Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
(١٥) كتاب النكاح - (٧) باب: استثمار الثيب، واستئذان البكر
وبنى بي وأنا بنتُ تِسْع سنين. قالت: فقدمنا المدينةَ فوُعِكْتُ شهراً. فوفى
شَعْرِي جُمَيْمَةً. فأتتني أم رُومَان، وأنا على أُرجُوحةٍ، ومعي صواحبي.
و (قولها: وبنى بي وأنا بنتُ تسع سنين) ذهبت طائفةٌ إلى: أنَّ بلوغَ المرأة حَدُّ الإجبار
إلى تسعٍ يوجبُ إجبارها على الدخول إذا طلبه الزَّوج. وبه قال أحمد، وأبو عبيد. على الدخول
وقال مالك وأبو حنيفة: حدُّ ذلك أن تُطيق الرَّجلَ، فإن لم تُطِقْ؛ لم يُمَكَّنْ الزوج
منها وإنْ بلغت التسع. وقال الشَّافعي: حدُّ ذلك أن تطيق الرَّجلَ، وتقاربَ البلوغ.
وحُكْمُ إلزام الزوج النفقةَ حُكْم الجبر. فمتى أجبرناها على الدخول ألزمناه
لها النفقة.
قال الدّاودي: وكانت - رضي الله عنها - قد شبَّت شباباً حَسَناً.
و (قولها: فقدمنا المدينةَ فوُعِكْتُ شهراً) أي: مرضتُ بالحمَّى، وكان هذا
في أوَّل قدومهم المدينة في الوقت الذي وُعِك فيه أبو بكر - رضي الله عنه - وقبل
أن يدعوَ النبيُّ وَّله للمدينة بأن يصحِّحها، وينقل حمَّاها إلى الجحفة، فلمَّا دعا؛
فعل الله ذلك.
و (قولها: فوفى شعري جُمَيْمَةً) أي: بلغ إلى أن صار جمَّةً صغيرةً. وقد
تقدم: أنَّ (الجمَّة) إلى شحمة الأذن و (اللمّة) للمنكب. وفي كلامها حذفٌ.
وتقديره: فوعكتُ فسقط شعري، ثمَّ برئتُ فوفى جُميمةً.
[و (قوله: (فأتتني أم رومان) أم رُومان - بضم الراء المهملة - ويُقال
بفتحها، والأول أشهر. واسمها: زينب بنت عامر الكنانية، وهي زوج أبي بكر
الصديق، وأم ولديه: عبد الرحمن، وعائشة، أسلمت وهاجرت، وتوفيت في حياة
رسول الله وَ﴾، ونزل رسول الله وَ ﴿ في قبرها، واستغفر لها](١).
و (الأرجوحة): خشبةٌ يُركبُ على طرفيها صغيران، فيترجح أحدُهما على
(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع) و (ج) وأثبتناه من (ج ٢).

١٢٢
(١٥) كتاب النكاح - (٧) باب: استثمار الثيب، واستئذان البكر
فصرخَتْ بي، فأتيتُها. وما أدري ما تريد؟! فَأَخَذَتْ بيدي، فأوقفتني على
الباب. فقلت: هَهْ، هَهْ. حتى ذَهَبَ نَفَسِي. فأدخَلَتْنِي بَيْتاً. فإذا نسوةٌ من
الأنصار. فَقُلْنَ: على الخير والبركة، وعلى خير طائرٍ. فَأُسْلَمَتْنِي إليهنَّ.
الآخر تارةً، والآخرُ أُخرى. [ويقال: الأرجوحة: حبل يُعلَّق، فيركبه الصبيان،
يلعبون عليه. قاله شيخنا المنذري الشافعي](١).
و (صرختْ بي): أي: صاحتْ صياحاً مُزعجاً.
و (قولها: فقلت: هَه، هَهْ) هي حكايةٌ عن صوت المنبهر؛ الذي ضاق
نَفَسُه، وذلك: أنَّها كانت تترجَّح، ثمَّ إنها صِيْحَ بها صياحاً مُزعجاً، فأتتْ مسرعةً،
فضاق نَفَسُها لذلك، وانبهرتْ. ولذلك قالت: (حتى ذهب نَفَسِي) وهو بفتح الفاء،
وقد أخطأ مَنْ سگَّنها.
و (قول النِّساء: على الخير والبركة) هو نحو مما روي من حديث معاذ: أنَّ
النبيَّ وَّه قال لرجلٍ من الأنصار شهد إملاكه، فقال: ((على الألفة والخير والطائر
الميمون))(٢). وقد قال وَّر لابن عوفٍ: ((بارك الله لك)) (٣). وروي عنه وَليل أنه قال:
(بارك الله لكم وعليكم)» (٤).
قلتُ: وهذه أدعيةٌ، والدُّعاء كلُّه حسنٌ، غير أن الدُّعاءَ بما دعا به النبيُّ لَه
أولى، ولذلك كره بعضُهم قولَ العرب: بالرِّفاء والبنين.
وقولهن: على خير طائر. وقول النبيِّ وَّلقول: ((وعلى الطائر الميمون))(٥) على
(١) من (ج ٢).
(٢) رواه البيهقي (٢٨٨/٧)، وانظر: مجمع الزوائد (٢٩٠/٤).
(٣) رواه البخاري (٥٠٧٢)، ومسلم (١٣٦٥)، وأبو داود (٢٠٥٤)، والترمذي (١١١٥)،
والنسائي (١١٤/٦).
(٤) رواه أبو داود (٢١٣٠)، والترمذي (١٠٩١).
(٥) ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٢٩٠).

١٢٣
(١٥) كتاب النكاح - (٧) باب: استثمار الثيب، واستئذان البكر
فغسلْنَ رأسي، وأصلحْنَني. فلم يَرُغْنِي إلا ورسولُ اللهِوَ ◌ّ ضحىً.
فأسلمنني إلیه.
رواه البخاريُّ (٣٨٩٦)، ومسلم (١٤٢٢) (٦٩)، وأبو داود
(٤٩٣٣)، والنّسائي (٨٢/٦)، وابن ماجه (١٨٧٦).
[١٤٧٤] وعنها: أنَّ النَّبِيَّ نَّهِ تزوَّجها وهي بنتُ سبع سنين، وزُقَّتْ
إليه وهي بنتُ تسع سنين ولُعَبُهَا معها، ومات عنها وهي بنتُ ثماني عشرة.
رواه مسلم (١٤٢٢) (٧١).
[١٤٧٥] وعنها قالتْ: تزوَّجني رسولُ الله ◌ََّ في شؤَّال. وبَنَى بي
جهة التفاؤل الحَسَن، والكلام الطيب، وليس هذا من قبيل الطّيرة المنهيِّ عنها؛
التي قال فيها وَّر: ((لا طيرةَ، وخيرُها الفأل)) (١) وقد ذكرنا أصلَ هذه اللفظة
وحكمها في كتاب: الإيمان.
و (قولها: فلم يَرُغْنِي) أي: لم يُفْزِعني. والرَّوعِ: الفَزَع. وهو مستعملٌ في
كلِّ أمرٍ يطرأ على الإنسان فجأةً من خيرٍ أو شرٌّ، فيرتاعُ لفجأته.
و (قوله: ومعها لُعَبُها) أي: البنات التي تلعبُ بها الجواري. وقد جاء: أنَّ
النبيَّ ◌َ﴿ رآهنَّ يلعَبْنَ بها، فأقرَّهنَّ على ذلك (٢)؛ لتطييب قلوبهنَّ، وليتدرَّبْن على
تربية أولادهن، وإصلاح شأنهنَّ، وبيوتهنَّ.
وفي هذا الحديث أبوابٌ من الفقه لا تخفى.
الإنكار على من
كان يتشاءم من
و (قولها: تزوَّجني رسولُ اللهِ وَّل في شؤَّال ... ) الحديث. هذا إنما قالته شهر شؤَّال
(١) رواه البخاري (٥٧٥٥)، ومسلم (٢٢٢٠).
(٢) رواه مسلم (٢٤٤٠).

