Indexed OCR Text

Pages 521-540

٥٢١
(١٨) كتاب البيوع - (٣٥) باب: النهي عن الحكرة
[١٦٩٨] وعن أبي هريرة، قال: سمعتُ رسول الله وَظله يقول:
بالناس أو لم يضرَّ - إذا اشتري في أسواقهم، كما قاله ابنُ حبيب أخذاً بعموم الخبر
أو بإطلاقه؟ أو: إنما يمنعون من ادخار ما یضرُّ بالناس ادخاره عند الحاجة إليه من
الأقوات؟ وهو قولُ أبي حنيفة والشَّافعيِّ. وهو مشهورُ مذهب مالك. وحملوا
النهي على ذلك.
قلتُ: وهذا هو الصحيح إن شاء الله تعالى. لأنَّ ما لا يضرُّ بالناس شراؤه،
واحتكاره لا یخطأ مشتریه بالاتفاق. ثمّ إذا اشتراه وصار ملكه فله أن يحتكره، أو
لا يحتكره. ثمَّ قد يكون احتكارُه لذلك مصلحةً ينتفعُ بها في وقتٍ آخر. فلعلَّ ذلك
الشَّيء ينعدم، أو يقلُّ، فتدعو الحاجةُ إليه، فيوجد، فترتفع المضرَّة، والحاجة
بوجوده، فيكون احتكاره مصلحة، وتركُ احتكاره مفسدةً. وأما الذي ينبغي
أن يمنع ما يكون احتكاره مضرةً بالمسلمين. وأشدُّ ذلك في الأقوات لعموم
الحاجة، ودعاء الضرورة إليها؛ إذ لا يتصور الاستغناء عنها، ولا يتنزل غيرها
منزلتها. فإن أبيح للمحتكرين شراؤها ارتفعت أسعارها، وعزَّ وجودها، وشخَّت
النفوس بها، وحرصت على تحصيلها، فظهرت الفاقات، والشدائد، وعمت
المضارُّ، والمفاسدُ، فحينئذٍ يظهر: أنَّ الاحتكارَ من الذُّنوب الكبار. وكلُّ هذا الاحتكار ذنب
فيمن اشترى من الأسواق. فأمَّا من جلب طعاماً؛ فإن شاء باع، وإن شاء احتكر، كبير
ولا يُعرض له إلا إنْ نزلت حاجةٌ فادحةٌ، وأمرٌ ضروريُّ بالمسلمين، فيجب على من
كان عنده ذلك أن يبيعَه بسعر وقته، فإن لم يفعل جبر على ذلك، إحياءً للمهج،
وإبقاء للرَّمق. وأمَّا إنْ كان اشتراه من الأسواق، واحتكره، وأضرَّ بالنَّاس؛ فيشترك
فيه النَّاس بالسعر الذي اشتراه به.
و (قول يحيى بن سعيدٍ لسعيدٍ: إنَّك تحتكر) يدلُّ: على أنهم كانوا
لا يتسامحون في ترك العمل بما يرؤُونه من الحديث. وجواب سعيدٍ: أنَّ معمراً كان

٥٢٢
(١٨) كتاب البيوع - (٣٥) باب: النهي عن الحكرة
((الحَلِفُ مَنْفَقَةٌ للسِّلعة مَمْحَقَةٌ للرِّبحِ)).
رواه أحمد (٢٣٥/٢)، والبخاري (٢٠٨٧)، ومسلم (١٦٠٧)، وأبو
داود (٣٣٣٥)، والنسائي (٢٤٦/٧).
[١٦٩٩] وعن أبي قتادة الأنصاريٍّ: أنه سمع رسول الله وص له يقول:
((إياكم وكثرةَ الحَلِفِ في البيع؛ فإنه يُنَفَّقُ ثم يَمْحَقُ)).
رواه مسلم (١٦٠٧)، والنسائي (٢٤٦/٧)، وابن ماجه (٢٢٠٩).
العموم يخصّص يحتكِرُ دليل: على أنَّ العمومَ يخصّص بمذهب الرَّاوي. وقد أوضحنا هذه الطريقة
بمذهب الراوي في الأصول. وذلك منهم محمولٌ: على أنهم كانوا يحتكرون ما لا يضرُّ بالناس؛
کالزيت، والأدم، والثياب، ونحو ذلك.
و (قوله: ((الخَلِفُ مَنْفقة للسلعة مَمْحَقة للرِّبح))). الرواية: مَنْفَقَةٌ، مَمْحَقَةٌ
- بفتح الميم، وسكون ما بعدها، وفتح ما بعدها - وهما في الأصل: مصدران
مزيدان محدودان بمعنى: النَّفاق. والمحق: أي الحلف الفاجرة، تنفق السِّلعة،
وتمحق بسببها البركة، فهي ذات نَفاق، وذات مَحْقٍ (١). ومعنى تمحق البركة: أي
تذهبها. وقد تذهب رأسَ المال والرِّبح، كما قال الله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اَللَّهُ الْرِبَواْ وَيُرْبِىِ
الضَّدَقَتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦]. وقد يتعدَّى المحقُ إلى الحالف، فيعاقب بإهلاكه،
وبتوالي المصائب عليه. وقد يتعدَّى ذلك إلى خراب بيته وبلده، كما روي: أنَّ
النبيَّ ◌َّه قال: ((اليمينُ الفاجرة تذر الدِّيارَ بلاقع))(٢) أي: خالية من سكانها إذا
توافقوا على التجرؤ على الأيمان الفاجرة. وأمَّا مَحْقُ الحسنات في الآخرة: فلا بدَّ
(١) في (ج ٢) أي: الخَلِف الكاذبة تنفق السلعة، ثم تمحق البركة، أي: تذهبها.
(٢) رواه البيهقي في شعب الإيمان (٤٨٤٢). وانظر: الترغيب والترهيب رقم (٢٧٤٠).

