Indexed OCR Text
Pages 561-580
٥٦١ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (١١) باب: بيان ما يصرف فيه الفيء والخمس فاقضٍ بينَهم وأرخْهُم. فقال مالك بن أوس: فَخُيَّلَ إليَّ أنَّهم قد كانوا قدَّمُوهم لذلكَ. فقال عمرُ: اتَّبِدا أنشدُكم اللَّهَ الذي بإذنهِ تقومُ السَّماءُ لم يُرد به ظاهره؛ لأنَّ عليّاً - رضي الله عنه - منزّهُ عن ذلك كلِّه، مُبرَّأُ عنه قطعاً، ولو أراد ظاهره لكان محرّماً، ولاستحال على عمر، وعثمان، وعبد الرحمن، والزبير، وسعدٍ، وهم المشهودُ لهم بالقيام بالحقِّ وعدم المبالاة بمن يخالفهم فيه، فكيف يجوزُ عليهم الإقرارُ على المنكر؟! هذا ما لا يصحّ! وإنما هذا قولُ أخرجه من العبّاس الغَضَبُ، وصولةُ سلطنة العمومة، فإن العمَّ صنو الأب، ولا شكَّ أنَّ الأب إذا أطلق هذه الألفاظَ على ولده؛ إنما يحملُ ذلك منه على أنه قَصَد الإغلاظ، والرَّدع مبالغة في تأديبه، لا أنّه موصوفٌ بتلك الأمور، ثم انضاف إلى هذا: أنهم في محاجَّة ولايةٍ دينيَّةٍ، فكأنَّ العباسَ يعتقد: أنَّ مخالفته فيها لا تجوز، وأنَّ المخالفَة فيها تؤدي إلى أن يتَّصف المخالفُ بتلك الأمور، فأطلقها ببوادر الغضب على هذه الأوجه، ولما علم الحاضرون ذلك لم يُنكروه. والله تعالى أعلم. وهذا التأويلُ أشبه ما ذُكِر في ذلك، وإلا فتطريقُ الغلط لبعض النَّقلة لهذه القضية فيه بعدٌ لحفظهم، وشهرتهم، والذي اضطرنا إلى تقدير أحد الأمرين ما نعلمه من أحوال تلك الجماعة، ومن عظيم منازلهم في الدِّين، والورع، والفضل. كيف لا، وهم مَن هم - رضي الله عنهم، وحشرنا في زمرتهم -. و (أجل) بمعنى: نعم. و (اتئدوا) بمعنى: تثبتوا، وارفقوا. و (قول عمر: أنشدكم الله)؛ أي: أُقْسِمُ عليكم بالله، يُخاطِب الحاضرين. و(قوله ◌َلير: ((لا نُورَث، ما تركنا صدقة))) جميعُ الرواة لهذه اللفظة في حكم تركته وله الصَّحيحين وفي غيرهما يقولون: لا نُورَث - بالنون - وهي نونُ جماعة الأنبياء، كما قال: ((نحن - معاشر الأنبياء - لا نورث))(١). و (صدقة): مرفوع على أنه: خبر (١) رواه الترمذي (١٦١٠). ٥٦٢ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (١١) باب: بيان ما يصرف فيه الفيء والخمس والأرضُ! أتعلمونَ أنَّ رسولَ اللهِلَّهِ قال: ((لا نُورَثُ ما تركنا صَدَقَةٌ؟)) المبتدأ الذي هو: (ما تركنا)، والكلامُ جملتان: الأولى: فعلية، والثانية: اسمية. لا خلافَ بين المحدِّثين في هذا. وقد صحَّفه بعضُ الشيعة، فقال: لا يورث - بالياء - ما تركنا صدقةً - بالنصب - وجعل الكلامَ جملةً واحدةً، على أن يجعل (ما) مفعولاً لما لم يُسَمَّ فاعله. و (صدقةً) ينصب على الحال. ويكون معنى الكلام: إنما نتركه صدقة لا يورث. وإنما فعلوا هذا، واقتحموا هذا المحرم، لما يلزمهم على رواية الجمهور من إفساد قولهم، ومذهبهم، أنهم يقولون: إنَّ النبيَّ وَّهِ: يُورِّث كما يُورِّث غيره، متمسّكين بعموم آية المواريث، مُعرضين عمّا كان معلوماً عند الصحابة من الحديث الذي يدلُّ على خصوصية النبيِّ وَ﴿: بأنَّه لا یورث. تحقق الخلفاء صحة وقد حكى الخطابيُّ حكايةً تدلُّ على صحة مذهب أهل السُّنَّة، وعلى بُطلان مذهب أهل البدع: حُكي عن ابن الأعرابيّ: أن أبا العيَّاس السفاح قام في أول مقام قوله الخر: (لا نورث .... )) قامه خطيباً في قريةٍ تسمى: العباسية - بالأنبار - فحمد الله وأثنى عليه، فلمَّا جاء عند الفراغ، قام إليه رجلٌ، وفي عُنُقُه المصحف، فقال: يا أمير المؤمنين! أذكِّرك الله الذي ذكرته إلا ما قضيتَ لي على خصمي بما في كتاب الله. فقال: ومن خَضْمُك؟ قال: أبو بكر الذي منع فاطمة فَدك. فقال: هل كان بعده أحدٌ؟ قال: نعم. قال: ومن؟ قال: عمر. قال: فأقام على ظلمکم؟ قال: نعم. قال: فهل كان بعده أحدٌّ؟ قال: نعم. قال: فمن؟ قال: عثمان. قال: فأقام على ظلمكم؟ قال: نعم. قال: فهل كان بعده أحدٌ؟ قال: نعم. قال: فمن؟ قال: عليّ بن أبي طالب. قال: فأقام على ظلمكم؟ قال: فأسكت(١) الرجل، وجعل يلتفت يميناً وشمالاً يطلب مخلصاً. فقال أبو العباس: والله الذي لا إله إلا هو لولا أنّه أول مقامٍ قمته، ولم أكن تقدمتُ إليك، لأخذتُ الذي فيه عيناك، اجلس. ثم أخذ في خطبته. (١) في (ع) و(ج): فأمسك. ٥٦٣ (١٣) كتاب الجهاد والسّر - (١١) باب: بيان ما يصرف فيه الفيء والخمس قالُوا: نعم. ثم أقبلَ على العبَّس وعليٍّ، فقال: أَنْشُدُكُما باللَّهِ الذي بإذنِه وحاصلُ هذه الحكاية: أنَّ الخلفاءَ - رضي الله عنهم - علموا وتحقَّقوا صحَّة قول النبيَّ ◌َّهِ: ((لا نُورث، ما تركنا صدقةٌ))، وعملوا على ذلك إلى أن انقرضتْ أزمانُهم الكريمة بلا خلافٍ في ذلك. فأمَّا طَلَبُ فاطمة ميراثها من أبيها من أبي بكرٍ، فكان ذلك قبل أن تسمع طلب فاطمة الحديثَ الذي دلَّ على خصوصيّة النبيِّ * بذلك، وكانت مُتمسّكةً بما في رضي الله عنها كتاب الله من ذلك، فلمَّا أخبرها أبو بكرٍ بالحديث توقَّفتْ عن ذلك، ولم تَعُدْ عليه ميراثها بطلبٍ، وأمَّا منازعةُ عليٍّ والعباس، فلم تكن في أصل الميراث، ولا طلبا أن منازعة علي يتملَّكا ما ترك النبيُّ ◌َ﴿﴿ه من أموال بني النَّضير لأربعة أوجهٍ: والعباس لم تكن في أصل أحدها: أنهما قد كانا ترافعا إلى أبي بكرٍ في ذلك، فمنعهما أبو بكرٍ مُستدلاً الميراث بالحديث الذي تقدَّم، فلما سمعاه أذعنا، وسَكّنا، وسلَّما، إلى أن توفي أبو بکرٍ، وولي عمر، فجاءاه، فسألاه أن يوليهما على النظر فيها، والعمل بأحكامها، وأخذها من وجوهها، وصَرْفها في مواضعها، فدفعها إليهما على ذلك، وعلى ألَّا ينفردَ أحدُهما عن الآخر بعملٍ حتى يستشيرَه، ويكون معه فيه، فعملا كذلك إلى أن شقَّ عليهما العملُ فيها مجتمعين، فإنهما كانا بحيث لا يقدر أحدُهما أن يستقلَّ بأدنى عملٍ حتى يحضرَ الآخر، ويساعده، فلما شقَّ عليهما ذلك، جاءا إلى عمر - رضي الله عنه - ثانيةً، وهي هذه الكرَّةُ التي ذكرت هنا، يطلبان منه أن يقسمها بينهما، حتى يستقلَّ كلُّ واحدٍ منهما بالنظر فيما يكون في يديه منها، فأبى عليهما عمرُ ذلك، وخاف إن فعلَ ذلك أن يظنَّ ظانٌّ أنَّ ذلك قسمة ميراث النبيِّ لاَِّ، فيعتقدُ بطلانُ قوله: ((لا نورث)) لا سيّما لو قسمها نصفین، [فإن ذلك کان یکون موافقاً لسنة القسم في المواريث؛ فإنَّ من ترك بنتاً، وعماً، كان المال بينهما نصفين](١): للبنت النصف بالفرض، وللعمَّ النصف بالتَّعصيب. فمنع ذلك عمرُ (١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع). ٥٦٤ (١٣) كتاب الجهاد والسُّير - (١١) باب: بيان ما يصرف فيه الفيء والخمس تقومُ السَّماءُ والأرضُ! أتعلمان أنَّ رسولَ اللهِوَِّ قال: ((لا نُورَثُ ما تركْنا حَسْماً للذريعة، وخوفاً من ذهاب حُكْم قوله: ((لا نورث)). والوجه الثاني: أنَّ عليّاً لمَّا ولي الخلافةَ لم يُغيِّرِها عمَّا عُمِلَ فيها في عهد أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، ولم يتعرض لتملكها، ولا لقسمة شيءٍ منها، بل كان يصرفُها في الوجوه التي كان مَن قبله يصرُفها فيها، ثمَّ كانت بيد حسن بن علي، ثمَّ بيد حسين بن عليٍّ، ثم بيد علي بن الحسين، ثمَّ بيد الحسين بن الحسن، ثمَّ بيد زيد بن الحسن، ثم بيد عبد الله بن الحسن، ثم تولاها بنو العباس على ما ذكره أبو بكرٍ البرقاني في صحيحه. وهؤلاء كبراءُ أهل البيت - رضي الله عنهم - وهم معتمدُ الشيعة وأئمتهم، لم يُرْوَ عن واحدٍ منهم: أنه تملكها، ولا ورثها، ولا وُرِثَتْ عنه، فلو كان ما يقوله الشيعةُ حقاً لأخذها عليٍّ، أو أحدٌ من أهل بيته لمَّا ظفروا بها، ولم فلا. والوجه الثالث: اعتراف عليٍّ والعبَّاس بصحة قوله مَّه: ((لا نُورَث، ما تركنا صدقةٌ)) وبعلم ذلك حين سألهما عن علم ذلك، ثم إنهما أذعنا، وسلَّما، ولم يُبْدِیا - ولا أحدٌ منهما - في ذلك اعتراضاً، ولا مَدْفَعاً، ولا يحلُّ لمن يؤمنُ بالله واليوم الآخر أن يقولَ: إنهما اتَّقيا(١) على أنفسهما، لما يعلم من صلابتهما في الدين، وقوتهما فيه، ولما يعلم من عدل عمر، وأيضاً: فإنَّ المحلّ محلُّ مناظرةٍ، ومباحثةٍ عن حكم مالٍ من الأموال، ليس فيه ما يُفضي إلى شيءٍ مما يقوله أهلُ الهذيان من الشيعة. ثم الذي يقطعُ دابرَ العناد ما ذكرناه من تمكّن عليٍّ وأهل بيته من الميراث، ولم يأخذوه، كما قُلناه. والوجه الرابع: نصّ قول عمرَ لهما، وحكايته عنهما في آخر الحديث، حيث قال لهما: ثم جئتني أنت وهذا؛ وأنتما جميعٌ؛ وأمرُكما واحدٌ؛ فقلتم: ادفعها (١) في (ج): أبقيا. وما أثبتناه أظهر في المعنى. ٥٦٥ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (١١) باب: بيان ما يصرف فيه الفيء والخمس صَدقةٌ؟)) قالا: نعم. فقال عمر: إنَّ اللَّهَ كانَ خصَّ رسولَه وَ لِّ بخاصَّةٍ لم يُخَصِّصْ بها أحداً غيرَه، قال: ﴿مَّ أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الحشر: ٧] ما أدري هل قرأَ الآيةَ التي قبلَها أم لا. قال: فَقَسَمَ رسولُ الله ◌ِوَ ﴿﴿ بينكم أموالَ بني النَّضِير، فواللهِ ما استأثرَ عليكم، ولا أخذَها دونكم، حتَّى بقيَ هذا المالُ، فكانَ رسولُ اللهِوَّهِ يأخذُ منه نفقةَ سَنَةٍ، ثم يجعلُ ما بقيَ أُسْوَةَ المالِ، ثم قالَ: أَنْشُدُكُم اللَّهَ الذي بإذنِهِ تقومُ السَّماءُ والأرضُ! أتعلمون ذلك؟ قالوا: نعم. ثم نَشَدَ عليّاً وعبَّاساً بمثل ما نشدَ به القومَ؛ أتعلمانِ ذلك؟ قال: نعم. قال: فلما تُوفِي رسولُ الله وَلِّ، قال إلينا. فقلتُ: إن شئتما دفعتها إليكما، على أنَّ عليكما عهدَ الله أن تعملا فيها بالذي كان يعملُ رسولُ اللهِ وَل﴿، فأخذتماها بذلك، قال: أكذلك؟ قالا: نعم. وهذه نصوصٌ منهم على صحة ما ذكره. وإنما طوَّلنا الكلامَ في هذا الموضع لاستشكال كثيرٍ من الناس لهذا الحديث؛ وللآتي بعده، ولخوض الشِّيعة في هذا الموضع(١)، ولتقوُّلهم فيه بالعظائم على الخلفاء البَرَرة الحُنَفاء. و (قول عمر: إنَّ الله خصَّ رسوله بخاصَّةٍ لم يُخَصِّصْ بها أحداً غيره) يعني بذلك: أنَّ الله جعل النظر (٢) لرسول الله وَ ل# خاصة دون غيره ممَّن كان معه من ذلك الجيش، كما رواه ابن وهب عن مالك(٣)، ورواه أيضاً ابن القاسم عنه. (١) من (ج). (٢) في (ج) و (م) و (هـ): النضير. (٣) جاء في إكمال إكمال المعلم للأُبِّي (٧٥/٥): قيل: هي إباحة الغنائم له ولأمته، أو كونها له خاصة، أو تخصيصه بما أفاء الله عليه، إما بملكه كله كما قال الأكثر، أو بملکه التصرف والحکم فیه کما قال الجمهور. أي: جعل حکم ذلك له، یحکم فیه بما يراه. ٥٦٦ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (١١) باب: بيان ما يصرف فيه الفيء والخمس أبو بكر: أنا وليُّ رسولِ الله وَله، فجئتُما، تطلبُ ميراثَك من ابنِ أخيك، ويطلبُ هذا ميراثَ امرأتِه من أبيها. فقالَ أبو بكرٍ: قالَ رسولُ الله ◌ٍِّ: (ما نُورَثُ، ما تركْنَا صَدَقَةٌ)) فرأيتُماه كاذباً آثماً غادِراً خَائِناً، والله يعلمُ إنه لَصادقٌ بارِّ راشدٌ تابعٌ للحقِّ. ثم تُوفِّي أبو بكر، وأنَا وليُّ رسول الله ◌ِّهه ووليُّ أبي بكر، فرأيتُماني كاذباً آئماً غَادِراً خَائِناً، واللَّهُ يعلمُ إِنِّي لَصادقٌ بَارِّ تابعٌ للحقِّ، فوليتُهَا، ثم جئتني أنتَ وهذا، وأنتما جميعٌ، وأمرُكما واحدٌ. فقلتُم: ادفعَها إلينا. فقلتُ: إنْ شئتُم دفعتُها إليكما على أنَّ عليكما عهدَ اللَّهِ أنْ تعمَلا فيها بالذي كان يعملُ رسولُ الله ◌ِصَلّهِ، فأخذتُماها بذلك. قال: أكذلكَ؟ قالا: نعم. قال: ثم جئتُماني لأقضيَ بينكُما. ولا، والله لا أقضي بينكما بغيرِ ذلكَ حتَّى تقومَ السَّاعَةُ. فإنْ عجزتُما عنها فَرُدَّاها إليَّ. رواه أحمد (٢٥/١)، والبخاري (٥٣٥٧)، ومسلم (١٧٥٧) (٤٩)، وأبو داود (٢٩٦٤)، والترمذي (١٦١٠)، والنسائي (١٣٦/٧ - ١٣٧). و (قول عمر: والله لا أقضي بينكما بغير ذلك) أي: لا أولي أحدُكما على جزءٍ منها، والآخر على جزء آخر. وهذا هو الذي طلبا على ما قرَّرناه. و (قوله: فإن عجزتما عنها) أي: عن القيام بها مجتمعين، كما قرَّرناه. وفي هذا الحديث أبوابٌ من الفقه لا تخفى على مُتَأمُّلٍ فَطِنٍ. ٥٦٧ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (١٢) باب: تصفُّق رسول الله # بما وصل إليه من الفيء (١٢) باب تصدُّق رسول الله وَلهم بما وصلَ إليه من الفيء ومن سهمه [١٢٧٨] عن عائشة، أنَّ فاطمةَ بنتَ رسولِ اللهِ وَ﴿ أرسلتْ إلى أبي بكرِ الصِّدِّيق تسألُه ميراثَها مِن رسولِ الله ◌ِّهِ، مِمَّا أفاءَ الله عليه بالمدينةِ من الفَيءٍ وفَدَكَ، وما بقيَ من خُمُس خيبرَ. فقال أبو بكر: إنَّ رسولَ اللهِّهـ (١٢) ومن باب: تصلُّق رسول الله امَه بما وَصَل إليه من الفيء والخمس سيأتي العذر لفاطمة عن طلبها ميراثها من رسول الله وَلي بعد هذا. و (قوله: مما أفاء الله عليه بالمدينة وفدك) كانت الأراضي التي تصدَّق بها كيف تصيرت الأراضي رسول الله پے تصيّرت إلیه بثلاثة طرقٍ: له؟ أحدها: ما وصَّى له به عند موته مخيريق اليهودي لمَّا أسلم يوم أُحُد. وكانت سبعة حوائط في بني النّضير. وما أعطاه الأنصارُ من أرضيهم. والثاني: حقُّه من الفيء من سائر أرض بني النضير، حين أجلاهم، وكذلك نصف أرض فَدَك، صالح أهلها على النصف بعد حُنین، وكذلك ثلث أرض وادي القرى، صالَحَ عليه يهود، وكذلك حصنان من حصون خيبر: الوطيح، والسُّلالم. أحدهما صلح، وأجلى أهلها. والثالث: سهمه من خُمس خيبر، وما افتتح منه عَنْوةً، وهو حصن الكتيبة، خرج کلُّه في خُمُس الغنيمة منها، وأقسم الناس سائرها. حكاه أبو الفضل عِیاض. ما كان يفعله * في فهذه الأراضي التي وصلتْ إلى رسول الله ﴿، كان يأخذُ منها حاجةَ عياله، الأراضي التي ويصرفُ الباقي في مصالح المسلمين. وهي التي تصدَّق بها، حيث قال: ((ما تركتُ وصلت إليه ٥٦٨ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (١٢) باب: تصفُّق رسول الله # بما وصل إليه من الفيء قالَ: ((لا نُورَثُ، ما تركْنَا صَدَقَةٌ، إنَّما يأكلُ آلُ محمّدٍ مََّ في هذا المالِ)). وإِنِّي واللَّهِ لا أُغيِّرُ شَيئاً مِن صَدَقةِ رسولِ اللهِ وَّهِ عن حالِها التي كانت عليها، في عهدِ رسولِ اللهِ وبَّه، ولأعملنَّ فيها بما عَمِلَ به رسولُ اللهِصلفيه. فأبى أبو بكرٍ أنْ يدفعَ إلى فاطمةَ شيئاً، فوجَدَتْ فاطمةُ على أبي بكر في ذلك. قال: فهجرتْه، فلم تُكلِّمْهُ حتَّى تُوُفِيتْ، وعاشتْ بعدَ رسولِ الله وَيول بعد نفقة [نسائي، ومؤونة](١) عاملي فهو صدقة))(٢). فلما مات ﴿ عمل فيه أرض فدك في أبو بكر - رضي الله عنه - كذلك، ثمّ عمر، ثم عثمان، غير أنه يُروى: أنَّ عثمانَ عهد عثمان أقطع مروان فَدَك، وهو مما نُقِم على عثمان. قال الخطابيُّ: لعلَّ عثمان تأوَّلَ قولَ رضي الله عنه رسول الله ◌َ﴿: ((إذا أطعم الله نبياً طُعمةً فهي للذي يقوم من بعده))(٣) فلما استغنى عثمانُ عنها بماله، جعلها لأقربائه. قلتُ: وأولى من هذا: أن يقال: لعلَّ عثمان دفعها له على جهة المساقاة، وخفي وَجْهُ ذلك على الراوي، فقال: أقطع. والله تعالى أعلم. و (قوله: ((إنما يأكلُ آل محمَّد في هذا المال))) يعني هنا بآل محمد: نساءه، كما قال في