وقد اختلف أهلُ الأصول في
ذلك. هل يجبُ على العامِّيِّ أن يبحثَ عن الأعلم، أو يكتفيَ بسؤال عالم - أيٍّ
عالمٍ كان - على قولين. وقد أوضحناهما في الأصول، وبيَّنا: أنَّه يجبُ عليه أن
يبحثَ عن الأعلم؛ لأنَّ الأعلمَ أرجح، والعمل بالرَّاجح واجب.
وقد اختُلِفٍ في هذا النَّذر الذي كان على أمّ سعدٍ. فقيل: إنَّه كان نذراً
مُطْلَقاً. وقيل: صوماً. وقيل: عتقاً. وقيل: صدقة. والكلُّ محتمل، ولا مُعيِّن،
فهو مُجْمَلٌ. ولا خلافَ: أنَّ حقوقَ الأموال - من العتق، والصَّدقة - تصحُّ فيها
النيابةُ، وتصحُّ توفيتُها عن الميّت والحيِّ. وإنَّما اختلفَ في الحجِّ والصوم كما تقدّم حكم وفاء
ذلك في كتابيهما.
النذر على
الوارث إن كان
و (قوله: ((فاقضه عنها))) أمرٌ بالقضاء على جهة الفتوى فيما سُئِل عنه، فلا مالاً أو حقّاً
يحملُ على الوجوب، بل على جهة بيان: أنَّه إن فعل ذلك صحَّ، بل نقولُ: لو وَرَدَ بدنياً
٠

٦٠٦
(٢١) كتاب النذور والأيمان - (١) باب: الوفاء بالنذر
[١٧٣٩] وعن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ الله وَ لِّ قالَ: ((لا تَنْذِرُوا؛ فإنَّ
النَّذر لا يغني من القَدَر شيئاً، وإنما يستخرج به من البخيل)).
رواه أحمد (٤١٢/٢)، والبخاري (٦٦٩٤)، ومسلم (١٦٤٠)،
وأبو داود (٣٢٨٨)، والترمذي (١٥٣٨)، والنسائي (١٦/٧)، وابن ماجه
(٢١٢٣).
ذلك ابتداءً وافتتاحاً لما حُمِلَ على الوجوب، إلا أن يكون ذلك النَّذْرُ ماليّاً،
وتركتْ(١) مالاً، فيجبُ على الوارث إخراجُ ذلك من رأس المال، أو من الثلث،
كما قد ذكرناه في الوصايا. وإن كان حقّاً بدنياً: فمن يقولُ بأنَّ الوليَّ يقضيه عن
الميت؛ لم يقلْ: إنَّ ذلك يجبُ على الوليِّ، بل ذلك على النَّدب إنْ طاعتْ بذلك
نفسُه. ومن تخيَّل شيئاً من ذلك فهو محجوجٌ بقوله وَّهِ: ((من مات وعليه صيامٌ
صام عنه وليُّه لمن شاء)»(٢) وهو نصٍّ في الغرض.
حكم النذر
شرط
و (قوله وَّه: ((لا تَنْذِرُوا؛ فإنَّ النَّذر لا يردُّ من قَدَر الله شيئاً)) هذا النَّذرُ(٣)
المعلق على محلُّه أن يقولَ: إِنْ شفى الله مريضي، أو قَدم غائبي فعليَّ عتقُ رقبةٍ، أو صدقةُ
كذا، أو صومُ كذا. ووجه هذا النَّهي هو: أنَّه لما وقف فِعْل هذه القربة على
حصول غرضٍ عاجلٍ ظهر: أنَّه لم يتمحض له نيَّةُ التقرُّب إلى الله تعالى بما صَدَرَ
منه، بل سلك فيها مَسْلَكَ المعاوضةِ. ألا ترى: أنَّه لو لم يحصُلْ غرضه لم
يفعل؟! وهذه حالُ البخيل؛ فإنَّه لا يُخْرِجُ من ماله شيئاً إلا بعوضٍ عاجلٍ يربي على
ما أخرج. وهذا المعنى هو الذي أشار إليه بقوله وله: ((وإنما يُستخرَجُ به من
البخيل ما لم يكن البخيلُ يُخْرِجِه))، ثمَّ ينضافُ إلى هذا اعتقادُ جاهلٍ يظنُّ: أنَّ
(١) أي: أم سعد.
(٢) رواه أحمد (٦٩/٦)، والبخاري (١٩٥٢)، ومسلم (١١٤٧)، وأبو داود (٢٤٠٠).
(٣) في (ج ٢): النهي.

