Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
(١٤) كتاب الإمارة والبيعة - (٨) باب: إنما الطاعة ما لم يأمر بمعصية
وقال: ((لا طاعةَ في معصيةٍ، إنَّما الطَّاعةُ في المعروف)).
رواه أحمد (٩٤/١)، والبخاري (٧٢٥٧)، ومسلم (١٨٤٠)،
(٣٩ و٤٠)، وأبو داود (٢٦٢٥)، والنسائي (١٠٩/٧).
و (قوله: ((إنّما الطاعةُ في المعروف))). (إنَّما) هذه للتحقيق والحصر. فكأنَّه الطاعة في
قال: لا تکون الطّاعة إلا في المعروف. ویعني بالمعروف هنا: ما ليس بمنكرٍ،
المعروف
ولا معصيةٍ، فيدخل فيها الطاعاتُ الواجبةُ، والمندوبُ إليها، والأمورُ الجائزة
شرعاً. فلو أمر بجائزٍ لصارت طاعتُه فيه واجبةً، ولما حلَّت مخالفتُه. فلو أَمَر بما
زجر الشرعُ عنه زَجْرَ تنزيهٍ لا تحريم؛ فهذا مُشْكِل. والأظهر: جواز المخالفة
تمشُّكاً بقوله: ((إنَّما الطاعةُ في المعروف))، وهذا ليس بمعروفٍ إلا بأن يخاف على
نفسه منه [فله أن يمتثل](١). والله تعالى أعلم.
تنبيه: هذا الحديثُ يردُّ حكايةً حكيت عن بعض مشايخ الصوفية، وذلك أنَّ حكاية عن
مريداً له قال له يوماً: قد حمي التنور فما أصنع؟ فتغافل عنه، فأعاد عليه القول، بعض مشايخ
فقال له: ادخلْ فيه. فدخل المريدُ في التنور، ثم إنَّ الشيخ تذكَّر فقال: الحقوه،
الصوفية
كان قد عقد على نفسه ألا يخالفني، فلحقوه، فوجدوه في التنور لم تضرّه النَّار.
وهذه الحكايةُ أظنُّها من الكذب الذي كُذبَ به على هذه الطائفة الفاضلة، فكم قد
كَذَب عليها الزنادقة، وأعداء الدِّين. وبيانُ ما يحقّق ذلك: أنَّ هذا الشيخ إمَّا أن
يكونَ قاصداً لأمر ذلك المريد بدخول التنور أو لا . فإن كان قاصداً كان قَصْدُه ذلك
معصيةً، ولا طاعة فيها بنصِّ النبيِّ وَّ، ويكون امتثال المريد لذلك معصيةً. وكيف
(١) ساقط من (ع).

٤٢
(١٤) كتاب الإمارة والبيعة - (٨) باب: إنما الطاعة ما لم يأمر بمعصية
٠٠
تظهر الكرامات على العصاة في حال معصيتهم؟! فإنَّ الكرامةَ تدلُّ علی حسن حال
من ظهرتْ على يديه، وأنه مطيعٌ لله تعالى في تلك الحالة مع جواز أمرٍ آخر يكون
في المستقبل. وإن كان ذلك الشيخُ غيرَ قاصدٍ لذلك، ولا شاعرٍ بما صدر عنه،
فكيف يحلُّ للمريد أن يُلقيَ نفسَه في النَّار بأمرٍ غلطٍ، لا حقيقةً له. ثمَّ هذا المريدُ
عاصٍ بذلك الفعل، ولا يظهرُ على العاصي كرامةٌ في حال ملابسته للمعصية، ولو
جاز ذلك لجاز للزُّناة وشَرَبة الخمر والفسقة أن يدَّعوا الكراماتِ وهم ملابسون
الفسقهم. هذا ما لا يجوزُ إجماعاً. وإنما تُنسب الكراماتُ لأولياء الله، وهم أهلُ
طاعته، لا إلى أولياء الشيطان، وهم أهلُ الفسق والعصيان. والأولى في هذه
الحكاية وأشباهها ممَّا لا يليقُ بأحوال الفضلاء والعلماء الطَّعن على الناقل لا على
المنقول عنه. والله تعالى أعلم. فإن قيل: إنَّ الشيخَ لم يكن قاصداً لإدخال المريد
نفسه النار، وإنما صَدَرَ ذلك منه على جهة التأديب والتَّغليظ لكونه أكثر عليه من
السؤال، فكأنه قطعه عما كان أولى به في ذلك الحال، والمريد لصحة اعتقاده في
شيخه، وللوفاء بما جعل له عليه من الطَّاعة، وترك المخالفة، ولاعتقاده: أنه
لا يأمره إلا بما فيه مصلحةٌ دينية، ثم إنه قد صحَّ توُّلُ هذا المريد على الله تعالى،
وصدقه في حاله، فيحتملُ(١) له من مجموع ذلك: أنَّ الله تعالى ينجيه من النار،
ويجعل له في ذلك مخرجاً.
والجواب: أن يقولَ من يُجَوِّزُ الإقدامَ على تلك الحالة بتلك القيود
المذكورة، يلزمه أن يُجوِّزَ ما هو مُحرَّمٌ إجماعاً. بيانُ ذلك: أنَّه لو قال له على تلك
الحال(٢)، بتلك القيود: اقتل فلاناً المسلم، أو: ازن بفلانة، أو: اشرب الخمر؛
(١) في (ج ٢): فحصل.
(٢) في (ج ٢): الجهة.

٤٣
(١٤) كتاب الإمارة والبيعة - (٨) باب: إنما الطاعة ما لم يأمر بمعصية
لم يجز الإقدامُ على شيء من ذلك بالإجماع ولو كانت له تلك القيود كلها.
ولا فرقَ بين صورة الحكاية المذكورة وبين هذه الصُّور التي ذكرناها، إذ الكلُّ
مُحرَّمٌ قطعاً، وإن جوز انخراق العادة في: أنَّ النَّارَ لا تحرق، والسيف لا يحزُّ
الرقبة، والمذية لا تقطع الحلق، لكنَّ هذه التجويزات لا يُلتفت إليها، ولا تُهَدُّ
القواعدُ الشرعية لأجلها. فلو أقدمَ على شيءٍ من تلك الأمور لأجلِ أَمْر هذا الشيخ
لكان عاصياً، فكذلك إذا ألقى نفسه في النار، ولا فَرْق.
ثمَّ نقول: إنَّ التوقُّلَ على الله لا يصحُّ مع المخالفة والمعصية. وذلك أنَّ التوكل على الله
التوكُّلَ على الله تعالى هو: الاعتمادُ عليه والتفويضُ إليه فيما يجوزُ الإقدامُ عليه، لا يصح مع
أو فيما يخافُ وقوعَه، أو يُرْتجى حصوله، وقد يفضي التوكُّلُ بصاحبه إلى ألا يخاف
المعصية
شيئاً إلا الله، ولا يرجو سواه؛ إذ لا فاعلَ على الحقيقة إلا هو. وهذه الحالةُ إنَّما
تثمرها المعرفةُ بالله تعالى وبأحكامه، وملازمة الطَّاعة والتقوى والتوفيق الخاصّ
الإلَهي. وعلى هذا فَمِنَ المُحَال حصولُ هذه الحالة مع المعصية، والمخالفة.
والصَّحيحُ ما قاله رسولُ اللهِ﴿: ((لو دَخَلُوها ما خَرَجُوا منها)) وهذا هو الحقُّ
المبينُ ولو كره أكثرُ الجاهلین.
ومِن نوع هذه الحكاية: حكايةُ أبي حمزة الذي وقع في البئر، ثمَّ جاء قومٌ
وغطّوا البئر وهو في قعره ساكتٌ لم يتكلَّم، متوكلا على الله تعالى إلى أن غطوا
البئر، وانصرفوا. وللكلام في هذا موضعٌ آخر.

