Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤١ (١٥) كتاب النكاح - (١١) باب: عتق الأمة وتزويجها حتی إذا کانت بالطريق جهّزَتْها له أُ سُلَیم. فأهدتها له من الليل. .. وثانيهما: إنا إذا جعلنا العِثْقِ صَداقاً، فإمّا أن يتقرَّر العِثْقُ لها حالةَ رقُّها، وهو محالٌ، لتناقضهما. أو حال حريتها، وحينئذٍ يلزمُ بسبقيته على العقد، فيلزمُ وجود العِثْق حال فرض عدمه. وهو محالٌ. وبيانه: أن الصَّداقَ لا بدَّ أن يتقرَّر تقدُّمه على الزوج؛ إمَّا نصّاً، وإمّا حُكْماً، حتى تملك الزوجةُ طَلِبَتَهُ. وحينئذٍ يلزمُ ما ذكرناه، لا يقال يبطلُ بنكاح التَّفويض، فإنا قد تحرَّرنا عنه بقولنا: وإمَّا حكماً. فإنها وإن لم يتعيَّن لها حالةَ العِثْق شيءٌ، لكنها تملكُ مطالبته بالفرض وتعيين الصَّداق، لا سيَّما على مذهب الشَّافعي؛ فإنَّ مرجعَه عنده إلى صداق المثل في الحياة والموت. فقد ظهر أنها ثبت لها حالةً العقد شيءٌ تطالبُ به الزَّوج، ولا يتأتَّى مثلُ ذلك في العِثْق، فاستحال أن يكون صَداقاً. ولمَّا تقرَّر هذا عند أصحابنا اعتذروا عن قول أنسٍ من أوجهٍ : أحدها: إنَّه قوله، وموقوفٌ عليه. والحجَّةُ في قول النبيِّ وَلـ وثانيها: إنَّ ظاهِرَ قوله: أعتقها وتزوَّجها، أنَّه كان قد أعتقها ثمَّ تزوَّجها بَعْدُ. وهذا على ما قدَّمناه في قوله تعالى: ﴿﴿ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَبِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]، وقوله وَل﴿ه: ((أبدأ بما بدأ اللَّهُ))(١) فبدأ بالصَّفا. وثالثها: إنَّ قوله: أصدقها نفسَها. يحتملُ أن يكون أنس لمّا لم ير صداقاً، وسُئِل عنه، قال ذلك. ويعني به: أنه لم يصدقها شيئاً. ويكون هذا من خصوصياته پڼد . ورابعها: إنه لو سلم كونه مرفوعاً نصّاً؛ فحينئذٍ يكون من خصائصه وَلي في باب النِّكاح. وقد ظهرت له فيه خصائصُ كثيرةٌ. والله تعالى أعلم. و (قوله: حتى إذا كانت بالطريق جهّزتها له أمُّ سُليم، وأهدتها له من الليل) (١) رواه مسلم (١٢١٨)، وأبو داود (١٩٠٥)، والنسائي (١٤٣/٥)، وابن ماجه (٣٠٧٤). ١٤٢ (١٥) كتاب النكاح ۔ (١١) باب: عتق الأمة وتزويجها فأصبح النبيُّ وَ﴿ عروساً. فقال: ((من كان عنده شيءٌ فليجىء به)) قال: وَبَسَطَ نَطْعاً. قال: فجعل الرَّجلُ يجيء بالأقِطِ، وجعل الرَّجلُ يجيء بالتَّمر، وجعل الرَّجل يجيء بالسَّمْنِ. فحاسوا حَيْساً، فكانت وليمةَ رسولِ الله ◌ِ لّ. رواه أحمد (١٨٦/٣)، والبخاريُّ (٩٤٧)، ومسلم (١٣٦٥) (٨٤)، والنسائيُّ (٢٧١/١). [١٤٨١] وعنه، قال: صارتْ صفيَّةُ لِدَحْيَةَ في مَقْسَمِه وجعلوا يَمْدِحُونها عند رسول الله بَّه قال: ويقولون ما رأينا في السَّبِي مِثْلَها، قال: فبعث إلى دَحْيَةَ فأعطاهُ بها ما أرادَ. وفي روايةٍ: ثُمَّ دفعها إلى أمِّي فقال: ((أصلحیها)). وفي روايةٍ: فاشتراها رسولُ اللهِ وَ لَه بسبعة أرؤس. ثم دفعها إلى أمّ سُلَيم تُصَنِّعُها وتهيّها له. قال: وأَحْسِبُه قال: تعتدُّ في بيتها. قال: ثم خرج رسول الله وَ ◌ّج من خيبر، حتى إذا جعلها في ظَهْرِهِ نَزَلَ، ثُمَّ ضرب عليها القبّةَ. فلمَّا أصبح قال رسولُ الله ◌ِّهِ: ((مَنْ كان عنده فَضْلُ زادٍ فليأتِنَا يعني: طريق رجوعه من خيبر إلى المدينة، كما جاء في الرواية الأخرى مُفسَّراً. وكان بين سبائها وبين دخول النبي ◌َّ﴿ بها زمانٌ أسلمتْ فيه، واسْتُبْرِئت، وأصلح حالها فيه، ثم دخل بها بعدُ. ولذلك قال أنس في الرواية الأخرى: ثمَّ دفعها لأمِّ تُصَنِّعُها، وتُهيّتها، وتعتدُّ في بيتها. يعني: في بيت أمِّ أنس. مشروعية و (قوله حين أصبح عروساً: ((من كان عنده فضلُ زادٍ فليأتنا))) دليلٌ: على الوليمة بعد مشروعية الوليمة، وأنَّها بعد الدُّخول. وعلى أنَّ العروس إذا لم يكن له بما يولم الدخول طلب ممَّن ينبسط معه من أصحابه، ويختصُّ به منهم بما لا يثقل عليهم به مما يخفُّ ويسهل، إذا علم حالَ أصحابه، وسخاوة أنفسهم بذلك، وطيب قلوبهم. ١٤٣ (١٥) كتاب النكاح - (١١) باب: عتق الأمة وتزويجها به)). قال: فجعل الرَّجل يجيءُ بفَضْل الثَّمر، وفضلِ السَّويق، حتى جعلوا من ذلك سواداً حيْساً، فجعلوا يأكلون من ذلك الحيس. ويشربون من حياضٍ إلى جنبهم من ماءِ السَّماء. قال أنسٌ: فكانتْ تلك وليمةً رسولِ اللهِ وَّ عليها. قال: فانْطَلَقْنَا، حتى إذا رأينا جُدُرَ المدينة هَشِشْنَا إليها. فرفعنا مَطِيَّنًا. ورفع رسول الله وَلَّهُ مَطِيَّتَهُ، قال: وصفيةُ خلفه قد و (قوله: فجعل الرجل يجيء بفضل الثَّمر، وفضل السويق، حتى جعلوا من ذلك سواداً حيساً) يعني: جاء كلُّ واحدٍ منهم بما فضل عن حاجته ممَّا كان عنده. وسوادُ الشيء: شَخْصُه. يعني: أنَّ اجتمع من ذلك ما له جرمٌ وقدرٌ مرتفع عن الأرض. و (الحيس): تمرٌ، وأَقِط، وسمنٌ مجتمعٌ. وقد تقدَّم. و (قوله في الأمّ (١): فُحِصَتِ الأرضُ أفاحيص) أي: كشفت عما يمنع القعود عليها من حجارةٍ، وعشبٍ، وغير ذلك، وسُوِّيت حتى خلص إلى التراب. ومنه: مفحص القطاة. وهو الموضعُ الذي تتخذه لبيضها. وواحد الأفاحيص: أفحوص. و (الأنطاع) جمع: نطع. وفيه أربع لغات: نَطْعٌ، وهي أفصحها. ونَطَعٌ، ونِطْعٌ، ونِطَعٌ. و (قوله: فانطلقنا حتى إذا رأينا جُدر المدينة هَشِشنا إليها) أي: اهتزَزْنا فرحاً وسروراً. وهذه فرحةُ القادم، السالم، الغانم؛ إذا وصل إلى وطنه وأهله. و (قوله: فرفعنا مَطِيَّنا ورفع رسولُ اللهِ وَطِّ مطيّته) أي: أجرينا، ورفعنا السَّير إلى غايته . و (قوله في الأمّ(٢): وندرَ رسول اللهِوَ ◌ُّ وندرتْ) أي: صُرِعٍ وصُرِعتْ؛ كما جاء في هذه الرِّواية مفسّراً. وأصل النُّدور: الخروج. ومنه قوله: نوادر الكلام. (١) أي: في صحيح مسلم، رقم الحديث (٨٧/١٣٦٥). (٢) انظر الحاشية السابقة . ١٤٤ (١٥) كتاب النكاح ۔ (١١) باب: عنق الأمة وتزويجها أردفها. قال: فَعَثَرَتْ مطيّةُ رسولِ الله وَّهِ. فصُرِعَ وصُرِعَتْ. قال: فليس أحدٌ من النَّاس ينظر إليه ولا إليها. حتى قام رسولُ اللهِ وَّهِ فسترها. قال: فأتيناه فقال: ((لم نُضَرَّ)). قال: فدخلنا المدينة. فخرج جواري نسائِه يتراءينها ويَشْمَثْن بِصَرْعَتِها . وفي روايةٍ، قال: وقال الناس: لا ندري أتزوَّجَها أم اتَّخذها أمّ ولدٍ؟ قالوا: إنْ حَجَبَهَا فهي امرأتُه، وإن لم يَحْجُبْها فهي أُ ولِدٍ، فلمَّا أراد أن يركب حجبها فقعدتْ على عَجُزِ البعير، فعرفوا أنَّه قَدْ تَزَوَّجَها. وذكر صَرْعَتَها نحوه. رواه أحمد (١٩٥/٣)، ومسلم (١٣٦٥) (٨٧ و٨٨). والنَّادر من النَّاس: الخارجُ عنهم بما فيه من الزِّيادة عليهم. وكون النَّاس امتنعوا من النظر إليهما إنما كان ذلك احتراماً وإجلالاً أن يقعَ بَصَرٌ على عورةٍ منهما، فإنه كان قد انكشفَ منهما ما يستر. ألا ترى قوله: (فسترها)؟. و (قوله: ((لم نُضَرَّ)) - أي: لم يصبنا ضررٌ - إزالةً لما غشيهم من التخوُّف عليه، وتسكيناً لنفرتهم، وتطييباً لقلوبهم. و (قوله: فخرج جواري نسائه يتراءينها، ويَشْمَتْن بصرعتها) يعني: الصِّغار الأسنان، اللواتي لا ثباتَ لهنَّ ولا حنكة عندهنَّ. و (يتراءينها): ينظرن، ويتشوَّفن إليها (ويشمتن بصرعتها) كأنهنَّ سُرِزْن بذلك. وهذا فعلٌ يتضمَّنه طباُ الضرائر ومن یتعصّب لهنَّ. حکم الإشهاد و (قولهم: إن حَجَبها فهي امرأتُه، وإن لم يحجبها فهي أم ولد) هذا يدلُّ: في عقد النكاح على أنه ما كان أبان لهم أمرها، ولا أشهدهم على تزويجها. فيكون فيه دليلٌ: على جواز عقد النكاح من غير إشهادٍ؛ وبه قال الزُّهري، ومالكٌ، وأهل المدينة، ١٤٥ (١٥) كتاب النكاح - (١١) باب: عتق الأمة وتزويجها [١٤٨٢] وعنه، عن النَّبِيِّ وَّهِ أنَّه تزوَّج صفيَّةَ وأصدقها عِتْقَها. رواه مسلم (١٣٦٥) (٨٥). [١٤٨٢/ م] وقد تقدم حديث أبي موسى في الذي يعتق جاريتَهُ ثم يتزوجها: ((له أجران». رواه أحمد (٤١٥/٤)، ومسلم (١٥٤) (٨٦)، والترمذيُّ (٢٣٨٤). وأبو ثور، وجماعةٌ من السّلف. وذهب آخرون: إلى أنّه لا يجوزُ إلا بشاهدي عدلٍ. وهو قولُ جماعةٍ من الصَّحابة، والثوريٍّ، والأوزاعيِّ، والشافعيِّ، وأحمد. وقال أبو حنيفة مثله، إلا أنَّه لا يشترطُ العدد. واتفق الجميعُ على أنَّه شَرْطٌ في الدُّخول. وعلى هذا فيكون دخولُهُ وَّهِ بصفيَّة من غير إشهادٍ من خصائصه. ولم يختلف أحدٌ من العلماء في أنَّ كلَّ نكاحِ استسرّ به وليس فيه شاهدان إنَّه نكاح السرِّ المنهيِّ عنه، ويُفْسَخ أبداً. واختلفوا فيما إذا استسرَّ مع الشاهد، فذهب الجمهور: إلى أنه ليس بنكاح سرّ، ولا يُفْسَخِ. وهو عند مالكِ نكاح سرٍّ، ويُفْسَخ. و (قوله في حديث أبي موسى في الذي يعتق جاريته ثم يتزوَّجها: ((له أجران))) دليلٌ على صحَّته، وفضيلته خلافاً لمن كره ذلك من أهل العراق. وشبَّهه بركوب بَدَنته. وهو قياسٌ في مقابلة النص المذكور، فهو فاسدُ الوَضْع. والله تعالى أعلم. ١٤٦ (١٥) كتاب النكاح - (١٢) باب: تزويج زينب، ونزول الحجاب (١٢) بابُ تزویج زینبَ ونزولِ الحجاب [١٤٨٣] عَنْ أنس قال: لما انْقَضَتْ عِدَّةُ زَيْنَبَ، قال رسول الله وَهـ لزيد: «فاذكرها عليَّ))، فانطلق زيد حتى أتاها وهي تخمِّر عَجِيْنَها. قال: فلمَّا رأيتُها عظمتْ في صَدْرِي، حتى ما أستطيعُ أنْ أَنْظُرَ إليها أنَّ رسول الله ◌َ ◌ّ ذكرها. فولَّيْتُها ظهري، ونكصت على عقبي. فقلت: (١٢) ومن باب: تزويج النبيِّ وَّل زينب - رضي الله عنها - (قول أنس: لما انقضت عِدَّةُ زينب) يعني من طلاق زيد بن حارثة؛ الذي قال اللَّهُ تعالى فيه: ﴿ وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِىّ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَمَّا قَضَىْ زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّحْتَكَهَا﴾ ... الآية [الأحزاب: ٣٧]. وقد ذكرنا في كتاب الإيمان الصحيحَ من أقوال العلماء في هذه الآية . و (قوله وَّ لزيدٍ: ((فاذكرها عليَّ))) أي: اخطبها لي. هو امتحانٌ لزيدٍ، وابتلاءٌ له حتى يظهر صبره، وانقياده، وطوعه. و (تخمير العجين) جعل الخمير فيه، وتركه إلى أن يطيب. و (قوله: فلمَّا رأيتُها عظمتْ في صدري، حتى ما أستطيع أن أنظرَ إليها أنَّ رسولَ اللهِوَّ ذكرها) بفتح (أنَّ) لا غير. لأنها في معنى: (لأنَّ) أو: من أجل أنَّ. وهي معمولةٌ لـ (عظمت). ومعناه: أنَّه لما خطبها النبيُّ مَ لَّ وعلم زيدٌ: أنها صالحةٌ لأن تكون من أزواج النبي ◌َّ، ومن أمَّهات المؤمنين؛ حصل لها في نفسه صورةٌ أخرى، وإجلال زائد على ما كان لها عنده في حال كونها زوجته. وتوليته إيّاها ظهره: مبالغةٌ في التحرُّز من رؤيتها، وصيانةٌ لقلبه من التعلُّق بها. على أنَّ الحجابَ إذ ذاك لم يكن مشروعاً بَعْدُ، على ما يدلُّ عليه بقيةُ الخبر. و (قوله: ونكصتُ على عَقِي) أي: رجع خلفه، وقهقر إليها حتى سمع واج النبي ◌َّل زينب رضي الله عنها ٠ ١٤٧ (١٥) كتاب النكاح - (١٢) باب: تزويج زينب، ونزول الحجاب يا زينب! أرسلَ رسولُ اللَّهِ وَلِ يَذْكُرُكِ. قالت: ما أنا بصانعةٍ شيئاً حتى أؤامرَ ربِّي. فقامتْ إلى مَسْجِدِها، ونزل القرآن، وجاء رسولُ الله ێ فدخل عليها بِغَيْر إذنٍ. قال: فقال: ولقد رأيتُنَا أنَّ رسولَ الله وَلّ أطعمنا الخبز واللَّحمِ حين امتدَّ النَّارُ، فخرج النَّاس، وبقي رجالٌ يتحدّثون في البيت بعد الطّعام، فخرج رسولُ الله ◌َّهِ والتَّعْتُهُ، فجعل يَتَّبعُ حُجَرَ نسائِهِ يسلِّم عليهن. ويقلْنَ: يا رسول الله! كيفَ وَجَدْتَ أهلك؟ قال: فما أدري أنا أخبرته أنَّ القوم قد خرجوا، أو أخبرني. قال: فانطلق حتى دخل البيت. حديثها، فلمَّا أخبرها قالت: (حتى أوامرَ ربِّي) أي: أستخيره، وأنظر أمره على على لسان رسول الله وَّهِ. فلما وكلت أمرها إلى الله، وصحَّ تفويضُها إليه تولّى الله تعالى إنكاحَها منه وَ الر، ولم يحوجها إلى وليٍّ يتولى عقد نكاحها. ولذلك قال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَىْ زَيّدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَحْتَكَهَا﴾ [الأحزاب: ٣٧]، ولما أعلمه الله تعالى بذلك دخل عليها بغير وليٍّ(١)، ولا تجديد عَقْد، ولا تقرير صَداقٍ، ولا شيء مما يكون شرطاً في حقوقنا، ومشروعاً لنا. وهذا من خصوصياته بيّ في اللاتي لا يشاركه فيها أحدٌ بإجماع المسلمين. و (قوله: ولقد رأيتُنَا أَنَّ رسولَ الله وَ ل﴿ أطعمنا الخبز واللحم حين(٢) امتد النهار) أي: ارتفع واشتدّ ضحاؤه. وهذه الوليمةُ التي أولم فيها بالشاة، كما جاء في الرواية الأخرى. وفي خروجه من البيت، وتَرْك المتحدِّثين على حالهم، ولم يُهجهم: ما يدلُّ على كرم أخلاقه، وحُسْن معاملته، وكثرة حيائه وإنْ يتحمَّل فيه مشقَّةَ ومخالفة مقصده . (١) في (ج ٢): إِذْن. (٢) في (ع): حتى. ١٤٨ (١٥) كتاب النكاح - (١٢) باب: تزويج زينب، ونزول الحجاب فذهبتُ أدخلُ معه فألقى السِّتر بيني وبينه. ونزلَ الحجابُ. قال: ووُعِظَ و القومُ بما ◌ُعِظُوا به. وفي روايةٍ: فأنزل الله عز وجل: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَدْ خُلُواْ بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٣]. رواه أحمد (١٩٥/٣)، ومسلم (١٤٢٨) (٨٧م)، والنّسائي (٧٩/٦). ودورانُه على حُجَر نسائه تفقّدٌ لأحوالهنَّ، وجَبْر لقلوبهنَّ، واستدعاءٌ لما عندهنَّ من أحوال قلوبهنَّ لأجل تزويجه. ولذلك استلطفنه بقولهن: كيف وجدتَ أهلك يا رسول الله؟! وصدورُ مثل هذا الكلام