٥٢٣
(١٨) كتاب البيوع - (٣٦) باب: الشُّفْعة
(٣٦) باب
الشُّفْعَة
[١٧٠٠] عن جابر قال: قضى رسولُ الله﴿ بالشُّفْعَة، في كلِّ شِرْكِ
منه لمن لم يتبْ. وسببُ هذا كلِّه: أنَّ اليمينَ الكاذبة يمينٌ غموس، يُؤكل بها مال اليمين
المسلم بالباطل.
الكاذبة
یمینٌ
غموس
و (قوله: ((إيَّكم وكثرةَ الحَلِفِ فإنَّه يُنَفِّقُ ثُمَّ يَمْحَقُ)))، (إِيَّاكم) معناه:
الزَّجر، والتحذير. و (كثرةَ) منصوب على الإغراء، كما تقول: إِيَّاك والأسدَ. أي:
احذره وائَّقِه. وإنّما حذَّر من كثرة الحَلِف: لأن الغالبَ مِمَّن كثرتْ أيمانه وقوعُه التحذير عن
في الكذب والفجور، وإن سلم من ذلك على بعده - لم يسلم من الحِنْث، أو كثرة الحلف
النَّدم؛ لأنَّ اليمين حنث أو مندمة. وإن سلم من ذلك لم يسلم مِنْ مدح السِّلعة
المحلوف عليها، والإفراط في تزيينها ليُرَوِّجَها على المشتري، مع ما في ذلك من
ذكر الله تعالى لا على جهة التعظيم، بل على جهة مدح السِّلعة، فاليمينُ على ذلك
تعظيمٌ للسّلع، لا تعظيمٌ لله تعالى. وهذه كلُّها أنواعٌ مِنَ المفاسد لا يقدمُ عليها إلا
مَنْ عَقْلُه ودِینه فاسدٌ.
(٣٦) ومن باب: الشُّفعة
(قوله: قضى رسولُ اللهِوَ﴿ بالشُّفْعة في كلِّ شركٍ لم يُقْسَمْ)، أي: حكم،
وألزم. والشفعة في اللغة: هي الضمُّ، والجمع، كما قدَّمناه في الإيمان. وهي في
عرف الشَّرع: أخذ الشريك الجزء الذي باعه شريكه من المشتري بما اشتراه به، وهي الشفعة
حقٍّ للشَّريك على المشتري، فيجب عليه أن يُشْفِعَهُ، ولا يحلُّ له الامتناعُ من ذلك. شرعاً
و (الشِّرك): النصيبُ المشترك. وقد يقال على الشريك، كقوله تعالى: ﴿جَعَلَا لَهُ
شُرَّكَّ فِيمَآ ءَاتَنُهُمَا﴾ [الأعراف: ١٩٠]، أي: شريكاً. ويدلُّ: على أنَّ الشُّفعة إنما

٥٢٤
(١٨) كتاب البيوع - (٣٦) باب: الشُّفْعة
لم يقسم، رَبْعَةٍ أو حائطٍ،.
تستحقُّ بالاشتراك في رقبة الملك، لا باستحقاق منفعةٍ في الملك، كممرّ طريقٍ،
ومسيل ماءٍ، واستحقاق سكنى؛ لأنَّ كلَّ ذلك ليس بشرك.
لا تجب الشفعة
و (قوله: لم يقسم) يفيد: أنَّ الشُّفعة لا تجبُ إلا بالجزء المشاع؛ الذي
إلا بالجزء يتأتى إفرازه بالقسمة، فلا تجبُ فيما لا ينقسم، كالحمَّام، والرَّحا، وفحل النخل،
المشاع
والبئر، وما أشبه ذلك مما لا ينقسم. وأعني بكونه لا ينقسم: أنَّه لو قسّم لبطلت
المنفعةُ المقصودةُ منه قبل القسم. كالحمَّام إذا قسم بطل كونه حمَّاماً، وكذلك
الرَّحا. وهذا هو مشهورُ المذهب. وقيل: تجري الشفعة في ذلك لأنَّه وإن بطل
كونه حمَّاماً فيصحُ أن ينقسم بيوتاً مثلاً، أو دكاكين. والظَّاهر الأول. وهو قولُ
ابن القاسم، لأنَّه يلزمُ من قسمه إفساد مالية عظيمة، وذلك ضررٌ عظيمٌ فيدفع.
و (قوله: ربعةٍ، أو حائطٍ، أو أرضٍ) الروايةُ الصحيحة فيه بخفض ربعةٍ وما
بعده على البدل من: (كلِّ شرك) فهو تفسيرٌ له، وتقييد. والرّبعة: تأنيث الرَّبع.
وهو: المنزل. ويُجمع ربوعاً، [وإنما قيل للمنزل ربعٌ؛ لأنَّ الإنسانَ يربع فيه،
أي: يقيم. يقال: هذه ربعٌّ، وهذه ربعةٌ. كما يقال: دارٌ، ودارةٌ] (١). والحائط:
بستانُ النَّخلِ. والأرضُ يعني بها: البراح الذي لا سَكَنَ فيها ولا شجر، وإنَّما هي
مُعَدَّةٌ للزراعة .
وقد دلَّ هذا الحديثُ: على أنَّ الشفعةَ إنما تستحقُّ في العقار المشترك الذي
يقبل القسمة. وهذا هو المحلُّ المتَّفق على وجوب الشفعة فيه. واختلف فيما عدا
ذلك. فذهب بعضُ المكيِين(٢) إلى وجوبها في كلِّ شيءٍ من العقار، والحيوان،
والعُروض، والأطعمة. وإليه ذهب عطاء في إحدى الرِّوايتين عنه معتمداً في ذلك
الشفعة تستحقّ
في العقار
المشترك الذي
يقبل القسمة
(١) ما بين حاصرتين مستدرك من (م).
(٢) في (ج ٢): المالكيين.

٥٢٥
(١٨) كتاب البيوع - (٣٦) باب: الشُّفْعة
على ما خرَّجه الترمذيُّ من حديث ابن عبّاس مرفوعاً: ((الشَّريكُ شفيعٌ، والشُّفعةُ
في كلِّ شيءٍ))(١). وروى الطَّحاوي نحوه مرفوعاً، ومُتمسّكاً في ذلك بقياس غير
العقار عليه، بعلَّة وجود الاشتراك، ولا حَّة في ذلك؛ لأنَّ الحديثَ ليس بصحيح
الإسناد. وإنَّما صحيحُه مرسلٌ، ولو سلَّمنا صحته، لكنَّه مقيّد بما ذكرناه من قوله:
ربعةٍ، أو حائطٍ، أو أرضٍ. ومثل هذا التقييد متفقٌ على قبوله عند أهل الأصول؛
لأنَّه قد اتفق فيه الموجِب والموجَب بدليل قوله وَ له: ((إنَّما الشفعةُ فيما لم يقسم:
ربعةٍ، أو حائطٍ، أو أرضٍ)). فأتى بـ (إنَّما) التي هي للحصر. وهو أيضاً مفهومٌ
من الألف واللام في قوله: ((الشفعة فيما لم يُقْسَم))، وبدليل: زيادة البخاريٍّ في
هذا الحديث: ((فإذا ضربت الحدود، وصُرِّفت الطرق فلا شفعة))(٢) وهذا نصٍّ: في
أنَّ الشُّفعةَ مخصوصةٌ بما ذكر في ذلك الحديث. وأمَّا ذلك القياس: فليس بصحيح
لوجود الفرقِ بين الفرع والأصل، فإنَّ الأصلَ الذي هو العقارُ يعظم الضررُ فيه على
الشريك بمشاركة الأجنبيٌّ له، ومخالطته، فقد يُؤْذيه، ولا يقدر على التخلص منه
لصعوبة بيع العقار، وتعذّر ذلك في أكثر الأوقات، وليست كذلك العُروض، وما
ينقل، ويحوَّل، فإنَّ الانفصالَ عن الشركة فيه يسيرٌ لسهولة بيعها، والخروج عنها
في كلِّ الأوقات، وأكثر الحالات. فانفصلا، فلا يصحُّ القياس. وإذا ثبت: أنَّ
الشُّفعةَ شرعتْ لرفع الضرر الكثير اللازم. فهل الوصفان جُزْءا علَّة، فلا تجري
الشُّفعةُ إلا فيما اجتمعا فيه، أو يكون كلُّ واحدٍ منهما علّة مستقلّة؟ فيه احتمال.
وعليه ينبني الخلافُ الذي عند أصحابنا في الشُّفعة في الثَّمرة، والدُّيون، وكتابة
المكاتب، والكراء، والمساقاة. فإنَّ الضررَ فيها يعظم، وإن لم يلازم. فمن رأى
أنَّه علّة مستقلة أوجب الشفعةَ، ومن رأى أنَّ العلةَ مجموعُ الوصفين منعها في ذلك
(١) رواه الترمذي (١٣٧١).
(٢) رواه البخاري (٢٢١٣).

