Indexed OCR Text
Pages 201-220
٢٠١
(١٥) كتاب النكاح - (٢٧) باب: قبول قول القافة في الولد
فقال: إنَّ بعضَ هذه الأقدام لَمِنْ بعضٍ))وفي روايةٍ: وكان مُجَزِّزٌ قائِفاً.
رواه أحمد (٨٢/٦)، والبخاريُّ (٦٧٧٠)، ومسلم (١٤٥٩)،
(٣٨) و (٣٩)، وأبو داود (٢٢٦٨)، والترمذيّ (٢١٢٩)، والنّسائيُّ
(١٨١/٦ و١٨٤).
#
ثمَّ اختلف الآخذون بأقوال القافة. هل يُؤخذ بذلك في أولاد الحرائر
والإماء، أو يختص بأولاد الإماء؟ على قولين. فالأول: قول الشافعيِّ، ومالك في
رواية ابن وهبٍ عنه. ومشهور مذهبه: قصره على ولد الأمة. وفرَّق بينهما: بأن
الواطىءَ في الاستبراء يستندُ وطؤه لعقدٍ صحيح فله شبهة المِلْك، فيصحُ إلحاقُ
الولد به، إذا أتت به لأكثرَ من ستة أشهر من وطّئُه، وليس كذلك الوطءُ في العِدَّة؛
إذ لا عقدَ إذ لا يصحُّ. وعلى هذا فيلزم من نكح في العدَّة أن يُحَدَّ، ولا يُلحق به
الولد؛ إذ لا شبهة له. وليس مشهورٌ مذهبُه. وعلى هذا فالأولى: ما رواه
ابن وهبٍ عنه. وقاله الشَّافعيُّ. ثم العجب أنَّ هذا الحديث الذي هو الأصلُ في
هذا الباب إنَّما وقعَ في الحرائر، فإنَّ أسامة وأباه ابنا حُرَّتين. فكيفَ يلغى السببُ
الذي خرج عليه دليل الحكم. وهو الباعث عليه. هذا ما لا يجوز عند الأصوليين.
وكذلك اختلف هؤلاء. هل يُكتفى بقول واحدٍ؛ لأنَّ خبر من القافة، أو
لا بدَّ من اثنين؛ لأنها شهادة؟ وبالأوَّل قال ابن القاسم. وهو ظاهر الخبر، بل هل قولُ القافة
نصُّه. وبالثاني قال مالك، والشَّافعيُّ، ويلزم عليه أن يُراعى فيها شروط الشهادة؛ خبرٌ أو شهادةً؟
من العدالة وغيرها. واختلفوا أيضاً فيما إذا ألحقته القافة بمُدَّعيَيْن؛ هل يكون ابناً
لهما؟ وهو قولُ سحنون، وأبي ثور. وقيل: يُترك حتى يكبرَ، فيُوالي من شاء
منهما. وهو قول عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وقاله مالكٌ والشَّافعيُّ. وقال
عبد الملك، ومحمَّد بن مسلمة: يُلحق بأكثرهما شبهاً.
٢٠٢
(١٥) كتاب النكاح - (٢٨) باب: المقام عند البكر والثيب
(٢٨) بابُ
المقام عند البكر والنَّيِّب
[١٥٢٣] عن أمّ سلمةَ: أنَّ رسولَ الله وَّرَ لما تَزَوَّجَ أمَّ سلمةَ أقامَ
عندَها ثلاثاً، وقال: ((إنَّه لَيْسَ بكِ على أهلِكِ هَوانٌ، إنْ شِئْتِ سَبَّعْتُ لَكِ،
وإِنْ سَبَّعْتُ لكِ سَبَّعْتُ لِنِسَائِي)).
واختلف نفاة القول بالقافة في حكم ما أشكلَ، وتُنوزع فيه. فقال أبو حنيفة:
يُلحق الولد بهما، وكذلك بامرأتين. وقال محمَّد بن الحسن: يُلحق بالآباء وإن
كثروا؛ ولا يُلحق إلا بأمّ واحدةٍ. ونحوه قال أبو يوسف. وقال إسحاق: يُقرع
بينهم. وقاله الشافعيُّ في القديم. ويُستدلُّ على هذا بما خرَّجه أبو داود من حديث
عليٍّ - رضي الله عنه - وذلك أنَّ ثلاثةَ وقَعُوا على امرأة في طُهْرٍ واحدٍ، فأتت بولدٍ
فترافعوا إلى عليٍّ، وكلُّهم يَدَّعي الولدَ لنفسهِ، فأقرعَ عليٍّ بينَهم، فألحقه بالذي
طارت عليه القرعةُ. وكان عليٍّ باليمن، فلما قدم على النبيّ وَّ أخبره بذلك،
فضحكَ النبيُّ ێ﴿ حتَّی بدت نواجذه(١). وسنده صحيح.
(٢٨) ومن باب: المقام عند البكر والثيِّب
(قوله وَّه لأمّ سلمة: ((إنَّه ليس بك على أهلك هوانٌ))) الضميرُ في (إِنَّه)
للأمر، والشأن. و (ليس بك) أي: لا يتعلَّق بك، ولا يقعُ بك. و (أهلك): يريدُ
به نفسه. وكلُّ واحدٍ من الزوجين أهلٌ لصاحبه. و (الهوان): النقص، والاحتقار.
وإنَّما قال لها ذلك حين أخذتْ بثيابه تستزيدُه من المقام عندها، فاستلطفها بهذا
القول الحسن. ثمَّ بعد ذلك بيَّن لها وَجْهَ الحكم بقوله: ((للبكر سبع وللثيِّب ثلاثٌ))
وهذا تقعيدٌ للقاعدة، وبيانٌ لحكمها. وهو حُجَّةٌ للجمهور على أبي حنيفة حيث
(١) رواه أبو داود (٢٢٦٩).
٢٠٣
(١٥) كتاب النكاح - (٢٨) باب: المقام عند البكر والثيب
زاد في روايةٍ: ((وإنْ شِئْتِ ثلَّتُ ودُرْتُ)). قالتْ: ثلِّثْ.
وفي أخرى: لمَّا أرادَ أنْ يخرجَ أخذتْ بِثَوْبِه. فقال رسول الله وَلقه:
((إِنْ شِئْتِ زِدْتُكِ وحَاسَبْتُكِ به، للِكْرِ سَبْعٌ، وللثِّبِ ثلاثٌ)).
رواه مسلم (١٤٦٠) (٤١) (٤٢)، وأبو داود (٢١٢٢).
يقولُ: لا يختصُّ بذلك واحدةً منهنَّ، بل يقضي لسائر نسائه بمثل ذلك، تمُّكاً منه
بمطلق الأمر بالعدل بينهنَّ. ولا يتمُّ له ذلك؛ لأنه مخصّص بهذا الحديث وشبهه.