١٢٤
(١٥) كتاب النكاح - (٧) باب: استثمار الثيب، واستئذان البكر
في شَوَّال. فأيُّ نساءِ رسولِ اللهِ وَّرَ كان أحظى عنده منِّ؟! وكانت عائشةُ
تَسْتَحِبُّ أن تُدْخِلَ نساءها في شؤَّال.
رواه مسلم (١٤٢٣)، والترمذيُّ (١٠٩٣)، والنَّسائي (١٠٣/٦)،
وابن ماجه (١٩٩٠).
عائشةُ - رضي الله عنها - لتردَّ به قولَ مَن كان(١) يكرهُ عقدَ النَّكاح في شهر شؤَال،
ويتشاءم به من جهة: أنَّ شوَّالاً من الشّول، وهو: الرَّفْع. ومنه: شالتِ الناقةُ
بذنبها. وقد جعلوه كنايةً عن الهلاك؛ إذ قالوا: شالت نعامتُهم. أي: هلكوا.
فـ (شؤَّال) معناه: كثير الشول، فإنَّه للمبالغة، فكأنهم كانوا يتوهَّمون: أنَّ كلَّ مَن
تزوَّجَ في شؤَّال منهنَّ شال الشنآن بينها وبين الزَّوج، أو شالت نفرته، فلم تحصلْ
لها حُظوةٌ عنده، ولذلك قالت عائشةُ رادَةً لذلك الوهم: (فأيُّ نسائه كان أحظى
عنده منِّي) أي: لم يضرَّني ذلك، ولا نَقَص من حُظوتي. ثمّ إنَّها تبرَّكتْ بشهر
شوَّال، فكانت تحبُّ أن تدخلَ نساءها على أزواجهنَّ في شؤَّال؛ للذي حصلَ لها
فيه من الخير برسول الله وَّله، ومن الحُظْوة عنده، ولمخالفة ما يقول الجهَّالُ من
ذلك. ومِن هذا النَّوع كراهةُ الجهَّال عندنا اليوم عَقْد النكاح في شهر المحرَّم، بل
ينبغي أن يُتِيمَّنَ بالعقد والدُّخول فيه، تمشُّكاً بما عظّم اللهُ ورسولُه من حُزْمته،
ورَدْعاً للجهَّالِ عن جهالاتهم.
(١) في (ج ٢): قال.

١٢٥
(١٥) كتاب النكاح - (٨) باب: النظر إلى المخطوبة
(٨) باب
النَّظرِ إلى المخطوبةِ
[١٤٧٦] عن أبي هريرةَ قال: جاءَ رجلٌ إلى النَّبِيِّ وَّه فقال: إنِّي
تزوجتُ امرأةً من الأنصار، فقال له النَّبِيُّ وَّ: ((هل نظرتَ إليها؟ فإنَّ في
عيون الأنصار شيئاً). قال: قد نظرتُ إليها، قال: ((على كَمْ تزوَّجْتَها؟))،
قال: على أربع أواقٍ. فقال له النبي ◌َّير: ((على أربع أواق؟! كأنما تنحتون
(٨) ومن باب: إباحة النَّظَر للمخطوبة
(قوله: ((اذهبْ فانظر إليها))) هذا الأمر على جهة الإرشاد إلى المصلحة. فإنَّه
إذا نظرَ إليها - أعني المخطوبة - فلعلَّه يرى منها ما يرغِّبُه في نكاحها. وقد نبَّه
النبيُّ ◌َّر على هذا بقوله فيما ذكرَه أبو داود من حديث جابرٍ إذ قال: ((إذا خطبَ
أحدُكم المرأةَ؛ فإنِ استطاعَ أن ينظرَ منها إلى ما يدعُوه إلى نِكاحِها فليفعلْ))(١). ولا الأمر بالنظر
قائلَ فيما أعلمُه بحمل هذا الأمر على الوجوب. وقد دلَّ على أنَّه ليس كذلك للمخطوبة لا
قوله: ((فإن استطاعَ فليفعلْ)) ولا يُقال مثل هذا في الواجب. وقاعدة النكاح - وإن
يعني الوجوب
كان فيها معاوضة - مُفارِقةٌ لقاعدة البيوع، من حيث أنَّها مبنيةٌ على المكارمة،
والمواصلة، وإظهار الرَّغبات، والعمل على مكارم الأخلاق، بحيث يجوز فيها
النِّكاح من غير ذكر صَداقٍ، وتجوز فيها ضروب من الجهَالات والأحكام لا يجوز
شيءٌ منها في البيوع والمعاملات المبنية على المُشَاخَّة، والمُغَابنة. ومن هنا جاز
عقدُ النَّكاح على امرأة لا يُعرف حالُها من جمالٍ، وشبابٍ، وحُسْنِ خُلُقٍ، وتمام
خَلْقٍ. وهذه وإن كانت مجهولة حالة العقد، لم يضرَّ الجهل بها؛ إذ لم يلتفت
الشَّرع إليه في هذا الباب. فالأمر بالنظر إلى المخطوبة أحرى بألا يكون واجباً. فلم
يبق إلا أن يُحملَ ذلك الأمرُ على ما تقدَّم. وبهذا قال جمهور الفقهاء: مالك،
(١) رواه أبو داود (٢٠٨٢).

