Indexed OCR Text
Pages 401-420
٤٠١ (١٨) كتاب البيوع - (١١) باب: النهي عن المحاقلة (١١) بابُ النهي عن المحاقَلَةِ والمخابرةِ والمعاوَمَة [١٦٢٦] عن جابر بن عبدِ الله، أنَّ رسول اللهِوَّهُ نهى عن المخابرة، والمحاقلة والمزابنة، وعن بيع الثمرة حتى تُطْعِمَ، ولا تباع إلا (١١) ومن باب: النَّهي عن المحاقلةِ والمخابرةِ والمعاومة قد تقدَّم القولُ في أصل اشتقاق المحاقلة. وقد فسَّرها - ها هنا - جابرٌ: بأنَّها معنى المحاقلة بيعُ الزرع القائم بالحَبُّ كيلاً. وقال الجوهريُّ في الصحاح: المحاقلة: بيعُ الزرع في سُنبله بالبُرِّ. وقد نُهِي عنه. قلتُ: وهذا يرجعُ إلى المزابنة، كما قدَّمناه. وقد فسَّرها غيرُه: بأنها كراءُ الأرض بما يخرجُ منها. وهو الذي صار إليه أصحابُنا. فأمَّا المخابرة فمأخوذةٌ من الخُبر - بضم الخاء - وهو النصيب. هكذا حكاه أهلُ اللغة، وأنشدوا عليه: إِذَا مَا جَعَلْتَ الشّاةَ للناسِ خُبْرَةً فَشَأَنْكَ أَنِّي ذاهبٌ لِشُؤونِي وقال ابنُ الأعرابيّ: أصلُ المخابرةِ مأخوذٌ من خيبرَ؛ لأن النبيَّ ◌َّ كان قد المخابرة أقرَّها في أيدي أهلها على النصيب منها، فقيل: خابرهم، أي: عاملهم في خيبر. قلتُ: وعلى هذا فلا تكونُ المخابرةُ منهياً عنها، وقد ثبت النهي عنها فهي غيرها. والصحيحُ ما حكاه الجوهريُّ وغيره: أنَّ المخابرةَ هي المزارعةُ بجزءٍ ممَّا يخرجُ من الأرض. وهو: الخِبْرِ أيضاً - بالكسر - ويشهدُ له ما ذكرناه آنفاً عن اللغويين. وعلى هذا فيكونُ الفرقُ بين المحاقلة والمخابرة: أنَّ المحاقلة كراءُ الأرضِ بما يخرجُ منها مطلقاً. والمخابرة: كراؤها بجزء ممَّا يخرجُ منها؛ كثلث وربع. وقد قال بعضُ النّاس: إنهما بمعنىّ واحدٍ. والمشهورُ ما ذكرناه. وهو الأولى. والله تعالى أعلم. وسيأتي القولُ في كراء الأرض. و (قوله: ونهى عن بيع الثَّمرة حتى تطعم، ولا تُباع إلا بالدَّراهم أو الدَّنانير ٤٠٢ (١٨) كتاب البيوع - (١١) باب: النهي عن المحاقلة بالدَّرَاهم، أو الدَّنانير؛ إلا العرايا. قال عطاء: فسَّرَ لنا جابرٌ قال: أمَّا المخابرة: فالأرض البيضاء يدفعها الرجل إلى الرجل فينفق فيها، ثم يأخذ من الثمر. وزَعَمَ أنَّ المزابنة بيع الرُّطَبِ في النخل بالتمر كيلاً. والمحاقلة في الزرعَ على نحو ذلك يبيعُ الزرع القائم بالحبِّ كَيْلاً. وفي روايةٍ: حتى تُشْقِحَ. وفي رواية: حتى تُشْقِهَ (مكان): تطعم. قال: والإشقاه: أن تَحْمَرَّ، أو تصفرَّ، أو يُؤكل منها شيءُ. والمحاقلة: أَنْ يباع الحقلُ بكيلٍ من الطّعام معلوم. والمزابنة: أن يباع النَّخل بأوساقٍ من التَّمر. والمخابرة: الثلث، والربع، وأشباه ذلك. إلا العرايا) هذا المساقُ فيه تثبيجُ(١) بالتقديم والتأخير، [وذلك: أنَّ مساقَه يقتضي أن تباعَ الثمرةُ قبل طيبها بالدراهم أو الدنانير] (٢) وذلك لا يجوز بالاتفاق، لا بهما، ولا بالعروض إلا على شرط القطع. فيجوزُ بالعين، والعَرَض، فلا يصحُ أن يكونَ ذلك استثناءً من بيع الثَّمرة بوجهٍ، وإنما يصحُّ رجوعُ الاستثناء للمحاقلة، والمخابرة، فإنها هي التي نُهِيَ عن بيعها إلا بالعين، كما يأتي بعد هذا في حديث رافع بن خديج حيث قال: ((أمَّا بالذهب والورِق فلا بأس به))(٣). و (قوله: إلا العرايا) مُستثنى من المزابنة، كما جاء في الحديث المتقدِّم. وترتيبُ هذا الحديثُ أن يقال: نهى عن المحاقلة، والمخابرة إلا بالدَّنانير أو الدَّراهم، وعن المزابنة إلا العرايا. وهذا واضحٌ. والله تعالى أعلم. (١) أي: تخليط . (٢) ما بين حاصرتين ساقط من (م). (٣) انظره في التلخيص برقم (١٩٣٣). ٤٠٣ (١٨) كتاب البيوع - (١١) باب: النهي عن المحاقلة قال زيدُ بنُ أبي أَنَيْسة: أسمعتَ جابرَ بنَ عبدِ الله يذكر هذا عن رسول الله وَر؟ قال: نعم. رواه أحمد (٣٢٠/٣)، والبخاري (٢١٩٦)، ومسلم (١٥٣٦) (٨١ و٨٢ و ٨٣ و٨٤)، وأبو داود (٣٣٧٠)، والنسائي (٢٦٣/٧). [١٦٢٧] وعنه قال: نهى رسولُ اللهِ وَلهول عن المحاقلةِ، والمزابنة، والمخابرة، والمعاومة. وفي روايةٍ: بيع السنين (عوض المعاومة) وعن الثُّنْيًّا، ورخّص في العرايا. و (قول زيد بن أبي أُنَيْسَةَ لعطاء: أسمعت جابرَ بنَ عبد الله يذكر هذا عن رسول الله وَ﴿؟ قال: نعم) تحتملُ هذه الإشارةُ أن تكون عائدةً إلى الحديث وتفسيره المتقدم. فيكون كلُّ ذلك من قول رسول الله وَّه، ويحتملُ أن تكون عائدةً إلى الأمور التي نهى عنها في صدر الحديث، لا إلى التفسير. وهو الأولى؛ لقول عطاء: فسَّر لنا جابر، فذكر التفسير. التشقيح والتشقية - بالحاء والهاء - كما فسَّره [الرَّاوي بقوله: أنْ تَحْمَرَّ، التشقيح والتشقية وتَصْفَرَّ، ويؤكل منها. وكذلك فسَّره](١) أهلُ اللغة قالوا: يقال: أشقح النّخل، وشقَّح ـ مشدّداً -: إذا أزهى. ويقال: أشقه النَّخل - بالهاء - فيبدلون من الحاء هاءً لتقارب مَخْرجيهما. والمعاومة: بيع الثَّمر أعواماً. وهو المعبّر عنه [باللفظ الآخر] (٢): بيع المعاومة السنين. ولا خلافَ في تحريم بيعه، لكثرة الغَرَر، والجهل. والثُّنْيَا - بالضم والقصر، على وزن: الكُبرى - هي: الاسمُ من الاستثناء، (١) ما بين حاصرتين ساقط من (ج ٢). (٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ع). ٤٠٤ (١٨) كتاب البيوع - (١١) باب: النهي عن المحاقلة رواه مسلم (١٥٤٣) (٨٥)، وأبو داود (٣٤٠٤)، والترمذي (١٣١٣)، والنسائي (٢٩٦/٧)، وابن ماجه (٢٢٦٦). وكذلك: الثََّوى - بفتح الثاء - على وزن: طَرْفَى. ذكر ذلك في الصحاح. قال الهرويُّ: بيعُ الثُّنيا هو: أن يُستثنى من المبيع شيءٌ مجهول، فيفسد البيع. وقال القتبي: هو أن يبيعَ شيئاً جِزافاً ويستثني منه شيئاً. بيع السُّيا قلتُ: والحاصل: أنَّ الشُّنيا اسمُ جنس لما فيه استثناء، سواء كان ذلك من البائع، أو من المبتاع. فيكون الأصل في كلَّ ذلك المنعُ لأجل النَّهي، غير أنَّ في ذلك تفصيلاً؛ یظھرُ بصور: صور الشُّيا الأولى: جائزة باتفاق. وهي: أن يستثنيَ البائعُ نخلات معيَّناتٍ من حائطٍ، . قلَّت، أو كثرتْ؛ لأنَّ البيعَ لم يقعْ عليهنَّ، بل على ما عداهنَّ. الثانية: أن يستثنيَ نخلاتٍ مجهولاتٍ، أو كيلاً مجهولاً من الثَّمرة؛ على أن يُعيِّنَ ذلك بعد البيع. فذلك ممنوعٌ فاسدٌ باتفاق؛ لتناول النهي له [وللجهل بالمبيع والغرر](١). الثالثة: أن يستثنيَ من الثَّمر كيلاً معلوماً. فذهب الجمهورُ: إلى أنَّ ذلك لا يجوزُ منه قليلٌ ولا كثير. ورأوا أنَّ ذلك النهيَ متناولٌ له؛ لما فيه من الجهالة. وذهب مالكٌ في جماعةِ أهل المدينة: إلى أنَّ ذلك جائزٌ فيما بينه وبين ثلث الثمرة، ولا يجوزُ زيادةٌ على ذلك. ورأوا: أنَّ خرصَ الثمرة وحَزْرَها مما يُعرف (١) ساقط من (ع). ٤٠٥ (١٨) كتاب البيوع - (١١) باب: النهي عن المحاقلة مقدارها، وأنَّ استثناءَ القليل منها لا يكثر فيه الغرر. والقليل من الغرر مغتفرٌ في مواضع كثيرةٍ من الشّرع. وما دون الثلث قليلٌ. قلتُ: وهذا تخصيص للعموم بالنّظر. الرابعة: أن يَستثني جزءاً من الثَّمرة مشاعاً. فيجوزُ عند مالكِ وعامَّة أصحابه، قلَّ، أو كثُرَ. وذهب عبد الملك: إلى أنَّه لا يجوز استثناءُ الأكثر. والخلافُ في ذلك مبنيٌّ على جواز استثناء الأكثر من الأقلِّ، وعدم جوازه. وقد بيَّنا جوازَهُ في أصول الفقه. الخامسة: أن يقولَ البائعُ للمشتري: أبيعُك هذا الشيءَ بكذا، على أنَّك إن جئتني بالثمن إلى أجل كذا رددتُ عليك ملكك. فهذا فاسدٌ للنهي عنه، ولأنَّه ذريعةٌ للسَّلف الذي يجرُّ نفعاً. ويفسخ ما لم يَفُتْ، فإن فات ضُمن بالقيمة، ويُفيتُهُ ما يُفيت البيع الفاسد. السادسة: أن يعقدَ المشتري على أنَّه إن لم يأت بالثّمن إلى وقت كذا فلا بیعَ بينهما. فاختلفَ فيه. فبعضُهم أبطل الشَّرط، وصحّح العقد. ومنهم من ألزم قائلَه الشرط، وجَعَلَ للآخر الخيار. والوجهان مرويَّان عن مالكٍ. ٤٠٦ (١٨) كتاب البيوع - (١١) باب: ما جاء في كراء الأرض (١٢) باب ما جاء في كراء الأرض [١٦٢٨] وعن جابرِ بنِ عبدِ الله: أنَّ رسول الله وَّهِ نهى عن كراءٍ الأرض. رواه أحمد (٢٣٤/١)، ومسلم (١٥٤٧) (١١١)، وأبو داود (٣٣٨٩)، والنسائي (٣٧/٧). [١٦٢٩] وعنه، قال: كانَ لرجالٍ فضول أرضين من أصحاب رسولِ اللهِ وَّهِ. فقال رسول الله وَ له: ((من كان له فضلُ أرضٍ فليزْرَغْهَا، أو لِيَمْنَحْها أخاه، فإن أبى فليُمْسِكْ أرضه)). وفي أخرى: ((من كانت له أرضٌ فَلْيَزْرَعْهَا، أو لِيُزْرِغْهَا أخاه، ولا یُخرِها». رواه أحمد (٣٥٤/٣)، والبخاري (٢٣٤٠)، ومسلم (١٥٣٦) (٨٩ و٩٢)، والنسائي (٣٧/٧). (١٢ و١٣) ومن باب: كراء الأرض (١) نَهْيُهُ وَّر عن كراء الأرض و (قوله: ((من كانت له أرضٌ فليزرعها أو ليُزْرِغْها أخاه، ولا يُكْرِها») حُبَّةٌ لمن منع كِراء الأرض مُطلقاً، وحرَّمه. وهم: رافع بن خديج، وابن عمر - فيما رجع إليه -، وطاووس اليمانيُّ، وأبو بكر بن (١) شرح المصنِّف - رحمه الله تعالى - تحت هذا العنوان ما أشكل في أحاديث هذا الباب، والباب الذي يليه، باب: فيمن رأى أن النهي عن كراء الأرض إنَّما هو من باب الإرشاد إلى الأفضل. ◌ُكْم کراء الأرض ٤٠٧ (١٨) كتاب البيوع - (١٢) باب: ما جاء في كراء الأرض عبد الرحمن، والحسنُ البصريُّ. وخالفهم في ذلك الجمهورُ. ثُمَّ هم فريقان: الأول: أجاز كراءها بكلِّ ما يجوز أن يكون ثمناً في البِياعات من العروض، والذَّهب، والفضَّة، والأطعمة المضمونة. وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعيِّ، والأوزاعيِّ، والثوريٍّ، مُتمسّكين بقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، والإجارةُ بيعٌ، وبقول رافع: أمَّا بالذهب والفضة فلا بأس. وفي طريقٍ آخر: أمَّا بشيءٍ معلومٍ مضمونٍ فلا بأس به، وبقياس إجارة الأرض على العقار، وهو من أقوى أنواع القياس، لأنه في معنى الأصل. واعتذر هؤلاء عن أحاديث النَّهي بو جھین. أمّا أبو حنيفة: فعلى أصله في ترجيح القياس على خبر الواحد (١). وأمَّا الشَّافعيّ ومن قال بقوله: فيمكن أن يقال: حملوا مطلقَ تلك النَّواهي على مقيَّدها، ورأوا: أنَّ محلّ النهي إنَّما هو ما لم يكنْ مضموناً، ولا معلوماً. ويمكنُ أن يقالَ: إنَّهم صرفوا ظاهرَ النهي إلى التنزُّه عن ترك الأولى والأحسن، كما فهمه ابنُ عبّاسٍ حيث قال: لم ينه عن ذلك رسولُ اللهِ وَّهَ، إنّما قال: ((يمنح أحدُكم أرضَه خيرٌ منْ أن يأخذَ عليها خَرْجاً معلوماً)، وفي اللفظ الآخر: ((لأن يمنحَ أحدُكم أخاه أرضَه خيرٌ له من أن يأخذَ عليه كذا وكذا - لشيءٍ معلومٍ -)). وقوله: لم ينه [أي: لم ينه](٢) عنه نهي تحريم، بل نهي تنزيه، على ما تقرَّر. الفريق الثاني: هو مالكٌ وأصحابه. فالمشهورُ من مذهبه: أنَّه لا يجوز كراؤها بشيءٍ من الطّعام كان؛ مما تُنبته، أو مما لا تُنبته؛ كالعسل واللبن وغيرهما. ولا بشيءٍ ممَّا تنبته ما عدا القصب والخشب. وقال ابنُ كنانة: لا تُكرى بشيءٍ إن أُعيدَ فیها نبت، ولا بأس أن تُكری بغير ذلك. وبه قال یحیی بن يحيى، (١) في (ع): الآحاد. (٢) من (م). ٤٠٨ (١٨) كتاب البيوع - (١٢) باب: ما جاء في كراء الأرض [١٦٣٠] وعنه قال: كثَّا في زمن رسولِ اللهِوَ طَهِ نأخذُ الأرض بالثلثِ، أو الربع بالمَاذِيَانَاتِ، فقام رسول الله وَّر في ذلك فقال: ((من کانتْ له أرض» وذكر نحو ما تقدم. وفي أخرى: قال: كنّا نخابر على عهد رسول الله بَّهِ. فنصيب من وقال: إنَّه من قول مالك. وقال ابنُ نافع: تكرى بجميع الأشياء كلِّها؛ ما أُكِل منها وما لم يُؤْكَل؛ خرج منها، أو لم يخرج؛ إذا كان ما تكرَى به بخلاف ما يُزْرَعُ فيها، وكأنَّ مالكاً - رحمه الله - جَمَعَ بين الأدلة، فحمل أحاديثَ النهي على كرائها بالطعام أو بما تنبت. وأدلةُ الإباحة على ما عدا ذلك، وفهم: أنَّ علةَ المنع: الربا. وذلك: أن الأرضَ تكرى ليخرجَ منها الطعامُ، فجعل لها حُكْمَ الطَّعام، فلا يجوز أن تكرى بطعام؛ لأنَّ يضارع طعاماً بطعامٍ إلى أجل. وقد شهد بصحّة ما رآه ما جاء في بعض ألفاظ حديثٍ رافع بن خديج؛ فيما خرَّجه أبو داود: أنَّه زرع أرضاً فمرَّ به النبيُّ ◌َ وهو يسقيها، فسأله: «لمن الزرع؟ ولمن الأرض؟)) فقال: زرعي بيدي وعملي، لي الشَّطر، ولبني فلان الشَّطرُ. فقال: ((أرَيْتُما، فرُدَّ الأرض إلى أهلها، وخذ نفقتك))(١). وهذا صريحٌ: في أنَّ ذلك من باب الرِّبا وجهته. وهذا في الطعام واضحٌ. وأمَّا فيما ليس بطعام مما تنبته؛ فسدٌّ للذريعة - على أصله - والله تعالى أعلم. وهذا القدرُ كافٍ. وقد كتبنا في هذه المسألة جزءاً حسناً. و (قوله: كنّا نأخذ الأرض بالثلث والربع في الماذِيانات). الماذِيانات: معروفةٌ - بكسر الذَّال، وقد فُتحت - وليست عربيةٌ، ولكنها سوادِيَّةٌ. قاله الإمام. وهي: مسايل الماء. والمراد بها ها هنا: ما ينبت على شطوط الجداول، ومسايل الماء. وهو من باب تسمية الشيء باسم غيره إذا كان مجاوراً له أو كان منه بسبب. و (أقبال الجداول) - بفتح الهمزة -: أوائلُها. و (الجداول): السَّواقي. (١) رواه أبو داود (٣٤٠٢). معنی الماذیانات ٤٠٩ (١٨) كتاب البيوع - (١٢) باب: ما جاء في كراء الأرض القِصْرِيِّ، ومن كذا، فقال رسول الله وَّهِ: ((من كانت له أرضٌ)). وذكر نحوه . رواه مسلم (١٥٤٣) (٩٥ و٩٦). ويُسمى الجدول: الرَّبيع. ويُجمع: ربعان. وقال الخليل: الأربعاء: الجداول. جمع ربيع. ومعنى هذا: أنَّ صاحب الأرض كان يُؤاجرُ أرضه بالثلث، أو بالربع، وبأن يكون له ما يُزرع على جوانب الأنهار