عنهنَّ في حال ابتداء اختصاص الضرّة الداخلة به يدلُّ: على قوة عقولهنّ، وصبرهنَّ، وحُسْن معاشرتهنَّ. وإلا فهذا موضعُ الطيش والخفَّة للضرائر، لكنَّهُنَّ طِيِّبَاتٌ لطيِّبٍ. نزول حكم و (قوله: ونزل الحجاب، ووُعِظ القومُ بما وُعِظُوا به) يعني: أنَّه نزل قولُه الحجاب لنساء تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَدْخُلُواْ بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ ... ﴾ الآية النبي ◌َ﴾ [الأحزاب: ٥٣]، كما جاء في الرواية الأخرى. و﴿ناظرين﴾: منتظرين. و ﴿إناء﴾: وقت نضجه، وهو مقصورٌ وفيه لُغات. يُقال: (إنّاً) وأَنَّاً) بكسر الهمزة وفتحها، و (إناء) بالمدِّ والهمز. ﴿ولا مستأنسين لحديثٍ﴾: من الأنس بالشيء، وهو معطوفٌ على ﴿ناظرين﴾. ﴿والله لا يستحيي من الحقِّ﴾ أي: لا يمتنع من بيانه، وإظهاره. و (المتاع): ما يتمتَّعُ به من العواري والجواري. ﴿وأطهر لقلوبكم وقلوبهنَّ﴾ أي: أنفى للشهوة، والرَّيب، وتقوُّلات المنافقين وأذاهم. و (قوله: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُواْ رَسُولَ اللَّهِ وَلَّ أَنْ تَنكِحُواْ أَزْ وَجَهُ مِنْ بَعْدِهِ: أَبَدًا﴾ [الأحزاب: ٥٣]) أي: ما ينبغي، ولا يحلُّ، ولا يجوز شيءٌ من ذلك بوجهٍ من الوجوه. ١٤٩ (١٥) كتاب النكاح - (١٢) باب: تزويج زينب، ونزول الحجاب [١٤٨٤] وعنه، قال: ما رأيت رسول الله وَّلهُ أولَمَ على امرأةٍ ما أَوْلَم على زينب؛ فإنَّه ذبح شاةً. وفي روايةٍ: قال ثابت: ثُمَّ أَوْلَمَ، قال: أطعمهم خبزاً ولحماً حتى ترکوه. رواه البخاريُّ (٥١٦٨)، ومسلم (١٤٢٨) (٩٠)، وأبو داود (٣٧٤٣)، وابن ماجه (١٩٠٨). ويقال: إنَّ هذه الآية نزلتْ لما قال بعضُهم - وقد تكلّم مع زوجة من زوجات النبيِّ ◌َّه: لأتزوجنَّ بها بعده. فأنزل اللَّهُ الآية. وقد حُكي هذا القول عن بعض فضلاء الصحابة. وحاشاهم عن مثله. وإنما الكذبُ في نَقْله. وإنما يليقُ مثلُ هذا القول بالمنافقين الجھَّال. وقد صرَّح أنس في هذا الحدیث بأنَّ الحجاب إنما نزلَ بسبب ما جرى. وقد جاء في الصَّحيح: أنَّ عمرَ - رضي الله عنه - كان قد ألحّ على النبيِّ وَّ في أن يحجبَ نساءه. وكان يقولُ له: احجبْ نساءك، فإنهنَّ يراهنّ البرُّ والفاجر. وكان يقولُ لسودةَ إذا خرجت: قد عرفناكِ (١) يا سودةُ - حرصاً على الحجاب - فأنزل اللَّهُ تعالى آيةَ الحجاب. ولا بُعْدَ في نزول الآية عند اجتماع هذه الأسباب كلِّها. والله تعالى أعلم. (١) في (ج ٢): رأيناكِ. ١٥٠ (١٥) كتاب النكاح - (١٣) باب: الهدية للعروس في حال خلوته (١٣) باب الهديَّةِ للعروس في حال خلوته [١٤٨٥] عن أنس بنِ مالكِ. قال: تزوَّج رسولُ الله بَلقر فدخل بأهله. قال: فصنعت أمِّي أُ سُلَيْم حَيْساً فجعلته في تَوْرٍ. فقالت: يا أنس! اذهبْ بهذا إلى رسول الله وَّهِ. فقل: بَعَثَتْ بهذا إليك أمِّي، وهي تقرئكَ السَّلامَ، وتقول: إنَّ هذا لك منَّا قليلٌ يا رسول الله! قال: فذهبتُ به إلى رسولِ الله وَله فقلتُ: إنَّ أمِّي تقرئُكَ السلام، وتقول: إنَّ هذا لك منا قليلٌ. فقال: ((ضعه))، ثم قال: ((اذهب فادع لي فلاناً وفلاناً، ومن لقيت - وسمَّى رجالاً - قال: فدعوت مَنْ سمَّى ومَنْ لقيتُ. قال: قلتُ لأنس: عدد كَمْ كانوا؟ قال: زُهَاءَ ثلاثمئةٍ. وقال لي رسول الله وَلَه: ((يا أنس! هَات التَّوْر)). قال: فدخلوا حتى امتلأت الصُّفَّةُ والحُجْرَةُ. فقال رسول الله وَلات: (١٣) ومن باب: الهدية للعروس (قوله: فدخل بأهله) يعني بالأهل: زينب؛ كما نَّه البخاريُّ وغيرُه عليه. و (التَّوْر): آنيةٌ من حجارةٍ كالقَدَح. وفيه أبوابٌ من الفقه منها: إدخالُ السرور على العروس بالإهداء إليه، والقيام عنه ببعض الكلف، لكونه مشتغلاً(١) بغيرها. وهو نحوٌ مما يستحبُّ من الإهداء لأهل الميّت. وفيه: تعيين مرسل الهدية، والاعتذار عن القليل، وإبلاغ السَّلام، واستدعاء المعيَّن وغير المعيَّن، وبالواسطة المفوّض إليه في ذلك. وقد قال بعضُ علمائنا: إنَّه إذا لم يتعيَّن المدعوُّ لم تجبْ عليه إجابةٌ. وفيه: ما ظهر من معجزات رسول الله وَچچور، ومن بركاته. و (قوله: زهاء ثلاثمئة) أي: مقدارها. و(الصُّفّة): السقيفة. و (الحجرة): (١) في (ج ٢): مشغولاً. بعض آداب الأکل ١٥١ (١٥) كتاب النكاح - (١٣) باب: الهدية للعروس في حال خلوته ((لِيَتَحَلَّقْ عشرةٌ عشرةٌ، وليأكل كلُّ إنسانٍ مما يليه)). قال: فأكلوا حتى شَبِعُوا. قال: فخرجت