٦٠٧
(٢١) كتاب النذور والأيمان - (١) باب: الوفاء بالنذر
[١٧٤٠] وعنه، أنَّ النبي ◌َّهِ قال: ((إِنَّ النَّذر لا يقرِّبُ من ابن آدم
النذرَ يوجبُ حصولَ ذلك الغرض، أو: أنَّ اللَّهَ تعالى يفعلُ معه ذلك الغرض لأجل
ذلك النَّذر. وإليهما الإشارةُ بقوله ◌َليهِ: ((فإنَّ النَّذْرَ لا يردُّ من قَدَر الله شيئاً)).
وهاتان جهالتان. فالأولى تُقَارِبُ الكفر. والثانية خطأ صُراح.
وإذا تقرَّر هذا، فهل هذا النهيُ محمولٌ على التحريم، أو على الكراهة؟
المعروفُ من مذاهب العلماء الكراهةُ.
قلتُ: والذي يظهرُ لي: حمله على التحريم في حقٌّ من يُخاف عليه ذلك
الاعتقادُ الفاسد. فيكون إقدامُه على ذلك محرماً. والكراهة في حقٌّ من لم يعتقدْ
ذلك. والله تعالى أعلم.
وإذا وقع هذا النذرُ على هذه الصفة لزمه الوفاء به قطعاً من غير خِلافٍ. وجوب الوفاء
ولقوله وَله: (مَن نَذَرَ أن يُطيعَ اللَّهَ فليطعه)) (١) ولم يفرق بين النذر المعلَّق ولا بالنذر المعلّق
غيره. وممَّا يلحق بهذا النَّهي في الكراهة: النَّذر على وجه التَّبُّم والتَّحرُّج.
فالأول: كمن يستثقلُ عبداً لقلَّة منفعته، وكثرة مؤنته، فيَنْذِر عتقه تخلُّصاً منه،
وإبعاداً له. وإنَّما يُكْرَهُ ذلك لعدم تمخُض نِيَّة القُرْبَةِ. والثاني: أن يقصد التضييق
على نفسه، والحمل عليها؛ بأن يَنْذِرَ كثيراً من الصوم، أو من الصلاة، أو غيرهما
ممَّا يؤدي إلى الحرج والمشقَّة مع القُدرة عليه. فأمَّا لو التزمَ بالنَّذر ما لا يُطيقه
لكان ذلك محرَّماً. فأمَّا النَّرُ الخارجُ عمَّا تقدَّم: فما كان منه غير معلَّق على شيءٍ،
وكان طاعة؛ جاز الإقدامُ عليه، ولزم الوفاءُ به. وأمَّا ما كان منه على جهة الشُّكر:
فهو مندوبٌ إليه؛ كمن شُفي مريضه فقال: للَّه عليَّ أن أصومَ كذا، أو أن أتصدق
بكذا شكراً لله تعالى.
(١) رواه أحمد (٣٦/٦)، والبخاري (٦٦٩٦)، وأبو داود (٣٢٨٩)، والترمذي (١٥٢٦)،
والنسائي (١٧/٧)، وابن ماجه (٢١٢٦).

٦٠٨
(٢١) كتاب النذور والأيمان - (١) باب: الوفاء بالنذر
شيئاً لم يكن الله قدَّره، ولكن النذرُ يُوافق القدر فيُخرَج بذلك من البخيل ما
لم يكن البخيل يريد أن يُخْرِجَ)).
رواه أحمد (٣٧٣/٢)، ومسلم (١٦٤٠) (٧).
كراهة النذر
مطلقاً
وقد روي عن مالك كراهة النذر مطلقاً. فيمكن حَمْلُه على الأنواع التي بيًَّّا
كراهتها. ويمكن حَمْلُه على جميع أنواعه؛ لكن من حيث: إنَّه أوجبَ على نفسه ما
يخافُ عليه التفريط فيه، فيتعرض لِلَوْمِ الشَّرع وعقوبته. كما قد كُرِهِ الدُّخولُ في
الاعتكاف. وعلى هذا فتكون هذه الكراهةُ من باب تسمية ترك الأولى مكروهاً.
وَوَجْهُ هذا واضحٌ. وهو: أنَّ فِعْل القُرَب من غير التزامها خيرٌ محضٌ، عَرِيٍّ عن
خوف العقاب، بخلاف الملتزم لها؛ فإنَّه يخاف عليه ذلك فيها. وقد شهدَ لهذا ذمُّ
من قصَّر فيما التزم في قوله تعالى: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: ٢٧]. ولا
إشكال في أنَّ الَّذْرَ من جملة العقود والعهود المأمور بالوفاء بها، وأنَّ الوفاءَ بذلك
مِنْ أعظم القُرَبِ المُثْنَى عليها. وكفى بذلك مَدْحاً وتعزيزاً قوله تعالى: ﴿يُوقُونَ بِالنَّذْرِ
وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان: ٧].

٦٠٩
(٢١) كتاب النذور والأيمان - (٢) باب: لا وفاء لنذرٍ في معصية
(٢) بابُ
لا وفاء لنذرٍ في معصيةٍ،
ولا فيما لا يملكُ العَبْدُ
[١٧٤١] عن عمران بن حُصين قال: كانت ثقيفُ حلفاءَ لبني عُقَيْلِ.
فأسَرَتْ ثقيفُ رجلين من أصحاب رسولِ اللهِوَّهِ، وأَسَرَ أصحابُ
رسولِ اللهِوَ﴿ رجلاً من بني عُقَيْلِ، وأصابوا معه العضباءَ، فأتى عليه
رسولُ اللهِ﴿ وهو في الوَثَاقِ. قال: يا محمد! فأتاه. فقال: ((ما شأنك؟))
فقال: بِمَ أخذتني؟ وبِمَ أخذت سابقة الحاجِّ؟ قال: (إعظاماً لذلك)
(٢) ومن باب: لا وفاء لنذرٍ في معصية الله
ولا فیما لا يملك العبد
الحلفاء: جمع حليفٍ، كظرفاء: جمع ظريفٍ. والحليف: اسم فاعل من
حلف، عُدِلَ عن حالفٍ للمبالغة. وقد كثر حتى صار كالأسماء. والمحالفة،
والتحالف: التعاهد والتعاقد على التناصر والتعاضد. والأسر: الأخذ. وأصله:
الشَّدُّ والرَّبط. قاله القتبي. والعضباء: اسم للناقة. وهي التي صارت للنبيِّ وَّ إِمَّا
بحكم سهمه الخاصِّ به من المغنم المسمَّى بـ (الصفيِّ) وإمَّا بالمعاوضة الصحيحة.
وهي المسمَّاة بالجَدْعَاءِ، والقَصْوَاء، والخَرْمَاء في رواياتٍ أُخر. وقد ذكرنا
الخلاف فيها فيما تقدَّم. والعَضْبُ، والقصو، والجَدْع، والخَرْم، كلُّها بمعنى
القطع. وسميت هذه النَّقة بتلك الأسماء لأنها كان في أذنها قطعٌ، وسميت به،
فصدقت عليها تلك الأسماء كلُّها. وعلى هذا: فأصولُ هذه الأسماء تكون صفاتٍ
لها، ثمَّ كثرت فاستعملت استعمال الأسماء.
و (قول الرجل المأسور: يا محمَّد! بم أخذتني، وأخذتَ سابقةَ الحَاجِّ؟) هو
استفهام عن السبب الذي أوجبَ أخذَه وأخذَ ناقته. وكأنَّه كان يعتقد: أنَّ له أو