الحديث الآخر: ((ما تركتُ بَعْدَ نفقة نسائي)). و (قوله: فأبى أبو بكر أن يدفعَ لفاطمة شيئاً، فوجدتْ فاطمةُ على أبي بكرٍ في ذلك، فهجرته، فلم تكلُّمْه) لا يظنّ بفاطمة - رضي الله عنها - أنها اتهمت أبا بكرٍ فيما ذكره عن رسول الله وَ ﴿، لكنها - رضي الله عنها - عظم عليها تَرْكُ العمل بالقاعدة الكلية، المقرَّرة بالميراث، المنصوصة في القرآن، وجوَّزت السَّهو والغلط على أبي بكر، ثم إنها لم تلتق بأبي بكرٍ لشغلها بمصيبتها برسول الله وَّهِ، ما دار بين أبي بكر وفاطمة رضي الله عنهما (١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع). (٢) رواه مسلم (١٧٦٠). (٣) رواه البيهقي في السنن الكبرى (٣٠١/٦ و٣٠٣). ٥٦٩ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (١٢) باب: تصفُّق رسول الله ير بما وصل إليه من الفيء ستةَ أشهرٍ، فلما تُؤُفِّيتْ دفنَها زوجُها عليُّ بن أبي طَالبٍ ليلاً، ولم يُؤْذِنْ بها أبا بكرٍ، وصلَّى عليها عليٍّ، وكان لعليٍّ مِن النَّاس جِهَةٌ حياةَ فاطمةً، فلما تُوفِّيَتْ استنكرَ عليٍّ وجوهَ النَّاس، فالتمسَ مُصالحةً أبي بكرٍ ومبايعتَه، ولم يكنْ بايعَ تلكَ الأشْهُرَ، فأرسلَ إلى أبي بكرٍ أنِ أَثْتِنا ولا يَأْتِنا معكَ أحدٌ، ولملازمتها بيتها، فعبَّر الراوي عن ذلك بالهجران، وإلا فقد قال رسولُ اللهِ وَلَت: (لا يحلُّ لمسلم أن يهجرَ أخاه فوق ثلاث))(١) وهي أعلمُ الناس بما يحلُّ من ذلك ويحرم، وأبعد الناس عن مخالفة رسول الله وَ ليهِ، كيف لا يكون كذلك وهي بضعةٌ من رسول الله وَل﴾، وسيدة نساء أهل الجنة؟. ودَفْنُ عليٍّ لفاطمة ليلاً، يحتملُ أن يكونَ ذلك مبالغةً في صيانتها، وكَوْنُه لم دفن السيدة يُؤْذِن أبا بكر بها؛ لعلَّه إنما لم يفعلْ ذلك لأنَّ غيره قد كفاه ذلك، أو خاف أن فاطمة رضي الله یکون ذلك من باب النعي المنهي عنه، ولیس في الخبر ما يدلُّ على: أن أبا بكر لم عنها ليلاً يعلمْ بموتها؛ ولا صلَّى عليها؛ ولا شاهد جنازتها؛ بل اللائقُ بهم، المناسبُ لأحوالهم حضورُ جنازتها، واغتنام بركتها، ولا تسمع أكاذيب الرَّافضة المبطلين، الضالین، المضلِّين. و (قوله: وكان لعليٍّ من الناس جهةٌ حياةَ فاطمة) جهة؛ أي: جاهٌ واحترامٌ، بيعة عليٍّ لأبي كان الناسُ يحترمون عليّاً في حياتها كرامةً لها؛ لأنها بضعةٌ من رسول الله وَلّهِ، وهو بكر رضي الله عنهما مباشِرٌ لها، فلمَّا ماتتْ وهو لم يبايع أبا بكرٍ، انصرف الناس عن ذلك الاحترام؛ ليدخلَ فيما دخل فيه النَّاس، ولا يفرِّق جماعتهم. ألا ترى أنه لمَّا بايع أبا بكرٍ أقبل النَّاسُ عليه بكلِّ إكرامٍ وإِعظامِ؟ ! . الاستعجال في مبايعة أبي بكر و (قوله: ولم يكن عليٍّ بايع تلك الأشهر) يعني: الستة الأشهر التي عاشتها رضي الله عنه (١) رواه أحمد (٤٢٢/٥)، والبخاري (٦٠٧٧)، ومسلم (٢٥٦٠)، وأبو داود (٤٩١١)، والترمذي (١٩٣٢). ٥٧٠ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (١٢) باب: تصفُّق رسول الله # بما وصل إليه من الفيء كراهيةَ مَحْضَرٍ عمرَ بنِ الخَطَّاب. فقال عمر، لأبي بكر: واللَّهِ لا تدخلُ عليهم وحدَك. فقال أبو بكر: وما عَساهُم أن يفعلُوا بي؟! إني والله لآ تينَّهم! فدخل عليهم أبو بكر، فتَشَهَّدَ عليّ بنُ أبي طالبٍ، ثم قال: إنَّا قد عرفنَا يا أبا بكرٍ فضيلتك، وما أعطاكَ الله، ولم نَنْفَسْ عليكَ خيراً سَاقَه اللَّهُ إليكَ، ولكنَّك استبددتَ علينا بالأمرِ، وكنّا نحنُ نرى لنا حَقّاً لقرابتِنا من رسول الله وَ﴿. فلم يزلْ يُكلِّم أبا بكر حتى فاضتْ عينًا أبي بكرٍ. فلمَّا تَكَلَّم أبو بكر قال: والذي نَفسِي بيدِه! لقرابةُ رسولِ الله وَ لَّ أحبُّ إليّ أنْ أصلَ مِن قَرابِي، وأمَّا الذي شجَر بيني وبينكم مِن هذه الأموالِ، فإنّي لم آلُ فيها عن الحقِّ، ولم أتركْ أمراً رأيتُ رسولَ الله وَّهِ يصنعُه فيها إلا صنعتُه. فقال عليّ لأبي بكر: موعدُك العشيََّ للبيعةِ. فلمَّا صلَّى أبو بكر صلاةَ الظُّهرِ، رَقِيَ على المِنبر، فتشهَّد وذكرَ شأنَ عليّ وتخلُّفَه عن البَيْعَةِ، وعُذْرَه بالذي اعتذرَ إليه. ثم استغفرَ وتَشَهَّد عليّ بنُ أبي طالب، فعظّم حقَّ أبي بكرٍ، وأنّه لم يحملْه على الذي صنعَ نَفَاسَةً على أبي بكر، ولا إنكاراً للذي فضَّله اللَّهُ به. ولكنَّا كَّا نرى لنا في الأمرِ نَصِيباً فاسْتُبِدَّ علينا به، فوجْدنَا في أنفسِنا. فسُرَّ بذلكَ المسلمونَ. وقالوا: أصبتَ. فكان المسلمونَ إلى عليٍّ قريباً حينَ راجعَ الأمرَ بالمعروف. فاطمة - رضي الله عنها - بعد رسول اللّه وَله، ولا يُظنُّ بعليَّ أنَّه خالفَ الناسَ في البيعة، لكنَّه تأخّر عن النَّاس لمانع منعه، وهو الموجِدةُ التي وَجَدها حين استُبِدَّ بمثل هذا الأمر العظيم ولم يُنتظر،َ مع أنَّه كان أحقَّ النَّاس بحضوره، وبمشورته، لكنَّ العذرَ للمبايعين لأبي بكرٍ على ذلك الاستعجال مخافة ثوران الفتنة بين المهاجرين والأنصار، كما هو معروف في حديث السَّقيفة، فسابقوا الفتنة، فلم يتأثَّ لهم