طائفةٌ، ودخلتْ طائفةٌ حتى أكلوا كلُّهم. فقال لي: ((يا أنس! ارفعْ)) قال: فرفعتُ. فما أدري حين وضعتُ كانَ أكثرَ أمْ حِيْنَ رفعتُ. قال: وجلس منهم طوائف يتحدثون في بيت رسولِ الله وَلته . . وزوجته مُوَلَِّةٌ وجهها إلى الحائط. فَثَقُلُوا على رسولِ الله وَّهِ. وذكر نحواً مما تقدم . وفي روايةٍ، قال: وضع النبيُّ بَّفي يده على الطعام، فدعا فيه وقال: ما شاءَ اللَّهُ أن يقول. ولم أدَعْ أحداً لقيتُه إلا دعوتُه، فأكلوا حتى شَبِعُوا. وذكر نحوه. رواه أحمد (١٨١/١)، ومسلم (١٤٢٨) (٩٤) و (٩٥)، والنسائيُّ (١٣٦/٦). الدّار التي كانت لسكناه. وسُمِّيت حجرة لأنها محجورةٌ. أي: محاطِّ بها. وفيه من آداب الأكل: بيان أكثر ما يجتمع على القصعة، وهم عشرةٌ. وبيان الأكل مما يلي الآكل إذا كان الطعامُ نوعاً واحداً. و (قوله: وجلس منهم طوائف يتحدَّثون ... إلى آخر ما ذكر في الرواية التي قبل هذه) هذا يدلُّ: على أنَّ القصَّةَ في الروايتين واحدةٌ، غير أنَّه ذكر في الأولى: أنَّه أولم بشاةٍ، وأنه أطعمهم خبزاً ولحماً حتى شبعوا، ولم يذكر فيها آيته في تكثير الطعام، وذكر في هذه الرِّواية: أنَّه أشبعهم من الحيْسِ الذي بعثتْ به أمُّ سليم في الثَّور، وفيه كانت الآية. فقال القاضي عياض: هو وهمٌ من بعض الرُّواة، وتركيب قصة على أخرى. قلتُ: وأولى من هذا أن يُقال: إنَّ القضيَّةَ واحدةٌ، وليس فيها وهمٌّ؛ فإنَّه ١٥٢ (١٥) كتاب النكاح - (١٤) باب: إجابة دعوة النكاح (١٤) باب إجابة دعوة النكاح [١٤٨٦] عن ابن عُمَرَ، قال: قالَ رسولُ اللهِ وَلقوله: ((أجيبوا هذه الدعوةَ إذا دُعِيْتُم)). قال: وكان عبدُ الله يأتي الدعوةَ في العُرْس وغَيْرِ العُرْسِ. ويأتيها وهو صائم. رواه البخاريّ (٥١٧٩)، ومسلم (١٤٢٩) (١٠٣). يمكن أن يقال: اجتمعَ في تلك الوليمة الأمران، فأكل قومٌ الخبز واللحم حتى شبعوا وانصرفوا. ثمَّ إنَّه لما جاءه الحيسُ استدعى الناس وجرى ما ذكر. وهذا كلُّه والمتحدِّثُون في بيته جلوسٌ لم يبرحوا إلى أن خرج النبيُّ نَّر، ودار على بيوت أزواجه على ما تقدَّم. وليس في تقدير هذا بُعْدٌ، ولا تناقض. وإذا أمكن هذا حملناه عليه، وكان أولى من تطريق الوهم للثّقات والأثبات، من غير ضرورةٍ تدعو إليه، ولا أمرٍ بيِّنٍ يدلُّ عليه. والله تعالى أعلم. (١٤) ومن باب: إجابة دعوة النكاح (قوله: ((أجيبوا هذه الدعوة))) قد تقدَّم القولُ(١) في الوليمة، وفي الأمر بها. حكم إجابة والكلامُ هنا في حكم إجابتها. [(الدَّعوة) - بفتح الدال ــ في الطعام وغيره، الدعوة والدُّعوة - بالكسر - في النسب. ومِن العرب مَن عَكَس](٢). قال عِياض: لم يختلفِ العلماءُ في وجوب الإجابة في وليمة العرس. واختلفوا فيما عداها. فمالكٌ وجمهورهم على أنها لا تجب. وذهب أهلُ الظاهر إلى وجوبها في كلِّ دعوةٍ: عرساً كانت أو غيرها. (١) في (ج ٢): الكلام. (٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ع) و(م) و(ج). ١٥٣ (١٥) كتاب النكاح - (١٤) باب: إجابة دعوة النكاح [١٤٨٧] وعنه، أنَّ رسولَ الله وَ ◌ّه قال: ((إذا دُعِيَ أحدُكُمْ إلى وليمةِ عُرْس فَلْيُجِبْ)). وفي لفظٍ آخر: ((إذا دعا أحدُكُمْ أخاه فليُجِبْ عُرْساً كان أو نحوه)). وفي روايةٍ: ((إذا دُعِيْتُم إلى كُراعٍ فأجيبوا)). رواه البخاريُّ (٥١٧٩)، ومسلم (١٤٢٩) (٩٨ و١٠٠ و١٠٤). [١٤٨٨] وعن جابرٍ قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إذا دُعِيَ أحدُكم إلى طعام فَلْيُجِبْ. فإن شاء طَعِمَ، وإن شاءَ تَرَكَ)). قلتُ: ومعتمدُ أهل الظَّاهر في التّسوية بين الوليمة وغيرها في وجوب إتيان الوليمة وغيرها مطلق أوامر هذا الباب؛ لقوله: ((إذا دُعيتم فأجيبوا))، ((وإذا دعا أحدكم أخاه فلیجب، عرساً كان أو نحوه)). و (قول أبي هريرة: فقد عصى الله ورسوله). وكأنَّ الجمهور صرفوا هذه المطلقات إلى وليمة العرس لقوله: ((أجيبُوا هذه الدَّعوة)) يعني: وليمة العرس، كما جاء في الرواية الأخرى: ((إذا دُعي أحدُكم إلى وليمةِ عرس)) ويعتضدُ هذا بالنظر إلى المقصود من الوليمة ومن غيرها. فإنَّ الوليمةَ يحصلُ فيها إشاعةُ النِّكاح، وإعلانه. وهو مقصود مهمٌّ للشَّرع. وليس ذلك موجوداً في غيرها، فافترقا. وكلُّ هذا: ما لم يكنْ في الدَّعوة مُنكَر. فإن كان، فلا يجوزُ حضورها عند حكم الإجابة كافة العلماء. وقد شذَّ أبو حنيفة، وبعضهم، فقالوا: بجواز الحضور. فأمَّا لو كان إن كان في