٦١٠
(٢١) كتاب النذور والأيمان - (٢) باب: لا وفاء لنذرٍ في معصية
((أخذتك بجريرة حُلفائك ثقيف))، ثم انصرف عنه فناداه. فقال: يا محمد!
يا محمد! وكان رسول الله صل﴾ رحيماً رقيقاً. فرجع إليه فقال: ((ما شأنك؟))
قال: إنِّي مسلم.
لقبيلته عهداً من النبيِّ وَهِ. فأجابَه النبيُّ ◌َ﴿ بذكر السبب إعظاماً لحقِّ الوفاء،
وإبعاداً لنسبة الغدر إليه. فقال: ((أخذتُك بجريرة حلفائِك ثقيفٍ)) أي: بما فعلته
ثقيفٌ من الجناية التي نقضوا بها ما كانَ بينَهم وبينَ رسول الله صلّ من العهد(١).
وكانت بنو عقيل دخلوا معهم في ذلك. فإمَّا بحكم الشرط - وفيه بعد - والظاهر
أنَّهم دخلوا معهم بحكم الحِلْف الذي كان بينَهم. ولذلك ذكر حلفهم في الحديث.
ولما سمع الرَّجلُ ذلك لم يجدْ جواباً، فسكتَ. وعنى بسابقة الحاجُّ: ناقته
العضباء. فإنها كانت لا تُسبق. وقد كانت معروفة بذلك، حتى جاء أعرابيٌّ بقَعودٍ
له؛ فسبقَها؛ فعظمَ ذلك على أصحابٍ رسول الله ◌ِصَله، وقالوا: سُبقت العضباء.
فقال رسولُ اللهِ وَلّهِ: ((إنَّ حقّاً على اللَّهِ ألا يُرفعَ شيء من الدُّنيا إلا وضعه))(٢).
و (قوله: ثم انصرف، فنادَاه: يا محمَّدُ! يا محمّدُ!) هذا النِّداء من الرَّجل
على جهة الاستلطاف، والاستعطاف، ولذلك رقَّ له رسولُ اللهِ له فرجعَ له وقال
له: ((ما شأنك؟» - رحمةً ورفقاً - على مقتضى خلقه الكريم، ولذلك قال الراوي:
وكان رسول الله صل﴿ رحيماً رفيقاً.
حكم إسلام
الأسير
و (قوله: إنِّي مسلمٌ) ظاهر هذا اللفظ: أنَّه قد صار مسلماً بدخوله في دين
(١) في حاشية (م): فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الإسراء:
١٥] قيل: لما نقض حلفاؤهم رضوا هم بذلك، والراضي كالفاعل. وجواب ثان: أي:
أنهم كفار لا عهدَ لهم، والكافرُ الذي لا عهدَ له مباح مالُه ودمُه، فيكون معنى قولهم:
(بجريرة حلفائك)) أي: بمثل دينهم من الكفر. وجواب ثالث: أن يُقدَّرَ في الكلام
حذف معناه: أخذناك لتفادي بك من حلفائك.
(٢) رواه البخاري (٢٨٧٢)، وأبو داود (٤٨٠٣).

٦١١
(٢١) كتاب النذور والأيمان - (٢) باب: لا وفاء لنذر في معصية
قال: ((لو قلتها وأنت تملك أمرك أفلحت كلَّ الفلاح. ثُمَّ انصرف، فناداه
فقال: يا محمد! يا محمد! فأتاه فقال: ((ما شأنك؟)) قال: إني جائع
فأطعمني، وظمآن فاسقني. قال: ((هذه حاجتُك)). ففُديَ بالرَّجُلَين. فقال:
وأُسرت امرأة من الأنصار، وأُصيبتِ العضباء، فكانت المرأة في الوثاق،
الإسلام .. وظاهرُ قوله وَل﴿ أنَّه لم يقبلْ ذلك منه؛ لمَّا أجابه بقوله: ((لو قلتَها وأنت
تملكُ أمرَك أفلحتَ كلَّ الفَلاَحِ)) وحينئذٍ يلزمُ منه إشكالٌ عظيمٌ؛ فإنَّ ظاهرَه: أنَّه لم
يُقْبَلْ إسلامُه لأنه أسيرٌ مغلوبٌ عليه، لا يملك نفسَه. وعلى هذا: فلا يصحُّ إسلام
الأسير في حال كونه أسيراً، وصحةُ إسلامه معلومٌ من الشريعة، ولا يُختلف [فيه،
غير أنَّ إسلامَه لا يُزيل ملكَ مالكه بوجهٍ. وهو أيضاً معلومٌ من الشَّارِع](١). ولما
ظهر هذا الإشكال اختلفوا في الانفصال عنه. فقال بعضُ العلماء: يمكن أن يكون
علم النبيُّ وَله من حاله: أنَّه لم يصدقْ في ذلك بالوحي. ولذلك لمَّا سأله في المرَّة
الثالثة فقال: إنِّي جائعٌ فأطعمني، وظمآن فاسقني! قال: ((هذه حاجتُك)). وقال
بعضُهم: بل إسلامه صحيحٌ، وليس فيه ما يدلُّ: على أنَّه ردَّ إسلامَه.
فأمَّا قوله: ((لو قلتَها وأنت تملكُ أمرَك أفلحتَ كلَّ الفلاح)) أي: لو قلتَ
كلمةَ الإسلام قبلَ أن تؤسرَ لبقيت حرّاً من أحرار المسلمين، لك ما لهم من الحرِّیة
في الدُّنيا، وثوابُ الجنَّة في الآخرة. وأمَّا إذا قلتها وأنت أسير: فإنَّ حكم الرقّ
لا یزول عنك بإسلامك. فإن قيل: فلو كان مسلماً فکیف یُفادی به من الكفار رجلان
مسلمان؟! فالجواب: أنَّه ليس في الحديث نصٌّ: أنَّه رجع إلى بلاده بلاد الكفر.
فيمكن أن يُقال: إنَّما فدي بالرَّجلين من الرِّقِّ فأعتق منه بسبب ذلك، وبقي مع
المسلمين حرّاً من الأحرار. وليس في قوله: ((هذه حاجتُك)) ما يدلُّ: على أنَّ
إسلامه ليس بصحيح، كما ظنّه القائل الأول. وإنما معنى ذلك: هذه حاجتك
حاضرةٌ مُتيسّرَةٌ.
(١) ما بين حاصرتين سقط من (ع).

٦١٢
(٢١) كتاب النذور والأيمان - (٢) باب: لا وفاء لنذرٍ في معصية
وكان القوم يُريحونَ نَعَمهَم بين يدي بيوتهم، فانفلتت ذات ليلةٍ من الوثاق
فأتت الإبلَ، فجعلت إذا دنت من البعير رغا فتتركه، حتى تنتهي إلى
العضباء، فلم ترغُ، قال: وناقةٌ مُنَوَّقةٌ! فقعدتْ في عَجُزِها، ثم زجرتها،
فانطلقت، ونذروا بها، فطلبوها،
قلتُ: وهذا الوجه الثاني أولى؛ لأنَّه لا نصَّ في الحديث يردُّه، ولا قاعدةَ
شرعيةً تُبطله. والله تعالى أعلم.
و (قوله: وكان القوم يريحون نعمَهم بين أيدي بيوتهم) النَّعم هنا: الإبل،
وإراحتها: إناختها لتستريحَ من تعب السَّير ومشقّة السفر. و (بين أيدي بيوتهم)
بمعنی: عند بيوتهم وبحضرتها.
و (قوله: وناقةٌ مُنوَّقةٌ) أي: مذللةٌ، مدرَّبةٌ، لا نَفْرَةَ عندها. وهي المجرَّبة
أيضاً. هذا قول العلماء، ويظهر لي: أنَّ كونها مُدرَّبةً ليس موجباً لئلا ترغو؛ لأنَّا
قد شاهدنا من الأباعر والنُّوق ما لم يزل مدرَّباً على العمل ومع ذلك فيرغو عند
ركوبه، وعند الحمل عليه، وكأن هذه الناقة إنَّما كانت كذلك إمَّا لأنها دُرِّبت على
ترك الرُّغاء من صغرها، وإمَّا لأنَّها كان لها هوىّ في السَّير والجري لنشاطها، فكلَّما
حُرِّكت بادرت لما في هواها، وإمَّا لأنها خُصَّت في أصل خِلْقَتها بزيادة هُدُوء، أو
كان غير ذلك ببركة ركوب رسول الله وَلۉ عليها.
و (قوله: فقعدتْ في عَجُزِهَا) أي: ركبتها. والعَجُز: المؤخر.
و (قوله: نَذِروا بها) أي: علموا. وهو بكسر الذَّال المعجمة في الماضي،
وفتحها في المستقبل (نذارة) في المصدر. ونذَر، ينذِر - بفتحها في الماضي،
وكسرها في المستقبل - نذراً، أي: أوجبَ. يقال: نَذِرْتُ بالشيء. أي: علمته
ونذَرْتُ الشيءَ. أي: أوجبته. ابن عرفة: النذر: ما كان وعداً على شرطٍ، فإن لم
يكن شرطٌ لم يكن نذراً. فلو قال: لله عليَّ صدقةٌ؛ لم يكن ناذراً حتى يقولَ: إن
شفى الله مريضي؛ أو قدم غائبي.