انتظاره لذلك، وقد جرى بينهم في هذا المجلس من المحاورة، ٥٧١ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (١٢) باب: تصفُّق رسول الله ﴿ بما وصل إليه من الفيء وفي رواية: وكانتْ فاطمةُ تسألُ أبا بكر نصيبَها مما تركَ رسولُ اللهِ ﴾ من خيبرَ وفدكَ وصدقتَه بالمدينة. فأبى أبو بكر عليها ذلكَ، وقال: لستُ تاركاً شيئاً كانَ رسولُ اللهِوَلِّ يعملُ به إلا عملتُ به، إنِّي أخشى إنْ تركتُ شيئاً مِن أمرِهِ أنْ أزيغَ، فأمَّا صدقتُه بالمدينةِ فدفعَها عمرُ إلى عليٍّ وعبَّاس، فغلبَه عليها عليٍّ، وأما خيبرُ وفدكُ فأمسكَهما عمرُ، وقال: هما صَدَّقةُ رسولِ الله ◌ِ ﴿ه كانتَا لحقوقه التي تَعْرُوه، ونوائبِهِ، وأمرُهما إلى مَنْ وليَ الأمرَ. قالَ: فهما على ذلكَ إلى اليومِ. رواه أحمد (١٠/١)، والبخاري (٤٢٤٠) و (٤٢٤١)، ومسلم (١٧٥٩) (٥٢ و٥٤)، وأبو داود (٢٩٦٨). والمكالمة، والإنصاف ما يدلُّ: على معرفة بعضهم بفضل بعضٍ، وأنَّ قلوبَهم متَّفَقةٌ على احترام بعضهم لبعضٍ، ومحبّة بعضهم لبعض ما يَشْرَقُ به الرافضيُّ اللعين، وتُشْرِقُ به قلوبُ أهل الدِّين. والنَّفاسة هنا: الحسد. و (أزيغ): أميل عن الحقُّ. و (قوله: فغلبه عليها عليٌّ) يعني: على الولاية عليها، والقيام بها. وكأنَّ العبَّاسَ رأى علياً أقوى عليها، وأضلع بها، فلم يعرض له بسببها، فعبَّر الراوي عن هذا بالغلبة، وفيه بُعْدُ. و (تعروه): تنزلُ به. و (قوله: قال: فهما على ذلك إلى اليوم) يعني: إلى يوم حدَّث الراوي بهذا الحديث، وقد ذكرنا زيادةً البرقاني في هذا المعنى. وفي هذا الحديث أبوابٌ من الفقه لا تخفى. ٥٧٢ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (١٣) باب: الإمام مخيّر في الأسارى (١٣) باب الإمام مُخيّر في الأسارى، وذكر وقعة يوم بدر، وتحليلِ الغنيمة [١٢٧٩] عن عمرَ بن الخَطَّاب، قال: لما كانَ يومُ بَدْرٍ نظرَ رسولُ اللهِ وَ﴿ إلى المشركينَ وهم ألفٌ، وأصحابه ثلاثمئة وسبعةً عشرَ رجلاً، فاستقبلَ نبِيُّ اللهِ﴿َ القِبْلَةَ ثم مَدَّ يَدَيْهِ فجعلَ يهتفُ بربِّه: ((اللَّهُمَّ أنجزْ لي ما وَعَدْتَنِي! اللَّهُمَّ آتِنِي ما وَعَدْتَنِي! اللَّهُمَّ إِنَّكَ إنْ تُهلِكْ هذه العِصابة مِن أهلِ الإسلامِ لا تعْبذْ في الأرضٍ!». (١٣) ومن باب: الإمام مخيٌّ في الأُسارى (بدر): اسمُ بئرٍ لرجلٍ يقال له: بدر، فَسُمِّي البئر به. قاله الشَّافعيّ. عدد أصحاب بدر و (قوله: وهم ألفٌ، وأصحابه ثلاثمئة وسبعة عشر) هذه روايةٌ شاذةٌ، والمشهور بين أهل التواريخ: أن جميعَ من شهد بدراً مع مَن ضَرَبَ له رسولُ اللهِ وَّه بسهمه وأجره في عدد ابن إسحاق: ثلاثمئةٍ وأربعة عشر. وفي عدد موسى بن عقبة: ثلاثمئةٍ وستة عشر. و (قوله: فجعل يهتفُ بربِّه) أي: يرفعُ صوته. يقال: هتف، يهتف: إذا رفع صوته بدعاءٍ أو غيره. و (قوله: ((اللهم أنجز لي ما وعدتني))) أي: عجِّلْ لي ما وعدتني من النَّصر، وكأنه وَال﴿ لم يُبيَّن له وقتُ نصره، فطلب تعجيلَه. و (قوله: ((اللهم إن تُهلِكْ هذه العصابةَ من أهل الإسلام لا تُعْبَدْ في الأرض))) العصابة: الجماعةُ من الناس. واعصوصب القوم: صاروا عصابةً، دعاؤه خر في بدر ٥٧٣ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (١٣) باب: الإمام مخيّر في الأسارى وعصب القومُ بفلانٍ؛ أي: أحاطوا به، ومنه سُمِّيت قرابةُ الرَّجل: عصبةٌ (١). وقد أشكل هذا الحديثُ على طوائف من العلماء. ووجهُ الإشكال: أنه وَلاغير أشار إلى الإشكال في أصحابه من أهل بدرٍ، مع أنَّه كان قد انتشر الإسلامُ بمكة والمدينة، وكثر أهلُه في هذا الدعاء مواضع كثيرة، بحيث يكونُ أهلُ بدرٍ بالنّسبة إليهم قليلاً، وعلى هذا تقدير هلاك هؤلاء المشار إليهم، فيبقى من كان من المسلمين بالمدينة ومكة وغيرهما من المواضع التي أسلم أهلُها. ولو لم يكن في الوجود مسلمٌ غير أهل بدرٍ تقديراً، ففي الإمكان إيجاد قوم آخرين يعبدون الله، والقدرةُ صالحةٌ لذلك، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُواْ أَمْتَلَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨]. وإذا كانت قدرةُ الله صالحةً لهذا، فمن أين يجزم بذلك؟ ومن أين يلزم من هلاك هؤلاء عدم عبادة الله تعالى في الأرض؟. وقد رسخ هذا الإشكال عند بعض المتشدقین وقال: إنها بادرةٌ بدرتْ من رسول الله:﴿، وقدَّر معاتبةً له من الله تعالى على ذلك في كلام تفاصَحَ فيه، فَعُدَّ ذلك من زلَت هذا القائل؛ إذ قد جَهل من حال رسول اللهِ ل﴿ ما نزَّهه اللَّهُ عنه بقوله تعالى: ﴿وَمَا يَطِقُ عَنِ الْمَوَ﴾ [النجم: ٣] وقد قال حين قال له عبد الله بن عمرو: أنكتب عنك في السخط والرضا (٢)؟ قال: ((نعم، لا ينبغي لي أن أقولَ إلَّا حقّاً)(٣). وقد انفصل أهلُ التحقيق عن ذلك بأوجهٍ : انفصال أهل التحقيق عن أحدها: أنَّه يحتملُ أن يكون قال ذلك عن وحي أوحي إليه بذلك، فمن الإشكال الجائز أن يكونَ: لو هلكتْ تلك العصابةُ في ذلك الوقت على يدي عدوِّهم أن (١) في (ع) و (ج) و (هـ): عصابة. (٢) ساقط من (ع) و(ج). (٣) رواه أحمد (٢٠٧/٢ و٢١٥)، وأبو داود (٣٦٤٦). ٥٧٤ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (١٣) باب: الإمام مخيّر في الأسارى فما زالَ يهتفُ بربِّه مادّاً يديْه، مستقبلَ القِبلةِ، حتَّى سقطَ رداؤُه عن مَنْكِبَيْهِ. يفتتنَ غيرُهم، فلا يبقى على الأرض مسلمٌ يعبد الله، ثم لا يُبعث نبيٌّ آخر، وتنقطع العبادة . وثانيها: أنَّ هذا اللفظ وهمٌّ من بعض الزُّواة في حديث عمر؛ إذ قد روي هذا الحديثُ من جهاتٍ مُتعدِّدةٍ من حديث أنسٍ وابن عبّاسٍ؛ وليس فيها هذا اللفظ، وإنما فيها: ((اللَّهِمَّ إنّك إن تشأ لا تعبد في الأرض))(١). وثالثها: أنَّ هذه العصابةَ ليس المرادُ بها الحاضرين في بدرٍ فقط، بل المسلمين كلّهم في المدينة وغيرها. وسمَّاهم عصابةً بالنسبة إلى كثرة عدوّهم، كما قال ◌َله: ((عُصيبةٌ من المسلمين يفتتحون البيت الأبيض، بيت كسرى))(٢). فقلَّلهم بالنسبة إلى عدوِّهم، فكأنه وَّ لما علم أنه لا نبيَّ بعده، وقدَّر في نفسه الهلاك عليه وعلى كلٍّ من آمن به، ونظر إلى سُنّة الله في العبادة التي لا تُتلقَّى إلا من جهة الأنبياء، لزم من ذلك نفيُ العبادة جزماً، والله تعالى أعلم. وهذا أحسنُ الأوجه، وأولاها. الالتجاء إلى الله عند الشدائد و (قوله: فما زال يهتفُ بربِّه، ماداً يديه، مستقبل القبلة، حتى سقط رداؤه عن منكبيه). هذا منه ◌َّ﴿ قيامٌ بوظيفة ذلك الوقت من الدُّعاء، والالتجاء إلى الله تعالى، وتعليمٌ لأمته ما يلجؤون إليه عند الشَّدائد والكُرَب الواقعة بهم، فإنَّ ذلك الوقتَ كان وقتُ اضطرارٍ وشدَّةٍ، وقد وَعَدَ اللَّهُ المضطرَّ بالإجابة، حيث قال: ﴿ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَهَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوَءَ﴾ [النمل: ٦٢] يعني: عن المضطر عند الدُّعاء، فقام بعبادة ذلك الوقت، ولا يلزم من اجتهاده في الدُّعاء في ذلك الوقت أن یکون ارتابَ في: أنَّ اللّه سینجز له ما وعده به، کما ظهر مما وقع لأبي بكرٍ (١) رواه أحمد (١٥٢/٣)، ومسلم (١٣٦٣). (٢) رواه مسلم (١٨٢٢ و٢٩١٩). ٥٧٥ (١٣) كتاب الجهاد والسّير .. (١٣) باب: الإمام مخيّر في الأسارى فأتاه أبو بكر، فأخذَ رداءَه فألقاه على مَنْكِبَيْهِ، ثم التزمَه مِن وَرائِهِ، - رضي الله عنه - حيث قال له: كفاكَ مناشدتك ربَّك! فإنه سينجزُ لك ما وعدك! كما لا يلزم من دُعائه في أن يدخله اللَّهُ الجنَّة، ويُنجيه من النَّار، ويغفر له [ذنوبه أن يكون في شكِّ من شيءٍ من ذلك، فإنَّ الله قد أعلمه قطعاً أنه يدخله الجنَّة وينجيه من النار، ويغفر له](١)، لكنَّه قام بحقِّ العبودية من إظهار الفاقة، وامتثال العبادة؛ فإنَّ الدُّعاءَ مُخُّ العبادة، فَقَلْبُهُ وَهل مستغرِقٌ بمعرفة الواعِد، وإنجاز الموعود، ولسانُه وجوارحُه مُستغرِقَةٌ بالقيام بحقِّ عبادة المعبودِ، فقام في كلِّ جارحةٍ بوظيفتها، ولكلِّ عبادةٍ بحقيقتها. وسقوطُ ردائه ◌َ﴿ عن مَنْكِبَيْه أوجبه غيبته عن ظاهره بما وجده في باطنه. مراعاة أبي بكر وردّ أبي بكرٍ - رضي الله عنه - رداءَ رسول اللهِوَ ل# على منكبيه بعد سقوطه؛ أوجبه أحوال رسول الله وَلَ﴾ مراعاة أبي بكرٍ - رضي الله عنه - أحوالَ رسول الله وَ﴿ حتى تنحفظَ عليه محاسنُ آدابه. والتزامُهُ إِيَّه، وتثبيتُه له بما قاله له؛ أوجبه فَرْطُ محبَّته، وشفقته، وقصر نظره على ظاهره، مع ذُهوله عمَّا استغرقه من ذلك عن الالتفات إلى ما ذكرناه من المعاني والأسرار التي لاحت للنبيِّ ◌َّ في باطنه. ولا يظنُّ أحدٌ أنَّ أبا بكر - رضي الله عنه - كان في تلك الحالة أقوى من محمد المن سيّد النبيِّ وَ﴿، وأوثقَ بما وعده اللَّهُ به من النصر، فإنَّ ذلك ظنُّ مَن لا يعرفُ ولد آدم محمداً بَِّ حقَّ معرفته، ولا قدَّره حقَّ قَدْره. وكيف يصيرُ إلى غير هذا المعنى مَن وأقواهم وأکملهم سمع قوله في الغار ويوم سُراقة: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]؟ وكيف يظنُّ ذلك من يعلم أنَّ رسول الله ◌ِّهِ سيِّدُ ولد آدم، وأكملهم، وأقواهم، ولو وُزن بجميع أمَّته لرجحهم؟ وبلا شكّ: أنَّ الأنبياءَ أفضلُ النَّاس، وأعلمهم بالله وبحدوده. ولا شكّ في: أَنَّه ◌َ له أفضلُ الأنبياء وأكملهم. وإذا كانت هذه حالُه مع (١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع) و(ز). ٥٧٦ (١٣) كتاب الجهاد والسَّير - (١٣) باب: الإمام مخيّر في الأسارى وقال: يا نبيَّ الله! كفاكَ مناشدتُك ربَّك فإنَّه سيُنجزُ لكَ ما وعدَك، فأنزلَ الله تعالى: ﴿ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَأَسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّ مُمِدُكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَبِكَةِ مُهْدِفِينَ ﴾ [الأنفال: ٩] الأنبياء، فحالُه مع مَن لیس بنبيّ أعلى، وأكمل، وهو فيها أقوى. وکیف لا يكون حالُه في هذه القصَّة أتمَّ، وأقوى من حال أبي بكرٍ؛ وقبل ذلك الوقت بیسیر کان قد أخبر