Indexed OCR Text
Pages 641-660
٦٤١ (١٣) كتاب الجهاد والشّير - (٢٣) باب: صلح الحديبية قال: أليس قتلانا في الجنّة وقتلاهم في النار؟! قال: بلى. قال: فعلامَ نعطي الدنية في ديننا، ونرجع ولمَّا يحكم الله بيننا وبينهم؟! قال: يا بن الخطاب! إنَّه رسولُ الله ◌ِوَّه ولن يُضَيِّعه اللَّهُ أبداً. قال: فنزلَ القرآنُ على رسول الله ﴿ل بالفتح فأرسل إلى عمر فأقرأه إيَّاهُ. فقال: يا رسول الله! أَوَ فتحّ هو؟ قال: ((نعم)) فطابت نفسُه ورَجَعَ . وفي رواية: قال: أيُّها النَّاسُ اتَّهِمُوا رأيكم! واللَّهِ لقد رأيتُني يومَ أبي جَنْدَلٍ ولو أنِّي أستطيعُ أنْ أردَّ أمرَ رسولِ اللهِ وَ لِهِ لرددتُهُ! واللهِ ما وضَعْنا سيوفَنَا على عواتِقِنا إلى أمرٍ قطُ إلا أَسْهَلْنَ بنا إلى أَمرٍ نعرفه إلا أمركم هذا! و (قول سهل بن حنيفٍ: ما وضعنا سيوفنا على عواتقنا إلى أمرٍ قطّ إلا أسهلن بنا إلى أمرٍ نعرفه إلا أمركم هذا) وضعنا: رفعنا - هنا - أي: وضعناها على عواتقنا. والعوائق: جمع عاتق، وهو من المنكب وما يليه إلى العُنُق، وهو الكاهل، والكتِد، والشَّجُ(١). و(أسهلن) أي: حَمَلَتْنا إلى أمرٍ سهلٍ، وهو من: أسهل: إذا دخل سهلاً من الأرض، كأنجد؛ وأشأم؛ وأعرق: إذا دخل تلك المواضع. ويعني بهذا الكلام: أن كلَّ قتالٍ قاتل فيه ما رفع سيفه فيه إلا عن بصيرةٍ لعاقبة أمره، فسهل عليه بسببها ما يلقاه من مشقَّات الحروب، غير تلك الأمور التي كانوا فيها، فكانوا كلما لاحَ لهم فيها مصلحةٌ وعاقبةٌ حسنةٌ ظهر لهم نقيضُها. ويدلُ على صحة هذا قولُه: ما فتحنا منها من خُصْمِ إلا انفجر علينا منه خُصْمٌ. أصل الخُصْم: طرفُ الشيء وجانبه الذي يؤخذ به. وخُصْم الرَّاوية: طرفها. وخُصْم العِذْل: جانبه الذي يُؤْخَذُ به. (١) ((الكَتِد)): مجتمع الكتفين من الإنسان والفرس. و((الثَّبَج)): ما بين الكاهل إلى الظهر. وقيل: ثبج كلِّ شيء: وسطه. ٦٤٢ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٢٣) باب: صلح الحديبية وفي أخرى: ما فتحنا منه من خُضْم إلا انفجر علینا منه خُضْمٌ. رواه أحمد (٣٢٨/٤ - ٣٣١)، والبخاري (١٧٣١) و (٢٧٣٢)، ومسلم (١٧٨٥) (٩٤ و٩٥ و٩٦)، وأبو داود (٢٧٦٥). [١٣٠٣] وعن أنس قال: لما نزلتْ: ﴿إِنَّا فَحْنَا لَكَ فَتْعَامُّبِينًا﴾ إلى قوله: ﴿فَوْزاً عَظِيمًا﴾ [الفتح: ١ - ٥] مَرْجِعَهُ من الحُدَيْنِيَةِ، وهم مخالطهمُ الحزنُ والكآبةُ وقد نحر الهديَ بالحُدَيْبِيةِ. قال: ((لقد نزلت عليَّ آيَةٌ هِيَ أحبُّ إليَّ من الدُّنْيا جميعاً). رواه أحمد (١٢٢/٣)، والبخاري (٤١٧٢)، ومسلم (١٧٨٦)، والترمذي (٣٢٦٣). و (قوله: ما فتحنا) وهمٌّ من بعض الرُّواة، وصوابه: ما سددنا؛ لأنَّه مقابل: (انفجر علینا) وکذا وقع في البخاري: (سددنا) مکان: (فتحنا). وهذا الحديث يدلُّ: على جواز الصُّلح على ما شرطه العدو عند ضعف جواز الصلح على ما شرطه المسلمين عن مقاومة عدوِّهم، وعند الحاجة إلى ذلك، ولا خلافَ في جواز العدو الصُّلح عند ذلك؛ إلا ما ذكر من الخلاف في ردِّ مَن جاء مسلماً، وكذلك: لو صُولحوا على مالٍ يُؤْخَذ منهم، فإمَّا إن لم تدع حاجةٌ، ولا ضرورةٌ إلى ذلك، ولم يكن للعدوٌّ قوة إلا لما بذلوه من المال. فأجاز ذلك جماعةٌ منهم: الأوزاعي. ومنع ذلك مالك، وأصحابه، وعلماءُ المدينة. واختلف في مقدار مدَّة الصُّلح حيث يجوز. فقال مالك: ذلك مُفوَّضٌ إلى اجتهاد الإمام. وحدَّ الشافعيُّ أكثره بعشرة أعوام(١) بناءً منه على صلح الحديبية، مقدار مدة الصلح (١) في (ج): سنين. ٦٤٣ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٢٤) باب: في التحصين بالقلع والخنادق عند الضعف (٢٤) باب في التحصين بالقلع والخنادق عند الضعف عن مقاومة العدو وطرف من غزوة الأحزاب [١٣٠٤] عن البراءِ بن عازبٍ قال: كانَ رسولُ اللهِ وَهُ يومَ الأحزابِ يَنْقُلُ الترابَ معنا، ولقد وارى الترابُ بياضَ بطنِه وهو يقول: فإنه كان عشر سنين. واختلف فيها. فقال عروة بن الزبير: كانت أربع سنين. وقال ابنُ جريج: ثلاث سنين. والأول أشهر. (٢٤) ومن باب: التحصين وحفر الخنادق الأحزاب: جمع حزبٍ، وهو الجماعةُ من النَّاس، والجملةُ من الشيء. وتحزَّب الناس: اجتمعوا. والحزب من القرآن: جُملةٌ مجتمعةٌ منه. ويوم الأحزاب: عبارةٌ عن غزوة الأحزاب. وهي غزوةُ الخندق. وكانت في السَّنَة غزوة الأحزاب الخامسة من الهجرة في شهر شؤَّال، وكان سَبَيُها: أنَّ نفراً من رؤساء اليهود انطلقوا وأحداثها إلى مكة مُؤلِّبين على رسول الله وَله ومُشجِّعين