Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
(١٥) كتاب النكاح - (٣٣) باب: خير متاع الدنيا: المرأة الصالحة
(٣٣) باب
خیر مَتَاع الُّنيا
المرأةُ الصَّالحة، ومداراةُ النِّساء
[١٥٣٣] عن عبد الله بن عمرو، أنَّ رسولَ الله ◌َّهِ قالَ: ((الدُّنْيَا
مَتَاعٌ، وخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا المَرْأَةُ الصَّالِحَةُ».
رواه مسلم (١٤٦٧)، والنسائي (٦٩/٦).
[١٥٣٤] وعن أبي هُريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِلَّهِ: ((إنَّ المرأةَ
خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعِ، لن تستقيمَ لكَ على طَريقةٍ، فإنِ استمتعتَ بها استمتعتَ
وبِهَا عِوَجٌ، وإنّ ذهبتَ تُقيمُهَا كَسرتَها، وكَسْرُها طَلَاقُهَا)).
رواه البخاري (٥١٨٤)، ومسلم (١٤٦٨)، والترمذي (١١٨٨).
(٣٣) ومن باب: خير متاع الدنيا المرأة الصالحة
(قوله: ((الدُّنيا متاع))) أي: شيءٌ يُتَمَثَّع به حيناً ما، كما قال تعالى: ﴿قُلّ مَنَهُ
الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ [النساء: ٧٧].
و (المرأة الصَّالحة) هي: الصالحةُ في دينها ونَفْسها، والمُصْلِحةُ لحال
زوجها. وهذا كما قال في الحديث الآخر: ((ألا أخبركم بخير ما يكنز المرء؟))
قالوا: بلى. قال: ((المرأة الصالحة؛ التي إذا نظر إليها سرَّته، وإذا غاب عنها
حفظته، وإذا أمرها أطاعته))(١).
و (قوله: ((إنَّ المرأةَ خُلقت من ضِلَع))) هذا يؤيِّد ما ينقلُه المفسِّرون: أنَّ
(١) رواه أبو داود (١٦٦٤).

٢٢٢
(١٥) كتاب النكاح - (٣٣) باب: خير متاع الدنيا: المرأة الصالحة
[١٥٣٥] وعنه، عن النَّبيِّكَ لِّ قال: ((مَنْ كانَ يؤمنُ باللهِ واليوم
الآخِرِ، فإذا شَهِدَ أمْراً فليتكلَّمْ بخير أو يسكت. واستوصُوا بالنِّساءِ خيراً،
فإنَّ المرأةَ خُلِقَتْ من ضِلَعِ، وإنَّ أعوجَ شيءٍ في الضِّلَعِ أعلاه، إنْ ذهبْتَ
تقيمُهُ كَسَرْتَه، وإنْ تركتَه لم يزلْ أعوجَ، اسْتَوْصُوا بالنِّساءِ خَيْراً)).
رواه مسلم (١٤٦٨) (٦٠).
[١٥٣٦] وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَله: ((لا يَفْرَكْ مُؤمنٌ
مُؤْمِنَةً، إنْ كَرِهَ منها خُلُقاً رضي منها آخَر)) أو قال: ((غيرَه)).
رواه مسلم (١٤٦٩).
حواء خُلقت من آخر أضلاع آدم - عليهما السلام - وهي: القُصَيْرَى - مقصور -
ومعنى (خلقت) أي: أُخْرِجَت كما تخرجُ النخلةُ من النَّواة. ويحتملُ أن يكونَ هذا
قُصِدَ بِه المثل. فيكون معنى (من ضِلَع) أي: من مثل ضِلَع. فهي كالضُّلَع. ويشهدُ
له قولُهُ: ((لن تستقيمَ لك على طريقةٍ؛ فإن استمعتَ بها؛ استمتعتَ وبها عِوَجٌ، وإنْ
ذهبتَ تُقِيمُها كسرتَها، وكَسْرُها: طلاقُها)». و (عَوَج) - بالفتح -: في الأجسام
المحسوسة. و (عِوَج) - بالكسر -: في المعاني.
طلب الإحسان
و (قوله: ((واستوصوا بالنساء خيراً)) أي: اقبلُوا وصيتي فيهنَّ، واعملُوا بها،
إلى الزوجات فاصبروا عليهنَّ، وارفقُوا بهنَّ، وأحسنوا إليهنَّ.
و (قوله: ((لا يَقْرَكْ مؤمنٌ مؤمنةً)) أي: لا يبغضها بغضاً كلياً يحملُه على
فراقها. أي: لا ينبغي له ذلك، بل يغفرُ سيِّئْتَها لِحَسَنِها، ويتغاضى عمّا يكرهُ لما
يحبُّ. وأصلُ الفرْك إنما يقال في النساء. يقال: فركت المرأةُ زوجَها تفركه.
وأبغض الرَّجلُ امرأته. وقد استعمل الفرك في الرَّجل قليلاً، وتجوُّزاً. ومنه ما في
هذا الحديث.

٢٢٣
(١٥) كتاب النكاح - (٣٣) باب: خير متاع الدنيا: المرأة الصالحة
[١٥٣٧] وعنه، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ وَلِّ: ((لَوْلاَ حَوَّاءُ لم تَخُنْ أُنثى
زوجَها الدَّهْرَ، ولولا بنو إسرائيل لم يَخْبُثِ الطَّعَامُ ولم يَخْتَزِ اللَّحْمُ» .
رواه البخاري (٣٣٣٠)، ومسلم (١٤٧٠) (٦٣).
و (قوله: ((لولا حواءُ لم تخنْ أنثى زوجَها))) يعني: أنها أمّهنَّ. فأشبهنها
بالولادة، ونَزْع العِرْق؛ لما جرى في قصة الشجرة مع إبليس، فإنَّه أغواها من قَبْل
آدم حتى أكلتْ من الشجرة، ثمَّ إنها أتتْ آدمَ فزيَّنت له ذلك حتى حملته على أنْ
أكلَ منها.
و (قوله: ((ولولا بنو إسرائيل لم يَخْبُث الطعامُ ولم يَخْتَزِ اللحم))) يقال: خَتَزَ
اللحم - بفتح النون في الماضي، وقد تكسر - خَتَزاً وخُنُوراً: إذا تغيَّر. ومثله: خزِن
- بكسر الزاي - يَخْزَن خَزَناً وخَزْناً. قال طَرَفة:
نَحنُ لا يَخْزَنُ فِيْنَا لَحْمُهَا إِنَّما يَخْزَنُ لَحْمُ المذَّخِر
ويروى: يخنز. ويعني به: أنَّه لما أنزل اللَّهُ تعالى على بني إسرائيل المنَّ
والسلوى، كان المَنُّ يسقطُ عليهم في مجالسهم من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس
كسقوط الثّلج، فيؤخذ منه بقدر ما يغني ذلك اليوم؛ إلا يوم الجمعة فيأخذون منه
للجمعة والسبت، فإن تعذّوا إلى أكثر من ذلك فَسَدَ ما ادَّخَرُوا، ففسدَ عليهم، فكان
ادّخارُهم فساداً للأطعمة عليهم وعلى غيرهم. والله تعالى أعلم.