والجداول، وعلى أفواهها، وكان منهم من يُؤاجر أرضَه بالماذيانات خاصةً، كما قال في الرِّواية الأخرى. وفي هذا الحديث حجةٌ للجمهور وأئمة الفتوى: مالك، والشَّافعيِّ، وأبي حنيفة. وهو مذهب ابن عبّاس، وابن عمر، ورافع بن خديج على منع كراء حكم كراء الأرض بجزءٍ مما يخرج منها على من أجاز ذلك. وهم: الليث بن سعد، وابن الأرض بجزء أبي ليلى، وسفيان الثوريُّ، والحسن بن حيٍّ، والأوزاعيُّ. وهو مذهب عليٍّ مما يخرج منها وعمَّارٍ، وابن مسعودٍ، وسعد بن أبي وقاص. ووجه الاستدلال بذلك: أنَّ هذه كانت مزارعاتهم، فلمَّا أُخْبِرَ النبيُّ وَّرِ بذلك نهى عنها، وبيَّن ما يجوز فعلُه في الأرض، وهو: أن يزرعَها بنفسه، أو يُزْرِعَها غيره، أو يكريها بشيءٍ معلومٍ مضمونٍ، كما قد بيَّنَاه، ولأنَّ ذلك هي المخابرةُ المنهيُّ عنها، كما تقدَّم، ولما فيه من الجهالة، والغَرَر، والخَطر، بل قد جاءت نصوصٌ في كتاب أبي داود بتحريم ذلك. فمنها: ما رواه عن زيد بن ثابت قال: نهى رسول الله وَلّر عن المخابرة. فقيل له: وما المخابرةُ؟ قال: أن تأخذَ الأرضَ بنصفٍ أو ثلثٍ أو ربع(١). وهذا نصٌّ من تفسير الصحابي. وهو أعلم بالحال، وأقعد بالمقال. وقد روي أيضاً من حديث جابر: أن رسول الله وَ ﴿ قال: ((مَنْ لم يذر المخابرة فَلْيَأْذَنْ(٢) بحربٍ من الله ورسوله)»(٣). (١) رواه أبو داود (٣٤٠٧). (٢) في الأصول: (فليُؤذن) وأثبتنا ما في سنن أبي داود. (٣) رواه أبو داود (٣٤٠٦). ٤١٠ (١٨) كتاب البيوع - (١٢) باب: ما جاء في كراء الأرض [١٦٣١] وعن نافع: أنَّ ابن عمر كان يُكْرِي مَزَارِعَهُ على عهد رسول الله ◌َّ، وفي إمارةَ أبي بكر، وعمر، وعثمان، وصدراً من خلافة معاوية. حتى بلغه في آخر خلافة معاوية: أنَّ رافع بن خَدِيج يحدِّثُ فيها بنهيٍ عن النبي ◌َّهور، فدخل عليه وأنا معه، فسأله فقال: كان رسول الله وَليه ينهي عن كِراء المَزَارِعِ. فتركها ابن عمر بعدُ. وكان إذا سُئل عنها بعدُ، قال: زعم ابن خَدِيج: أنَّ رسول الله وَّ نهى عنها. قال مجاهد: قال ابن عمر: لقد منعنا رافع نفع أرضنا. رواه أحمد (١٤٠/٤)، والبخاري (٢٣٤٣)، ومسلم (١٥٤٧) (١٠٨ و١٠٩)، والنسائي (٤٥/٧)، وابن ماجه (٢٤٥٣). [١٦٣٢] وعن رافع بن خديج، قال: كنّا نحاقلُ الأرض على عهد رسول الله ◌َّله، فَنَكرِيها بالثلث، والرُّبُع، والطعام المسمَّى، فجاءنا ذاتَ يومٍ رجلٌ من عمومتي. فقال: نهانا رسولُ اللهِ وَّر عن أمر كان لنا نافعاً. القِصْرِيّ (القِصْرِيُّ) - بكسر القاف والرَّاء، وسكون الصَّاد -: هو الرواية الصحيحة. وهو ما يبقى من الحبوب في سنبله بعد الدَّرْس. وهي لغة شاميَّةٌ. قاله ابن دُريد. وقد قيَّده بعضُهم بفتح القاف مقصوراً، وبعضُهم بِضَمِّها مقصوراً. كراء الأرض على عهد رسول الله الخير وبعده و (قول ابن عمر: كنّا نكري الأرضَ على عهد رسول الله اله وإمارة أبي بكرٍ، وعمرَ، وعثمانَ، وصدراً من خلافة معاويةً)، يدلُّ: على أنَّ ذلك كان أمراً معمولاً به، مشهوراً. وهو محمولٌ: على أنَّهم كانوا يكرونها بشيءٍ معلومٍ، مضمونٍ. وأمَّا بالجزء ممَّا يخرج منها فلا، لما تقدَّم، ثمَّ إنَّ ابن عمر ترك ذلك لَمَّا بلغَه حديثُ رافع (١) تَرْكَ وَرَعِ وتقيةٍ، لا أنَّه جزمَ بالتحريم. ويظهر من قوله التوقف (١) في (ع) و (ل ١): حديث النهي. ٤١١ (١٨) كتاب البيوع - (١٢) باب: ما جاء في كراء الأرض فطواعيةُ الله ورسوله أنفعُ لنا. نهانا أن نحاقل الأرض فنكريها على الثلث، والرُّبُع، والطعام المسمَّى. وأَمَرَ ربَّ الأرض أن يزرعها أو يُزْرِعَها، وكره کِرَاءَهَا، وما سوى ذلك. رواه أحمد (١٤٢/٤)، والبخاري (٢٣٤٦)، ومسلم (١٥٤٨) (١١٣)، وأبو داود (٣٢٩٤)، والنسائي (٤٩/٧). [١٦٣٣] وعن حنظلة بن قيس: أنَّه سأل رافعَ بن خَدِيجٍ عن کراء الأرضِ؟ فقال: نهى رسول الله سير عن كراءِ الأرض. قال: فقلت: أَبا الذَّهب والوَرِقِ؟ فقال: أمَّا بالذَّهب والوَرِقِ، فلا بأس به. رواه أحمد (٤٦٣/٣)، ومسلم (١٥٤٨) (١١٥)، وأبو داود (٣٣٩٣ و ٣٣٩٧)، والنسائي (٤٣/٧). [١٦٣٤] وعنه، قال: سألت رافع بن خديج عن كراء الأرض بالذهب والوَرِقِ؟ فقال: لا بأس به. إنما كان الناس يُؤَاجرُون، على عهد رسول الله ◌َّ﴿ بما على المَاذِيَانَاتِ، وأَقْبَال الجَدَاوِلِ والأنهار، وأشياء من الزرع، فيَهْلِكُ هذا ويَسْلم هذا، ويسلم هذا، ويهلك هذا. فلم يكن للناس كراء إلا هذا، فلذلك زُجِر عنه. فأمَّا شيء معلومٌ، مضمونٌ؛ فلا بأس به. رواه أحمد (١٤٠/٤)، ومسلم (١٥٤٨) (١١٦)، وأبو داود (٣٣٩٢)، والنسائي (٤٣/٧). * في حديث رافع بن خديج، لكنَّه غلّب حكمَ الورع، فعملَ على عادته - رضي الله عنه - وأمَّا سكوت ابن عمر عن مدَّة إمارة عليٍّ، فلم يذكرْها - والله أعلم - لأنَّ (١٨) كتاب البيوع - (١٣) باب: فيمن رأى أن النهي عن كراء الأرض إنما هو من باب الإرشاد إلى الأفضل ٤١٢ (١٣) بابٌ فيمن رأى: أن النهي عن كراء الأرض إنَّما هو من باب الإرشاد إلى الأفضل [١٦٣٥] عن عمرو بن طاووس، عن طاووس: أنه كان يخابر، قال عمرو فقلت: يا أبا عبد الرحمن! لو تركت هذه المخابرة فإنَّهم يزعمون: أنَّ النبي ◌َّ نهى عن المخابرة. فقال: أيْ عمرو! أخبرني أعلمهم بذلك - يعني ابن عباس -: أنَّ النبيَّ وَّر لم ينه عنها؛ إنَّما قال: ((يمنح أحدكم أخاه خيرٌ له من أن يأخذ عليها خَرْجَاً معلوماً)). رواه أحمد (٢٣٤/١)، ومسلم (١٥٥٠) (١٢١). [١٦٣٦] وعن ابن عباس: أنَّ النبيَّ ◌َِّ قال: ((لَأَنْ يَمْنَحَ أحدُكم ابنَ عمر لم يتفرغ فيها لكراء الأرض، ولا للبحث عنها لما كان في تلك المدَّة من الحروب والفتن، ولفراره(١) عنها. والله تعالى أعلم. وعلى الجملة: حديث رافع بن خديج مضطرب غاية الاضطراب، كما قد وقع في الأصل وفي غيره من كتب الحديث. فينبغي ألا يُعتمَد عليه. ويتمسك في جواز كرائها بشيءٍ معلوم بالقياس الذي ذكرناه، غير أنه لا تكرى بطعام مخافةً طعامٍ بطعام، فإنَّها ريبةٌ. وقد أمرَ عمرُ - رضي الله عنه - بتركها. والرِّبا أحقُّ ما حُميتَ مراتعَهُ(٢)، وسُدَّت ذرائعه، أو يُسلك في الامتناع من ذلك طريقة الورع، كما سلكَها ابن عمر. وهي الأسلم. والله تعالى أعلم. (١) خرج ابن عمر رضي الله عنه زمن الفتنة إلى مكة. (٢) في (ل ١): موانعه وفي (ع): مرابعه. ٤١٣ (١٨) كتاب البيوع - (١٤) باب: المساقاة على جزءٍ من الثمر والزرع أخاه أرضه خيرٌ له مِنْ أن يأخُذ عليها كذا وكذا لشيءٍ معلوم)). وقال ابن عباس: هو الحقل. وهو بلسان الأنصار: المحاقلة. رواه أحمد (٣١٣/١)، ومسلم (١٥٥٠) (١٢٢). [١٦٣٧] وعن ثابت: أنَّ رسول الله وَّل نهى عن المزارعة، وأمر بالمؤاجرة، وقال: «لا بأس بها)). رواه مسلم (١٥٤٩) (١١٩ (١٤) باب المساقاة على جزءٍ من الثمر والزرع [١٦٣٨] عن ابن عمر، قال: أعطى رسولُ اللهِ وَلَهُ خيبرَ بشطرِ ما (١٤) ومن باب: المساقاة وهي مأخوذة من السّقي. وأصلها: تعاهدُ الأشجار بالماء. ثمَّ قد صارت أصل المساقاة عبارة - بحكم العرف - عن العمل في الأشجار بما يصلحُها من سَقْيٍ، وإِبارٍ، وجدادٍ، وغير ذلك من العمل الذي تصلحُ به الثَّمرةُ على جزءٍ مسمّى، يأخذه العاملُ من الثمرة. وقد اختلف العلماءُ في حكمها، ومحلِّها، ووقتها. فأمّا حُكْمُها: فالجوازُ عند مالكِ، والشَّافعيِّ، وابن أبي ليلى، وكثيرٍ من حكم الكوفيين، تمشُّكاً بهذه الأحاديث المذكورة في هذا الباب، وبقياسها على المساقاة القراض . - وهو متفق عليه - لأنها في معناه. ومنعَها أبو حنيفة، وزفر من أصحابه لما فيها من الغَرر، ولأنها من باب: بيع الثَّمر قبل طيبه. وهو منهيٌّ عنه كما تقدَّم. وحمل أحاديث مساقاة خيبر: على أنَّ أهلها كانوا عبيداً للنبيِّ وََّ فما أخَذَ فهو له، ٤١٤ (١٨) كتاب البيوع - (١٤) باب: المساقاة على جزءٍ من الثمر والزرع يخرجُ مِن تمرٍ أو زرعٍ، وكان يُعطي أزواجَه كلَّ سنة مئةً وَسْقٍ، ثمانينَ وَسْقَاً وهذا بناه على أنَّ النبيَّ وَّهِ فَتَحَها عَنْوَةً. وهذا غير مسلّم له، فإنَّ خيبرَ كانت قرىّ كثيرةً. فمنها ما فتح عنوة، ومنها ما فتح صُلْحاً. كذلك رواه مالكٌ ومن تابعه. وهو قولُ ابن عقبة. ولو سلم: أنه فتحها عَنْوةً فلا يُسَلَّمُ: أنَّ السيِّدَ يجوزُ له أن يعاملَ عبده بالربا، ولا أن يعاقده عقداً فاسداً بغرر أو مجهولٍ. وقد نصَّ في هذا: أنَّه عاقدهم عليها، وشرط عليهم، وشرطوا عليه. ولا يجوزُ أن يحملَ ذلك على: أنَّه انتزاعُ مالٍ من أيديهم، لا لغةً، ولا عُرْفاً. فبطل ما قالوه. محل المساقاة وأمّا مَحَلُّها: فمنعها داود في كلِّ شيءٍ إلا في النَّخل. والشافعي إلا في النخل، والكرم. وأجازها مالك في سائر الشَّجر؛ إذا احتاج للمساقاة. والمشهور عندنا: منعها في الزرع إلا إذا عجز عنه أهله. فأمَّا داود: فقصرها على محلٌ ورودها. وأمَّا الشَّافعي: فبناه على أنها رخصةٌ، ولا تتعدّى الرُّخص. لكنه قد ألحق بالنخيل الكرم، مع أنَّه ليس فيه حديثٌ صحيح. فإن كان