هناك لعبٌ مباحٌ، أو مكروهٌ، فالأكثر على جواز الحضور، وعندنا فيه قولان. وكره الوليمة منكر مالكٌ لأهل الفضل والهيئات التسرعَ لإجابة الدَّعوات، وحضور مواضع اللهو المباح. حکم الأکل من و (قوله: فإن شاء طعم، وإن شاء ترك) هذا صريحٌ في أنَّ الأكلَ في الوليمة الوليمة ١٥٤ (١٥) كتاب النكاح - (١٣) باب: إجابة دعوة النكاح رواه مسلم (١٤٣٠)، وأبو داود (٣٧٤٠)، وابن ماجه (١٧٥١). [١٤٨٩] وعن أبي هريرة قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إذا دُعِيَ أحدُكُمْ فلْيُجِبْ. فإنْ كان صائماً فليُصَلِّ، وإن كان مفطراً فَلْيَطْعَمْ)). رواه مسلم (١٤٣١)، وأبو داود (٣٧٤٢)، والترمذيُّ (٧٨١). [١٤٩٠] وعنه: أنَّه كان يقول: ((بئس الطَّعامُ طعامُ الوليمة يُدعى له الأغنياءُ، ويتركُ المساكين، فمن لم يأت الدَّعوة، فقد عصى الله ورسوله)). وفي روايةٍ مرفوعاً إلى النَّبِيِّ بَلهِ: ((شَرُّ الطَّعام طعامُ الوليمة، يُمنَعُها ليس بواجبٍ، وهو مذهبُ الجمهور. ولأهل الظاهر في الوجوب قولان في الوليمة وغيرها. وقال الشَّافعيّ: إذا كان مفطراً أكل، وإن كان صائماً دعا، أخذاً بالحديث. ويظهرُ من هذا: أنَّ الأكلَ أولى من التَّرْك عندهم. وهو الحاصلُ من مذاهب العلماء، لما فيه من إدخال السُّرور، وحُسْن المعاشرة، وتطييب القلوب، ولما في تركه من نقيض ذلك. وهذا كلُّه ما لم يكنْ في الطعام شبهةٌ، أو تلحقُ فيه مِنَّةٌ، أو قارنه منكر. فلا يجوزُ الحضور، ولا الأكل. ولا يختلف فيه. و (قوله: ((إن كان صائماً فليصلِّ))) [معناه: فليدعُ. وهو تأويلُ الجمهور. وقد جاء مفسّراً في بعض الروايات: ((فليدع)) مكان ((فليصلِّ))](١) وفيه دليلٌ لمالك على قوله: إنَّ من شرع في الصوم لم يجزْ له أن يفطر في أضعافه (٢)، على ما تقدم معنى ذمّ طعام في باب: الصوم. و (قوله: بئس الطَّعامُ طعامُ الوليمة) وفي رواية: (شَرُّ الطَّعام) بدل (بئس) الوليمة عند ترك المساکین (١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع). (٢) أي: في أثناء فترة الصيام. ١٥٥ (١٥) كتاب النكاح - (١٤) باب: إجابة دعوة النكاح مَنْ يأتيها ويُدْعَى إليها من يأباها. ومن لم يجب الدعوةَ، فقد عصى الله ورسوله)). رواه البخاريُّ (٥١٧٧)، ومسلم (١٤٣٢)، وأبو داود (٣٧٤٢). # أكثر الرواة والأئمة على رواية هذا الحديث موقوفاً على أبي هريرة. وقد انفردَ برفعه زياد بن سعدٍ عن الأعرج، عن أبي هريرة: أنَّ رسول الله ◌ِ ◌ّر قال: ((شرٌّ الطَّعام ... )) وذكرَه. وهو ثقةٌ إمامٌ، وأيضاً فمن وقفَه ذكر فيه ما يدلُّ: على أنَّه مرفوعٌ، وذلك: أنَّه قال فيه: ((ومَنْ لم يُجبِ الدَّعوةَ فقد عصَى اللَّهَ ورسولَهُ))(١) وظاهر هذا: الرفع؛ لأنَّ الرَّاوي لا يقول مثل هذا من قبل نفسه. وقد تبيَّن في سياق الحديث أنَّ الجهة التي يكون فيها طعام الوليمة شرَّ الطعام إنما هي ترك الأَوْلى. وذلك: أنَّ الفقير هو المحتاج للطعام؛ الذي إنْ دُعي سارعَ وبادرَ، ومع ذلك فلا يُدعى. والغنيُّ غيرُ محتاجٍ، ولذلك قد لا يُجيبُ، أو تثقل عليه الإجابة، ومع ذلك فهو يُدعى، فكان العكس أولى. وهو: أن يُدعى الفقيرُ، ويُترك الغنيُّ. ولا يُفهمُ من هذا القول. أعني: الحديث. تحريمُ ذلك الفعل؛ لأنَّه لا يقول أحدٌ بتحريم إجابة الدعاء للوليمة فيما علمته. وإنما هذا مثل قوله وَل﴾: ((شرٌّ صفوف الرِّجال آخرُها، وخيرُها أوَّلُها؛ وشؤُ صفوف النّساء أوَّلُها، وخيرُها آخرُها))(٢) فإنَّه لم يقل أحدٌ: إنَّ صلاة الرجل في آخر صفّ حرامٌ، ولا صلاة النِّساء في أول صفّ حرامٌ. وإنَّما ذلك من باب ترك الأولى. كما قد يقال عليه: مكروه، وإن لم يكن مطلوبَ الترك، على ما يُعرف في الأصول. فإذاً الشرُّ المذكور هنا: قِلَّةُ الثواب والأجر. والخير: كثرة الثواب والأجر. (١) في (ج ٢): ومن لم يأت. (٢) رواه أحمد (٣٣٦/٢)، ومسلم (٤٤٠)، وأبو داود (٦٧٨)، والنسائي (٩٣/٢). ١٥٦ (١٥) كتاب النكاح - (١٥) باب: في قوله تعالى: ﴿نساؤكم حرث لكم) (١٥) باب في قوله تعالى: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ﴾ الآية وما يقالُ عند الجماع [١٤٩١] عن جابر بن عبد الله، قال: كانتِ اليهودُ تقول: إذا أتى ولذلك كره العلماء اختصاصَ الأغنياء بالذَّعوة. ثمَّ اختلفوا فيمن فعلَ ذلك. هل تُجاب دعوتُه أم لا. فقال ابن مسعودٍ: لا تُجاب. ونحوَه يحيى بن حبيب من أصحابنا(١). وظاهر كلام أبي هريرة وجوبُ الإجابة. ودعا ابنُ عمر في وليمةٍ الأغنياءَ والفقراءَ فأجلسَ الفقراءَ على حِدَةٍ. وقال: ها هنا، لا تُفسدوا عليهم ثيابهم، فإنا سنُطعمكم مما يأكلون. ومقصود هذا الحديث: الحضُّ على دعوة الفقراء، والضعفاء، ولا تُقصر الدعوة على الأغنياء، كما يفعلُ من لا مبالاةَ عنده بالفقراء من أهل الدنيا. والله تعالى أعلم. الحض على دعوة الفقراء (١٥) ومن باب: قوله تعالى: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ﴾ حديث جابرٍ هذا نصٌّ على: أنَّ هذه الآية نزلت بسبب قول اليهود المذكور فيه. وفي كتاب أبي داود عن ابن عباس: أنها نزلت بسبب أنَّ رجلاً من المهاجرين تزوَّج أنصاريةً، فأرادَ أن يطأها شَرْحاً(٢) على عادتهم في وطء نِسائِهم فأبتْ إلا على (١) في (ج ٢) زيادة: قال ابن مسعود: نُهينا أن نُجيب ثلاثاً: مَنْ دعا الأغنياء وترك الفقراءَ، ومن يتخذُ طعامَه رياءً وسمعةً، ومَنْ يتخذ بيتَه كما تتخذ الكعبة. (٢) يقال: شرح فلان زوجته: إذا وطأها مستلقية على قفاها. ١٥٧ (١٥) كتاب النكاح - (١٥) باب: في قوله تعالى: ﴿نساؤكم حرث لكم﴾ الرَّجلُ امرأته، مِنْ دُبُرِها، في قُبُلِهَا، كان الولد أحول، فنزلت: ﴿ نِسَآؤُكُمْ حرّكٌ لَّكُمْ فَأَتُوا حَرْتَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]. جَنْبٍ على عادتهنَّ، فاختصما إلى النبيِّ رَ ﴿ فأنزلَ الله تعالى: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْفَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] (١) أي: مُقبلات، ومُدبرات، ومُستلقيات. يعني بذلك: موضعَ الولد. قلت: هذان سببان مختلفان، لا بُعْدَ في نزول الآية جواباً للفريقين في وقتٍ تحريمُ إتيان واحدٍ. وتكرَّر نزول الآية في وقتين مختلفين، كما قد روي عن غير واحدٍ من النقلة المرأة في دبرها في الفاتحة: أنها تكرر نزولها بمكة والمدينة. وقد تمسّكَ طائفة بعموم لفظ: ﴿أنَّى شئتُم﴾ ورأوا أنَّها متناولةٌ لقُبُل المرأة ودُبُرِهَا. فأجازوا وطءَ المرأة في دبرها. وممَّن نُسبَ إليه هذا القول سعيدُ بن المسيِّب، ونافع، وابن الماجشون من أصحابنا. وحُكي عن مالكِ في كتاب يُسمَّى: كتابَ السرِّ. ونُسب الكتابُ إلى مالكٍ، وحُذَّاق أصحابه ومشايخُهم يُنكرونه. وقد حكى العُشْبِيُّ(٢) إباحةَ ذلك عن مالك. وأظنُّه من ذلك الكتاب المنكر نقلَ. وقد تواردت روايات أصحاب مالك عنه بإنكار ذلك القول وتكذيبه لمن نقلُ ذلك عنه. وقد حكينا نصَّ ما نُقل عن مالكِ من ذلك في جزءٍ كتبناه في هذه المسألة سَمَّيْنَاه: ((إظهار إدبار من أجاز الوطء في الأدبار)). وذكرنا فيه غاية أدلة الفريقين، ومتمسكاتهم من الكتاب والسُّنَّة على طريقة التحقيق، والتحرير، والنقل، والتحبير. ومن وقف على ذلك قضى منه العجبَ العُجاب، وعلم أنه لم يُكتب مثله في هذا الباب. وجمهور السلف، والعلماء، وأئمة الفتوى على تحريم ذلك. ثمَّ نقول: لا متمسكَ للمُبيحين في الآية لأوجهٍ متعددة. أقربُها ثلاثة أمورٍ: (١) رواه أبو داود (٢١٦٤). (٢) هو أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد العزيز بن حميد .. الأموي السفياني العتبي القرطبي المالكي، صاحب كتاب ((العُتْبِيَّة)) توفي سنة (٢٥٥ هـ) انظر السِّير (٣٣٥/١٢). ١٥٨ (١٥) كتاب النكاح ۔ (١٥) باب: في قوله تعالى: ﴿نساؤكم حرث لكم﴾ زاد في روايةٍ: عن الزُّهريِّ: إنْ شاءَ مُجَبِّيَّةً، وإن شاء غيرَ مُجَبَِّةٍ، غير أنَّ ذلك في صِمامٍ واحدٍ. رواه البخاريُّ (٤٥٢٨)، ومسلم (١٤٣٥)، وأبو داود (٢١٦٣)، والترمذيّ (٢٩٨٢). أحدها: أنها نزلت جواباً لما ذكر، فيقتصر على نوع ما نزلت جواباً له، فإنهم سألوا عن جواز الوطء في الفرج من جهاتٍ متعدِّدةٍ، فأُجيبوا بجوازه. و (أنَّى) على عمومها في جهات المسلك الواحد، لا في المسالك. وثانيها: أن قوله تعالى: ﴿فَأُتُوا حرثكم أنَّى شئتم﴾ تعيينٌ للقبل. فإنّه موضعُ الحرث؛ فإنَّ الحرثَ إنَّما يكون في موضع البذر. وكذلك قال مالك لابن وهب، وعليّ بن زياد لما أخبراه: أنَّ ناساً بمصر يتحدَّثون عنه: أنه يُجيز ذلك. فنفر من ذلك، وبادر إلى تكذيب الناقل. فقال: كذبوا عليَّ، كذبوا عليَّ، كذبوا عليَّ. ثم قال: ألستم قوماً عَرَباً؟ ألم يقل اللَّهُ تعالى: ﴿نساؤكم حرثٌ لكم﴾؟ وهل يكون الحرثُ إلا في الموضع المنبت؟ !. وثالثها: أنَّه لو سُلِّم أنَّ ﴿أَنَّى﴾ شاملةٌ للمسالك بحكم عمومها، فهي مُخصّصةٌ بأحاديث صحيحةٍ، ومشهورةٍ، رواها عن رسول الله وَليزر اثنا عشر صحابيّاً بمتون مختلفةٍ، كلُّها متواردةٌ على تحريم وطء النساء في الأدبار. ذكرها أحمد بن حنبل في مسنده، وأبو داود، والتِّرمذيُّ، والنَّسائيُّ. وقد جمعها أبو الفرج بن الجوزي بطرِقها في جزء سمّاه: ((تحريم المحل المكروه)). ومَن أراد في هذه المسألة زيادةً على ماذكرناه فليطالع الجزءَ المذكور؛ الذي ألَّفناه. و (قوله: ((مُجَبَِّةً وغير مُجَبِّيةٍ))) أي: على وجهها. وقد يقال: (مجبيةً) على ما إذا وضعت یدیها علی رکبتيها. حکاهما ابو عبيد. و (قوله: ((غير أنَّ ذلك في صِمام واحدٍ))) بالصاد المهملة. أي: في جُخرِ ١٥٩ (١٥) كتاب النكاح - (١٥) باب: في قوله تعالى: ﴿نساؤكم حرث لكم) [١٤٩٢] وعن ابن عباس، قال: قال رسولُ اللهِ وَلِّ: ((لو أنَّ أحدَهُم إذا أرادَ أنْ يأتيَ أهله قال: بسم الله اللهمَّ جنِّبْنَا الشَّيْطانَ. وجنِّ الشَّيطانَ ما رزقْتَنَا؛ فإنَّه إنْ يُقدَّرْ بينهما ولدٌ في ذلك، لم يَضُرَّه شيطانٌ أبداً». رواه أحمد (٢٨٦/١)، والبخاريُّ (١٤١) و (٣٢٨٣)، ومسلم (١٤٣٤)، وأبو داود (٢١٦١)، والترمذيُّ (١٠٩٢)، والنَّسائي في عمل اليوم والليلة (٢٦٦)، وابن ماجه (١٩١٩). واحدٍ. يعني به: القُبل. وأصل الصِّمام هو: ما تُسدُّ به القارورة. و (قوله: ((لو أنَّ أحدَهم إذا أتى أهله ... ) وذكر الحديثَ إلى قوله: (لم حفظ الولد يضرَّه شيطانٌ أبداً)) قيل: معنى لم يضرَّه: لم يصرعْه الشيطان. وقيل: لا يطعنُ فيه من الشيطان الشيطان عند ولادته، ويطعنُ في خاصرة من لا يُقال له ذلك. قال القاضي: ولم يحملْه أحدٌ على العموم في جميع الضرر، والإغواء، والوسوسة. قلتُ: أمَّا قَصْره على الصرع وحده فليس بشيءٍ؛ لأنه تحگُّمٌ بغير دليلٍ مع صلاحية اللفظ له ولغيره. وأمَّا القولُ الثاني ففاسدٌ بدليل قوله بَله: ((كلُّ مولود يطعنُ الشيطانُ في خاصرته إلا ابن مريم؛ فإنَّه جاء يريد أن يطعنه فطعن في الحجاب))(١) هذا يدلُّ: على أنَّ الناجي من هذا الطعن إنما هو عيسى وحده عليه السلام؛ وذلك لخصوص دعوة أمّ مريم، حيث قالت: ﴿وَإِنَّ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦] ثمَّ إنّ طَعْنَهُ ليس بضرر، ألا ترى أنه قد طَعَن كثيراً من الأولياء والأنبياء، ولم يضرّهم ذلك. ومقصودُ هذا الحديث - والله تعالى أعلم -: أنَّ الولد الذي يُقال له ذلك يُحفظ من إضلال الشيطان وإغوائه، ولا يكون للشيطان عليه (١) رواه ابن عدي في الكامل (٢٣٥٤/٦). ١٦٠ (١٥) كتاب النكاح - (١٦) باب: تحريم امتناع المرأة على زوجها إذا أرادها (١٦) باب تحريم امتناع المرأة على زوجها إذا أرادَها، ونشر أحدهما سِرَّ الآخر [١٤٩٣] عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ اللهِ وَلاير: ((والذي نفسي بيده ما مِن رجلٍ يَدعُو امرأتَه إلى فِراشِهَا. فتأْبَى عليه، إلا كانَ الذي في السَّماءِ سَاخِطاً عليها، حتى يرضى عنها)). سُلطان؛ لأنه يكونُ من جملة العباد المحفوظين، المذكورين في قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَّكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الإسراء: ٦٥] وذلك ببركة نيّة الأبوين الصالحَيْن، وبركة اسم الله تعالى، والتَّعوُّذ به، والالتجاء إليه. وكأنَّ هذا شوبٌ(١) من قول ]﴾ ولا يُفهم من هذانفي أم مريم: ﴿وَإِنْ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ وسوسته، وتشعينه، وصرعه. فقد يكون كلُّ ذلك، ويحفظ اللَّهُ تعالى ذلك الولدَ من ضرره في: قلبه، ودينه، وعاقبة أمره. والله تعالى أعلم. (١٦) ومن باب: تحريم امتناع المرأة على زوجها جواز الحلف (قوله: ((والذي نفسي بيده))) هو قسمٌ بالله تعالى. أي: والذي هو مالكُ بالألفاظ المبهمة المراد بها اسم الله نفسي، أو قادرٌ عليها. ففيه دليلٌ: على أنَّ الحَلفَ بالألفاظ المبهمة المراد بها: اسم الله تعالى، يمينٌ جائزة، حُكْمُها حكمُ الأسماء الصَّريحة على ما يأتي. تحريم امتناع و (قوله: ((ما من رجلٍ يدعو امرأته إلى فراشها، فتأبى عليه إلا كان الذي في المرأة على السّماء ساخطاً عليها))) دليلٌ: على تحريم امتناع المرأة على زَوْجها إذا أرادها. ولا خلافَ فيه، وإليه الإشارةُ بقوله تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨] والمرأةُ في ذلك بخلاف الرَّجل، فلو دعت المرأةُ زوجَها إلى ذلك لم يجب عليه زوجھا (١) في (ع): أُشرب، وكلاهما بمعنى: المزج والخلط.