٦١٣
(٢١) كتاب النذور والأيمان - (٢) باب: لا وفاء لنذرٍ في معصية
فأعجزتهم. قال: فنذرت الله: إنْ نجَّاها الله عليها لتنحرثَها. فلمَّا قدمت
المدينة رآها النَّاسُ. فقالوا: العضباء! ناقةُ رسول الله وَّه! فقالت: إنَّها
نذرت إنْ نجاها الله عليها لتنحرَّها. فأتوا رسول الله والفر فذكروا ذلك له.
فقال: ((سبحان الله! بئسما جَزَتْها، نذرت لله إن نجاها الله عليها لتنحرئَّها،
قلتُ: والمشهور عدم التفرقة، وأنَّ كلَّ ذلك نذرٌ عند اللغويين والفقهاء.
والإنذار: الإعلام بما يخاف منه.
و (قوله: أعجزتهم) أي: سبقتهم، ففاتتهم، فعجزوا عنها. ومنه قوله
تعالى: ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَّنْ تُّتْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَن نُّتَجِزَمُ هَرَبَا﴾ [الجن: ١٢]. أي: لن
تفوته، فلا يَعجزُ عنّا.
و (قوله: فنذرت لِلَّه: إنْ نجَّاهَا اللَّهُ عليها لتنحرنَها) ظنَّت هذه المرأة: أنَّ لا نذرَ فيما
ذلك النَّذر يلزمها بناء منها: على أنَّها لما استنقذتها من أيدي العدوِّ ملكتَها، أو لا يكون مملوكاً
جازَ لها التصرُّف فيها لذلك. فلمَّا أُعلمَ بذلك النبيُّ ◌َ ﴿ أجابَها بما يُوضح لها: أنَّها للناذر
لم تملكها، وأنَّ تصَرُّفَها فيها غير صحيح.
و (قوله وَّجُ: ((بئس ماجَزَتْها))) ذمّ لذلك النَّذر، من حيث أنه لم يُصادف
محلّاً مملوكاً لها، ولو كانت ملكاً لها للزمها الوفاءُ بذلك الَّذْر؛ إذ كان یکونُ نذرَ
طاعةٍ، فيلزمُ الوفاءُ به اتفاقاً. هذا إن كان ذلك الذَّمُ شرعياً. ويمكن أن يقال: إنَّما
صدر هذا الذَّمُ منه لأنَّ ذلك النذر مُستقبحٌ عادةً، لأنَّه مقابلةُ الإحسان بالإساءة.
وذلك: أنَّ النَّاقة نَجَّتْها من الهَلكة، فقابلتها على ذلك بأن تُهلكَها. وهذا هو الظاهر
من قوله ◌َّ﴾: ((سبحانَ الله! بئس ماجَزَتْها! نذرتْ لله: إنْ نجَّاها اللَّهُ عليها
لتنحرنَّها)». وفي هذا الحديث حجَّةٌ: على أنَّ ما وُجد من أموال المسلمين بأيدي
الكفَّار، وغلبوا عليه، وعُرف مالكُه؛ أنَّه له دون آخذه. وفيه مستروحٌ لقول من
يقول: إنَّ الكفار لا يملكون. وقد تقدَّم الكلام في ذلك.

٦١٤
(٢١) كتاب النذور والأيمان - (٢) باب: لا وفاء لنذرِ في معصية
لا وفاء لنذرٍ في معصيةٍ، ولا فيما لا يملك العبدُ».
وفي روايةٍ: ((لا نذر في معصية الله)).
و (قوله: ((لا وفاءَ لنذرِ في مَعصيةٍ، ولا فيما لا يملكُ العبدُ))) ظاهر هذه
لا وفاء في نذر
المعصية
الكلمة يدل: على أنَّ ما صدرَ من المرأة نذرُ معصيةٍ؛ لأنَّها التزمتْ أن تُهلكَ ملكَ
الغير، فتكونَ عاصيةً بهذا القصد. وهذا ليس بصحيح؛ لأن المرأة لم يتقدَّم لها من
النبيِّ ◌َ﴿ بيان تحريم ذلك، ولم تقصدْ ذلك. وإنَّما معنى ذلك - والله تعالى
أعلم -: أنَّ من أقدمَ على ذلك بعد التقدِمة، وبيان: أنَّ ذلك محرَّمٌ؛ كان عاصياً
بذلك القصد. ولا يدخلُ في ذلك المعلَّق على الملك، كقوله: إنْ ملكت هذا
حكم النذر البعير فهو هديٌّ، أو صدقةٌ؛ لأنَّ ذلك الحكم معلقٌ على ملكه، لا ملك غيره.
المعلق على وليس مالكاً في الحال، فلا نذر. وقد تقدَّم الكلام على هذا في الطَّلاق والعتق
الملك
المعلَّقين على الملك. وأنَّ الصحيحَ لزومُ المشروط عند وقوع الشَّرط. وفيه دليلٌ:
على أنَّ من نذَر معصيةً حَرُمَ عليه الوفاء بها، وأنَّه لا يلزمُه على ذلك حكمٌ بكفارة
يمين، ولا غيره. إذ لو كان هنالك حكمٌ لبيَّته للمرأة؛ لأنه لا يجوز تأخير البيان
عن وقت الحاجة. وعليه جمهورُ العلماء. وذهبَ الكوفيُّون: إلى أنَّه يحرمُ عليه
الوفاء بالمعصية، لكنْ تلزمه كفارة يمينٍ؛ متمسكينَ في ذلك بحديثٍ معتلٌ عند
أهل الحديث. وهو ما يُروى من حديث عائشة - رضي الله عنها - عن النبيُّ وَّهِ أنَّه
قال: ((لا نذرَ في معصية، وكفارته كفارة يمينٍ))(١)، ذكره أبو داود، والطحاوي،
والصحيح من حديث عائشة ما خرَّجه البخاريُّ عن النبيِّ وَّهِ: (مَنْ نذرَ أن يُطيعَ
اللَّه فليطعْه، ومَنْ نذرَ أن يعصيَه فلا يَعصِه)) (٢) وليس فيه شيءٌ من ذلك.
والله تعالى أعلم.
ثمَّ: الَّذرُ إمَّا طاعةٌ، فيجب الوفاء به بالاتفاق، أو: معصيةٌ، فيحرمُ الوفاء به
(١) رواه أبو داود (٣٢٩٠).
(٢) رواه البخاري (٦٦٩٦).