ثبت عنده به نقلٌ فقد صحَّ له المشيُّ على ذلك الأصل، وإن لم يثبتْ ذلك فليزمه مذهبُ داود. والإلحاق كما ذهب إليه مالك، لأنَّ الشجر كلَّه في معنى النخل، من حيث أنه يحتاجُ إلى علاجٍ، وعملٍ، وسقيٍ إلى انتهاء الثمرة. وهي أصولٌ قائمةٌ ثابتةً يدومُ أمرها، وتدوم الحاجةُ إلى القيامَ عليها. ومِن هنا فارقت الزرع القائم. فإن ألغينا هذا القيد؛ جازتْ فيه المساقاةُ على ما تقدَّم. والله تعالى أعلم. وقت انعقاد المساقاة وأمَّا وقتُ انعقادها: فعند الشافعيِّ ما لم تظهر الثمرة؛ لأنها إذا ظهرتْ فقد ملكها ربُّ النخل، فإذا دفع جزأَها في مقابلة العمل؛ فقد باع الثمرةً قبل بدوٍّ صلاحها. وعند مالك: ما لم تطب، وإن كانتْ قد ظهرتْ. وعنه في ذلك بعد الطيب قولان. وأصلُه في ذلك: أنَّ القِراض، والمساقاة، عقدان مُستثنيان من الإجارة المجهولة، للحاجة إلى ذلك، وللرِّفق الحاصل لربِّ المال والعامل؛ إذ ليس كلُّ مَن له مالٌ يحسن القيامُ عليه، ولا العمل فيه. ثمَّ من الناس من يحسنُ ٤١٥ (١٨) كتاب البيوع - (١٤) باب: المساقاة على جزءٍ من الثمر والزرع مِن تمرٍ، وعشرينَ وَسْقاً من شعيرٍ، فلما وليَ عمرُ بن الخطاب قسمَ خيبرَ. خَيَّرَ أزواجَ النبيِّ ◌َّهِ أن يُقْطِعَ لهنَّ الأرضَ والماءَ، أو يَضْمَنَ لهنَّ الأوساقَ العملَ ولا مالَ له. فاقتضتْ حكمةُ الشرع أن يرفقَ بكلِّ واحدٍ منهما على ما تيسّر غالباً. ولمَّا ظهر له ذلك طرد المعنى، فحيث دعتِ الحاجةُ إلى ذلك أعملها . وعلى هذا فتجوزُ المساقاة في النخل بعد الطيب. وفي الزرع إذا عجز عنه أهله. والله تعالى أعلم. و (قوله: أعطى رسولُ اللهِوَ﴿ل خيبرَ)، وفي لفظ آخر: (عامَلَ أهلَ خيبرَ معاملته ◌ِمَّل بشطر ما يخرجُ من ثمرٍ أو زرع) بإثبات لفظ: (أو) التي للتنويع. أو بمعنى: أهل خيبر (الواو)، كما قال في الرّواية الأخرى: (على نصف ما يخرجُ منها من الثَّمر والزَّرع) بغير ألفٍ. وظاهِرُ هذا الحديث: أنَّ أرضَ خيبر - أعني: بياضها - كان كثيراً، وأنّه كان مقصوداً له وَله ولهم، وأنّه ضمَّ المساقاةَ في الأصول وكراء الأرض بما يخرجُ منها في عقدٍ واحدٍ. [ويتمسَّك به مَن قال: يجوز كراء الأرض بجزءٍ مما تنبت، كما تقدم](١). ويتمسَّك به أيضاً من جوَّز أن يضمَّ إلى المساقاة عقد غيرها. قلتُ: والجمهورُ على ترك هذا الظَّاهر لما تقدَّم في مَنْع كراء الأرض بجزء ممَّا يخرجُ منها. وإذا منع ذلك منفرداً للغَرر والرِّبا؛ كان أحرى، وأولى أن يمنعَ إذا اجتمع مع غيره مما يكثر فيه الغَرر، ولمَّا كان ذلك حَمَلَ الجمهورُ هذا على أحد محملين. فأمّا مالك فقال: إنَّ بياضَ خيبر كان قليلاً تابعاً للأصول بين أضعاف السَّواد، فجاز ذلك فيه لتبعيَّة الأصول، وشرط في الجواز اتفاقَ البياض والأصول في الجزء. فلو اختلفا في الجزء لم يجزْ لزوال التبعية. وقال غيرُه: يجوزُ أن يكونَ الذين ساقى غير الذين زارع. وتكون مزارعتُه لمن زارعه منهم على الوَجْه الجائز فيها، ثم إنَّ الراويَ نقل ذلك جملةً، ولم يُفضِّلْ كيف وقعتِ المزارعة، ولا مَنِ الذين سوقوا مِنَ الذين زُورِعُوا. والله تعالى أعلم. (١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع) و(ل ١). ٤١٦ (١٨) كتاب البيوع - (١٤) باب: المساقاة على جزءٍ من الثمر والزرع كلَّ عام، فاختلفنَ، فمنهنَّ مَنْ اختارَ الأرضَ والمَاءَ، ومنهنَّ مَنِ اختارَ الأوساقَ كلَّ عامٍ، فكانت عائشةُ وحفصةُ ممن اختارتَا الأرضَ والماءَ. رواه البخاري (٢٢٨٥)، ومسلم (١٥٥١) (٢)، وأبو داود (٣٠٠٨)، وابن ماجه (٢٤٦٧). [١٦٣٩] وعنه، أنَّ عمرَ بن الخطّاب أجلى اليهودَ والنَّصارى من أرضِ الحِجَاز، وأنَّ رسولَ اللهِ وَ ليه لما ظهرَ على خيبرَ أرادَ إخراجَ اليهودِ منها، فسألتِ اليهودُ رسولَ اللهَ وَّهِ أنْ يُقِرَّهُم بها على أَنْ يَكْفُوا عملَها، ولهم نصفُ الثَّمَرِ. فقالَ لهم رسولُ اللهِّهِ: ((نُقِرُّكُمْ بها على ذلكَ، ما شِئْنَا)) فقَرُّوا بها حتى أجلاهم عُمَرُ إلى تَيْمَاء وأرِيحاء. ما كان يعطيه * لأزواجه کل سنة و (قوله: وكان يعطي أزواجَهُ كلَّ سنةٍ مئةَ وَسْق)، يريدُ بقسمته بينهنَّ ألاَّ تطالبَه واحدةٌ منهنَّ بنفقة تلك السَّنة. وهذا - والله أعلم - كان بعد أنْ كان أزواجُه طالبنه بالنفقة، وأكثَرْنَ عليه، كما تقدَّم في كتاب: النكاح. ويدلُّ هذا: على أنَّ ادِّخارَ ما يحتاجُ الإنسانُ إليه، ويُعدِّه للحاجات المتوقَّعة في الاستقبال، ليس