٥٢٦
(١٨) كتاب البيوع - (٣٦) باب: الشُّفْعة
كلِّه. وذهب الشعبيُّ: إلى أنَّه لا شفعة في مُشاع لا يسكن. وقال ابنُ شعبان مثله
عن مالكٍ. فلا شفعةَ على هذا في أرضٍ، ولا عقارٍ يُتَّخذ للغلّة. وهو مخالفٌ
للحديث المتقدِّم. فإنَّه قد نصَّ فيه على الحائط. وهذا المُتَّخذُ للغلَّة. وعلى
الأرض، وهي تُراد للزراعة. والصحيحُ: الأول.
الشفعة لا تجب
في الجوار
وذهب الجمهور: إلى أنَّ الشُّفعةَ لا تجبُ في الجوار. وهو مذهبُ عمر،
وعليّ، وعثمان، ومَنْ بعدهم، كسعيد بن المسيِّب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن،
وربيعة، والأوزاعي، ومالك، والشافعيِّ، وأحمد، وإسحاق. وذهب أبو حنيفة،
والكوفيُّون: إلى أنَّه تجبُ به الشُّفعة. وبه قال ابنُ مسعودٍ. وسَبِيهُما معارضةُ
حدیثین صحیحین :
أحدهما: حديث جابر المتقدِّم. وقد خرَّجه البخاريُّ. ولفظه فيه: ((الشفعة
فيما لم يُقسم، فإذا وقعت الحدود، وصُرِّفت الطرق، فلا شفعة))(١).
وثانيهما: خرَّجه البخاريُّ عن أبي رافع قال: سمعت النبيَّ ◌َ له يقول: ((الجار
أحقُّ بصقبه))(٢). وقد خرَّجه الترمذيُّ من حديث جابرٍ قال: قال رسول الله وَّت:
(الجار أحقُّ بشفعته، يُنتظر إن كان غائباً إذا كان طريقهما واحداً)(٣). وقد تأوَّل
بعض العلماء (الجار) في حديث البخاري بأنّه الشريك، كما قد تأول بعضهم: أنَّ
(الصقب) المذكور فيه حقُّ الجوار، كما قال في الحديث الآخر: أنَّ رجلاً قال:
يا رسول الله! إنَّ لي جارين. فإلى أيُّهما أهدي؟ قال: ((إلى أقربهما منك باباً) (٤).
وهذان التأويلان فيهما بعدٌ. فإنَّ حديث الترمذيّ ینصُّ على خلاف ذلك. وأشبه ما
(١) هو الحديث السابق.
(٢) رواه البخاري (٦٩٧٧ - ٦٩٨١).
(٣) رواه الترمذي (١٣٦٩).
(٤) رواه البخاري (٢٢٥٩).

٥٢٧
(١٨) كتاب البيوع - (٣٦) باب: الشُّفْعة
لا يحلُّ له أن يبيع حتى يُؤْذِنَ شَرِيكَه، فإن شاء أخَذَ، وإن شاء تَرَكَ.
....
يقال في ذلك - فيما يظهر لي -: إنَّ حديث جابر الأول أرجح، لما قارنه من عمل
الخلفاء، وجمهور العلماء، وأهل المدينة، وغيرهم. والله تعالى أعلم. وأيضاً:
فإنَّ أحاديثَ الجمهور مشهورةٌ مُتَّفقٌ على صحَّتها. وأحاديثُ الكوفيين ليستْ
بمنزلتها في ذلك. فهي أولى.
تفريع: قال سفيان: الشريك أولى بالشُّفعة، ثمَّ الجار الذي حدُّه إلی حدِّه.
وقال أبو حنيفة: الشريك في الملك، ثمَّ الشريك في الطّريق، ثمَّ الجار الملاصق،
ولا حقَّ للجار الذي بينك وبينه الطريق.
و (قوله: ((لا يحلُّ له أن يبيع حتَّى يؤذن شريكه)))، وفي طريقٍ أخرى: (لا البيع وإذن
يصلح)، مكان: (لا يحلُّ). هو محمولٌ على الإرشاد إلى الأولى، بدليل قوله: الشريك
((فإذا باع ولم يؤذنه فهو أحقُّ به)). ولو كان ذلك على التحريم لذَّ البائع، ولفسخ
البيع، لكنه أجازه وصحَّحه، ولم يذمَّ الفاعل، فدلَّ على ما قلناه. وقد قال بعضُ
شيوخنا: إنَّ ذلك يجبُ علیه.
و (قوله: ((فإن شاء أخذ، وإن شاء ترك)))، يعني: إن شاء أخذ الشِّقْص(١)
بما أعطي به من الثَّمن؛ لأنَّه أحقُّ به بعد البيع، فيكون له بما أعطي به من الثمن
الشفعة قبل
قبله. وفيه دليلٌ: على أنَّ من نزل عن الشفعة قبل وجوبها لزمه ذلك إذا وقع البيع، من نزل عن
ولم يكن له أن يرجعَ فيه. وبه قال الثوريُّ، وأبو عبيد، والحكم. وهي إحدى ,
الروايتين عن مالكٍ، وأحمد بن حنبل. وذهب مالكٌ في المشهور عنه، ذلك إذا وقع
وجوبها لزمه
وأبو حنيفة(٢)، وعثمان البِّيُّ، وابن أبي ليلى: إلى أنَّ له الرُّجوع في ذلك، وهذا البيع
الخلافُ جارٍ في كلِّ من أسقط شيئاً قبل وجوبه، كإسقاط الميراث قبل موت
(١) ((الشُقْص)): القطعة من الشيء.
(٢) زاد في (ج ٢) والشافعي.