أصحابه: بأنَّ اللَّهَ ينصرُه على عدوّه ذلك، حتى (١) أراهم مصارعَهم واحداً واحداً باسمه وعينه، فكان الأمرُ كما ذكر، فثبت ما قلناه. و (قوله: كفاك مناشدتُك ربَّك) هكذا روايةُ العذري: كفاك ـ بالفاء - ورواية الكافَّةِ: كذاك مناشدتك ربك. ورواه البخاري: حسبُك. وكلُّها متقارِبةٌ، إلا أنَّ: كذاك، بابها باب الإغراء، كـ (إليك)، كما أنشدوا: يَقُلْنَ وَقَدْ تَلاحَقَتِ المَطابَا كذاكَ القول إن عَلَيْكَ عَيْنا والروايةُ (مناشدتُك) بالرفع على أنَّه فاعل ما في كفاك وكذاك من معنى الفعل. وقد ضبط عن أبي بحرٍ بالنصب على المفعول، ويكون الفاعلُ مضمراً في الأمر المقدَّر الذي ناب (كذاك) عنه. و (قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٩]) أي: تطلبون منه الغوث، وهو النصر (: ﴿فَأَسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٩]) أي: أجاب. (ممدُّكم): مُقوِّيكم، ومعينكم. (مردَفين) - بفتح الدال ـ اسم مفعول، أي: أردف اللَّهُ بهم المسلمين. وبكسر الدَّال: اسم فاعل. قال أبو علي: يحتملُ وجهين: أحدهما: مردفين مثلهم. يقال: أردفت زيداً دابتي. فيكون المفعول الثاني محذوفاً . (١) في (ع): حيث. ٥٧٧ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (١٣) باب: الإمام مخيّر في الأسارى فأمدَّه اللَّهُ بالملائكةِ. قال أبو زُمَيْل: فحدَّثني ابنُ عبّاس قال: بينما رجلٌ مِن المسلمينَ يومئذٍ يَشتذُّ في أثرِ رجلٍ مِن المشركينَ أمامَه، إذ سمعَ ضربةً بالسّوطِ فوقَه، وصوتُ الفَارِس يقولُ: اقْدُمْ حَيزُومُ، إذ نظرَ إلى المشركِ أمامَه فخرَّ مستلقياً، فنظرَ إليه فإذا هو قد خُطِمَ أنفُه، وشُقَّ وجهُه كضربةٍ السَّوطِ، فاخْضَرَّ ذلكَ أجمعُ. فجاءَ الأنصاريُّ، فحدَّث ذلكَ رسولَ الله ◌ِّل فقال: ((صدقتَ، ذلكَ مِن مَدَدِ السَّماءِ الثَّالثةِ)) فقَتَلُوا يومئذٍ سبعينَ، وأسرُوا سبعينَ. قالَ أبو زُمَّيْل: قال ابن عبّاس: فلمَّا أسرُوا الأُسارَى، قال والثاني: أن يكون المعنى: جاؤوا بعدكم. تقول العرب: بنو فلان مردفونا، أي: یجیئون بعدنا. (من فورهم): وجهتهم، وحينهم. و (مسؤَّمين) - بفتح الواو -: اسم مفعول. أي: معلَّمين، من السيما، وهي العلامة، أي: قد علموا بعلامةٍ. وبكسر الواو: اسم فاعل، أي: علَّموا أذناب خيلهم بصوفٍ أبيض، وقيل: أنفسهم بعمائم صفر. و (قوله: أُقُدُم حيزوم) ضبط عن أبي بحرٍ بضم الدَّال من: (أَقْدَم) فيكون من القُدوم، بمعنى التقدم، كقوله تعالى في فرعون: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ اَلْقِيَمَةِ﴾ [هود: ٩٨] أي: يتقدمهم إلى النار. وقاله ابنُ دريدٍ بقطع الألف، وكسر الدَّال، من الإقدام. وعند الجمهور: (حيزوم) بالميم، وهو اسمُ ملكِ. وفي رواية العذريّ: (حيزون) - بالنون - والأول المعروف. و (خطم أنفه)؛ أي: أثَّر فيه أثراً كالخطام، وهو الزّمام، إلا أنَّه أرقُّ منه، والخطم، والخرطوم: الأنف. و (قوله: ((ذلك من مدد السماء الثالثة))) أي: من ملائكة السَّماء الثالثة التي قتال الملائكة أُمِدُّوا بهم. وهذا يدلُّ: على أنهم كانوا أُمِّدُّوا بملائكةٍ من كلِّ سماءٍ. ويدلُّ هذا في بدر الخبر على أنَّ الملائكة قاتلت يومئذٍ. وهو قولُ أكثر أهل العلم. ٥٧٨ (١٣) كتاب الجهاد والسّر - (١٣) باب: الإمام مخيّر في الأسارى رسولُ اللهِوَ﴿ لأبي بكرٍ وعمرَ: ((ما ترونَ في هؤلاءِ الأُسارَى؟)) فقالَ أبو بكرٍ: يا نبيَّ الله! هم بنو العمِّ والعَشيرةِ، أرى أنْ تأخذَ منهم فديةً، فتكونَ لنا قُوَّةً على الكفَّار، فعسى اللَّهُ أنْ يهديَهم للإسلام. فقال رسول الله ◌َ﴿: ((ما تَرى يا بنَ الخَطَّابِ؟)) قلتُ: لا واللهِ يا رسول الله! أُسری بدر استشارته ﴾ و (قوله ◌َ﴿ لأصحابه: ((ما ترون في هؤلاء الأُسارى))) يدلُّ: على أنّهَ وَلِ ما الصحابة في كان أُوحي إليه في أمرهم بشيء، فاستشارهم لينظروا في ذلك بالنظر الأصلح، فاختلف نظرُ أبي بكرٍ وعمر. فمال أبو بكرٍ إلى الإبقاء طمعاً في إسلامهم، وإلى الفداء ليكون ذلك قوةً عليهم. ومال عمرُ إلى القتل مَحْقاً للكفر، وقصاصاً منهم، ميله # إلى ورَدْعاً لأهله، فمال رسولُ اللهِوَ له إلى ما قال أبو بكرٍ على مقتضى رأفته ورحمته بالمؤمنين؛ ليتقووا على عدوهم، وعلى مقتضى حرصه على إيمان من أُسِر منهم. رأي أبي بکر وكلٌّ من النظرين له أصولٌ تشهد بصحته، بل نقول: إنَّ نظر أبي بكرٍ يشهد لصحته قضية سرية عبد الله بن جحشٍ؛ وكانت قبل بدرٍ بنحو ثلاثة أشهر، قتل فيها ابن الحضرمي، وأُسِر عثمان بن عبد الله، والحكم بن كيسان، وأخذوا عِیرهم، وقدموا على رسول اللّهِوَ له، فقبل فداء الأسيرين. ولما عظم على الناس قَتْلُ ابن الحضرمي في الشهر الحرام، [سألوا النبيَّ وَلاغير عن ذلك، فأنزل الله تعالى: يَسْتَلُونَكَ عَنِ الثَّهْرِ الْحَرَامِ فِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالُ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٧]](١) وسوَّغْ اللَّهُ لهم الفداء، فكان ذلك دليلاً على صحة ما اختاره أبو بكرٍ، وكذلك مال إليه عتب الله لنبيه رسولُ اللهِوَ لٍ وهويه(٢). وعند هذا يشكل ما جاء في آخر هذا الحديث من عتب الله لنبيّهِ وَّه بقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِّ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ أَسْرَى حَتَّ يُشْخِنَ فِ اُلْأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧]، وبقوله ◌َّير: ((لقد عرض عليَّ عذابهم أدنى من هذه الشجرة))(٣). 