٦١٥
(٢١) كتاب النذور والأيمان - (٢) باب: لا وفاء لنذرٍ في معصية
وفي روايةٍ: كانت العضباء لرجلٍ من بني عُقيل، وكانت من سوابق
الحاجِّ. وقال: فأتت على ناقةٍ ذلولٍ مُجَرَّسَةٍ.
وفي أخرى: وهي ناقةٌ مدربةٌ.
رواه أحمد (٤٣٠/٤)، ومسلم (١٦٤١)، وأبو داود (٣٣١٦).
*
بالاتفاق. أو: لا طاعة، ولا معصية، وهو المكروه والمباح، فلا يلزم الوفاء بشيءٍ
منهما. وهو مكروه؛ لأنَّه من تعظيم ما لا يُعظَّم. وهو مذهبُ الجمهور. وشدَّ
أحمد بن حنبل، فقال: إذا نذرَ مباحاً لزمَه: إمَّا الوفاء به، أو: كفَّارة يمين.
[وحيث قلنا: بلزوم الوفاء فلا اعتبارَ بالوجه الذي يخرجُ عليه النَّذرُ من تبرُرٍ، أو
لجاج، أو غضبٍ، أو غير ذلك. وهو مذهب الجمهور. وقال الشَّافعيُّ في نذر
الحرج المعيَّن: مخرجه: هو بين الوفاء به، وبين كفارة يمينٍ](١). وعموم قوله:
((من نذرَ أن يُطِيعَ الله فليطعْه)) حَّةٌ. وكلُّ ما روي في هذا الباب عن النبيّ وَّلـ
من قوله: ((لا نذرَ في غضبٍ، أو غيظٍ، وكفَّارته كفارة يمين))(٢) لا يصحُّ من طرقه
شيءٌ عند أئمة المحدثین.
ومن أوضح الحجج في عدم وجوب الكفارة على أنَّ من نذر معصيةً، أو ما عدم وجوب
لا طاعة فيه أنَّه لا تلزمُه کفارةٌ حديث أبي إسرائيل الذي خرَّجه مالك مرسلاً،
الكفارة على
من نذر معصية
والبخاريُّ، وأبو داود مسنداً عن ابن عبّاس، وهذا لفظه. قال: بينما النبيُّ وَّ
يخطبُ إذا هو برجلٍ قائم في الشَّمس فسألَ عنه؛ فقالوا: هذا أبو إسرائيل نذرَ أن
يقومَ، ولا يقعدَ، ولا يُستظِلَّ، ولا يتكلّم، ويصومَ. فقال: ((مُروهُ فليتكلَّمْ،
وليستظلَّ، وليقعدَ، وليتمَّ صومَه))(٣). قال مالكٌ: ولم أسمعْ أَنَّ رسولَ اللهِنَّهِ أمرَه
بكفارةٍ.
(١) ما بين حاصرتين سقط من (ع).
(٢) رواه النسائي (٢٨/٧ -٢٩).
(٣) رواه البخاري (٦٧٠٤)، ومالك في الموطأ (٤٧٥/٢)، وأبو داود (٣٣٠٠).

٦١٦
(٢١) كتاب النذور والأيمان - (٣) باب: فيمن نذر أن يمشي إلى الكعبة
(٣) باب
فيمن نذر أن يمشي إلى الكعبة
[١٧٤٢] عن أنس: أنَّ النَّبيَّ ◌َ﴿ رأى شيخاً يُهادى بين ابنيه قال:
((ما بال هذا؟)) قالوا: نَذَرَ أن يمشي. فقال: ((إنَّ الله عن تعذيب هذا نَفْسَهُ
لغنيٌّ)) وأمره أن يركب.
رواه أحمد (١١٤/٣)، والبخاري (١٨٦٥)، ومسلم (١٦٤٢)،
وأبو داود (٣٣٠١)، والترمذي (١٥٣٧)، والنسائي (٧/ ٣٠).
(٣) ومن باب: نذر المشي إلى بيت الله
حكم الوفاء
(قوله: إنَّه رأى شيخاً يُهادى بين رجلين(١)) أي: يمشي بينهما متوكئاً
بنذر المشي إلى عليهما، كما فسّره في الرواية الثانية. وكان يفعلُ ذلك لضعفه عن المشي. وفي
البيت الحرام
على المستطيع
هذا الحدیث وحدیث أخت عقبة المذکور بعد هذا ۔ وهو أنصُّ مما قبله - دليلٌ:
على أنَّ نذر المشي إلى البيت الحرام يجبُ الوفاءُ به لمن قدر عليه، فإن لم يقدر
وَجَبَ عليه المضيُّ راكباً. وظاهرهما: لزوم المشي، وإن لم يذكر حجّاً ولا عمرةً،
كما هو مذهبُ مالكِ؛ لأنَّه لما سأله عقبةُ عمَّن نذر المشي إلى البيت مطلقاً،
فأجاب عنه، ولم يستفصلْ، تعيَّن حملُ الجواب على إطلاق ذلك السؤال؛ إذ لو
اختلف الحالُ بقيدٍ لسأل عنه، أو لبيَّته؛ إذ لا يجوزُ تأخيرُ البيان عن وقت الحاجة.
وإلى هذا ذهب الشافعيُّ. وهو مرويٍّ عن عليٍّ، وابن عباس. وقال أبو حنيفة: إن
لم يسمُّ حجاً ولا عُمْرة لم يلزمه مشيٍّ، ولا شيءٌ جملةً واحدةً. وقال الحسن
البصريُّ: إِنْ نَذَرَ حجّاً أو عُمْرةً فلا مشي عليه، ويركبُ وعليه دمٌّ. وقاله أبو حنيفة
أيضاً. والحجَّةُ عليهما ما تقدَّم.
و (قوله وَله: ((إنَّ الله عن تعذيب هذا نفسَه لغنيٌّ) أي: لم يكلِّفْه بذلك. ولم
(١) في أصول التلخيص: ابنين.