٥٢٨
(١٨) كتاب البيوع - (٣٦) باب: الشُّفْعة
فإذا باع ولم يُؤذِنْهُ فهو أحقُّ بِهِ.
وفي روايةٍ: ((من كان له شريكٌ في رَبعةٍ أو نخلٍ، فليس له أن يبيع
حتى يُؤْذِنَ شريكه، فإنْ رضي أخذ، وإن كره ترك)).
المورِّث، وإجازة الوارث الوصية قبل الموت، وإسقاط المرأة ما يجبُ لها من نفقة
وكسوة في السَّنة القابلة. ففي كلِّ واحدة من تلك المسائل قولان.
الشريك أحق
بالثمن الذي
اشتراه به
المشتري
و (قوله: ((وإن باع فهو أحقُّ به))) يعني: أنَّ الشريكَ أحقُّ به بالثمن الذي
اشتراه به المشتري من عينٍ أو عَرَضٍ، نقداً أو إلى أجلٍ. وهو قولُ مالك
وأصحابه. وذهب أبو حنيفة، والشَّافعيُّ: إلى أنَّه لا يشفعُ إلى الأجل، وإنه إن شاء
شفع بالنَّقد، وإن شاء صبر إلى الأجل، فيشفع عنده. واختلف أصحابُنا إذا لم يعلم
الشفيعُ إلا بعد حلول الأجل. هل يضرب له مثل ذلك الأجل، أو يأخذه بالنقد؟
علی قولین.
و (قوله: ((من كان له شرك)))، عموم في المُسْلِم وفي الذمِّيِّ. وهو قولُ
مالك، والشَّافعيِّ، وأبي حنيفة. وحكي عن الشعبيٍّ، والثوريٍّ: أنَّه لا شفعة
للذِّميِّ؛ لأنَّه صاغِر. وهو قولُ أحمد. والصواب: الأول للعموم، ولأنَّه حقٌّ جرى
بسببه، فیترتبُ علیه حکمه من استحقاق طلبه وأخذه، کالدَّين، وأرش الجناية.
و (قوله في حديث البخاريٍّ: ((فإذا وقعت الحدود، وصُرِّفَت الطُّرق فلا
شفعة))) حَّةٌ للجمهور على الكوفيين القائلين بوجوب الشُّفعة لجار الدَّار. وقد
ذهب بعضُ شيوخنا: إلى أنَّ حديثَ الترمذيُّ في شفعة الجار محمولٌ على النَّدب،
لا على الوجوب.
قلتُ: أحاديث الشُّفعةِ إنَّما جاءت في انتقال الملك بالبيع، ويلحقُ به ما
في معناه من المعاوضات، كدفع الشِّقْص في صداقٍ، أو أجرةٍ، أو أرشِ جنايةٍ،
وما أشبه ذلك. فهذا فيه الشُّفعة. ولا ينبغي أن يختلفَ فيه؛ لأنَّه من أقوى مراتب

٥٢٩
(١٨) كتاب البيوع - (٣٦) باب: الشُّفْعة
وفي أخرى: ((الشُّفعةُ في كُلِّ شِرْكِ: في أرضٍ، أو رَبْعٍ، أو حائطِ)).
وذکر نحو الأول.
رواه أحمد (٢٩٦/٣)، والبخاريُّ (٢٢١٣)، ومسلم (١٦٠٨)،
وأبو داود (٣٥١٤)، والترمذيُّ (١٣٧٠)، والنسائيُّ (٣٢١/٧)، وابن ماجه
(٢٤٩٩).
الإلحاق. وأمَّا انتقال الملك بالميراث فلا شفعة فيه؛ لأنَّه لا يصحُّ إلحاقُه
بالمعاوضات؛ لأنَّه انتقالٌ في(١) غير عوض؛ ولا اختيار، فلا شفعة فيه بوجهٍ. وقد
حُكي الاتفاقُ على ذلك، غير أنَّه قد انفرد الطابقي(٢) فحكى عن مالك: أنَّه رأى
الشفعة في الميراث. وهو قولٌ شاذٌّ، منكرٌ نقلاً ونظراً. واختلف في المنتقل
بالهبة، والصَّدقة. هل فيه شفعة أو لا؟ على قولين مشهورين. سببهما: تردُّد تركُّد الصدقة
والهبة بين
المعاوضات
الصَّدقة والهبة بين المعاوضات والميراث. فمن حيث أنَّه انتقال عن اختيار يُشبه ◌ُ
البيعَ، ومن حيث أنَّه خليٍّ عن العِوض أشبهَ الميراثَ. والأولى - والله أعلم - إجراء والميراث
الشفعة فيها، لعموم قوله وَله: ((الشُّفعة في كلِّ شركٍ لم يُقسم)) ولم يُفرَّق بين
جهات الأملاك. ولِلُحُوق الضَّررِ الشَّديدِ الملازم الداخل على الشَّريك اختياراً. ولا
يُرَدُّ الميراث، لأنَّه ملك جبريٌّ، لا اختيار فيه للمنتقل إليه، والله تعالى أعلم.
(١) في (ج ٢): عن.
(٢) في (ع) و(ج ٢): الطائيُّ.

٥٣٠
(١٨) كتاب البيوع - (٣٧) باب: غرز الخشب في جدار الغير
(٣٧) باب
غرز الخشبِ في جدارِ الغَيْرِ وإذا اختُلِفَ في الطَّريق
[١٧٠١] عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ اللهِنَّ قالَ: ((لا يمنع أحدُكم
جاره أن يغرز خشبةً في جداره))،
(٣٧) ومن باب: غرز الخشب في جدار الغيْر،
وإذا اخْتُلِفَ في الطريق
هل يُمگَّن رب
(قوله: ((لا يمنع أحدُكم جاره أن يغرز خشبةً في جداره))) اختلف العلماء في
الحائط من غرز تمكين ربِّ الحائط من هذا عند السؤال. فصارَ مالكٌ في المشهور عنه،
خشبة؟
وأبو حنيفة: إلى أنَّ ذلك من باب الندب، والرِّفق بالجار، والإحسان إليه، ما لم
يضرَّ ذلك بصاحب الحائط. ولا يُجبر عليه من أباه، متمسكين في ذلك بقول
النبيِّ ◌َّهِ: ((لا يحلُّ مالُ امرىءٍ مُسْلم إلا بطيب نفسٍ منه))(١)، ولأنَّه لمَّا كان
الأصل المعلوم من الشريعة: أنَّ المالك لا يجبر على إخراج ملك عن یده بعوضٍ،
كان أحرى وأولى ألا يخرج عن يده بغير عوض. وصار آخرون: إلى أنَّ ذلك على
الوجوب، ويجبر من أباه عليه. وممَّن ذهب إلى ذلك: الشافعيُّ، وأحمدُ بن
حنبل، وداود بن عليٍّ، وأبو ثور، وجماعةٌ من أهل الحديث، وهو مذهب عمر.
وحكي ذلك عن المُطَّلِّب - قاضٍ كان بالمدينة - يقضي (٢) به، متمسكين بظاهر
النهي المذكور، ولأنَّه قد روي من طريقٍ آخر عن أبي هريرة في هذا الحديث:
((لا يحل لامرىءٍ مسلم أن يمنع جارَه أن يغرز خشباتٍ في جداره))(٣). وبقضاء عمر
(١) رواه أحمد (٤٢٥/٥)، والبيهقي (١٠٠/٦ و١٨٢/٨)، والدارقطني (٢٦/٣). وانظر
مجمع الزوائد (١٧٢/٤)، وتلخيص الحبير (٤٥/٣)، والتمهيد (٢٢٢/١٠)، ومسند
الفردوس رقم (٧٦٣٥).
(٢) في (ع) يفتي به.
(٣) ذكره الطحاوي في مشكل الآثار (١٥٤/٣)، وابن عبد البر في التمهيد (٢٢٩/١٠).