٤٤
(١٤) كتاب الإمارة والبيعة - (٩) باب: في البيعة على ماذا تكون
(٩) باب
في البَيْعة على ماذا تكون
[١٤٢٠] عن عبادةَ بن الصَّامت، قال: بايَعْنا رسولَ الله وَّه على
السَّمعِ والطَّاعةِ، في العُشْرِ واليُسْرِ، والمَنْشَطِ والمَكْرَهِ،
(٩) ومن باب: البيعة
وهي مأخوذةٌ من البيع، وذلك أنَّ المبايعَ للإمام يلتزمُ أن يَقِيَهُ بنفسه وماله،
فكأنَّه قد بذل نفسه وماله لله تعالى، وقد وعده اللهُ تعالى على ذلك بالجنَّة، فكأنَّه
قد حصلتْ له المعاوضة، فصدق على ذلك اسمُ البيع والمبايعة والشِّراء، كما قال
تعالى: ﴿﴿ إِنَّاللَّهَ أَشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَلَكُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ إلى أن
بذل صهيب قال: ﴿فَسْتَبْشِرُواْ بِبَيْحِكُمُ الَّذِى بَايَعْتُم بِهِ﴾ [التوبة: ١١١] وعلى نحوٍ من هذا قال
ماله في النبيُّ: ﴿﴿ لصهيبٍ: ((ربح البيع أبا يحيى))(١) وكانت قريش تبعته لتردّه عن هجرته،
تخلیص نفسه
فبذل لهم مالَه في تخليص نفسه ابتغاءَ ثواب الله تعالى، فسمَّاه النبيُّ وَّ بيعاً. وهذا
أحسنُ ما قيل في المبايعة.
ثمّ هي واجبةٌ على كلِّ مسلم لقوله وَليهِ: ((من مات وليس في عنقه بيعةٌ مات
البيعة واجبة
على كل مسلمٍ ميتة جاهليةً))(٢) غير أنَّه من كان من أهل الحلِّ والعقد والشهرة فبيعتُه بالقول
والمباشرة باليد؛ إن كان حاضراً، أو بالقول والإشهاد عليه إن كان غائباً، ويكفي
مَن لا يُؤْبه له، ولا يُعرف؛ أن يعتقدَ دخوله تحت طاعة الإمام، ويسمع ويطيع له
في السرِّ والجهر، ولا يعتقد خلافاً لذلك، فإن أضمره فمات مات ميتةً جاهليةً؛
لأنه لم يجعلْ في عنقه بيعةً.
و (قوله: بايعنا رسولَ اللهِلَ ﴿ على السَّمع والطّاعة) هذه البيعةُ تُسمَّى بيعة
بيعة الأمراء
(١) رواه الحاكم (٣٩٨/٣).
(٢) رواه مسلم (١٨٥١).

٤٥
(١٤) كتاب الإمارة والبيعة - (٩) باب: في البيعة على ماذا تكون
وعلى أَثَرةٍ علينا، وعلى أنْ لا نُنَازِعَ الأمرَ أهله ، وعلى أن نقولَ بالحقِّ
حيثُما كنَّا، لا نخافُ في اللَّهِ لومة لائم.
زاد في رواية: بعد قولِه: وألَّ نُنازعَ الأمرَ أهله، قال: ((إلاَّ أَنْ تَرَوْا
كُفْراً بَوَاحاً،
الأمراء. وسُمِّيت بذلك: لأنَّ المقصودَ بها تأكيدُ السمع والطاعة على الأمراء. وقد
كان عُبادةُ بايع رسولَ اللهِوَله بيعة النِّساء. وسميت بذلك: لأنَّه لم يكن فيها ذِكْر
حربٍ، ولا قتالٍ. وقد بايع النبيُّ ◌َ﴿ أصحابَه بيعةَ الرِّضوان. وسميت بذلك لقول
الله تعالى: ﴿﴿ لَقَدْ رَضِىَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَوْ﴾ [الفتح: ١٨]
وسيأتي ذكرها.
و (قوله: وعلى أثرةٍ علينا) قد تقدَّم القولُ في تقييد (أثرةٍ) وفي معناه. وكأنَّ وفاء الأنصار
هذا القولَ خاصٌّ بالأنصار. وقد ظهر أثرُ ذلك يوم حُنينٍ، حيث آثر النبيُّ وَّهِ قريشاً بما بايعوا عليه
بالفيء ولم يُعْطِ الأنصار شيئاً، فجرى من الحديث ما تقدَّم في كتاب: الزكاة.
وهناك قال النبيُّ ◌َله: ((اصبروا حتَّى تلقوني على الحوض))(١). فقالوا: سنصبر إن
شاء الله. وفيه أيضاً تنبيهٌ لهم: على أنَّ الخلافةَ في غيرهم. وقد صرَّح بذلك في
قوله: (وعلى ألا ننازع الأمر أهله). وكذلك فعلوا لمَّا علموا أهليةَ أبي بكرٍ
للخلافةِ، أذعنوا وسلَّموا، وسمعوا، وأطاعوا.
و (قوله: ((إلا أن تروا كُفْراً بَوَاحاً)) كذا روايةُ هذه اللفظة بالواو عند كافة
الرُّواة، وهي مِن: باح الرجلُ بالشيء، يبوحُ به بوحاً وبواحاً: إذا أظهره. وقال
ثابت(٢): رواه النسائي: بُؤَاحاً أو بُؤوحاً. وهي بمعناه، إلا ما زادت من معنى
(١) رواه البخاري تعليقاً (٤٦٣/١١)، ومسلم (١٨٤٥).
(٢) هو ثابت السّرقُسطي: أبو القاسم، محدِّث، حافظ، لغوي. له كتاب ((الدلائل)) في
شرح ما أغفل أبو عبيد وابن قتيبة من غريب الحديث. توفي سنة (٣١٣ هـ).