٢٢٤
(١٦) كتاب الطلاق - (١) باب: في طلاق السنة
(١٦)
كتاب الطلاق
(١) باب
فِي طَلاقِ السُّنَّة
[١٥٣٨] عن نافع، عن ابن عمر: أنَّ طلَّق امرأتَه وهي حائضٌ.
على عهد رسول الله وَله، فسألَ عمرُ بنُ الخطّاب رسولَ اللهِ وَ له عن ذلك،
فقالَ له رسولُ اللهِّهِ: (مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا،
(١٦)
كتاب الطلاق
الطَّلاقُ هو: حَلُّ العِصْمة المنعقدة بين الأزواج بألفاظِ مخصوصةٍ. والفسخُ
هو: إزالةُ ما يُتُوهَّم انعقادُه لموجبٍ يمنعُ العقدَ. وقد يُطلق الفسخُ ويُراد به الطَّلاق
على ما يأتي إن شاء الله تعالى.
(١) ومن باب: طلاق السُّنَّة
تحريم الطلاق
في الحيض
(قوله: إنَّ ابن عمر طلَّق امرأته وهي حائضٌ، فسألَ عمرُ رسولَ الله وَّلِ عن
ذلك، فأمرَه رسولُ اللهِوَلَهِ أن يُراجعَها) وفي الرواية الأخرى: (أنَّ عمرَ لما ذكرَ
ذلك للنبيِّ وَّ تغيَّظَ، ثم أمرَه بمراجعتِها) فيه دليلٌ: على أنَّ الطَّلاق في الحيض
يحرمُ؛ فإنه أنكرَه بتغيُّظه عليه، مع أنَّ ابنَ عمر لم يكنْ عرفَ تحريمَ ذلك عليه،
فتغيَّظَ بسبب ذلك وأمرَه بالمراجعة. وهو مذهب الجمهور.

٢٢٥
(١٦) كتاب الطلاق - (١) باب: في طلاق السنة
ثم لْيَتْرُكْهَا حتَّى تطهرَ، ثم تحيضَ، ثم تطهرَ،
واختُلفَ في منع الطَّلاق في الحيض. فقيل: هو عبادةٌ غير مَعقولةٍ. وقيل:
هو مُعلَّل بتطويل العِدَّة. وهذا على أصلنا في أنَّ الأقراءَ هي: الأطهارُ. وينبني على
هذا الخلافِ الخلافُ في المُطلَّقة قبلَ الدُّخول والحاملِ في حَالِ الحيض. فإذا
قلنا: هو عبادة؛ لم يجزْ أن يُطلَّقا وهما حائضان، وإذا قلنا هو للتطويل جازَ ذلك
لأنّ المطلقة قبلَ الدخول لا عِدَّة عليها، ولأنَّ عِدَّةَ الحامل وَضْعُ حَملها. وقيل: إنَّ
عِلَّة ذلك: خوفُ الإسراع إلى الطلاق، والتَّساهُل فيه بسبب: أنه لا يتلذَّذ الزوجُ
بوطئها لأجل الحيض، بل تَنْفِرُ نفسُه منها، ويَهونُ عليه أمرُها غالباً، فقد تحمله
تلك الحالةُ على الإسراع في الطلاق، والتساهل فيه.
و ((الطلاق أبغضُ الحلال إلى الله)) كما قاله(١) وَلِّ؛ لأنَّه نقيضُ الأُلفة المطلوبة أبغض الحلال
شرعاً، وإنَّما شُرعَ الطلاق تخلُّصاً من الضرر اللاحق بالزوج، ولذلك كُره الطلاقُ إلى الله الطلاق
من غير سببٍ. وإلى هذا الإشارة بقوله: ((لا يَفْرَكْ مؤمنٌ مؤمنةً)) (٢) و((المرأة
خُلقت من ضِلَع أعوج))(٣) - الحديثين المتقدمين.
وأمرُهُ وَّهِ ابنَ عمر بالمراجعة دليلٌ لمالكِ على وجوب الرَّجعة في مثل
ذلك. وهو حجةٌ على أبي حنيفة، والشافعيّ، حيث قالا: لا يجبُ ذلك. وفيه
دليلٌ: على أنَّ الطلاقَ في الحيضِ يقعُ، ويلزمُ. وهو مذهبُ الجمهور خلافاً لمن
شذَّ وقال: إنَّه لا يَقعُ. ثمّ إذا حكمنا بوقوعه اعتُدَّ له بها من عَدد الطلاق الثلاث، حكم المنع من
إيقاع الطلاق
كما قالَ نافعٌ، وابنُ عمر في هذا الحدیث على ما يأتي.
في الطهر الثاني
و (قوله: ((ثم يتركها حتى تطهرَ، ثم تحيضَ، ثم تطهرَ)) اختلف في المعنى
(١) رواه أبو داود (٢١٧٧) و (٢١٧٨)، وابن ماجه (٢٠١٨).
(٢) تقدم تخريجه في التلخيص برقم (١٨٣٦).
(٣) تقدم تخريجه في التلخيص برقم (١٨٣٤).