١٢٦
(١٥) كتاب النكاح - (٨) باب: النظر إلى المخطوبة
الفضة من عُرض هذا الجبل، ما عندنا ما نعطيك! ولكن عسى أن نبعثك
في بعثٍ تصيب منه)). فبَعَثَ بَعْثاً إلى بني عَبْس. بَعَثَ ذلك الرجل فيهم.
والشافعيُّ، والكوفيُّون، وغيرهم، وأهلُ الظاهر. وقد كرهَ ذلك قوم، لا مبالاة
بقولهم الأحاديث الصحيحة في هذا الباب.
ما ينظر من
المخطوبة
ثمَّ اختلفَ الجمهورُ. فقال مالك: ينظرُ إلى وجهها، وكفَّيْها. ولا ينظرُ إليها
إلا بإذنها. وقال الشَّافعيُّ وأحمد: بإذنها، وبغير إذنها إذا كانت مستترة. وقال
الأوزاعيُّ: ينظرُ إليها ويجتهدُ، وينظرُ مواقعَ اللحم منها. وقال داود: ينظرُ إلى
سائرٍ جسدِها تمشُّكاً بظاهر اللفظ. وأُصول الشريعة تردُّ عليه في تحريم الاطلاع
على الصورة.
وقد تقدَّم ذكرُ (الأُوقِيَّة)(١). و (تنحتون): تقطعون، وتنجرون. والنحت:
النَّجر والقطع. ومنه: ﴿وَتَنْحِتُّونَ مِنَ اَلْجِبَالِ بُونًا﴾ [الشعراء: ١٤٩]، وقوله تعالى:
﴿أَتَعْبُدُونَ مَا نَنْحِنُونَ﴾ [الصافات: ٩٥]. والنَّكَّات: النَّجار. و(عُرْضُ الجبَل)
جانبه، وصفحه، وهو بضم العين. والعَرْض : - بفتح العين - خلاف الطول.
وعَرْض البحر، والنَّهر، والمال: الوسط من ذلك. قاله الحربيّ.
الإنكار على من
للسؤال
وهذا الإنكار منه ﴿ على هذا الرَّجل المتزوَّج على أربعة أواقٍ ليس إنكاراً
عَرَّضَ نفسه لأجل المُغالاة، والإكثار في المهر. فإنَّهَ وَّه قد أصدقَ نساءَه خمسمئة درهم،
وأربعة أواقٍ: مئة وستون درهماً (١). وإنما أنكرَ بالنسبة إلى حَالِ الرجل فإنَّه كان فقيراً
في تلك الحال، فأدخل نفسَه في مشقةٍ تعرَّضَ للسؤال بسببها. ولذلك قال له:
((ما عندنا ما نُعطيك))). ثمَّ إنَّ النبيَّ ◌َّ بكرم أخلاقه، ورأفته، ورحمته جبرَ
مُنكسِرَ قلبه بقوله: ((ولكن عسى أن نبعثَك في بعثٍ فتصيبَ منه))) يعني به: سرية
(١) تساوي في زماننا (١٢٥) غ.
(٢) الدرهم يعادل في زماننا (٣,١٢) غ.

١٢٧
(١٥) كتاب النكاح - (٩) باب: في اشتراط الصداق في النكاح
وفي روايةٍ: ((أنظرتَ إليها؟)) قال: لا، قال: ((فاذهبْ فانظرْ إليها،
فإنَّ في أعينِ الأنصار شيئاً».
رواه أحمد (٢٩٩/٢)، مسلم (١٤٢٤) (٧٤) و (٧٥)، والنَّسائيُّ
(٦٩/٦).
(٩) بابٌ
في اشتراط الصَّداقِ في النِّاح
وجوازُ كونه منافع
[١٤٧٧] عن سَهْلِ بنِ سعدِ السَّاعديِّ. قال: جاءت امرأةٌ إلى
في الغزو. فبعثَه، فأصابَ حاجته ببركة النبي ◌ِّر.
و (قوله: ((فإنَّ في عيون الأنصار شيئاً)) قال أبو الفرج الجوزي: يعني: شيئاً
زُزْقاً، أو صِغراً، وقيل: رَمَصاً.
(٩) ومن باب: اشتراط الصَّدَاق في النكاح
هذه الترجمةُ يدلُّ على صحتها قولُه تعالى: ﴿ وَءَاتُواْ النِّسَآَ صَدُقَتِنَّ غِْلَةٌ ﴾
[النساء: ٤]، وقوله تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُواْ بِأَمْوَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، وقوله تعالى:
﴿وَمَنْ لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا ... ) الآية [النساء: ٢٥]. وقوله وي ليه في هذا الحديث:
((هل عندك شيء تصدقه إيّاها؟))) إلى قوله: ((التمس ولو خاتماً من حديد))). ولا
اختلافَ في اشتراطه؛ وإن اختلفوا في مقدار أصله، وفي نوعه على ما يأتي بيانُه،
إن شاء الله تعالى.

١٢٨
(١٥) كتاب النكاح - (٩) باب: في اشتراط الصداق في النكاح
رسولِ اللهِ وَ ﴿. فقالتْ: يا رسولَ الله! جئتُ أَهَبُ لك نفسي! فنظر إليها
رسولُ اللهِ وَّهِ. فَصَعَّدَ النَّظر فيها وصوَّبه، ثم طأطأ رسول اللهِصَلَهُ رأسَهُ.
فلمَّا رأتِ المرأةُ: أنَّه لم يَقْضِ فيها شيئاً، جَلَسَتْ. فقام رجلٌ من أصحابه
فقال: يا رسول الله! إنْ لم يكنْ لكَ بها حاجةٌ فزوَّجْنِيْهَا. فقال: ((فهلْ
عِنْدَك من شيءٍ؟)) فقال: لا، والله يا رسول الله! فقال: ((اذهبْ إلى أهلِكَ،
فانظرْ هلْ تجدُ شيئاً)، فذهب، ثُمَّ رَجَعَ، فقال: لا. واللهِ ما وَجَدْتُ شَيئاً.
فقال رسولُ اللهِوَّهِ: ((التمسْ ولو خَاتِماً من حديدٍ)). فذهب ثم رجع. فقال:
من خصائص
النبي ◌َ﴾
و (قولها: جئتُ أهبُ لك نفسي) أي: أحكمك فيها من غير عوضٍ. وكأنَّ
هذه المرأةَ فهمتْ جوازَ ذلك من قوله تعالى: ﴿ وَأَقْرَةً مُؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِّ﴾
[الأحزاب: ٥٠]. وقد ذهب معظمُ العلماء: إلى أنَّ ذلك مخصوصٌ بالنبيِّ وَل
لقوله تعالى: ﴿خَالِصَةٌ لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]. وقد دلَّ على هذا
المعنى من هذا الحديث قولُ الرَّجل للنبيِّ(١) وَِّ: إن لم يكن لك حاجةٌ بها
زوّجنيها. ولم يقل: هَبْها لي.
واختلفوا في النكاح. هل ينعقد بلفظ الهبة، ويكون فيه صداق المثل؟ أو
لا ينعقدُ بها وإن سمَّى فيه مهراً. وإلى الأول ذهب مالكٌ، وأبو حنيفة،
والجمهور. وبالثاني قال الشافعيُّ.
جواز نظر
و (قوله: فصعَّد النظرَ فيها، وصوَّبه، ثمَّ طأطأ رأسه) أي: نظر أعلاها،
الخاطب إلى وأسفلها مراراً. و (طأطأ): أي: خفض وأطرق. وهذا دليلٌ على جواز نظر
المخطوبة
الخاطب إلى المخطوبة، وتأمُّله ما لاحَ من محاسِنها؛ لكن وعليها ثيابُها، كما قال
مالك .
و (قوله: ((التمسْ ولو خاتماً من حديد))) تمسّك به من لم يَرَ للصَّداق حدّاً.
حدّ أقلٌ
الصَّداق
(١) ساقط من (ع).