٤٦
(١٤) كتاب الإمارة والبيعة - (٩) باب: في البيعة على ماذا تكون
عندَكم مِن اللَّهِ فِيه بُرهانٌ)).
رواه أحمد (٣١٦/٥)، والبخاري (٧١٩٩)، ومسلم (١٧٠٩)
في الإمارة (٤١ و٤٢)، والنسائي (١٣٨/٧).
[١٤٢١] وعن ابن عمر، قال: كثَّا نُبَايعُ رسولَ الله ◌َّرِ على السَّمع
والطّاعةِ، فيقولُ: ((مَا اسْتَطَعْتُم)).
رواه أحمد (٩/٢)، والبخاري (٧٢٠٢)، ومسلم (١٨٦٧)، وأبو
داود (٢٩٤٠)، والنسائي (١٥٢/٧).
المبالغة. وقد رواها أبو جعفر: بَرَاحاً - بالراء - من قولهم: برح الخفاء. أي:
ظھر .
و (قوله: ((عندكم من الله فيه برهان))) أي: حُجَّةٌ بَيِّئَةٌ، وأمرٌ لا شكَّ فيه،
يَحصُل به اليقين أنَّه كفرٌ، فحينئذٍ يجبُ(١) أن يخلعَ من عقدت له البيعة على
ما قدَّمناه.
و(قوله # للمبايعين: «فيما(٢) استطعتم)) رفعٌ لِما يخافُ من التحرُّج بسبب
مخالفةٍ تقعُ غلطاً، أو سهواً، أو غلبةً. فإن ذلك كلّه غيرُ مؤاخَذٍ به. ولا يُفهم من
هذا تسويغُ المخالفة فيما يشقُّ ويثقل مما يأمر به الإمام فإنّه قد نصَّ في الأحاديث
المتقدِّمة على خلافه، حيث قال: ((على المسلم السمعُ والطّاعة فيما أحبَّ وكره،
في المنشط والمكره والعسر، واليسر)) وقال: ((فاسمع، وأطع، وإن ضُرِب ظهرك،
وأُخِذ مالك)) فلا مشقَّةً أكبر من هذه.
رفع التحرج
بسبب المخالفة
التي تقع غلطاً
(١) في (ج ٢): يجوز.
(٢) في (ع): إذا.

٤٧
(١٤) كتاب الإمارة والبيعة - (١٠) باب: الأمر بالوفاء ببيعة الأول
(١٠) باب
الأمر بالوفاء ببيعة الأوَّل ويُضْرَبُ عُنُقُ الآخر
[١٤٢٢] عن أبي هُرَيْرةَ، عن النَّبِيِّ وَّ قال: ((كانتْ بنو إسرائيل
تسوسُهمُ الأنبياءُ. كلَّما هَلَكَ نبيٌّ خلفهُ نبيٌّ.
(١٠) ومن باب: الوفاء ببيعة الأول وضرب عُنق الآخر
(قوله: ((كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء عليهم السلام، كلَّما هلك نبيٌّ معنى: إسرائيل
خَلَفه نبيٌّ))) إسرائيل هو: يعقوب عليه السلام، وبنوه: أولاده. وهم الأسباط،
وهم كالقبائل في أولاد إسماعيل. قال ابنُ عبَّاس: (إسرا) هو عبد و (إيل) هو
الله تعالى. فمعناه: عبد الله. وفيه لغاتٌ. وقيل: هو عبري، اسم واحدٌ بمعنى:
يعقوب. ويعني بهذا الكلام: أنَّ بني إسرائيل كانوا إذا ظهر فيهم فسادٌ، أو تحريفٌ
في أحكام التوراة بعد موسى بعث الله تعالى لهم نبياً يقيمُ لهم أمرهم، ويُصلح لهم
حالهم، ويزيل ما غُيِّرِ وبُدِّل من التوراة، وأحكامها. فلم يزل أَمْرُهم كذلك إلى أن
قتلوا يحيى وزكريًّا (١) - عليهما السلام - فقطع الله تعالى ملكهم، وبدَّد شملهم ما حلَّ ببني
ببختنصر وغيره. ثم جاءهم عيسى، ثمَّ محمَّد - صلى الله عليهما وسلم - فكذبوهما إسرائيل لقتلهم
﴿فَبَآَهُ و بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَفِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [البقرة: ٩٠]، وهو في الدنيا:
الأنبياء
ضرب الجزية، ولزوم الصَّغار والذِّلة ﴿ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَشَقُّ﴾ [الرعد: ٣٤].
ولمَّا كان نبيِّنا ﴿ آخر الأنبياء بَعْثاً، وكتابه لا يقبل التغييرَ أسلوباً ونظماً، مكانة العلماء
وقد تولَّى اللهُ تعالى كلامه صيانةً وحفظاً، وجعل علماءَ أمَّته قائمین بییان مُشْكِله،
في الإسلام
وحِفْظ حروفه، وإقامة أحكامه، وحدوده، كما قال ◌َِّ: ((يحملُ هذا العلمَ من كلِّ
خلفٍ عُدوله، ينفون عنه تحريفَ الغالين، وانتحالَ المبطلين، وتأويل
(١) في (ع): يحيى بن زكريا. والمثبت من (ج) و(ج ٢).

٤٨
(١٤) كتاب الإمارة والبيعة - (١٠) باب: الأمر بالوفاء ببيعة الأول
وإنَّه لا نبيَّ بعدي. وستكونُ خلفاءُ فتكثرُ)).
الجاهلين))(١). ويُروى عنهِرَ له أنه قال: ((علماءُ أمتي كأنبياء بني إسرائيل))(٢) ولمَّا
كان أمرُ هذه الأمَّة كذلك اكتفى بعلمائها عمَّا كان مِن توالي الأنبياء هنالك.
محمد ◌َ
خاتم الأنبياء
و (قوله: ((وإِنَّه لا نبيَّ بعدي))) هذا النفيُ عامّ في الأنبياء والرُّسل؛ لأنَّ
الرَّسولَ نبيٌّ وزيادةٌ. وقد جاء نصّاً في كتاب الترمذيِّ قوله: ((لا نبيَّ بعدي، ولا
رسول)»(٣). وقد قال الله تعالى: ﴿ وَلَكِنْ رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّيْنَ﴾ [الأحزاب: ٤٠].
ومن أسمائه في الكتب القديمة(٤) وفيما أطلقته هذه الأمّة: خاتم الأنبياء. وممَّا
سمَّى به نفسه: العاقب، والمقفي. فالعاقب: الذي يعقبُ الأنبياء، والمقفي: الذي
يقفوهم، أي: یکون بعدهم.
وعلى الجملة: هو أمرٌ مُجْمَعٌ عليه، معلومٌ من دين هذه الأمّة، فمن اذَّعى:
حکم من ادَّعى
أن بعد أنَّ بعده نبيٌّ، أو رسولٌ؛ فإن كان مُسِرّاً لذلك واطّلعَ عليه بالشهادة المعتبرة قُتِل
محمد # نبياً
قِتلة زنديق. فإن صرَّح بذلك فهو مرتدٌّ، يستتاب، فإن تاب، وإلا قُتِل قِتلة مرتدٍّ،
نَیُسْبی ماله.
و (قوله(٥): ((وستكون خلفاء فتكثر))) هذا منه وَ ﴿ إخبارٌ عن غيبٍ وقع على
نحو ما أخبر به، ووجد كذلك في غير ما وقت. فمن ذلك مبايعةُ النَّاس لابن الزُّبير
(١) رواه ابن عدي (١/ ١٥٢ - ١٥٣)، والقرطبي في تفسيره (٣٦/١ و٣١١/٧)، والعقيلي
في الضعفاء الكبير (٩/١ -١٠)، وابن حجر في لسان الميزان (٢١٠/١).
(٢) قال في كشف الخفاء: قال السيوطي في الدر المنثور: لا أصل له. وقال في المقاصد: قال
شيخنا - ابن حجر -: لا أصل له. (كشف الخفاء رقم ١٧٤٤).
(٣) رواه الترمذي (٢٢١٩) دون قوله: (ولا رسول). وهو عند الحاكم (٥٧٧/٢) بلفظ
المصنّف.
(٤) في (ج ٢): المتقدمة.
(٥) ساقط من (ع).