٢٢٦
(١٦) كتاب الطلاق - (١) باب: في طلاق السنة
ثم إنْ شاءَ أمسكَ، وإنْ شاءَ أنْ يُطَلِّقَ قبلَ أنْ يَمَسَّ، فتلكَ العِدَّةُ التي أمرَ
الله أنْ يُطَلَّقَ لَها النِّساءُ)».
الذي لأجله منعَه من إيقاع الطلاق في الطهر الثاني للحيضة التي طلَّق فيها. فقيل
فيه أقوالٌ:
أحدُها: أنه لو طلَّق فيه لكان كالموقع طلقتين في قُرْءٍ واحدٍ، من حيث: إنه
لا يُعتد بالحيض الذي طلَّق فيه من العِدَّة، وليس كذلك طلاق السُّنَّة.
وثانيها: أنَّها مؤاخذة بنقيض القصد، من حيث: إنه عجَّل ما حقُّه أن يتأخرَ،
فكان كمستعجل الميراث بقتل مُورِّثه. وله نظائر. ولا يُقال: إنَّ هذا ليس بشيءٍ؛
لأنَّ ابنَ عمر لم يقصد فعلَ المحرم؛ إذ لم يعلم التحريم، فلا يُعاقب؛ لأنّا نقول:
هو تقعيد القاعدة، وبيان حكمها مطلقاً، وليس هذا من قبيل العقوبة الأخروية،
وإنَّما هذا من قبيل ربط الأحكام بالأسباب، كما لو حلفَ فحَنِثَ ساهياً، فإنه يقعُ
الحِنْث وإن لم يكن مأثوماً.
وثالثها: إنما منعَ من ذلك لتحقُّق الرجعة، لأنَّه [إن](١) لم يمسَّ فيه فكأنَّه
ارتجع للطلاق، لا للنكاح. وليس هذا موضوع الرجعة.
ورابعها: ليطولَ مقامُه معها، ويتمكن منها بزوال الحيض، فتزولُ تلك النَّفرة
التي ذكرناها، فيتلذَّذ، ويطأ، فيمسك، ويحصل مقصود الزوجية، والألفة. وهذا
أشبهها، وأحسنها. والله تعالى أعلم.
و (قوله: ((فتلك العِدَّة التي أمرَ الله أن تُطلَّق لها النساء))) (تلك): إشارة إلى
إيقاع الطلاق الحالة التي عيّنها بقوله المتقدِّم لجواز إيقاع الطلاق فيها، وهي أن تكون في طهرٍ
لم تُمسَّ فيه. وهي حوالةٌ على قوله تعالى: ﴿ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَلَّ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِذَّتِنَّ﴾
[الطلاق: ١]. وفي بعض رواياته: أنَّ رسول الله ◌ِوَله قرأ الآية: (فطلقوهن لِقُبُلِ
في طھر لم
ثُمّسَّ فیه
(١) ساقطة من (ل ١).

٢٢٧
(١٦) كتاب الطلاق - (١) باب: في طلاق السنة
وفي رواية: قال ابن عمر، وقرأَ رسولُ اللهِ وَطِّ: (يا أيها النبيُّ إذا
طلقتم النساء فطلقوهن في قُبُلُ عدتهن ).
عدَّتهن). وفيها دليلٌ واضحٌ لمالكِ، ولمن قال بقوله: على أنَّ الأقراء هي
الأطهار. كما قالت عائشة، وغيرُها. وهي حجةٌ على من قال: إنَّ الأقراء هي
الدِّماء. وهو أبو حنيفة، وغيره. وقد دلَّ هذا الحديث: على أن طلاق السُّنَّ يُراعى
فيه وقت الطُّهْر. وهل يكفي ذلك في كون الطّلاق للسُّنَّة، أو لا بُدَّ من زيادة قيودٍ طلاق الشُنَّة
أُخَر. فقال الشافعي، وأحمد، وأبو ثور: يكفي ذلك، وليس في عدد الطَّلاق سنَّةٌ وطلاق البدعة
ولا بدعةٌ. وقال مالك وعامَّةُ أصحابه: لا بدَّ في طلاق السُّنَّة من أن يُعتبرَ مع
الوقت أن يُطلِّقَها واحدةً، ويتركّها حتى تنقضيَ عِدَّتُها، ولا يُردفها،
ومتى خالفَ شيئاً من ذلك خرجَ عن طلاق السُّنَّة، ووُصفَ بالبذْعةِ. وقال
أبو حنيفة وأصحابُه: هذا أحسنُ الطّلاق. وله قول آخر: إنْ شاء طلَّقها ثلاثاً،
طلَّقها في كلِّ طُهرٍ مرَّةً. وكلاهما عند الكوفيين طلاقُ سُنَّه. وقاله ابن مسعود.
واختَلفَ فيه قولُ أشهب. فقال مرةً مثلَ ذلك. وقال مرةً: يجوز أن يرتجعَ، ثمَّ
يُطلِّقُ ثلاثاً .
ومعنى طلاق السُّنَّة: هو الواقع على الوجوه المشروعة، وطلاقُ البدعة
نقيضُه.
وقد اختُلف فيما إذا طلَّقها في طهرٍ مسَّ فيه. فالجمهورُ: على أنَّه لا يُجبر
على الرَّجعة. وقد شذَّ بعضهم فقال: يُجبر كما يُجبر عليها في الحيض. والفريقان
متفقان: على أنَّ ذلك لا يجوزُ لإلباس العدةِ عليها؛ لأنها إن لم تكن حاملاً اعتدَّتْ
بالأقراء، وإن كانت حاملاً اعتدت بوضع الحمل، ولإمكان وقوع(١) النَّدم للمطلِّق
عند ظهور الحمل.
(١) في (ج ٢): لحوق.

٢٢٨
(١٦) كتاب الطلاق - (١) باب: في طلاق السنة
وفي رواية: أنه طلَّقَ امرأة له وهي حائضٌ تطليقةً واحدةً، فأمرَه
رسولُ اللهِوَّ﴿ أَن يُرَاجِعَهَا ثم يمسكها حتَّى تطهرَ، ثم تحيضَ عندَه حَيْضَةٌ
أُخرى، ثم يُمهلهَا حتى تطهرَ مِن حَيْضَتِهَا. فإنْ أرادَ أن يُطلِّقَهَا فليُطَلِّقَهَا
واختُلف عندنا فيما إذا لم تُرتجع المطلّقة في الحيض حتى جاء الطهر الذي
يجوز أن تُطلَّق فيه. هل يُجبرُ على الرَّجعة؛ لأنها حقٌّ عليه، ولا يزولُ بزوال وقته،
أو لا يُجبر؛ لأنه قادر على إيقاع الطلاق في الحال فلا معنى للرجعة.
و (قوله: إنَّه طلَّقها تطليقةً واحدةً) هذا هو الصحيح، أنها كانت واحدةً.
وروايةُ من روى: أنها كانت ثلاثاً، وهَمِّ؛ كما ذكره مسلم عن ابن سيرين: أنَّه أقام
عشرينَ سنةً يحدِّثه مَنْ لا يُتهم: أنه طلَّقها ثلاثاً حتى أتى الباهليُّ، واسمُه :
يُونس بن جُبير - يكنى: أبا غَلاب، بفتح الغين، وتخفيف اللام عند أبي بَحْرٍ،
وتشديدها عند غيره، وكذا قيَّده الأمير أبو نصر بن ماكولا - وكان ذا ثبتٍ - فحذَّثه
عن ابن عمر: أنَّه طلَّقها تطليقةً. وقد روي كذلك من غير وجهٍ مسألةٌ متعلقةٌ بالطهر
معنى الأقراء الذي مُسَّ فيه. وتلك: أن كلَّ من قال: إنَّ الأقراء هي الأطهار، فإذا طلّق في طهر
مَسَّ فيه، اعتدَّ له بذلك الطهر عند الجمهور خلا ابنَ شهاب، فإنَّه يُلغيه. وقد
وجهت الحنفية عليهم اعتراضاً. وهو: أنهم قالوا: أمرَ الله المطلّقة ذات الأقراء أن
تعتدَّ ثلاثة أقراء: وأنتم تجعلون ذلك قرأين وبعضَ قرء، فكان قولكم مخالفاً
للنصِ، فدلَّ ذلك على إبطال قولكم: إن الأقراء هي الأطهارُ. ودلَّ على صحة
مذهبنا: أنَّ الأقراء هي الحِيَض. وقد صحت تسمية الدَّم قُرْءاً في كلام العرب، كما
قال: ((دعي الصَّلاة أيَّام أقرائك))(١) أي: دمك. وكما قال الشَّاعر(٢):
يَا رُبِّ ذِي ضِغْنٍ عليَّ فَارِضٍ لَهُ قُرُوءٌ كَقُرُوءِ الخَائِضِ
(١) رواه الدارقطني (٢١٢/١) عن عائشة، وانظره في تلخيص الحبير (١٧٠/١) فاطمة
بنت أبي حبيش.
(٢) أنشده الصاغاني (انظر تاج العروس).