١٢٩
(١٥) كتاب النكاح - (٩) باب: في اشتراط الصداق في النكاح
وهم جَمْعٌ كثيرٌ من الحجازيين، والشاميّين. قالوا: يجوز النِّكاحُ بكلِ ما تراضى به
الزَّوجان، أو مَنِ العقدُ إليه، مما فيه منفعةٌ، كالسَّوط، والنَّعل، ونحوه. وبعضُهم
قال: بما له بال. وقالت طائفةٌ أخرى: لا بُدَّ أن يكونَ أقلُّه محدوداً. وحملوه على
أقلٌ ما تُقطعُ فيه يد السَّارق، وعلى الطَّريقة القياسية. وتحريرُها: أن يقال: عضو
آدمي مُحترم. فلا يُستباحُ بأقلّ من كذا قياساً على يد السارق. ويمكن أن(١) يكون
تحريرُه على وجهٍ آخر. وتوجيه الاعتراضات عليه، والانفصالات، مذكورٌ في
مسائل الخلاف. غير أنَّ هؤلاء اختلفوا في أقلّ ما تقطعُ فيه يدُ السَّارق، فاختلفتْ
لذلك مذاهبُهم هنا. فذهب مالكٌ: إلى أنَّ أقلَّ ذلك ربعُ دينار من الذهب، أو ثلاثة
دراهم من الوَرِق. وقال ابن (٢) شبرمة: أقلُّ ذلك خمسةُ دراهم. وقال أبو حنيفة:
أقلُّه عشرةُ دراهم. وكذلك قال النّخعي في أحد قولَيْه، وفي آخر: كره أن يتزوَّج
بأقلّ من أربعين درهماً. وقد اعتذر بعضُ المالكية عن قوله وَّ ر: ((التمس ولو
خاتماً من حدید» بأوجهٍ :
أحدها: بأنَّ ذلك على جهة الإغياء والمبالغة، كما قال: ((تصدَّقوا ولو بظلف
محرق))(٣)، وفي أخرى: ((ولو بفِرْسِن شاة)) (٤) وليس الظلف والفِرْسِن ممَّا ينتفع
به، ولا یتُصدّق به. ومثل هذا کثیر.
وثانيها: لعلَّ الخاتمَ كان يساوي ربعَ دينارٍ فصاعداً؛ لأنَّ الصنّاع عندهم قليل.
وثالثها: أنَّ أَمْرَهُ بالتماس الخاتم لعلَّه لم يكن ليكونَ كلَّ الصَّداق، بل
لیعجّلَه لها قبل الدُّخول.
(١) من (م).
(٢) ساقط من (ع).
(٣) رواه أحمد (٤٣٥/٦)، ومالك في الموطأ (٩٢٣/٢)، والنسائي (٨١/٥).
(٤) رواه البخاري (٦٠١٧)، ومسلم (١٠٣٠)، والترمذي (٢١٣١).

١٣٠
(١٥) كتاب النكاح - (٩) باب: في اشتراط الصداق في النكاح
لا، والله يا رسول الله ولا خاتِماً من حديدٍ، ولكنْ هذا إزاري. (قال سهلٌ:
ما له رداء فلها نصفُهُ). فقال رسول الله وَّهِ: ((ما تصنع بإزارك؟! إن لَبِسْتَهُ
لم يكن عليها منه شيءٌ. وإن لَبِسَتْهُ لم يكن عليك منه شيءٌ)). فجلس
الرجل، حتى إذا طال مجلسُه، قامَ. فرآه رسولُ الله ◌ِوَّهِ مولِّياً. فأمَرَ بِهِ
أقلُّ المهر ثلاثة
دراهم
والذي حمل أصحابَنا على تأويل هذا الحديث قولُه تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُواْ
بِأَمْوَلِكُم ◌ُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَفِحِينَ﴾ [النساء: ٢٤]، والدرهم، وأقل منه تافهٌ لا يقال
عليه. مال - عُرْفاً - ولذلك قالت عائشة - رضي الله عنها -: لم تكن يدُ السَّارق
تُقْطعُ في الشَّيء التافه، وإن كان يقال على مَن أخذه خفية: سارق. وهي التي
قالت: لم تكن يد السَّارق تُقطع في أقلّ من ثلاثة دراهم. ففرَّقت بين التافه وغير
التافه بهذا المقدار. وهي أعرفُهم بالمقال، وأقعدُهم بالحال.
و (الإزار): ثوبٌ يُشَدُّ على الوسط. و (الرداء): ما يُجعل على الكتفين.
و (اللحاف): ما يلحف به جميعُ الجسد.
و (قول سهل: ما له رداءٌ فلها نصفه) ظاهِرُه: لو كان له رداءٌ لَشَركها
النبيُّ ◌َّرِ فيه. وهذا في وَجْه لزومه بعدٌ؛ إذ ليس في كلام النبيِّ ◌َّر ولا في كلام
الرَّجل ما يدلُّ على شيءٍ من ذلك. ويمكن أن يقال: إن مرادَ سهلٍ: أنَّه لو كان
عليه رداءٌ مضافاً إلى الإزار لكان للمرأة نصف ما عليه؛ الذي هو إمّا الرداء، وإمَّا
الإزار. أَلَّ ترى تعليلَه منع إعطاء الإزار بقوله: ((إن لَبِسْتَهُ لم يكن عليها منه شيءٌ،
وإن لبِسَتْهُ لم يكن عليك منه شيءٌ». فكأنه قال: لو كان لك ثوبٌ تنفردُ أنت
بلبسه، وثوبٌ آخر تأخذُه هي، تنفردُ بلبسه لكان لها أخذه، فأمَّا إذا لم يكن ذلك
فلا .
حکم تعجيل
وفيه ما يدلُّ: على أنَّ المهرَ الأَوْلى فيه أن يكون مُعجَّلاً مقبوضاً، وهو
المهر وتأخيره الأولى عند العلماء باتفاق. ويجوزُ أن يكون مُؤخّراً على ما يدلُّ عليه قوله ◌ٍَّ:

