Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١ (١٤) كتاب الإمارة والبيعة - (٣) باب: النهي عن سؤال الإمارة قال: فضرب بيده على مَنْكِبِيْ. ثم قال: ((يا أبا ذر! إنَّك ضعيفٌ. وإنَّها أمانةٌ، وإنَّها يوم القيامةِ خزيٌ وندامةٌ، إلا مَنْ أخذها بحقُّها وأدَّى الذي علیه فيها)). رواه أحمد (١٧٣/٥ - ٢٦٧)، ومسلم (١٨٢٥). [١٤٠٤] وعنه، أنَّ رسول الله وَ له قال: ((يا أبا ذرًّ! إنِّي أراك ضعيفاً، وإنِّي أحبُّ لك ما أحبُّ لِنَفْسِي. لا تأمَّرَنَّ على اثنين، ولا تَوَلَّيَنَّ مال یتیم)). رواه مسلم (١٨٢٦)، وأبو داود (٢٨٦٨)، والنّسائيّ (٢٥٥/٦). و (قوله وَ ﴿ لأبي ذرِ: ((إنَّك ضعيفٌ))) أي: ضعيف عن القيام بما يتعيَّن على عدم توليته إِل الأمير من مراعاة مَصالح رعيته الدنيوية والدينية. ووجهُ ضعفٍ أبي ذرٌّ عن ذلك: أنَّ لأبي ذرِّ الغالبَ عليه كان الزُّهدَ، واحتقارَ الدنيا، وتركَ الاحتفال بها. ومَنْ كان هذا حالُه لم يَعتنِ بمصالح الدنيا ولا بأموالها اللَّذين بمراعاتِهما تنتظمُ مصالحُ الدِّين، ويتمُّ أمره. وقد كان أبو ذرٍّ أفرطَ في الزهد في الدنيا، حتى انتهى به الحالُ إلى أن يُفتي بتحريم الجمع للمال وإن أُخرجت زكاته، وكان يرى: أنَّه الكَتْرُ الذي توعّد الله عليه بِكَيِّ الوجوه، والجُنوب، والظهور. وقد قدَّمنا ذلك في كتاب الزكاة. فلمَّا علم النبيُّ ◌َل﴿ منه هذه الحالة نصحَه، ونهاه عن الإمارة، وعن ولاية مال الأيتام، وأكَّدَ النصيحةَ بقوله: ((وإنِّي أُحبُّ لكَ ما أحبُّ لنفسي)) وغلَّظ الوعيدَ بقوله: ((وإنها)) أي: الإمارةُ ((خزيٌ وندامةٌ)) أي: فضيحة قبيحة على مَنْ لم يُؤدِّ الأمانة حقَّها، ولم يَقِمْ لرعيته برعايتها. وندامةٌ على تقلُّدها وعلى تفريطه فيها. وأمَّا مَنْ عدلَ فيها، وقامَ بالواجب منها ﴿ فَأَوْلَكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَيْهِم مِنَ النَّبِيْنَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالنُّهَدَآءِ وَالشَّلِحِينَّ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩] وهو من السبعة الذين يُظلُّهم اللَّهُ في ٢٢ (١٤) كتاب الإمارة والبيعة - (٤) باب: فضل الإمام المقسط (٤) باب فضلِ الإمام المقْسِطِ، وإثم القاسطِ، وقوله: ((كلُّكم راعٍ)) [١٤٠٥] عن عبدِ الله بن عمرٍو قال: قال رسولُ اللهِ وَّةِ: ((إِنَّ المُقْسِطين عِنْدَ الله تعالى على منابِرَ مِنْ نورٍ عن يمينِ الرَّحمن ظِلُّه يومَ لا ظِلَّ إلا ظِلُّه. وقد شهدَ بصحة ما قلناه قوله في الحديث نفسه: ((إلا مَنْ أخذَها بحقها، وأدّى الذي علیه فيها». (٤) ومن باب: فضل الإمام المقسط وإثم القاسط (المقسطون): جمع مُقسط، اسم فاعل من أقسطَ. أي: عدلَ. ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَقْسِطُوَاْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٩]. و (قسطً): إذا جار، واسم الفاعل منه: قاسط. ومنه: ﴿وَأَمَّا الْقَسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن: ١٥]. وقد فسَّر المُقسطين في آخر الحديث فقال: ((الذين يعدلونَ في حكمهم وأهليهم وما وَلُوا)). (والمنبر): سمي بذلك لارتفاعه. يقال: نبرَ الجرحُ، وانتبرَ، أي: ارتفع، وانتفخَ. ويعني به: مجلساً رفيعاً يتلألأُ نوراً. ويُحتمل أن يكون عبَّر به عن المنزلة الرفيعة المحمودة، ولذلك قال: ((عن يمين الرحمن)). وقال ابن عرفة: يقال: أتاه عن يمين: إذا أتاه من الجهة المحمودة. وقال المفسّرون في قوله تعالى: ﴿ وَأَعْحَبُ اَلْيَمِينِ مَآ أَعَْبُ آلْيَمِينِ﴾ [الواقعة: ٢٧] أي: أصحاب المنزلة الرفيعة. وقيل غير هذا في الآية. وقد شهدَ العقل والنَّقل: أنَّ الله تعالى منزه عن مماثلة الأجسام، وعن تنزيهه تعالى عن المماثلة ٢٣ (١٤) كتاب الإمارة والبيعة - (٤) باب: فضل الإمام المقسط - وكلتا يديه يمين - الذينَ يَعْدِلُون في حُكْمِهِمْ وأَهْلِيهِمْ وما وَلُوا)). رواه أحمد (١٦٠/٢)، ومسلم (١٨٢٧)، والنسائي (٢٢١/٨). [١٤٠٦] وعن عبد الرحمن بن شَمَاسَةً قال: أَتَيْتُ عائشةَ أسألها عن الجوارح المُرَكَّبة من الأعصاب والعِظام، وما جاء في الشريعة ممَّا يُوهم شيئاً من ذلك فهو توسعٌ، واستعارةٌ حَسَبَ عاداتِ مُخاطباتِهِم الجارية على ذلك. وقد توسَّعتِ العربُ في اليمين، فأطلقُوه ولا يُريدون به يمينَ الجارحة، بل الجهةَ المحمودةَ، والظَّفَرَ بالخَصْلة الشَّريفة المقصودة، كما قال شاعرهم(١): إِذَا مَا رَايَةٌ رُفِعَتْ لِمَجْدٍ تَلَقَّاهَا عَرَابَةُ بِالْيَمِيْنِ والمجد: الشرف. ورايته عبارة عمَّا يظهرُ من خصاله، وهما معنويان، فاليمين التي تُتلقى به تلك الراية معنوي لا محسوسٌ(٢)، فأشبهُ ما يُحمل عليه اليمين في هذا الحديث ما قاله ابن عرفة: إنَّه عبارةٌ عن المنزلة الرفيعة والدرجة المنيعة. وقد قدَّمنا: أن اشتقاقَ اليمين من اليُمْن، وأن كلَّ ذلك راجعٌ إلى اليمن والبركة. و (قوله: ((وكلتا يديه يمين))) تحرّز من توهُّم نقصٍ وضعفٍ فيما أضافه إلى الحقِّ سبحانه وتعالى ممَّا قصدَ به الإكرامَ والتشريفَ على ما مرَّ، وذلك: أنَّه لما كانت اليمين في حَقِّنا يُقابلُها الشِّمال، وهي أنقصُ منها رتبةً وأضعفُ حركةً، وأثقلُ لفظاً، حسمَ توهُّم مثلَ هذه في حقِّ الله تعالى فقال: ((وكلتا يديه يمين)). أي: كلُّ ما نُسب إليه من ذلك شريفٌ، محمودٌ، لا نقصَ يُتوَمَّم فیه، ولا قصور. (١) هو الشَّماخ، والبيت الذي قبله: رأيتُ عرابة الأوسيّ يسمو إلى الخيراتِ منقطعَ القرينِ (٢) في (ج): معنوية لا محسوسة. ٢٤ (١٤) كتاب الإمارة والبيعة - (٤) باب: فضل الإمام المقسط شيءٍ، فقالت: مِمَّنْ أنت؟ فقلت: رجلٌ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ. فقالت: كَيْفَ كانَ صاحبُكم لكم في غزاتكم هذه؟ قال: ما نَقَمْنَا شيئاً إِنْ كان ليموتُ لِرَجُلٍ مِنَّا البعيرُ، فَيُعْطِيْهِ البعيرَ. والعبدُ، فيعطيه العبدَ. ويحتاج إلى النفقة، فيعطيه النفقةَ. فقالت: أما إنه لا يمنعني الذي فعل في محمد بن أبي بكر - أخي ــ أَنْ أُخْبِرَك بما سمعتُ من رسولِ اللهِ وََّ، يقول في بيتي هذا: («اللَّهُمَّ! مَنْ وَلِيَ من أمر أمَّتي شيئاً فَشَقَّ عليهم، فاشْقُقْ عليه. ومن ولي من أمر أمَّتي شيئاً فَرَفَقَ بهم، فارفُقْ به)). رواه أحمد (٩٣/٦)، ومسلم (١٨٢٨). [١٤٠٦/م] وقد تقدم قوله عليه الصلاة والسلام في حديث مَعْقِلٍ: ((مَنْ مَاتَ وهوَ غَاشٌ لِرَعِيَّتِهِ حَرَّمَ الله عليه الجنَّةَ)). رواه أحمد (٢٥/٥)، والبخاريُّ (٧١٥٠)، ومسلم (١٤٢) (٢٢٧). [١٤٠٧] وعَنْ عائذٍ بنِ عمرٍو - وكان من أصحاب رسول الله وَل ه ـ ودخل على عبيد الله بنِ زيادٍ. فقال: أيْ بُنَّيَّ! إنِّي سمعتُ رسولَ اللهِ وَه و (قول عائشة - رضي الله عنها - لعبد الرحمن بن شُمَاسة: كيف كان صاحبكم لكم في غَزاتِكم هذه؟) اختلف في اسم هذا الصاحب، من هو؟ فقيل: كان عمرو بن العاصي. قاله خليفةُ بن خيَّاط. وقيل: مُعاوية بن حُدَيْجِ النُّجِيْني، فيما قاله الهمذاني. کیفیة قتل بکر واختلف في كيفية قتل محمَّد بن أبي بكر. فقيل: قُتل في المعركة. وقيل: محمد بن أبي جيء به أسيراً، فقُتل. وقيل: دخلَ بعد الهزيمة خِرْبَةً فوجدَ فيها حماراً مَيّاً، فدخلَ في جوفِهِ، فأُحرقَ فيه (١). (١) انظر سير أعلام النبلاء (٤٨١/٣). ٠ ٢٥ (١٤) كتاب الإمارة والبيعة - (٤) باب: فضل الإمام المقسط يقول: ((إنَّ مِنْ شرِّ الرِّعاء الخُطَمَةَ، فإِيَّاكَ أَنْ تكون مِنْهم)) فقال له: اجلس، فإنما أنت مِنْ نُخالةِ أصحاب محمدٍ بَّهِ. فقال: وهل كانت لهم نُخَالَةٌ؟! إنَّما كانت الثُّخَالةُ، بَعدَهُم وفي غيرهم. رواه أحمد (٦٤/٥)، ومسلم (١٨٣٠). [١٤٠٨] وعن أبي هريرةَ، عن النَّبيِّ وَهِ قال: ((إنَّما الإمامُ جُنَّةٌ. و (قوله: ((إنَّ من شرِّ الرِّعاء)) الرُّعاء: جمع راع، كقاضٍ وقضاةٍ، ورامٍ ورماةٍ. وهو: المُراعي للشيء والقائم بحفظه. و (الحطمة) هنا: يعني: الذي يشقُّ على رعيته، ويُلقي بعضها(١) على بعض، ومنه(٢) سميت جهنّم: الحطمة. وأصلها من الحَطْم. وهو: كسرُ الحطام. وقيل: هو الأكول. يقال: رجلٌ حطمة. إذا كان کثیرَ الأكل. وهذا الكلام من عائذ بن عمرو وعظٌّ، ونصيحةٌ، وذكرى، لو صادفت مَنْ تنفعُه الذكرى، لكنَّها صادفتْ غليظَ الطَّبع، والفَهْم، ومن إذا قيل له: اتَّقِ اللَّهَ. أخذتُه العزة بالإثم. فلقد غلب عليه الشقاء(٣) والجهالة حتى جعلَ فيمن اختاره الله لصحبة نبيّه وَّ﴿ الحثالةَ، ونسبَهم إلى النُّخالة، والرُّذالة. فهو معهم على الكلمة التي طارت وحَلَّتْ: رمتني بدائها وانسلَّت. ولقد أحسنَ عائذٌ في الردِّ عليه، حيث أسمعَه من الحقِّ ما ملاَّ قلبَه، وأصمَّ أذنيه. فقال ولم يبالِ بهجرهم: وهل كانت الحثالةُ إلا بعدهم وفي غيرهم. حثالة الشيء ورُذالته وسقطه: شِرَارُه. و (قوله: ((إنَّما الإمام جُنَّةٌ)) المجنُّ، والجُنَّةُ، والجانُّ، والجَنَّةُ، والجنَّةُ: الإمام جُنّ كله راجعٌ إلى معنى السَّترِ، والتَّوقِّي. يعني: أنَّه يُتَّقى بنظره ورأيه في الأمور (١) في (ج ٢): بعضاً على بعض. (٢) في (ع) و (ج): وبه. (٣) في (ج) و(ج ٢): الجفاء. ٢٦ (١٤) كتاب الإمارة والبيعة - (٤) باب: فضل الإمام المقسط يُقَاتَلُ مِن وَرائِهِ ويُثَّقى به. فإنْ أمر بتقوى اللَّهِ وعَدَلَ، كان له بذلك أجرُه. العظام، والوقائع الخطيرة، ولا يُتُقدَّم على رأيه، ولا يُنفرد دونه بأمرٍ مهم حتى يكونَ هو الذي يَشْرَعُ في ذلك. و (قوله: ((يُقاتَل مِن ورائِه))) أي: أمامه. ووراء: من الأضداد، يُقال بمعنى: خلف، وبمعنى: أمام. وعلى هذا حملَ أكثرُ المفسرين قولَه تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَآءَ هُمْ مَلِكٌ﴾ [الكهف: ٧٩] أي: أمامهم. وأنشدوا قولَ الشاعر(١): وَقَوْمِي تَمِيْمٌ والفَلَاةُ وَرَائِيَا؟! أَتَرْجُو بَنُو مَزْوَانَ سَمْعِي وطَاعَتِي المقاتلة أمام الإمام وأصله: أنَّ كلَّ ما تواری عنك ۔ أي غاب - فهو وراء. وهذا خبرٌ منه څے عن المشروعية، فكأنَّه قال: الذي يجبُ، أو يتعيَّن: أن يُقاتل أمامَ الإمام، ولا يُتركُ يباشرُ القتال بنفسه، لما فيه من تعرُّضه للهلاك، فيهلكَ كلُّ مَنْ معه. ويكفي دليلاً في هذا المعنى تغبيةٌ (٢) رسولِ اللهِ﴿ أصحابُهُ يومَ بدرٍ وغيرَه. فإنه ◌َ آرٍ كان في العريش في القلب، والمقاتلةُ أمامَه. وقد تضمَّن هذا اللفظ - على إيجازه - أمرين: أحدهما: أنَّ الإمام يُقتدى برأيه، ويُقاتلُ بين يديْهِ. فهما خبران عن أمرين متغايرين. وهذا أحسنُ ما قيل في هذا الحديث، على أنَّ ظاهره أنَّه يكون أمام الناس في القتال وغيره. وليس الأمر كذلك، بل كما بيَّناه. والله تعالى أعلم. و (قوله: ((فإن أمرَ بتقوى الله وعدلَ كان له بذلك أجر») أي: أجرٌ عظيمٌ. فسكت عن الصفة للعلم بها. وقد دلَّ على ذلك ما تقدَّم من قوله وَله: ((إنَّ المقسطين على منابر من نور)) وقوله في السبعة الذين يظلهم الله في ظِلْه: ((وإمام عادلٌ))(٣). أجر الإمام العادل (١) هو سوار بن المُضرِّب. (٢) من ((غبي)) بمعنى: خفي. (٣) رواه أحمد (٤٣٩/٢)، والبخاري (٦٦٠)، ومسلم (١٠٣١)، والترمذي (٢٣٩١) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ٢٧ (١٤) كتاب الإمارة والبيعة - (٤) باب: فضل الإمام المقسط وإنْ يَأْمُرْ بغيره؛ كانَ عليه منه». رواه البخاريُّ (٢٩٥٧)، ومسلم (١٨٤١)، وأبو داود (٢٧٥٧)، والنسائيُّ (١٥٥/٨). [١٤٠٩] وعن ابن عمرَ، عن النَّبيِّ ◌َ﴿ أَنَّه قال: ((ألا كلُّكُم راع. وكلُّكُم مسؤولٌ عن رعيَّه؛ فالأميرُ الذي على النَّاس راع، وهو مسؤول عن رعيَّه. والرجلُ راعٍ على أهلِ بيته، وهو مسؤول عنهم. والمرأةُ راعيةٌ على بيت بَعْلِها وولدِهِ، وهي مسؤولة عنهم. والعبدُ راع على مال سيِّدِه، وهو مسؤول عنه، ألا فكُّكم راع، وکلُکم مسؤول عن رعيته). رواه أحمد (٥/٢ و٥٤ _ ٥٥)، والبخاريُّ (٢٥٥٤)، ومسلم (١٨٢٩)، والترمذيُّ (١٧٠٥)، وأبو داود (٢٩٢٨). و (قوله: ((وإن يأمر بغيره كانَ عليه منه))) أي: إن أمرَ بجور(١) كان عليه إثم الإمام إذا الحظُّ الأكبر من إثم الجور. و (مِن) هنا للتبعيض. أي: لا يختصُّ هو بالإثم، بل أمر بجورٍ المنفذ لذلك الجور يكونُ عليه أيضاً حَظُّه من الإثم، والراضي به، فالكلُّ يشتركون في إثم الجور، غير أن الإمامَ أعظمُهم حَظّاً منه؛ لأنَّه ممضيه وحاملٌ عليه. و (قوله: ((كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته))) قد تقدَّم: أنَّ الراعي هو مسؤولية الحافظ للشيء المراعي لمصالحه. وكل من ذكر في هذا الحديث قد كُلِّفَ ضبطَ الرَّاعي ما أُسند إليه من رعيته، واؤتمن عليه، فيجب عليه أن يجتهد في ذلك، وينصحَ، ولا يُفرِّطَ في شيءٍ من ذلك. فإن وفَّى ما عليه من الرُّعاية حصلَ له الحظُّ الأوفر، (١) ساقطة من (ع) ٢٨ (١٤) كتاب الإمارة والبيعة - (٥) باب: تغليظ أمر الغلول (٥) باب تغليظ أمر الغلول [١٤١٠] عن أبي هريرةَ قال: قامَ فينا رسولُ اللهِ بَلِّ ذاتَ يومٍ فذكَر الغُلُولَ وعظَّم أمرَهُ. ثم قال: ((لا أَلْفِينَّ أحدَكُمْ يَجِيُ يومَ القيامة على رقبته بعيرٌ له رُغَاءٌ. يقول: يا رسول الله! أغثني! فأقولُ: لا أملكُ لك من اللَّهِ والأجرُ الأكبر. وإن كان غير ذلك طالبَه كلُّ واحدٍ من رعيَّه بحقِّه، فكثر مطالبوه، وناقشه محاسبُوه. ولذلك قال ◌ِّر: ((ما مِن أمير عَشْرةٍ فما فوقَهم إلا ويُؤتى به يومَ القيامة مغلولاً، فإمّا أن يفكّه العدلُ، أو يُوبقَه الجَوْرُ))(١). وقد تقدَّم قوله وَ له: ((من استرعي رعيَّةً فلم يَجتهد لهم، ولم يَنْصخ؛ لم يدخلْ معهم الجنَّة))(٢). (٥) ومن باب: تغليظ أمر الغُلول وهو في الأصل: الخيانة مُطلقاً، ثم صار بحكم العُرْف عبارة عن الخيانة في المغانم. قال نِفطويه: سُمِّي بذلك لأن الأيدي تُغَلُّ عنه. أي: تُحبس. يُقال: غلَّ غُلولاً، وأغَلَّ إغلالاً. و (قوله: ((لا أُلْفينَّ أحدَكم يومَ القيامة يجيءُ على رقبته بعيرٌ)) هكذا صحيح الرِّواية ((لا أُلَفينَّ» بالفاء. ومعناه: لا يأخذنَّ أحدٌ شيئاً من المَغنم فأجدُه يوم القيامة على تلك الحال. وهذا مثل قول العرب: لا أُرينَّك ها هنا، أي: لا تكن ها هنا فأراك. وقد رواه العذريُّ بالقاف، من اللقاء. وله وجهٌ. وجاء في الحديث الآخر: (لا أعرفنَّ))(٣) والمعنى متقارب. وبعض الرواة يقوله: ((لأعرفنّ)) بغير مدَّ على أن تکون لام القسم. وفیه بعدٌ. والأول أوجه، وأحسن. (١) رواه أحمد (٤٣١/٢)، وانظره في المجمع (١٩٢/٤)، والترغيب والترهيب (٣٢٤٩). (٢) تقدم تخريجه في التلخيص برقم (١١٠). (٣) رواه ابن ماجه (٢١) و (١٥٢٨). ٢٩ (١٤) كتاب الإمارة والبيعة - (٥) باب: تغليظ أمر الغلول شيئاً، قد أبلغتك. لا أُلْفِيَنَّ أحدَكُم يجيء يوم القيامة على رقبته فرسٌ له حَمْحَمَةٌ، يقول: يا رسول الله! أغثني! فأقول: لا أملكُ لكَ شيئاً، قد أبلغتك. لا أُلْفِيَنَّ أحدَكُم يجيءُ يومَ القيامةِ على رقبته شاةٌ لها ثُغَاءٌ. يقول: يا رسول الله! أغثني! فأقولُ: لا أملكُ لك شيئاً، قد أبلغْتُك. لا أُلْفِيَنَّ أحدَكُم يجيءُ يومَ القيامةِ على رقبته نفْسٌ لها صِياٌ. فيقول: يا رسول الله! أغثني! فأقول: لا أملكُ لك شيئاً، قد أبلغْتُكَ. لا أُلْفِيَنَّ أحدَكُم يجيءُ يومَ القيامة على رقبته رقائعٌ تَخْفِقُ، فيقول: يا رسول الله! أغثني! فأقول: لا أملك لك و (الرُّغاء) للإبل، و (الثُّغاء) للغنم، و (النَّهيق) للحمير، و (التُّعاق) للغراب، و (اليَعار) للمعز خاصةً، ومنه: (شاة تيعر)، و (الحمحمة) للفرس، و (الصِّياح) للإنسان. كلُّ ذلك أصواتُ مَنْ أضيفت إليه. و (قوله: ((ورقاع تخفق))) أي: تُحرِّكها الرِّياح فتضطرب، وتصفق فيها. و (الصَّامت): الذهب والفضة. وكأنَّ هذا الحديث تفصيل ما أجمله قوله تعالى: ﴿وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الغلول كبيراً اَلْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١] أي: يأت به معذباً بحمله وثقله، ومرعوباً بصوته، من الكبائر ومُوبَّخاً بإظهار خيانته على رؤوس الأشهاد. وهذا يدلُّ: على أنَّ الغُلولَ كبيرةٌ من الكبائر. وأجمع العلماء: على أنَّ على الغالِّ أن يردّ الغُلولَ إلى المَقاسِم قبل أن ردُّ الغلول إلى يتفرَّق النَّاس، فأمَّا إذا تفرَّقوا ففات الردُّ فذهب معظمهم: إلى أنَّه يدفعُ خمسَ المقاسم ما أغلَّ للإمام، ويتصدَّق بالباقي. وهو قول الحسن، ومالك، والأوزاعيّ، والثوريُّ، والليث. وروي معناه عن معاوية، وابن مسعودٍ، وابن عباسٍ، وأحمد بن حنبل. وقال الشافعيُّ: ليس له الصدقة بمال غيره. ثمَّ اختلفوا فيما يُفعل بالغَالُ. فالجمهور على أنه يُعزَّر بقدر اجتهاد الإمام، عقوبة الغالُ ٣٠ (١٤) كتاب الإمارة والبيعة - (٥) باب: تغليظ أمر الغلول شيئاً، قد أبلغتك. لا أُلْفِيَنَّ أحدَكُم يجيءُ يومَ القيامةِ على رقبته صامتٌ، فيقول: يا رسول الله! أغثني! فأقول: لا أمْلِكُ لكَ شيئاً، قد أبلغْتُك)). رواه أحمد (٤٢٦/٢)، والبخاريُّ (٣٠٧٣)، ومسلم (١٨٣١) (٢٤). ولا يُحرَّقِ رَحْلُه. ولم يثبت عندهم ما روي عن ابن عمر من أنه يُحرَّقُ رحلُه، ويُحرم سهمُه؛ لأنَّه مما انفرد به صالح بن محمَّد عن سالم. وهو ضعيف. ولأنَّ النبيَّ ◌َ﴿ لم يُحَرِّقْ رَحْلَ الذي وجدَ عنده الخَرزة والعَباءة. وقال قومٌ بمقتضى ذلك الحديث: يُحَرَّقُ رحلُه ومتاعُه كلُّه. وهو قول مكحول، والحسن، والأوزاعيّ وقال: إلا سلاحَه وثيابَه التي عليه. وقال الحسن: إلا الحيوان والمصحف. قال الطحاوي: ولو صحَّ حديث ابن عمر لحُمل على أنه كان ذلك لما كانت العقوبة في الأموال، وذلك كلُّه منسوخٌ. هل يشفع للغالٌ؟ و (قوله: ((لا أملكُ لك شيئاً، قد أبلغتُك))) أي: لا أملك لك مغفرةً، ولا شفاعةً إلا إذا أذنَ الله له في الشفاعة. فكأن هذا القول منه أبرزه غضبٌ وغيظٌ. ألا ترى قولَه: ((قد أبلغتُك)) أي: ليس لك عذرٌ بعد الإبلاغ. ثُمَّ إِنه ◌َاهُ بما قد جبلَه الله تعالى عليه من الرأفة، والرَّحمةِ، والخُلُق الكريم لا يزالُ يدعو اللَّهَ تعالى، ويرغبُ إليه في الشفاعة، حتى يأذنَ الله تعالى له في الشَّفاعة، فيشفع في جميع أهل الكبائر من أمته حتى تقول خزنة النار: ((يا محمَّد! ما ترکت لربِّك في أُمَّتك من نقمة»(١). کما قد صحّ عنه. العقوبات في وفي هذا الحديث ما يدلُّ: على أنَّ العقوبات في الآخرة تناسب الذنوبَ الآخرة تناسب المكتسبة في الدنيا، وقد تكون على المقابلة، كما يُحشر المتكبرون أمثالَ الذرِّ في ذنوب الدنیا صُور الرجال. (١) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب ((الأهوال)) كما في النهاية لابن كثير (٢٠٤/٢ - ٢٠٥). ٣١ (١٤) كتاب الإمارة والبيعة - (٦) باب: ما جاء في هدايا الأمراء (٦) باب ما جاءَ في هدايا الأمراء [١٤١١] عن أبي حميد الساعديِّ قال: اسْتَعْمَلَ رسولُ اللهِ وَِّ رجلاً من الأَسْدِ - يقال له: ابنُ اللُتَبِيَّة - على الصَّدقةِ. فلمَّا قَدِمَ، قال: هذا لكم، وهذا أُهْدِيَ لي. قال: فقامَ رسولُ اللهِ لهِ على المنبرِ، فحَمِدَ اللَّهَ، وأثنى عليه، وقال: ((ما بالُ عاملِ أبعتُه فيقولُ: هذا لَكُمْ وهذا أُهْدِيَ لي! أفلا قَعَدَ في بيت أبيه، أو في بيت أمه حتى يَنْظُرَ أَيُهْدَى له أم لا؟! والذي نفْسُ (٦) ومن باب: ما جاء في هدايا الأمراء (اللُّتَبِيَّةُ) بضم اللام، وفتح التاء هي الرواية المعروفة هنا. قال القاضي أبو الفضل عياض: وصوابُه: (الأُتْبِيَّة) بسكون التاء، باثنتين من فوقها. قال: و (لُتْبُّ) بضم اللام وسكون التَّاء: بطن من العرب. قلت: وقد جاء في الرواية الأخرى: (الأتْبِيَّة). وكلاهما صحيح الرواية، جائز. وهذا الحديث يدلُّ دلالة صحيحةً واضحةً: على أنَّ هدايا الأمراء، والقضاة، هدايا الأمراء وكلِّ مَنْ وَلي أمراً من أمور المسلمين العامَّة لا تجوز، وأنَّ حكمَها حكمُ الغُلول والقضاة في التغليظ، والتحريم؛ لأنها أكلُ المال بالباطل، ورُشاً. وهو قول مالك وغيره بتفصیل يُعرف في الفقه. و (قوله: ((أفلا قعدَ في بيت أبيه وأمِّه حتى ينظرَ أيُهدى إليه أم لا؟)) يعني: أنَّ ما يَسْتخرِجُ الذي يَستخرجُ الهدايا من الناس للأمير إنَّما هو رهبةٌ(١) منه أو رغبة فيما في يديه، الهدايا من أو في يدي غيره، ويَستعين به عليه، فهي رشوة. الناس للأمير (١) في (ج ٢): رهبة فيُداريه. ٣٢ (١٤) كتاب الإمارة والبيعة - (٦) باب: ما جاء في هدايا الأمراء محمد بيده! لا ينالُ أحدٌ منكم شيئاً إلا جاء يوم القيامة يَحْمِلُه على عُنُقِهِ، بعیرٌ له رغاءٌ. أو بقرةٌ لها خُوَارٌ. أو شاةٌ تَنْعِرُ)) ثم رفع یدیه حتى رأينا عُفْرَتي إبطيه. ثم قال: ((اللهم هل بلغت؟ - مرتین -)). وفي رواية: استعمل رسول الله وَله، رجلاً من الأُسْد، على صدقاتِ بني سُلَيْم. يدعى: ابنَ الأَتْبِيَّة. فلما جاء؛ حاسَبَهُ. قال: هذا مَالُكُمْ، وهذا هَدِيَّةٌ. فقال رسول الله وَّهِ: «فهلا جَلَسْتَ في بيتِ أبيكَ وأمِّكَ حتى تأتيَك هديتُك إن كنت صادقاً؟!)) ثم خطبنا فذكر نحوه. رواه البخاريُّ (٦٩٧٩)، ومسلم (١٨٣٢) (٢٦ و٢٧)، وأبو داود (٢٩٤٦). و (العُفْرة) بياض يَضرب إلى الصفرة. قاله الأصمعيُّ. ويُفهم من تكرار: ((اللهم هل بلغت)) ومن هذه الحالة: تعظيم ذلك، وتغليظُه. وليس لأحدٍ أن يتمسَّك في استباحة هدايا الأمراء بأنَّ رسول الله وَلي كان يقبلُ الهدية(١)، ولا بما يُروى: أنَّ النبيَّ وَّ أباحَ لمعاذِ الهديَّة حين وجَّهه إلى اليمن. أما الجواب عن النبي ﴾ فمن وجهين: قبوله * الهدية أحدُهما: أنه كان لا يقبل الهدية إلا ممن يعلم أنَّه طَيِّبُ النفس بها، ومع ذلك فكان يُكافىءُ عليها بأضعافِها غالباً. والثاني: أنّه ◌َ﴿ه معصومٌ عن الجَوْر، والميل الذي يُخاف منه على غيره ((١) رواه أبو داود (٤٥١٢)، وابن حبان (٦٣٨١) الإحسان. ٣٣ (١٤) كتاب الإمارة والبيعة - (٦) باب: ما جاء في هدايا الأمراء [١٤١٢] وعن عديٍّ بن عَمِيْرَة الكِنْدِيِّ قال: سمعتُ رسولَ الله وَّو يقول: ((من استعملناه مِنْكُم على عملٍ: فكتمَنا مِخْيَطاً فما فَوْقَهُ؛ كان غلولاً يأتي به يوم القيامة))، قال: فقام إليه رجلٌ أسودُ من الأنصار. كأنِّي أنظرُ إليه، فقال: ((يا رسول الله! اقْبَلْ عنِّي عَمَلَك! قال: ((ومالك؟))