٢٢٩
(١٦) كتاب الطلاق - (١) باب: في طلاق السنة
حينَ تطهرُ من قَبْلِ أن يُجامعَها. فتلكَ العِدَّةُ التي أمرَ الله أن تُطَلَّقَ لها
النساء.
يعني: أنه طعنه، فكان له دمّ كدم الحائض. وهو المنقول عن أبي عمر
والأخفش(١).
والجواب: أمَّا عن قولهم: إن الأقراء هي الحِيَض في اللغة، فالمعارضة
بأنها أيضاً فيها: الأطهار، كما قال الشاعر، وهو الأعشى:
مِوَرَّثَةٍ مَالاً وَفي الحيِّ غبطةً لِمَا ضَاعَ فِيهَا مِن قُرُوءِ نِسَائِكًا
أي: من أطهارهنَّ. وقالت عائشة: الأقراء: الأطهار. وهو منقول عن كثير
من أئمة اللغة، والإنصاف: أنَّ لفظ (القرء) مشترك في اللغة، (ولكنه ينطلق
عليهما، لاشتراكهما في أصلٍ واحدٍ، وذلك: أنَّ أصل القرء في اللغة](٢) هو
الجمع، كما قال الشّاعر (٣) يصف ناقتَه:
مِجَانِ اللَّوْنِ لَمْ تَقْرأُ جَنِيْنَا
(١) في (ج ٢) زيادة: تتميم: قال الأزهري: قال أبو عبيد: الأقراء: الحِيَض. والأقراء:
الأطهار. وأصله من دنوِّ وقت الشيء. قال الأزهري: وقد قال الشافعيُّ: القرء: اسم
الوقت، فلما كان الحيض يجيء لوقت؛ جاز أن تكون الأقراء حيضاً وطهراً، وإنما
السُّنَّة دلت على تخصيصها بالطهر. قال الزجَّاج بعد أن ذكر كلام أهلِ الفقه في ذلك:
والظاهر من كلام هؤلاء العلماء أن القرء من الأضداد، يجوز إطلاقه على الحيض
والطهر، وإنما السنة دلت على تخصيصه بالطهر، كما ذهب إليه الشافعيُّ. ولو لم يكن
فيه إلا ما قالت عائشة رضي الله عنها: أتدرون ما الأقراء: هي الأطهار. لكان في قولها
كفاية، لأن الأقراء من أمر النساء، وكانت رضي الله عنها من العربية والفقه بحيث
برزت على أكثر أصحاب رسول الله و ﴿ حفظاً، وعلماً، وبياناً.
(٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).
(٣) هو عمرو بن كلثوم، وصدر البيت:
ذِرَاعَيْ عَيْطَلٍ أَدْمَاءَ بِكْرٍ

٢٣٠
(١٦) كتاب الطلاق - (١) باب: في طلاق السنة
وكان عبدُ الله إذا سُئِلَ عن ذلك، قال لأحدهم: إمَّا أنتَ طَلَّقْتَ
امرأتَكَ مرَّةً أو مرتین؛
أي: لم تجمع في جوفها. أو التغيُّر من حالٍ إلى حالٍ، كما قالوا: قرأ
النَّجم: إذا أفلَ، وإذا ظهر. وكلُّ واحدٍ من الأصلين موجودٌ في المسمَّى: قرءاً.
أمَّا الأول: [فلأن الذَّم](١) يجتمع في الرَّحم في أيام الطهر، ثمَّ يجتمع في الخروج
في أيام الحيض. وأيضاً: فإنَّ الطَّهْرَ، والحيض يتصل أحدهما بالآخر، ويجتمعُ
معه. وأمَّا الثاني: فانتقال المرأة من حال الحيض إلى حال الطُّهْرِ محسوس، وحال
القرء فيما ذكرناه كحال الصّريم، فإنَّه ينطلقُ على الليل والنّهاَر؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ
منهما ينصرمُ عن صاحبه. وعند الوقوف على ما ذكرناه يحصلُ الانفصالُ عمَّا ألزمنا
الحنفيةُ من إطلاق القرء على بعض قرء، فإنه إذا كان القرءُ: الجمعُ بين الطهر
والحيض؛ فلو طلَّقها في آخر الطهر الذي مسنَّ فيه فقد صحَّ مسمَّى القرء لاجتماع
الدَّم معه. وقد انفصل حالُها من الطَّهْرِ إلى الحيض، فصحَّ الاسم. والله الموفق.
وقد أجابَ أصحابُنا بجوابٍ آخر. وهو: أن قوله: ((ثلاثة قروء)» كقوله
تعالى: ﴿اَلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] وهي شهران وبعض شهرٍ. وسرُّه:
أن البعضَ بالنسبة إلى الكلّ قد لا يُلتفتُ إليه. والله تعالى أعلم.
وأمَّا ما ذهب إليه ابنُ شهاب: فليس بشيءٍ؛ لأنه انفرد به دون العلماء،
ولأنّه إذا ألغى ذلك أضرَّ بالمرأة، وزاد في تطويل العدَّة طولاً كثيراً، فإنَّه يلغي ذلك
الطُّهْرَ، والدَّم الذي بعده، فتشتدُّ المضرَّةُ عليها، ويحصلُ الحرجُ المرفوعُ بأصل
الشريعة .
و (قول ابن عمر - رضي الله عنهما - إما أنت طلقت امرأتك مرةً أو مرتين؛
فإنَّ رسول الله وَله أمرني بهذا. وإن كنت طلقتها ثلاثاً، فقد حرمت عليك،
(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).