٤٩
(١٤) كتاب الإمارة والبيعة - (١٠) باب: الأمر بالوفاء ببيعة الأول
قالوا: فما تأمرنا؟ قال: ((فُوا ببيعة الأوَّلِ فالأوَّلِ،
بمكة، ولمروان بالشام، ولبني العباس بالعراق، ولبني مروان بالأندلس، ولبني
عبيد بمصر، ثمَّ لبني عبد المؤمن بالمغرب (١).
و (قوله: (فُوا ببيعةِ الأوَّل فالأوَّل))) دليلٌ على وجوب الوفاء ببيعة الأول. وجوب الوفاء
وسكت في هذا الحديث عمَّا يحكم به على الآخر. وقد نصَّ عليه في الحديث ببيعة الأول
الآتي حيث قال: ((فإن جاء أحدٌ ينازعه فاضربوا عُنُق الآخر)). وفي روايةٍ:
((فاضربوه بالسَّيف كائناً من كان)). وهذا الحكمُ مجمعٌ عليه عند تقارب الأقطار،
وإمكان استقلال واحدٍ بأمور المسلمين وضبطها. فأمَّا لو تباعدت الأقطارُ وخيفَ تباعد الأقطار
ضيعةُ البعيد من المسلمين، ولم يتمكن الواحدُ من ضَبْط أمور مَن بَعُدَ عنه؛ فقد
ذكر بعضُ الأصوليين: أنهم يقيمون لأنفسهم والياً يدبِّرهم، ويستقلُّ بأمورهم. وقد
ذكر: أنَّ ذلك مذهبُ الشافعيِّ في ((الأم)).
قلتُ: ويمكن أن يقال: إنهم يقيمون من يدبِّر أمورهم على جهة النيابة عن
الإمام الأعظم، لا أنّهم يخلعون الإمامَ المتقدم حكماً، ويُوَلُّون هذا بنفسه مستقلاً،
هذا ما لا يوجد نصّاً عن أحدٍ ممن يعتبر قوله. والذي يمكن أن يفعلَ مثل هذا؛ إذا
تعذر الوصولُ إلى الإمام الأعظم؛ أن يقيموا لأنفسهم من يدبِّرهم ممَّن يعترفُ
للإمام بالسّمع والطّاعة، فمتى أمكنهم الوصولُ إلى الإمام فالأمرُ له في إبقاء ذلك
أو عَزْله.
ثمَّ للإمام أن يُفوّضَ لأهل الأقاليم البعيدة التفويضَ العام، ويجعل للوالي
عليهم الاستقلال بالأمور كلُّها لتعذر المراجعة عليهم، كما قد اتَّفق لأهل الأندلس
وأقصى بلاد العجم.
فأمَّا لو عُقِدَت البيعةُ لإمامين معاً في وقتٍ واحدٍ في بلدين متقاربَيْن، البيعة الإمامين
في وقت
واحدٍ
(١) زاد في (ج ٢): ولبني ... باليمن.

٥٠
(١٤) كتاب الإمارة والبيعة - (١٠) باب: الأمر بالوفاء ببيعة الأول
وأعطوهُم حقَّهمْ؛ فإنَّ الله سائلُهُمْ عمَّا استرعاهُمْ)).
رواه البخاريّ (٣٤٥٥)، ومسلم (١٨٤٢).
[١٤٢٣] وعن عبدِ الله بن عمرو قال: كُنَّا مع رسولِ الله وَّ فِي
سفرٍ، فنزلنا منزلاً. فمنّا من يصلحُ خِبَاءَهُ، ومنَّا من يَنْتَضِلُ، ومنًّا من هو في
جَشَرِهِ؛ إذ نادى منادي رسولِ الله وَّه فقال: الصلاةَ جامعةً. فاجتمعنا إلى
فالإمامةُ لأرجحهما. وهل قرابةُ أحدهما من الإمام المتوفَّى موجبةٌ للرجحان أم لا؟
اختلفوا فيه. فمنهم من قال: يقدم الأقعد فالأقعد به(١) كولاية النكاح. ومنهم من
لم يعتبر ذلك، وفرَّق بين الولايتين، والفرقُ واضحٌ. فأمَّا لو تساويا من كلِّ وجهٍ
فيقرُ بينهما. والفرض في اثنين كلُّ واحدٍ منهما كامل أهلية الولاية باجتماع
الشُّروط المعتبرة المنصوص عليها في كُتب أئمتنا المتكلمين.
و (قوله: ((أعطوهم حقَّهم))) يعني به: السَّمع، والطّاعة، والذَّبّ عِرْضاً
ونفساً، والاحترام، والنُّصرة له على مَن بغى عليه.
و (قوله: ومنا من ينتضل) أي: يرمي بالسهام تدرُّباً ومداومة. والمناضلة:
المراماة بالسهام ..
و (قوله: ((ومنًّا من هو في جشره) قال أبو عُبيد: الجشر: قومٌ يخرجون إلى
المرعى بدوابُّهم. قال الأصمعيُّ: وهم يبيتون فيه، فربما رأوا أنّه (٢) سفرٌ تقصرُ فيه
الصلاة؛ وليس كذلك. ولذلك قال في حديث عثمان: ((لا يغرَّنْكم جَشَرُكم من
صلاتکم»(٣) يعني: لا تقصروا صلاتكم فيه.
و (قول منادي رسول الله وَ ل﴿ل الصلاةَ جامعةٌ) خبرٌ بمعنى الأمر، كأنه قال:
(١) أي: الأقرب نسباً.
(٢) في (ج ٢): ذلك.
(٣) ذكره الزمخشري في (الفائق) في غريب الحديث (٢١٥/١).

