Indexed OCR Text
Pages 521-540
٥٢١
(١٣) كتاب الجهاد والسِّير - (٢) باب: النهي عن الغدر
ألا ولا غادرَ أعظمُ غَدْراً مِن أميرٍ عَامَّةٍ)).
وفي رواية ((لكلِّ غادِرٍ لواءٌ عندَ اسْتِهِ يومَ القِيامةِ».
رواه مسلم (١٧٣٨) (١٥ و ١٦).
و (قوله: ((عند استه))) معناه - والله أعلم -: [عند مقعده؛ أي: يلزم اللواء
به، بحیث لا يقدرُ علی مفارقته](١) لیمر به النَّاسُ فیروه، ویعرفوه، فیزداد خجلاً،
وفضيحةً عند كلِّ من مرَّ به.
و (قوله: ((ولا غادر أعظم غَذْراً من أمير عامّةٍ)) يعني: أنَّ الغدر في حقُّه أفحش، عظم غذْر الإمام
والإثم عليه أعظم منه على غيره لعدم حاجته إلى ذلك. وهذا كما قاله ◌َطير في
الملك الكذاب، كما تقدم في كتاب: الإيمان(٢). وأيضاً: فَلِمَا في غدر الأئمة من
المفسدة، فإنهم إذا غدروا، وعُلِم ذلك منهم، لم يأمنهم العدوُّ على عهدٍ، ولا
صُلْح، فتشتدَّ شوكته، ويعظم ضرره، ويكون ذلك منفّراً من الدخول في الدين،
وموجباً لذمِّ أئمة المسلمين. وقد مال أكثرُ العلماء: إلى أنه لا يُقاتلُ مع الأمير
الغادر، بخلاف الخائن، والفاسق. وذهب بعضهم إلى الجهاد معه. والقولان في
مذهبنا. والله تعالى أعلم. فأما إذا قلنا(٣): لم يكن للعدو عهدٌ فينبغي أن يُتُحيَّل
على العدوِّ بكل حيلةٍ، وتُدار عليهم كلُّ خديعةٍ، وعليه يُحمل قولُهُ وَله: ((الحرب الحرب خدعة
خَذْعة)) بفتح الخاء، وسكون الدال. وهي لغةُ النبيِّ وَ﴿، وهي مصدرُ (خدع)
المحدود [بالتاء](٤)، كغَرْفة، وخَطْوة - بالفتح فيهما - ومعناه: أنَّ الحرب تكون
(١) ساقط من (ع).
(٢) سبق تخريجه برقم (٨٣).
(٣) من (ط) و (ل) و (ج).
(٤) ساقط من الأصول، واستدرك من: إكمال إكمال المعلم للأُتِي (٥/ ٥٢).
٥٢٢
(١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٢) باب: النهي عن الغدر
[١٢٥٧] وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَّه: ((الحَرْبُ
حُدْعَةٌ)).
رواه أحمد (٣١٢/٢)، والبخاري (٣٠٢٩)، ومسلم (١٧٤٠).
ذات خدعة. فوضع المصدر موضع الاسم. أي: ينبغي أن يستعملَ فيها الخِداع
ولو مرَّة واحدة. ويحتمل: أن يكون معناه: أن الحربَ تتراءى لأخفَّاء الناس
بالصّورة المستحسنة، ثم تتجلّى عن صورةٍ مستقبحةٍ، كما قال الشاعر (١):
الحَرْبُ أوَّلُ مَا تَكُونُ فتيَّةً تَسْعَى بِيزَّتِها لِكُلِّ جَهُولٍ
وقال آخر:
حمها التَّخَيُّلُ والمِرَاحُ(٢)
والحَزْبُ لاَ يَبْقَى لجا
وفائدةُ الحديث على هذا: ما قاله في الحديث الآخر: ((لا تتمنّوا لقاءَ العدو،
واسألوا الله العافية))(٣).
وقد روي هذا الحرف ((خُدْعَةً)) بضم الخاء وسكون الدَّال، وهو اسمُ ما يُفعل
به الخداع، كاللعبة لما يلعب به، والضُّحكة لما يضحك منه، فكأنَّه لما أوقع فيها
الخداع خُدعت هي في نفسها. وروي: ((خُدَعة)) بضم الخاء وفتح الدَّال، أي: هي
التي تفعلُ ذلك لتخدعَ أهلها، على ما تقدم. وفُعَلة: تأتي بمعنى الفاعل،
كضُحَكة، وهُزَأة، ولُمَزة، للذي يفعل ذلك، والله تعالى أعلم.
(١) هو: عمرو بن معدیکرب.
(٢) في (ط) و (ل):
الحرب لا يبقى لجا حمها التحيُّل والمِزاح
والجاحم: الموقد.
(٣) رواه أحمد (٣٥٣/٤)، والبخاري (٢٩٣٣)، ومسلم (١٧٤٢)، وسيأتي بعد قليل.
٥٢٣
(١٣) كتاب الجهاد والسَّير - (٣) باب: النهي عن تمني لقاء العدو
(٣) باب
النهي عن تمني لقاء العدوِّ،
والصبر عند اللقاء، والدعاء بالنَّصر
[١٢٥٨] عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ الله ◌َّهِ قالَ: ((لا تَمَنَّوْا لِقَاءَ
العَدُوِّ، فإذا لقيتمُوهم فاصْبِرُوا».
رواه أحمد (٥٢٣/٢)، والبخاري (٣٠٢٦)، ومسلم (١٧٤١).