٢٣١
(١٦) كتاب النكاح .- (١) باب: في طلاق السنة
فإنَّ رسولَ اللهِ لهِ أَمرني بهذا. وإنْ كنتَ طَلَّقْتَها ثلاثاً فقد حَرُمَتْ عليكَ،
حتَّى تنكحَ زوجاً غيرَك، وعَصَيْتَ الله فيما أمركَ مِن طَلاقِ امرأتِكَ.
وعصيت ربَّك) إمَّا أنت: هو بكسر الهمزة. كقولهم:
أبَا خُراشَةَ إِمَّا أنْتَ ذَا نَفَرٍ فَإِنَّ قَوْمِيَ لَمْ تَأْكُلُهُمُ الضَّبُعُ
أي: إن كنت. فحذفوا الفعلَ الذي يلي (إن) وجعلوا (ما) عوضاً منه،
وأدغموا (إن) في (ما)، ووضعوا (أنت) مكان (التاء) في كنت. هذا قولُ
النحویین.
و (قوله: وعصيت ربك) يعني: بالطلاق ثلاثاً في كلمةٍ. وظاهره: أنَّه
محرم، وهو قولُ ابن عباس المشهور عنه، وعمر بن الخطاب، وعمران بن
حصين. وإليه ذهب مالكٌ. وقال الكوفيون: إنَّه غيرُ جائز، وإنَّه للبدعة. وقال
الشافعي: له أن يُطلِّقَ واحدةً، أو اثنتين، أو ثلاثاً. كلُّ ذلك سُنَّةٌ. ومثله قال أحمد
ابن حنبل. إلا أنَّه قال: أحبُّ إليَّ أن يوقعَ واحدةً. وهو الاختيارُ. والأول أولى لما
يأتي إن شاء الله تعالى.
حكم الطلاق
ثلاثاً في كلمة
واحدة
و (قوله: فإنَّ رسولَ اللهِ له أمرني بهذا) إشارةٌ إلى أمرِهِ وَ لّ بالمراجعة.
فكأنَّه قال للسائل: إن طلقت تطليقةً أو تطليقتين فأنت مأمورٌ بالمراجعة لأجل
الحيض، وإن [طلقت ثلاثاً](١) لم تكن لك مراجعةٌ؛ [لأنها لا تحلُّ لك](٢) إلا بعد
زوج. وكذا جاء مفسَّراً في رواية أخرى في الأمّ.
و (قوله: وإن كنت طلقت ثلاثاً؛ فقد حرمتْ عليك حتى تنكح زوجاً غيرك،
وعصيت الله) دليلٌ: على أنَّ الطلاق الثلاث من كلمةٍ واحدةٍ محرَّمٌ لازمٌ إذا وقع
(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).
(٢) ليس في (ع).

٢٣٢
(١٦) كتاب الطلاق - (١) باب: في طلاق السنة
وفي طريق أخرى: قال عُبيد الله: قلتُ لنافع: ما صنعتِ التَّطْلِيقَةُ؟
قال: واحدة اعتَدَّ بها.
وفي أخرى: لما ذكر عمرُ ذلك للنبيِّ وَّهِ تَغَيَّظَ رسولُ الله ◌َِّ، ثم
قال نحوَ ما تقدَّم، وفيها: وكان عبدُ الله طَلَّقَها تطليقةً واحدةً. فَحُسِبَتْ مِن
طَلَاقِهَا وراجعها عبدُ الله كما أمرَه رسولُ اللهِ وَهـ
وفي أخرى: فقال عليه الصلاة والسلام: ((مُرْه فليُراجِعْهَا، ثم
لْيُطَلِّقْهَا طَاهِراً أو حَامِلاً)).
وفي أخرى: قال أنسُ بن سيرين، قلت لابن عمرَ: فاعتددتَ بتلك
التَّطليقةِ التي طَلَّقْتَ وهي حائضٌ؟ قال: ما لي لا أعتدُّ بها، وإنْ كنتُ
عَجَزْتُ وَاسْتَحْمَقْتُ.
على ما يأتي(١)؛ وهو مذهبُ الجمهور.
جواز طلاق و (قوله: ((مُرْه فليراجعها، ثم ليُطلِّقْها طاهراً أو حاملاً))) فيه دليلٌ على جواز
الحامل في أيِّ طلاق الحامل في أيٍّ وقتٍ شاء، وإنَّه لِلسُّنَّة. وهو قولُ كافة العلماء، وهم على
وقت
أصولهم. فمالك، ومحمَّد بن الحسن، وزفر يرون: أنَّه لا يكرّر عليها الطلاق إلى
أن تضع. والشافعيُّ: يجوِّز تكرار الطّلاق عليها فيه. وأبو حنيفة وأبو يوسف:
يجعل بين التطليقتين شهراً .
و (قوله: أرأيت إن عجز أو استحمق؟!) هذه الروايةُ فيها إشكال. يفسِّره
ما وقع في روايةٍ أخرى: (أرأيت إن كان ابن عمر عجز أو استحمق فماذا يمنعه أن
يكون طلاقاً؟!) يعني: أنَّه لو طرأ عليه عجزٌ عن الرَّجعة أو ذهابُ عقل حتى
(١) في (ج ٢) على ما ذكرناه آنفاً.

٢٣٣
(١٦) كتاب الطلاق - (١) باب: في طلاق السنة
رواه أحمد (٦/٢)، والبخاري (٥٣٣٢)، ومسلم (١٤٧١) (١)
و (٣) و (١١) و (١٤)، وأبو داود (٢١٧٩)، والنسائي (١٣٨/٦)،
وابن ماجه (٢٠١٩).
لا يتأتَى له الارتجاع، أكان ينحلُّ ذلك بالطَّلاق المتقدِّم، أو كانت المرأة تَبقى
معلقةً، لا ذات زوج، ولا مطلّقةً. وكأنَّه يقول: المعلومُ من الشريعة: أنَّه لو طرأ
شيءٌ مما ذكَر لما كان قادحاً في الطلاق المتقدِّم. فإذاً: الطلقةُ واقعةٌ يُحتسبُ له
بها، كما قال. فحسبت من طلاقه.
و (استَحمق) بفتح التاء، مبنياً للفاعل، وهو غير متعدٍّ، فلا يجوزُ أن يردَّ إلى
ما لم يسمَّ فاعله لذلك. ومعناه: حمق، وظهر عليه ذلك.
و (قوله: وقرأ النبيُّ ◌َّهِ: (فطلقوهن لقُبل عدتهن)) هذا تصريحٌ برفع هذه
القراءة إلى رسول الله وَ ل﴿ غير أنَّها شاذَّةٌ عن المصحف، ومنقولةٌ آحاداً، فلا تكون
قرآناً، لكنَّها خبر مرفوعٌ إلى النبيِّ لَّهِ صحيحٌ، فهي حُجَّةٌ واضحٌ لمن يقول بأنَّ
الأقراء هي الأطهار، كما تقدَّم. وهي قراءةُ ابن عمر، وابن عبّاس. وفي قراءة
ابن مسعودٍ: (لقبل طهرهنَّ). قال جماعةٌ من العلماء: وهي محمولةٌ على التفسير،
لا التِّلاوة.