، قال: سمعتك تقول: كذا وكذا. قال: ((وأنا أقولُهُ الآن. من استَعْمَلناه مِنْكُم على عمل فليجىء بقليله وكثيره، فما أوتي منه أخذَ، وما نُهِيَ عنه انتهى)). رواه أحمد (١٩٢/٤)، ومسلم (١٨٣٣)، وأبو داود (٣٥٨١). بسبب الهدية. وأمَّا عن حديث معاذ(١): فلأنَّه لم يجىء في الصحيح، ولو صحَّ إباحته ◌ِل لكان ذلك مخصوصاً بمعاذ، لما علمَ رسولُ اللهِ وَّهِ من حالِه، وتحقُّقه من فضله؛ لمعاذٍ الهدية ونزاهتِهِ ما لا يُشاركه فيه غيره، ولم يُيخ ذلك لغيره بدليل هذه الأحاديث الصِّحاح. والله تعالى أعلم. و (قوله: ((من استعملناه على عملٍ فليجىء بقليله وكثيره))) يدلُّ: على أنَّه لا يقتطع لا يجوز له أن يقتطعَ منه شيئاً لنفسه، لا أجرةً ولا غيرَها، ولا لغيره إلا أن يأذنَ له العامل مما استعمل عليه شيئاً الإمامُ؛ الذي تلزمُه طاعتُه. و (المِخْيَطُ): الإبرة. (١) ذكره ابن العربي المالكي في عارضة الأحوذي (٨٢/٦) وقال: قد روي أن النبيَّ ◌َفه لما قدَّم معاذاً على اليمن قال لي: «قد علمتُ الذي دار عليك في مالك، وقد طيّيْت لك الهدية)) ثم عقب عليه بقوله: ولم يصحّ سنداً ولا معنى. ٣٤ (١٤) كتاب الإمارة والبيعة - (٧) باب: قوله تعالى: ﴿أطيعوا الله ... ﴾ (٧) باب قوله تعالى: ﴿أَطِيعُواْ اللّهُ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِ اَلْأَمْيِ مِنْكُمْ﴾ [١٤١٣] عن ابن عباس قال: نزل: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُوا اللَّهُ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِ الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] في عبد اللَّهِ بنِ حُذَافَةَ بنِ قَيْسِ بنِ عديٌّ السَّهميِّ. بعثه النَّبِيُّ وَّهِ فِي سَرِيَّةٍ. رواه البخاريُّ (٤٥٨٤)، ومسلم (١٨٣٤)، وأبو داود (٢٦٢٤)، والترمذيُّ (١٦٧٢)، والنسائيُّ (١٥٤/٧ - ١٥٥). (٧) ومن باب: قوله تعالى: ﴿أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِ اَلْأَمْيِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] (قول ابن عباس: بعثه رسول الله ﴿ ﴿ه في سرية) كلامٌ غير تامّ. وتتمته (١): أنَّ عبد الله بن حذافة أمرَهم بأمرٍ فخالفَ بعضُهم، وأنف على عادة العرب: أنهم كانوا يأنفون من الطَّاعة. قال الشافعيُّ: كانت العرب تأنف من الطّاعة للأمراء، فلمَّا أطاعوا رسولَ الله ◌َله أمرهم بطاعة الأمراء. وقال أبو العالية: نزلت الآية بسبب عمَّار بن ياسر(٢)، خرج في سريةٍ؛ أميرُهم خالد بن الوليد، فأجارَ عمَّارُ رجلاً، فأبى خالدٌ أن يُجيزَ أمانَه، فأخبرَ بذلك النبيَّ ◌َ ﴿ فَأجازَ أمانَ عمَّارٍ، ونهى أن يُجار على الأمير. قلت: وقول ابن عبّاس أشهرُ، وأصحُ، وأنسبُ. وعلى هذا: فأولو الأمر في الآية هم الأمراء. وهو أظهر من قول من قال: هم العلماء. قاله الحسن متی تجب طاعة الأمراء؟ (١) في (ج) و (ج ٢): وتتميمه. (٢) انظر الدر المنثور (٥٧٤/٢). ٣٥ (١٤) كتاب الإمارة والبيعة - (٧) باب: قوله تعالى: ﴿أطيعوا الله ... ﴾ [١٤١٤] وعن أبي هريرةً عن النَّبيِّ وَ ◌ّه قال: ((من أطاعني فقد أطاع الله، ومن يَعْصِني فقد عصى اللَّهَ. ومالك، وله وجهٌ. وهو: أنَّ الأمراء شرطهم أن يكونوا آمرين بما يقتضيه العلم، وكذلك كان أمراءُ رسول الله وَله. وحينئذٍ تجب طاعتُهم. فلو أمروا بما لا يقتضيه العلمُ حَرُمت طاعتَهم. فإذاً: الحكم للعلماء والأمر لهم بالأصالة. غير أنهم لهم الفتيا من غير جبرٍ، وللأمير الفتيا والجبر. وهذان القولان أشبه ما قيل في هذه الآية. و (قوله: ﴿فَإِن تَزَّعْهُمْ فِي شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اَللَّهِ وَالرَّسُولِ ... ) الآية [النساء: ٥٩] المرجع عند (تنازعتم): اختلفتم، وأصله: التجاذب، والتَّعاطي. ومنه سمي المستقيان: التنازع متنازعين؛ لأنهما يتجاذبان الدَّلوَ بالحبل، ولا شكَّ أنَّ المواجَه بهذا الخطاب الصحابةُ. وعلى هذا: فالمراد بقوله: ﴿فردُّوه إلى الله والرسول﴾ أي: انتظروا أن يُنزِلَ اللَّهُ فِيه قرآناً، أو يبيّن فيه رسولُ اللهِ لهِ سُنَّةً. وقيل: المراد: الصحابة وغيرُهم. والمعنى: أنَّ المرجعَ عند التنازع كتابُ الله، وسنّةُ رسوله وَزِ. قاله قتادة. و (قوله: ﴿ذلك خير﴾) أي: الردُّ إلى كتاب الله وسنة رسوله وَلُهُ خيرٌ من خيرية الردِّ إلى الردِّ إلى التحكم بالهوى، و (خيرٌ) للمفاضلة التي على منهاج قولهم: العَسَلُ أحلى كتاب الله وسنة من الخلِّ. ومنه قوله تعالى: ﴿أَصْحَبُ الْجَنَّةِ يَوْمَيِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ رسوله [الفرقان: ٢٤] و(خيرٌ) هنا بمعنى: الواجب. أي: ذلك الواجب عليكم. و (تأويلاً) أي: مآلاً، ومرجعاً. قاله قتادة وغيره. و (قوله: ((مَنْ أطاعني فقد أطاعَ اللَّهَ))) هذا منتزئٌ من قوله تعالى: ﴿مَن يُطِع طاعةِ الرسول الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اَللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] وذلك أنهو له لمَّا كان مبلِّغْاً أمرَ الله، وحكمَه، طاعةً لله تعالى وأمرَ الله بطاعتِهِ؛ فمن أطاعَه فقد أطاعَ أمرَ الله، ونفَّذ حكمه. ٣٦ (١٤) كتاب الإمارة والبيعة - (٧) باب: قوله تعالى: ﴿أطيعوا الله ... ﴾ ومَنْ يُطِع الأمير فقد أطاعَنِي. ومن يَعْصِ الأمير فقد عصاني)). وفي رواية: ((ومن أطاع ... ومن عصى أميري ... )). رواه أحمد (٢٤٤/٢ و٣٤٢)، والبخاريُّ (٢٩٥٧)، ومسلم (١٨٣٥) (٣٢ و ٣٣)، والنسائي (١٥٤/٧)، وابن ماجه (٣). [١٤١٥] وعنه قال: قال رسولُ اللهِنَّهِ: ((عليكَ السَّمعَ والطّاعةَ، في عُسْرِك، ويُسْرِكَ، ومنْشَطِكَ، ومَكْرَهِكَ، وأَثَرَةٍ عَلَيْكَ)). رواه أحمد (٣٨١/٢)، ومسلم (١٨٣٦). طاعة الأمير و (قوله: ((ومن أطاع الأمير، أو أميري؛ فقد أطاعني))) ووجهه: أنَّ أميرَ المسلم العدل رسول الله وَ﴿ إنما هو مُنَفِّذ أمرَه، ولا يتصرَّفُ إلا بأمره، فمن أطاعَه فقد أطاعَ أمرَ طاعةٌ لله رسول الله ﴿، وعلى هذا: فكلُّ من أطاع أمير رسول الله وَله فقد أطاعَ الرسول، ومن أطاع الرسول فقد أطاع الله. فينتج: أنَّ من أطاع أمير رسول الله وص له فقد أطاعَ اللَّهَ. وهو حقٌّ، صحيحٌ. وليس هذا الأمرُ خاصّاً بمن باشرَه رسولُ الله ◌ِوَلفيه بتولية الإمارة، بل هو عامٌّ في كلِّ أمير للمسلمين عدلٍ، ويلزم منه نقيض ذلك في المخالفة والمعصية . و (قوله: ((وعليك السَّمعَ والطّاعة))) بالنصب على الإغراء، ويلزم منه الوجوب. ولا خلاف في وجوب طاعة أمراء المسلمين على الجملة. وسيأتي تفصيله. طاعة الأمير في المنشط والمكره و (المنشط والمكره): مصدران. ويعني بذلك: أنَّ طاعة الأمير واجبةٌ على كلِّ حالٍ، سواء كان المأمور به موافقاً لنشاط الإنسان. وهواه أو مخالفاً. و (قوله: ((وأثرةٍ عليكَ))) رويناه بفتح الهمزة، وفتح الثاء المثلثة. ورويناه ٣٧ (١٤) كتاب الإمارة والبيعة - (٧) باب: قوله تعالى: ﴿أطيعوا الله ... ﴾ [١٤١٦] وعن أبي ذرّ قال: إنَّ خليلي أَوْصَاني أَنْ أَسْمَعَ وأُطِيْعَ؛ وإنْ كان عبداً حَبَشِيّاً مُجَدَّعَ الأطْرَافِ. رواه مسلم (١٨٣٧)، وأبو داود (٤٣١)، والترمذيُّ (١٣٦)، والنَّسائيُّ (٧٥/٢). أيضاً: بضم الهمزة، وإسكان الثاء. وكلاهما بمعنىً. والمعنى: أنَّ الطاعة للأمراء واجبةٌ وإن استأثروا بالأموال دون الناس، بل وعلى أشدُ من ذلك؛ لأنه وَِّ قال لحذيفة: («فاسمعْ، وأطعْ، وإن ضُرِبَ ظهرُك، وأُخذَ مالُكَ))(١). و (قوله: ((وإن كان عبداً حبشياً مجدَّع الأطراف))) الجدع: القطع. وأصله في الأنف. و (الأطراف): الأصابع. وهذا مبالغةٌ في وصف هذا العبد بالضَّعة والخِسَّة، وذلك أن العبد إنما تنقطعُ أطرافه من كثرة العمل والمشي حافياً. وهذا منهج على جهة الإغياء، على عادة العرب في تمكينهم المعاني وتأكيدها. كما قال النبيُّ لَه: ((مَن بنى مسجداً لله ولو مثلَ مِفْحص قطاةٍ بنى اللَّهُ تعالى له بيتاً في الجنَّة))(٢) ومِفحص قطاةٍ لا يَصلح لمسجدٍ، وإنَّما هو تمثيلٌ للتصغير على جهة الإغياء، فكأنه قال: أصغرُ ما يكون من المساجد. وعلى هذا التأويل لا يكون فيه الحرية شرط حجةٌ لمن استدلَّ به على جواز تأمير العبد فيما دون الإمامة الكبرى. وهم بعض في الإمامة الکبری أهل الظاهر فيما أحْسِبُ؛ فإنه قد اثُّفِقَ: على أنَّ الإمامَ الأعظم لا بدَّ أن يكون حرّاً على ما يأتي بنصٌ أصحاب مالك. على أنَّ القاضي لا بدَّ أن يكون حرّاً. قلت: وأميرُ الجيش والحرب في معناه، فإنها مناصب دينية يتعلَّق بها تنفيذ (١) رواه مسلم (١٨٤٧). (٢) رواه ابن حبان (١٦١١)، والبيهقي في السنن (٤٣٧/٢). بے ٣٨ (١٤) كتاب الإمارة والبيعة - (٨) باب: إنما الطاعة ما لم يأمر بمعصية (٨) باب إنما الطاعة ما لم يأمر بمعصية [١٤١٧] عن يحيى بن حُصين، قال: سمعتُ جدَّتي تُحدِّثُ أنَّها سمعت النبيَّ ◌ٌَّ يخطبُ في حَجَّة الوَدَاعِ. وهو يقول: ((ولو استُعملَ علیکم عبدٌ یقودکم بكتاب الله، فاسمعوا له وأطيعُوا». رواه أحمد (٦٩/٤)، ومسلم (١٨٣٨) (٣٧)، والنسائي (٧/ ١٥٤). [١٤١٨] وعن ابن عمَر، عن النبيِّ ◌َليز، أنه قال: ((على المرءِ المسلم السَّمعُ والطّاعة فيما أحبَّ وكرهَ، إلا أنْ يُؤْمَر بمعصيةٍ، فإنْ أُمرَ بمعصیةٍ، فلا سمع ولا طاعة)). رواه البخاري (٧١٤٤)، ومسلم (١٨٣٩)، وأبو داود (٢٦٢٦)، والترمذي (١٧٠٧)، والنسائي (١٦٠/٧)، وابن ماجه (٢٨٦٤). أحكامٍ شرعيةٍ، فلا يصلح لها العبدُ؛ لأنّه ناقصٌ بالرقُ محجور عليه، لا يستقلُّ بنفسه، ومسلوبُ أهليةِ الشهادة والتنفيذ، فلا يصلحُ للقضاء، ولا للإمارة. وأظرُّ: أن جمهور علماء المسلمين على ذلك. وقد وردَ ذكر العبد في هذا الحديث مُطلقاً، وقد قيَّده بالحديث الآتي بعد