وقد يقال: إذا كان الحكم: أنَّ للثيِّب ثلاثاً، وللبكر سبعاً؛ فكيف خيّرها بين
التسبيع والتثليث؟ ثمَّ إن اختارت التسبيع سبَّع لنسائه، وسقط حقُّها من الثلاث.
ويُجاب عن ذلك: بأن ظاهِرَ قوله: ((للثّب ثلاث، وللبكر سبعٌ)) أنَّ ذلك حقٌّ
للزوجة. وهو أحدُ القولين عند مالكِ - رحمه الله - في هذا. فإذا رضيتْ بإسقاطه
سقط، فكأنه عَرَضَ عليها: أنَّها إنِ اختارتِ السبعَ سقط حقُّها من الثلاث.
وقد اختلف؛ هل لغير النبيِّ وَ ﴿ أن يُسبِّع للئيّب أم لا؟ فذهب مالكٌ فيما ذَكَر حكم العدل بين
عنه ابنُ المؤَّاز: إلى أنَّه ليس له أن يُسبِّع. وكأنه رأى أنَّ ذلك كان من خصوصيَّات الزوجات
للني ﴾،
ولغيره
النبيِّ ◌َّهِ؛ إذ قد ظهرتْ خصوصياتُه في هذا الباب كثيراً. وقال ابنُ القصَّار: إذا
سبَّع للثيِّب سبَّعَ لسائر نسائه؛ أَخْذاً بظاهر هذا الحديث. ولا يدلُّ عنده على
سقوط (١) الثلاث لها. وكأنَّه تمسك بالرواية التي قال لها فيها: ((إنْ شئتِ زدتك
وحاسبتُكِ)) وكلُّ هذا منه،﴿ عملٌ بالعدل بين أزواجه، ومراعاةٌ له. وهل كان ذلك
منه - أعني القَسْم - على جهة الوجوب، كما هو على غيره بالاتفاق، أو هو مندوبٌ
إلى ذلك، لكنه أخذ نفسه بذلك رغبةً في تحصيل الثواب، وتطييباً لقلوبهنَّ،
وتحسيناً للعشرة على مقتضى خُلُقه الكريم، وليقتدى به في ذلك؟ قولان لأهل
العلم. مستندُ القول بالوجوب: التمسُّك بعموم القاعدة الكلّيّة في وجوب العذل
(١) في (ع): إسقاط.
٢٠٤
(١٥) كتاب النكاح - (٢٨) باب: المقام عند البكر والثيب
[١٥٢٤] وعن أنس، قال: مِن السُّنَّةِ أنْ يُقِيمَ عندَ البِكْرِ سَبْعاً. قال
خالد: ولو شئتُ قلتُ: رَفعه إلى النبيِّ وَّلـ
رواه مسلم (١٤٦٠) (٤٥).
بينهنَّ، وبقوله: ((اللَّهُمَّ هذه قسْمتي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك، ولا
أملك))(١) يعني: الحبَّ، والبغضَ. ومستندُ نفيه: قوله تعالى: ﴿﴿ تُرْجِ مَن تَشَآءُ
مِنْهُنَّ وَتُقْوِىّ إِلَيْكَ مَن تَشَاءُ وَمَنِ ابْنَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَ جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ [الأحزاب: ٥١] وقد
تقدَّم التنبيهُ على الخلاف في تأويلها. ولم يختلفْ في حقِّ غير النبيِّ وَلِّ ممن له
زوجات: أنَّ العدلَ عليه واجب؛ لقوله وَّهِ: ((من كانت له امرأتان فلم يعدلْ بينهما
جاء يومَ القيامة، وشقُّه مائل - أو - ساقط))(٢)، ولقوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَن
تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ خَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُواْ كُلَ اَلْمَيْلِ فَتَذَّرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ ﴾
[النساء: ١٢٩]. وسيأتي القول(٣) في كيفية القسم.
و (قوله: من السُّنَّة أن يقيم عند البكر سبعاً) ظاهره الرفع عند جمهور
الأصوليين؛ لأنَّه إنما يعني به سُنَّة النبيِّ نَّهِ وقد دلَّ على الرفع هنا قولُ خالدٍ: (لو
شئتُ قلتُ: رفعه) وقد تقدَّم قوله مِّهِ: ((للبكر سبعٌ، وللثيِّب ثلاثٌ)) والرفع فيه
حكم الإقامة منصوصٌ عليه. وقد اختلفَ في هذا الحكم. هل هو لكلِّ بكرٍ وثيِّبٍ؛ وإن لم يكن
للزوج غيرها، أو إنَّما يكون ذلك إذا كان له غيرها. على قولين عندنا. قال
أبو عمر: أكثرُ العلماءِ على أنَّ ذلك واجبٌ لها؛ كان عند الرجل زوجة أم لا؟
لعموم الحديث. وقال غيرُه: معنى الحديث فيمن له زوجةٌ غير هذه؛ لأنَّ من
لا زوجةً له مقیمٌ مع هذه.
عند البکر
(١) رواه أبو داود (٢١٣٤)، والترمذي (١١٤٠)، والنسائي (٦٤/٧).
(٢) رواه أبو داود (٢١٣٣)، والترمذي (١١٤١)، والنسائي (٧/ ٦٣).
(٣) في (ع): الكلام.
٢٠٥
(١٥) كتاب النكاح - (٢٩) باب: في القَسْم بين النساء
(٢٩) بابٌ
في القَسْم بين النِّساء وفي
جوازِ هبةِ المرأةِ يومَها لِضَرَّتها
[١٥٢٥] عن أنس قال: كان للنَّبيِّ وَ﴿ تِسْعُ نسوةٍ. فكان إذا قسم
بينهنَّ لا ينتهي إلى المرأة الأولى في تسع. فكنَّ يجتمعنَ في كلِّ ليلة في
قلتُ: وهذا هو الصحیحُ لوجهین:
أحدهما: أنه هو السببُ الذي خرج عليه اللفظ.
والثاني: النظر إلى المعنى؛ وذلك: أنَّ مَن له زوجات يحتاجُ إلى استئناف
القَسْم بعد أن يوفي لهذه المستجدَّة حقَّها من تأنيسها، والانبساط إليها، وإزالة
نفرتها، وتطييب عيشها. وأيضاً: فيستوفي لنفسه ما يجدُه من التشوُّق إليها،
والاستلذاذ بها، فإنَّ الجديدَ له استلذاذٌ جديدٌ. وذلك مفقودٌ فيمن ليس له زوجةٌ
غير التي تزوَّج بها.
(٢٩) ومن باب: القَسْم بين الزَّوجات
قد تقدم القول آنفاً في حُكْم وجوب القَسْم بين الزوجات. فأمَّا كيفيةُ القسم: كيفية القَسم
فلا خلافَ في أنَّ عليه أن يفردَ كلَّ واحدةٍ بليلتها، وكذلك قولُ عامَّة العلماء في
النَّهار. وذهب بعضُهم إلى وجوب ذلك في الليل دون النهار، ولا يدخل لإحداهما
في يوم الأخرى وليلتها ولغير حاجةٍ. واختلف في دخوله لحاجةٍ وضرورةٍ.