(٣) ومن باب: النهي عن تمنِّ لقاء العدوِّ
(قوله: ((لا تتمنوا لقاء العدو))) قيل: إن فائدةَ هذا النهي ألَّا يُستخفَّ أمرُ حكمة النهي
العدوِّ، فَيُتساهل في الاستعداد له، والتحرُّز منه، وهذا لما فيه من المكاره، عن تمني لقاء
والمحن، والنكال، ولذلك قال مثَّصلاً به: ((واسألوا الله العافية)). وقيل: لما
العدو
يُخاف من إدالة العدو، وظفره بالمسلمين. وقد ذكر في هذا الحديث: ((فإنهم
يظفرون(١) كما تنصرون)). وقيل: لما يؤدِّي إليه من إذهاب حياة النفوس التي يزيدُ
بها المؤمن خيراً، ويُرجى للكافر فيها أن يراجع. وكلُّ ذلك محتمل. والله تعالى
أعلم. ولا يُقال: فلقاءُ العدوِّ وقتالُه طاعةٌ يحصلُ منه إمَّا الظَّفر بالعدوٍّ، وإمَّا
الشهادة، فكيف يُنهى عنه؛ وقد حضّ الشرع على تمنِّي الشهادة، ورغَّب فيه فقال:
((من سأل اللَّهَ الشهادةَ صادقاً مِن قلبه، بلَّغه الله منازلَ الشهداء، وإن مات على
فراشه))(٢)؟! لأنَّا نقولُ: لقاءُ العدوِّ وإن كان جهاداً وطاعةً ومُحصِّلاً لأحد الأمرين، لقاء العدو
فلم ينه عن تمنّيه من هذه الجهات، وإنما نُهي عنه من جهات تلك الاحتمالات امتحانٌ وابتلاء
(١) في (ز): ينصرون.
(٢) رواه أحمد (٢٤٤/٥)، ومسلم (١٩٠٩)، وأبو داود (١٥٢٠)، والترمذي (١٦٥٣)،
والنسائي (٣٦/٦ و ٣٧) من حديث سهل بن حُنيف.
٥٢٤
(١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٣) باب: النهي عن تمني لقاء العدو
[١٢٥٩] وعن أبي النَّضْر، عن عبدِ الله بن أبي أوْفى، أنَّ النبيَّ وَّهـ
في بعضٍ أيَّامِه التي لقيَ فيها العَدُوَّ ينتظرُ حتَّى إذا مالتِ الشَّمسُ قامَ فيهم،
المتقدِّمة، ثمَّ هو ابتلاء، وامتحانٌ لا يعرف [عمَّا تُسفر] (١) عاقبته، وقد لا تحصل
فيه لا غنيمةٌ ولا شهادة، بل ضدّ ذلك. وتحريره: أنَّ تمني لقاء العدوِّ المنهي عنه
غير تمنِّي الشهادة المرغّب فيه؛ لأنَّه قد يحصلُ اللقاءُ ولا تحصلُ الشهادة، ولا
الغنيمةُ، فانفصلا.
حكم المبارزة
وقد فهم بعضُ العلماء من هذا الحديث كراهةَ المبارزة. وبها قال الحسنُ،
وروي عن عليَّ - رضي الله عنه - أنه قال: يا بنيَّ! لا تَدْعُ أحداً إلى المبارزة، ومَن
دعاكَ إليها فاخرجْ إليه، فإنه باغ، وقد ضمن اللَّهُ نَصْرَ مَن بُغي عليه(٢). وقال
ابنُ المنذر: أجمعَ كلُّ من أحفظ عنه على جواز المبارزة، والدَّعوة إليها. وشَرَط
بعضُهم فيها إذن الإمام. وهو قولُ الثوريِّ، والأوزاعيِّ، وأحمد، وإسحاق. ولم
يشترطه غيرُهم. وهو قولُ مالك، والشَّافعيِّ. واختلفوا، هل يُعين المبارِزَ غيرُه أم
لا؟ علی قولین.
تأخيره ◌َالخ
و (قوله: إنَّهِ له كان ينتظرُ حتى إذا مالتِ الشَّمس) يعني: أنه كان يُؤْخِّر
القتال عن القتالَ عن الهاجرة إلى أن تميل الشمسُ ليبردَ الوقت على المقاتلة، ويخفّ عليهم
الهاجرة
حَمْلُ السلاح، التي يُؤْلِمُ حَمْلُها في شدَّة الهاجرة؛ ولأنَّ ذلك الوقتَ وقتُ الصلاة،
وهو مظنَّةُ إجابة الدعاء. وقيل: بل كان يفعلُ ذلك لانتظار هبوب ريح النصر التي
نصر بها، كما قال: ((نُصِرْتُ بالصَّبا))(٣)، وفي حديثٍ آخر: أنه مَلّ كان ينتظرُ حتى
تزولَ الشمسُ، وتهبّ رياحُ النصر (٤).
(١) في (ع): عمَّاذا استقرت، والمثبت من (ط) و (ز) و(ج) و (ل).
(٢) ذكره القاضي عياض في إكمال المعلم، انظر: إكمال إكمال المعلم للأُبيِّ (٥٤/٥).
(٣) رواه أحمد (٣٢٤/١ و٣٤١ و٣٥٥ و٣٧٣)، والبخاري (١٠٣٥) من حديث
ابن عباس، ورواه مسلم (٣٧٢) من حديث أبي هريرة.
(٤) رواه أبو داود (٢٦٥٥)، والترمذي (١٦١٢) من حديث النعمان بن مُقَرّن.
٥٢٥
(١٣) كتاب الجهاد والسَّير - (٣) باب: النهي عن تمني لقاء العدو
فقال: ((يَا أَيُّها النَّاسُ! لا تتمنوا لِقاءَ العدوِّ، واسألوا اللَّهَ العافيةَ، فإذا
لقيتمُوهم فاصْبِرُوا، واعلمُوا أنَّ الجنَّةَ تحتَ ظِلالِ السُّيوفِ)). ثم قامَ
النبيُّ ◌َ﴿ وقال: ((اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الكِتابِ، ومُجْرِي السَّحَابِ، وهازِمَ
الأحزابِ، اهزِمْهُمْ وانصُرْنا عليهم)).
وفي رواية: ((اللَّهُم مُنْزلَ الكِتابِ، سريعَ الحِسابِ، اهزم الأحزابَ؛
اللَّهُمَّ اهزمْهم وزَلْزِلْهم)).
رواه أحمد (٣٥٣/٤)، والبخاري (٢٩٣٣)، ومسلم (١٧٤٢)
(٢٠ و٢١)، وأبو داود (٢٦٣١).