١٣١
(١٥) كتاب النكاح - (٩) باب: في اشتراط الصداق في النكاح
((اذهب فقد زوجتكها بما (١) معك من القرآن، [فعلِّمها)). فإنه قد انعقد النكاحُ،
وتأخَّر المهر الذي هو التَّعليم. وهذا على الظاهر من قوله: ((بما معك من
القرآن))](٢). فإنَّ الباءَ للعوض، كما تقولُ: خُذْ هذا بهذا. أي: عوضاً عنه.
و (قوله: ((علِّمْها))) نصٌّ في الأمر بالتعليم. والمساقُ يشهدُ بأنَّ ذلك لأجل
النّكاح. ولا يلتفتُ لقول مَن قال: إنَّ ذلك كان إكراماً للرَّجل بما حَفِظَهُ من
القرآن؛ فإنَّ الحديثَ يصرِّحُ بخلافِه. وقول المخالف: إنَّ الباءَ بمعنى اللام ليس
بصحيح لغةً، ولا مَسَاقاً. وكذلك لا يُعوَّلُ على قول الطَّحاوي والأبهريّ: إن ذلك
كان (٣) مخصوصاً بالنبيِّ ل﴿ كما كان مخصوصاً بجواز الهبة في النكاح لأمور:
أحدها: مساق الحديث. وهو شاهدٌ لنفي الخصوصية.
وثانيها: قولُ الرَّجل: زوجنيها، ولم يقل: هَبْها لي.
وثالثها: قولهِ وَج: ((اذهبْ، فقد زوجتكها بما معك من القرآن، فعلِّمها)).
ورابعها: إنَّ الأصلَ التمشُّكُ بنفي الخصوصية في الأحكام.
وفي هذا الحديث من الفِقْه: جوازُ اتّخاذ خاتم الحديد. وقد أجازه بعضُ حكم اتخاذ
السلف، ومَنَعَهُ آخرون لقوله ◌َله فيه: ((حلية أهل النار))(٤). ورأوا أنَّ المنع هو خاتم من حديد
المتأخر عن الإباحة. وفيه ما يدلُّ: على جواز كون الصَّداق منافع. وبه قال
الشَّافعيُّ، وإسحاق، والحسن بن حيٍّ، ومالكٌ في أحد قوليه. وكرهه أحمدُ،
ومالك في القول الثاني. ومنعه أبو حنيفة في الحُرِّ، وأجازه في العبد؛ إلا أن تكونَ جواز كون
الإجارةُ تعليم القرآن، فلا يجوزُ بناءً على أصله في: أنَّ تعليمَ القرآن لا يُؤْخَذُ عليه الصداق منافع
(١) في (ع): على ما.
(٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).
(٣) في (ج ٢): إن معنى جَعْل تعليم القرآن كان ...
(٤) رواه أبو داود (٤٢٢٣)، والترمذي (١٧٨٦)، والنسائي (١٧٢/٨).

١٣٢
(١٥) كتاب النكاح - (٩) باب: في اشتراط الصداق في النكاح
فدُعِيَ. فلما جاء قال: ((ماذا معك من القرآن؟)) قال: معي سورةُ كذا،
وسورة كذا (عدَّدَها). قال: ((تقرؤهن عن ظهر قلبك؟)) قال: نعم. قال:
(اذهب فقد مُلِّكْتَها بما معك من القرآن)).
أجر. والجمهورُ على جواز ذلك. أعني: على جواز كون الصَّداق منافع. وهذا
الحديثُ ردِّ على أبي حنيفة في مَنْعه أخذ الأجر على تعليم القرآن. ويردُّ عليه أيضاً
قوله وَله: ((إنَّ أحقَّ ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله))(١) وسيأتي.
انعقاد النكاح
بالتعليم
المعلوم
و (قول الرَّجل: معي سورة كذا، وسورة كذا - عدَّدها - فقال: ((اذهبْ فقد
ملكتكها بما معكَ من القرآن، فعلِّمها))) يدل: على أنَّ القدرَ الذي انعقدَ به النكاحُ
من التعليم معلومٌ؛ لأنَّ قوله: بما معك)) معناه: بالذي معك. وهي السُّوَر المعدّدة
المحفوظة عنده؛ التي نصَّ على أسمائها. وقد تعيَّنتِ المنفعة، وصحَّ كونها
صَداقاً، وليس فيه جهالةٌ. وقد روى هذا النَّسائي من طريق عِسْل بن سفيان، وهو
ضعيف. وذكر فيه: فعلّمها عشرين آيةً. وهذا نصٌّ في التحديد، غير أنَّ الصحيح
ما تقدَّم.
و (قوله: ((فقد مَلَّكْتُكَها))) وفي الرواية الأخرى: ((زَوَّجْتُكَها))) [وقع في
مختصر شيخنا المنذري لكتاب مسلم: ((اذهبْ فقد مَلَكْتَها)) قال: وروي: مُلِّكْتها،
صِيَغْ عقد وروي: مَلَّكْتُكَها، وروي: زوَّجْتُكَها. قال أبو الحسن الدارقطني: روايةُ مَن قال:
النكاح (ملكتها) وَهَم، ورواية من قال: (زوجتكها) الصواب. وهم أكثر وأحفظ. وقال
غيرُه: ملَّكْتكُهَا: كلمة عبَّر بها الراوي عن: زوَّجْتُكها. وقدرواه جماعةٌ فقالوا:
زوَّجْتكها] (٢)، دليلٌ: على أنَّ كلَّ صيغةٍ تقتضي التمليكَ مطلقاً تجوِّزُ عقد النكاح
عليها. وهو مذهبُ أبي حنيفة، وحاصلُ مذهب مالك. قال ابن القصّار: يصحُ
النِّكاح بلفظ الهبة، والصَّدقة، والبيع إذا قُصِد به النكاح، ولا يصحُّ بلفظ الرَّهن،
(١) رواه البخاري (٥٧٣٧).
(٢) ساقط من (ع) و(ج) واستدركناه من (ج ٢).

١٣٣
(١٥) كتاب النكاح - (١٠) باب: كم أصدق النبيُّلَ﴿ لأزواجه؟
وفي روايةٍ قال: ((انطلق فقد زوجتكها. فعلِّمها من القرآن)).
رواه البخاريُّ (٥٠٨٧)، ومسلم (١٤٢٥)، وأبو داود (٢١١١)،
والترمذيُّ (١١١٤)، والنّسائيُّ (١١٣/٦).
*
*
(١٠) باب
كم أصدق النبيُّ وََّ لأزواجه؟
وجوازِ الأكثرِ من ذلك والأقلِّ،
والأمرِ بالوليمة
[١٤٧٨] عن أبي سلمةَ بنِ عبدِ الرَّحمن قال: سُئِلِتْ عائشةُ زوجُ
النَّبِيِّ وََّ: كم كان صداق النبيِ وَّ؟ قالتْ: كان صداقُه لأزواجه ثنتيْ
عَشْرةَ أوقيةً ونَشّ، قالت: أتدري ما النشُّ؟ قال: قلت: لا، قالت: نصف
والإجارة والعارية، والوصية. ومِن أصحابنا مَن أجازه بلفظ الإحلال، والإباحة،
ومَنَعَهُ آخرون؛ إذ لا يدلان على عَقْدٍ. وأصلُ مذهب الشَّافعيِّ: أنَّه لا يجوزُ بغير
لفظ النكاح والتّزويج. ويَرِدُ عليه قولُه في هذا الحديث، في رواية مَن روى:
((ملكتُكها)). وهي صحيحةٌ. وفي بعض طرق البخاريٍّ: ((فقد أمكنَّاكَها))(١).
و (قوله: ((فعلِّمها من القرآن))) يعني به: السور التي عدَّدها له، وأخبره أنه
يحفظها. وهو بمعنى قوله في الرُّواية الأُخرى: ((بما معك من القرآن)). والله تعالى
أعلم.
(١٠) ومن باب: كم أصدق النبيُّالَّله لأزواجه؟
قد تقدَّم ذكرُ الأوقيّة. فأمَّا (النشُّ) فقد فسَّرته عائشةُ - رضي الله عنها -.
(١) قال ابن حجر في شرح الحديث رقم (٥١٤٦): وفي رواية أبي غسان: ((أمكنّاكها)).

١٣٤
(١٥) كتاب النكاح - (١٠) باب: كم أصدق النبيُّ# لأزواجه؟
أوقيَّةٍ. فتلك خمسُمِئة درهم. فهذا صداقُ رسولِ الله ﴾ لأزواجه.
رواه مسلم (١٤٢٦)، وأبو داود (٢١٠٥)، والنسائي (١١٦/٦
و ١١٧).
[١٤٧٩] وعن أنس بن مالكِ: أنَّ النَّبِيَّ وَِّ رأى على عبدِ الرحمنِ
ابنِ عوفٍ أثر صُفْرةٍ. فقال: ((ما هذا؟)) قال: يا رسول الله! إنِّي تزوَّجت
وقال كراع: هو نصف الشيء. وقال الخطَّابي: هو اسمٌ موضوعٌ لهذا القدر.
قلتُ: وهو مُعْرَبٌ منونٌ، غير أنّه وقع هنا (نشْ) على لغة من يقف على
المنون بالسُّكون بغيرِ ألف.
وقد تقدَّم أنَّ هذا القولَ من عائشة إنما هو إخبارٌ عن غالب أزواج النبيِّ وَّرِ؛
لأنَّ صفيَّةَ من جُملة أزواجه، وأصدقها نفسها(١) على ما تقدم من الخلاف. وزينب
بنت جحش لم يذكر لها صداق. وأُّ حبيبة بنت أبي سفيان أصدقها النجاشيُّ أربعة
آلاف درهم. فقد خرج هؤلاء من عموم قول عائشة، فدلَّ على ما ذكرناه.
حكم الصُّفرة
و (قوله: رأى على عبد الرحمن أثر صفرةٍ) وفي أخرى: ((وَضَرَ صُفرةٍ))
في ثياب الرجل وهو بمعنى: الأثر. وفي حديث آخر: ((رَدْع)) بالعين المهملة. يعني: الأثر،
واللطخ. وفي الأم: رأى عليَّ بشاشةَ العرس(٢). قال الحربيُّ: أثره، وحُسْنه.
استدلَّ بعضُ أهل العلم بعدم إنكار النبيِّ وَّرِ التَّزعفر على عبد الرحمن على جوازه
للعروس، وأنه مُخَصَّص به لعموم نهيه وَّر عن التَّزعفر. وقيل: يحتملُ أن تكونَ
تلك الصُّفرةُ في ثيابه. ولباسُ الثياب المزعفرة للرّجال جائزٌ عند مالك وأصحابه،
وحكاه عن علماء المدينة. وكان ابنُ عمر يصبغُ بالصفرة(٣)، ويرفعه إلى النبيِّ وَّل
كما تقدم في الحج.
(١) أي: كان صداقها عتقها.
(٢) انظر: صحيح مسلم (١٤٢٧) (٨٢).
(٣) رواه البخاري (٥٨٥١).

١٣٥
(١٥) كتاب النكاح - (١٠) باب: كم أصدق النبيُّ ◌َل﴿ لأزواجه؟
امرأةً - وفي رواية: من الأنصار - على وزن نواةٍ مِنْ ذهبٍ. قال: ((فبارك الله
قلتُ: وعلى هذا يدلُّ ما رواه أبو داود من حديث أبي موسى مرفوعاً: حكم التطيُّب
(لا يقبلُ اللَّهُ صلاةَ رجل في جسده شيءٌ من خَلُوق))(١) فخصَّ الجسد. فيؤخذ من للرجال
دليل خطابه جوازه في غيره. وحكى ابنُ شعبان كراهةَ ذلك في اللحية عن
أصحابنا. وكره الشافعيُّ، وأبو حنيفة ذلك في الثوب واللحية. ويحتملُ أن تحملَ
صفرةُ عبد الرحمن على أنَّها تعلَّقت به من جهة العروس، فكانت غير مقصودةٍ له،
[ويحتمل أن تكون مقصودةً له](٢)، لكنه لمَّا احتاج إلى التطيُّب لأجل العروس
استباحَ قليلاً منه عند عدم غيره من الطيب، كما قال ◌َّ في يوم الجمعة: ((ويمسُّ
من الطيب ما قَدِر عليه)) وفي بعض طرقه: ((ولو من طيب المرأة))(٣) والله تعالى
أعلم.
و (النَّواة): قال الخطّابي: هو اسمٌ معروفٌ لمقدارٍ معروف. وفسَّروها
بخمسة دراهم، كما سمِّ الأربعون: أوقيةً.
قلت: وهذا تفسير أكثر العلماء، وابن وهب.
وقال أحمد بن حنبل: النواة: ثلاثة دراهم وثلث. وقال بعضُ أصحاب
مالك: النواة بالمدينة: ربع دينار. وقال: النواة هنا هي: نوى التمر عينها أو
وزنها. والأول أكثر وأظهر.
وهذا الحديثُ وحديثُ عائشة يدلأَن: على أنَّ الصَّداقَ لا بُدَّ منه، وأنَّ أكثرَهُ كراهية المغالاة
لا حَدَّ له. ولا خلافَ فيهما. غير أنَّ المغالاةَ فيه مكروهةٌ؛ لأنها من باب السَّرف، في المهور
والتعسير، والمباهاة.
(١) رواه أبو داود (٦٠).
(٢) ما بین حاصرتین ساقط من (ع).
(٣) رواه مسلم (٨٤٦)، وأبو داود (٣٤٤).