قادحاً في التوكُّلِ، ولا منقِّصاً منه. قَسْم عمر سهم و (قوله: فلمَّا ولي عمر قَسَمَ خيبرَ) يعني: قَسَمَ سَهْمَ النبيِّ ◌َ ﴿ الذي كان له النبي 18 الذي بخيبر؛ الذي كان وقفه النَّبِيُّ وَل﴿ لمؤونة عياله وعاملِه بعد إجلاء عمر - رضي الله کان له في خیبر عنه - اليهودَ منها. وإنّما أجلى عمرُ بن الخطاب اليهودَ والنَّصارى من الحجاز؛ لأنهم لم يكنْ لهم عَهْدٌ من النَّبِيِّ وَ ◌ّ على بقائهم بالحجاز دائماً، بل ذلك كان موقوفاً على مشيئته، ولِمَا عهد النبيُّ وَّرِ عند موته بإخراجهم من جزيرة العرب، وانتهتِ النوبةُ إلى عمر، أخرجهم من الحجاز إلى تيماء، وأريحاء، على ما يأتي، إن شاء الله تعالى. و (قوله وَّهُ: ((نُقِرُّكم بها على ذلك ما شئنا)))، تمسَّكَ به بعضُ أهل الظاهر أَجَل المساقاة ٤١٧ (١٨) كتاب البيوع - (١٤) باب: المساقاة على جزءٍ من الثمر والزرع رواه أحمد (١٤٩/٢)، والبخاري (٢٣٣٨)، ومسلم (١٥٥١) (٦) وأبو داود (٣٠٠٨)، وابن ماجه (٢٤٦٧). على جواز المساقاة إلى أجلِ مجهولٍ. وجمهورُ الفقهاء: مالك، والشافعيُّ، والثوريُّ، وأكثر علماء المدينة: على أنَّها لا تجوزُ إلا لأمدٍ معلوم. وقالوا: إنَّ هذا الكلامَ جوابٌ لما طلبوه حين أراد إخراجَهُمْ منها. وقولهم له: على أنْ نكفيَكم العمل. إنما كان منهم على سبيل إظهار المصلحة المرغِّبةِ في إبقائهم في تلك البلاد، فكأنَّهم قالوا: إيقاؤنا فيها أنفعُ لكم من إخراجنا؛ لأنا نكفيكم مؤونةَ العمل في أرضيكم، وتأخذون نصفَ ما يخرجُ منها، فإن أُخْرِجْنا بقيتِ الأرضُ أو غالبُها لا عامِرَ لها. فلمَّا فُهِمَتِ المصلحةُ أجابهم إلى الإبقاء، ووقفه على مشيئته. وبعد ذلك عاملهم على عَقْد المساقاةِ. والله تعالى أعلم. وقد دلَّ على ذلك قولُ ابن عمر - رضي الله عنه -: عَامَلَ رسولُ الله ◌ِّز أهل خيبرَ على شطر ما يخرجُ منها. فأفرد العقدَ بالذكر دون ذِكْر الصُّلح على الإبقاء. فإن قيل: فلم ينصَّ ابنُ عمر على مُدَّةٍ معلومةٍ، لا هو ولا غيره ممَّن روى القصة، فمن أين يُشترطُ الأجل؟ فالجواب: أنَّ الإجماعَ قد انعقد على مَنْع الإجارة هل يُشترط الأجل في المساقاة؟ المجهولة فيما من شأنه أن يعرف العمل فيه بالزمان. والمساقاةُ من باب الإجارة، لكن اغتفرتْ فيها حالةُ جهالة مقدار ما يحصل من الأجرة. وهذا موضعُ الرُّخصة الخاصَّة بها، فاستثني جوازُ ذلك، وبقي تعيينُ الزَّمان على أصله من وجوب المراعاة. فإن قيل: لا نُسَلِّمُ أنها من باب الإجارة، بل هي أختُ القراض، [وهو أصلُها، كما قدَّمتم. والقراضُ لا يحتاجُ إلى ضَرْب مدَّةٍ، فكذلك المساقاة. فالجواب: أنَّ المساقاةَ، وإن أشبهتِ القراض](١)، فيما ذكرناه، غير أنَّها تفارقُه من وجهٍ آخر. وهو: أنَّ الفائدةَ الحاصلةَ منها مُقيَّدةٌ في العادةِ بالزمان؛ إذ الغالبُ من (١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع). ٤١٨ (١٨) كتاب البيوع - (١٤) باب: المساقاة على جزءٍ من الثمر والزرع الثمرة أنَّها لا بُدَّ منها في كلِّ سنةٍ، وهي الفائدةُ. ولذلك قلنا - نحنُ - وأبو ثور: إذا وقعتِ المساقاةُ، ولم تتعين فيها مدَّة، صحَّت، وحُملت على مدة فائدة تلك السَّنة، وليس كذلك القراض؛ إذ لا يُدرى هل يحصلُ منه فائدةٌ أو لا؟ وإذا حصلتْ فلا يُدرى ما هي؟ فكان القراضُ بباب الجُعْل أولى، ولذلك كان في المشهور عقداً جائزاً(١)، ولا يحتاجُ إلى أَجَل. وكانت المساقاةُ بباب الإجارة أولى، ولذلك كانت عقداً لازماً، واحتاج إلى ضَرْب الأجل. وعلى هذا فيحتملُ الحديثُ أن يكون النبيُّ وَ الز عيَّن للمساقاة أجلاً لم يسمعه الرَّاوي، فلم ينقله، أو وقع عقد المساقاة، وحمل على سنةٍ واحدةٍ، فلما جاءت السنةُ الأخرى بقّاهم على ذلك. وهكذا في الأعوام المتوالية. والله تعالى أعلم. و (قوله: دفع رسولُ اللهِوَّ نخلَ خيبر ليهودها على أن يعملوها من کیف عامَل پڼ نخيلهم؟ يهود خيبر في أموالهم) يعني به: النفقة فيما تحتاجُ الثمرةُ إليه من نفقة الأُجَراء، والدوابِّ، والعلوفة، والآلات، والأجر في العزاق والجداد، وغير ذلك ممَّا يذهبُ بذهاب المساقاة. وأمَّا ما يبقى بعدها كبناء حائط، أو حَفْر بئرٍ أو نحوه فلا يلزم العامل. و (قوله: كان يعطي أزواجَ النبيِّ وَ﴿ كلَّ سنةٍ مئةَ وَسْقٍ: ثمانين وسقٍ من تمرٍ، وعشرِين وسق من شعيرٍ) دليلٌ لمالك: على قوله: أنَّ بياضَ خيبر كان تابعاً لسوادها. أَلّ ترى: أنَّ الشعيرَ خمسٌ، والثَّمرَ أربعة أخماس؟ ولذلك صحَّ أن يدخلَ في المساقاة بالشَّرط، ولكن بشرط اتفاق الجزء كما تقدَّم. وقد استحبَّ مالكٌ أن يلغيَهُ للعاملِ رفْقاً به، وإحْسَاناً إليه. وهذا الحديثُ وغيرُه دليلٌ: على أنَّ قسمنه # النبيَّ ◌َّه كان قسم أرضَ خيبر على خمسة أخماس، على قسم الغنائم. وكذلك قال الشَّافعيُّ. وهو مُقتضى عموم قوله تعالى: ﴿ وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خَُهُ﴾ [الأنفال: ٤١] ومالكٌ، وأصحابه يرون إيقافَ الأرض للمسلمين مِمَّن أرض خيبر خمسة أخماس (١) في (ج ٢): لازماً. ٤١٩ (١٨) كتاب البيوع - (١٤) باب: المساقاة على جزء من الثمر والزرع حَضَر وغاب، ومِمَّن يأتي بعدُ، تمشُّكاً بفعل عمر - رضي الله عنه - في أرض العراق والشام ومصر، فإنَّه أقرَّها، ولم يقسمها، واحتجَّ بقوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ جَآَمُو مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ١٠] وتأوَّل عطفه على قوله: ﴿لِلْفُقَرَآءِ اَلْمُهَاجِرِينَ﴾ [الحشر: ٨]. وذهب الكوفيُّون إلى تخيير الإمام في قسمتها، أو إقرارها بأيدي أهلها، وتوظيف الخراج عليها، وتَصْييرها مِلْكاً لهم كأرض الصُّلح. فإن قيل: فكيف يُرْفَعُ فعلُ النبيَِه وعملُه - بمقتضى عموم الآية - بقول كيف يُرْفَع ◌ِعْلُه عمر وفِعْله؟ فالجواب: أنَّ عمرَ بن الخطّاب - رضي الله عنه - فهم عن النبيِّ ألّ: وفر بقول عمر وفِعْله؟ أنَّ الذي فَعَلَه في قَسْم خيبر ليس على جهة التَّحتيم الذي لا يجوزُ غيره، وإنَّما هو أحدُ الوجهين الجائزَيْنِ. غير أنَّ النبيَّ وَهْ ظَهَرَ له: أنَّ الأَولى قسمتها في ذلك الوقت، لشدَّة حاجة أولئك الغانمين. ولما كان زمنُ عمر - رضي الله عنه ـ اتَّسعتْ أموالُ المسلمين لكثرة الفتوحات عليهم؛ فرأى: أنَّ إيقافَها لمصالح المسلمين [أولى من قسمتها](١). وتابعه على ذلك أهلُ عصره، ولم يخالفه أحدٌ من الصحابة، فصار كالإجماع على صحة ما فعل وجوازه. وعند هذا يظهر: أنَّ الأولى قولُ الكوفيين؛ الذي هو التخيير؛ لأنه جَمَعَ بين الأمرين. وهو الذي فهمه عُمر - رضي الله عنه - قطعاً. ولذلك قال عمر - رضي الله عنه - فيما رواه عنه مالكٌ(٢): لولا أن أتركَ آخرَ الناس لا شيءَ لهم ما افتتح المسلمونَ قريةً إلا قسمْتُها سهماناً، كما قسم رسولُ اللهِوَ﴿ خيبرَ سهماناً. فلم يخبر بنسخ فعل النبيِّ بَّه، ولا بتخصيصه بهم. فلم يَبْقَ إلا ما ذكرناه. غير أنَّ الكوفيين زادوا على ما فعل عمر. فإنَّ عمر إنَّما وقفها على مصالح المسلمين، ولم يملكها لأهل الصلح. وهم قالوا: للإمام أن يملّكها أهل الصلح. وأمَّا من لم يسلك هذه الطريقةَ فيلزمه: إمَّا نسخ (١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع). (٢) رواه البخاري (٢٣٣٤)، وأبو داود (٣٠٢٠). ٤٢٠ (١٨) كتاب البيوع - (١٤) باب: المساقاة على جزءٍ من الثمر والزرع فعل النبيِّ وَّهِ بفعل عمر - رضي الله عنه - وهو باطلٌ قطعاً. وإمَّا نسبة عمر ومن كان معه من الصحابة إلى الخطأ، حيث فعلوا ما لا يجوزُ. وهو باطلٌ قطعاً. وقد استمرَّ العملُ بين الأمّة بعد ذلك الصدر على استمرار وَقْف تلك الأراضي التي وقف عمر - رضي الله عنه - إلى الآن، ولم يتعرَّضُ أحدٌ إلى نَقْضها، ولا إلى تغييرها عمَّا وضعها عليه عمرُ - فيما علمت - حتى اليوم. فتطابق إجماعُ السَّابقين واللاحقين، ولم يُلتفتْ إلى من خالفهم من المتأخرين. تخيير عمر أزواج النبي * بين الإقطاع وضمان الأوساق وإنَّما خيَّر عمرُ - رضي الله عنه - أزواجَ النبيِّ ◌َلّ بين إقطاع الأرض، وبين ضمان الأوساق مبالغةً في صيانتهن، وكفايتهن التَّذُّل في تحصيل ذلك، فسلكَ معهنَّ ما يُطيِّبُ قلوبهنَّ ويصونهن. ولم يكنْ هذا الإقطاعُ لمن اختاره منهنَّ إقطاعَ تمليك؛ لأنَّه لو كان ذلك منه لكان تغييراً لما فعله النبيُّ ◌َّه وقد قال عمر لعليّ والعبَّاس: لا أُغيِّرُ مِنْ أمرها شيئاً، إنِّي أخافُ إن غيَّرتُ من أمرها شيئاً أن أزيغ. وقد كان النبي ◌َّه قال: ((ما تركتُ بعد نفقة عيالي، ومؤونة عاملي؛ فهو صدقة))(١) ووقف الأرض لذلك. وإنما كان إقطاعَ اغتلال. وذلك: أنَّه قسم عَدَدَ الأوساق المئة على عدد أزواج النبيِّ وَل﴿ فمن اختارت الأوساقَ ضمنها لها. ومن اختارت النخلَ أقطعها قدر ذلك لتتصرَّف فيها تصرُّف المُسْتَغِلِّ، لا المالك. والله تعالى أعلم. (١) رواه أحمد (٢٠٨/١)، والبخاري (٥٣٥٨).