و (قوله: ((اللهمَّ منزلَ الكتاب، [ومجري السحاب، وهازم الأحزاب](١)، السجع في
سريع الحساب))) دليلٌ على جواز السَّجع في الدعاء إذا لم يُتكلّف. والأحزاب: الدعاء
جمع حزب. وهم الجمعُ والقطعة من الناس، ويعني بهم الذين تحزبوا عليه في
المدينة فهزمهم الله تعالى بالريح. ووصف الله بأنه سريع الحساب. يعني به: يعلم
الأعداد المتناهية وغيرها في آنٍ واحدٍ، فلا يحتاجُ في ذلك إلى [فكرٍ ولا عَقْدٍ](٢)
کما يفعله الحسّاب منّا.
و (قوله: ((الجنّة تحت ظلال السيوف))) هذا من الكلام النَّفيس البديع، الذي الحضُّ على
جمع ضروب البلاغة من جزالة اللفظ، وعُذوبته، وحسن استعارته، وشمول الجهاد
المعاني الكثيرة، مع الألفاظ المعسولة(٣) الوجيزة، بحيث تعجز الفصحاءُ اللُّسْن
البلغاء عن إيراد مثله، أو أن يأتوا بنظيره وشكله. فإنه استفيدَ منه مع وجازته
الحضّ على الجهاد، والإخبار بالثواب عليه، والحضُّ على مقاربة العدوِّ،
(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).
(٢) في (ع) ذكر ولا عقل، والمثبت من باقي النسخ.
(٣) ((الألفاظ المعسولة))) يُقال: هو معسولُ الكلام؛ أي: حلو المنطق.
٥٢٦
(١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٣) باب: النهي عن تمني لقاء العدو
[١٢٦٠] وعن أنس، أنَّ رسولَ اللهِ ◌ّه كانَ يقولُ يومَ أحدٍ: «اللَّهُمَّ
إِنَّكَ إنْ تَشَأْ، لا تعبدْ في الأرضِ)).
رواه أحمد (١٥٢/٣)، ومسلم (١٧٤٣).
واستعمال الشُّيوف، والاعتماد عليها، واجتماع المقاتلين حين الزَّحف، بعضهم
لبعضٍ، حتى تكون سيوفهم بعضها يقعُ على العدو، وبعضها يرتفعُ عنهم؛ حتى
كأنَّ السيوفَ أظلَّتِ الضَّاربين بها، ويعني: أن الضاربَ بالسيف في سبيل الله يُدْخِله
اللَّهُ الجنةَ بذلك. وهذا كما قاله في الحديث الآخر: ((الجنةُ تحت أقدام
الأمهات))(١)، أي: مَن برَّ أنَّه، وقام بحقّها، دخل الجنَّة.
عموم مشيئة الله
و (قوله يوم أُحُدٍ: ((اللهم إنْ تَشَأْ لا تُعبد في الأرض))) هذا منه وَ﴿ تسليمٌ
لأمر الله تعالى فيما شاء أن يفعله، وهو ردٌّ على غُلاة المعتزلة؛ حيث قالوا: إنَّ
الشرَّ غيرُ مرادٍ لله تعالى. وقد ردَّ مذهبهم نصوصُ الكتاب، كقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ
يُضِلُّ اللهُ مَنْ يَهُ وَيَهْدِى مَن يَشَاءُ﴾ [المدثر: ٣١] ومثلها كثيرٌ. وفي هذا الحديث: أنه وَلّ
قال هذا الكلام يوم أُحُدٍ. والذي ذكره أهلُ السير: أنَّ ذلك إنَّما قاله يوم بدر.
وكذلك وقع في بعض روايات مسلم. وسيأتي، ويُحتمل: أن يكونَ قاله في
اليومين معاً. والله تعالى أعلم.
(١) رواه القضاعي في مسند الشهاب (٨٢)، والخطيب في: الجامع لأخلاق الراوي وآداب
السامع (٢٨٩/٢) من حديث أنس.
ورواه أحمد (٤٢٩/٣)، والنسائي (١١/٦)، وابن ماجه (٢٧٨١)، والحاكم
(٤/ ١٥١) بلفظ: ((فالزمها فإن الجنة تحت رجليها)) من حديث معاوية بن جاهمة.
٥٢٧
(١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٤) باب: النهي عن قتل النساء والصبيان
(٤) باب
النهي عن قتل النساء والصِّبْيان،
وجوازٍ ما يُصاب منهم إذا بُُّوا،
وقطع نخيلهم وتحريقها
[١٢٦١] عن ابن عمر، قالَ: وُجدتِ امرأةٌ مقتولةٌ في بعض تلك
المَغَازِي، فنهى رسولُ الله ◌َّرِ عن قتلِ النِّساء والصِّبيان.
رواه أحمد (٢٢/٢ -٢٣)، والبخاري (٣٠١٤)، ومسلم (١٧٤٤) (٢٥)،
وأبو داود (٢٦٦٨)، والترمذي (١٥٦٩)، وابن ماجه (٢٨٤١).
(٤) ومن باب: النهي عن قتل النساء والصبيان
[(قوله: نهى رسولُ اللهِ﴾ عن قتل النِّساء والصبيان)](١) هذا اللفظُ عام في
جميع نساء أهل الكفر، فتدخل فيهم المرتدةُ وغيرُها. وبه تمسَّك أبو حنيفة في مَنْع حكم قتل
المرتدة
قَتْل المرتدة. ورأى الجمهور: أنه لم يتناولِ المرتدة لوجهين:
أحدهما: أن هذا العموم خَرَجَ على نساء الحربيِّين كما هو مُبَيَّنٌ في
الحديث.
والثاني: قوله وَله: ((من بدَّل دينَه فاقْتُلُوهُ))(٢). وفي المسألة أبحاثٌ تُعلم في
حکم قتال
علم الخلاف. قال القاضي أبو الفضل عياض: أجمع العلماءُ على الأخذ بهذا
الحديث في تركِ قَتْل النساء، والصبيان، إذا لم يقاتلوا. واختلفوا إذا قاتلوا. النساء
المقاتلات من
(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).