٥٣١
(١٨) كتاب البيوع - (٣٧) باب: غرز الخشب في جدار الغير
- رضي الله عنه - على محمَّد بن مسلمة وعلى يحيى المازني بمثل ذلك من المرور
بالربيع(١)، وتحويله في أرضهما، على ما رواه مالكٌ في الموطأ (٢). ولم يسمع
بمخالفٍ له في ذلك من الصحابة غير محمَّد بن مسلمة. وهو المحكومُ عليه.
قلتُ: وقد دفعتْ كلُّ طائفةٍ ما احتجَّت به الأخرى بوجوهٍ من التأويلات
لا تبعدُ على من تأمَّلها، تركناها لطولها. والأولى: القول الأول؛ لأنَّه الذي تشهدُ له
الأصول.
فرع على القول بالندب: إذا أَذِنَ له في ذلك إذناً مطلقاً لم يكن له أن يطالبَهُ
بقلعها إلا إن دعتْ إلى ذلك ضرورةٌ، كبناء الجدار، أو شيءٍ لا بُدَّ منه؛ لأنَّ الإذنَ
المطلق يقتضي التأبيد، فإن أذن له إلى مدَّةٍ معينةٍ فله ذلك عند انقضائها .
و (قوله: ((أن يغرز خشبةً)))، رُوي بتوحيد (خشبة)، وبجمعها، قال الطحاويُّ
عن رَوْح بن الفرج: سألت أبا زيدٍ، والحارث بن مسكين، ويونس بن عبد الأعلى
عنه. فقالوا: (خشبةً) بالنصب والتنوين واحدة. قال عبد الغنيٌّ: كلُّ النَّاس يقولون
بالجمع إلا الطحاويّ.
قلتُ: وإنَّما اعتنى هؤلاء الأئمةُ بتحقيق الرُّواية في هذا الحرف؛ لأنَّ أَمْرَ
الخشبة الواحدة يخفُّ على الجار المسامحة به. وأمَّا إذا قال: خُشُبَه؛ فقد
لا يُتسامح في الكثير منها، ويثقل ذلك للحوق الضرر بذلك. [حكي: أن يونس بن
عبد الأعلى الصَّدَفي سأل عبد الله بن وهب: كيف تروي الحديث: (خشبةً) على
الإفراد؟ فقال: الذي سمعناه من جماعةٍ: (خشبةً) على لفظ الواحد. وقال عبد الغني
ابن سعيد الحافظ: كلُّ الناس يقوله على الجمع إلا الطَّحاويَّ. ورجَّح بعضُ
الأشياخ ما قاله عبد الغنيِّ بن سعيد بالألفاظ الواردة في طرق الحديث منها:
(١) ((الربيع)): النهر الصغير.
(٢) رواه مالك في الموطأ (٧٤٦/٢).

٥٣٢
(١٨) كتاب البيوع - (٣٧) باب: غرز الخشب في جدار الغير
قال: ثم يقول أبو هريرة: ما لي أراكم عنها معرضين؟ والله! لأَرمِيَنَّ بها بين
أکتافِگُمْ.
رواه أحمد (٤٦٣/٤)، والبخاري (٢٤٦٣)، ومسلم (١٦٠٩)، وأبو
داود (٣٦٣٤)، والترمذي (١٣٥٣)، وابن ماجه (٢٣٣٥).
قوله : ((ليس لجارٍ أن يمنع جاره أن يضع أعواده على جداره)). وفي روايةٍ
أخرى: ((أن يضع جذوعه))، وفي أخرى: ((أن يغرز خشباً))، وفي أخرى: ((أطراف
خشبٍ)). فهذه الألفاظ جميعها توضح: أنه جمع](١).
و (قوله: ما لي أراكم عنها معرضين)، الضمير في (عنها) يعود إلى(٢)
المقالة التي صدرت منه لهم. وأنَّها على المعنى. وهذا القولُ منه إنكارٌ عليهم،
لما رأى منهم من الإعراض واستثقال ما سمعوه منه، وذلك: أنهم لم يقبلوا عليه،
بل طأطؤوا رؤوسهم، كما رواه التر مذيُّ(٣) في هذا الحديث.
و (قوله: والله لأرميَنَّ بها بين أظهركم)، وفي أخرى: (لأضربنَّ بها بين
أعينكم وإن كرهتم) ذكرها أبو عمر(٤). أي: لأحدثنكم بتلك المقالة التي استثقلتم
سماعها من غير مبالاةٍ. ولا تقيَّةٍ، وأُوقِعُها بينكم كما يوقع السهم بين الجماعة.
ففيه من الفقه: تبليغُ العلم لمن لم يُرده، ولا استدعاه؛ إذا كان من الأمور
المهمَّة. ويظهر منه: أنَّ أبا هريرة كان يعتقدُ وجوبَ بذل الحائط لغرز الخشب،
وأنَّ السَّامعين له لم يكونوا يعتقدون ذلك. وأمَّا رواية: لأضربنَّ بها أعينكم: فهي
على جهة المثل؛ الذي قُصِد به الإغياءُ في الإنكار؛ لأنه فهم عنهم الإعراض عمَّا
تبليغ العلم لمن
لم يُرده
(١) ما بين حاصرتين زيادة من حاشية (م).
(٢) في (ج ٢): على.
(٣) رواه الترمذي (١٣٥٣).
(٤) انظر: التمهيد (٢١٦/١٠ وما بعدها).