٦١٧
(٢١) كتاب النذور والأيمان - (٣) باب: فيمن نذر أن يمشي إلى الكعبة
[١٧٤٣] وعن أبي هريرة، أنَّ النبي ◌َلو أدرك شيخاً يمشي بين ابنیه،
يتوكَّأُ عليهما. فقال النبيِ وَله: ((ما شأنُ هذا؟!)) قال ابناه: يا رسول الله!
يُخرِجْهُ إليه؛ لأنَّ غير مستطيع. وفي اللفظ الآخر: ((إنَّ اللَّهَ لغنيٌّ عنك وعن نذرك))
أي: عن مشيك الذي لا تستطيعه، لا أنَّ أَصْلَ النذر يسقطُ عنه؛ فإنَّه قد أمره
بالرُّكوب. وخرجتْ هذه العبارة على ما تعارفناه بيننا: من: أنَّ مَن استغنى عن
شيءٍ لم يَلْتَفِتْ إليه، ولم يَعْبَأ به. وكيف لا، واللَّهُ تعالى هو الغني الحميد، وكلُّ
الموجودات مفتقرةٌ إليه افتقار ضعفاء العبيد. وظاهِرُ حديث هذا الشیخ: أنَّه كان قد
عجز عن المشي في الحال، وفيما يأتي بعدُ، ولذلك لم يقلْ له النبيُّ وَّ ما قال
لأخت عقبة: ((مُرْها فلتمشٍ ولتركب)) فإنها كانت ممن يقدر على بعض المشي،
فأمرها أن تركبَ ما عجزت عنه، وتمشي ما قدرت عليه. وهذا هو المناسبُ هل يلزم الدم
لقواعد الشريعة. ولم يذكرْ لواحدٍ منهما وجوب دم عليه، ولا ذكر لأخت عقبة على من ترك
المشى، أم
وجوب الرُّجوع لتمشي ما ركبته. فأمَّا من يئس عن المشي فلا رجوعَ عليه قولاً يُستحب؟
واحداً، ولا يلزمه دمّ؛ إذ لم يخاطب بالمشي، فيكون الدَّمُ بدله، وإنَّما هو
استحبابٌ عند مالك. وأمَّا من خوطب بالمشي فركب لموجبٍ مَرَضٍ، أو عجزٍ:
فيجبُ عليه الهديُ عند الجمهور. وقال الشَّافعيُّ: لا يجبُ عليه الهدي، ويختار له
الهدي. وروي عن ابن الزبير: أنَّه لم يجعل عليه هدياً (١) متمسّكاً بما قررناه من
الظاهر. وقد تمسّك الجمهورُ بزيادةٍ زادها أبو داود، والطحاويُّ في حديث عقبة.
وهذا لفظه: قال عقبةُ بن عامر: أنَّه أتى النبيَّ ◌َ ﴿ فأخبره: أن أخته نذرت أن تمشي
إلى الكعبة حافيةً ناشرةً شعرها. فقال له النبيُّ ◌َله: ((مرها فلتركب، ولتختمر،
ولتهدٍ هدياً)). وعند أبي داود: بدنةً، وليس فيه: ناشرة شعرها. وزيادة الهدي قد
رواها عن النبيِّ ◌َّه مع عقبة بن عامرٍ ابن عبَّاسٍ. ورواها عنهما الثقات، فلا سبيلَ
(١) في (ل ١) و(ج ٢): دماً.