(٢) رواه أحمد (٢١٧/١ و٢٨٢)، والبخاري (٦٩٢٢)، وأبو داود (٤٣٥١)، والترمذي
(١٤٥٨)، والنسائي (١٠٤/٧ و ١٠٥) من حديث ابن عباس.
٥٢٨
(١٣) كتاب الجهاد والسِّير - (٤) باب: النهي عن قتل النساء والصبيان
[١٢٦٢] وعن الصَّعْبِ بن جَثَّامَة، أنَّ النبيَّ وَ له قيل له: لو أنَّ خَيْلاً
أغارتْ من اللَّيْلِ فأصابتْ مِن أبناءِ المُشركينَ،
فجمهورُ العلماء وكافَّة من يُحفظ عنه: على أنهم إذا قاتلوا قُتِلوا. قال الحسن:
وكذلك: لو خرج النساءُ معهم إلى بلاد الإسلام.
ومذهبنا: أنها لا تُقُتل في مثل هذا، إلا إذا قاتلت. واختلف أصحابُنا إذا
قاتلوا ثم لم يُظفر بهم حتى برد القتال، فهل يُقتلون كما تقتل الأسارى، أم
لا يُقتلون إلا في نفس القتال؟ وكذلك اختلفوا إذا رموا بالحجارة؛ هل حكم ذلك
حُكْم القتال بالسلاح أم لا؟ قلتُ: والصحيح: أنها إذا قاتلتْ بالسّلاح، أو
بالحجارة، فإنه يجوز قتلها لوجهین:
أحدهما: قوله {وَل﴿: فيما خرَّجه النسائي من حديث عمر بن مُرقّع بن صَيْفي
ابن رباح عن [أبيه عن](١) جدِّه رباح: أنه وُ جُ مرَّ في غزاةٍ بامرأة قتيل، فقال:
((ما كانت هذه تقاتل))(٢) فهذا تنبيه على المعنى الموجِب للقتل، فيجبُ طرده إلا أن
یمنعَ منه مانعٌ.
والثاني: قَتْل النبيِّ ◌َ﴿ لليهودية التي طرحتِ الرَّحى على رجلٍ من المسلمين
فقتلته، وذلك بعدما أسرها النبيُّ ◌َ﴾(٣). وكلا الحدیثین مشهور.
و (قوله: ((لو أن خيلاً أغارتْ من الليل)) أي: أسرعتْ طالبةً غِرَّةَ العدو،
والإغارةُ: سرعةُ السير، ومنه قولهم: أشرقْ ثبير كيما نُغِير (٤). أي: نسرع في
(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).
(٢) رواه النسائي في السنن الكبرى (٨٦٢٥ و ٨٦٢٦).
(٣) رواه أبو داود (٢٦٧١)، والبيهقي في الكبرى (٨٢/٩)، وانظر: الإصابة (١٤٠/٢)،
وسيرة ابن هشام (٢/ ٢٤٢).
(٤) ذكره ياقوت في معجم البلدان (٢/ ٧٣).
٥٢٩
(١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٤) باب: النهي عن قتل النساء والصبيان
فقالَ: (هُم مِن آبائِهم)) .
رواه أحمد (٣٨/٤ و٧١)، ومسلم (١٧٤٥) (٢٨)، وأبو داود (٤٧١٢)،
والترمذي (١٥٧٠).
[١٢٦٣] وعن ابن عمر، أنَّ رسولَ الله وَّ قطعَ نَخِيلَ بني النَّضِيرِ،
وحرَّقَ. وهي البُوَيْرةُ، ولها يقولُ حسّان:
النَّفْر. والغارة: الخيلُ نفسها. وشَنَّ الغارة؛ أي: أرسل الخيلَ مسرعةً. ويقال:
أغارتِ الخيلُ ليلاً، وضُحَى، ومساءً، إذا كان ذلك في تلك الأوقات. فأما
البيات: فهو أن يُؤخذ العدو على غِرَّةٍ بالليل.
و (قوله في ذراري المشركين يبيّتون: ((هم من آبائهم))) الذرية: تطلقه العرب حكم ذراري
على الأولاد والعيال والنساء. حكاه عِياض. ومعنى الحديث: أنَّ حكمَهم حُكْمُ المشركين
آبائهم في جواز قَتْلهم عند الاختلاط بهم في دار كفرهم. وبه قال الجمهورُ:
مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، والثوري. ورأوا رميهم بالمجانيق في الحصون،
والمراكب. واختلف أصحابُنا؛ هل يُرمون بالنار إذا كان فيهم ذراريهم ونساؤهم، رمي المشركين
على قولين. وأمَّا إذا لم يكونوا فيهم؛ فهل يجوز رَمْيُ مراكبهم وحصونهم بالنار؟ بالنّر
أما إذا لم يُوصَلْ إليهم إلا بذلك، فالجمهورُ على جوازه، وأما إذا أمكن الوصولُ
إليهم بغيره، فالجمهورُ على كراهته؛ لما ثبت من قوله صل﴾: ((لا يعذِّب بالنار إلا
الله))(١)، وأمَّا إذا كان فيهم مسلمون؛ فمنعه مالكٌ جملةً. وهو الصحيحُ من مذهبه
ومذهب جمهور العلماء. وفي المسألة تفصيلٌ يُعْرَفُ في الأصول.
و (قوله: قطع نخيل بني النضير، وحرَّق) دليلٌ للجمهور على جواز قطع قطع نخل
نخل العدوِّ، وتحريقها إذا لم يُرْجَ مصيرُها للمسلمين، وكان قَطْعُها نكايةً للعدوِّ. العدوِّ
(١) رواه أحمد (٣٠٧/٢ و٣٣٨ و٤٥٣)، والبخاري (٣٠١٦)، وأبو داود (٢٦٧٤)،
والترمذي (١٥٧١).
٥٣٠
(١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٤) باب: النهي عن قتل النساء والصبيان
حَرِيقٌ بِالْبُوَيْرَةِ مُستطيرُ
وهانَ على سَرَاةٍ بني لُؤَيُّ
وفي ذلك نزلت: ﴿ مَا قَطَعْتُم مِّن لِّيِنَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا﴾ الآية
[الحشر: ٥].
