Indexed OCR Text
Pages 741-760
٧٤١ (١٣) كتاب الجهاد والسِّير - (٤٧) باب: في قوله تعالى: ﴿رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه﴾ فعرَّضوا لهم، فقتلوهم قَبْلَ أن يبلغوا المكانَ. فقالوا: اللهم بَلِّغْ عنّا نَبِيَّنا. أنَّا قد لقيناك، فرضينا عنك، ورضيت عنّا. قال: وأتى رجلٌ حراماً - خال أنس - مِنْ خلفه فَطَعَنَهُ برمح حتى أَنْفَذه. فقال حرام: فُزْتُ، ورب الكعبة! فقال رسول الله ﴿ لأصحابه: ((إنَّ إخوانكم قد قُتلوا، وإنَّهم قالوا: اللهم بلِّغ عنا نبينا؛ أنَّا قَدْ لقيناك فَرَضِيْنا عَنْكَ ورضيتَ عنَّا)). رواه أحمد (٤١٦/١)، ومسلم (٦٧٧) في الإمارة (١٤٧). الاجتماع على قراءة القرآن ومدارسة العِلم، وعلى أنَّ المتفرِّغ للعبادة وطَلَب العلم لا يُخِلُّ بحاله، ولا ينقِّصُ توكلَه اشتغالُه بالنظر في مطعمه، ومشربه، وحاجته(١)، كما يذهب إليه بعضُ جهَّال المتزهدة. وفيه دليلٌ على: أنَّ أيدي الفقراء غير المتفرّغين للعبادة فيما يكسبه بعضهم ينبغي أن تكون واحدةً، ولا يستأثر بعضُهم على الآخر بشيءٍ. و (قولهم: إنَّا قد لقيناك) أي: قد وصلنا إلى ما أنعمت به من الجنَّة، لقاء الله والكرامة، ومنزلة الشَّهادة؛ لأن لقاءَ الله ليس على ما تعارفنا من لقاء بعضنا عزَّ وجلَّ لبعض. و (قوله: فرضينا عنك) أي: بما أوصلتنا إليه من الكرامة والمنزلة الرَّفيعة. رضا الله تعالى و (رضيت عنا) أي: أحللتنا محلَّ مَنْ ترضى عنه، فأُكْرِمَ غاية الإكرام، وأُحْسِنَ إليه غاية الإحسان. وعلى هذا: فيكون رضا الله تعالى من صفات الأفعال. ويصح أن يعبّر بالرضا في حقِّ الله تعالى عن إرادة الإكرام والإحسان؛ فيكون من صفات الذات. و (قول حرام عندما طُعِن: فزتُ وربّ الكعبة) أي: بما أعدَّ الله للشُّهداء. (١) في (ع) و (ج): جماعة، والمثبت من (ج ٢). معاينة الشهيد منزلته عند الشهادة ٧٤٢ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٤٨) باب: الإخلاص وحسن النية في الجهاد (٤٨) باب الإخلاص وحسنِ النِّيّةِ في الجهاد [١٣٧١] عن أبي موسى الأشعريٍّ: أنَّ رجلاً أعرابياً أتى النبيَّ لَه فقال: يا رسول الله! الرَّجلُ يقاتلُ لِلْمِغْنَم، والرَّجلُ يقاتل لِيُذْكَرَ، والرَّجلُ يقاتلُ ليُرَى مكانُه. فَمَنْ في سبيل الله؟ فقال رسولُ الله وَله: ((من قاتل لتكون كلمةُ اللَّهِ هي أعلى فهو في سبيل الله)). وظاهره: أنَّه عاين منزلته في الجنَّة في تلك الحالة. ويحتملُ أن يقول ذلك محقّقاً لوعد الله ورسوله الحقّ الصّدق، فصار كأنه عاين. والله تعالى أعلم. (٤٨) ومن باب: الإخلاص وحسن النّيّة في الجهاد (قوله وَله: ((من قاتل لتكون كلمةُ الله هي العليا؛ فهو في سبيل الله))) يعني بـ (كلمة الله): دين الإسلام. وأصله: أنَّ الإسلامَ ظهر بكلام الله تعالى؛ الذي أظهره على لسان نبيَّ ◌َل﴾. الإخلاص ويُفْهَمُ من هذا الحديث: اشتراط الإخلاص في الجهاد، وكذلك هو شرطٌ شرط في جميع في جميع العبادات؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَّا أُمِرُوَاْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ اللَّهُ مُخْلِينَ لَهُ أَلِذِينَ﴾ العبادات [البينة: ٥]. والإخلاص: مصدر من: أخلصت العسل وغيره: إذا صفَّيته، وأفردتُه من شوائب كدره. أي: خلَّصته منها. فالمخلِصُ في عباداته هو الذي يُخلِّصها من شوائب الشِّركِ والرِّياء. وذلك لا يتأتى له إلا بأن يكون الباعثُ له على عملها قصدَ التقرُّب إلى الله تعالى، وابتغاء ما عنده. فأمَّا إذا كان الباعثُ عليها غير ذلك من الشرك الأكبر أعراض الدُّنيا؛ فلا يكونُ عبادةً، بل يكون مصيبةً موبقةً لصاحبها؛ فإمَّا كفرٌ، وهو: الشرك الأكبر؛ وإما رياءٌ، وهو: الشركُ الأصغر. ومصيرُ صاحبه إلى النَّار، كما والأصغر جاء في حديث أبي هريرة في الثلاثة المذكورين فيه. هذا إذا كان الباعثُ على تلك كلمة الله ٧٤٣ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٤٨) باب: الإخلاص وحسن النية في الجهاد وفي رواية: الرَّجُلُ يقاتل غَضَباً، ويقاتلُ حَمِيَّةً. قال: فرفع رأسَهُ إليه، وما رفع رأسه إليه إلا أنَّه كان قائماً فقال: ((من قاتل لتكون كلمةُ الله هي العليا فَهُوَ في سبيل الله)). رواه أحمد (٣٩٢/٤)، والبخاري (١٢٣)، ومسلم (١٩٠٤) (١٤٩ و١٥١)، وأبو داود (٢٥١٧)، والترمذي (١٦٤٦)، والنسائي (٢٣/٦)، وابن ماجه (٢٧٨٣). العبادة الغرضَ الدنيوي وحده، بحيث لو فُقِد ذلك الغرضُ لتُرِك العمل. فأمَّا لو أثر الباعث على انبعث لتلك الحالةِ(١) لمجموع الباعثَيْنِ - باعث الدنيا وباعث الدين - فإن كان العبادة باعثُ الدُّنيا أقوى، أو مساوياً ألحق القسم الأول في الحكم بإبطال ذلك عند أئمة هذا الشأن، وعليه يدلُّ قوله:﴿ حكايةً عن الله تبارك وتعالى: ((مَن عَمِل عملاً أشركَ معي فيه غيري تركتُه وشريكه))(٢). فأمَّا لو كان باعثُ الدِّين أقوى؛ فقد حكم المحاسبي (٣) - رحمه الله - بإبطال ذلك العمل متمسِّكاً بالحديث المتقدِّم؛ وبما في معناه، وخالفه في ذلك الجمهور، وقالوا بصحة ذلك العمل، وهو الأقدمُ في فروع مالك. ويستدلُّ على هذا بقوله :﴿: ((إنَّ من خير معايش الناس رجلاً ممسكاً فرسه في سبيل الله)) (٤) فجعل الجهاد ممَّا يصحُّ أن يُتَّخذ للمعاش، ومن ضرورة ذلك أن يكونَ مقصوداً، لكن لمَّا كان باعثُ الدِّين على الجهاد هو الأقوى والأغلب، كان ذلك الغرض مُلْغى، فيكون معفوّاً عنه، كما إذا توضأ قاصِداً رَفْع الحدث والتبرُّد، فأمَّا لو تفرَّد باعثُ الدِّين بالعمل؛ ثمّ عرض باعث الدُّنيا في أثناء العمل فأولى بالصحة. وللكلام في هذا موضع آخر، وما ذكرناه كافٍ هنا. (١) في (ج ٢): العبادة. (٢) رواه أحمد (٣٠١/٢ و٤٣٥). (٣) هو: الحارث بن أسد المحاسبي، من أكابر الصوفية، كان عالماً بالأصول والمعاملات، توفي سنة (٢٤٣ هـ). (٤) رواه مسلم (١٨٨٩). ٧٤٤ (١٣) كتاب الجهاد والسَّير - (٤٨) باب: الإخلاص وحسن النية في الجهاد [١٣٧٢] وعن عمرَ بن الخطّاب قال: قالَ رسولُ الله ◌َّهِ: ((إنَّما الأعمالُ بالنّةِ وإنَّما لامرىءٍ ما نوى، فمن كانتْ هجرتُه إلى اللَّهِ ورسولِه؛ فهجرتُه إلى الله ورسوله، ومن كانتْ هجرتُه لِدُنْيَا يُصيبُها، أو امرأةٍ يَتَزوَّجُها؛ فهجرتُه إلى ما هاجر إليه)). رواه أحمد (١ / ٢٥)، والبخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧)، وأبو داود (٢٢٠١)، والترمذي (١٦٤٧)، والنسائي (٥٩/١ - ٦٠). أدب السائل و (قوله: فرفع رأسَه إليه، وما رفع رأسه إليه إلَّا أنَّه كان قائماً) فيه دليلٌ على جواز سؤال القائم السَّائل للعالم وهو قاعدٌ؛ إذا دعتْ إلى ذلك حاجةٌ، أو عذرٌ، وإلا فالأولى للسَّائل الجلوسُ، والتثُّت؛ كما في حديث جبريل(١)، حيث سأل النبيَّ ◌َ﴾. و (قوله: ((إنّما الأعمالُ بالنيّات))) أي: الأعمال المتقرَّب بها إلى الله تعالى، بدليل بقية الحديث. وهذا الحديث بحكم عمومه يتناولُ جميعَ أعمال الطَّاعات، فيدخل في ذلك الوضوء، والغُسْل، وغير ذلك. فيكون حُبَّةً على مَن خالف في ذلك، كما تقدَّم في الطَّهارة. ووجه التمشُّك به: أنَّه عمومٌ مؤكّدٌ بـ (إنَّما) الحاصرة، فصار في القوَّة كقوله: لا عمل إلا بنيّةٍ. فصار ظاهراً في نفي الإجزاء والاعتداد بعملٍ لا نية له. ولا يُقال: فهو مخصَّصٍ بدليل إخراج العبادات المعقولة المعنى، كغسل الجنابة وما في معناها؛ لأنَّا نقول: اللفظُ العامُ محمولٌ على عمومه بعد إخراج المخصّص، كما قد تقدَّم غير ما مرَّةٍ. و (قوله: ((وإنَّما لامرىءٍ ما نوى))) تحقيقٌ لاشتراط النية، والإخلاص في الأعمال. وقد زاده وضوحاً قوله: ((فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله؛ فهجرته إلى الله ورسوله)) أي: كانت هجرتُه مقبولةً عند الله تعالى، وثوابها عليه، ((ومن (١) كذا في (ع)، وفي (ج) و(ج ٢): كما فعل جبريل. ٧٤٥ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٤٨) باب: الإخلاص وحسن النية في الجهاد [١٣٧٣] وعن جابر قال: كثَّا مع النبيِّ وَه في غزاةٍ فقال: ((إنَّ بالمدينة لَرِجالاً ما سِرتم مسيرةً، ولا قطعتُم وادياً، إلا كانوا معكمْ حَبَسَهُمُ المرضُ». رواه مسلم (١٩١١). کانت هجرته لدنیا یصیبها، أو امرأة یتزوّجها؛ فهجرتُه إلى ما هاجر إليه» أي: ليس له من هجرته إلا ما قصده. وهذا كما قال في الحديث الآخر: ((مَن أتى المسجد لشيءٍ فهو حظُّه))(١). وإنما ذُكِرَتْ في الحديث الهجرةُ لأنه جَرَى سَبَبُها، وذلك: أنَّ رجلاً هاجر إلى المدينة ليتزوَّج امرأةً بها، تُسمَّى: أم قيس، فبلغ ذلك النبيَّ لَّ مهاجر أم قيسٍ فذكر الحديث. وسُمِّي الرجل: مهاجر أم قيس. على ما ذكر