٢٣٤
(١٦) كتاب الطلاق - (٢) باب: ما يُحِلُّ المطلقَة ثلاثاً
(٢) بابُ
ما يُحلُّ المطلقةَ ثلاثاً
[١٥٣٩] عن عائشةَ قالت: جاءت امرأةُ رِفَاعَةَ القُرظيِّ إلى النَّبِيِّ وَّل
فقالت: كنتُ عند رِفاعةَ. فطلَّقَني، فبَثَّ طلاقي. فتزوجتُ عبد الرحمن بن
الزَّبِيْرِ. وإنما معه مثل هُذْبَةِ الثَّوب. فتبسمَ رسولُ الله وَله وقال: ((أتريدين
أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتى تذوقي عُسَيْلَتَهُ، ويذوقَ عُسَيْلَتَكِ)). قالت:
(٢) ومن باب: ما يُحِلُّ المطلّقة ثلاثاً
(قول المرأة: فطلَّقني، فبتَّ طلاقي) ظاهره: أنَّه قال لها: أنت طالقُ البتة،
فيكون حجةً لمالكِ على: أنَّ البتة محمولةٌ على الثلاث في المدخول بها. ويحتملُ
أن تريدَ به آخر الثلاث تطليقات(١)، كما جاء في الرواية الأخرى: أنَّ رجلاً طلَّق
امرأته ثلاثاً. وجاز أن يعبّر عنها بالبتات؛ لأنَّ الثلاث قطعت جميع العُلَق،
والطلاق. ولم تبق شيئاً بين الزوجين.
(وعبد الرحمن بن الزَّبِيْر) - بفتح الزاي، وكسر الباء، ولم يختلف في ذلك -
وهو الزبير بن باطا. و (هدية الثوب): طرفه الذي لم ينسج. وتعني به: ما يبقى
بعد قطع الثوب من السَّدى، شُبَّه بـ (هدب العين) وهو: الشَّعر النابت على حرفها.
و (قوله: ((حتى تذوقي عُسيلته، ويذوقَ عُسيلتك))) مذهبُ الجمهور: أنَّ هذا
كنايةٌ عن الجِماع. وقال بعضُهم: في تصغير (عسيلة) دليلٌ: على أنَّ الوطأةَ
الواحدةَ كافيةٌ فِيَ إباحتها لمطلّقها. وشدَّ الحسنُ فقال: العسيلةُ هنا: كنايةٌ عن
المني، فلا تحلُّ له عنده إلا بإنزاله.
قلتُ: ولا شكَّ أنَّ أول الإيلاج مبدأ اللَّذة، وتمامها الإنزال، والاسم
(١) سقطت من (ع).

٢٣٥
(١٦) كتاب الطلاق - (٢) باب: ما يُحِلُّ المطلقَة ثلاثاً
وأبو بكر عنده، وخالدٌ بالباب ينتظر أن يؤذن له. فنادى: يا أبا بكر! ألا
تسمع هذه ما تجهر به عند رسول الله وَل﴿؟ ! .
يصدق(١) على أقلّ ما ينطلق عليه. فالأولى ما ذهب إليه الجمهورُ. والله تعالى
أعلم.
وهذا الحديثُ نصَّ في الردّ على ما شذَّ فيه سعيد بن المسيِّب عن جماعةٍ
العلماء في قوله: إنَّ عَقْدَ النكاح بمجرده يُحلِّها لمطلِّقها. وقال بعضُ علمائنا:
ما أظنُّ سعيداً بلغه هذا الحديث، فأخذ بظاهر القرآن، وشدَّ في ذلك، ولم يقل
أحدٌ بقوله.
قلتُ: قد قال بقول سعيد بن المسيب: سعيد بن جبير وجماعة من السلف،
على ما حكاه القاضي عبد الوهاب في شرح رسالة ((ابن زيد)).
ويُفهم من قوله: ((حتى تذوقي عسيلته، ويذوقَ عسيلتك)) استواؤهما في
إدراك لذَّة الجماع. وهو حجَّةٌ لأحد القولين عندنا في: أنه لو وَطِئها نائمةً، أو
مغمى عليها لم تحلَّ لمطلِّقها؛ لأنّها لم تذقِ العُسَيْلةَ، إذ لم تدركها.
وتبتُم رسولِ الله وَ﴿ إِما من تغطية مرادها في الرُّجوع إلى زوجها الأول. أو
تعجباً من تصريحها بشكواها بما عادة النِّساء الاستحياء منه.
وفيه دليلٌ: على أنَّ مثل هذا إذا صدر من مدَّعيته لا ينكر عليها، ولا توبَّخ
بسببه، فإنَّه في معرض المطالبة بالحقوق. ويدلُّ على صحته: أنَّ أبا بكرٍ
- رضي الله عنه - لم ينكره، وإن كان خالدٌ قد حرَّكه للإنكار، وحضَّه عليه.
و (تجهر): ترفع صوتها. وفي غير كتاب مسلم: (تهجر) من الهُجْر. وهو:
الفحش من القول.
و (قوله وَّيه: ((أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة))) تمسَّك به داود، وابنُ عُليَّة، حكم الطَّلاق
بسبب العنّ
(١) في (ع): ينطلق.