رواه البخاري (٣٠٢١)، ومسلم (١٧٤٦) (٣٠)، وأبو داود (٢٦١٥)،
والترمذي (٣٢٩٨).
*
وقد منع ذلك الليثُ بن سعدٍ، وأبو ثور، وقد روي عن الصدِّيق أبي بكرٍ
- رضي الله عنه -. واختلف في ذلك عن الأوزاعي، واعتذر لهم عن هذا الحديث:
بأنه ◌َ﴿ إنما قطع تلك النخيل ليوسع موضعَ جولان الخيل للقتال. وهذا تأويلٌ يدلُّ
على فساده قولُه تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُم ◌ِنِ لِنَّةٍ أَوْ تَكْتُمُوهَا قَآَيِعَةً عَلَى أُصُولِهَا فَإِذْنِ اللَّهِ
وَلِيُخْرِىَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الحشر: ٥]، ولا شكَّ في أنَّ هذه الآية نزلتْ فيما عاب
المشركون على رسول الله ﴿ من قطع نخيلٍ بني النضير، فبيَّن فيها: أنَّ اللَّهَ تعالى
أباحه لنبيَّه ◌َ ﴿ خزياً للمشركين، ونكايةً لهم. والآيةُ نصَّ في تعليل ذلك. ويمكن
أن يُحمل ما روي عن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - مِن مَنْع ذلك على ما إذا
لم يكن في قطعها نكاية، أو ارتجي عودها للمسلمين، والله تعالى أعلم.
ما هي اللينة؟
و (اللينة): النخلة، أيَّ نخلةٍ كانت. وقيل: العجوة. وقيل: كرام النخل،
قاله سفيان. وقال جعفر بن محمد: هي العجوة. وقيل: الفسيل؛ لأنه ألين.
وقيل: أغصان الأشجار للينها. وقيل: هي النخلة القريبة من الأرض. قال
الأخفش: اللينة من اللون. وأصله: لِوَنة، وتجمع: لِيَنٌّ، ولِيَانٌ. قال(١):
وَسالِفَةٍ كَسَحُوقِ اللِّيا نِ أضْرَمَ فِيها الغَرِيُّ الشُّعُرْ
و (البويرة) المذكورة في شعر حسَّان: موضعٌ من بلاد بني النضير.
و (مستطير): منتشر.
(١) القائل: هو امرؤ القيس، يصف عنق فرسه.
٥٣١
(١٣) كتاب الجهاد والسَّير - (٥) باب: تخصيص هذه الأمة بتحليل الغنائم
(٥) باب
تخصيص هذه الأمة بتحليل الغنائم
[١٢٦٤] عن أبي هُريرةَ، عن رسول الله بَّه قال: ((غزا نبيٌّ من
الأنبياءِ، فقال لقومه: لا يَتَبعْنِي رجلٌ قد ملكَ بُضْعَ امرأةٍ، وهو يُريدُ أنْ
يبنيَ بها، ولمَّا يَبْنِ، ولا آخرُ قد بنَى بُنياناً، ولمَّا يرفع سُقُفَها. ولا آخرُ قد
(٥) ومن باب: تخصيص هذه الأمة بتحليل الغنائم
(قول النبي [المذكور في هذا الحديث - صلى الله على نبيًِّا وعليه وعلى
جميع النبيِّين -](١): لا يتبعني رجلٌ مَلَك بُضْع امرأة، وهو يريد أن يبنيَ بها، ولمَّا
بَيْنِ) البُضْع - بضم الباء -: كنايةٌ عن فَرْج المرأة، وقد يكنى به عن النكاح نفسه،
كما قال ◌َ ﴿: ((وفي بُضْع أحدكم أهله صدقة))(٢). والبَضْع - بفتح الباء - مصدر
بَضَع اللحم، يبضعه؛ إذا قطعه. والبضع - بكسر الباء -: في العدد ما بين الثلاثة
إلى التسعة. وقد تقدَّم تفسيره. و (الخلفات): جمع خَلِفَة، وهي الناقةُ التي دنا
ولادُها.
وإنما نهى هذا النبيُّ قومَه عن اتباعه على هذه الأحوال؛ لأنَّ أصحابها التفرغ من علق
يكونون متعلِّقي النفوس بهذه الأسباب، فتضعف عزائمهم، وتفتر رغباتهم في
الدنيا إلى تمني
الشهادة
الجهاد، والشَّهادة، وربما يفرطُ ذلك التعلُّقُ بصاحبه فيفضي به إلى كراهية الجهاد،
وأعمال الخير. وكأنَّ مقصودَ هذا النَّبِيِّ وَ﴿ أن يتفرغوا من علق الدُّنيا(٣)؛ ومهمات
أغراضها إلى تمني الشهادة بنيَّاتٍ صادقةٍ، وعزومٍ جازمةٍ، صافيةٍ، ليحصلوا على
الحظِّ الأوفر، والأجر الأكبر.
(١) ما بين حاصرتين ساقط من (هـ).
(٢) رواه أحمد (١٦٧/٥ و١٦٨)، ومسلم (١٠٠٦)، وأبو داود (٥٢٤٣).
(٣) ((علق الدنيا)): ما يُتَمَسَّكُ به منها.
٥٣٢
(١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٥) باب: تخصيص هذه الأمة بتحليل الغنائم
اشترى غنماً أو خَلِفَاتٍ، وهو منتظرٌ ولادَها. قالَ: فغزَا. فَأَدْنَى للقريةِ حينَ
صَلاةِ العَصْرِ، أو قريباً مِن ذلكَ. فقالَ للشمس: أنتِ مأمورةٌ وأنا مأمورٌ.
و (قوله: ((فأدنى للقرية))) هكذا روايةُ جميع الرواة: أدنى - رباعياً - قال
القاضي أبو الفضل: فإما أن يكون تعدية (دنا) أي: قَرُب. فمعناه: أدنى جيوشَه
وجموعَه إليها، أو يكون (أدنى) بمعنى: حان. أي: قَرُب، وحَضَر فتحها، من
قولهم: أدنت الناقة؛ أي: إذا حان نتاجها، ولم يُقَل في غير النَّقة. قلتُ: والذي
يظهرُ لي: أن ذلك من باب: (أنجدَ) و (أغار) و (أشهر) و (أظهر)، أي(١): دخل
في هذه الأزمنة والأمكنة، فيكون معنى (أدنى): أي: دخل في هذا الموضع الدَّاني
منها. والله تعالى أعلم.