فالأکثرون على جوازه. مالك، وغيره. وفي كتاب ابن حبيب منعه. ويعدلُ بینهن
في النفقة، والكسوة؛ إذا كنَّ معتدلات الحال، ولا يلزمُ ذلك في المختلفات
المناصب. وأجاز مالك أن يُفضِّل إحداهما في الكسوة على غير جهة الميل. فأمَّا
الحبُّ والبغض فخارجان عن الكسب، فلا يتأتى العدلُ فيهما. وهو المعنيُّ
٢٠٦
(١٥) كتاب النكاح - (٢٩) باب: في القَسْم بين النساء
بيت التي يأتيها. فكان في بيت عائشة. فجاءت زينب فمدَّ يده إليها.
فقالت: هذه زينب! فكفَّ النبيُّ وَّ يده. فتقاولتا حتى اسْتَخَبَتَا.
بقوله ويقر: ((فلا تلمني فيما تملك ولا أملك)». وعند أبي داود يعني: القلب. وإليه
الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَآءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ ﴾
[النساء: ١٢٩].
و (قوله: كان النبيِّ ◌َّهِ تسعُ نسوةٍ، فكان إذا قسم لا ينتهي إلى المرأة الأولى
في تسع) كذا صحَّت روايتنا(١): (في تسع) من غير إلا الإيجابية. وقد وقع في
بعض النسخ: (إلا في تسع) وهو أصوب، وأوضح. فتأمَّلْه.
و (قوله: فكنَّ يجتمعْنَ كلَّ ليلةٍ في بيت التي يأتيها) حُبَّةٌ في أن الزوجَ
لا يأتي غيرَ صاحبة القَسْم. فأما اجتماعُهنَّ عند صاحبة القَسْم في بعض الأوقات
فباختيارهنَّ، ومِن حقٌّ صاحبةِ القَسْم أن تمنعهنَّ إن شاءت.
و (قوله: فكان في بيت عائشة فجاءت زينب، فمدَّ يده إليها، فقالت: هذه
زينب! فكفَّ) كان هذا في الوقت الذي لم يكن في البيوت مصابيح، وإنَّما مدَّ يده
إليها يظنُّها عائشة. وفيه ما يدلُّ: على صحة ما ذكرناه من أنَّه لا يجوزُ للزَّوج
الاستمتاعُ بالواحدة في وقت الأخرى. فأمَّا ما خرَّجه البخاريُّ وأبو داود من حديث
عائشة: من أنَّه ◌ِوَلّهِ كان يطوف بعد العصر على نسائه، فيدنو منهنَّ من غير
مسيس(٢). فقد قيل: إنَّ ذلك كان إذ لم يكنِ القَسْمُ عليه واجباً. ويحتملُ أن
يقال: كان(٣) ذلك برضا أزواجه.
و (قوله: فتقاولتا حتى استخبتا) عند كافَّة الشيوخ: بالخاء المعجمة، بعدها
(١) في (ع): الرواية.
(٢) رواه البخاري (٥٢١٦)، وأبو داود (٢١٣٥). والجملة الأخيرة ليست عند البخاري.
(٣) في (ع): كلّ.
٢٠٧
(١٥) كتاب النكاح - (٢٩) باب: في القَسْم بين النساء
وأقيمت الصلاة. فمرَّ أبو بكر على ذلك. فسمع أصواتَهُما. فقال: اخرج
يا رسول الله إلى الصلاة، واحثُ في أفواههنَّ التراب. فخرج النَّبيُّ وَّل
فقالت عائشة: الآن يقضي النبي ◌َ ◌ّ صلاته، فيجيء أبو بكر فيفعل بي
ويفعل. فلما قضى النبيُّ بَّهِ صلاته. أتاها أبو بكر، فقال لها قولاً شديداً.
وقال: أتصنعين هكذا؟ !.
رواه مسلم (١٤٦٢).
باء بواحدة مفتوحتين: من السَّخب. وهو: اختلاطُ الأصوات، وارتفاعها. ويقال:
بالصَّاد. ووقع في رواية السَّمرقندي: استحثيا - بالحاء المهملة - وسكونها،
وبعدها ثاء مثلثة، وبعدها ياء باثنتين من تحتها. [ومعناه - إن لم يكن تصحيفاً -:
حَثَتْ كلُّ واحدةٍ منهما في وجه الأخرى التراب: وصوابه: استحثتا - باثنتين من
فوقها](١) وسبب هذا الواقع منهما الغَيْرةُ. وفيه ما يدلُّ: على جميل عشرة النبيِّ وَّل
ومداراته.
و (قوله: وأقيمت الصلاة) يدلُّ: على أنَّ تلك الحالة الواقعة لهم كانت
قريبَ الفجر، وأنهما دامتا على المقاولة إلى أن أقيمت صلاة الصبح(٢). وليس في
مدِّ يده إلى زينب دليلٌ على أن اللمسَ لا ينقضُ الوضوء، كما قد زعمه بعضُهم؛ إذ
لم ينقلْ أنه كان منه لمسٌ على غير حائل، ولا أنه كان توضأ قبل ذلك، فلعلَّه بعد
ذلك توضأ.
و (قول أبي بكر - رضي الله عنه -: احثُ في أفواههنَّ التراب) مبالغةٌ في
الرَّدع والزَّجْر لهنَّ عن رَفْع أصواتهن على صوت النبيِّ ◌َّ وترك احترامه.
(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).
(٢) هذا استنتاج خاصّ للقرطبي دون دليل، والمعقول أن تكون هذه الحادثة قبيل صلاة
العشاء. والله أعلم.
٢٠٨
(١٥) كتاب النكاح - (٢٩) باب: في القَسْم بين النساء
[١٥٢٦] وعن عائشةَ قالت: ما رأيتُ امرأةً أحبّ إليَّ أن أكون في
مِسْلاخِها من سودة بنتِ زَمْعَة من امرأة فيها حِدَّةٌ. قالت: فلما كَبِرَتْ
جعلت يومها من رسول الله وَلقر لعائشة. قالت: يا رسول الله! قد جعلتُ
يومي فيك لعائشة. فكان رسول الله وَل يقسم لعائشة يومين، يومها، ويومَ
سودة .
و (قول عائشة: ما رأيتُ امرأةً أحبّ إليَّ أن أكون في مسلاخها من سودة)
أي: في جلدها. وحقيقةُ ذلك: أنها تمثَّت أن تكون هي؛ لأنَّ أحداً لا يتمنى أن
يكون في جلد غيره. وهذا اللفظُ قد جرى مجرى المثل. ومقصودُها: أنَّها أحبَّتْ
أن تكون على مِثْل حالها في الأوجه التي استحسنتْ منها.
