Indexed OCR Text
Pages 581-600
٥٨١ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (١٣) باب: الإمام مخيّر في الأسارى رواه أحمد (٣٠/١)، ومسلم (١٧٦٣)، وأبو داود (٢٦٩٠)، والترمذي (٣٠٨١). [١٢٨٠] وعن أنس بن مالكِ، قالَ: قال رسولُ الله ◌ِوَله: ((مَنْ ينظرُ لنا ما صنعَ أبو جَهْلِ؟)). فانطلقَ ابن مسعودٍ، فوجدَه قد ضربَه ابنا عفراءَ، الأولى، والأردع، مع أنّه ما كان الله تعالى تقدَّم له في ذلك بشيءٍ، كما قرَّرناه. وهذا من باب قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] فقدَّم العفوَ على المعاتبة، إذ لم يتقدَّم له في إذنهم بشيءٍ، والله تعالى أعلم. و (الإثخان): إكثار القتل، والمبالغة فيه، ومنه الثخانة في الثوب، وهي: غلظُهُ وكثرةُ سداه. و (الأسرى): جمع أسير، وأصل الأسر: الشَّدُّ، والرَّبط. وقرأ أبو جعفر: (أُسارى). قال الفراء: أهلُ الحجاز يقولون: أسارى، وأهل نجد يقولون: أسرى في أكثر كلامهم، وهو أصوبُها في العربية؛ لأنه بمنزلة: جريح، وجرحى. قال الزجاج: فَعْلَى: جمعٌ لكلِّ ما أصيب به الناسُ في أبدانهم، وعقولهم. يقال: هالك وهلكى، ومريض ومرضى. ومن قرأ: (أُسارى) فهو جمع الجمع؛ لأنَّ جمعَ أسير: أسرى. وجمع أسرى: أُسارى. قال أبو عمرو: أُسارى في القِدّ(١)، وأسرى في اليد(٢). (والله عزيز) في قهر الأعداء (حكيم) في عتاب الأولياء. و (قوله تعالى: ﴿لَوْلَا كِتَبٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ [الأنفال: ٦٨]] فيه أربعة أقوال: معنى: ﴿لولا كتاب من الله أحدها: لولا أنه سبق في أمّ الكتاب: أنه سيُحِلُّ لهم الغنائم والفداء. قاله سبق﴾ ابن عبّاس. (١) ((القِدّ»: سُيُورٌ تُقَدُّ من جِلْد فَطِير غير مدبوغ، فتشدُّ بها الأقتاب والمحامل. (٢) جاء في تفسير القرطبي (٤٥/٨): قال أبو عمرو بن العلاء: الأسرى هم غير الموثقين عندما يُؤخذون. والأُسارى: هم الموثقون ربطاً. ٥٨٢ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (١٣) باب: الإمام مخيّر في الأسارى حتَّى بردَ. قال: فأخذَ بلحيتِهِ، فقال: أنتَ أبو جَهْلِ؟ فقالَ: وهلْ فوقَ رجلٍ قتلتمُوه! أو قالَ: قتلَه قومُه. زاد في رواية: فلو غير أكَّارٍ قتلَني. رواه أحمد (١١٥/٣)، والبخاري (٣٩٦٢)، ومسلم (١٨٠٠) (١١٨). * الثاني: لولا ما سبق لأهل بدرٍ من أنه لا يعذِّبهم. قاله الحسن. الثالث: لولا ما سبق من أنه لا يعذِّب من غير أن يتقدَّم بالإنذار. قاله ابنُ إسحاق. الرابع: لولا ما سبق من أنه يغفرُ لمن عمل الخطايا ممن تاب. قاله الزجاج. فيتخرَّج على هذه الأقوال في (الكتاب) قولان: أحدهما: أنه کتاب مكتوب. والثاني: أنه قضاء مقضيٍّ. وقد أفاد هذا الحديثُ: أنَّ الإمامَ مخيَّرٌ في الأسارى بين الفداء، والقتل، والمنِّ، فإنه قتل منهم، وفدى، ومَنَّ. وقد سوَّغ اللَّهُ تعالى فيهم(١) كل ذلك. وقد استوفينا هذا المعنى فيما تقدَّم. و (قول أبي جهل: لو غير أكَّار قتلني). الأكَّار: الزرَّاع، يغضُّ ممَّن قتله كبراً وأنفةً، ويتمنَّى أن لو كان قَتْلُه على يدي أعظم منهم. و (برد) بمعنى: سكن. و (قوله: وهل فوق رجلٍ قتلتموه)، أي: لا أعظم منه! وفي بعض طُرُق هذا (١) في (ع) و(ج): لهم. الإمام مخير في الأسارى ٥٨٣ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (١٤) باب: في المن على الأسارى (١٤) باب في المَنِّ على الأُسارَى [١٢٨١] عن أبي هُريرَة، قال: بعثَ رسولُ الله ◌ِهِ خَيْلاَ قِبَلَ نجدٍ فجاءتْ برجلٍ من بني حنيفةَ، يُقال له ثُمَامَةُ بن أَثَالٍ، سيّدُ أهلِ اليَمامةِ، فربطُوه بساريةٍ من سَواري المسجدِ، فخرجَ إليه رسولُ اللهِِّ فقالَ: ((ماذا الحديث: وهل أعمدُ من رجلٍ قتله قومه! أي: أعظمُ سُؤدداً. وعميد القوم: سیدهم؛ لأنهم يعتمدون عليه في أمورهم. وهذا الحديث يدلُّ: على أنَّ ابني عفراء قَتَلا أبا جهل، أي: أنهذا مقاتله، من قتل وأنَّ عبد الله بن مسعود أجهزَ عليه. وفي كتاب أبي داود: أنَّ ابنَ مسعود قتله، أبا جهل؟ ونفَّله رسولُ اللهِوَ﴿ل سيفَه. ويعني بذلك: أنه أجهزَ عليه. وعلى هذا: يرتفعُ التناقض بين هذه الأحاديث. والله أعلم. (١٤) ومن باب: المنّ على الأسارى (النَّجد): المرتفعُ من الأرض، والغور: ما انخفض منها. و (أُثال): أبو ثُمامة - بضم الهمزة فيما أعلم -. و (قوله: فربطوه بساريةٍ من سَواري المسجد). بهذا تمسّك الشافعيُّ على حكم دخول جواز دخول الكفار المساجد، واستثنى من ذلك مسجد مكة وحَرَمها. وخصَّ الكفار أبو حنيفة هذا الحكمَ بأهل الكتاب لا غير. ومنع مالك - رحمه الله - دخولَ الكفار المساجد جميعَ المساجد والحرم. وهو قولُ عمر بن عبد العزيز، وقتادة، والمزني. ويستدلُ لهم بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [التوبة: ٢٨]. ووجهُ التمسُّك بها: أنه نبّه على أنَّ مَنْعَهم دخولَ المسجد الحرام إنّما كان ٥٨٤ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (١٤) باب: في المن على الأسارى عندكَ يا ثمامةُ؟))، فقال: عندي يا محمّدُ خيرٌ، إنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذا دَم، وإن تُنْعِمْ تُنْعِمْ على شَاكرٍ، وإنْ كنتَ تريدُ المالَ فَسَلْ تُعْطَ منه ما شئتَ. فتركَه لنجاستهم، وهذا يقتضي تنزيهَ المساجد عنهم، كما تُنَزَّهُ عن سائر الأنجاس. والشَّافعي يحملُ النجسَ هنا على عين المشرك. ومالك يحمله على أنه نجس بما يخالطه من النجاسة؛ إذ كان لا ينفكُ عنها، ولا يتحرَّز منها، وبقوله تعالى: ﴿ فِي بُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور: ٣٦]، ودخول الكفار فيها مناقض لترفيعها، وبقوله : ((إنَّ هذه المساجدَ لا يصلحُ فيها شيءٌ من البول والقذر))(١). والكافر لا يخلو عن ذلك. وبقوله مَله: ((لا أحلُّ المسجدَ لحائضٍ، ولا جُنُبٍ))(٢). والكافرُ جُنُبٌ. وإن كانت امرأةً فعليها الغسلُ من الحيض، لا سيَّما إذا قلنا: إنهم مخاطبون بالفروع. وقد اعتذر أصحابُنا عن حديث ثمامة بأوجهٍ : أحدها: أن ذلك كان متقدِّماً على قوله تعالى: ﴿إنما المشركون نجس﴾، وهذا يحتاجُ إلى تحقيق نقل التواريخ. وثانيها: أن النبيَّ ◌َ ل﴿ كان قد علم بإسلامه. وهذا فيه بُعْدٌ؛ فإنه نَصَّ في الحديث على أنه إنما أسلم بعد أنْ منَّ عليه، وأطلقه، ثم إنَّه رجع فأسلم. وثالثها: أنَّ هذه قضية في عين، فلا ينبغي أن تُرفعَ بها الأدلةُ التي ذكرناها آنفاً؛ لكونها مفيدة حكم القاعدة الكلية. ويمكنُ أن يقالَ: إِنَّ النبيَّ وَّهِ إنما ربطَ تُمامةَ في المسجد لينظر حُسْنَ صلاة المسلمين، واجتماعهم عليها، وحُسْن آدابهم في جلوسهم في المسجد، فيأنس بذلك، ويُسْلِم، وكذلك كان. ويمكن أن يقال: إنهم لم يكن لهم موضعٌ يربطونه فيه إلا في المسجد. والله تعالى أعلم. و (قوله: إن تقتلْ تقتلْ ذا دم) هو بالدَّال المهملة، ويعني به: إنَّه ممن يُشتفى (١) رواه أحمد (٩١/٣)، ومسلم (٢٣٧). (٢) رواه أبو داود (٢٣٢)، وابن ماجه (٦٤٥). ٥٨٥ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (١٤) باب: في المن على الأسارى رسولُ اللهِوَ﴿ حَتَّى كانَ الغَدُ، ثمّ قالَ له: ((مَا عِنْدَكَ يا ثُمامةُ؟)) قال: ما قلتُ لك، إن تُنْعِمْ تُنعمْ على شَاكِرٍ، وإنْ تقتلْ تقتلْ ذا دَم، وإن كنتَ تريدُ المالَ فسلْ تُعطَ منه ما شئتَ. فتركَه رسولُ اللهِ وَلِّ حَتَّى كانَ بعدَ الغَدِ. فقال: ((مَا عِنْدَكَ يا ثُمامةُ؟)) فقالَ: ما قلتُ لك: إنْ تُنعمْ تُنعمْ على شاكِرٍ، وإنْ تقتلْ تقتلْ ذا دَم، وإنْ كنتَ تُريد المالَ فسَلْ تُعطَ منه ما شِئتَ. فقالَ رسولُ الله ◌َليهِ: ((أَطلقُوا ثُمَامَة)) فانطلقَ إلى نخلِ قريبٍ من المسجدِ، فاغتسلَ ثم دخلَ المسجدَ، فقال: أشهدُ أنْ لا إلهَ إلا الله وأشهدُ أنَّ محمَّداً بدمه؛ لأنه كبيرٌ في قومه، وقد سمعتُ من بعض النقلة أنه يقوله بالذال المعجمة، وفسّره بالعيب، وليس بشيءٍ في المعنى، ولا صحيح في الرواية، وهو تصحيفٌ. ولو أراد به العيبَ لقال: ذام، بألفٍ، كما في المَثَلّ: لا تعدم الحسناءُ ذاماً. أي: عيباً. و (قوله ﴿ه: ((أَطْلِقُوا ثُمامة))) دليلٌ على جواز المنُّ على الأسارى، كما جواز المنُّ على الأسارى قدَّمناه. و (قوله: فانطلقَ إلى نَخْلِ قريبٍ من المسجد، فاغتسل، ثمَّ دَخَل المسجد) حكم الغسل هذا يدلُّ: على أنَّ غُسْل الكافر كان عندهم مشروعاً، معمولاً به، معروفاً. أَلا ترى على الكافر إذا أنَّه لم يحتجْ في ذلك إلى مَن يأمرُه بالغسل، ولا لمن ينبهه عليه؟! وقد ورد الأمرُ أسلم به من النبيِّ﴾ من حديث ابن عمر: أنَّ قيس بن عاصم أسلم، فأمره النبيُّ ◌َل ◌َّ أن يغتسلَ(١). وبه تمسَّك مَن قال: بوجوب الغسل على الكافر إذا أسلم. وهو قول أحمد، وأبي ثور. وأمَّا مالكٌ فقال في المشهور عنه: إنَّه إنَّما يغتسلُ لكونه جُنُباً. ومِن أصحابه مَن قال: يغتسلُ للنظافة. وقال بسقوط الوجوب الشافعيُّ. وقال: أحبُّ إليَّ أن يغتسِل. ونحوه لابن القاسم. ولمالك أيضاً قولُ: إنه لا يعرف (١) رواه أبو داود (٣٥٥)، والترمذي (٦٠٥)، والنسائي (١٠٩/١). ٥٨٦ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (١٤) باب: في المن على الأسارى عبدُه ورسولُه. يا محمَّدُ! والله ما كانَ على الأرضِ وجهٌ أبغضَ إليَّ مِن وجهِكَ، فقد أصبحَ وَجْهُكَ أحبَّ الوجوه كلِّها إليّ، والله ما كانَ من دینِ أبغضَ إليَّ مِن دِينِك، فأصبحَ دينُك أحبَّ الدِّين كلُّه إليَّ، واللهِ ما كان من بلدٍ أبغضَ إليَّ من بلدِك، فأصبحَ بلدُكَ أحبَّ البلادِ كلِّها إليَّ. وإنَّ خيلَك أَخذتْنِي وأنا أُريدُ العمرةَ فماذا ترى؟ فبَشَّرَهُ رسولُ اللهِّهِ وأمرَه أنْ يعتمرَ، فلمَّا قدمَ مَكَّةَ قال له قائلٌ: أَصَبَوْتَ؟ قال: لا، ولكنِّي أسلمتُ مَعَ الغُسْلِ. رواه عنه ابن وهبٍ، وابن أبي أويس. والروايةُ الصَّحيحةُ في البخاري ومسلم: نخلٌ - بالخاء المعجمة - وقال بعضُهم: صوابُه: بالجيم، وهو الماء المنشعب (١)، وقيل: الجاري. وقال ابنُ دريد: النَّجل: هو أول ما ينبعث من البئر إذا جَرَتْ. واستنجل الوادي؛ إذا ظهر ماؤه. إرادة القربى من الكافر و (قوله: إنَّ خيلكَ أَخَذَتْني وأنا أريدُ العُمرة، فبشَّره، وأمره أن يعتمر) لا يفهم منه: أنَّه لما أراد أن يعتمر وهو في الجاهلية أنَّ ذلك لزمه، فأمره النبيِّ وَّ بإتمامه؛ لأنه لم يَصِرْ أحدٌ من المسلمين إلى أنَّ إرادة فعل القُرْبة يُلْزِمُها من غير التزام بالَّذر، ولا شروع في العمل، بل ولو التزم، وشرع لم يلزمه ذلك في حالة كفره؛ لأنَّا وإن قلنا: إنَّه مخاطَبٌ بالفروع، فلا يتأتّى منه قَصْدُ الالتزام، ولا يصحُ منه الشروع! إذا لم يفعلْ ذلك على وجهٍ شرعي، بل هو فاسدٌ لعدم شروطه، لا سيَّما إذا كان ممَّن يحتاجُ إلى نيَّة القُرْبة، وإِنَّمَّا أمره النبيَُّ ﴿ أن ينشىء عُمرةً مبتدأةً، ليحرزَ فيها له الأجر، وليغيظ بإسلامه كفار قريشٍ، فإنَّ الرجلَ كان عظيماً في قومه وغيرهم، ولذلك لمَّا قدم مكةَ أظهر إسلامَهُ، ولم يُبالِ بهم، بل أخبرهم بما ناقضهم به، وأغاظهم. وهو قولُه: والله! لا تأتيكم من اليمامة حبّةُ حنطةٍ حتى (١) ثعبَ الماءَ والدمَ: فَجَّره فسال. وفي (م) و(هـ): المنسعب، وفي القاموس: انسعب الماء : سال. ٥٨٧ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (١٥) باب: إجلاء اليهود والنصارى من المدينة رسولِ اللهِ وَ﴾، ولا واللَّهِ لا تَأْتِيكُمْ مِن الْيَمامَةِ حَيَّةُ حِنْطَةٍ حتَّى يأذنَ فيها رسولُ الله ێ. رواه أحمد (٤٥٢/٢)، والبخاري (٤٦٢)، ومسلم (١٧٦٤) (٥٩)، وأبو داود (٢٦٧٩)، والنسائي (١١٠/١). (١٥) باب إجلاء اليهود والنصارى من المدينة ومن جزيرة العرب [١٢٨٢] عن أبي هريرة، قال: بينا نحنُ في المسجدِ، إذ خرجَ إلينا رسولُ الله ◌ِ له فقال: ((انطلقوا إلى يهود)) فخرجْنَا معه حتى جئناهم، فقامَ رسولُ اللهِ ﴿ فنادَاهم، فقال: ((يا معشرَ يهودَ! أُسْلِمُوا تَسلَمُوا))، فقالُوا: قد بَلَّغْتَ يا أبَا القَاسم! فقال لهم رسول اللّهِ وَّهِ: ((ذلكَ أُريدُ، أَسْلِمُوا يأذنَ فيها رسولُ اللهِّهِ. وأيضاً: فما كانت العُمرة والحجُّ في ذلك الوقت مشروعين، بل شُرِعا بعد ذلك. والله تعالى أعلم. (١٥) ومن باب: إجلاء اليهود والنَّصارى من المدينة ومن جزيرة العرب (قوله: ((أُسْلِمُوا تَسْلَمُوا))) أي: ادخلوا في دين الإسلام طائعين تَسْلَمُوا من القتل والسِّباء مأجورين. وفيه دليلٌ على استعمال التجنيس، وهو من أنواع البلاغة. ٥٨٨ (١٣) كتاب الجهاد والسَّير - (١٥) باب: إجلاء اليهود والنصارى من المدينة تَسْلَمُوا)) فقالوا: قد بلَّغتَ يا أبا القَاسم؟ فقال لهم رسولُ اللهِ وَلّهِ: ((ذلك أُريدُ)) ثم قالَ لهم الثالثةَ، فقالَ: ((اعلموا أنَّما الأرضُ للَّهِ ورسولِه، وأنِّي أُريدُ أنْ أُجْلِيَكُمْ مِن هذه الأرضِ، فمن وَجَدَ منكم بمالِه شيئاً فَلْيَبَعْهُ وإلا فاعلموا أنَّ الأرضَ لله ورسوله)». رواه البخاري (٦٩٤٤)، ومسلم (١٧٦٥). [١٢٨٣] وعن ابن عمرَ، أنَّ يهودَ بني النَّغيرِ وقُريظةَ حَاربُوا رسولَ اللهِ﴿. فأجلَى رسولُ اللهِوَله بني النضير، وأقَرَّ قُرِيظةَ، ومَنَّ عليهم حتَّى حاربتْ قريظةُ بعدَ ذلك. فقتلَ رجالَهم، وقسمَ نساءَهم وأولادهم مکر اليهود و (قولهم: قد بلَّغْتَ يا أبا القاسم!) كلمة مكرٍ ومداجاةٍ (١) ليُدافعوه بما يوهمه ظاهِرُها، وذلك: أنَّ ظاهرها يقتضي أنه قد بلَّغ رسالةَ ربِّه تعالى. ولذلك قال لهم رسولُ اللهِ﴿: ((ذلك أريدُ)) أي: التبليغ. قالوا ذلك وقلوبُهم مُنكِرةٌ، مُكذِّبةٌ. ويحتملُ أن يكونوا قالوا ذلك خوفاً منه، وطيبةً له. والله تعالى أعلم. الأرض لله وللرسول و (قوله: ((اعلموا: أنَّ الأرضَ لله ولرسوله))) يعني: مُلْكاً وحُكْماً. ويعني بها: أرضهم التي كانوا فيها، أعلمهم بهذه اللفظة: أنَّه يُجليهم منها، ولا يتركهم فيها، وأنَّ ذلك حُكْم الله فيهم. إجلاء يهود بني قينقاع و (قوله: ((من كان له مالٌ فليبعه))) دليلٌ على أنهم كان لهم عهدٌ على نفوسهم وأموالهم، لا على المقام في أرضهم، ولذلك أجلاهم منها. وهؤلاء هم يهودُ بني قينقاع، وبنو حارثة، ويهود المدينة المذكورون بعد هذا. (١) في المعجم: داجاه مداجاةً: ساتَرَهُ بالعداوة، ولم يُتدِها له. ٥٨٩ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (١٥) باب: إجلاء اليهود والنصارى من المدينة وأموالَهم بينَ المسلمينَ، إلا أنَّ بعضَهم لحقُوا برسولِ اللهِ ◌ِّ فأمَّنَهم وأسلمُوا. وأجلَى رسولُ اللهِ وَ﴿ يهودَ المدينةِ كلَّهم: بني قَيْنُقاعَ (وهم قومُ عبد الله بن سَلام) ويهودَ بني حارِثَة، وكلَّ يهوديٍّ كانَ بالمدينةِ . رواه البخاري (٤٠٢٨)، ومسلم (١٧٦٦)، وأبو داود (٣٠٠٥). [١٢٨٤] وعن عمرَ بن الخطّاب، أنَّه سمعَ رسولَ الله وَلِ يقولُ: (لُخْرِجَنَّ اليهودَ والنَّصارَى مِن جزيرةِ العَرَب حتَّى لا أدعَ إلا مُسلماً)). رواه مسلم (١٧٦٧)، وأبو داود (٣٠٣٠)، والترمذي (١٦٠٦). وفي قَتْل النبيِّ وَ ﴿ لبني قريظة حين حاربوا دليلٌ: على أنَّ مَن نَقَضَ العهدَ مِن حكم من نقض العدو جاز قتله، ولا خلافَ فيه إذا حاربوا، وعاونوا أهلَ الحرب. قال أبو عُبيد: العهد وكذلك لو تيقَّن غَدْراً أو غشّاً. قال الأوزاعي: وكذلك لو أطلعَ أهلَ الحرب على عورة المسلمين، أو آووا عيونهم. وليس هذا نَقْضاً عند الشَّافعيِّ. و (قوله: ((لأُخْرِجَنَّ اليهودَ والنَّصارى من جزيرة العرب))). قال الخليل: حدود جزيرة جزيرة العرب: معدنها، ومسكنها، وإنما قيل لها: جزيرة العرب، لأن بحر العرب الحبش، وبحر فارس، ودجلة، والفرات قد أحاطتْ بها. وقال الأصمعي: جزيرةٌ العرب: من أقصى عدن أبين إلى ريف العراق في الطُّول، وأمَّا العَرْض: فمن جُدَّة وما والاها من ساحل البحر إلى أطراف الشَّام. ٥٩٠ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (١٦) باب: إذا نزل العدو على حُكْم الإمام (١٦) باب إذا نزلَ العدوُ على حُكم الإمام فله أن يردّ الحكمَ إلى غيره ممن له أهليةُ ذلك [١٢٨٥] عن عائشة، قالت: أُصيبَ سعدٌ يومَ الخندقِ، رمَاه رجلٌ من قريشٍ، ابن العَرِقَةِ، رماه في الأكحلِ. فضربَ عليه رسولُ اللهِوَلِ خيمةً في المسجدِ یعودُه من قریبٍ، (١٦) ومن باب: إذا نزل العدؤُ على حكم الإمام فله أن یردّ الحکم إلى غيره (ابن العَرِقة) - بالعين المهملة، وكسر الراءِ - هي روايةُ الحفاظ، وضبط المتقنين، واسمه: حِبَّان - بكسر الحاء - ابن أبي قيس بن علقمة بن عبد منافٍ. والعَرِقة: أمُّه، واسمها: قلابة - بكسر القاف، والباء بواحدة - بنت سعد بن سهم بن عمرو بن هُصَيص. وقيل: اسمه: جبار بن قيس، أحد بني العَرِقة. قال الدار قطني: والأول أصحُ. وقيل: العَرَقة - بفتح الراء - قاله الواقديُّ. وقال: إنَّ أهلَ مكة يقولونه كذلك، والأول أصح، وأشهر. و (الأكحل): عرقٌ معروفٌ. قال الأصمعيُّ: إذا قطع في اليد لم يرقأ الدم، وهو عرقُ الحياة، في كلِّ عضوٍ منه شعبةٌ لها اسم. و (قوله: فضرب عليه (١) رسول الله وَ﴾ خيمةً في المسجد، يعودُه من قريبٍ) هذا نصّ على أنَّ سعداً كان مُقيماً في المسجد في هذه الحالة، وقد ذكر في هذا الحديث بعد هذا: أن رسولَ الله ◌َل﴿ أرسل إليه، فأتاه، فلما دنا قريباً من المسجد، (١) في النسخ: له. والمثبت من صحيح مسلم والتلخيص. ٥٩١ (١٣) كتاب الجهاد والسَّير - (١٦) باب: إذا نزل العدو على حُكْم الإمام فلمَّا رجعَ رسولَ الله وٍَّ من الخندقِ وضعَ السِّلاحَ، فاغتسلَ، فأتى جبريلُ وهو يَنْفُضُ رأسَه من الغُبارِ، فقال: وضعتَ السِّلاح؟! واللهِ ما وضعنَاه! اخرجْ إليهم. فقالَ رسول الله وَّرِ: ((فأينَ؟)) فأشارَ إلى بني قريظةَ. فقاتلَهم رسولُ اللهَ ◌ٌ فنزلُوا على حُكم رسولِ اللهِمَ ◌ّرِ، فردَّ رسولُ اللهِ وَّرِ الحِكمَ فيهم إلى سعد. فقال: فإنِّي أحكمُ فيهم أن تُقْتلَ المُقاتِلَةُ، وأن تُسْبَى الذُّرِيَّةُ والنّساءُ، وتُقْسَمَ أمْوَالُهم. قال رسول الله ﴿: ((قوموا إلى سيِّدكم)) وظاهره: أنه كان خارجاً عن المسجد، وأنه أتى إليه. وهذا إشكالٌ أوجبه اعتقاد اتخاذ المسجد في الموضعين، وأنَّ النبيَّ ◌َ ﴿ كان قد استدعى سعداً لمسجده في المدينة، وليس الأمرُ كذلك، بل كان نازلاً على بني قريظة، ومنها وجّه إليه، فيحتمل أن يكونَ سعداً اختطّ هنالك مسجداً يصلي فيه، فعبَّر الراوي عنه. وقال بعضُ علمائنا: المسجدُ هنا تصحيفٌ من بعض الرواة، وإنما اللفظُ: فلما دنا من النَّبيِّوَ﴿. بدليل ما جاء في كتاب أبي داود: فلما دنا من رسول الله وَ له. فكأنَّ الراوي سمع: من النبيِّ ◌َ ◌ّ، فتصحَّف عليه. والله تعالى أعلم. و (قوله: فلما رجع رسولُ الله ◌ِ ﴿ من الخندق وَضَع السلاح، فاغتسل، فأتاه جبريل عليه السلام) هكذا وقع في الرواية: فأتاه - بالفاء - والصَّواب: طَرْحُها؛ فإنه جواب (لمَّا) ولا تدخل الفاء في جواب لمَّا، وكأنها زائدة، كما زيدت الواو في جوابها في قول امرىء القيس : فلمَّا أجَزْنا ساحَةَ الحِيِّ وانْتَحَىْ بِنا بَطْنُ حِقْفٍ ذِي رُكامٍ عَفَتْقَلِ وإنَّما هو: انتحى، فزاد الواو. و (قوله: فقاتلهم رسولُ اللهِوَّه فنزلوا على حكم رسول الله وَهِ، فردَّ رسولُ اللهِ﴿ الحُكْمَ فيهم إلى سعدٍ) هذا تفسيرٌ، فينبغي أن يحملَ عليه ما ليس ٥٩٢ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (١٦) باب: إذا نزل العدو على حُكْم الإمام رواه أحمد (١٤١/٦ - ١٤٢)، والبخاري (٤١٢٢)، ومسلم (١٧٦٩) (٦٥). [١٢٨٦] وعن أبي سعيد، قال: نزلَ أهلُ قريظةَ على حُكم سعدٍ بن مُعاذٍ، فأرسلَ رسولُ الله ﴿ إلى سعدٍ، فأتاه على حمارِ، فلما دَناً قريباً مِن المسجدِ، قال رسول الله ﴾ للأنصار: ((قُومُوا إلى سَيِّدِكُم أو خَيْرِكُم))، ثم بمفسّرٍ ممَّا في الرواية الأخرى: أنَّهم نزلوا على حكم [سعدٍ، فإنهم إنما نزلوا على حكمه بعد أن حكم رسولُ اللهِ وَ ﴿ فيهم. ومن هذا الموضع يؤخذ](١) الحكم الذي أشرنا إليه في التَّرجمة، وفيه ردٌّ على الخوارج المانعين للتحكيم في الدِّين، ولم يصر أحدٌ من علماء الصحابة، ولا غيرهم إلى مَنْعه سوى الخوارج. قال القاضي عِياض: والنزولُ على حكم الإمام أو غيره جائز، ولهم الرُّجوُ عنه ما لم یحکم، صفات الحَكّمِ فإذا حكم لم يكن للعدوِّ الرجوع، ولهم أن يُنْقَلُوا من حكم رجلٍ إلى غيره. وهذا كلُّه إذا كان الحَكَم ممَّن يجوزُ تحكيمُه من أهل العلم، والفقه، والدِّيانة، فإذا حكم لم يكن للمسلمين، ولا للإمام المُجِيْزِ لتحكيمهم نَقْض حكمه، إذا حكم بما هو نظرٌ للمسلمين من قتلٍ، أو سباءٍ (٢)، أو إقرارٍ على الجزية، أو إجلاءٍ. فإن حَكَم بغير هذا من الوجوه التي لا يُبيحها الشَّرُ لم يَنْفُذْ حُكْمُه، لا على المسلمين، ولا على غيرهم. حكم القيام للفضلاء والعلماء و (قوله: ((قوموا لسيِّدكم أو خيركم))) استدلَّ بهذا من قال بجواز القيام للفضلاء، والعلماء، إكراماً لهم، واحتراماً. وإليه مال عِياضٌ، وقال: إنَّما القيامُ المنهيُّ عنه: أن يُقامَ عليه وهو جالسٌ، وهو الذي أنكره النبيُّ ز على أصحابه، حيث صلَّوا قياماً وهو قاعدٌ للخدش الذي أصابه، فقال لهم: ((ما لكم تفعلون فعل (١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع). (٢) في (ز): أو إسار. ٥٩٣ (١٣) كتاب الجهاد والسُّير - (١٦) باب: إذا نزل العدو على حُكْم الإمام فارس والروم، يقومون على ملوكهم وهم قعود))(١). وعليه حُمِل قولُ عمر بن عبد العزيز: إن تقوموا نقُم، وإن تقعدوا نقعد، وإنما يقوم الناسُ لربِّ العالمين. وقد رويت لعبد الملك جواز قيام الرَّجل لوالديه، والزوجة لزوجها. ومذهبُ مالك: كراهية القيام لأحدٍ مطلقاً. واستدل له على ذلك بقوله قوله: ((مَنْ سَرَّه(٢) أن يتمثَّلَ له الناسُ قياماً، فليتبوَّأُ مقعده من النار))(٢). وعليه حُمِل قولُ عمر بن عبد العزيز. وقد جاء في كتاب أبي داود مرفوعاً: ((لا تقوموا كما تقومُ الأعاجم، يعظم بعضهم بعضاً)(٤). ويعتضد هذا: بأنّ النبيَّ ﴿ لم يكن يقمْ له أحدٌ، ولا يقومُ هو لأحد. هذا هو المنقولُ من سيرته، وعليه درجَ الخلفاءُ - رضوان الله عليهم - ولو كان القيامُ لأحدٍ من العظماء مشروعاً، لكان أحقَّ النَّاس بذلك رسولُ اللهِصل﴿، وخلفاؤه. ولم فلا. وتأوَّل بعضُ أصحابنا حديثَ: ((قوموا إلى سيِّدكم)) على أنَّ ذلك مخصوصٌ بسعدٍ، لما تقتضيه تلك الحالُ المعينة. وقال بعضُهم: إنما أمرهم بالقيام له لينزلوه عن الحمار لمرضه، وفيه بُعْدٌ. والله تعالى أعلم. واختلف تأويلُ الصحابة فيمن عنى النَّبيُّ ◌َ ﴿ بذلك. هل الأنصار خاصة، أو جميع مَن حَضَر من المهاجرين والأنصار؟ وعلى الجملة: فهي قضيةٌ معينة، محتملةٌ، والتمشُّكُ بالقاعدة المقررة أولى. والله تعالى أعلم. و (السيِّد) المتقدم على قومه بما فيه من الخصال(٥) الحميدة. (١) رواه ابن ماجه (٣٨٣٦) بلفظ: ((لا تفعلوا كما يفعلُ أهل فارسَ بعظمائها)). (٢) في النسخ: أحب، والمثبت من (ع) و (ج) وسنن الترمذي. (٣) رواه الترمذي (٢٧٥٥)، وأبو داود (٥٢٢٩)، وابن أبي شيبة (٣٩٨/٨). (٤) رواه أبو داود (٥٢٣٠)، وابن ماجه (٣٨٣٦). (٥) في (ع) و(ج): الخلال. ٥٩٤ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (١٦) باب: إذا نزل العدو على حُكْم الإمام قال: ((إنَّ هؤلاءِ نَزِلُوا على حُكْمِكَ))، قال: تُقْتلُ مقاتلتُهم، وتُسْبَى ذُرِّيَّتُهم. قال: فقال النبيُّ ◌َّهِ: ((قضيتَ بحكم اللَّهِ)) و (قوله: أو خيركم) على جهة الشكِّ من الراوي، وفي بعض طرقه في غير كتاب مسلم: ((قوموا إلى سيدكم)) من غير شك. و (قوله ◌َله: ((إنَّ هؤلاء نزلوا على حكمك))) إنما قال له هذا بعد أن ردَّ له الحكم، كما قال في الرواية المتقدمة. و (قوله: إنِّي أحكم فيهم أن تُقُتل المقاتِلة، وتُسبى الذريَّةُ، وتُقسم الأموال) حكم سعد في بني قريظة إنَّما حكم فيهم بذلك لعظيم جناياتهم؛ وذلك: أنهم نَقَضُوا ما بينهم وبين النبيِّ وَّ من العهد، ومالؤوا عليه قريشاً، وقاتلوه، وسُّوه أقبح سبٌّ، فاستحقوا ذلك - لعنهم الله ـ فلما حكم فيهم سعدٌ بذلك، أخبره بأنه قد أصاب فيهم حُكْمَ الله، تنويهاً به، وإخباراً بفضيلته، وانشراح صدره، ورَدْعاً للقوم الذين سألوا رسولَ الله ◌َ﴿ في أن يتركهم، وأن يحسن فيهم(١)، فإنهم كانوا حلفاءهم، فلما جعل رسولُ اللهِ وَلِ حُكْمَهم إلى سعدٍ [انطلق مواليهم إلى سعدٍ](٢) فكلَّموه في ذلك، وقالوا له: أحسنْ في مواليك. فلمَّا أكثروا عليه، قال: أما إنَّه قد آن لسعدٍ ألَّا تأخذه في الله لومة لائم. فلما سمعوا ذلك يئسوا ممَّا طلبوا، وعزَّى بعضُهم خصوصية سعد بعضاً في بني قريظة. ومِن ها هنا تظهرُ خصوصيةُ سعدٍ بقوله: ((قوموا إلى سيّدكم)) وإن الأولى: أنه إنّما قال ذلك لقومه خاصةً دون غيرهم؛ لأنَّ قومه كلَّهم مالوا إلى ما ذهب إليه مالك في إبقاء بني قريظة، والعفو عنهم، إلا ما كان منه - رضي الله عنه - لا جرم لمَّا مات تصويب أحدٌّ اهتز له عرشُ الرحمن. وسيأتي بيانُ معناه، إن شاء الله تعالى. وفيه دليلٌ لمذهب مالكِ في تصويب(٣) أحد المجتهدين. وإنَّ لله في الواقع حكماً معيناً، فمن أصابه المجتهدین (١) في (ع): إليهم. (٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ع). (٣) في (ع): تجويز. ٥٩٥ (١٣) كتاب الجهاد والسَّير - (١٦) باب: إذا نزل العدو على حُكْم الإمام وربما قالَ: ((قضيتَ بحُكم المَلِكِ». وفي رواية: ((لقد حكمت بحكم الله)). رواه أحمد (٢٢/٣ و٧١)، والبخاري (٣٠٤٣) و (٤١٢٢)، ومسلم (١٧٦٨) (٦٤)، وأبو داود (٥٢١٥) و(٥٢١٦). [١٢٨٧] وعن عروة، عن عائشةً، أنَّ سَعْداً قالَ: وتحَجَّرَ كَلْمُهُ للبُرْءِ، فقالَ: اللَّهُمَّ إِنَّك تعلمُ أنْ ليسَ أحدٌ أحبَّ إليَّ أنْ أجاهدَ فيكَ، مِن فهو المصيب، ومن لم يصبه، فهو المخطىء، لكنه لا إِثْمَ عليه إذا اجتهد. وقد تقدَّم هذا المعنى. وغايةُ ما في هذا الحديث: أنَّ بعض الوقائع فيها حكمٌ معينٌ لله، لكن من أين يلزم منه أن يكون حكم كل واقعةٍ كذلك؟ بل يقال: إنها منقسمةٌ إلى ما لله فيه حكم معيَّنٌ، ومنها ما ليس لله فيه ذلك. وتكميل ذلك في علم الأصول. و (قوله: ((لقد قضيتَ بحكم الملِك))) الرِّواية بكسر اللام، وهو الله تعالى. وكذلك الروايةُ الآخری: (بحكم الله)) وفي غیر کتاب مسلم: ((لقد حكمت بحكم الله من فوق سبع أرقعةٍ)) (١) وهي السموات، وهو جمعُ رقيع، كرغيف، وأرغفة. والفوقية هنا راجعة إلى أنَّ الله تعالى أظهر الحكمَ لمن هناك من ملائكته، أو أثبته في اللَّوح المحفوظ. ونسبةُ الفوقية المكانية إلى الله تعالى مُحالٌ؛ لأنَّه منزَّةٌ عن تنزيه الله الفوقية، كما هو مُنزَّه عن التَّحتية؛ إذ كلُّ ذلك من لوازم الأجرام، وخصائص سبحانه عن الأجسام، ويتقدَّس عنها الذي ليس كمثله شيءٌ من جميع الأنام(٢). الجهات و (قوله: وتحجَّر كلْمُه للبُرْء) أي: تجمَّد، وتهيَّأ للإفاقة، فظنّ عند ذلك أنَّها (١) رواه ابن إسحاق كما في سيرة ابن هشام (٢/ ٢٤٠)، وانظر: ((عيون الأثر)) لابن سيد الناس (١٠٩/٢) طبعة دار ابن كثير. تحقيق: محيي الدين مستو، ود. محمد العيد الخطراوي. (٢) سبق أن أشرنا إلى وجود رأي يناقض ما ذهب إليه القرطبي - رحمه الله - من إثبات العلو الله عز وجل. ٥٩٦ (١٣) كتاب الجهاد والسير - (١٦) باب: إذا نزل العدو على حُكْم الإمام قوم كذَّبُوا رسولَكَ وأخرجُوه، اللَّهُمَّ فإنْ كانَ بقِيَ مِن حربٍ قريشٍ شيءٌ فأبْقِنِي أُجاهِدْهم فيكَ، اللَّهُمَّ فإنِّي أظنُّ أنَّك قد وضعتَ الحربَ بينَا وبينَهم، فإنْ كنتَ وضعتَ الحربَ بيننا وبينَهم فَافْجُرْها واجعلْ مَوْتِي فيها، فانْفَجَرَتْ مِن لَّتِهِ، فلم يَرُعْهُمْ (وفي المسجدِ خيمةٌ مِن بني غِفَار) إلَّا والدَّمُ يسيلُ إليهم. فَقَالُوا: يا أهلَ الخيمة! ما هو الذي يَأْتِينَا مِن قِبَلِكُمْ؟ فإذا سعدٌ جُرْحُه يَغِذُّ دَماً، فماتَ منها. تفيق(١). فقال عند ذلك ما ذكره من الدُّعاء. تمني سعد للشهادة و (قوله: وإن كنتَ وضعتَ الحرب بيننا وبينهم فافجرها، واجعل موتي فيها) هذا منه تمنِّ للشهادة، وشوقٌ لما عند الله تعالى، وليس تمنياً للموت؛ لضرٍ نزل به الذي نهي عنه. و (قوله: فانفجرت من الَّتِهِ) كذا الروايةُ عن الأسدي(٢)، بالباء بواحدةٍ. وعن الصدفي: (من لِيْتِه) بلام مكسورةٍ، وياء باثنتين من تحتها ساكنة. وعند الخشني: (من ليلته)، قال: وهو الصواب. واللّة: المنحر. واللّيت: صفحة العنق. و (قوله: فإذا سعد جرحه يَغِذُّ) بكسر الغين، وتشديد الذَّال عند كافة الرواة، وعند بعضهم: يغذو، ومعناه: يسيل. وهما لغتان. يقال: غذَّ الجرح يغِذُّ - مشدداً - وغذا، يغذو، وأنشدوا: بِطَعْنٍ كَفَمِ الزّقُّ غَذَا والزُّقُّ مَلَّانُ وعند ابن ماهان (يصبُّ) مكان (يغذو). وهو تفسير لِلَّفظ الأول. (١) فاق، يفيق، فَيْقاً: جاد بنفسه عند الموت. (٢) في (هـ) و (ل) و(م): الأسود. ٥٩٧ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (١٦) باب: إذا نزل العدو على حُكْم الإمام وفي رواية: قال: فانفجرتْ مِن ليلتِهِ، فما زالَ يسيلُ حتَّى ماتَ. قال: فذاكَ حين يقولُ الشَّاعِرُ: فمَا فعلتْ قُرِيظةُ والتَّضيرُ؟ ألا يا سعدُ سَعْدَ بني مُعاذٍ غَدَاةَ تحمَّلُوا لهو الصَّبورُ لعمرُكَ إنَّ سعدَ بني مُعاذٍ وقِذْرُ القَوْمِ حاميةٌ تَفُورُ تركتُم قِدْرَكُم لا شيءَ فيها أَقِيمُوا قينقاعُ ولا تَسيرُوا وقد قالَ الکریمُ أبو حُبابِ كما تَقُلَتْ بِمَيْطَانَ الصُّخورُ وقد كانُوا ببلدتهم ثِقَالاً رواه مسلم (١٧٦٩) (٦٧ و ٦٨). (قوله في الشِّعر: فما فعلت قريظة والنضير) الرواية عند الكافَّة بالفاء هكذا، والصَّواب: لما فعلت. باللَّم المكسورة، وقد رواه بعضُهم هنا كذلك، وهي الروايةُ في السِّير، ليس فيها غيرها. و (قوله: تَرَكْتُم قِدْرَكُم لا شيءَ فيها وقِذْرُ القَوْم حاميةٌ تَفُورُ) هذا ضربُ مثلٍ لعزَّة الجانب، وعدم الناصر. ويريدُ بقوله: تركتم قدركم: الأوس لقتل حلفائهم من قريظة. وقدر القوم: يعني به: الخزرج لشفاعتها لحلفائها بني قينقاع، حتى منَّ عليهم النبيُّ وَ ﴿، وتركهم لعبد الله بن أبيّ، وهو: أبو حباب المذكور في الشِّعر. و (قوله: كما ثقلت بمَيْطانَ الصُّخور). مَيْطان: بفتح الميم، وبالنون، عليه أكثرُ الرواة، إلا أنَّ أبا عبيد (١) البكري ضبطه بكسر الميم. قال: وهو من بلاد مزينة (١) في (ج): عبيد الله. ٥٩٨ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (١٦) باب: إذا نزل العدو على حُكْم الإمام من أرض الحجاز. ووقع في رواية العذريِّ: بميطار. بالراء مكان النون. وفي رواية ابن ماهان: بحيطان، بالحاء مكان الميم. قال القاضي عياض: والصواب ما تقدم. وقائل هذا الشِّعر إنَّما قاله يُحَرِّضُ سعداً على استحياء بني قريظة وحلفائهم، ويلومه على فِعْله فيهم، فيذكِّرِه بفعل أبي حباب، عبد الله بن أُبيّ وشفاعته لحلفائه بني قينقاع. إقامته ﴾﴾ الخيمة لسعد في المسجد ويُستفاد من ضَرْب رسول الله:﴿ الخيمةَ لسعدٍ في المسجد مع ما كان عليه من الجراح والدَّم: أنَّ الضرورة، أو الحاجة إذا دعت إلى مثل ذلك جاز. وإن أدَّى إلى تلطيخ المسجد بشيءٍ مما يكون من المريض، لكنَّ ذلك على حسب الحاجة والضرورة. والله تعالى أعلم. [هذا إن تَنَزَّلْنَا على أنَّه كان بمسجدٍ مخصوصٍ مباحٍ للمسلمين، وإن تَزَّلْنَا على أنَّه كان بمسجد بيته كما تقدم، لم ينتزع منه شيء من ذلك. والله تعالى أعلم](١). وقد قدّمنا: أنَّ المساجد الأصل فيها: الأمر بتطييبها، وتنظيفها، ومباعدتها عن الأنجاس، والأقذار. ووجهُ الضَّرورة في حديث سعدٍ: أنَّ النبيَّ : ﴿ لم يجد له موضعاً غير المسجد، وكان بالنبيِّ ◌َ﴿ حاجةٌ إلى معاهدته، وتفقُّد أحواله، فلو حُمل إلى موضع بعيد منه، أدّى إلى الحرج والمشقّة على النبيِّ ◌َّه. وعلى هذا المعنى نَّه الراوي بقوله: يعوده من قريبٍ. (١) ساقط من (ع). ٥٩٩ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (١٧) باب: أخذ الطعام والعلوفة من غير تخميس (١٧) باب أخذِ الطَّعام والعُلوفة من غیر تخمیس [١٢٨٨] عن عبدِ الله بن مُغَفَّلِ، قالَ: أصبتُ جِراباً مِن شَحْم يومَ خيبرَ. قالَ: فالتزمتُه. فقلتُ: لا أُعطي اليومَ أحَداً مِن لهذا شيئاً. قال: فالتفتُّ، فإذا رسولُ اللهِ وَّهِ مُتَسِّماً. (١٧) ومن باب: أخذ الطعام والعلوفة من الغنيمة من غیر تخميس حديث ابن مغفَّل هذا؛ يدلُّ: على جواز أخذ الطعام من الغنيمة قبل القسمة، ألا ترى أنّه ﴿ أقرَّه على أخذ الجِراب بما فيه من الطَّعام، وهو مما أجمع المسلمون عليه ما داموا في أرض الحرب، على ما حكاه عِياض. والجمهور: على أنه لا يحتاجُ في ذلك إلى إذْن الإمام. وحُكي عن الزُّهريُّ: [أنه لا يجوز إلا بإذن الإمام، ثم اختلفوا في القدر الذي يأخذه الغانم. فقال الشَّافعيُّ](١): لا يأخذ منه إلا بقدر حاجته، فإن أخذ فوقها، أدَّى قيمته في المقاسم، وكذلك: إنْ أخذ ما لا يضطر إليه في القوت، كالأشربة، والأدوية. وأجاز مالكٌ له أَخْذَ ما فضل عن كفايته وأكله في أهله، وقاله الأوزاعيُّ، وذلك فيما قلَّ. وقال سفيان وأبو حنيفة: يردّ ذلك إلى الإمام. وأجازه الشَّافعي مرةً. والجمهورُ على مَنْع أن يخرجَ بشيءٍ من الطعام له قيمةٌ وبالٌ إلى أرض الإسلام. واختلفوا فيما يحتاج إليه من غير الطعام، حكم أخذ ما كالسلاح، والدَّواب، والثياب ليقاتلَ بها، ويركبها في قفوله، ويلبسه في مقامه. يحتاج إليه فعن مالك وأصحابه في ذلك قولان: بالمنع مطلقاً، وبالجواز. وبه قال الثوريُّ، غير الطعام المجاهد من والحسن. وممن أجاز ذلك في وقت الحرب: الشافعي، وأحمد، وأبو حنيفة، (١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع) و (ج). ٦٠٠ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (١٧) باب: أخذ الطعام والعلوفة من غير تخميس وفي أخرى: فاستحييتُ. وفيها: جرابٌ فيه شحمٌ وطعامٌ. رواه أحمد (٣١١/٣)، والبخاري (٣١٥٣)، ومسلم (١٧٧٢) (٧٢ و ٧٣)، وأبو داود (٢٧٠٢)، والنسائي (٢٣٦/٧). والجمهور. وقال ابنُ المنذر، والخطابيُّ: إنَّ هذا مما لم يختلف أهل العلم فيه، إلا أنَّ الأوزاعيَّ شرط في هذا إِذْنَ الإمام. واختلفوا فيما قلَّ قَدْرُه مما يحتاج إليه، كالجلْد يقطعه خفافاً أو نعالاً. فأجازه مالك وغيره، وأحمد. ومَنَعَ ذلك الشَّافعيُّ، وأصحابُ الرأي. وقال الشافعي: وعليه قيمتُه إن تلِف، وأجرة استعماله، وما نقصه الانتفاع. ولم يختلف فيما بيع من طعامٍ أو غيره: أنَّ ثمنه مغنم. وتبسُّمُ رسول الله ﴿ إنما كان لما رأى من شدَّة حرص ابن مغفَّل على أخذ حكم أكل الجِراب، ومن ضنّته به. وفيه ما يدلُّ: على جواز أكل شحوم اليهود المحرَّمة شحوم اليهود عليهم. وهو مذهبُ أبي حنيفة، والشَّافعيِّ وكافة (١) العلماء، غير أنَّ مالكاً كرهه المحرمة عليهم للخلاف فيه، وحكى ابنُ المنذر عن مالكِ تحريمها، وإليه ذهب كبراءُ أصحاب مالكِ. ومتمسّكُ هؤلاء: أنَّ ذكاتهم لم تعملْ في الشحم، كما عملت في اللحم؛ جواز ذبائح لأن الذكاةَ تتبعَّض عندهم. والحديثُ حُجَّة عليهم. وفيه دليلٌ: على جواز ذبائح أهل الكتاب أهل الكتاب. وقد أجمع أهلُ العلم على ذلك إذا ذكروا اسمَ الله عليها. وأكثر العلماء على أنَّ المرادَ بقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ حِلْ أَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] ذبائحهم. إلا ما روي عن ابن عمر من كراهتها على ما حكاه الداودي عنه، والمعروف عن ابن عمر: لا تؤكل ذبائحهم ما لم يسمّوا الله عليها. وقد ذهب مالك، والليث، والثوريُّ، والنخعيُّ، وأحمد، وإسحاق، وأصحابُ الرأي: إلى كراهة ما أهلُّوا به لغير الله من اسم المسيح، أو كنائسهم، وأشباهها. وأباحه (١) في (ج): وعامة.