و (قوله للشَّمس: ((أنت مأمورة))) أي: مُسخَّرةٌ بأمر الله تعالى، وهو كذلك
الفرق بين أمر
الجمادات وأمر أيضاً، وجميع الموجودات، غير أنَّ أَمْرَ الجمادات أمرُ تسخير وتكوين، وأمر
العقلاء
العقلاء أمر تكليف وتكوين. وحَبْسُ الشمس على هذا النبيِّ من أعظم معجزاته،
وأخصِّ كراماته. وقد اشْتُهر: أنَّ الذي حُبِسَتْ عليه الشَّمسُ(٢) من الأنبياء هو
الشمس
يُوشع بن نون. وقد رُوي: أن مثلَ هذه الآية كانت لنبيّنًا وَلّ في موطنين:
آیة حبس
أحدهما: في حفر الخندق حين شُغِلُوا عن صلاة العصر، حتى غابتْ، فردّها
اللَّهُ تعالى عليه حتى صلَّى العصر. ذكر ذلك الطحاوي، وقال: إن رواته كلّهم
ثقات(٣).
والثانية: صبيحة الإسراء، حين انتظروا العيرَ التي أخبر النبيُّ 18َ بوصولها
(١) في (ط): إذا.
(٢) ساقط من (ع).
(٣) ذكره القاضي عياض في الشفا (٥٤٨/١) وعزاه للطحاوي في ((مشكل الآثار)) من
حدیث أسماء بنت عميس.
٥٣٣
(١٣) كتاب الجهاد والسَّير - (٥) باب: تخصيص هذه الأمة بتحليل الغنائم
اللَّهُمَّ احْبِسْها عَلَيَّ شَيئاً. فحُبِسَتْ عليه حتَّى فتحَ الله عليه. قال: فجمعُوا
ما غَنِمُوا، فأقبلتِ النَّارُ لتأكلَّه، فأبتْ أنْ تَطْعَمَه. فقالَ: فيكم غلولٌ،
ولْيُبَايِعْني مِن كُلِّ قبيلةٍ رجلٌ. فبايَعُوه. فَلَصِقَتْ يدُ رجلٍ بيدِه. فقال: فيكم
الغُلُول. فلتُبَايِعْنِي قبيلتُك، فبَايَعَتْه. قال: فَلَصِقَ بيدِ رجلينٍ أو ثلاثةِ.
فقالَ: فيكم الغُلُولُ، أنتم غَلَلْتُمْ. قال: فأخرجُوا له مِثْلَ رأس البقرةِ مِن
ذهبٍ. قال: فوضعُوه في المَالِ وهو في الصَّعِيد، فأقبلتِ النَّارُ فأكلَتْه. فلم
تَحِلَّ الغَنائمُ لأحدٍ من قَبْلِنَا، ذلكَ بأنَّ اللَّهَ رأى ضَعْفَنا وعَجْزَنا، فَطَيَِّها
لنا».
رواه أحمد (٣١٨/٢)، والبخاري (٥١٥٧)، ومسلم (١٧٤٧).
مع شروق الشمس. ذكره يونس بن بكير في زيادته في سير ابن إسحاق (١).
و (قوله: ((فجمعوا ما غنموا، فأقبلت النَّارُ لتأكله، فأبت أن تطعمه))) كانت مصير الغنائم
سُنَّةُ الله تعالى في طوائف من بني إسرائيل أن يسوقَ لهم ناراً، فتأكل ما خلصَ من والقرابين فيمن
قبلنا
قربانهم، وغنائمهم، فكان ذلك الأكل علامة قبول ذلك المأكول. حكاه الشُّدي
وغيره، وهو الذي يدلُّ عليه ظاهرُ القرآن في قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ
عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا تُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ﴾ [آل عمران: ١٨٣]،
إحلال القرابين
والغنائم لأمة
ويدلُّ على هذا أيضاً: ظاهِرُ الحديث، وقد كان فيهم على ما حكاه ابنُ إسحاق نارٌ .
تحكمُ بينهم عند تنازعهم، فتأكل الظالم، ولا تضرّ المظلوم. وقد رفع الله تعالى محمد له
(١) ذكره ابن سيد الناس في (عيون الأثر ٢٤٤/١)، والقاضي عياض في الشفا (٥٤٩/١).
وانظر: السيرة النبوية لابن هشام (٤٠٣/١) من رواية البكائي، دون ذكر حبس
الشمس.
٥٣٤
(١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٦) باب: في قوله تعالى: ﴿ويسألونك عن الأنفال﴾
(٦) باب
في قوله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾
[١٢٦٥] عن مصعب بن سعد، عن أبيه، قال: نزلتْ فيَّ أربعُ
آياتٍ: أصبتُ سيفاً فأتيتُ به النبيَّ وَ ◌ّ، فقلت: يا رسولَ الله! نَفِّلْنِهِ. قال:
كلَّ ذلك عن هذه الأمّة، وأحلَّ لهم غنائمهم، وقربانهم، رِفْقاً بهم، ورحمةً لهم،
كما قال ◌َ﴿: ((ذلك بأنَّ الله رأى ضَعْفنا وعجزنا فطيَّها لنا)) وجعل ذلك من
خصائص هذه الأمة؛ كما قال: ((فلم تحلَّ الغنائم لأحدٍ قبلنا)» وقد جاء في الكتب
القديمة: أنَّ من خصائص هذه الأمّة: أنهم يأكلون قربانهم في بطونهم. وما جرى
لهذا النبيِّ وَّ مع قومه في أخذ (١) الغلول آيةٌ شاهدةٌ على صدقه، وعلى عظيم
مكانته عند ربِّه. وفي حديثه أبوابٌ من الفقه لا تخفى على فطن. واللهُ أعلم.
(٦) ومن باب: قوله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ [الأنفال: ١]
(قول سعدٍ: نزلت فِيَّ أربعُ آياتٍ) ولم يذكر غير آيةٍ واحدةٍ هنا، وقد جاءت
الثلاثة الباقية مبيّنة في كتاب مسلم، وسيأتي.
و (قوله: نفّلْنِيه) أي: أعطني إيَّاه. قال لبيد:
إِنَّ تَقْوَى رَبِّنا خَيْرُ نَفَلْ وبإذن الله رَئِي وَالْعَجَلْ(٢)
ومنه سُمِّ الرَّجلُ نوفلاً لكثرة عطائه. ويكون النفلُ أيضاً: الزيادة. ومنه
نوافل الصلوات، وهي الزوائدُ على الفرائض.
(١) ساقطة من (ع).
(٢) في جميع النسخ والديوان: وعجل، وما أثبتناه من اللسان. وفي (ج) و (ع) واللسان
والديوان: ريثي. وفي باقي النسخ: (ربّي). والرَّيث: الإبطاء.
٥٣٥
(١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٦) باب: في قوله تعالى: ﴿ويسألونك عن الأنفال﴾
((ضَعْهُ)) ثم قامَ. فقال: نَفْلْنِيهِ يا رسول الله! أوَ أُجْعَلُ كمَنْ لا غَناءَ له؟ فقال
له النبيُّ وَّهِ: ((ضَعْهُ مِن حيثُ أخذتَه)). قال: فنزلت هذه الآية: ﴿يَسْتَلُونَكَ
عَنِ الْأَنفَالِ
و (قوله: أَوَ أُجْعَلُ كمن لا غَنَاءِ له) الرُّوايةُ الصَّحيحةُ بفتح الواو، ومن
سكَّتَها غَلِط؛ لأنها الواو الواقعةُ بعد همزة الاستفهام، ولا تكون إلا مفتوحةً. وأمّا
(أو) الساكنة: فلا تكون إلا لأحد الشيئين. وهذا الاستفهامُ من سعدٍ على جهة منزلة سعد بن
الاستبعاد والتعجب من أن يُنزَل من ليس في شجاعته منزلته، لا على جهة الإنكار، أبي وقاص
لأَنَّه لا يصح، ولا يحلُّ الإنكار على النبيِّ وَ ◌ِّ، لا سيَّما ممَّن يكون في منزلة سعدٍ،
ومعرفته بحقِّ النبيِّ لَ ﴿، واحترامه له. و(الغَنَاء) بفتح الغين، والمدِّ: النّفع.
و (الغِنى) - بكسر الغين والقصر -: كثرة المال.
و (قوله: فنزلت هذه الآية: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ ... ﴾ [الأنفال: ١] يقتضي
أن يكون ثمَّ سؤال عن حُكْم الأنفال، ولم يكنْ هناك سؤالٌ عن ذلك على
ما يقتضيه هذا الحديث، ولذلك قال بعضُ أهل العلم: إنَّ (عن) صلة. ولذلك قرأ
ابنُ مسعودٍ بغير (عن): ﴿يسألونك عن الأنفال﴾. وقال بعضهم: إنَّ (عن) بمعنى
(مِنْ)؛ لأنَّ إنما سأل شيئاً معيَّناً، وهو السيف. وهو من الأنفال. و (الأنفال) جمع
نَفَلٍ - بفتح الفاء -، كجملٍ وأجمالٍ، ولَبَن وألبانٍ.
وقد اختلفَ في المراد بالأنفال هنا في الآية؛ هل هي الغنائم؛ لأنها عطايا،
أو هي مما ينفلُ من الخُمُس بعد القسم؟ [وكذلك اختلف في أَخْذ سعدٍ لهذا
السيف؛ هل كان أخذه له من القبض قبل القسم، أو بعد القسم؟](١) وظاهِرُ قوله:
((ضَعْه حيث أخذته)): أنه قبل القسم؛ لأنه لو كان أخذه له بعد القسم لأمره أن يردّه
إلى مَن صار إليه في القسم.
(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع) و(ج).
٥٣٦
(١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٦) باب: في قوله تعالى: ﴿ويسألونك عن الأنفال﴾
قُلِ آلْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الآية [الأنفال: ١].
رواه أحمد (١٨٥/١)، ومسلم (١٧٤٨) (٣٤)، وأبو داود (٢٠٨)،
والترمذي (٣١٨٩).
المراد بالأنفال
و (قوله تعالى: ﴿قُلِ الْأَنْقَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾﴾ [الأنفال: ١] ظاهره-إنْ حملنا الأنفالَ على
الغنائم - أنَّ الغنيمةَ لرسول اللهوَ له، وليست مقسومةً بين الغانمين. وبه قال
﴿ وَأَعْلَمُوْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن
ابنُ عباس وجماعةٌ. ورأوا: أنها منسوخةٌ بقوله تعالى: ﴿.
ثَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّوِخُسَهُ﴾ ... الآية [الأنفال: ٤١]. وظاهرها: أنَّ أربعة أخماس الغنيمة
للغانمين. وقد روي عن ابن عباس أيضاً: أنَّها محكمةٌ، غيرُ منسوخةٍ، وأنَّ للإمام
أنْ يُنَفِّلَ من الغنائم ما شاء لمن شاء؛ لما يراه من المصلحة. وقيل: هي مخصوصةٌ
بما شذَّ من المشركين إلى المسلمين من: عبدٍ، أو أمَةٍ، أو دابَّةٍ. وهو قولُ عطاء،
والحسن. وقيل: المرادُ بها: أنفالُ السَّرايا. والأولى: أنَّ الأنفالَ المذكورة في هذه
الآية هي ما يُنفِّله الإمامُ من الخُمُس، بدليل قوله تعالى: ﴿﴿ وَأَعْلَمُوا أَنَّمَا غَيِمْتُم مِّن
شَعْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُسَهُ وَلِلَّسُولِ﴾، ولا يصحُ الحكمُ بالنّسخ [إذ الجمع بين الآيتين
ممكن، ومتى أمكن الجمع فهو أولى من النَّسخ](١) باتفاق الأصوليين. وقال
مجاهد في الآية: إنها محكمةٌ، غير منسوخةٍ، وإنَّ المرادَ بالأنفال: ما ينفِله الإمامُ
من الخُمُس. وعلى هذا: فلا نَفَلَ إلا من الخُمُس، ولا يتعيَّن الخُمُسُ إلا بعد قسمة
الغنيمة خمسة أخماس، وهو المعروفُ من مذهب مالكِ، وقد روي عن مالكِ: أنَّ
الأنفالَ من خُمْسِ الخُمُس. وهو قولُ ابن المسيِّب، والشافعيّ، وأبي حنيفة،
والطبري. وأجاز الشَّافعيُّ النفلَ قبل إحراز الغنيمة، وبعدها. وهو قولُ أبي ثورٍ،
والأوزاعيُّ، وأحمد، والحسن البصريِّ.