عليه، فجمعوا الجموع، وحزبوا الأحزاب، فاجتمعت قريشٌ وقادتها، وغطفان وقادتها، وفزارة وقادتها، وغيرهم من أخلاط النَّاس. وخرجوا بحدِّهم وجدِّهم في عشرة آلاف حتى نزلوا المدينة، ولمّا سمع رسولُ الله ◌َلاغير بهم شاور أصحابه، فأشار سلمان بالخندق، فحفروا الخندق، وتحصَّنوا به، ثم إنَّ رسولَ الله ◌ِ ﴿ خرجَ بمن معه من المسلمين في ثلاثة آلافٍ، فبرز، وأقام على الخندق، وجاءت الأحزاب، ونزلتْ من الجانب الآخر، ولم يكن بينهم حربٌ إلا الرمي بالنَّبل، غير أنَّ فوارسَ من قريشٍ اقتحموا الخندق، فخرج عليٌّ بنُ أبي طالب - رضي الله عنه - في فرسانٍ من المسلمين، فأخذوا عليهم الثغرة التي اقتحموا منها، فقتل عليٍّ عمرو بن ودٌّ مبارزةً، واقتحم الآخرون ٦٤٤ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٢٤) باب: في التحصين بالقلع والخنادق عند الضعف ((واللَّهِ لولا اللَّهُ ما اهتديْنا ولا تصدَّقْنَا ولا صلَّيْنَا إنَّ الأُلى قد بَغَوْا علينا» فأنْزِلنْ سکینةً علینا زاد في روايةٍ: فقال رسولُ اللهِ وَله: ((اللَّهُمَّ لا عيشَ إلا عيشُ الآخرةِ فاغْفِرْ للمهاجرينَ والأنصار)). رواه البخاري (٤١٠٤)، ومسلم (١٨٠٣)، والرواية الثانية عند مسلم (١٨٠٤) من حديث سهل بن سعد. بخيلهم الخندقَ منهزمين إلى قومهم. ونقضت قريظةُ ما كان بينها وبين رسول الله وَ﴿، وعاونوا الأحزابَ عليه، واشتدَّ البلاءُ على أصحاب النبي ◌َلّ إذ جاء عدوُّهم من فوقهم، ومن أسفل منهم، فأقام المسلمون على تلك الحال [قريباً من شهرٍ إلى أن خذل اللَّهُ بين قريشٍ وبين بني قريظة على يدي نعيم بن مسعود الأشجعي](١) فاختلفوا، وأرسل اللَّهُ عليهم ريحاً عاصفةً في ليالٍ شديدة البرد، فجعلت تقلبُ آنيتهم، وتطفئ نيرانهم، وتكفأ قدورَهُم، حتى أشرفوا على الهلاك. فارتحلوا مُتُفرِّقين في كلِّ وجهٍ، لا يلوي أحدٌ على أحدٍ. وكفى اللَّهُ المؤمنين القتال. ثم إنَّ رسولَ الله ◌َّه خرجَ إلى بني قريظة، فحاصرهم حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ، كما تقدم. و (قوله: ((فأنزلن سكينة علينا))) السكينةُ: الشُّكون، والثبات، والطمأنينة. و (قوله: ((إِنَّ الأولى))) كذا صحت الروايةُ الأولى بالقصر، فيحتملُ أن يريدَ به مؤنث الأول، ويكون معناه: إن الجماعة السابقة بالشرِّ بغوا علينا. ويحتمل أن تكون (الألى) هي الموصولة بمعنى الذين، كما قال: ويأْشِيُّنِي فيها الألى لا يَلُونَها وَلَوْ عَلِمُوا لم يَأْشِبُوني بِباطل (١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع). ٦٤٥ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٢٤) باب: في التحصين بالقلع والخنادق عند الضعف [١٣٠٥] وعن أنس: أنَّ أصحابَ محمدٍ كانوا يقولون يوم الخندقِ: نحن الذين بايعوا محمداً على الجهاد ما بقينا أبدا وقال ابنُ درید: إِنَّ الأُلَى فَارَقْتُ عَنْ غَيْرِ قِلىَ مَا زاغَ قَلْبِي عَنْهُمُ ولا هَفا ويكون خبر (إنَّ) محذوفاً، تقديرُهُ: إنَّ الذين بغوا علينا ظالمون. وقيل: إنَّ هذا تصحيفٌ من بعض الرواة، وإنَّ صوابه: (أولاء) ممدود، التي الإشارة الجماعة. وهذا صحيحٌ من جهة المعنى والوزن. والله تعالى أعلم. وغيرُ خافٍ ما في هذا الحديث من الفقه؛ من جواز التحصُّن، والاحتراز من جواز التحصن المكروهات، والأخذ بالحزم، والعمل في العادات بمقتضاها، وأنَّ ذلك كلَّه غيرُ والاحتراز من قادح في التوكل، ولا مُنقصٍ منه (١)، فقد كان النبيُّ ◌َله على كمال المعرفة المكروهات بالله تعالى، والتوكُّل عليه، والتَّسليم لأمره، ومع ذلك فلم يطْرِح الأسباب، ولا مقتضى العادات على ما يراه جهَّالُ المتزهِّدين أهل الدّعاوى الممخرقين. وقد يُستدلُّ بإنشاد النبيِّ وَل﴿ وأصحابه هذه الأسجاع وأشباهها أهل المجون، الوجد والسّماع والبدع من المتصوِّفة على إباحة ما أحدثوه من السَّماع المشتمل على مناكر لا يرضى بها أهلُ المروءات - فكيف بأهل الديانات؟ ! - كالطارات، والشَّبَّابات، واجتماع المغاني وأهل الفساد والشبَّان، والغناء بالألحان، والرَّقص بالأكمام، وضرب الأقدام، كما يفعله الفسقةُ المجَّان. ومجموع ذلك يُعلم فسادُه وكونه معصيةً من ضرورة الأديان، فلا يُحتاجُ في إبطاله إلى إقامة دليلٍ ولا برهان. وقد كتبنا في ذلك جزءاً حسناً سمَّيناه: ((كشف القناع عن حكم مسائل الوجد والسَّماع)). بشارته لل للمهاجرين و (قولهم: نحن الذين بايعوا محمداً على الجهاد ما بقينا أبداً) تذكيرٌ منهم والأنصار (١) في (ج): له. ٦٤٦ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٢٤) باب: في التحصين بالقلع والخنادق عند الضعف والنبي ◌َ* يقول: ((اللهمّ إنَّ الخيرَ خيرُ الآخرة فاغفرْ للأنصارِ والمهاجرة)) رواه البخاري (٢٨٣٤)، ومسلم (١٨٠٥)(١٣٠)، والترمذي (٣٨٥٦). [١٣٠٦] وعن إبراهيمَ الثَّيميُّ عن أبيه؛ قال: كنّا عند حذيفةً. فقال رجلٌ: لو أدركتُ رسولَ الله وَّه قاتلتُ معه فأبليتُ. فقال حذيفةُ: أنتَ كنتَ تفعلُ ذلك؟! لقد رأيتُنا مع رسولِ الله ◌ِ﴿ ليلةَ الأحزابِ وأخذتْنَا ريحٌ لأنفسهم بعهد البيعة، وتجديدٌ منهم لها، وإخبارٌ منهم له بالوفاء بمقتضاها. ولمَّا سمع منهم ذلك أجابهم ببشارةٍ: ((لا عيش إلا عيش الآخرة)) وبدعاءِ: ((فاغفر للأنصار [والمهاجرة)). و (المهاجرة) أجراها صفةً مؤنثةً على موصوف محذوفٍ فكأنه قال: للجماعة المهاجرة](١) الرواية: (والمهاجرة) بألفٍ بعد الواو وقبل اللام، وهو غير موزون؛ لأنّه سجع، ولا يُشْتَرط فيه الوزن، ولو اشترط فإنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿وَمَا عَلَّمْنَهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِى لَهُ﴾ [يسَ: ٦٩]. ولو قال: وللمهاجرة - بلامين - لاتَّزَن، إذا نقل حركة (الأنصار) إلى الساكن. و (قول الرجل: لو أدركتُ رسولَ اللهِوَهْ قاتلتُ معه فأبليت) أي: بالغتُ في ذلك، واجتهدتُ فيه حتى يظهر منِّي ما يبتلى، أي: ما يختبر. وقد تقدَّم: أنَّ أصلَ هذا اللفظ: الاختبار. وأنَّ فيه لغتين جمعهما زهير في قوله: فَأَبْلَاهُمَا خَيْرَ البَلاءِ الَّذِي يَبْلُو(٢) وقد قيل: إنَّ (بلا) في الخير، و (أبلى) في الشرِّ. ولما قال هذا الرجلُ هذا الكلامَ ولم يستثنٍ فيه، فَهِمَ منه حذيفةُ الجزم، والقطعَ بأنه كذلك كان يفعل، فأنكر (١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع). (٢) هذا عجز البيت، وصدره: جزى الله بالإحسان ما فعلا بكم. ٦٤٧ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٢٤) باب: في التحصين بالقلع والخنادق عند الضعف شديدةٌ وَقَرٍّ، فقال رسولُ اللهِ وَلِ: ((ألا رجلٌ يأتيني بخبر القوم؟ جعله الله معي يوم القيامة!)) فسَكَتْنَا فَلَمْ يجبْهُ منّا أحدٌ. ثم قال: ((ألا رجلٌ يأتيني بخبر القوم؟ جعلهُ اللَّهُ معي يوم القيامة!)) فسكتنا فلم يجبُهُ منَّا أحدٌ. ثم قال: ((ألا رجل يأتيني بخبر القوم؟ جعله الله معي يوم القيامة!)) فسكتنا فلم يجبْهُ منَّا أحدٌ. فقال: ((قم يا حذيفة! فَأَتِنا بخبر القوم)). فلم أجِدْ بُدّاً؛ إذ دعاني باسْمِي أن أقوم. قال: ((اذهب فأتني بخبر القوم، ولا تَذْعَرْهُمْ عليَّ!» فلمَّا وَلَيْتُ من عنده جعلتُ كأنَّما أمشي في حَمَّام حتى أتيتُهُمْ، فرأيتُ أبا سفيانَ يُصْلِي ظَهْرَهُ بالَّار. فَوَضَعْتُ سهماً في كَبِدِ القوس، فأردت أَنْ أرميَهُ، فذكرتُ قولَ رسول الله بِّهِ: ((لا تَذْعَرْهُم عليَّ)) ولو رَميتُه لأصبتُه، فرجعتُ ذلك عليه، وأخبره بما يفهم منه: أنَّ أصحاب رسول الله چز كانوا أقوى في حرص دِيْن الله، وأحرص على إظهاره، وأحبَّ في رسول الله وَليز، وأشجع منك، ومع ذلك فقد انتهتْ بهم الشدائد، والمشاقُّ إلى أن حصل منهم ما ذكره، وإذا كان هذا فغيرهم بالضعف أولى. وحاصله: أنَّ الإنسان ينبغي له ألاَّ يتمنى الشدائد والامتحان؛ فإنه لا يدري كيف يكون حالُه فيها. فإن ابتُلي صبر، وإن عوفي شكر. الصَّحابة على إظهار الدین و (قوله ﴿: ((من يأتيني بخبر القوم؟))) يتضمَّن إخبارهِوَّهِ بسلامة المارٌّ(١)، ورجوعه إليه. و (قوله: ((جعله الله معي في الجنَّة))) أي: مُصاحِباً لي، وملازماً حَضْرتي. وكلُّ واحدٍ منهما على منزلته في الجنَّة، ومنزلةُ النبيّ وََّ لا يلحقه فيها أحدٌ. و (قوله: ((ولا تذعرهم عليَّ))) الذُّعر: الفزع. أي: لا تفزعهم، فتهيّجهم عليَّ. و (يُصلي ظهره) أي: يسخّنه بالنَّار، ومصدره: الصِّلاء - مكسوراً، ممدوداً -. والصَّلى - مفتوحاً، مقصوراً -. (١) أي: الذاهب. ٦٤٨ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٢٥) باب: في اقتحام الواحد على جمع العدو وأنا أمشي في مثلِ الحَمَّام، فلما أتيتُهُ، فأخبرتُه خبرَ القوم، وفرغْتُ، قُرِزْتُ، فألبسني رسولُ اللهِ وََّ مِنْ فَضْلِ عباءةٍ كانت عليه يصلي فيها، فلم أزلْ نائماً حتى أصبحتُ فلمَّا أصبحتُ قال: ((قم يا نومان!)). رواه مسلم (١٧٨٨). (٢٥) باب في اقتحام الواحد على جمع العدو، وذكر غزوة أُحُدٍ، وما أصابَ فيها النبيَّ وَّلـ [١٣٠٧] عن أنس بن مالكِ؛ أنَّ رسولَ اللهِ وَلِ أُفْرِدَ يومَ أُحدٍ في سبعةٍ من