أئمتنا(٢). وظاهرُ حال هذا الرَّجل بسبب هذه الإضافة التي غلبتْ على اسمه أنَّه لم تكنْ له في الهجرةِ الشَّرعية رغبةٌ، ولا نيَّةٌ فسلبها، ونسب إلى ما نواه، وقَصَده. والله تعالى أعلم. و (قوله: ((إنَّ بالمدينة لرجالاً ما سرتم مسيراً، ولا قَطَعْتُم وادياً إلا كانوا الناوي لأعمال البرّ معكم، حَبَسَهُمُ المرض))) يدلُّ على ما ذكرنا: من أنَّ الناويَ لأعمال البرِّ؛ الصَّادق ومنعه من ذلك النيَّ فيها؛ إذا منعه من ذلك عذرٌ كان له مثلُ أجر المباشر مضاعفاً، كما قدَّمناه. عذرٌ وقد دلَّ عليه من الحديث ذكر قطع الوادي، والمسير، فإنَّ هذا إشارةٌ إلى قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ خَلَمَأْ وَلَا نَصَبُّ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، إلى قوله تعالى: ﴿وَلَا يَقْطَّعُونَ وَادِيًا إِلَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ١٢٠ - ١٢١] ولمَّا كان القاعدون لأجل العُذْر قد صحَّت نيّتُهم في مباشرة (١) رواه أبو داود (٤٧٢)، والبيهقي (٢ ج ٤٤٧ و ٦٦/٣). (٢) قال ابن رجب في كتابه ((جامع العلوم والحكم)) (ص ١٢): اشتهر أن قصة مهاجر أم قيس؛ كانت سبب قول النبيِّ وَّه: ((من كانت هجرته ... )) وذكر ذلك كثير من المتأخرین في کتبھم، ولم نر لذلك أصلاً يَصِحُ. ٧٤٦ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٤٩) باب: إثم من لم يخلصْ في الجهاد (٤٩) باب إثم من لم يخلص في الجهادِ وأعمالِ البرِّ [١٣٧٤] عن أبي هريرةً قال: سمعتُ رسولَ اللهِ وَ له يقول: ((إنَّ أولَ النَّاس يُقْضَىْ عليهِ يومَ القيامةِ رجلٌ استُشْهِدَ، فَأَتِيَ به فعرَّفَهُ نِعَمَهُ، فَعَرَفَها، قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلتُ فيك حتى استُشْهِدتُ، قال: كذبتَ! ولكنَّك قاتلتَ لأنْ يُقال: جريء، فقد قيل، ثم أُمِرَ به فَسُحِبَ على وجهِهِ حتَّى أُلقيَ في النَّارِ. ورجلٌ تعلَّم العلم وعلَّمه، وقرأ القرآن فَأُتِيَ به فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلَّمتُ العلم وعلَّمْتُه، وقرأتُ فيكَ القرآن. قال: كذبتَ! ولكنَّك تعلمتَ العلم لِيُقالَ: عالمٌ، وقرأت كلِّ ما باشره إخوانهم المجاهدون؛ أعطاهم الله تعالى مثل أجر مَن باشر كما قدَّمناه في حديث أبي كبشة الأنماريٍّ. (٤٩) ومن باب: إثم من لم يُخلص في الجهاد وأعمال البرِّ قد تقدم: أنَّ الإخلاصَ في الطاعات واجب، وأن الرِّياء يفسدها. و (قوله: ((إنَّ أول الناس يُقضى عليه يوم القيامة رجلٌ استُشْهِد، ورجلٌ تعلَّم العلم، وورجل أنفق ماله))) هذا يخالفُه: ((أول ما يحاسب به العبد المسلم من عمله صلاته ... ))(١) الحديث. وقوله: ((أول ما يقضى فيه بين النَّاس في الدِّماء)»(٢). قد يسبق إلى الوهم أنَّ هذه الأحاديثَ متعارضةٌ من حيث الأولية أول ما يحاسب به العبد (١) رواه أبو داود (٨٦٤ و٨٦٥). (٢) رواه البخاري (٦٥٣٣ و٦٨٦٤)، ومسلم (١٦٧٨)، والترمذي (١٣٩٦)، والنسائي (٨٣/٧). ٧٤٧ (١٣) كتاب الجهاد والسَّير - (٤٩) باب: إثم من لم يخلصْ في الجهاد القرآن ليقالَ: هو قارىءٌ، فقد قيل: ثُمَّ أُمِرَ به فسُحِبَ على وجهه، حتى أُلِيَ في النَّار. ورجلٌ وسَّعَ الله عليه، وأعطاه من أصناف المال كلِّه، فأُتِيَ به، فعَرَّفَه نِعَمَهُ، فعرفها. قال: فما عملت فيها؟! قال: ما تركت من سبيلٍ تحبُّ أنْ يُنْفَقَ فيها إلا أنفقتُ فيها لك. قال: كذبت! ولكنَّك فعلتَ لِيُقال: هو جوادٌ. فقد قيل. ثُمَّ أُمِرَ به فسُحِبَ على وجهه، حتَّى أُلْقِيَ في النار)). رواه أحمد (٣٢٢/٢)، ومسلم (١٩٠٥)، والنسائي (٢٣/٦). المذكورة في كلِّ حديث منها؛ وليس كذلك؛ فإنَّه إنَّما كان يلزم ذلك لو أريد بكلٌ أولٍ منها أنّه أوَّلُ بالنسبة إلى كلِّ ما يُسأل عنه، ويقضى فيه، وليس في شيءٍ من تلك الأحاديث ما ينصُّ على ذلك، وإنما أراد - والله أعلم -: أنَّ كلَّ واحدٍ من تلك الأوليات أوَّلٌ بالنسبة إلى التي في بابه، فأول ما يحاسبُ به من أركان الإسلام الصلاة، وأول ما يحاسب به من المظالم الدِّماء، وأول ما يحاسب به مما ينتشر فيه صِيْتُ فاعله تلك الأمور. وهذا أوَّلُ ما يقاربه ويناسبه، وهكذا تعتبر ما يردُ عليك من هذا الباب، والله تعالى أعلم. و (الجريء) بالهمز. هو: المقدامُ على الشيء، لا ينثني عنه؛ وإن كان