و (قولها: من امرأة فيها حِدَّة) ((من)) هنا: للبيان، والخروج من وصفٍ إلى
ما يخالفه، ولم ترد تنقيصَها بذلك. وإنما أرادتْ: أنَّها كانت شهمة النفس، حديدةً
القلب، حازمةً مع عقل رصينٍ، وفَضْلٍ متين. ولذلك جعلتْ يومَها لعائشة. وفيه
دليلٌ: على أنَّ القَسْمَ حٌّ للزوجة ذات الضَّرائر. وأنه يجوزُ لها بذله لغيرها بعوضٍ
وغير عوض إذا رضي بذلك الزَّوج. ويشهدُ لهذا كلِّه قولُه تعالى: ﴿وَإِنِ أَمْرَأَةٌ خَافَتْ
مِنْ بَعْلِهَا فُشُوزَا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحَاً وَالضَُّّحُ خيّرٌ ﴾
[النساء: ١٢٨]. وفي هذه القصّة نزلت هذه الآية على ما قيل. لكن عند مالك لها
الرجوعُ في مثل هذا؛ إذا شاءت؛ لأنَّها حقوقٌ مُتجدِّدَةٌ آناً فاناً، فلكلِّ متجدِّدٍ
حكمه، بخلاف الحقوق الثابتة؛ تلك التي لا يَرْجِعُ في شيءٍ منها من أسقطها، مثل
ما يترتَّب في الذمم، أو في الأبدان. وهذا أَحَدُ قولي مالكِ. وقيل: يلزم ذلك
دائماً(١).
و (قوله: فكان يقسمُ لعائشة يومين، يومها ويوم سودة) لا يُفْهَمُ من هذا
(١) في (ع): أبداً.
القَسْمُ حٌّ
للزوجة ذات
الضرائر
٢٠٩
(١٥) كتاب النكاح - (٣٠) باب: في قوله تعالى: ﴿ترجي من تشاء منهن ... )
وفي رواية: قالت: وكانت أولَ امرأةٍ تزوَّجها بعدي.
رواه البخاريُّ (٥٢١٢)، ومسلم (١٤٦٣) (٤٧) و (٤٨).
(٣٠) بابٌ
في قوله تعالى: ﴿تُرْجِى مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وَتُقْوِىٌ إِلَيْكَ مَن تَشَآءُ ﴾
[١٥٢٧] عن عائشةَ قالت: كنتُ أغار على اللاتي وهَبْنَ أَنفُسَهُن
لرسولِ اللهِ وَ ﴿ وأقول: وتهب المرأة نفسها؟! فلمَّا أنزل الله - عزَّ وجلَّ -:
توالي اليومين. بل يوم سودة على الرتبة التي كانت لها قبل الهبة.
و (قولها: وكانت أوَّل امرأةٍ تزوَّجها بعدي) هذه روايةُ يونس عن شَرِيك.
وهكذا قال يونس أيضاً عن ابن شهاب، وعبد الله بن محمَّد بن عقيل. [وأشار
بعضُهم إلى الجمع بين القولين فقال: أوَّلُ من عقد عليها بعد خديجة عائشة، وأوَّلُ
مَن دخل عليها بعد خديجة سودة، فإنه دخل عليها بمكة قبل(١) الهجرة، ودخل
على عائشة بالمدينة في شؤَال سنة اثنتين مقدمه من الهجرة](٢). وروى عقيل بن
خالد عن ابن شهاب خلافَه، وأنه ◌َّه تزوَّج سودة قبل عائشة. قال أبو عمر: وهذا
قولُ قتادة وأبي عبيدة.
(٣٠) ومن باب: قوله تعالى:
تُرْجِى مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وَتُقْوِىّ إِلَيْكَ مَن تَشَآءُ ... ﴾ الآية.
اختلف السّلفُ في هذه الآية. فقيل: هي ناسخةٌ لقوله تعالى: ﴿لَّا يَحِلُ لَكَ
النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ [الأحزاب: ٥٢]، مبيحةٌ له أن يتزوَّج ما شاء. وقيل: بل نُسِخَ
(١) في (ج ٢): بعد. والصواب ما أثبتناه.
(٢) ما بين حاصرتين مستدرك من (ج ٢).
٢١٠
(١٥) كتاب النكاح - (٣٠) باب: في قوله تعالى: ﴿ترجى من تشاء منهن ... )
تُرْجِى مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وَتُقْوِىّ إِلَيْكَ مَن تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ
[الأحزاب: ٥١]،
قوله: ﴿لا يحلُّ لك النساء﴾ بالسنَّة. قال زيدُ بن أسلم: تزوَّج رسولُ الله وَِّ بعد
نزول هذه الآية ميمونة، ومليكة، وصفيَّة، وجويرية. وقالت عائشة: مامات
رسولُ اللهِوَل﴿ل حتى أحلَّ الله له النساء(١). وقيل عكس هذا، وهو: إنَّ قوله:
﴿لا يحل لك النساء﴾ ناسخةٌ لقوله: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَجَكَ ... ) الآية
[الأحزاب: ٥٠]، ولقوله: ﴿ترجي من تشاء منهن ... ﴾ وقيل غير هذا ممَّا هو
ظاهِرُ الفساد. [وإِنْ صحَّ ما نقله زيدُ بن أسلم؛ فالقولُ قوله. والله تعالى أعلم](٢).
(ترجي) قُرِىء مهموزاً وغير مهموزٍ. وهما لغتان. يقال: أرجيت الأمر،
وأرجأته: إذا أخَّرته. و (تؤوي): تضمّ. ابن عباس: تطلِّق من تشاء، وتمسك من
تشاء. فأراد تطليقَ سودة، فوهبتْ يومها لعائشة فبقَّاها. مجاهد: تعزل من تشاء
بغير طلاقٍ، وتضم إليك من تشاء. وكان ممَّن آوى إليه عائشة، وحفصة،
وأم سلمة. وأرجأ سودة، وجويرية، وصفية، وميمونة، وأمّ حبيبة. وكان يقسم
لهنَّ ما شاء. وتوفي تَّهِ وقد آوى جميعهنَّ إلا صفيّة. وهذا يدلُّ: على أنَّ القَسْمَ
لم يكن عليه(٣) واجباً. وهو أحدُ القولين كما قدَّمناه.
(ابتغيت) أي: طلبت الإصابة. (ذلك) أي: الابتغاء (أدنى) أي: أقرب
الطيب قلوبهنَّ. أي: إذا علمن أنَّ العزلَ بأمر الله تعالى قرَّت أعينهنَّ بذلك،
ورضين. هذا قولُ أهل التفسير. وفي هذه الآيات أبحاثٌ ليس هذا موضعُ ذكرها.
[وما نقلناه أشبه ما قيل فيها](٤).
(١) رواه الترمذي (٣٢١٤)، والنسائي (٥٦/٦).
(٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ج ٢).
(٣) ليست في (ع).
(٤) ما بين حاصرتين ساقط من (ج ٢).
٢١١
(١٥) كتاب النكاح - (٣٠) باب: في قوله تعالى: ﴿ترجي من تشاء منهن ... ﴾
قالت: قلت: والله ما أرى ربَّك إلا يُسارع في هواك !.
وفي روايةٍ: إنَّ عائشةَ كانتْ تقول: أَمَا تستحيي المرأةُ تهبُ نفسها
لرجلٍ؟! حتى أنزل الله وذكره.
رواه البخاريُّ (٥١١٣)، ومسلم (١٤٦٤) (٤٩) و (٥٠)، وأبو داود
(٢١٣٦)، والنسائيُّ (٥٤١٦).
و (قول عائشة - رضي الله عنها -: ما أرى ربَّك إلا يسارعُ في هواك) قولٌ(١)
أبرزته الغَيْرةُ والدَّلال. وهذا من نوع قولها: (ما أهجرُ إلا اسمك)(٢) و (لا أحمد
إلا الله)(٣). وإلا فإضافة الهوى إلى النبيِّ ◌َ ﴿ مباعدٌ لتعظيمه، وتوقيره(٤)؛ الذي
أمرنا اللَّهُ تعالى به، فإنَّ النبيَّ ◌َلْهِ مُنزَّه عن الهوى بقوله تعالى: ﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ اَلْمَوَىَّ﴾
[النجم: ٣]، وهو ممَّن نهى النفسَ عن الهوى. ولو جعلت مكان (هواك)
(مرضاتك) لكان أشبه، وأولى. لكن أبعد هذا في حقٌّها عن نوع الذنوب: أن
ما يفعل المحبوب محبوب.
و (قولها: أما تستحيي المرأةُ، تهبُ نفسها؟!) تقبيحٌ منها على مَن فعلت
ذلك. وتنفيرٌ أوجبه غَيْرَتُها. وإلا فقد علمتْ أنَّ الله تعالى أباح هذا النَّبِيِّ ◌َِّ
خاصَّةٌ، وأنَّ النِّساءَ كلَّهُنَّ لو ملَّكن رقَّهُنَّ ورقابهنَّ للنبي ◌ّ﴿ لكُنَّ معذورات في
ذلك، ومشكوراتٍ عليه لعظيم بركته، ولشرف منزلة القرب منه. وعلى الجملة فإذا
حُقُّق النظرُ في أحوال أزواجه عُلِمِ: أنَّ لم يحصلْ أحدٌ في العالم على مثل
ما حصلن عليه. ويكفيك من ذلك مخالطةُ اللحوم، والدِّماء، ومشابكة الأعضاء،
(١) سقطت من (ل ١).
(٢) رواه البخاري (٥٢٢٨)، ومسلم (٢٤٣٩).
(٣) رواه البخاري (٤٧٥٠)، ومسلم (٢٧٧٠).
(٤) في (ل ١) و(ج ٢): تعزيره.
٢١٢
(١٥) كتاب النكاح - (٣٠) باب: في قوله تعالى: ﴿ترجي من تشاء منهن﴾
[١٥٢٨] وعن عطاء قال: حضرنا مع ابن عباس جنازةَ ميمونة زوجٍ
النَّبِيِّ ◌َ بِسَرِفَ، فقال ابن عباس: هذه زوج النَّبِيِّ بَِّ، فإذا رفعتم نعشها
فلا تُزَعْزِعُوا، ولا تُزَلْزِلوا، وارفُقُوا، فإنَّه كان عند رسول الله وَّر تسع.
والأجزاء. وناهيك بها مراتب فاخرة. لا جرم هنَّ أزواجه المخصوصات به في
الدنيا والآخرة.
و (سَرِف): موضعٌ على ستة أميالٍ من مكة. وقيل: سبعة. وقيل: تسعة.
وقيل: اثنا عشر ميلاً. ولا خلافَ: أنَّ ميمونة - رضي الله عنها - توفيت به. وهي
آخرُ أزواج النبي ◌ِّله موتاً. قيل: إنها ماتت سنة ثلاثٍ وستين. وقيل: ستّ
وستين. وعلى هذا تكون ميمونةُ آخرهنَّ موتاً. وقيل: سنة إحدى وخمسين قبل
عائشة؛ لأنَّ عائشة توفيت سنة سبع وخمسين. وقيل: ثمانٍ وخمسين. وعلى هذا
فتكون عائشةُ آخرهنَّ موتاً. وأمَّا صفية: فتوفيت سنة خمسين. وقول عطاء:
(كانت آخرهنَّ موتاً، ماتت بالمدينة) قولٌ مشكلٌ، يلزم عليه وهمٌّ. وذلك: أنَّه إنْ
كان أراد ميمونة فقد وهم في قوله: إنها ماتت بالمدينة. وقد بيَّنَّا: أنها ماتت
بسَرِف. إلا أن يريد بـ (المدينة) هنا (مكة) وفيه بعدٌ. وإن أراد بها صفية؛ فقد وهم
أيضاً؛ لأنها لم تكن آخرهنَّ موتاً على ما قدَّمناه. وقد وهم أيضاً في قوله: إنَّ التي
لا يقسم لها هي صفية؛ فإنَّ المشهور: أن التي لا يقسمُ لها هي: سودة - وهبت
یومها لعائشة، کما تقدَّم ۔۔
شرف منزلة
أزواجه {پڼ
و (قول ابن عبَّاس - رضي الله عنهما -: فإذا رفعتم نعشها فلا تزعزعوا، ولا
تُزلزلوا، وازْفُقُوا) كلُّ ذلك تنبيهٌ على ما يجبُ من احترام أزواجه ـ وَّ ـ لعظيم
خصوصيته ﴿ رُتبتهنَّ، وشرف منزلتهنَّ، كما قدَّمناه. وقد تقدَّم لنا القولُ في وجه خصوصية
بالزيادة على النبيِّ وَ ل﴿ بكثرة النِّساء، وأبدينا هنالك فوائد كثرةِ النِّساء في أول كتاب: النِّكاح،
ونزيدُ هنا نكتةً نبَّه عليها أبو سليمان الخطّابي بكلام معناه: إن الله تعالى اختار
النبيِّهِ وَ﴿ من الأمور أفضلَها، وأكملَها، وجَمَعَ له من الفضائل الَّتي تزدادُ بها نفوسُ
أربع
٢١٣
(١٥) كتاب النكاح . (٣١) باب: الحث على نكاح الأبكار وذوات الدين
فكان يقسم لثمانٍ ولا يقسم لواحدةٍ. قال عطاء: التي لا يُقْسَم لها صفيّة
بنت حيي بن أخطب. وكانت آخرهن موتاً. ماتَتْ بالمدينة.
رواه أحمد (٢٣١/١)، والبخاريُّ (٥٠٦٧)، ومسلم (١٤٦٥) (٥١)
و (٥٢)، والنسائيُّ (٥٣/٦).