٥١٠
(١٤) كتاب الإمارة والبيعة - (١٠) باب: الأمر بالوفاء ببيعة الأول
رسولِ الله وَّهِ فقال: ((إنَّه لم يكنْ نبيٌّ قبلي إلا كانَ حقّاً عليه أن يَدُلَّ أَمَّتَه
على خير ما يعلمه لَهُمْ، وينذرَهم شرَّ ما يعلمُه لهم. وإنَّ أمَّتَكُم هذه جُعِلَ
عافيتُها في أوَّلها. وسيصيبُ آخرَها بلاءٌ وأمورٌ تُنْكِرُونها. وتجيءُ فتنةٌ
فيدفقُ بعضُها بعضاً. وتجيءُ الفتنةُ فيقولُ المؤمنُ: هذه مُهْلِكتي. ثم
تنكشفُ، وتجيءُ الفتنةُ فيقولُ المؤمنُ: هذه، لهذه. فمن أحبَّ أنْ يُزَحْزَحَ
اجتمعوا للصلاة. وكأنَّه كان وقتَ صلاةٍ، فلمّا جاؤوا صلَّوا معه، وسكت الراوي
عن ذلك. وإلا فمن المحال أن ينادي منادي الصَّادق بالصلاة ولا صلاة.
و(قوله وَ له: ((إنّه لم يكن نبيّ إلا كان حقّاً عليه أن يدلَّ أمّته على خير واجب الأنبياء
ما يعلُمه لهم))) أي: حقّاً واجباً؛ لأنَّ ذلك من طريق النصيحة والاجتهاد في التبليغ النصح للأمة
والبيان.
و (قوله: ((وإنَّ أمَّتكم هذه جُعِل عافيتها في أولها وسيصيب آخرها بلاءٌ عافية هذه الأمة
وأمورٌ تنكرونها))) يعني بأوَّل الأمة: [زمانه وزمان الخلفاء الثلاثة إلى قتل عثمان. في أولها
فهذه الأزمنة كانت أزمنة اتفاقٍ هذه الأمّة](١)، واستقامة أمرها [وعافية دينها](٢)
فلما قتل عثمان ماجت الفتنُ كموج البحر، وتتابعت كقطع الليل المظلم، ثمَّ لم مقتل عثمان
تزلْ ولا تزال متواليةً إلى يوم القيامة. وعلى هذا: فأول آخر هذه الأمة - المعنىّ فى أول الفتن
هذا الحديث - مقتل عثمان، وهو آخر بالنسبة إلى ما قبله من زمان الاستقامة
والعافية. وقد دلَّ على هذا قوله: ((وأمور تنكرونها)) والخطاب لأصحابه. فدلَّ:
على أنَّ منهم من يدرك أول ما سمَّاه آخراً، وكذلك كان.
و (قوله: ((وتجيءُ الفتنة فيَذْفِقُ بعضُها بعضاً)) الرواية: (يَدفق) بالتخفيف، الفتن يدفق
وفتح الياء، هذه رواية الطبري عن الفارسي ومعنى فيدفق: يدفع، والدَّفق: الدفع. بعضها بعضاً
(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).
(٢) ساقط من (م).

٥٢
(١٤) كتاب الإمارة والبيعة - (١٠) باب: الأمر بالوفاء ببيعة الأول
عن النَّار ويُدْخَلَ الجنَّة، فلتأته منيَّتُه وهو يؤمن باللّهِ واليوم الآخر. ولیأتِ
إلى النَّاس الذي يحبُّ أن يُؤْتَى إليه. ومن بايع إماماً، فأَعطاه صفقةَ يَدِهِ
وثمرةَ قَلْبِهِ، فَلْيُطِعْهُ إن استطاع. فإنْ جاء آخرُ ينازِعُه فاضربوا عُنُقَ الآخر)).
قال عبد الرحمن بنُ عبدِ ربِّ الكعبة: فدنوتُ منه فقلت: أَنْشُدُك الله! آنت
سمعت هذا من رسول الله وَر؟ فأهوى إلى أذنيه وقلبه بيديه. وقال: سَمِعَتْهُ
أذنايَ، ووعاه قلبي. فقلت له: هذا ابنُ عمِّك معاويةُ يأمرُنا أنْ نأكل أموالنا
ومنه: الماء الدَّافق. ويعني: أنها كموج البحر الذي يَدْفق بعضُه بعضاً. وشُبِّه
المؤمنُ في هذه الفتن بالعائم الغريق بين الأمواج، فإذا أقبلتْ عليه موجةٌ قال: هذه
مهلكتي. ثم تروح عنه تلك فتأتيه أخرى (فيقول: هذه، هذه) إلى أن يغرقَ
بالكُلِية. وهذا تشبيه واقع. ورواه أكثر الرواة: (فَيُرَقُّق) بالراء المفتوحة، والقاف
الأولى المكسورة. أي: يُسَيِّبُ بعضُها بعضاً، ويُشير إليه، كما قالوا في المثل: عن
صبوحٍ تُرَقَّقُ؟ و (يُزحزحُ عن النار): يُنتَّى عنها ويُؤَخَّرُ منها.
السمع والطاعة
والنصح
والنصرة
للأمراء
و (قوله: ((وليأتِ إلى الناس الَّذي يُحبُّ أن يُؤْتى إليه))) أي: يجيء إلى
الناس بحقوقهم من النُّصح، والنيّة الحسنة بمثل الذي يحبُّ أن يُجاءَ إليه به. وهذا
مثل قوله ◌َله: ((لا يؤمن أحدكم حتَّى يحبَّ لأخيه ما يحبُّ لنفسه))(١). والناس
هنا: الأئمة والأمراء. فيَجبُ عليه لهم من السَّمع، والطّاعة، والنُّصرة، والنَّصيحة،
مثلَ ما لو كان هو الأمیرُ لکان یحبُّ أن يُجاء له به.
و (قوله: ((ومَنْ بايعَ إماماً فأعطاه صَفْقَة يده، وثَمَرَةَ فُؤاده))) يدلُّ: على أنَّ
البَيْعة لا يُكتفى فيها بمجرَّد عقد اللُّسان فقط، بل لا بدَّ من الضرب باليد، كما قال
تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اَللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيِهِمْ﴾ [الفتح: ١٠]، ولكن
(١) رواه أحمد (١٧٦/٣ و٢٧٢)، والبخاري (١٣)، ومسلم (٤٥)، وابن ماجه (٦٦)،
والترمذي (٢٥١٥)، والنسائي (١٢٥/٨).

٥٣
(١٤) كتاب الإمارة والبيعة - (١٠) باب: الأمر بالوفاء ببيعة الأول
بيننا بالباطل، ونقتل أنفسنا. والله يقول: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأْكُلُوا
أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُم بِالْبَطِلِّ إِلَّ أَنْ تَكُونَ نِحَرَةً عَن تَرَاضِ مِنْكُمْ وَلَا نَقْتُلُواْ
أَنفُسَكُمْ﴾ الآية [النساء: ٢٩]، قال: فسكت ساعةً ثمَّ قال: أَطِعْهُ في طاعة
الله. واعْصِهِ في معصية الله.
رواه مسلم (١٨٤٤) (٤٦)، وأبو داود (٤٢٤٨)، والنّسائيّ (١٥٣/٧).
ذلك الرِّجال فقط على ما يأتي. ولا بدَّ من التزام البَيْعة بالقلب، وترك الغش البيعة من أعظم
والخديعة، فإنها من أعظم العبادات، فلا بدَّ فيها من النيّة والنَّصيحة. و (الصفقة) العبادات
أصلُها: الضربُ بالكفِّ على الكفّ، أو بأصبعين على الكفِّ، وهو: التصفيق.
وقد تقدَّم في كتاب الصلاة.
واستحلاف عبد الرحمن زيادةٌ في الاستيثاق، لا أنَّه كذَّبَه، ولا اثَّهَمَه.
وما ذكره عبد الرحمن عن معاوية إغياء في الكلام على حسب ظنه وتأويله، وإلاَّ
فمعاويةُ - رضي الله عنه - لم يُعرف من حاله، ولا من سيرته شيءٌ مما قاله له،
وإنَّما هذا كما قالت طائفةٌ من الأعراب: إنَّ ناساً من المُصدِّقين يظلموننا. فسمَّوْا
أخذَ الصَّدقة: ظُلماً؛ حسب ما وقع لهم.
و (قول ابن عمرو: أطعه في طاعة الله، واعصه في معصية(١) الله) هذا كما
قاله ◌َله: ((فإن أمر بمعصيةٍ فلا سمعَ ولا طاعةَ))(٢).
(١) في الأصول: ((في معصيته)) والتصحيح من التلخيص وصحيح مسلم.
(٢) تقدم تخريجه في التلخيص برقم (١٧١٨).

٥٤
(١٤) كتاب الإمارة والبيعة - (١١) باب: يُصْبِرُ على أذاهم وتُؤدّى حقوقهم
(١١) باب
يُصْبر على أذاهم وتؤدّى حقوقهم
[١٤٢٤] عن أُسَيْدٍ بن حُضير: أنَّ رجلاً من الأنصار خلا
برسولِ الله وَ﴿ فقال: ألا تستعملني كما استعملت فلاناً؟ فقال: ((إنكم
سَتَلْقَوْنَ بعدي أَثَرَةً، فاصبروا حتى تَلْقَوْني على الحوض)).
رواه البخاريُّ (٣٧٩٢)، ومسلم (١٨٤٥)، والترمذي (٢١٩٠)،
والنسائيّ (٢٢٤/٨ -٢٢٥).
[١٤٢٥] وعن سلمةَ بنِ يزيدِ الجُعْفِيِّ وسألَ رسول الله وَله فقال:
يا نبيَّ الله! أرأيتَ إنْ قامتْ علينا أمراءُ يسألوننا حقَّهم، ويمنعوننا حقًّنا! فما
تأمرنا؟ فأعرضَ عنه. ثُمّ سأله، فأعرض عنه. ثمَّ سأله في الثانية، أو في
الثالثة، فَجَذَبَهُ الأشعثُ بنُ قيس. فقال رسول الله وَّر: ((اسمعوا وأطيعوا،
(١١) ومن باب: يصبر على أذاهم وتُؤْدَّى حقوقهم
ورود الأنصار
على الحوض
(قوله ﴿ للأنصار: ((اصبروا حتى تلقوني على الحوض))) بشارةٌ لهم بأنَّهم
يَرِدُون عليه الحوضَ، ولعلَّهم المشار إليهم بقوله وَله: ((إنِّي لأذودُ النَّاسَ عن
حوضي بعصاي لأهل اليَمَنِ)) (١) فإنَّ المدينة يمانيةٌ، وأهلها سبَّاق أهل اليمن إلى
الإسلام، وهم الأنصار. وسكوت النبيِّ ◌َ﴿ عن السائل حتَّى كرَّر السؤالَ ثلاثاً،
يُحتمل أن يكون لأنَّه كان ينتظرُ الوحيَ. أو: لأنه كان يستخرجُ من السائل حرصَه
على مسألته واحتياجه إليها، أو: لأنه كره تلك المسألة؛ لأنَّها لا تصدرُ في الغالب
إلا من قلبٍ فيه تشوُّفٌ لمخالفة الأمراء، والخروج عليهم.
((١) رواه أحمد (٢٨٠/٥ و٢٨١ و٢٨٢)، ومسلم (٢٣٠١)، وابن حبان (٦٤٥٥).

٥٥
(١٤) كتاب الإمارة والبيعة - (١١) باب: يُصْبَرُ على أذاهم وتُؤدّى حقوقهم
فإنَّما عليهم ما حُمِّلوا وعليكم ما حُمِّلْتُم)).
رواه مسلم (١٨٤٦) (٤٩)، والترمذيُّ (٢٢٠٠).
[١٤٢٦] وعن حذيفة بن اليمان قال: كان النَّاس يسألونَ
رسولَ اللهِ وَ ﴿ه عن الخيْرِ، وكنتُ أسأله عن الشَّرِّ مخافةَ أنْ يدركني.
فقلتُ: يا رسولَ الله! إنَّا كنَّا في جاهليةٍ وشرٍّ، فجاءنا اللَّهُ بهذا الخير، فهل
بعد هذا الخير شرٌّ؟ قال: ((نعم))،
و (قوله: ((عليهم ما حُمِّلوا، وعليكم ما حُمِّلْتُم))) يعني: أنَّ الله تعالى كلَّف ما كلف به
الولاةَ العدلَ وحسنَ الرعاية، وكلَّف المُوَلَّى عليهم الطاعة وحسن النصيحة. فأرادَ: الولاة والرعية
أنه إن عصى الأمراءُ اللَّهَ فيكم، ولم يقوموا بحقوقكم؛ فلا تعصُوا اللَّهَ أنتم فيهم،
وقوموا بحقوقهم، فإنَّ الله مجازٍ كلَّ واحدٍ من الفريقين بما عمل.
و (قول حذيفة: كان النَّاس يَسألون رسولَ اللهِوَلِّ عن الخير، وكنتُ أسألُه ما كان يسأل
عن الشرِّ) يعني: أنَّه كان أكثرُ مسائل النَّاس عن الخير، وكانت أكثرُ مسائله عن الشرِّ، عنه حذيفة
وإلا فقد سألَ غيرُه رسول الله وَ له عن كثيرٍ من الشَّرِّ. وقد كان حذيفةُ أيضاً يسألُ رسول الله له
رسول الله وَّر عن كثيرٍ من الخير.
والخير والشرُّ المَعْنِيَّان في هذا الحديث إنَّما هما: استقامة أمر دين هذه
الأمة، والفتن الطارئة عليها بدليل باقي الحديث وجواب النبيِّ پز له بذلك.
و (قوله: مخافة أن يدركني) يدل: على حزم حذيفة، وأخذه بالحذر. الكلام على
وذلك: أنَّه كان يتوقع موت النبيِّ وَّه فيتغير الحالُ، وتظهر الفتنُ، كما اتَّفْقَ. وفيه المسائل قبل
دليلٌ: على فرض المسائل، والكلامُ عليها قبل وقوعها إذا خيف موتُ العَالِم.
و قوعها
و (قوله: فهل بعدَ ذلك الخير من شرّ؟ قال: ((نعم))) يعني به: الفتن متى بدأت
الطارئة، بعد انقراض زمان الخليفتين والصدر من زمان عثمان كما تقدَّم.
الفتن؟