الأنصارِ، ورجلين من قريشٍ، فلمَّا رَهِقُوهُ قالَ: ((مَنْ يَرَدُّهُمْ عنَّا من كرامات حذيفة و (قوله: كأنما أمشي في حَمَّام) أي: لم يصبه شيءٌ من ذلك البرد ببركة طاعة رسول الله وَّة، وهي من كراماتهَ، أَلا ترى أنَّه لمَّا فرغ من ذلك العمل أخذه البردُ كما كان أول مرة؟! و (كبد القوس): وسطها، حيث يقبض الرَّامي. قال الخليل: كبدُ كلِّ شيءٍ: وسطه. و(قُررت) أي: أصابني القُرُ. وهو: البرد. و (العَباءة) - بفتح العين والمدِّ -: هي الشملة، وهي كساءٌ يشتملُ به. أي: يُلتفّ فيه. و (نومان): كثير النوم. نسبه إلى ذلك؛ لأنه نام حتى دخل عليه وقتُ صلاةٍ الصبح. (٢٥) ومن باب: اقتحام الواحد على جَمْع العدوِّ (رَهِقوه) أي: غشوه، ولحقوه، وهو مكسور العين ثلاثياً، وقد جاء رباعياً بمعنىّ. ومنه قولُه تعالى: ﴿وَلَا تُرْهِقْنِ مِنْ أَمَرِى عُدْرًا﴾ [الكهف: ٧٣]. قال ابنُ الأعرابي: رَهِقته، وأرهقته: بمعنیّ واحد. ٦٤٩ (١٣) كتاب الجهاد والسُّير - (٢٥) باب: في اقتحام الواحد على جمع العدو وله الجَنَّةُ، أو: هو رَفيقِي في الجَنَّةِ؟)) فتقدَّم رجلٌ مِن الأنصارِ، فقاتلَ حتَّى قُتِلَ، فلم يزلْ كذلكَ حتَّى قُتِلَ السَّبعةُ. فقالَ النبيُّ وَّهِ لِصاحِبَيْهِ: ((ما أَنْصَفْنا أَضْحَابنا)). رواه أحمد (٢٨٦/٣)، ومسلم (١٧٨٩). [١٣٠٨] وعن سهلِ بن سَعْدٍ، وسُئلَ عن جُرْحِ رسولِ الله ◌َِ﴿ يومَ أُحُدٍ. فقال: جُرِحَ وجهُ رسولِ اللهِوَ﴿، وكُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ، وهُشِمَتْ البَيْضَةُ على رأسِه، فكانتْ فاطمةُ بنتُ رسولِ اللهِ ﴿ تغسلُ الدَّمَ. وكانَ عليُّ بن أبي طَالبٍ يسكبُ عليه بالمِجَنِّ. فلمَّا رأتْ فاطمةُ أنَّ الماءَ لا يزيدُ الدَّمَ إلا كثرةً، أخذتْ قطعةَ حَصِيْرِ فَأَحْرَقَتْهُ حتَّى صَارَ رَمَاداً ثم ألصقتُه بالجُرْحِ فاستمسكَ الدّمُ. رواه البخاري (٢٩١١)، ومسلم (١٧٩٠) (١٠١)، وابن ماجه (٣٤٦٤). و (قوله ولي لصاحبيه) يعني بهما: القرشيين المذكورين في أوَّل الحديث. و (قوله: ((ما أنصفْنا أصحابَنا))) الرواية: (أنصفْنا) بسكون الفاء. (أصحابنا) بفتح الباء. يعني بهم: السبعة الذين قُتِّلوا. قال عياض: أي: [لم نُدِلْهُم القتال حتى قتلوهم خاصة](١). وقد رواه بعضُ شيوخنا: ما أنصفَنا أصحابُنا - بفتح الفاء، وضم الباء من (أصحابنا) - وهذا يرجعُ إلى مَنَ فرَّ عنه، وتركه. و (المجنُّ): التُّرس؛ لأنه يُستجنُّ به، أي: يستتر. و (الرَّباعية) - بفتح الراء، وتخفيف الياء - وهي: كلُّ سنٍّ بعد ثنيَّةٍ، و (هُشِمَتْ) كسرت. و (سلت الدم عنه): نزعه بيده. (١) في (ع) و (ز): لم يدلهم القتال حتى قتلوا هم خاصة. ٦٥٠ (١٣) كتاب الجهاد والسُّير - (٢٥) باب: في اقتحام الواحد على جمع العدو [١٣٠٩] وعن أنس، أنَّ النبيَّ وَلَ كُسِرَتْ رَبَاعِيَتُه يومَ أُحُدٍ، وشُجَّ في رأسِه، فجعلَ يَسْلُتُ الدَّمَ عَنْه، ويقولُ: ((كيفَ يُفْلِحُ قومٌ شَجُوا نَبِيَّهم وكَسَرُوا رَبَاعِيَتَّهُ، وهو يَدْعُوهم)) فأنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءُ﴾ [آل عمران: ١٢٨]. رواه أحمد (٢٥٣/٣)، ومسلم (١٧٩١)، والترمذي (٣٠٠٢)، وابن ماجه (٤٠٢٧). [١٣١٠] وعن عبدِ الله، قالَ: كأنِّ أنظرُ إلى رسولِ الله ◌ِّرِ يَحْكِي نبيّاً مِن الأنبياءِ ضربَه قومُه، وهو يمسحُ الدَّمَ عن وجهِه، وهو يقولُ: ((رَبِّ اغفرْ لِقَوْمِي فإنَّهم لا يعلمونَ». رواه أحمد (٣٨٠/١)، والبخاري (٣٤٧٧)، ومسلم (١٧٩٢)، وابن ماجه (٤٠٢٥). و (قوله: ((كيف يفلحُ قومٌ شجُّوا نبيهم؟!))) هذا منه ﴿ [استبعادٌ لتوفيق مَن فَعَل ذلك به. خلق رسول الله (ڑ و (قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءُ﴾ [آل عمران: ١٢٨] تقريبٌ لما استبعده، وإطماعٌ في إسلامهم، ولما أطمع في ذلك، قال ◌َ ﴿](١): ((اللهمَّ اغفرْ القومي فإنهم لا يعلمون)). وإذا تأمَّل الفَطِنُ هذا الدُّعاءَ في مثل تلك الحال عَلِم معنى قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]؛ فإنه ◌َِ﴿ لم يَدْعُ عليهم فينتصر، ولم يقتصر على العفو حتى دعا لهم، ولم يقتصر على الدعاء لهم حتى أضافهم لنفسه على جهة الشفقة، ولم يقتصر على ذلك حتى جعل لهم جهلهم بحاله كالعذر، وإن لم يكن عذراً. وهذا غايةُ الفضل والكرم التي لا يُشارَكُ فيها ولا يُؤْصَلُ إليها. (١) ما بين حاصرتين ساقط من (ج). ٦٥١ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٢٥) باب: في اقتحام الواحد على جمع العدو [١٣١١] وعن أبي هُريرةَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِوَلِ: ((اشْتَدَّ غضبُ اللَّهِ على قوم فَعَلُوا برسولِ اللهِ ﴿)) وهُو حينئذٍ يُشيرُ إلى رَبَاعِيَتِّه. وقال رسول الله ﴾: (اشْتَدَّ غضبُ اللَّهِ على رَجُلٍ يَقْتُلُه رسولُ الله في سبيل الله)). رواه أحمد (١٦٥/١)، ومسلم (١٧٩٣)، والترمذي (١٦٩٢). و (قوله: ((اشتدَّ غضبُ الله على قوم كسروا رباعية نبيِّهم))) يعني بذلك: شدة غضب الله المباشر لكسرها، ولشجّه، وهو: عمرو بنّ قمئة. فإنَّه لم يُسلم، ومات كافراً. على من آذوا فهذا عمومٌ، والمرادُ به: الخصوص، وإلا فقد أسلم جماعةٌ ممَّن شهد أحداً كافراً، رسوله ثم أسلموا وحَسُنَ إسلامهم. و (قوله: ((اشتدَّ غضبُ الله على رجلٍ قتله رسولُ اللهِ﴿) خصوصٌ، والمراد شدة غضب الله به: العموم في كلِّ كافٍ قتله نبيٌّ من الأنبياء على الكفر. فيستوي في هذا الأنبياءُ على من قتله كلُّهم. وقد جاء هذا نصّاً فيما ذكره البزار عن ابن مسعودٍ مرفوعاً: ((أشدُّ الناسِ" نبيِّ عذاباً يوم القيامة رجلٌ قتل نبيّاً، أو قتله نبيٌّ، أو إمام ضلالةٍ))(١). و (قول عبد الله: كأنّي أنظرُ إلى رسول الله له يحكي نبياً من الأنبياء ... إلى آخره) النبيُّ ﴾ هو الحاکي، وهو المحکيُّ عنه، وکأنه أوحي إليه بذلك قبل وقوع قضية(٢) يوم أُحُدٍ، ولم يعيَّن له ذلك النبيّ ﴿﴿، فلما وقع ذلك له؛ تعيَّن: أنه هو المعنيُّ بذلك. (١) انظر: مجمع الزوائد (١٨١/١). (٢) في (ج): قصة. ٦٥٢ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٢٦) باب: فيما لقي النبي # من أذى قريش (٢٦) باب فیما لقي النبيُّ ټێے من أذی قریش [١٣١٢] عن ابن مسعودٍ قال: بينما رسولُ الله ◌ِوَل يُصلِّي عند البيتِ، وأبو جهلٍ وأصحابٌ له جلوسٌ، وقد نُحِرَتْ جَزورٌ بالأمْس. فقال أبو جهل: أيُّكُمْ يقومُ إلى سَلا جَزُورٍ بني فلانٍ فيأخذُه، فيَضَعُهُ علَى كَتِفَيْ محمدٍ إذا سَجَدَ؟ فانبعثَ أشْقَى القوم . - وفي روايةٍ: عقبةُ بن أبي مُعَيْطٍ - فأخذه. فلمَّا سجد النبيُّونَ﴿ وضعهُ بين كَتِفَيْهِ. قال: فاسْتُضْحِكُوا، وجَعَلَ بعضُهم يميلُ على بعضٍ، وأنا قائمٌ أنظرُ، لو كانتْ لي مَنْعَةٌ طرحتُه عن ظهرِ رسول الله ◌ِِّ، والنبيُّ ◌َ﴿ ساجدٌ، لا يرفعُ رأسَهُ، حتى انطلقَ إنسانٌ فأخْبَرَ فاطمةَ. فجاءتْ - وهِيَ جُوَيْرِيةٌ - فطرحتْهُ عنهُ، ثم أقبلتْ عليهمْ تَشْتُمُهُمْ فلما قضى النبيُّ وَ﴿ صلاتَهُ رفع (٢٦) ومن باب: ما لقي النبيُّ بَّر من أذى المشركين الجزور مِن الإبل: ما يجزر. أي: يُقطع. والجزرة: من الشاء، و (سَلاها) مقصوراً، مفتوح السِّين: هي الجلدةُ التي يكونُ فيها الولد، كاللفافة يقال لها من سائر البهائم: سلىّ، ومن بني آدم: المشيمة. و (قوله: فاستُضحِكوا) بضم التاء، وكسر الحاء مبنياً لما لم يُسمَّ فاعله. أي: أُضحكوا، ومال بعضُهم على بعضٍ مبالغةً في الضّحك والاستهزاء. و (منْعةٌ) بسكون النون، أي: منعٌ وقوةٌ، وإنما قال ابنُ مسعود - رضي الله عنه - ذلك لأنه لم تكنْ له عشيرةٌ فيهم؛ لأنَّه من هُذيل، فلم يكنْ له قومٌ يمتنعُ بهم، ولا يمنعُ حكم النجاسة غيره. وقد روي: (ومَنَعَةٌ) بالفتح: جمع مانع، ككاتبٍ وكتبَةٍ. واستمرارُ النبيِّ ◌َّه تصيب المصلّي على سجوده والنجاسة عليه يدلُّ لمن قال: إنَّ إزالةَ النجاسة ليست بواجبةٍ. وهو ٦٥٣ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٢٦) باب: فيما لقي النبي # من أذى قريش صوتَهُ ثَمَّ دَعا عليهِمْ: وكان إذا دَعا دَعا ثلاثاً. وإذا سألَ، سألَ ثلاثاً. ثم قال: ((اللهمَّ عليك بقريشٍ ! - ثلاث مرات ـ)) فلمَّا سمعوا صوتَهُ ذهبَ عنهم الضَّحِكُ، وخافوا دعوتَهُ. ثمَّ قال: ((اللهم عليكَ بأبي جَهْلٍ بنِ هشامِ، وعتبةَ بنِ ربيعةً، وشيبةً بن ربيعة، والوليدِ بنِ عقبةَ، وأميَّةَ بنِ خلفٍ، وعقبةَ بنِ أبي مُعَيْطٍ!)). قال أبو إسحاق: وذكر السابعَ ولم أحفَظْهُ. فوالذي بعث محمداً ﴿ بالحقِّ لقد رأيتُ الذين سمَّى صَرْعى يومَ بدرٍ، ثم سُحِبُوا إلى القَلِيبِ، قليبٍ بَدْرٍ. قال أبو إسحاق: الوليدُ بنُ عقبةَ غلط في هذا الحديث. قولُ أشهب من أصحابنا، كما تقدَّم في الطَّهارة، على أنَّ بعضَ علمائنا قال: إنَّ السَّلى لم تكنْ فيها نجاسة محقّقة. ومنهم من قال بموجبه، ففرَّق بين ابتداء الصَّلاة بالنَّجاسة؛ فقال: لا يجوز. وبين طروئها على المصلِّي في نفس الصلاة فقال: يطرحُها عنه، وتصحّ صلاته. والمشهور من مذهب مالك - رحمه الله -: قطع طروئها للصلاة إذا لم يمكن طرحها، بناءً على أنَّ إزالتها