هائلاً، مأخوذٌ من الجرأة. و (سحب على وجهه) أي: جُرَّ. و (الجواد) الكريم، وهو الكثيرُ العطاء. والجود: الكرم. ٧٤٨ (٥٠) باب: الغنيمة نقصان من الأجر (٥٠) باب الغنيمة نقصانٌ من الأجرِ، وفيمن مات ولم ينوِ الغزوَ، وفيمن تمنَّى الشهادةَ [١٣٧٥] عن عبد الله بن عمرو: أنَّ رسولَ اللهِصَ لّهِ قالَ: ((ما مِنْ غازيةٍ تغزو في سبيلِ الله فيُصِيْبُون الغنيمةَ إلا تعجَّلوا ثلثي أجرِهم مِنَ الآخرة، ويبقى لهم الثلثُ، وإنْ لم يصيبوا غنيمة؛ تمَّ لَهُمْ أجرُهُمْ)). وفي رواية: ((ما مِنْ غازيةٍ، أو سَرِيَّةٍ تغزو، فَتَغْنَمُ، وتسلمُ إلا كانوا (٥٠) ومن باب: الغنيمة نقصان من الأجر (قوله: ((ما من غازيةٍ تغزو في سبيل الله، فيصيبون الغنيمة؛ إلا تعجَّلوا ثلثي أجرهم، ويبقى لهم الثُّلث، وإن لم يصيبوا غنيمةً تمَّ لهم أجرُهم))). قوله: ((ما من غازية)) هو صفةٌ لموصوفٍ محذوفٍ للعلم به. أي: ما من جماعةٍ، أو سريَّةٍ. و (تغزو) بالتأنيث والإفراد: راجعٌ إلى لفظ غازية. و (يصيبون) بالتذكير والجمع: راجعٌ إلى معناها. وقد ذهب غيرُ واحدٍ: إلى أنَّ هذا الحديثَ معارضٌ بحديث أبي هريرة؛ الذي قال فيه: ((نائلاً ما نال من أجرٍ أو غنيمة)) (١) على ما تقدم. وظاهِرُ هذا الحديث - أعني حديث عبد الله بن عمرو - أنَّ له مجموعَ الأمرين، [وقد اجتمع لأهل بدرٍ سهمهم](٢). ولما صحَّ عند هؤلاء هذا التعارض، فمنهم من ردّ هذا الحديث، وضعَّفه، وقال: في إسناده حُميد بن هانىء؛ وليس بمشهور، ورجَّحوا الحديث الأول عليه لشهرته. (١) سبق تخريجه (١٦٤١). (٢) كذا في الأصول، ولعلّ المقصود: اجتماع سهمهم من الغنيمة، وأجرهم، وثوابهم، وفضلهم عند الله تعالى. ٧٤٩ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٥٠) باب: الغنيمة نقصان من الأجر قد تعجَّلوا ثلثي أجورِهم، وما مِنْ غازيةٍ، أو سريّةٍ تُخْفِقُ، أو تُصَابُ إلا تَمَّ أجورهم)). رواه أحمد (١٦٩/٢)، ومسلم (١٩٠٦)، وأبو داود (٢٤٩٧)، والنسائي (١٧/٦ و ١٨)، وابن ماجه (٢٧٨٥). قلتُ: وهذا ليس بشيءٍ، فلا يُلْتَفَتُ إليه؛ لأنَّ البخاريَّ قد ذكر حميد بن هانىء هذا فقال: هو مصري، سمع أبا عبد الرحمن الحُبُلِيّ، وعمرو بن مالك، وسمع منه حيوة بن شَريح، وابن وهب. ومنهم مَن رام الجمع بأن قال: إنَّ الأولَ محمولٌ على مجرَّد النيّة والإخلاص في الجهاد، فذلك هو الذي ضمن اللَّهُ له إمَّا الشَّهادة، وإمَّا ردَّه إلى أهله مأجوراً غانماً. ويحمل الثَّاني على ما إذا نوى الجهادَ، ولكن مع نيّة المغنم؛ فلمَّا انقسمتْ نِيَّه انحطَّ أَجْرُه عن الأول. قال القاضي عياض: وأوضحُ من هذا عندي: أنَّ أَجْرَ الغانم بما فتح الله تعالى عليه (١) من الدنيا وحساب ذلك عليه، وتمتّعه به في الدنيا، وذهاب شظف عيشه في غزوه وبعده؛ إذا قوبل بمن أخفق ولم يصبْ شيئاً، وبقي على شظف عيشه، والصبر على حالته، وجد أجر هذا وافياً مُوقَّراً بخلاف الأول. ومثله قوله في الحديث الآخر: ((فمنًّا من مضى لم يأكل من أجره شيئاً، ومنًّا من أينعت له ثمرته، فهو يَهْدِبُها))(٢). ويدلُّ على صحة هذا التّأويل قولُه: ((إلا تعجَّلوا ثلثي أجرهم». قلتُ: ويحتملُ أن يقال: إنَّ هذه التي أخفقتْ إنما يُزَادُ في أجرها لشدّة ابتلائها، وأسفها على ما فاتها من الظَّفر والغنيمة. والله تعالى أعلم. و (قوله: ((تخفق))) أي: تخيب. يقال: أخفق الصائد، إذا خاب، وكذلك (١) في (ع): عنه. (٢) رواه البخاري (١٢٧٦)، ومسلم (٩٤٠). ٧٥٠ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٥٠) باب: الغنيمة نقصان من الأجر [١٣٧٦] وعن أبي هريرة قال: قال رسولُ اللهِوَّهِ: (مَنْ ماتَ ولم يغزُ، ولم يحدِّثْ نَفْسَهُ؛ ماتَ على شعبةٍ مِنْ نفاقٍ. قال عبدُ الله بنُ المبارك: فَتُرَى: أَنَّ ذلك كانَ على عهدِ رسولِ الله وَلِّ. رواه أحمد (٣٧٤/٢)، ومسلم (١٩١٠)، وأبو داود (٢٥٠٢)، والنسائي (٨/٦). کُّ طالب حاجةٍ إذا لم تحصل له. العزم على فعل الخير و (قوله: ((من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه مات على شُعبةٍ من النفاق))) فيه ما يدلُّ على أنَّ من لم يتمكَّنْ من عمل الخير فينبغي له أن يعزمَ على فِعْله إذا تمكَّن منه وأن ينويه، فيكون ذلك بدلاً من فعله في تلك الحال. فأمَّا إذا أخلى نفسه عن ذلك العمل ظاهراً وباطناً عن نيّته؛ فذلك حالُ المنافق الذي لا يعملُ الخير، ولا ينويه. وخصوصاً: الجهاد الذي به أعزَّ اللَّهُ الإسلام، وأظهر به الدِّينَ حتی علا علی کلِّ الأديان؛ ولو كره الكافرون. و (قوله: ((شعبة من نفاق))) أي: على خُلُقٍ من أخلاق المنافقين. وقد تقدَّم ذِكْرُ الشُّعَب في كتاب: الإيمان. و (قول عبد الله بن المبارك: فَنُرَى ذلك كان على عهد رسول الله وَ ل98) يعني: حيث كان الجهادُ واجباً (١)، وحمله على النفاق الحقيقي. ويحتمل أن يجمع على جميع الأزمان، ويكون معناه: أن كلَّ من كان كذلك أشبه المنافقين وإن لم يكن كافراً. والله تعالى أعلم. (١) المقصود بالوجوب: فرض العين. وما قاله ابنُ المبارك مبنيٌّ على ظروف الدولة الإسلامية آنذاك، حيث كان الجهاد في زمانه فرض كفاية. والجهادُ ماضٍ إلى يوم القيامة، فتارة يكون فرض عين، وتارة يكون فرض كفاية؛ تبعاً لظروف الدولة المسلمة . ٧٥١ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٥١) باب: الغزو في البحر [١٣٧٧] وعن أنس قال: قال رسولُ الله ◌َّهِ: ((من طَلَبَ الشَّهادةَ صادقاً، أُغْطِيَها ولو لم تصبه)). رواه مسلم (١٩٠٨). [١٣٧٨] ومن حديث سهلِ بنِ حُنَيْفٍ: ((من سألَ الله شهادةً بصدقٍ بلَّغَهُ اللَّهُ منازلَ الشُّهداءِ وإنْ مات على فراشه)). رواه مسلم (١٩٠٩)، وأبو داود (١٥٢٠)، والترمذي (١٦٥٣)، والنسائي (٣٦/٦ - ٣٧)، وابن ماجه (٢٧٩٧). # (٥١) باب الغزو في البحر [١٣٧٩] عن أنس بن مالكِ: أنَّ رسول الله بَّرَ كان يدخل على أمِّ حرامِ بنتِ مِلْحَان، فتطَعمه، و (قوله: ((من سأل الله الشَّهادة بصدقٍ بلَّغه الله تعالى منازلَ الشُّهداء؛ وإن من سأل الله مات على فراشه))) هذا يدلُّ على صحة ما أصَّلناه في الباب الذي قبل هذا، وهو: الشهادة بصدقٍ أنَّه مَن نوى شيئاً من أعمال البرِّ؛ ولم يتّفقْ له عملُه لعذرٍ؛ كان بمنزلة مَن باشر ذلك العملَ، وعَمِلَه. (٥١) ومن باب: الغزو في البحر (قوله: إنَّ رسول الله ﴿ كان يدخلُ على أمَّ حرام بنت مِلْحان) أمّ حرام هذه هي أخت أم سليم أم أنس بن مالك، وكان اسمُ أمِّ حرام: الرميصاء. وقيل: الغميصاء، وإنَّما الرميصاء أم سليم. وكذا ذكره البخاري. و (الرميصاء): من ٧٥٢ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٥١) باب: الغزو في البحرة وكانت أمُّ حرام تحت عُبادة بنِ الصَّامت، فدخل عليها رسولُ الله ◌ِخليه يوماً فأطعمتْهُ، ثُمَّ جَلَسَتْ تَفْلِي رأسَه، فَنَامَ رسولُ الله ◌َّيِ، ثم استيقظ وهو يَضْحَكُ قالت : فقلت : ما يُضْحِكُكَ يا رسول الله ؟! قال: ((ناس الرمص، وهو القذى الذي يجتمع في مآقي العين وأهدابها. و (الغمص): استرخاءٌ فيها وانكسارٌ. وهما اسمان لهما. ويجوزُ أن يكون ذلك صفتين، ولعلَّ الغمصَ هو الذي كان غالباً على نساء الأنصار، وهو الذي عنى به النبيُّ ◌َلُقر حيث قال لجابر: ((فإنَّ في عيون الأنصار شيئاً))(١). ودخولُ النبيِّ ◌َ﴿ على أمّ حرام؛ لأنها كانتْ إحدى خالاته من الرَّضاعة، كما قال ابنُ وهب. وقال غيره: بل كانت خالةً لأبيه(٢)، أو لجدِّه؛ لأن أمّ عبد المطلب(٣) من بني النجار. و (قوله: وكانت تحت عُبادة بن الصامت) ظاهرُه: أنَّ أمّ حرام كانت زوجاً لِعُبادة في الوقت الذي دخل عليها النبيُّ ◌َ﴿، ورأى تلك الرؤيا، وليس الأمرُ كذلك، بل تزوَّجها عُبادةُ بعد ذلك بمدةٍ، كما قاله في الرواية الأخرى: فتزوَّجها عبادةُ بَعْدُ، فغزا في البحر. فهذا يدلُّ: على تعقيب تزوُّجها بغزوهم، وكان ذلك الغزو في زمان معاوية، إمّا وهو أميرُ الجيش، أو أمير المؤمنين، على ما في ذلك من الخلاف. وفي (قوله: أطعمته) دليلٌ على جواز تصرُّف المرأة في إطعام الضيف من إطعام الزوجة الضيف طعام زوجها؛ لأنَّ الأصلَ في أطعمة الدَّار إنما هي مال الزَّوج. وفيه دليلٌ على الخلوة بذات خلوة الرَّجل بذات محرم، والتبسّط معها، والقُرْب منها، لا سيَّما على رواية مَن محرم (١) أحمد (٢٩٩/٢)، ومسلم (٧٤/١٤٢٤)، والنسائي (٧٧/٦). (٢) في (ج): لأمّه. (٣) زاد في (ج ٢): بن هاشم. ٧٥٣ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٥١) باب: الغزو في البحر مِنْ أُمتي عُرِضُوا عليَّ غُزاةً في سبيل الله يركبون ثَجَ هذا البحرِ ملوكاً على الأسرَّةِ، أو مثل الملوك على الأسرة)) - يشك أيهما قال - قالت: فقلتُ: يا رسول الله! ادعُ اللَّهَ أنْ يَجْعَلني منهم! فدعا لها. ثُمَّ وضع رأسه فنام، روى: أنَّهِوَ لل وضع رأسه على فخذها. ويمكن أن يقال: إنه ◌َطفل كان لا يستتر منه النساء؛ لأنه كان معصوماً بخلاف غيره. وضحكه و 9 حين استيقظ إنما كان فَرَحاً مما اطّلع عليه من أحوال من يكون كذلك حالُه من أمَّته بعده. و (ثبج البحر): ظهره، كما قال في الرواية الأخرى. وأصل الثَّبج: ما يلي الكتفين. و (قوله: ((ملوكاً على الأسرَّة)) - أو - ((مثل الملوك على الأسرَّة))) هو شكٌّ من ركوب البحر بعض الرواة، وقد ورد في طريقٍ أخرى: ((كالملوك على الأسرَّة)» - بغير شكِّ - في الغزو ويحتمل أن يكون خبراً عن حالهم في غزوهم. ويحتملُ أن يكونَ خبراً عن حالهم في الجنَّة، كما قال تعالى في صفة أهل الجنَّة: ﴿عَلَى سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ﴾ [الطور: ٢٠] و: ﴿عَ سُرُرٍ قَوْضُونَةٍ * مُتُّكِينَ عَلَيْهَا مُتَقِلِينَ﴾ [الواقعة: ١٥ - ١٦]. وفيه دليلٌ على ركوب البحر في الغزو. ويلحقُ به ما في معناه من الحجِّ وغيره. وهو مذهبُ جمهور الصَّحابة والعلماء، غير أنه قد روي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وعمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - منع ركوبه مطلقاً. وقيل: إنما منعاه للتجارة، وطلب الدنيا، لا للطاعات. وكره مالك ركوبه للنساء مطلقاً، لما يخاف عليهنَّ من أن يُطَّلع منهن على عورةٍ، أو يطَّلعْن على عورات المتصرِّفين. قال الأصحابُ: هذا فيما صَغُر من الشُّفن، فأمَّا ما کَبُر منهن، بحیث یستترن بأماکن يختصصن بها، فلا بأس. و (قولها في الثانية: ادع الله أن يجعلني منهم) كأنها ظنَّتْ أنَّ المعروضين ٧٥٤ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٥١) باب: الغزو في البحر ثم استيقظ وهو يضحك. قالت: فقلت: ما يضحكك يا رسول الله؟! قال: ((ناسٌ من أمتي عرضوا عليَّ غزاةً في سبيل الله)) - كما قال في الأول - قالت: فقلت: يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني منهم!قال: ((أنت من الأولين)). فرَكِبَتْ أمُّ حرام بنتُ مِلْحَانِ البحر في زمانٍ معاويةَ، فصُرِعَتْ عن دابتها حين خرجت من البحر فهلکت. وفي رواية: ((يركبون ظَهْرَ هذا البحر الأخضرِ)). عليه ثانياً مساوون للأولين في الرُّتبة، فسألتْ رتبتَهُمْ ليتضاعفَ لها الأجر، ولم تشكَّ في إجابة دعاء النبيّ ◌َّ لها في المرة الأولى. و (قوله: ((أنتِ من الأولين))) أي: من الزُّمرة التي رآها أولاً. وهذا يدلُّ: على أنَّ المرئيين ثانياً ليسوا الأولين، وكانت الطائفة الأولى غزاة أصحابه في البحر. والثانية: غزاة التابعين فيه. والله تعالى أعلم. غزو معاوية قبرص و (قوله: فركبت البحر في زمن معاوية) ظاهره: في زمان خلافة معاوية. وقال به بعضُ أهل التاريخ. والأشهر من أقوالهم: إنَّ ذلك إنَّما كان في خلافة عثمان بن عفَّان - رضي الله عنه - وفيها كان معاويةُ قد غزا قبرصَ سنة ثمانٍ وعشرين، ومعه زوجته فاختة بنت قرظة من بني عبد مناف، قاله خليفة بن خياط(١) وغيره. وفيها ركبت أمُّ حرام البحر مع زوجها إلى قبرص، وبها توفيت حين صرعتها دابتها، ودفنت بها . وفيه دليلٌ: على صحّة نبوة النبيِّ ◌ََّ، وعلى صِدْقه، فإنَّه قد وقع ما أخبر عنه من الغیب علی نحو ما أخبر عنه. (١) هو العُصْفُري البصري الشيباني، محدِّث، نسَّابة، إخباري، صنَّف ((التاريخ)) و ((الطبقات)). توفي سنة (٢٤٠ هـ). ٧٥٥ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٥٢) باب: في فضل الرباط وفي أخرى: قال: فتزوَّجَها عُبادةُ بنُ الصَّامت بعدُ، فغزا في البحرِ فَجَعَلها مَعَهُ، فلمَّا أَنْ جاءتْ قُرِّبَتْ لها بَغْلَةٌ، فركبتها، فصرعتها، فاندقّت عنقها . رواه أحمد (٣٦١/٦)،، والبخاري (٢٧٩٩)، ومسلم (١٩١٢)، وأبو داود (٢٤٩١)، والنسائي (٤٠/٦ - ٤١)، والترمذي (١٦٤٥)، وابن ماجه (٢٧٧٦). (٥٢) باب في فضل الرباط، وكم الشهداء؟ [١٣٨٠] عن سلمانَ قال: سمعتُ رسول الله وَّل يقول: ((رِباطُ يوم وليلةٍ خيرٌ من صيام شهرٍ وقيامِه. وإنْ مات جرى عليهِ عَمَلُه الذي كانَّ وفيه دليل: على أنَّ من مات في طريق الجهاد من غير مشاهدته ومباشرته؛ له من الأجر والرُّتبة مثل ما للمباشر. كما قدَّمناه. (٥٢) ومن باب: فضل الرِّباط، وكم الشهداء؟ الرِّباط: مصدر رابط، يُرابط، رباطاً: إذا قام في ثغرٍ من ثغور الإسلام حارساً له من العدوِّ. وأصله: من ربط الخيل فيها. و (قوله: ((وإن مات))) يعني: في حالة الرِّباط؛ ((جرى عليه عملُه))) أي: أجر عمله ((الذي كان يعمله))) في حال رِباطه، وأجر رباطه. وقد جاء في غير مسلمٍ ٧٥٦ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٥٢) باب: في فضل الرباط يعمله، وأُجْرِيَ عليه رِزْقُه، وأَمِنَ الفُتَّان)». رواه أحمد (٤٤٠/٥)، ومسلم (١٩١٣)، والترمذي (١٦٦٥)، والنسائي (٣٩/٦). [١٣٨١] وعن أبي هريرةَ: أَنَّ رسولَ اللهِ له قالَ: ((بينما رجلٌ يمشي بطريقٍ، وَجَدَ غُصْنَ شوكٍ على الطَّريق، فأخَّرَهُ، فشكر الله له، فَغَفَر له))، وقال: «الشهداءُ خمسةٌ: المطعونُ، والمبطونُ، والغريقُ، وصاحبُ الهَدْم، والشهيدُ في سبيل الله)). رواه أحمد (٥٣٣/٢)، والبخاري (٦٥٢)، ومسلم (١٩١٤)، والترمذي (١٩٥٨)، وابن ماجه (٢٦٨٢). إجراء الرزق على المرابط بأوضح من هذا. قال: ((كلُّ ميتٍ يُخْتَمُ على عمله إلا المرابط، فينمو له عمله))(١). و (قوله: ((وأُجري عليه رزقه))) يعني به - والله تعالى أعلم -: أنَّ يُرزق في الجنّة كما يُرزق الشهداء؛ الذين تكون أرواحُهم في حواصل الطير، تأكلُ من ثمر الجنّة، كما تقدَّم في الشهید. و (قوله: ((وأَمِنَ الفُتَّان))) يُروى عن الأكثر من الرواة: بضم الفاء، جمع المرابط يأمن الفُتَّان فاتن، ويكون للجنس. أي: يُؤْمَنُ من كلِّ ذي فتنةٍ. ورواه الطبري: بفتح الفاء. يعني به: فَّان القبر. وكذلك رواه أبو داود مفسراً بالإضافة إلى القبر. و (قوله وَّل في مؤخِّر غُصْن الشوك: ((فشكر الله له))) أي: رضي فعله ذلك، ثواب من يزيل وأثابه عليه بالأجر، والثناء الجميل. وقد تقدَّم: أنَّ أصل الشكر: الظهور. الأذی من الطريق و (قوله: ((الشهداء خمسة: المطعون، والمبطون، والغَرِق وصاحب الهدم، والشهيد في سبيل الله))) وقال مالك من حديث جابر بن عتيك: أنَّ رسول الله وَليه من هم الشهداء؟ (١) رواه أحمد (٢٠/٦)، وأبو داود (٢٥٠٠)، والترمذي (١٦٢١). ٧٥٧ (١٣) كتاب الجهاد والسُّير - (٥٢) باب: في فضل الرباط [١٣٨٢] وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَ لَهُ: ((ما تَعُدُّونَ قال: ((الشهداء سبعةٌ، والقتيل في سبيل الله)) (١) وذكر نحو ما تقدَّم، وزاد: (وصاحب ذات الجَنْب، والحريق، والمرأة تموت بجُمْع)) ولا يظن: أن بين قوله: ((الشهداء خمسة)) و((الشهداء سبعة)) تناقضاً؛ لأنهما حديثان مختلفان، أخبر بهما في وقتين مختلفتين. ففي وقت أوحي إليه أنهم خمسة. وفي وقت آخر أوحي إليه أنهم أكثر. والله تعالى أعلم. فأمَّا (المطعون) فهو الذي يموتُ بالطَّاعون، وهو: الوباء. وقد فسَّره في من هو الحديث الآخر، إذ قال فيه: ((الطاعون شهادة لكلِّ مسلم)) ولم يُرِدِ المطعونَ المطعون؟ بالسّنان، لأنه هو المقتولُ في سبيل الله، المذكور من جملة الخمسة. و (المبطون): هو الذي يموتُ من علَّة البطن، كالاستسقاء، والحَقْن من هو - وهو: انتفاخ الجوف - والإسهال. المبطون؟ و (الغَرِق) یروی بغیر یاء، كحَذِرٍ. ويُروى بالياء - وهو للمبالغة - كعلیم. و (صاحب الهدم): هو الذي يموتُ تحت الهدم. و (الحريق): هو الذي من هو صاحب الهدم؟ يموتُ بحرق النّار. وهؤلاء الثلاثة إنما حصلتْ لهم مرتبةُ الشهادة لأجل تلك الأسباب؛ لأنهم حكم من غرر لم يُغَرِّروا بنفوسهم، ولا فرَّطوا في التَّحرُّز، ولكن أصابتهم تلك الأسباب بقضاء بنفسه فمات الله وقدره. فأمَّا من غرَّر، أو فرَّط في التحرُّز حتى أصابه شيءٌ من ذلك، فمات، فهو عاصٍ، وأمْرُهُ إلى الله؛ إن شاء عذَّب، وإن شاء عفا. وأمَّا صاحبُ ذات الجَنْب: فهي قرحةٌ في الجَنْب، وورمٌ شديدٌ. وتسمَّى: ذات الجنب الشُّوصة. (١) رواه أبو داود (٣١١١)، والنسائي (١٣/٤)، وابن ماجه (٢٧٠٣). ٧٥٨ (١٣) كتاب الجهاد والسُّير - (٥٢) باب: في فضل الرباط الشهيد فيكم؟)) قالوا: يا رسول الله! مَنْ قُتِل في سبيل الله فهو شهيد. قال: (إنَّ شهداء أُمَّتي إذاً لقليلٌ)). قالوا: فمن هم يا رسول الله؟! قال: ((مَنْ قُتِلَ في سبيل الله فهو شهيدٌ، ومن مات في سبيل الله فهو شهيدٌ، ومن مات من الطاعونِ فهو شهيدٌ، ومن مات من البَطْنِ فهو شهيدٌ». وفي رواية: ((والغريقُ شهیدٌ)). رواه أحمد (٥٢٢/٢)، ومسلم (١٩١٥)، وابن ماجه (٢٨٠٤). [١٣٨٣] وعن أنس قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((الطَّاعونُ شهادةٌ لكلِّ مسلمٍ)). رواه البخاري (٢٨٣٠)، ومسلم (١٩١٦). المرأة تموت حاملاً وأمَّا المرأةُ تموتُ بجُمْعٍ : - ويُقال: بضم الجيم وكسرها - فهي المرأةُ تموتُ حاملاً، وقد جمعت ولدها في بطنها. وقيل: هي التي تموت في نفاسه وبسببه. وقيل: هي التي تموتُ بكراً لم تفتضَّ(١). وقيل: بكراً لم تظهرْ لأحدٍ. والأول أولى وأظهر. والله تعالى أعلم. و (قوله: ((ومَن مات في سبيل الله فهو شهيد))) يعني: أنه يموتُ شهيداً وإن لم یباشر الحرب، ولم يشاهده، كما قدَّمناه. * (١) اقتضاض البكر وافتضاضها: بمعنى واحد. وهو الاقتراع. ٧٥٩ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٥٣) باب: في قوله تعالى: ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم) (٥٣) باب في قوله تعالى: ﴿ وَأَعِدُواْلَهُم مَّا أَسْتَطَعْتُم﴾ [١٣٨٤] عن عقبة بن عامرٍ قال: سمعتُ رسولَ اللهِص له وهو على المنبر يقول: ((وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة؛ ألا إنَّ القوةَ الرَّمْيُ؛ ألا إنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ؛ ألا إنَّ القوةَ الرَّمْيُ)). رواه مسلم (١٩١٧)، وأبو داود (٢٥١٤)، والترمذي (٣٠٨٣)، وابن ماجه (٢٨٨٣). (٥٣) ومن باب: قوله تعالى: ﴿ وَأَعِدُواْلَهُمْ مَّا أَسْتَطَعْتُم ◌ِن قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠] (القوة): [التقوِّي بما] (١) يحتاج إليه من الدُّروع، والمجان، والسُّيوف، النكاية بالسُّهام والرِّماح، والرَّمي، وسائر آلات الحرب إلا أنّه لمَّا كان الرمي أنكاها في العدوِ، وأَنْفَعَها فسَّرها، وخصَّصها بالذكر وأكَّدها ثلاثاً(٢)، ولم يرد أنها كلُّ العُدَّة، بل أنفعها. ووجه أنفعيتها: أنَّ النكايةَ بالسِّهام تبلغُ العدوَّ من الشُّجاع وغيره، بخلاف السَّيف والرمح، فإنه لا تحصلُ النّكايةُ بهما إلا من الشجعان الممارسين للكرِّ والفرِّ، وليس كلُّ أحدٍ كذلك. ثمَّ: إنها أقربُ مؤونة، وأيسرُ محاولةً وإنكاءً. ألا ترى أنه قد يُرمى رأسُ الكتيبة فينهزم أصحابه؟ إلى غير ذلك مما يحصلُ منه من الفوائد، والله تعالى أعلم. (١) في (م) و(ج ٢): إعداد ما. (٢) ساقط من (ع). ٧٦٠ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٥٣) باب: في قوله تعالى: ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم) [١٣٨٥] وعنه قال: سمعتُ رسولَ اللهِوَ له يقول: ((سَتُفْتَحُ عليكم الأَرَضُونَ ويكفيكمُ الله؛ فلا يعجزْ أحدُكم أن يَلْهُوَ بأسهمه)). رواه أحمد (١٥٧/٤)، ومسلم (١٩١٨)، والترمذي (٣٠٨٣). [١٣٨٦] وعن عبد الرحمن بن شَمَاسَة: أنَّ فُقَيْماً اللَّخْمِيَّ قال لعقبةَ ابنِ عامٍ: تختلف بين هذين العرضين؛ وأنت كبيرٌ يَشُقُّ عليك! فقال عقبة: لولا كلامٌ سمعتُهُ مِن رسول اللهِوَّر لم أعانه. فَقِيْلَ لابنِ شَمَاسَة: وما ذلك؟ قال: إنَّه قال: ((مَن عَلِمَ الرَّمْيَ ثُمَّ تركه، فليس مِنَّا. أو: قد عصی). و (قوله ◌َير: ((سَتُفْتَحُ عليكم الأرضون، ويكفيكم الله))) أي: أمر العدوِّ بالظهور عليه، [وبالتمكين منه، وقد كان كلُّ ذلك، وهذا من دلائل صحة نبوته](١). اللهو بالرمي و (قوله: ((فلا يعجز أن يلهوَ أحدُكم بأسهمه))) أي: يجعل الرَّمي بدلاً من اللهو، فيندرج عليه، ويشتغل به حتى لا ينساه، ولا يغفل عنه فيأثم، على ما جاء في حديث عقبة بن عامر، قال: سمعتُ رسولَ اللهِ وَه يقول: ((إنَّ الله يُدْخِلُ بالسَّهم الواحد ثلاثةَ نفرِ الجنَّةَ: صانعه يحتسب في صنعته الخير، ومُنبله، والرَّامي به. وأن ترموا أحبّ إليَّ من أن تركبوا. ليس من اللهو إلا ثلاث: تأديب الرجل فرسه، وملاعبته أهله، ورميه بقوسه ونبله. ومَن ترك الرمي بعدما علمه رغبةً عنه فإنها نعمة تركها. أو قال: كفرها)) خرَّجه أبو داود(٢). ويدلُّ عليه حديث فقيم المذكور في الأصل على ما يفسّر بَعْدُ. ذمُّ من ترك الرَّمي بعد أن علمه و (قوله: (مَن عَلِيم الرمي ثم تركه فليس منا)) أو ((قد عصى))) هذا شكٍّ من (١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع). (٢) رواه أبو داود (٢٥١٣)، والترمذي (١٦٣٧)، والنسائي (٢٨/٦).