٢٣٦
(١٦) كتاب الطلاق .. (٢) باب: ما يُحِلُّ المطلقة ثلاثاً
وفي روايةٍ: أَنَّ رفاعة طلَّقها آخِرَ ثلاث تطليقاتٍ.
رواه أحمد (١٩٣/٦)، والبخاريُّ (٥٢٦١)، ومسلم (١٤٣٣)
(١١٢) و (١١٣).
[١٥٤٠] وعنها قالت: طلَّق رجلٌ امرأتَه ثلاثاً. فتزوَّجها رجلٌ، ثُمَّ
طلَّقها قبل أن يدخل بها. فأراد زوجُها الأول أن يتزوجها. فَسُئِلَ
رسولُ الله ◌َّ عن ذلك فقال: ((لا، حتى يذوقَ الآخرِ مِنْ عُسَيْلَتِها ما ذاق
الأول)).
رواه أحمد (٣٤/٦)، والبخاريُّ (٢٦٣٩)، ومسلم (١٤٣٣) (١١٥)
وأبو داود (٣٣٠٩)، والترمذي (١١١٨)، والنسائي في الكبرى (٩٣١٦)،
وابن ماجه (١٩٣٢).
والحكم. وقالوا: لا تُطلَّق المرأةُ بسبب عنَّ زوجها؛ لأنَّ النبيَّ وَّه لم يطلِّق عليه،
ولا ضَرَب له أجلاً. وجمهورُ العلماء من السَّلف وغيرهم على خلافهم، وأنه
يُضْرَب له أجل، فإن دخل بها، وإلا فُرِّق بينهما. وقد حكى بعضُ أئمتنا الإجماعَ
على ذلك، وكأنه يريدُ إجماعَ السَّلَف، والله تعالى أعلم.
ولا حُجَّة لداود، ولا لمن قال بقوله في الحديث الذي تمسَّكوا به، لأنَّ
الزَّوجَ لم يصدِّقها على ذلك؛ بدليل ما رواه البخاريُّ في هذا الحديث. أنها لمَّا
قالت: إنَّ ما معه ليس بأغنى عنّي من هذه - وأخذت هُذْبةً من ثوبها - فقال: كذبت
والله! إني لأنفضها نفضَ الأديم، ولكنها ناشزةٌ تريدُ أن ترجعَ إلى رفاعة (١). وإنما
يضرب الأجل إذا تصادقا على عدم المسيس، أو عرضت عليه اليمين فنكل، على
ما يقوله بعضُهم.
(١) رواه البخاري (٥٣١٧).

٢٣٧
(١٦) كتاب الطلاق - (٣) باب: إمضاء الطلاق الثلاث من كلمة
(٣) باب
إمضاء الطَّلاق الثلاثِ مِنْ كلمةٍ
[١٥٤١] عن طاووس، عن ابن عباس، قال: كان الطلاق على عهد
رسول الله ﴿ وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاقُ الثلاث واحدةً. فقال
واختلف الجمهورُ في الأجل. فمعظمهم (١): على سَنَّةٍ؛ لأنه إن كان مرضاً
دارتْ عليه فصولُ السَّنَّةِ، ولا بدَّ أن يوافقه(٢) فصلٌ منها غالباً، فيرتجى برؤه فيها.
فإذا انقضت السَّنةُ، ولم يبرأ دلَّ ذلك على أنَّه زمانةٌ لازمةٌ، فيفرَّقَ بينهما رَفْعاً
للضرر عنها. وقال بعضُ السّلف: عشرة أشهر. والأمرُ قريب؛ فإنَّه نظرٌ في تحقيق
مناطٍ. وكل ذلك فيمن يرتجى زوالُ ما به. وأما المجبوبُ، والخصيُّ: فيطلَّقُ عليه
من غير أجلٍ.
(٣) ومن باب: إمضاء الطَّلاق الثلاث من كلمة
(قوله: كان الطَّلاق على عهد رسول الله وَّرِ طلاقُ الثلاث واحدةً) وفي
الرواية الأخرى: (إنَّما كانت الثلاثُ تجعل واحدة على عهد رسول الله وَفول
وأبي بكرٍ، وثلاثاً من إمارة عمر) وفي الرواية الثالثة: (ألم يكن طلاق الثلاث
واحدةً، فقال قد كان ذلك، فلما كان في عهد عمر تتابع الناسُ في الطلاق فأجازه
عمر عليهم) تمسَّك بظاهر هذه الروايات شذوذٌ من أهل العلم، فقالوا: إنَّ طلاقَ
الثلاث في كلمةٍ يقعُ واحدةً. وهم: طاووس، وبعض أهل الظاهر. وقيل: هو
مذهب محمّد بن إسحاق، والحجَّاج بن أرطاة، وقيل عنهما: لا يلزم منه شيءٌ.
وهو مذهبُ مقاتل، والمشهور عن الحجّاج بن أرطاة. وجمهور السلف والأئمة:
(١) في (ع): فبعضهم.
(٢) في (ل ١): يواتيه.

٢٣٨
(١٦) كتاب الطلاق - (٣) باب: إمضاء الطلاق الثلاث من كلمة
أنَّه لازمٌ واقعٌ ثلاثاً، ولا فرقَ بين أن يوقع مجتمعاً في كلمة أو مفرَّقاً في كلمات،
غير أنَّهم اختلفوا في جواز إيقاعه كما قدّمناه.
فأمَّا من ذهب: إلى أنه لا يلزمُ شيءٌ منه - وهو مذهبُ ابن إسحاق
الردُّ على من
قال: بأن
الطلاق ثلاثاً ومقاتل (١) -: ففسادُه ظاهرٌ بدليل الكتاب، وذلك: أنَّ الله تعالى قال:
لا يلزم منه شيء ﴿وَالْمُطَلَّقَتُ بَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَثَةَ قُرُوَمٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. وهذا يعمُّ كلَّ مطلقةٍ
خُصَّ منه المطلقة قبل الدخول، ومن تعتدُّ بالشهور، والحمل. وبقيت متناولةً لما
بقي. لا يقال: يُراد بالمطلقات هنا: الرجعية، بدليل قوله: ﴿وَبُعُولَئُنَّ أَحَقُّ بِوَّهِنَّ فِي
ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] لأنا نقول: ليس ذلك بتخصيصٍ [لذلك العموم](٢) وإنما
هو بيانُ حكم بعض ما تناوله العموم. ويدلُّ على ذلك أيضاً قولُه تعالى: ﴿يَّأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا تَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُرَ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ﴾
[الأحزاب: ٤٩]، وقوله: ﴿ وَإِذَا طَلَّقُْ الْنِسَآءُ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَجَهُنَّ
إِذَا تَرَضَوْ بَيْنَهُم بِالْعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٢] ونحو هذا. ووجه دلالة(٣) هذا النمط: أنَّه
قد حكم بأنَّ وقوعَ ما يقال عليه طلاقٌ يقتضي منع الزَّوج ممَّا كان له على الزّوجة
من التصرف، ويلزمهِ أحكامٌ أخر لا تكون في حالة الزوجية، ولا يعني بكونه واقعاً
إلا ذلك، وإيقاع الطَّلاق ثلاثاً يقال عليه طلاقٌ بالاتفاق فتلزم تلك الأحكام. وقد
أشبعنا القولَ في هذه المسألة في جزءٍ كتبناه في هذه المسألة سؤالاً وجواباً.
ثمَّ حديث ابن عبّاس هذا يدلُّ ظاهراً: على أنَّه كان الطَّلاقُ ثلاثاً واقعاً لازماً
في تلك الأعصار، فيستدلُّ به عليهم على جهة الإلزام، وإن كنَّا لا نرى التمسُّكَ به
لما سنذكره إن شاء الله تعالى. وعلى الجملة فمذهبُ هذين الرَّجلين شاذُّ الشاذٌّ،
(١) ساقط من (ج ٢).
(٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).
(٣) في (ع): الاستدلال.