٥٦
(١٤) كتاب الإمارة والبيعة - (١١) باب: يُصْبَرُ على أذاهم وتُؤذّى حقوقهم
فقلت: هل بعد ذلك الشَّرِّ من خيرٍ؟ قال: ((نعم، وفيه دَخَنٌ))، قلت: وما
دَخَنُه؟ قال: ((قومٌ يَسْتَنُّون بغير سنَّتِي، ويَهْدُونَ بغير هديي، تعرفُ منهم،
وتنكر))، فقلت: هَلْ بعد ذلك الخير من شرّ؟ قال: ((نعم. دعاةٌ على
و (قوله: فهل بعد ذلك الشرِّ من خير؟ قال: ((نعم، وفيه دَخَنٌ))) بفتح الدَّال
والخاء لا غير. وهو عبارةٌ عن الكدر. ومنه قولهم: هُدْنَةٌ على دَخَنٍ. حكى معناه
أبو عُبيد. وقيل: هي لغةٌ في الدُّخَان. ومنه الحديث: وذكرَ فتنةً فقال: ((دَخَنُهَا تحتَ
قدمي)(١).
وقيل: إنَّ خبر حذيفة هذا إشارةٌ إلى مدَّة عمر بن عبد العزيز.
خلافة معاوية
قلت: وفيه بعدٌ. بل الأولى: أن الإشارة بذلك إلى مدة خلافه معاوية، فإنها
كانت تسع عشرة سنة وثلاثة أشهر، وهي مدة الهدنة التي كان فيها الدَّخَن؛ لأنَّه لما
بايع الحسنُ معاويةَ واجتمع النَّاسُ عليه كره ذلك كثير من النَّاس بقلوبهم، وبقيت
الكراهةُ فيهم، ولم تُمكنهم المخالفةُ في مدة معاوية، ولا إظهارُها إلى زمن
يزيد بن معاوية، فأظهرَها كثيرٌ من الناس. ومدة خلافة معاوية كان الشرُّ فيها قليلاً
والخيرُ غالباً، فعليهم يصدقُ قوله عليه الصلاة والسلام: ((تعرفُ منهم وتُنكر)).
خلافة يزيد بن وأمَّا خِلافة ابنه فهي أول الشرِّ الثالث، فيزيدُ وأكثر ولاته، ومَنْ بعده من خلفاء بني
معاوية ومن أمية هم الذين يصدقُ عليهم: أنهم ((دعاةٌ على أبواب جهنم من أجابَهم إليهم قذفوه
فيها))، فإنَّهم لم يَسيروا بالسَّواء، ولا عَدلوا في القضاء. يدل على ذلك تصفح
أخبارهم، ومطالعةُ سِيَرَهم، ولا يُعترض على هذا بمدة خلافة عمر بن عبد العزيز،
بأنها كانت خلافةُ عدلٍ، لقصرها، وندورها في بني أميّة، فقد كانت سنتين وخمسة
أشهرٍ، فكأنَّ هذا الحديث لم يتعرَّض لها، والله تعالى أعلم.
بعده
و (دعاة): جمع داع، كقضاة وقاضٍ. و (قذفوه): رموه. يعني بذلك: أنَّ
(١) رواه أحمد (١٣٣/٢)، وأبو داود (٤٢٤٢).
٠

٥٧
(١٤) كتاب الإمارة والبيعة - (١١) باب: يُصْبَرُ على أذاهم وتُؤدّى حقوقهم
أبواب جهنّم، من أجابهم إليها قَذَفُوه فيها)). فقلتُ: يا رسول الله! صفهم لنا.
قال: ((هم قومٌ مِنْ جِلْدَتِنَا، ويتكلمون بألسنتنا)). فقلت: يا رسولَ الله! فما
ترى إنْ أدركني ذلك؟ قال: ((تلزمُ جماعة المسلمين وَإِمَامَهُمْ))، قلت: فإن لم
تكنْ لهم جماعةٌ ولا إمام؟ قال: ((فاعتزلْ تلكَ الفِرَقَ كلَّها، ولو أن تَعَضَّ علی
أصلٍ شجرةٍ؛ حتى يدركك الموتُ، وأنت على ذلك)).
مَن وافقهم على آرائهم، واتَّبعهم على أهوائهم كانوا قائديه إلى النار.
و (قوله: ((هم قومٌ من جِلْدتنا، ويتكلَّمون بألسنتنا))) يعني بأنَّهم ينتمون إلى
نسبه، فإنَّهم من قريش، ويتكلمون بكلام العرب. وكذلك كانت أحوال بني أميّة .
و (قوله: ((تلزم جماعة المسلمين وإمامهم))) يعني: أنه متى اجتمع لزوم جماعة
المسلمون على إمام فلا يُخْرَج عليه؛ وإن جار؛ كما تقدَّم؛ وكما قال في الرواية المسلمين
الأخرى: (فاسمع، وأطع). وعلى هذا: فَتُشْهَدُ مع أئمة الجور الصلواتُ،
وإمامهم
والجماعاتُ، والجهادُ، والحُ، وتُجتنب معاصيهم، ولا يطاعون فيها.
و (قوله: فإن لم يكن لهم جماعةٌ ولا إمامٌ) هذه إشارةٌ إلى مثل الحالة التي ما حصل
اتفقت للناس عند(١) موت معاوية بن يزيد بن معاوية، فإنَّه توفي لخمس بقين من للمسلمين عند
ربيع الأول سنة أربع وستين، ولم يعهدْ لأحدٍ، وبقي الناس بعده بقية ربيع الأول يزيد
موت معاوية بن
وجمادين وأياماً من رجب من السَّنة المذكورة لا إمامَ لهم، حتى بايع النَّاسُ بمكة
لابن الزبير، وفي الشَّام لمروان بن الحكم.
و (قوله: ((فاعتزل تلك الفرقَ كلَّها))) هذا أمرٌ بالاعتزال عند الفتن، وهو على الاعتزال عند
جهة الوجوب، لأنَّه لا يسلمُ الدِّينُ إلا بذلك. وهذا الاعتزالُ عبارةٌ عن ترك الفتن
الانتماء إلى من لم تتمّ إمامته من الفِرَق المختلفة. فلو بايعَ أهلُ الحلِّ والعقد
(١) في (م): بعد.