٥٣٣
(١٨) كتاب البيوع - (٣٧) باب: غرز الخشب في جدار الغير
[١٧٠٢] وعنه: أنَّ النبي ◌َ له قال: ((إذا اختلفتم في الطّريق، جُعِلَ
عرضُهُ سَبْعَ أذرُع)).
رواه أحمد (٢٢٨/٢ و٤٢٩)، والبخاري (٢٤٧٣)، ومسلم
(١٦١٣)، وأبو داود (٣٦٣٣)، والترمذي (١٣٥٥)، وابن ماجه (٢٢٣٨).
قال، والكراهة، فقابلهم بذلك. والرواية المشهورة: أكتافكم - بالتَّاء، باثنتين من
فوقها - جمع: كتف. وقد وقع في الموطّأ من رواية يحيى: (أكنافكم) بالنون،
جمع: كنفٍ، وهو: الجانب.
و (قوله: ((إذا اختلفتم في الطريق جُعِلَ عَرْضُه سبع أذرع)))، هذا محمولٌ
على أمَّهات الطرق؛ التي هي ممرُّ عامَّة الخَلْق بأحمالهم، ومواشيهم. فإذا تشاعَ
مّن له أرضٌ تتصل بها مع مَنْ له فيها حقٌّ جُعِل بينهما سبع أذرع، بالذراع المتعارفة
في ذلك طريقاً للنَّاس، وخلِّي بينهما وبين ما زاد على ذلك. وأما بُنَيَّات الطُّرُق
فبحسب ما تدلُّ عليه العادة، وتدعو إليه الحاجة، وذلك يختلفُ بحسب اختلاف
أحوال المتنازعين. فليست طريقُ مَنْ عادته استعمال الدوابِّ والمواشي وأهل
البادية كعادة من لا يكون كذلك من أهل الحاضرة، ولا مسكن الجماعة كمسكن
الواحد والاثنين، وإنَّما ذلك بحسب مصلحتهم. وعلى هذا يَحتاجُ أهلُ البادية من
توسيع الطريق إلى ما لا يحتاجُ إليه أهلُ الحاضرة. وتحتاج طرقُ الفيافي والقفار
من التوسيع أكثر من سبع أذرع، لأنها مجرُّ الجيوشِ والرِّفاق الكبار. وهذا كلّه
تفصيل أصحابنا، وصحيح مذهّب مالك. ولو جُعِل الطَّريق في كلِّ محلٌّ سبع أذرع
الأضرَّ ذلك بأملاك كثيرٍ من الناس. ويلزم أن تجعلَ بنيَّات الطرق من الأزقة وغيرها
كالأمهات المسلوكة للنَّاس، وكطرق الفيافي. وذلك محالٌّ عاديٍّ، وفساد
ضروري.

٥٣٤
(١٨) كتاب البيوع - (٣٨) باب: إثم من غصب شيئاً من الأرض
(٣٨) باب
إثم مَنْ غصب شيئاً من الأرض
[١٧٠٣] عن هشام بن عروة، عن أبيه: أنَّ أروى بنت أويس ادَّعَت
على سعيد بن زيد: أنَّه أخذ شيئاً من أرضها، فخاصمته إلى مروان بن
الحكم. فقال سعيد: أنا كنت آخذ من أرضها شبراً بعد الذي سمعتُ من
رسول الله ◌َّ﴾؟! قال: وما سمعتَ من رسولِ الله وَلَ؟ قال: سمعتُ
رسولَ الله وَّه يقول: ((من أخذ شبراً من الأرض ظلماً طَوِّقَهُ إلى سبع
أرضین)).
(٣٨) ومن باب: إثم من غصب شيئاً من الأرض
الوعيد الشديد
لمن ظلم شيئاً
من الأرض
(قوله وَلاقى: ((من أخذ شبراً من الأرض ظلماً ◌ُوِّقه إلى سبع أرضين))) هذا
وعيدٌ شديدٌ، يُفِيدُ: أنَّ أخْذَ شيءٍ من الأرض بغير حقِّه من أكبر الكبائر على أيٍّ
وجهٍ كان من غضبٍ، أو سرقةٍ، أو خديعةٍ، قليلاً كان، أو كثيراً. ألا تسمع
قوله وَ ﴿: (وإن كان قِيْدَ شبرٍ)). واختلف في معنى: طوقه. فقيل: معناه: كُلِّف أن
يطيقَ حمله، كما قال تعالى: ﴿وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَّوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران:
١٦١]. وقد جاء في غير مسلم: ((جاء يحمله يوم القيامة إلى سبع أرضين))(١)،
وفي أخرى: ((كلِّف أن يحملَ ترابها إلى المحشر))(٢). وقيل: جعلت في عنقه
كالطَّق، كما قال تعالى: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَحِلُواْ بِهِ، يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٠].
وهو ظاهِرُ حديث عائشة - رضي الله عنها -: ((طوقه من سبع أرضين)). وقيل:
(١) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٧٦/٤): رواه الطبراني في الكبير والصغير.
(٢) رواه أحمد (١٧٢/٤ و١٧٣) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٧٥/٤) رواه أحمد
والطبراني في الكبير. وانظر: الترغيب والترهيب رقم (٢٧٨٣).

٥٣٥
(١٨) كتاب البيوع - (٣٨) باب: إثم من غصب شيئاً من الأرض
فقال له مروان: لا أسألك بيِّنةً بعد هذا.
.
٠٠
٠٠
خسف به في مثل الطّوق منها. وهو ظاهر قوله: ((طوقه الله إلى سبع أرضين)). وفي
البخاريٌّ(١) نصاً: ((خسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين)). وقيل: يُجمع ذلك كلُّه
عليه. وقد دلَّ على ذلك ما رواه الطبريُّ في هذا الحديث، وقال: ((كلفه الله حَمْلَه
حتى يبلغَ سبعَ أرضين، ثم يطوقه يوم القيامة حتى يقضي الله بين الناس)).
والله تعالى أعلم.
وفيه ما يدل: على أنَّ الأرضين سبعٌ، كما قال تعالى: ﴿اَللَّهُ الَّذِى خَلَقَ سَبْعَ الأرضون سبع
سَتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] أي: في العدد؛ لأنَّ الكيفية والصفة مختلفةٌ
بالمشاهدة والأخبار، فتعيَّن العدد. والله تعالى أعلم. وقد استدلَّ به الداودي: على
أنَّ السبع الأرضين لم يفتقْ بعضها من بعض. قال: لأنه لو فتق بعضُها من بعضٍ لم
يطوق منها ما ينتفع به غيره. وقد جاء في غلظهنَّ، وما بينهنَّ خبر، وليس في ذلك
شيءٌ صحيحٌ. وقد استدلَّ غيرُه به: على أنَّ من ملك شيئاً من الأرض ملك ما تحته
مما يقابله. فكلُّ ما يجد فيه من معدن، أو كنزٍ فهو له. وقد اختلف في ذلك في
المذهب. فقيل ذلك، وقيل: هو للمسلمين. وعلى ذلك فله أن ينزلَ بالحفر
ما شاء ما لم يضرَّ بمن يجاوره. وكذلك: أن يرفعَ في الهواء المقابل لذلك القدر
من الأرض من البناء ما شاء ما لم يضرَّ بأحدٍ، فيمنع.
و (قول مروان لما سمع الحديث: لا أسألكَ بيَّنَةً)، قرأناها بفتح الكاف على
خطاب سعيدٍ [وهو صحيح](٢) وفيه إشكالٌ، وذلك: أنَّ الأرض كانت في يد سعيدٍ
وادَّعت المرأة: أنَّه غصبها إيَّاها. ألا ترى قول عروة: إنَّ أروى اذَّعت على سعيدٍ :
أنَّه أخذ لها شيئاً من أرضها، فهو المدَّعى عليه، وكيف يكلَّف المذَّعى عليه إقامة
البينة على إبطال دعوى المدّعي؟! وإنما القضاءُ كما قال النبيُّ ◌َّ للحضرمي
(١) رواه البخاري (٢٤٥٤) من حديث ابن عمر.
(٢) ساقط من (م).