٢٣٩
(١٦) كتاب الطلاق - (٣) باب: إمضاء الطلاق الثلاث من كلمة
ولا سلفَ لهم فيه، ولا بُعْدَ في أن يقال: إنَّ إجماعَ السَّلف على خلافهما - على ما
يتبيَّن ممَّا نذكره - بُعْدٌ عن السَّلف، فإنَّهم كانوا منقسمين إلى مَنْ يراه ثلاثاً، وإلى
من يراه واحدة، والكلُّ متَّفِقون على وقوعه، والله تعالى أعلم.
وأمَّا من ذهب: إلى أنَّه واقعٌ واحدةً فهو أيضاً فاسدٌ. وقد استدلَّ القائلون به الرد على من
على صحته بثلاثة أحاديث:
قال: بأن
الطلاق ثلاثاً
يقع واحدة
أحدها: حديث ابن عبّاس هذا.
وثانيها: حديث ابن عمر على رواية مَن روى: أنَّه طلَّق امرأتَه ثلاثاً، وأنَّه وَهِ
أمره برجعتها، واحتُسِبَتْ له واحدة.
وثالثها: أنَّ أبا رُكانة طلَّق امرأته ثلاثاً، فأمره رسول الله وَ له برجعتها،
والرَّجعةُ تقتضي وقوعَ واحدة. ولا حَّةَ لهم في شيءٍ من ذلك.
أمّا حديثُ ابن عباس: فلا يصحُّ به الاحتجاج لأوجهٍ :
أحدها: أنَّه ليس حديثاً مرفوعاً للنبيِّ وَلِّ وإنما ظاهره الإخبارُ عن أهل عصر المشهور في
رسول الله وَلهر، وعصر أبي بكرٍ باتفاقهم على ذلك، وإجماعهم عليه، وليس ذلك عصر الصحابة
إيقاع الطلاق
بصحيح. فأول من خالفَ ذلك بفتياه ابن عباس. فروى أبو داود من رواية مجاهدٍ ثلاثاً من كلمة
عنه قال: كنتُ عند ابن عباس فجاءه رجلٌ فَقال: إنَّه طلَّق امرأته ثلاثاً. قال: واحدة
فسكت حتَّى ظننتُ أنَّه رادُهاَ إليه، ثمّ قال: ينطلق أحدُكم يركب الحَموقة، ثمَّ
يقول: يابن عبَّاسٍ! يابن عبّاسٍ! قال: ﴿ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ بَرَحًا﴾ [الطلاق: ٢]،
وإنك لم تتقِ الله، فما أجد لكَ مخرجاً، عصيت ربّك، وبانتْ منك امرأتُك(١).
وفي الموطأ عنه: أنَّ رجلاً قال لابن عباس: إني طلقتُ امرأتي مئة تطليقةٍ.
(١) رواه أبو داود (٢١٩٧).

٢٤٠
(١٦) كتاب الطلاق - (٣) باب: إمضاء الطلاق الثلاث من كلمة
فقال له ابنُ عباس: طلقتْ منك بثلاثٍ(١)، وسبعةٌ وتسعون اتخذت بها آياتِ الله
هزواً (٢). وقال أبو داود: قول ابن عباس هو: إنَّ طلاقَ الثلاث يبينُ من الزوجة،
فلا تحلُّ له حتى تنكح زوجاً غيره، مدخولاً بها كانت، أو غير مدخولٍ بها. ونحوه
عن أبي هريرة، وعبد الله بن عمر (٣). وفي الموطأ: أن رجلاً جاء إلى ابن مسعودٍ
فقال: إني طلقتُ امرأتي ثماني تطليقات. قال ابن مسعودٍ: فماذا قيل لك؟! قال:
قيل لي: إنها بانتْ منك. قال ابن مسعودٍ: صدقوا، هو كما يقولون (٤). فهذا
يدلُّ: على وجودِ الخلاف فيها في عصر الصحابة. وأن المشهورَ عندهم، المعمول
به، خلاف مقتضى حديث ابن عباس. فبطل التَّمشُّكُ به.
فتوی ابن عباس
الوجه الثاني: لو سلَّمنا أنه حديث مسندٌ مرفوعٌ للنبيِ ﴿ لما كان فيه حجَّةٌ؛
وعمله مخالف لأنَّ ابنَ عبَّاس هو راوي الحديث، وقد خالفه بعمله وفتياه. وهذا يدلُّ: على ناسخ
للحديث
المرويّ عنه
ثبت عنده، أَو مانع شرعيٍّ منعه من العمل. ولا يصحُّ أن يُظنَّ به: أنَّه ترك العمل
بما رواه مجاناً (٥) أو غالطاً، لما عُلِم من جلالته، وورعه، وحِفْظه، وتثُه. قال
أبو عمر بن عبد البر: بعد أن ذكر عن ابن عباس فتياه من طرقٍ متعددة بلزوم
الطَّلاق ثلاثاً من كلمةٍ واحدةً: ما كان ابنُ عبَّاسِ لَيخالِفَ رسولَ الله ◌َّه والخليفتين
إلى رأي نفسه. ورواية طاووس وهمٌّ وغلط، لم يُعرِّجْ عليها أحدٌ من فقهاء
الأمصار بالحجاز، والعراق، والشام، والمشرق، والمغرب. وقد قيل: إنَّ
أبا الصهباء لا يُعْرَفُ في موالي ابن عباسٍ.
(١) في (ل ١) و (ع): ثلاثاً.
(٢) رواه مالك في الموطأ (٢/ ٥٥٠).
(٣) انظر سنن أبي داود (٦٤٨/٢).
(٤) الموطأ (٢/ ٥٥٠).
(٥) أي: بلا بدل من ناسخٍ أو مانعٍ شرعي.