٥٨
(١٤) كتاب الإمارة والبيعة - (١١) باب: يُصْبَرُ على أذاهم وتُؤدّى حقوقهم
وفي روايةٍ قال: ((يكونُ بعدي أئمةٌ لا يهتدون بِهُدَايَ، ولا يستثُّون
بسنَّتي، وسيقومُ فيهم رجالٌ قلوبُهم قلوبُ الشَّيَاطِين في جُثْمانِ إِنْسٍ)).
قال: قلت: كيف أصنع يا رسول الله! إن أدركت ذلك؟! قال: ((تسمعُ
وتطيعُ، وإن ضُرِب ظَهْرُك، وأُخِذَ مالك، فاسمعْ وأطِعْ)).
رواه البخاري (٧٠٨٤)، ومسلم (١٨٤٧) (٥١ و ٥٢).
لواحدٍ موصوفٍ بشروط الإمامة لانعقدتْ له الخلافة، وحرمتْ على كلِّ أحدٍ
المخالفة، فلو اختلف أهلُ الحلِّ والعقد، فعقدوا لإمامين، كما اتفق لابن الزبير
ومروان؛ لكان الأولُ هو الأرجحُ كما تقدَّم.
و (قوله: ((يكون بعدي أمراء قلوبُهم قلوبُ الشياطين في جثمان إنس))) هذا
خبرٌ عن أمر غيبٍ وقع موافقاً لمخبره، فكان دليلاً على صحة رسالته وصِدْقه وَله.
و (الشياطين): جمع شيطان، وهو الماردُ من الجنِّ، الكثير الشرِّ. وهل هو مأخوذٌ
من: شَطن، أي: بَعُد عن الخير والرحمة، أو من: شاط، يشيط، إذا احتدَّ واحترق
غيظاً؟ اختلف فيه النحويون، وعلى الأول: فالنون أصلیةٌ، فینصرفُ واحده، وعلى
الثاني: فهي غير أصلية فلا ينصرف. والجثمان، والشخص، والآل، والطلل
كلّها: الجسم، على ما حكاه اللغويون.
من أدلة صحة
رسالته لل

٥٩
(١٤) كتاب الإمارة والبيعة - (١٢) باب: فيمن خلع بداً من طاعة
(١٢) باب
فيمن خلعَ يداً من طاعةٍ وفارقَ الجماعة
[١٤٢٧] عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ وَّ أنه قال: ((مَنْ خرج مِن
الطَّاعِةِ، وفارقَ الجماعةَ، فماتَ فمِيْتَتُهُ جَاهليةٌ. ومَنْ قاتَلَ تحتَ رَايَةٍ عُمِّيَّةٍ
يغضبُ لِعَصَبَةٍ أو يَدْعُو إلى عَصَبَةٍ، أو يَنْصِرُ عَصَبَةٌ، فَقُتِلَ فِقِتْلَتُه جَاهِلِيَّةٌ.
(١٢) ومن باب: إثم من خلع يداً من طاعةٍ
(قوله: ((من خرج عن الطاعة، وفارقَ الجماعة، فميتته جاهلية))) يعني الخروج عن
بالطاعة: طاعة ولاة الأمر، وبالجماعة: جماعة المسلمين على إمام، أو أمر الطاعة ومفارقة
مجتمع عليه. وفيه دليلٌ على وُجوب نصب الإمام، وتحريم مخالفة إجماع
الجماعة
المسلمين، وأنَّه واجبُ الاتِّباع. ويستدلُّ بظاهره من كفَّر بخرق الإجماع مُطلقاً. حكم خرق
والحقَّ: التفصيل. فإن كان الإجماعُ مقطوعاً به فمخالفته، وإنكاره كفرٌ، وإن كان الإجماع
مظنوناً فإنكاره ومخالفته معصيةٌ، وفسوقٌ. ويعني بميتة الجاهلية: أنَّهم كانوا فيها حكم من لم
لا يُبايعون إماماً، ولا يدخلون تحت طاعته. فمن كان من المسلمين لم يدخل بدخل تحت
تحت طاعة إمام فقد شابههم في ذلك، فإن مات على تلك الحالة مات على مثل
طاعة إمام
حالهم مرتكباً كبيرةً من الكبائر، ويُخاف عليه بسببها ألَّ يموت على الإسلام.
و (قوله: ((ومن قاتل تحت راية عُمِّيَّةٍ))) رويته بكسر العين وتشديد الميم الراية العُمِّيّة
والياء. ويقال: بضم العين. قال بعضهم: العمية: الضلالة. وقال أحمد بن حنبل:
هو الأمرُ الأعمى كالعصبية لا يستبينُ ما وَجْهُه. وقال إسحاق: هذا في تهارج
القوم، وقَتْل بعضهم بعضاً، كأنّه من التعمية، وهو التَّلبيس.
و (قوله: ((يغضب لعَصَبةٍ أو ينصر عَصَبَةَ))) هكذا روايةُ الجمهور بالعين
والصاد المهملتين من التعصُّب. وقد رواه العذري بالغين والضاد المعجمتين، من

٦٠
(١٤) كتاب الإمارة والبيعة - (١٢) باب: فيمن خلع يداً من طاعة
ومَنْ خرجَ على أُمَّتِي، يضربُ بَرَّهَا وفَاجِرَها، ولا ينحاشَ عن مُؤْمِنَها، ولا
يَقِي لذي عَهْدٍ عَهْدَه، فليسَ مِنِّي ولستُ منه)).
الغضب. والأول أصح، وأبين، ويعضده تأويل أحمد بن حنبل المتقدِّم. ولرواية
العذريِّ وجهٌ. وهو: أنَّه يريد به الغضبَ الذي يحمل عليه التعصب.
و (قوله: ((ومن خرج على أمَّتي يضربُ برَّها وفاجرها))) البَرُّ: التَّقيُّ.
والفاجر: المسيء. وفيه دليلٌ: على أنَّ ارتكابَ المعاصي، والفجور، لا يُخْرِج
عن الأمَّة.
ارتکاب
المعاصي
والفجور
و (قوله: ((ولا ينحاش عن مؤمنها))) أي: يُجانِب، ولا يميل. يقال: انحاش
إلى كذا: أي: انضم إليه ومال. وفي الرِّواية الأخرى: ((ولا يتحاشى)) من
المحاشاة، بمعنى ما تقدَّم.
و (قوله: ((ولا يفي لذي عهدٍ بعهده))) يعني به: عهد البيعة والولاية.
معنى: ((ليس
منه)
و (قوله: ((فليس منِّي، ولستُ منه))) هذا التَّرِّي ظاهره: أنه ليس بِمُسْلِمٍ.
مني ولست وهذا صحيحٌ إن كان مُعتقِداً لحلِّيَّة ذلك، وإن كان معتقداً لتحريمه؛ فهو عاصٍ من
العصاة، مرتكب كبيرةً، فَأَمْرُه إلى الله تعالى. ويكون معنى التبرِّي على هذا: أي:
ليستْ له ذمَّةٌ ولا حرمةٌ، بل إن ظُفِر به قُتل، أو عُوقِب، بحسب حاله وجريمته.
ويحتملُ أن يكون معناه: ليس(١) على طريقتي، ولستُ أرضى طريقته. كما تقدم
أمثالُ هذا. وهذا الذي ذكره في هذا الحديث هي أحوالُ المقاتلين على الملك،
والأغراض الفاسدة، والأهواء الركيكة، وحمية الجاهلية. وقد أبعد مَن قال: إنهم
الخوارجُ؛ فإنَّهم إنما حملهم على الخروج الغَيْرَةُ الدِّين، لا شيءَ من العصبية
والملك، لكنَّهم أخطؤوا التأويل، وحرَّفوا التَّزيل.
(١) من (ج ٢).