٥٣٦
(١٨) كتاب البيوع - (٣٨) باب: إثم من غصب شيئاً من الأرض
فقال: اللهم ! إن كانت كاذبة فأغم بصرها ، واقتلها في أرضها! قال: فما
ماتت حتى ذهب بَصَرُها. ثم بينا هي تمشي في أرضها إذا وقعت في حفرةٍ
فماتت.
المدَّعي: ((شاهداك أو يمينه))(١)، وإنَّما يصلح أنْ يُخاطبَ بهذه الكاف المدَّعِيَةُ.
وعلى هذا: فينبغي أنْ تكون مكسورةً، ويكون مروان قال ذلك لها كفّاً لها عن
تماديها على دعواها؛ لعلمه بصدق سعيد من جهةٍ قرائن أحواله، لا أنَّ الخبرَ الذي
ذكره يدلُّ: على براءته من دعواها، لكنْ: ما كان معلوماً من دِيْن سعيد، ومن
وَرَعه، وفضله، وأنَّه مشهود له بالجنَّة، وعظم هذا الوعيد الشديد الذي سمعه من
النبيِّ ◌َ﴿ مشافهةً مع نزارة هذا القدر المدَّعى عليه به. فحصل عند مروانَ العلمُ
بصدقه، فقال للمرأة: لا أسألكِ بيِّةً. أي: لأنَّك لا تجدينها بوجهٍ. ثم إنَّه لم
يقض بينهما بشيءٍ ولم يحوجه سعيدٌ إلى قضاءٍ، بل بادر إلى أن سلَّم لها ما ادَّعته
وزادها من أرضه. فقال: دعوها لها.
قلتُ: فهذا الذي ظهر لي في هذا الخطاب، فإنه إن كان متوجهاً لسعيدٍ لزم
أن يكون مروان عدل عن جهة القضاء المنصوص عليها؛ التي لا اختلاف فيها، وأن
سعيداً أقرَّه عليها. وكلُّ ذلك باطلٌ، فتعيَّن ما اخترناه. والله تعالى أعلم.
معنى البينة
[ويعني بـ (البيِّنة): من يشهد لسعيدٍ بصحة الحديث الذي رواه، لأنَّه صدَّقه
في الرواية، ولم يحتج إلى الاستظهار بزيادة شهادة غيره على ذلك، ولم يرد بالبيِّنة
هنا: الشهادة التي يستند حكم الحاكم إليها؛ لأنها لا تلزم المدَّعى عليه، فكيف
يُسقِطُّ عنه ما لا يلزم؟!](٢).
و (قول سعيدٍ: اللهم إن كانت كاذبةً فأعم بصرها، واقتلها في أرضها)
(١) رواه أحمد (٢١١/٥)، والبخاري (٢٥١٥ و ٢٥١٦).
(٢) ما بين حاصرتين ساقط من (م) و (ج ٢).

٥٣٧
(١٨) كتاب البيوع - (٣٨) باب: إثم من غصب شيئاً من الأرض
وفي روايةٍ: فقال سعيد: دعوها وإيّاها. وفيها: فرأيتها عمياء تلتمس
الجدر تقول: أصابتني دعوةُ سعیدٍ.
رواه أحمد (٣٨٧/٢)، ومسلم (١٦١٠) (١٣٩).
دليلٌ: على أنَّ سعيداً استجاز الدَّعاء على الظالم بأكثر مما ظلم فيه. وفيه إشكالٌ الدعاء على
مع قوله تعالى: ﴿وَخَزَّوُاْ سَيْئَةٍ سَفِئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، وقوله: ﴿فَمَنِ أَعْتَدَى الظالم
عَلَيْكُمْ فَأَعْتَدُ واْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، ووجهُ الإشكال: أنَّه كما
لا يجوزُ أن يأخذَ من الظالم، والغاصب زيادةً على القصاص، أو على مقدار ما أخذ،
كذلك لا يجوزُ أن يدعوَ عليه بزيادةٍ على ذلك، لإمكان الإجابة، فتحصل الزِّيادةُ
الممنوعة، ولو لم يستجبْ له؛ أليس قد أراد وتمنَّى شرّاً زائداً على قدر الجناية
للمسلم؟! وهو ممنوعٌ منه، وإنما الذي يجوز أن يدعوَ به على الظالم: أن يقول:
اللهم خذ لي حقّ منه. اللهمَّ افعل به ما فعل، وما أشبه ذلك ﴿ وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ
ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣].
ويُجاب عنه بالفرق بين الدُّعاء على الظالم بأكثر مما ظلم فيه، وبين أن يفعلَ
به أكثر مما ظلم فيه؛ فإنَّ الدعاءَ ليس مقطوعاً بإجابته، فإذا صدر عن المظلوم
بحكم حرقة مظلمته؛ وشدَّة موجدته، لم نقلْ: إنَّه صدر عنه محرَّم، وغاية ذلك:
أن يكون ترك الأولى؛ لأنه منتصر، ولأنه لم يصبر. [ولذلك قال النبيُّ ◌َله: ((إِيَّاك
ودعوة المظلوم، فإنها ليس بينها وبين الله حجاب))(١)](٢). ويدلُّ على جواز ذلك:
ما روي: أن النبيَّ ◌َليل رأى رجلاً خلق الثياب، فأمره أن يلبس ثوبيه، فلما لبسهما
قال: ((ما له؟ - ضرب الله عنقه - أليس هذا خيراً))(٣). [وفي كتاب أبي داود: عن
(١) رواه البيهقي (٨٤/٧)، وانظر: مجمع الزوائد (٤٠/٢).
(٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).
(٣) رواه مالك في الموطأ (٢/ ٩١٠ - ٩١١)، والحاكم (١٨٣/٤)، وابن حبان (٥٤١٨)،
والبزار كما في كشف الأستار (٢٩٦٢). وانظر: مجمع الزوائد (١٣٤/٥).