٦١٨
(٢١) كتاب النذور والأيمان - (٣) باب: فيمن نذر أن يمشي إلى الكعبة
كان عليه نذرٌ. فقال النبي ◌َّله: ((اركب أيها الشيخ! فإنَّ الله غنيٌّ عنك وعن
نذرك)).
رواه أحمد (٣٧٣/٢)، ومسلم (١٦٤٣)، وأبو داود (٣٣٠١).
إلى ردِّها. وليس سكوتُ مَن سكت عنها حجَّةً على من نطق بها. وقد عمل بها
الجماهيرُ من السلف وغيرهم.
ثمَّ هل يجبُ عليه مع الهدي الرجوعُ فيمشي ما ركبه أم لا؟ اختلف فيه.
فقيل: لا يجبُ عليه مطلقاً. وإليه ذهب الشافعي، وأهل الكوفة، وهذا أحدُ قولي
ابن عمر. وقيل: يرجع. وإليه ذهب سلفُ أهل المدينة، وابن الزبير. وهو القولُ
الآخر عن ابن عمر. وفرَّق مالكٌ فقال: إنْ كان المشي يسيراً لم يرجع، ويرجع في
الكثير، ما لم يرجع لبلده البعيدة، فيكفيه الدَّم.
قلتُ: والتمشُّكُ بحديث عقبة في ترك إيجاب الرُّجوع ظاهرٌ، وعَمَلُ سلفِ
أهل المدينة باهرٌ.
تقييد النذر
و (قوله: إنَّ الشيخ نذر أن يمشي) يعني به: إلى بيت الله؛ لأنَّه عرَّف
بالمشي إلى المشى، كما قال عُقْبة: إن أخته نذرت أن تمشي إلى بيت الله. وقال الطحاويُّ:
بيت الله الحرام
إلى الكعبة. ولم يرد فيما صحَّ من الحديث أكثر من هذين اللفظين: بيت الله،
والكعبة. وألحق العلماءُ بهما ما في معناهما، مثل أن يقول: إلى مكة، أو ذكرَ
جزءاً من البيت. وهذا قولُ مالكِ وأصحابه. واختلف أصحابُه فيما إذا قال: إلى
الحرم، أو مكاناً من مدينة مكة، أو المسجد. هل يرجعُ إلى البيت أم لا؟ على
قولين. وقال الشَّافعيُّ: من قال: عليَّ المشيُّ إلى شيءٍ ممَّا يشتملُ عليه الحرم؛
لزمه. وإن ذكر ما خرج عنه؛ لم يلزمه. وبه قال أبو يوسف، ومحمَّد بن الحسن،
وابن حبيبٍ من أصحابنا، إلا إذا ذكر عرفاتٍ؛ فيلزمه؛ وإن كانت خارج الحرم.
وقال أبو حنيفة: لا يلزمه في هذا مشيٍّ ولا مسيرٌ في القياس، لكن الاستحسان في

٦١٩
(٢١) كتاب النذور والأيمان - (٣) باب: فيمن نذر أن يمشي إلى الكعبة
[١٧٤٤] وعن عقبة بن عامر، أنه قال: نَذَرتْ أُختي أن تمشي إلى
بيت الله حافيةً. فأمرتني أن أستفتي لها رسولَ اللهِوَظَاهِ. فاستفيتهُ، فقال:
((لتمش ولْتَرْكب».
رواه البخاري (١٨٦٦)، ومسلم (١٦٤٤)، وأبو داود (٣٢٩٣)،
والترمذي (١٥٤٤)، والنسائي (١٩/٧).
قوله: إلى بيت الله، أو الكعبة، أو مكة فقط. وكلُّ هذا إذا ذَكَرَ المشي، فلو قال:
عليَّ المسيرُ إلى مكة، أو الانطلاق، أو الذهاب؛ فلا شيءَ عليه؛ إلا أن يقول: في
حجّ، أو عمرةٍ، أو ينويهما. وتردَّد قولُ مالك في الرُّكوب، وأوجب أشهب الحجّ
والعُمْرَةَ فيهما، كالمشي. وكلُّ هذا: إذا ذكر مكة، أو موضعاً منها على ما
فصّلناه.
فلو قال: عليَّ المشي إلى مسجدٍ من المساجد الثلاثة لم يلزمه المشي عند
ابن القاسم، بل المضيُّ إليها. وقال ابن وهب: يلزمه المشيُ. وهو القياس. ولو
قال: إلى مسجدٍ غير هذه الثلاثة. قال ابنُ المؤَّاز: إن كان قريباً كالأميال، لزمه
المشي إلیه، وإن كان بعيداً لم يلزمه.

٦٢٠
(٢١) كتاب النذور والأيمان - (٤) باب: كفّارة النذر غير المسمى كفّارةُ يمين
(٤) باب
كفارة النذر غير المسمَّى كفارةٌ یمینِ
والنهي عن الحلف بغير الله تعالى
[١٧٤٥] عن عقبة بن عامرٍ، عن رسول الله ◌َّه قال: ((كفارةُ النَّذر
کفارةُ اليمينِ)) .
رواه مسلم (١٦٤٥)، وأبو داود (٣٣٢٣)، والترمذي (١٥٢٨)،
والنسائي (٢٦/٧).
(٤) ومن باب: كفَّارة النَّذر غير المسمَّى
(قوله: كفارة النَّذر كفارة اليمين) يعني به: النذر الذي لم يُسمَّ مخرجه
بدلیلین:
أحدهما: أنَّ هذا الحديث قد رواه أبو داود من حديث ابن عبّاس مرفوعاً:
((من نذر نذراً لم يسمِّه فكفارته كفارة يمين))(١). فقيَّد في هذا الحديث ما أطلقه في
حدیث عقبة.
وثانيهما: أنَّه ◌َ ﴿ أمر أبا إسرائيل بإتمام الصوم الذي نذره(٢)، وقال: ((من
نذر أن يطيع الله فليطعه. ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه))(٣). ولا يتميَّزُ آحادُ
النوعين إلا بالتعيين والتسمية.
والمفهوم من الأمر بالوفاء بالنذر: أن يفعل عين ما التزمه. وأمَّا ما لم يُعَيَّن
(١) رواه أبو داود (٣٣٢٢).
(٢) رواه البخاري (٦٧٠٤)، ومالك في الموطأ (٢/ ٤٧٥)، وأبو داود (٣٣٠٠).
(٣) رواه أحمد (٣٦/٦)، والبخاري (٦٦٩٦)، وأبو داود (٣٢٨٩)، والترمذي (١٥٢٦)،
والنسائي (١٧/٧)، وابن ماجه (٢١٢٦).