(٣١) باب
الحث على نكاح الأبکار وذوات الدین
[١٥٢٩] عَنْ جابر بن عبد الله، أنَّ عبدَ الله هَلَكَ وترك تِسْعَ بناتٍ
العرب جلالةً، وفخامةً. وكانت العربُ تتفاخرُ بقوة النكاح، وكان ◌َّ من قوة
البنية، واعتدال المزاج، وكمال الخلقة على نهايتها، على ما شهدتْ به الأخبار.
ومَن كان بهذه الصِّفة؛ كانت دواعي هذا الباب أغلب عليه، وكان مَن عداها منسوباً
إلى نقص الجبلَّة، وضَعْف النَّحِيزة(١)، فأبيحَ له الزِّيادةُ على أربع لاحتياجه إلى
ذلك. وأيضاً: فلقوَّته على العدلِ بينهنَّ. ولمَّا لم يكن غيرُه كذلك قُصِر على أربعٍ.
والله تعالى أعلم.
(٣١) ومن باب: الحثّ على نكاح الأبكار
(قولُ جابر بن عبد الله - رضي الله عنه -: إنَّ عبد الله هلك) يعني: والده.
وكان استشهدَ يوم أُحُدٍ، اختلفتْ عليه أسيافُ المسلمين. [وهم يظنُّونه من الكفّار.
(١) ((النحيزة)): الطبيعة.
٢١٤
(١٥) كتاب النكاح - (٣١) باب: الحث على نكاح الأبكار وذوات الدين
(أو قال: سَبْعَ) فتزوَّجْتُ امْرَأَةَ ثَيِّاً. فقال لي رسولُ الله ◌ِ لهِ: ((يا جابرُ
تَزَوَّجْتَ؟!)) قال: قلتُ: نعم. قال: ((فَبِكْرٌ، أم ثَيِّبٌ؟)) قال: قلتُ: بل ◌َيِّبُ
يا رسولَ الله! قال: ((فهلَّ جاريةً تلاعبُها، وتلاعبُكَ، وتُضَاحِكُهَا،
وتُضَاحِكُكَ!)) قال: قلت له: إنَّ عبدَ الله هلكَ وترك تِسْعَ بناتٍ (أو: سَبْع)
وإِنِّي كَرِهْتُ أن آتِيهُنَّ (أو: أجيتُهُنَّ) بمثْلِهِنَّ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَجِيءَ بامرأةٍ تقومُ
عَلَيْهِنَّ وتُصْلِحُهُنَّ قال: ((فباركَ اللَّهُ لكَ)) أو قال لي: خيراً.
وفي روايةٍ: قال: ((فأينَ أنتَ من العذارى وَلِعَابِها)).
فكان جابرٌ يقول: أبي! أبي! فلم يسمعوه حتى استشهد فتصدَّق ابنه بدمه على
المسلمين](١).
و (الثيِّب: المرأة التي دخل بها الزوج، وكأنّها ثابتْ إلى غالب أحوال
كبار (٢) النساء.
تفضيل نكاح
الأبکار
و (قوله: («فهلّ جاريةً(٣) تلاعبها، وتلاعبك))) يدلُّ على تفضيل نكاح الأبكار
كما قال في الحديث الآخر: ((فإنهنَّ أطيبُ أفواهاً، وأنتقُ أرحاماً)(٤). و (تلاعبها)
من اللعب، بدليل قوله: ((وتضاحكها)). وفي كتاب أبي عبيد: ((تداعبها
وتداعبك)).
و (قوله في الرواية الأخرى: ((أين أنتَ من العذارى وَلِعَابِها؟!))) - بكسر
(١) ما بين حاصرتين سقط من (ع) .. وفي حاشية (ل ١) ما يلي: من نسخة فرح بخطه:
هذا وهمٌّ في أنَّ عبد الله والد جابر قتله المسلمون، وأنَّ جابراً حضر أحداً، ولم
يحضرها محققاً. إنما كان ذلك اليمان بن حُسيل، أبو حذيفة بن اليمان، والقائل: أبي!
أبي! حذيفة، وهو المتصدق بدم أبيه على المسلمين - رضي الله عنهم أجمعين ..
(٢) سقطت من (ع).
(٣) في (ع): بكراً.
(٤) رواه ابن ماجه (١٨٦١).
٢١٥
(١٥) كتاب النكاح - (٣١) باب: الحث على نكاح الأبكار وذوات الدين
رواه البخاري (٢٠٩٧)، ومسلم (٧١٥) (٥٥) و (٥٦)، والنسائي
(٦٥/٦)، وابن ماجه (١٨٦٠).
[١٥٣٠] وعن أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّبيِّ وَِّ قال: «تُنْكَحُ المرأةُ لأرْبَع:
لِمَالِهَا، ولِحَسَبِهَا، ولجمَالِها، ولدِيْنِها.
اللام هنا لا غير - وهو مصدرُ لاعب، من الملاعبة. كما يقال: قِتَالاً. من: قاتل،
يقاتل. وقد رواه أبو ذرِّ(١) من طريق المُسْتَمْلِي: ((لُعَابِهَا)) - بالضم - يعني به: ريقها
عند التقبيل. وفيه بعدٌ. والصواب: الأول.
وهذا الحديثُ يدلُّ: على فَضْلِ عقل جابرٍ؛ فإنَّه راعى مصلحة صيانة فضلُ عقل جابر
أخواته، وآثرها على حقِّ نفسه، ونيل لذَّته، ولذلك استحسنه منه النبيُّ ونَ ﴿ وقال
له: ((فبارك الله لك)» وقال له خيراً.
وفيه ما يدلُّ: على جواز قَصْد الرجل من الزَّوجة القيام له بأمور وبمصالح
ليست لازمةً لها في الأصل، ولا يُعاب مَن قَصَد شيئاً من ذلك.
و (قوله: ((تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها))) الخِصالُ
أي: هذه الأربع الخصال هي المرغِّبةُ في نكاح المرأة. وهي التي يقصدُها الرِّجالُ المرغبة في
من النساء. فهو خبرٌ عمَّا في الوجود من ذلك، لا أنَّه أمرٌ بذلك. وظاهرهُ إباحةُ نكاح المرأة
النكاح لقصد مجموع هذه الخصال أو لواحدةٍ منها، لكن قَصْدُ الدِّين أولى وأهمُ.
ولذلك قال: ((فاظفر بذات الدِّين تربت يمينك))(٢). و (الحسب) هنا: الشرف،
(١) في (ل): أبو داود، وهو خطأ، والصحيح ما أثبتناه. وأبو ذر، هو: مصعب بن محمد
ابن مسعود الخشني: من علماء الحديث والسير والنحو. توفي (٦٠٤ هـ).