١٣٦
(١٥) كتاب النكاح - (١٠) باب: كم أصدق النبيُّ ◌َ﴿ لأزواجه؟
لك. أوْلِمْ ولَوْ بشاةٍ».
رواه البخاريُّ (٥٠٧٣)، ومسلم (١٤٢٧)، وأبو داود (٢٠٥٤)،
والترمذيُّ (١١١٥)، والنسائيُّ (١١٤/٦).
الوليمة مندوبةٌ
في العرس
و (قوله: ((أولمْ ولو بشاة))) ظاهِرُه الوجوب. وبه تمسّك داود في وجوب
الوليمة. وهو أحدُ قَولي الشَّافعي ومالك. ومشهور مذهب مالك والجمهور: أنها
مندوبٌ إليها. و (الوليمة) طعام العرس. وطعام البناء: الوكيرة، وطعام الولادة:
الخرس، وطعام الخِتان: إعذار، وطعام القادم: النقيعة. وكل طعام صُنِع لدعوة
فهو: مأدبة - بضم الدال، وكسرها - قاله القتبي. وسيأتي ذكرُ الوليمة بأشبع من
هذا .
و (قوله: ((ولو بشاةٍ)) دليلٌ: على أنَّ التَّوسعةَ في الوليمة أولى وأفضل لمن
قدر عليه. وإن أقلَّ ما يوسع به من أراد الاقتصار شاةٌ. قال القاضي عياض:
ولا خلافَ في أنه لا حدَّ لها، ولا توقيت. واختلف السلفُ في تكرارها زيادةً على
يومَيْن. فأجازه قومٌ ومنعه آخرون. وقال بعضُ مَن أجاز ذلك: إذا دُعي كلَّ يومٍ مَن
لم يُذْعَ قبله جاز. وكلٌّ كره المباهاة والسُّمعة.
فضل التوسعة
في وليمة
العرس من غير
مباهاة

١٣٧
(١٥) كتاب النكاح - (١١) باب: عنق الأمة وتزويجها
(١١) باب
عِثْقِ الأمةِ وتزويجها،
وهل يصحُّ أن يُجعل العِثْقُ صداقاً؟
[١٤٨٠] عَنْ أنس: أنَّ رسول الله وَلِّ غزا خيبر. قال: فَصَلَّيْنَا عندها
صلاة الغداة بِغَلَس. فَركبَ نبيُّ الله وَ لَّ وركب أبو طلحة وأنا رديفُ
أبي طلحة. فأجرى نَبِيُّ الله وَّ في زقاق خيبر. وإنَّ ركبتي لتمسُ فخذ
نبيِّ الله ◌ََّ. وانحسر الإزارُ عن فخذ نبيِّ الله وَّهِ، وإنِّي لأرى بياضَ فخذٍ
(١١) ومن باب: عِثْق الأمَة وتزويجها
(قوله: فانحسر الإزار عن فخذ نبي الله وَ﴿) إلى قوله: (وإنَّ ركبتي لتمسُّ هل الفَخِذُ
فخذه) قد ذكرنا الخلافَ في الفخذ. هل هو عورةٌ أم لا؟ وهذا الحديثُ مما يَسْتَدِلُّ عورةٌ؟
به مَن قال: إنَّه ليس بعورةٍ، وكذلك حديثُ عائشة - رضي الله عنها - الذي ذكرت
فيه: أنَّ رسولَ اللهِ وَ لَه كان مُضطجعاً في بيتها كاشِفاً عن فخذيه، فدخل أبو بكر
وعمر - رضي الله عنهما - وهو كذلك(١). وسيأتي الحديث في مناقب عثمان
- رضي الله عنه -.
وقد عارض هذه الأحاديث ما رواه الترمذيُّ وصحَّحه غیرُه من حديث جَرْهَد
عن أبيه: أنَّ النبيَّ وَِّ مرَّ به وهو كاشف فخذه، فقال: ((غطُّ فخذكَ فإنَّها من
العورة)»(٢). قال البخاريُّ: حديث أنس أسند، وحديث جَرْهَد أحوطُ کي يخرجَ من
اختلافهم.
قلتُ: وقد يترجَّح الأخذُ بحديث جَرْهَد من وجه آخر، وهو: أنَّ تلك
(١) رواه مسلم (٢٤٠١).
(٢) رواه الترمذي (٢٧٩٥).

١٣٨
(١٥) كتاب النكاح - (١١) باب: عتق الأمة وتزويجها
نبيِّ الله وَّرَ. فلما دخل المدينة قال: ((اللَّهُ أكبرُ خَرِبَتْ خيبر. إنَّا إذا نزلنا
بساحة قومٍ فساء صباحُ المنذَرين)) قالها ثلاث مرارٍ. قال: وقد خرج القومُ
الأحاديثَ قضايا معيَّنة في أوقات وأحوالِ مخصوصة، يتطرَّقُ إليها من الاحتمال ما
لا يتطرَّقُ لحديث جرهد، فإنه إعطاء حُكم كلِّيٍّ وتقعيدٌ للقاعدة، فكان أولى.
بيانُ ذلك: أنَّ تلك الوقائع تحتملُ خصوصيةَ النبيِّ وَ له بذلك، أو البقاء على
البراءة الأصلية؛ إذ كان لم يحكم عليه في ذلك الوقت بشيءٍ، ثمَّ بعد ذلك حُكِم
عليه: بأن الفخذَ عورة. ويحتملُ حديث أنس أنَّ النبيَّ وَّ لم يشعرْ بانكشافه لهمِّه
بشأن فتح خيبر، إلى غير ذلك من الاحتمالات التي لا يتوجّه بشيءٍ (١) منها على
حديث جَرْهَد. فكان أولى. والله تعالى أعلم.
وتكبيرُهُ وَِّ تعظيمٌ لله، وتحقيرٌ لهم، وتشجيعٌ عليهم. وقد تكلَّمنا على معنى
الله أكبر في كتاب: الحجّ.
و (قوله: ((خربتْ خيبر))) أي: صارت خراباً منهم. وهل ذلك على حقيقة
الخبرية، فيكون ذلك من باب الإخبار عن الغيب، أو على جهة الدُّعاءِ عليهم، أو
على جهة التَّفاؤل لمَّا خرجوا بمساحيهم، ومكاتلهم ومرورهم. وقد قيل كلُّ ذلك.
والأوَّلُ أولى لقوله وَ له: ((إنَّا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين)).
و (الساحة): الناحية، والجهة. و (ساء): أي: صار سيِّاً، من الشُّوء.
و (المنذر): أبلغ الإنذار، وهو التخويفُ بالإخبار عن المكروه. و (البشارة):
الإخبارُ بالمحبوب. و (الخميس): الجيش. سُمِّي بذلك لأنّه يُقْسَم خمسة
أخماس: القلب، والميمنة، والميسرة، والمقدمة، والسَّاقة. وقيل: لأنه
يخمَّس(٢). وليس بشيءٍ؛ لأنَّ هذا أمرٌ مُستجدٌّ من جهة الشرع، وكان الخميسُ
(١) من (م).
(٢) أي: تخمَّس فيه الغنائم.