٥٣٨
(١٨) كتاب البيوع - (٣٨) باب: إثم من غصب شيئاً من الأرض
[١٧٠٤] وعن أبي سلمة، وكان بينه وبين قومه خصومة في أرض،
وأنَّه دخل على عائشة فذكر ذلك لها. فقالت: يا أبا سلمة! اجتنب
الأرض. فإنَّ رسول الله وَ ◌ّهِ قال: ((من ظَلَم قِيْدَ شِبْرٍ من الأرض طُوِّقَهُ من
سبع أرضین)).
رواه البخاري (٢٤٥٣)، ومسلم (١٦١٢).
[١٧٠٥] ومن حديث أبي هريرة: ((لا يأخُذُ أحدٌ شبراً من الأرض
بغير حقُّه إلا طوَّقه الله إلى سبع أرضين يوم القيامة)).
رواه مسلم (١٦١١).
سعيد بن غزوان، عن أبيه: أنَّه مرَّ بين يدي رسول الله وَّه بتبوك، وهو يصلي،
فقال: «قطع صلاتنا، قطع الله أثره))، قال: فما قمتُ عليهما إلى يومي هذا - يعني:
رجليه(١) _](٢). فدلَّ هذا: على أنَّ الدُّعاء المذكور ليس محرَّماً. وأما قوله: إنَّه
أراد الشرّ للظالم وتمنَّاه. فنقولُ بجواز ذلك، ليرتدعَ الظَّالمُ عن شره، أو غيره ممن
يريد الظلم والشرَّ. ولو سلمنا: أنَّ ذلك لا يجوزُ لأمكن أن يقال: إنَّه لا يلزمُ من
الدُّعاء بالشَّرِّ أن يكون ذلك الشَّرُّ مُتَمنَّى، ولا مراداً للدَّاعي، فإنَّ الإنسانَ قد يدعو
على ولده وحبيبه بالشر؛ [بحكم بادرة الغضب](٣) ولا يريد وقوعه به، ولا يتمنَّاه.
والله تعالى أعلم.
(١) رواه أبو داود: (٧٠٦).
(٢) ما بين حاصرتين ساقط من (م) و(ج ٢).
(٣) ما بين حاصرتين ساقط من (ل ١).

٥٣٩
(١٩) كتاب الوصايا والفرائض - (١) باب: الحث على الوصية
(١٩)
كتاب الوصايا والفرائض
(١) باب
الحث على الوصية وأنها بالثلث لا يتجاوز
[١٧٠٦] عن ابن عمر: أنَّ رسولَ الله ◌َّهِ قالَ: ((ما حقُّ امرئٍ
مسلم له شيءٌ يريد أن يُوصي فيه، يبيت ليلتين، إلا ووصيتُهُ مكتوبةٌ عنده)).
١
(١٩)
كتاب الوصايا والفرائض
[(١) باب: الحث على الوصية وأنها بالثلث لا يتجاوز](١)
الوصايا: جمع وصيّة، كالقضايا: جمع قضِيّة، وهي في الأصل: عبارة عن معنى الوصية
كل شيءٍ يُؤمر بفعله، ويعهد به في الحياة، وبعد الموت. وخصّصها العرف بما
یُعهد بفعله وتنفيذه بعد الموت.
و (قوله وَلخير: ((ما حقُّ امرىءٍ مسلم له شيءٌ يريد أن يوصيَ فيه يبيتُ ليلتين
إلا ووصيَّتُه مكتوبةٌ عنده)») الحقُّ في اللغةً هو: الثابت مطلقاً. فإذا أطلق في الشَّرع المرادُ بالحق
فالمرادُ به: ثبوت الحكم فيه. ثمَّ الحكمُ الثَّابتُ في الشريعة يكون: واجباً،
ومندوباً، ومباحاً؛ إذ كلُّ واحدٍ منها ثابتٌ وموجود فيها، لكنَّ إطلاق الحقُّ على
(١) هذا العنوان للباب ليس في الأصل، واستدرك من التلخيص.

٤٤٠
(١٩) كتاب الوصايا والفرائض - (١) باب: الحث على الوصية
وفي رواية: ((يبيت ثلاث ليالٍ))، وفيها: قال عبد الله بن عمر:
المباح قلَّ ما يقعُ في الشَّريعة، وإنما يوجدُ فيها بمعنى الواجب، والنَّدب. فإن
اقترن به (علی) أو ما في معناها؛ ظهر فيه قصد الوجوب. وإن لم يقترن به ذلك؛ كان
محتملاً للأمرين، كما قد جاء في هذا الحديث. وعلى هذا: فلا حجَّة لداود في
التَّمسك بحقِّ الذي في هذا الحديث على وجوب الوصيّة؛ لأنَّه لم يقترنْ به قرينةٌ
تزيلُ إجماله، فإن أبى إلا دعوى ظهوره قابلناه بما قاله بعضُ أصحابنا في هذا
الحق: إنَّه قد اقترن به ما يدلُّ على الندب. وهو إضافته للمسلم، وتعليق
الوصية على الإرادة في قوله: ((ما حقُّ امرىءٍ مسلم له شيءٌ يريد أن يوصيَ فيه)).
واقتران مثل هذا يقوِّي إرادةَ الندب. ثم لو سلَّمْنا: أنَّ ظاهره الوجوبُ فنقول
بموجّبه، فيمن كانت عليه حقوقٌ للناس يخافُ ضياعها عليهم، أو كانت له حقوقٌ
عند أُناس يخافُ تلفها على الورثة، فهذا تجبُ عليه الوصية. ولا يختلف فيه إذا
الوصية في أول خاف ضياعها بسبب الموت. وإذا تقرر هذا؛ فاعلم: أنَّ الوصيّةَ في أول الإسلام
الإسلام
كانت واجبةً للوالدين والأقربين قبل نزول المواريث، كما قال تعالى: ﴿كُتِبَ
عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ أَلْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًّا الْوَصِيَّةُ لِلْوَلِدَيْنِ وَاَلْأَفْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِّ حَقّاً عَلَى
الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠]، وهي بمجموع قرائنها نصٌّ في وجوب الوصية لمن ذكر
فيها، ثم: إنَّها بعد ذلك نُسخت. واختلفَ في ناسخها. فقيل: آية المواريث. وفيه
إشكالٌ؛ إذ لا تعارضَ بين أن يُجمع بينهما، فيكون للقرابة أخذ المال بالوصية
عن المورِّث، وبالميراث إنْ لم يوص، أو ما بقي بعد الوصيّة، لكنَّ هذا قد منع
الإجماعُ منه. وهو خلافُ نصِّ قوله وَّةِ: ((إنَّ الله قد أعطى كلَّ ذي حقٌّ حقَّه. ألا
لا وصيّة لوارث))(١). فإذاً: آيةُ المواريث لم تستقلَّ بنسخ آية الوصيّة، بل بضميمةٍ
أخرى، وهي السُّنَّة المذكورة، ولذلك قال بعضُ علمائنا: إنَّ نسخ الوصية للقرابة
إنَّما كان بالسُّنَّة المذكورة، غير أنه يرد عليه: أنَّ هذا نسخ القرآن بخبر الواحد.
(١) رواه أحمد (٢٣٨/٤ و٢٦٧/٥)، وأبو داود (٢٨٧٠ و٣٥٦٥)، والترمذي (٢١٢٠
و ٢١٢١)، والنسائي (٢٤٧/٦)، وابن ماجه (٢٧١٣ و٢٧١٤).