(٢) زاد في (ج ٢):
تتميم: في كتاب ((ربيع الأبرار)) للزمخشري، في الحديث: ((تُنكح النساء على =
٢١٦
(١٥) كتاب النكاح - (٣١) باب: الحث على نكاح الأبكار وذوات الدين
فاظْفَرْ بذاتِ الدِّين تَرِبَتْ يَدَاكَ)).
رواه أحمد (٤٢٨/٢)، والبخاري (٥٠٩٠)، ومسلم (١٤٦٦) (٥٣)،
وأبو داود (٢٠٤٧)، والنسائي (٦٨/٦)، وابن ماجه (١٨٥٨).
والرِّفعة. وأصلُه من الحساب؛ الذي هو العدد، وذلك أنَّ الشَّريفَ يعدُّ لنفسه
ولّآبائه مآثر جميلةً وخصالاً شريفة. والحسْب - بسكون السِّين -: المصدر،
وبفتحها: الاسم. كالنقْض، والنَّقَض. والقَبْض، والقَبَض. وقد يُراد بالحسب:
قرابة الرجل، وأهله، وذريَّته. كما جاء في وفد هوازن؛ إذ قيل لهم: اختاروا، إمّا
المال، وإمَّا السبي. فقالوا: إنَّا نختار الحسب. فاختاروا أبناءهم ونساءهم. وقد
تقدم القول على ((تربت يداك))).
ما هي الكفاءة؟
ولا يُظنُّ من هذا الحديث: أنَّ مجموعَ هذه الأربع والمساواة فيها هي
الكفاءة، فإنَّ ذلك لم يقل به أحدٌ من العلماء فيما علمت، وإن كانوا قد اختلفوا في
الكفاءة ما هي؟ فعند مالك: الكفاءة في الدِّين. فالمسلمون بعضهم لبعضٍ أكفاء،
والمولى كفُؤْ للقُرَشِيَّة. وروى مثله عمر، وابن مسعود، وجماعةٌ من الصحابة
والتابعين. وقال غيرُه: الكفاءةُ معتبرةٌ في الحال والحسب. فعند أبي حنيفة: قريشٌ
كلهم أكفاء، وليس غيرهم من العرب لهم بكفُؤْ. والعربُ بعضُهم لبعضٍ أكفاء،
وليس الموالي لهم بأكفاء. ومن له من الموالي آباء في الإسلام؛ فبعضهم لبعضٍ
أكفاء، وليس المعتق نفسه لهم بكفُؤْ. وقالِ الثوريُّ: يفرّق بين العربية والمولى،
وشدَّد في ذلك، [وقاله أحمد](١). قال الخطَّبيُّ: الكفاءةُ في قول أكثر العلماء في
= أربع: الجمال والنسب والمال والدين)) فمن نكح للجمال عاقبه الله بالغَيْرة، ومَن نكح
للنسب عاقبة الله بالذل، ومن نكح للمال لم يخرج من الدنيا حتى يبتليه الله بماله، ثم
يقسِّي قلبها فلا تعطه قليلاً ولا كثيراً، ومن نكح للدين أعطاه الله: المال والجمال
والنسب وخير الدنيا والآخرة.
(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).
٢١٧
(١٥) كتاب النكاح - (٣١) باب: الحث على نكاح الأبکار وذوات الدين
[١٥٣١] وعن جابرٍ، قال: تزوَّجْتُ امرأةً على عهدٍ رسولِ الله وَّهِ،
وذكرَ نحو ما تقدَّم. وزادَ، فقالَ له رسولُ الله وَّهِ: ((تُنكحُ المرأةُ: على
دِيْنِهَا، وجَمالِهَا، ومَالِهَا، فعليكَ بذاتِ الدِّينِ تربتْ يداكَ)).
رواه مسلم (٧١٥) (٥٤).
أربعةٍ: في الدِّين، والنَّسب، والحرِّية، والصناعة. واعتبر بعضُهم السلامةَ من
العيوب. والكلُّ منهم متفقون: على أنَّه لا يعتبر في الكفاءة المساواة فيما يعدُّ
كفاءة، بل يكفي أن يكونا ممن ينطلق عليها اسم ذلك المعنى المعتبر في الكفاءة.
فالمفضول كفُؤْ للأفضل، والمشروف كفُؤٌ للأشرف؛ لأنهما قد اشتركا في أصل
ذلك المعنى.
وقد استدلَّ أصحابُنا بهذا الحديث: على أنَّ للزوج حقَّ الاستمتاع والتَّجمُّل استمتاع الزوج
بمال الزَّوجة. ووجه ذلك: أنها إذا كانت ذات مالٍ رغب الزوج فيها ووسَّع فى وتجمُّله بمال
المهر لأجل المال، وبذل لها من ذلك أكثر مما يبذل للفقيرة. وقد سوَّع الشَّرعُ هذا
الزوجة
القصد، فلا بدَّ له من أثرٍ ومقابلٍ، لا جائز أن يكون عين مالها بالاتفاق، فلم يبق إلا
أن يكون الاستمتاع، والتجمُّل به، وكفاية كثير من المؤن. وينبني على ذلك: أنها
تُمنعُ من تفويتٍ مالها كلِّه لأجل حقِّ الزَّوج. وقد شهد بصحة هذا الاعتبار قوله وَليقول
فيما خرَّجه النَّسائي من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه: أنَّه ◌ِوَلّه قال:
(لا يحلُّ لامرأةٍ أن تقضيَ في ذي بالٍ من مالها إلا بإذن زوجها))(١). قال الإمام أبو
عبد الله: وفي ظاهر هذا حجةٌ لقولنا: إنَّ المرأةَ إذا رفع لها الزَّوج في الصَّداق
ليسارّها، ولأنها تسوقُ إلى بيته من الجهازِ ما جرتْ عادةُ أمثالها به، وجاء الأمر
بخلافه، فإن للزوج مَقَالاً في ذلك، ويحطُّ عنه من الصَّداق الزيادة(٢) التي زادها
(١) رواه النسائي في الكبرى (٦٥٨٩ و ٦٥٩٠).
(٢) سقطت من (ع).