١٣٩
(١٥) كتاب النكاح - (١١) باب: عتق الأمة وتزويجها
إلى أعمالهم. فقالوا: محمدٌ والخميس. قال: وأصبناها عَنْوَةً. وجُمِعَ
السَّبْيُ. فجاءه دَخْيَةُ فقال: يا نبيَّ الله! أعطني جارية من السَّنْي. فقال:
(ذهبْ فخذْ جاريةً)) فأخَذَ صَفِيَّةً بِنْتَ حُيَيٍّ. فجاءَ رجلٌ إلى نبيِّ اللهَ وَّل
فقال: يا نبي الله! أعطيتَ دِحْيَةَ صَفِيَّةَ بنتَ حُيَيٍّ، سيِّدِ قريظةَ والنضير؟
ما تصلح إلا لك! قال: ((ادعوه بها)) قال: فجاء بها، فلما نظر إليها
نَبِيُّ اللهِّهِ قال: ((خُذْ جاريةً من السَّبْي غَيْرَها)). قال: وأعتقها فتزوَّجَها.
اسماً للجيش معروفاً قبل ذلك. و (المكاتل): القفف والزَّنابيل. و (المرور):
الحبال؛ لأنها تمرُّ. أي: تفتل. واحدها: مَرٍّ. كانوا يصعدون بها النَّخل. وقيل:
هي المساحي.
و (قوله: وأصبناها عَنْوَةً) يعني: أوَّل حصونهم، وسيأتي ما افتتح منها
عَنْوةً، وما افتتح منها صُلحاً.
و (قوله: فجاء دِحيةُ فقال: يا رسول الله! أعطني جاريةً من السَّبي. فقال:
(ذهبْ فخذ)) فأخذ صفية. ثمَّ ذكر استرجاع النبيّ وََّ لصفيَّةً منه) قد ظنَّ بعضُ
المتكلِّمين على هذا الحديث: أنَّ هذه العطيَّةَ هِبةٌ من النبيِّ وَلَه لِدَخْية، فأشكل عليه
استرجاعه إيَّاها، فأخذ يعتذرُ عن هذا بأعذار. وهذا كلُّه ليس بصحيح، ولا يحتاجُ
إليه. وقد أزال إشكالَ هذه الرواية الرواياتُ الآتيةُ بَعْدُ التي ذكر فيها:" أنَّ صفية إنَّما
صارت لِدَحْية في مَقْسَمِه، وأنَّ النبيَّ ◌َل ◌ِ اشتراها منه بسبعة أرؤس. وهذه الرِّوايات
المتفقة لا إشكال فيها. بل هي رافعةٌ لما يتوهّم من إشكالِ غيرَها. ويبقى إشكالٌ
بين قوله: ((خُذْ جاريةً من السَّبي))، وبين قوله: وإنها صارت إليه في مَقْسَمِه.
يُزيله: تقدير: إنه إنما أراد: خُذْ بطريق القسمة. وفهم ذلك دَحْيَةٌ بقرائن أو تصريح
لم ينقلْه الراوي، فلم يأخذْ دِخْيةُ شيئاً إلا بالقسمة. ثمّ إنَّ النبيَّ وَّل حصل عنده أنها
لا تصلحُ إلا له، من حيث: أنها من بيتِ النبوّة؛ فإنها من ولد هارون. ومن بيت
الرئاسة؛ فإنها بنتُ سيِّد قريظة والنضير، مع ما كانت عليه من الجمال المراد

١٤٠
(١٥) كتاب النكاح - (١١) باب: عتق الأمة وتزويجها
فقال له ثابت: يا أبا حمزة! ما أصدَقَها؟ قال: نفسها. أعتقها وتزوَّجها.
لكمال اللذة الباعثة على كثرة النِّكاح المؤدية إلى كثرة النسل، وإلى جمال الولد.
وهذا من فِعْله كما قد نبّه عليه بقوله: ((تخيَّروا لنطفكم))(١). وأيضاً: فمثل هذه
تصلحُ أن تكون أمّاً للمؤمنين.
عصمة
وحذارِ من أن يظنَّ جاهلٌ برسول الله بَّهِ: أنَّ الذي حَمَلُه على ذلك غلبةُ
النبي 8 من الشهوة النفسانية، وإيثار اللذة الجسمانية؛ فإنَّ ذلك اعتقادٌ يجرُّه جَهْلٌ بحال
وسوسة
الشيطان
النبيِّ ◌َ ﴿، وبأنَّه معصومٌ من مثل ذلك؛ إذ قد أعانه اللَّهُ تعالى على شيطانه فأسلم،
فلا يأمره إلا بخيرٍ. وقد نزع اللَّهُ من قلبه حظَّ الشيطان، حيث شقَّ قلبه، فأخرجه
منه، وطهَّره، وملأه حِكْمةً وإيماناً، كما تقدَّم في الإسراء(٢). وإنَّما الباعثُ له على
اختيار ما اختاره من أزواجه ما ذكرتُ لك، وما في معناه. واللَّهُ تعالى أعلم.
جوازُ جعل
العِثْق صداقاً
و (قوله: أصدقها عتقها - أو - نفسها) استدلَّ بهذا طائفةٌ من أهل العلم على
جواز جَعْلِ العِثْقِ صَداقاً. وبه قال الثوريُّ، والأوزاعيُّ، والشَّافعيُّ، وأحمد،
وإسحاق، وأبو يوسف، وروي عن ابن المسيب، والحسن، والنخعيِّ، والزُّهريِّ.
غير أنَّ الشَّافعي يقول: هي بالخيار إذا أعتقها. فإن امتنعتْ فله عليها قيمتُها. ومنع
ذلك آخرون. منهم: مالك، وأبو حنيفة، ومحمَّد بن الحسن، وزفر، مُتمسّكين
باستحالة ذلك. ویتقرّر ذلك من وجھین:
أحدهما: أنَّ عَقْدها على نفسها إمَّا أن يقعَ قبل عِثْقها؛ وهو مُحالٌ؛ لتناقض
الحكمين: الحرية، والرقُّ. فإنَّ الحريةَ حُكْمُها الاستقلال. والرِّقُّ حُكمُه الجَبْر.
وهو: عدمُ الاستقلال. فهما متناقضان. وإمّا بعد العِثْق، وهو أيضاً محال؛ لزوال
حُكْمِ الجَبْر عنها بالعِثْق، فيجوزُ ألَّ ترضى، وحينئذٍ لا تُنكح إلا برضاها.
(١) رواه ابن ماجه (١٩٦٨)، والبيهقي (١٣٣/٧) وانظر: فتح الباري (١٢٥/٩).
(٢) انظر الحديث عند مسلم برقم (١٦٢/ ٢٦١).