واجبةٌ. وإقبالُ فاطمة قوة فاطمة الزهراء - رضي الله عنها - على أشراف قريشٍ وكبرائهم تسبُّهم وتلعنهم دليلٌ على قوة نفسها رضي الله عنها من صغرها، وعلى عزَّتها، وشَرَفها في قومها. وخَوْفُهم من دعوة النبيِّ ◌َّ دليلٌ: على علمهم بفضله وبصحَّة حاله، خوف ومكانته عند الله تعالى، وأنّه من الله تعالى بحيث يُجيبه إذا دعاه، ولكن لم ينتفعوا المشركين من دعائه بذلك الحسد والشّقوة الغالبة عليهم. عليهم : ووقع هنا في أصل كتاب مسلم: الوليد بن عقبة - عند جميع رواته - وصوابه: الوليد بن عتبة كما قال في الرواية الأخرى. وقول أبي إسحاق: لم أحفظ السابع. ذكر البخاري: أنَّه عمارة بن الوليد، وكذلك ذكره البرقاني. و (قول ابن مسعودٍ: لقد رأيتُ الذين سمَّى صرعى يوم بدرٍ) يعني به: مصرع صناديد أكثرهم، وإلَّا فعمارة بن الوليد؛ ذكر أهلُ السِّير: أنه هلك في أرض الحبشة حين قريشٍ في بدٍ ٦٥٤ (١٣) كتاب الجهاد والسِّير - (٢٦) باب: فيما لقي النبي $$ من أذى قريش وفي رواية: الوليدُ بنُ عتبةَ. رواه أحمد (٣٩٣/١)، والبخاري (٢٤٠)، ومسلم (١٧٩٤) (١٠٧ و ١٠٩). [١٣١٣] وعن عائشة: أنها قالت لرسول الله وَليقول: يا رسول الله! هَلْ أتى عليكَ يومٌّ كانَ أشدَّ من يوم أحدٍ؟ فقال: ((لقد لقيتُ من قومِكِ، وكان أشدَّ ما لقيتُ منهمْ يومَ العَقَبَةِ؛ إذ عَرَضْتُ نفسي على ابنِ عبد يَالِيلَ بنِ عبدِ كُلالٍ. فلم يُجِبْنِي إلى ما أردتُ، فانطلقتُ وأنا مهمومٌ على وجهي فَلَمْ أستَفِقْ إلا بقرن الثَّعالبِ، فرفعتُ رأسي فإذا أنا بسحابةٍ قد أظلَّتني، فنظرتُ اتهمه النجاشيُّ فنفخ في إحليله سحراً، فهام على وجهه في البرِّية فهلك(١). ويدلُّ على ذلك أيضاً: أنَّ عقبة بن أبي مُعَيْط لم يُقُتل بيدرٍ، بل حُمِل منها أسيراً حتى قتله النبيُّ وَ﴿ بعرق الظُّبية صبراً. و (القليب): البئر غير المطوية. يوم العقبة وإجابةُ الله تعالى لنبيِّهِ وَل﴿ في مثل هذا الدُّعاء من أدلة نبوَّته، وصحَّتها. و (سُحِبوا) جُرُّوا على وجوههم. و (يوم العقبة) هو اليوم الذي لقي فيه ابن عبد ياليل بن عبد كلال في آخرين فكذَّبوه، وسبُّوه، واستهزؤوا به، فرجع عنهم، فلقيه سفهاءُ قريشٍ، فرموه بالحجارة حتى أدموا رجليه، وآذوه أذىّ كثيراً. و (قوله: لم أستفق) أي: لم أفق [- مما كان غشيه من الهمِّ - (إلا بقرن الثعالب)](٢) أي: لم يشعر بطريقه إلا وهو في هذا الموضع، وهو قريبٌ من قرن المنازل، الذي هو ميقاتُ أهل العراق، وهو على يوم من مكة. و (الأخشبان): جبلا مكة. و (أُطْبِق) أي: أجعلهما عليهم كالطَّبق. وإذا تأملت هذا الحديثَ انكشف لك من حالهمله معنى قوله: ﴿ وَمَّاً أَرْسَلْنَكَ إِلَّرَحْمَةٌ لِلْعَلَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]. (١) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (٧٠/٣ و٧٦). (٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ج). ٦٥٥ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٢٦) باب: فيما لقي النبي # من أذى قريش فإذا فيها جبريلُ، فناداني فقال: إنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قولَ قومِكَ لكَ، وما ردُّوا عليكَ، وقد بَعَثَ إليك مَلَكَ الجِبالِ لتأمرَهُ بما شئتَ فيهم)). قال: ((فناداني ملكُ الجبالِ وسلَّمَ عليَّ ثم قال: يا محمد! إنَّ اللَّهَ قد سمعَ قولَ قومِكَ لك. وأنا ملكُ الجبال، وقد بعثني ربُّكَ إليك لتأمرَني بأمرِكَ، وما شئت، إِنْ شئتَ أنْ أُطبِقَ عليهمُ الأخْشَبَيْنِ)). فقال له رسول الله وَله: ((بلْ أرجو أن يُخْرِجَ الله من أصلابهم مَنْ يعبدُ الله وَحْدَهُ، لا يشركُ به شيئاً)). رواه البخاري (٣٢٣١)، ومسلم (١٧٩٥). [١٣١٤] وعن جندبٍ بنِ سفيانَ قال: دَمِيَتْ إصبَعُ رسولِ الله ◌ِّ في بعضٍ المشاهِد فقال: وَفِيْ سبيلِ اللَّهِ ما لَقِيْتِ» (هَلْ أَنْتِ إلا إصبَعِ دَمِيْتٍ وفي رواية: قال: كان رسولُ اللهِ﴿ في غارِ فَنُكِبَتْ إصبَعُهُ. و(قوله # *: إنشاد. شعراً لغيره ((هل أنتِ إلا إصْبَعْ دَمِيْتِ وفي سبيل الله ما لقيتٍ)) هذا البيتُ أنشده النبيُّ ﴾ وهو لغيره. قيل: إنَّه للوليد بن المغيرة(١)، وقيل: لعبد الله بن رواحة. ولو كان من قوله فقد تقدَّم العذرُ عنه في غزوة حُنين. و (قوله: كان النبيُّ:﴿ فِي غَارِ فَنْكِبَتْ إصبعُهُ) أي: أصابتها نكبةٌ دميتْ لأجلها. وفي الرواية الأخرى: أنه كان في بعض المشاهد. وفي البخاري: فبينا النبيُّ ◌َ﴿ يمشي إذا أصابه حَجَرٌ، فقال البيتَ المذكور. ظاهِرُ هاتين الروايتين (١) كذا