٢١٨
(١٥) كتاب النكاح - (٣٢) باب: من قدم من سفر فلا يُعجِّل بالدخول على أهله
(٣٢) بابُ
مَنْ قَدِمَ مِنْ سَفَرِ فلا يُعَجِّلْ بالدُّخُولِ
على أهْلِهِ فإذا دَخَلَ فالكَيْسَ الکَیْسَ
[١٥٣٢] عن جابر بن عبد الله، قال: كنَّا مع رسولِ الله وَّ في
غَزاةٍ. فلمَّا أقبلنا تَعَجَّلْتُ عَلَى بعيرٍ لي قَطُوفٍ، فَلَحِقَنِي راكبٌ خَلْفِي،
لأجل الجهاز على الأصحِّ عندنا، على أصلنا؛ إذ قد كان المقصودُ من الجهاز في
حكم التَّبع لاستباحة البضْع، كمن اشترى سلعتين؛ فاستحقَّ الأدنى منهما؛ فإنَّه
إنَّما ينقض البيع في قدر المستحقَّة خاصةً. قال القاضي: وإذا تقرَّر: أنَّ للزوج حقَّ
الاستمتاع؛ فإن مكنته من ذلك، [أي: من الاستمتاع بالجهاز] (١) وطابت نفسُها به
كان له ذلك، وإن منعته فله مقدارُ ما بذل من الصَّداق. وعلى هذا في إجبارها على
التجهيز بصداقها. فألزمها ذلك مالك، ولم يجزْ لها منه قضاء دينٍ، ولا نفقة في
غير جهازها؛ إلا أن تنفقَ اليسيرَ من الكثير. وقال الكوفيون: لا تجبرُ على شيءٍ،
وهو مالها تفعلُ فيه ما تشاء. والله أعلم.
(٣٢) ومن باب: من قدِمَ من سفرٍ
فلا یعجّل بالدخول على أهله
(قوله: فلما أقفلنا) كذا لابن ماهان. ووجهُ الكلام: قفلنا - ثلاثياً - يقال:
قفل الجندُ من مبعثهم، أي: رجعوا، وأقفلهم الأمير، وقفلهم أيضاً. وتحتمل
الروايةُ أن تكون بفتح اللام. أي: أقْفَلَنَا النبيُّ ◌َِّ، وتحتملُ أن تكون اللامُ ساكنة.
ويكون معناه: أقفل بعضنا بعضاً. ورواه ابنُ سفيان أقبلنا، بالباء المنقوطة بواحدةٍ،
من الإقبال.
و (الفَطوف): هو البعير البطيء المشي، المتقارب الخطو، قاله الخليلُ
(١) ما بين حاصرتين مستدرك من (ج ٢).
٢١٩
(١٥) كتاب النكاح - (٣٢) باب: من قدم من سفر فلا يُعجِّل بالدخول على أهله
فَتَخَسَ بعيري بعَنَزةٍ كانَتْ معه، فانطلقَ بعیري کأجودِ ما أنت راءٍ من الإبلِ،
فالتفتُّ فإذا أنا برسولِ الله ◌ِ ﴿ فقال: ((ما يُعْجِلُكَ يا جابر؟!)) قلتُ:
يا رسولَ الله! إنِّي حديثُ عهدٍ بِعُرْس. فقال: ((أبكراً تَزَوَّجْتَهَا، أم ثَبِّاً؟))
قال: قلتُ: بَلْ ثَيِّياً. قال: ((هلَّ جاريّةً تلاعبُها وتلاعبُك؟)) قال: فلمَّا قَدِمْنَا
المدينةَ ذَهَبْنَاَ لنَدْخُلَ فقال: ((أمْهِلُوا حتى نَدْخُل لَيْلاً - أي: عِشَاءً - كي
وغيره. قال الثعالبي: إذا كان الفرسُ يمشي وثباً وثباً فهو قطوف، فإن كان يرفعُ
يديه ويقومُ على رجليه؛ فهو شبوبٌ، فإن كان يلتوي برأسه حتى يكاد يسقطُ عنه
راکبه؛ فھو قموصٌ، فإذا كان مانعاً ظهره؛ فهو شموسٌ.
و (العَتَزَة): عصا مثل نصف الرمح(١) أو أكثر، وفيها: زُتجٌ. قاله أبو عبيد.
قال الثعالبي: فإن طالت شيئاً؛ فهي النيزك، ومِطْرَد، فإذا زاد طولها وفيها سنانٌ
عريضٌ فهي أَلَّةٌ وحريةٌ.
و (قوله: فانطلق بعيري كأجودٍ ما أنت راءٍ) أي: كأسرع بعيرٍ تراه من الإبل.
وهذا من بركات رسولِ الله ◌َّلتر، ومن كراماته.
و (قوله: ((أمهلوا حتى ندخل ليلاً))) أي: ارْفُقُوا. و(الشَّعثة): المتغيّرة النهي عن
الحال والهيئة. و (تستحد): تستعمل الحديدة. يعني به: حلق الشّعر. طرِوق الأهل
و (المُغِيْبَةُ): هي التي غاب عنها زوجُها. يقال: أغابت المرأة، فهي مغيبة
ليلاً
- بالهاء - وأشْهَدَتْ: إذا حضر زوجها. فهي: مُشْهِدٌ - بغير هاء - وفي هذا من
التنبيه على رعاية المصالح الجزئية في الأهل، والإرشاد إلى مكارم الأخلاق؛
وتحسين المعاشرة ما لا يخفى. وذلك: أنَّ المرأةَ تكونُ في حالةٍ غيبة زوجها على
حالةِ بذاذةٍ، وقلَّة مبالاةٍ بنفسها، وشعثٍ. فلو قدم الزوجُ عليها وهي في تلك
(١) في (ع): الذراع.
٢٢٠
(١٥) كتاب النكاح - (٣٢) باب: من قدم من سفر فلا يُعجّل بالدخول على أهله
تَمْتَشِطَ الشَّعِئَةُ وتَسْتَحِدَّ المُغِيبَةُ)). قال: وقال: ((فإذا قَدِمْتَ فالكَيْسَ!
الکَیْسَ!)).
رواه أحمد (٣٧٥/٣)، والبخاري (٢٠٩٧)، ومسلم (٧١٥)
(٥٧).
الحال ربَّما نَفَر منها، وزَهِد فيها، وهانت عليه. فتبَّه على ما يزيلُ ذلك، ولا
يعارض قوله: ((حتى ندخل ليلاً)) نهيَه في الحديث الآخر عن أن يَطْرُقِ الرَّجلُ أهله؛
لأنَّ ذلك إذا لم يتقدّم إليهم خبره؛ لئلا يستغفلهم، ويرى منهم ما يكرهه. وقد جاء
هذا مُبَيّناً في الجهاد؛ إذ قال: كان لا يطرُقُ أهله ليلاً(١)، وكان يأتيهم غدوّاً
وعشيّاً. وقد جاء في حديث النَّهي عن الطروق التنبيه على علَّةٍ أخرى. وهي: أنّه
لا يطرقهم يتخوّنهم، ويطلب عثراتهم. وهو معنى آخر غير الأول. وينبغي أيضاً:
أن يجتنبَ الطروقَ لأجل ذلك.
و (قوله: ((فإذا قَدِمْتَ فالكَيْسَ! الكَيْسَ!))) قال ابنُ الأعرابي: الكيسُ:
الجماع، والكيس: العقل. فكأنه جعل طلب الولد عقلاً. ومنه الحديث: أيُّ
المؤمنين أكيس(٢)؟ أي: أعقل.
1
(١) رواه أحمد (١٢٥/٣)، والبخاري (١٨٠٠).
(٢) رواه ابن ماجه (٤٢٥٩).