هذا؛ الذي قال فيه: ((ولو استُعمِلَ عليكم عبدٌ يقودُكم بكتاب الله))(١). (٨) ومن باب: إنَّما تجبُ طاعة الإمام ما لم يأمر بمعصية (قوله: ((على المرء المسلم السَّمعُ والطاعة))) ظاهرٌ في وجوب السَّمع والطّاعة للأئمة، والأمراء، والقضاة. ولا خلافَ فيه إذا لم يأمرْ بمعصيةٍ. فإن أمر (١) هو الحديث (١٤١٧). ٣٩ (١٤) كتاب الإمارة والبيعة - (٨) باب: إنما الطاعة ما لم يأمر بمعصية [١٤١٩] وعن عليٍّ - رضي الله عنه -، قال: بعثَ رسولُ اللهِ وَه سَرِيَّةً. واستعملَ عليهم رجلاً من الأنصارِ، وأمرَهم أنْ يسمعُوا له ويُطيعوا. بمعصيةٍ فلا تجوزُ طاعتُه في تلك المعصية قولاً واحداً. ثمَّ إن كانت تلك المعصيةُ متى يجب خلع كفراً وجبَ خَلْعُه على المسلمين كلهم. وكذلك: لو ترك إقامةَ قاعدة من قواعد الإمام؟ الدِّين؛ كإقام الصلاة، وصوم رمضان، وإقامة الحدود، ومنع من ذلك. وكذلك لو أباح شرب الخمر، والزنى، ولم يمنع منها، لا يختلف في وجوب خَلْعه. فأمَّا لو ابتدع بدعةً، ودعا النّاس إليها، فالجمهور: على أنه يُخْلَع. وذهب البصريون: إلى أنَّه لا يُخْلَع، تمسُّكاً بقوله عليه الصلاة والسلام: ((إلا أن تروا كفراً بَواحاً عندكم من الله فيه برهان))(١). وهذا يدلُّ: على استدامة ولاية المتأوِّل وإن كان مبتدعاً. فأمَّا لو أمر بمعصية مثل أخذ مالٍ بغير حقٍّ أو قَتْلٍ أو ضَرْبٍ بغير حقٌّ؛ فلا يُطاع في ذلك، ولا يُنفّذ أمره؛ ولو أفضى ذلك إلى ضرب ظهر المأمور وأخذ ماله؛ إذ ليس دمُ أحدهما، ولا ماله، بأولى من دم الآخر، ولا ماله. وكلاهما يحرمُ شرعاً؛ إذ هما مسلمان، ولا يجوزُ الإقدامُ على واحدٍ منهما، لا للأمر، ولا للمأمور؛ لقوله ◌َ﴾: ((لاطاعةَ لمخلوق في معصية الخالق))(٢) كما ذكره الطبريُّ، ولقوله هنا: ((فإن أمر بمعصيةٍ فلا سَمْع، ولا طاعة)). فأمَّا قولُه في حديث حذيفة: ((اسمعْ وأطع، وإن ضُرب ظهرك، وأُخِذ مالُك))(٣) فهذا أمرٌ للمفعول به ذلك للاستسلام، والانقياد، وتَرْك الخروج عليه مخافةَ أن يتفاقمَ الأمرُ إلى ما هو أعظم من ذلك. ويحتملُ أن يكونَ ذلك خِطاباً لمن يفعل به ذلك بتأويل يسوِّع للأمير بوجهٍ يظهرُ له، ولا يظهرُ ذلك للمفعول به. وعلى هذا يرتفعُ التعارضُ بين الأحاديث، ويصحُ الجمع. والله تعالى أعلم. و (قول عليٍّ: واستعمل عليهم رجلاً من الأنصار) ظاهرٌ في أنَّه ليس (١) رواه مسلم (١٧٠٩) (٤٢). (٢) رواه أحمد (٤٠٩/١) من حديث عبد الله بن مسعود. (٣) رواه مسلم (١٨٤٧) (٥٢). ٤٠ (١٤) كتاب الإمارة والبيعة - (٨) باب: إنما الطاعة ما لم يأمر بمعصية فأغضبُوه في شيءٍ، فقال: اجمعوا لي خَطَباً، فجمعُوا، ثم قال: أَوْقِدُوا نَاراً، فأوقدوا. ثم قال: ألم يأمرْكُم رسولُ الله ◌ِِّ أن تسمعُوا لي وتُطيعُوا؟ قالوا: بلى! قال: فادخلُوها. قال: فنظرَ بعضُهم إلى بعضٍ، فقالوا: إنما فَرَرْنَا إلى رسولِ اللهِوَ مِن الثَّار. فكانُوا كذلك. وسكنَ غضبُهُ، وطُفِئتِ النَّارُ. فلمَّا رَجعُوا إلى رسولِ اللهِلَّهِ ذكروا ذلك إلى رسولِ الله وَله فقال: (لو دَخلُوها ما خَرجُوا منها، إنَّما الطَّعةُ في المعروفِ)). وفي رواية: فأرادَ ناسٌ أن يَدخلُوها. وقال الآخرون: إنَّما فَرَرْنَا منها. فذُكر ذلكَ لرسول اللهِوَّهِ، فقالَ للذين أَرادُوا أنْ يدخلُوها: ((لو دخلتمُوهَا لم تزالُوا فيها إلى يوم القيامة)). وقال للآخرينَ قولاً حسناً. عبد الله بن حذافة، فإنه مهاجريٌّ، وذلك أنصاريٌّ، فافترقا. وقضيةُ عبد الله بن حذافة هي التي ذكر منها ابنُ عباس - رضي الله عنهما - طَرَفاً، كما تقدَّم. فلا معنى لقولِ مَن قال: إنَّ هذا الذي حكّى عنه عليُّ بن أبي طالب - رضي الله عنه - هو عبد الله بن حذافة. وكذلك لا معنى لقول مَن قال: إنَّ ذلك الأميرَ إنما أَمَرهم بدخول النَّار ليختبرَ طاعتهم له. وقد قال في هذه الرِّواية: إنَّهم أغضبوه. وقال: وسكن غضبُه عليهم، فأراد عقوبتهم بذلك. وهذه نصوصٌ في أنَّه إنَّما حمله على ذلك غضبه علیھم. تحريم الطاعة في المعصية و (قوله: ((لو دخلتموها لم تزالوا فيها إلى يوم القيامة))) ظاهرٌ في: أنه تحرمُ الطاعة في المعصية المأمور بها، وأنَّ المطيعَ فيها يستحقُّ العقاب. مدح المصيب و (قوله للآخرين قولاً حسناً) يدلُّ: على مدح المصيب في المجتهدات. كما في المجتهدات أنَّ القولَ الأول يدلُّ: على ذمِّ المقصِّر المخطىء وتعصيته، مع أنه ما كان تقدَّم لهم في مثل تلك النازلة نصٍّ، لكنهم قصَّروا حيث لم ينظروا في قواعد الشريعة الكلية ومقاصدها المعلومة الجلية .