في الأصول، والصواب: الوليد بن الوليد بن المغيرة. انظر: سيرة ابن هشام (٤٧٦/١). ٦٥٦ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٢٧) باب: دعاء النبي 18 إلى الله رواه أحمد (٣١٢/٤)، والبخاري (٢٨٠٢)، ومسلم (١٧٩٦)، والترمذي (٣٣٤٥). (٢٧) باب دعاء النبي ◌َّ﴾ إلى الله، وصبره على الجفاء والأذى [١٣١٥] عن أسامةَ بنِ زيدٍ: أنَّ النبيَّ ◌َِ﴿ ركبَ حماراً عليه إكافٌ، تحته قطيفةٌ فَدَكِيَّةٌ، وأردفَ وراءهُ أسامةَ، وهو يعودُ سعدَ بنَ عُبادةَ في بني الحارثِ بنِ الخزرج، وذلك قَبْلَ وقعة بدرٍ حتَّى مرَّ بمجلس فيه أخلاط من المسلمينَ والمشركينَ عبدة الأوثانِ، واليهودِ. فيهم عبدُ الله بنُ أَبيِّ، وفي المجلس عبدُ الله بن رواحةَ. فلما غَشِيَتِ المجلسَ عَجاجَةُ الدَّابةِ خَمَّر مختلف، وأنّهما قضيتان، ولكنَّ العلماءَ حملوا الرُّوايتين على أنهما قضيةٌ واحدةٌ. فقال القاضي أبو الوليد: لعلَّ قوله: في غار. مُصَحَّف من غزو. وقال القاضي عِياض: قد يراد بالغار هنا: الجيش والجمع، لا واحد الغيران التي هي الكهوف. فيتوافقُ قولُه: في بعض المشاهد. وقولُه: يمشي. ولا يُعَدُّ ذلك وهماً. قلتُ: وهذا ليس بشيءٍ؛ إذ الغارُ ليس من أسماء الجيش. (٢٧) ومن باب: دعاء النبيِّ لَّه إلى الله تعالى (الإكاف) للدَّابة كالرَّحل للبعير، والسرج للفرس. و (القطيفة): كساءٌ غليظٌ. و (فدكيَّة) منسوبةٌ إلى فدك؛ لأنها تُعْمَلُ فيها. و (عجاجة الدابة): ما ارتفعَ ٦٥٧ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٢٧) باب: دعاء النبي # إلى الله عبدُ الله بنُ أُبيِّ أنفَهُ بردائِه ثمّ قال: لا تُغَبِّروا علينا، فسلّم عليهم النبيُّ وَّهـ ثُمَّ وقفَ، فنزلَ، فدعاهُمْ إلى الله عزَّ وجلَّ، وقرأ عليهمُ القرآنَ، فقال عبدُ الله بن أُبيِّ: أيُّها المَرْءُ: لا أحسن من هذا! إنْ كان ما تقولُ حقّاً فلا تؤذنا في مجالِسِنا، وارجع إلى رَحْلِك، فمن جاءك منا فاقصص عليه. فقال عبد الله بن رواحة: اغْشنا في مجالسنا، فإنّا نحبُّ ذلك! قال: فاستبَّ المسلمونَ والمشركونَ واليهودُ حتَّى هَمُّوا أنْ يتواثبوا، فلم يزل النبيُّ نَّه يُخفِّضُهُم، ثم رَكِبَ دابته، حتى دخل على سعدِ بنِ عبادةَ. فقال: ((أَيْ من غُبارها. و (العجاج): الغبارُ المتطاير المتراكب. و (خمَّر أنفه) أي: غطّاه. و (أن يتواثبوا) أي: يثب بعضُهم إلى بعضٍ مناولة، ومقاتلةً. من: الوثب. و (يُخَفِّضهم): يُسكِّتهم، ويُسَهِّل أمرهم. و (البُحيرة): صحيحُ الرُّواية فيه بضم الباء، مُصغرةً. وقد روي في غير كتاب مسلم: (البَحِيرة) بفتح الباء وكسر الحاء. وقيل: هما بمعنىّ واحدٍ، وأراد به هنا: المدينة. والبحار: القرى. قال الشاعر: ولَنا الْبَدوُ كُلُّهُ والبِحارُ (و (يُتَوُّجوه) أي: يُعمِّموه بعِمامة [الملك، فإن العمائمَ تيجانُ العرب. و (يعصبوه) بعصابة](١) الملوك، كما جاء في رواية ابن إسحاق: لقد جاءنا الله بك، وإنَّا لنظم له الخرزَ ليتوُجوه. فكأنهم كانوا ينظمون لملوكهم عِصابةً فيها خرز، فيعمّمونه بها تشريفاً وتعظيماً. وهذا أولى مِن قول مَن قال: إنَّ يعصبونه بمعنى: يملّكونه، ويعصبون به أمورهم؛ لأنَّ ذلك كلّه يبعده قولهم: أن يعصبوه بالعصابة. و(شرق): اختنق. يقال: شرق بالماء، وغصَّ باللقمة، وشجيَ بالعظم، وجرض بالريق عند الموت. وأنشدوا على شرق: (١) ما بين حاصرتين ساقط من (ز). ٦٥٨ (١٣) كتاب الجهاد والسَّير - (٢٧) باب: دعاء النبي # إلى الله سعدُ! ألم تسمع ما قال أبو حباب؟ - يريد عبدَ الله بنَ أبيٍّ - قال: كذا وكذا)). فقال: أعْفُ عنه يا رسول الله واصفح! فوالله لقد أعطاكَ الله الذي أعطاكَ، ولقدِ اضْطَلح أهلُ هذه البُخَيْرَةِ أن يُتَوِّجُوهُ، فيُعَصِّبُوهُ بالعِصابَةِ، فلما ردَّ الله ذلك بالحقِّ الذي أعطاكَهُ شَرِقَ بذلك، فذلكَ الذي فعلَ بِهِ ما رأيتَ. فعفا عنه النبيُّ ◌َّه . رواه أحمد (٢٠٣/٥)، والبخاري (٤٥٦٦)، ومسلم (١٧٩٨). [١٣١٦] وعن أنس بن مالك قال: قيل للنبي وَ ل 9: لو أتيت عبدَ اللهِ ابنَ أُبيِّ؟ قال: فانطلق إليه، وركب حماراً، وانطلق المسلمون مَعَهُ وهي أرضٌ سَبَخَةٌ. فلمَّا أتاه النبيُّ ◌ِ قلنا: أتاك النبيُّ نَّهِ. قال: إليكَ عنِّي، فواللَّهِ لقدْ آذاني نَتْنُ حمارِكَ! قال: فقالَ رجلٌ من الأنصار: والله لَحِمارُ كُنْتُ كالغصَّانِ بَالْماءِ اعْتِصارِي(١) لَوْ بِغَيْرِ الْمَاءِ حَلْقِي شَرِقٌ السلام على مسلمين وكفار وفي هذا الحديث من الفقه: جوازُ الابتداء بالسَّلام على مسلمين وكُفَّار في مجلسٍ واحدٍ. وينبغي أن ينويّ المسلمين. وفيه: الاستراحةُ بيتُ الشكوى للصاحب، ولمن يُتسلَّى بحديثه، ويُنتفع برأيه. حال من غضب و (الأرض السَّبَخة): التي لا تنبتُ شيئاً لملح أرضها. والطائفةُ التي غضبت لعبد الله بن أبي لعبد الله كان منها منافقون على رأي عبد الله، ومنها مؤمنون حملهم على ذلك بقيةٌ حميَّ الجاهلية، ونزغة الشيطان، لكن اللَّه تعالى لطفَ بهم، حيث أبقى عليهم اسمَ المؤمنين بقوله: ﴿وَإِن طَيِفَتَانِ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ أَقْنَتَلُواْ﴾ [الحجرات: ٩] ليراجعوا بصائرهم، ويطهِّروا ضمائرهم. (١) البيت لعدي بن زيد. ٦٥٩ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٢٨) باب: جواز إعمال الحيلة في قتل الكفار رسولِ الله ◌ِ﴿ أطيب ريحاً منك. قال: فغَضِبَ لعبدِ اللَّهِ رجلٌ مِنْ قَوْمِهِ. قال: فغضب لكلِّ واحدٍ مِنْهُمَا أصحابُهُ. قال: فكانَ بينهمْ ضربٌ بالجريدِ وبالأيدي وبالنِّعالِ. قال: فبلغنا: أنَّها نزلت فيهم: ﴿وَإِن طَيِفَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَقْنَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩]. رواه البخاري (٢٦٩١)، ومسلم (١٧٩٩). * * * (٢٨) باب جواز إعمال الحيلة في قتلِ الكفار وذكر قتل کعب بن الأشرف [١٣١٧] عن جابرٍ قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((مَنْ لكعبِ بنِ الأشرفِ؟ فإنَّه قد آذى اللَّهَ ورسولَهُ)). فقال محمدُ بنُ مَسْلَمَة: يا رسول الله و (قول سعيدٍ للنبيَِّ﴿ ما قال في عبد الله) إنَّما كان على جهة الاستلطاف والاستمالة ليستخرجَ منه ما كان في خُلُقه الكريم من العفو والصفح عن الجھَّال، فلا جرم عفا حتى تمَّ له ما أراد، وصفا وصبر حتى ظَفِر [ـ وَلغز تسليماً كثيراً إلى يوم الدين -](١). (٢٨) ومن باب: إعمال الحيلة في قتل الكفار إغراؤه ◌َّه بقتل (قوله: ((مَنْ لِكعب بن الأشرف؟))) كعبٌ هذا: رجلٌ من بني نبهان من طيء، كعب بن وأُّه من بني النضير، وكان شاعراً، وكان قد عاهده النبيُّ وَّهِ: أن لا يُعِينُ عليه، الأشرف (١) ما بين حاصرتين زيادة في (ع). ٦٦٠ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٢٨) باب: جواز إعمال الحيلة في قتل الكفار أتحب أن أقتله؟! قال: ((نعم)). قال: ائذنْ لي فلأقُل. قال: ((قُلْ)) فأتاه، ولا يتعرَّض لأذاه، ولا لأذى المسلمين، فنقض العهد، وانطلق إلى مكة إثر وقعة بدر، فجعل يبكي مَن قُتِل من الكفار، ويُحرِّض على رسول الله صغير، وهو الذي أغرى قريشاً وغيرهم حتى اجتمعوا لغزوة أُحُدٍ، ثم إنَّه رَجَعَ إلى بلده، فجعل يهجو رسولَ اللهِ وَ﴿، ويؤذيه، والمسلمين. فحينئذٍ قال رسولُ الله وَلفيه: ((من لِكعب بن الأشرف، فإنه قد آذى الله ورسوله)) فأغرى بقتله، ونبّه على علَّ ذلك، وأنَّ مُستحِقٌّ حكم من اتهم للقتل. ولا يظنُّ أحدٌ: أنَّ قُتِل غدراً. فمن قال ذلك قتل، كما فعله عليّ بن أبي النبي ◌ِ بالغدر طالب - رضي الله عنه - وذلك أنَّ رجلاً قال ذلك في مجلسه، فأمر عليٍّ بضرب عنقه. وقال آخر: في مجلس معاوية، فأنكر ذلك محمد بن مسلمة، وأنكر على معاوية سكوته، وحلف ألَّ يظلَّه وإِيَّاه سقفٌ أبداً، ولا يخلو بقائلها إلا قتله. قلتُ: ويظهر لي: أنه يُقتل، ولا يُستتاب؛ لأن ذلك زندقةٌ إن نسب الغدرَ للنبيّ ﴾. فأمَّا لو نسبه للمباشرين لقتله بحيث يقول: إنهم أمَّنُوه، ثم غدروه. لكانت هذه النسبةُ كذباً مَخْضاً؛ لأنه ليس في كلامهم معه ما يدلُّ على أنهم أمَّنوه، ولا صرَّحوا له بذلك، ولو فعلوا ذلك لما كان أماناً؛ لأنَّ النبيَّ ◌َ﴿ إنَّما وجَّههم لا يجار على الله لقتله لا لتأمينه، ولا يُجار على الله، ولا على رسُوله. ولو كان ذلك لأدَّى لإسقاط ولا على رسوله الحدود، وذلك لا يجوزُ بالإجماع. وعلى هذا فيكون في قَتْل مَن نَسَبَ ذلك إليهم نظرٌ، وتردُّدٌ. وسَبَيُّه: هل يلزمُ من نسبة الغدر لهم نسبتُه للنبيِّ وَ ﴿؛ لأنه قد صوَّب فِعْلَهم، ورضي به، فيلزم منه: أنه قد رضي بالغدر؟ - ومَن صرَّح بذلك قُتِل - أو لا يلزم ذلك؛ لأنَّه لم يُصرِّح به، وإنَّما هو لازمٌ على قوله؟ - ولعلَّه لو تنبَّه لذلك الإلزام لم يصرّح بنسبة الغدر إليهم، ويكون هذا من باب التكفير بالمآل، وقد اختلفَ فيه. والصَّحيحُ: أنَّه لا يُكفَّر بالمآل، ولا بما يلزمُ على المذاهب؛ إلا إذا صرَّح بالقول اللازم. وإذا قلنا: إنّه لا يُقْتَلُ فإنَّه لا بُدَّ من تنكيل ذلك القائل، وعقوبته بالسّجن، والضَّرب الشَّديد، والإهانة العظيمة.