醬 (١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع). (٢) في (هـ) و (م): وصوَّبه. (٣) هو حديث الباب. ٥٧٩ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (١٣) باب: الإمام مخيّر في الأسارى ما أرى الذي رأى أبو بكر، ولكنِّ أرى أنْ تُمكِّنَا فنضربَ أعناقَهم، فتُمكِّنَ عليّاً من عقيلٍ، فيضربَ عُنُقَهُ، وتمكنِّي من فلانٍ (نسيبٍ لعمرَ) فأضربَ عنقَه. فإنَّ هؤلاءِ أئمةُ الكفرِ وصناديدُها. فَهَوِيَ رسولُ الله ◌ِِّ ما قالَ أبو بكرٍ ولم يَهْوَ ما قلتُ. فلمَّا كانَ من الغَدِ جئتُ فإذا رسولُ الله ◌ِوَله وأبو بكر قَاعِدَيْنِ يَبكيانِ. فقلتُ: يا رسولَ الله! أخبرني مِن أيٍّ شيءٍ تَبكي أنتَ وصاحبُك، فإنْ وجدتُ بكاءً بكيتُ، وإنْ لم أجدْ تباكيتُ لُكائِكُما. فقال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((أبكي للذي عرضَ عليَّ أصحابُكَ مِن أخذِهم الفِداءَ. ووجه هذا الإشكال: أنَّ هذا الاجتهاد الذي صَدَر من أبي بكر، ووافقه عليه الإشكال في رسولُ اللهِ وَ﴿ إمَّا أنْ يكون اللَّهُ قد سوَغه لهم أو لا. فإن كان الأول؛ فكيف اجتهاد أبي بكر يعاتبون، ويتوعّدون على ما سُوِّغ لهم؟ وإن لم يكن مسوَّغاً؛ فكيف أقدموا عليه، الرسول ◌ِالخ وموافقة لا سيَّما النبيُّ ◌َله؛ الذي قد برأ الله نطقه عن الهوى، واجتهاده عن الخطأ؟! ولما أجوبة العلماء أشكلَ هذا اختلفتْ أجوبةُ العلماء عنه، فقيل فيه أقوالٌ: أحدها: أنهم أقدموا عليه لأنَّه أمرٌ مصلحيٌّ دنيويٍّ، والأمور المصلحية عن الإشكال الإقدامُ عليها مسوَّغ، ولا بُعْدَ في العتب على ترك المصلحة الراجحة وإن كانت دنیوێّةً. وهذا فاسدٌ من وجهين: أحدهما: أنَّ هذا الاجتهاد منهم إنما كان في أمرٍ شرعيّ حكميٍّ؛ لأنه يقتضي سَفْك دماءٍ، واستباحة أموالٍ، وإرقاق أحرارٍ، وهذه لا تُستباحُ إلَّا بالشرع. وثانيهما: أنَّ العتبَ الشَّرعيَّ لا يتوجَّه على ترك مصلحةٍ دنيويَّةٍ؛ لا يتعلَّق بها مقصودٌ شرعيٍّ، كما لم يتوجَّه على النّبِيِّ ◌َهِ عَتْبٌ في قضية إبار النخل، وإن كان عَدَلَ فيه عن المصلحة الدنيوية الراجحة، وهذا من نوع الأول. الثاني: إنما عُوتبوا لأنَّ قضيةَ بدرٍ عظيمةُ الموقع، والتصرف في صناديد قريش وساداتهم وأموالهم بالقتل، والاسترقاق، والتملك، ذلك كلُّه عظيم الموقع، فكان حقُّهم أن ينتظروا الوحي، ولا يستعجلوا، فلمَّا استعجلوا، ولم ينتظروا توجّه ٥٨٠ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (١٣) باب: الإمام مخيّر في الأسارى ولقد عُرِضَ عليَّ عذابُهم أدنى من هذه الشجرة)) (شجرة قريبةٍ من نبيِّ الله وََّ) وأنزلَ الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُشْخِتَ فِی اْأَرْضِ﴾ إلى قوله ﴿فَكُلُواْ مِمَّا غَيْمْتُمْ حَلَا طَّيِّبًا﴾ [الأنفال: ٦٧ - ٦٩] فأحلَّ الله الغنيمة لهم. عليهم ما توجَّه. وهذا أيضاً فاسدٌ لأنه يلزم منه أن يكونوا أقدموا على ما لا يجوز لهم شرعاً، ووافقهم على ذلك النبيُّ ◌َ ﴿. وكلُّ ذلك عليهم محالٌ بما قدَّمناه من وجوب عصمة النبيِّل ﴿ عن الخطأ في الشَّريعة ومن ظهور الأدلة (١) المرجحة(٢) بما قدَّمناه. الثالث: أنَّ ذلك إنما توجَّه على مَن أراد بفعله عَرَض الدنيا، ولم يُرِدِ الدِّين، ولا الدَّار الآخرة. بدليل قوله تعالى: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ ﴾ [الأنفال: ٦٧]، ولم يكن النبيُّ وَله، ولا أبو بكرٍ، ولا من نحا نحوهما ممن يريدُ عَرَضَ الدنيا، فالوعيد، والتوبيخ متوجِّهان إلى غيرهم ممَّن أراد ذلك. وهذا أحسنُها. والله تعالى أعلم. بكاء النبي قال وبكاء النبيِّ وَل﴿ وأبي بكرٍ لم يكن لأنهما دخلا فيمن تُوعِّد بالعذاب، بل وأبي بكر شفقةً على غيرهما ممن تُوعِّد بذلك؛ بدليل قوله وَلي: ((أبكي للذي عرض على رضي الله عنه أصحابك مِن أخذهم الفداء، لقد عُرِض عليَّ عذابُهم أدنى من هذه الشجرة))، لا سيَّما وقد أوحي إليه: أنه يقتل منهم عاماً قابلاً مثلُهم(٣). فبكى رسولُ اللهَ وَّل لذلك. وأمَّا قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِّ أَنْ يَكُونَ لَهُنْ أَسْرَى حَتَّى يُشْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧]، فليس بتوبيخ، ولا ذمّ، وإنَّما هو من باب التنبيه على أنَّ القتل كان القتل للأسرى في بدرٍ كان الأولى (١) في (ز): الأمور. (٢) في (ج): الراجحة. (٣) في هذا إشارة إلى ما حصل في غزوة أُحُد بالنسبة للصحابة - رضوان الله عليهم -.