و (قوله تعالى: ﴿فَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ: إِن كُنتُم
مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١]) أي: أصْلِحُوا فيما بينكم، وأطيعوا اللَّهَ ورسولَهُ فيما أمركم
(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ز).
الاختلاف
بسبب الغنائم
٥٣٧
(١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٦) باب: في قوله تعالى: ﴿ويسألونك عن الأنفال﴾
[١٢٦٦] وعن ابن عمر، قال: بعثَ رسولُ اللهِ ◌ّ سَرِيَّةً إلى نَجْدٍ،
فخرجتُ فيها، فأصَبْنا إيلا وغنماً، فبلغتْ سُهمانُنا اثني عشرَ بعيراً، اثنيْ
عشرَ بعيراً، ونفَّلنا رسولُ الله ◌ِلهِ بعيراً بعيراً.
رواه مسلم (١٧٤٩) (٣٧).
به من الرضا بما قسم لكم إن كنتم محققين إيمانكم. وهذا يدلُّ على أنهم وقع فيما
بينهم شنآن ومنافرةٌ بسبب الغنيمة. ويدلُّ على هذا: ما رواه أبو أمامة الباهلي قال:
سألتُ عُبادةَ بن الصَّامت عن الأنفال فقال: فينا - أصحابَ بدرٍ - نزلتْ حين اختلفنا
في النَّفل، وساءت فيه أخلاقُنا، فنزعه الله من أيدينا، وجعله إلى رسول الله وَّآه
فقسمه علينا على بواءٍ؛ أي: على سواءٍ(١). وعن ابن عباس: أنَّ النبيَّ ◌َِّ قال يوم
بدرٍ: ((من فعل كذا، فله كذا)) فتسارع الشُّبان، وثبت الشُّيوَخَ مع الرَّايات، فلما فُتِح
لهم، جاء الشُّبانُ يطلبون ما جعل لهم، فقال لهم الأشياخُ: لا تذهبون به دُوننا،
فقد كنَّا ردءاً لكم. فأنزل الله تعالى: ﴿فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم﴾(٢).
و (قوله: بعث رسولُ اللهِوَه إلى نجدٍ سرية إلى قوله: ونفَّلنا رسولُ اللهِوَ ه هل يشارك
بعيراً بعيراً) هذه السريةُ خرجتْ من جيشٍ بعثهم رسولُ اللهِوَ لَه إلى نجدِ، فلما الجيشُ السرية
غنمت قسّم ما غنمت على الجيش والسرية، فكانت سُهمان كلِّ واحدٍ من الجيش
فیما تغنم؟
والسَّريَّةِ اثني عشر بعيراً، اثني عشر بعيراً، ثم زيد أهل السَّريَّةِ بعيراً بعيراً، فكان
لكلِّ إنسان من أهل السّريّةِ ثلاثة عشر بعيراً، ثلاثة عشر بعيراً. بيَّن ذلك ونصَّ عليه
أبو داود من حديث شعيب بن أبي حمزة، عن نافعٍ، عن ابن عمر(٣)، ولهذا قال
مالك، وعامَّةُ الفقهاء: إنَّ السَّريَّةَ إذا خرجت من الجيش فما غَنِمَتْهُ كان مقسوماً
(١) رواه أحمد (٣٢٢/٥)، والبيهقي (٢٩٢/٦ و٣١٥ و٥٧/٩)، والحاكم (١٣٦/٢).
(٢) رواه أبو داود (٢٧٣٧ - ٢٧٣٩).
(٣) رواه أبو داود (٢٧٤١).
٥٣٨
(١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٦) باب: في قوله تعالى: ﴿ويسألونك عن الأنفال﴾
بينها وبين الجيش. ثم إن رأى الإمامُ أن ينفلهم من الخُمُس جاز عند مالك،
واسْتُحِبَّ عند غيره. وذهب الأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيد: إلى أن
النفلَ من جُملة الغنيمة بعد إخراج الخُمُس، وما بقي للجيش، وحديث ابن عمر
يردُّ على هؤلاء، فإنه قال فيه: فبلغت سُهماننا اثني عشر بعيراً، اثني عشر بعيراً،
ونفلنا رسول الله وَل﴿ بعيراً بعيراً ...
وظاهِرُ مساق هذه الرِّواية: أن الذي قَسَم بينهم، ونفَّلهم، هو
رسولُ اللهِوَ﴿، حين رجعوا إليه. وفي رواية مالكٍ عن نافع: ونفلوا بعيراً بعيراً(١)،
ولم يذكر رسولَ الله ◌ِله. ومن رواية الليث عن نافع: ونفلوا سوى ذلك بعيراً
بعيراً، فلم يغيِّرِه رسولُ اللهِ وَّهِ. وفي كتاب أبي داود من حديث محمد بن إسحاق
عن نافعٍ قال: فأصبنا نَعَماً كثيراً، فنفّلنا أميرُنا بعيراً بعيراً، ثم قدمنا على
رسول الله وَ﴿، فقسم علينا غنيمتنا، فأصاب كلّ إنسانٍ(٢) منَّا اثنا (٣) عشر بعيراً،
اثنا عشر بعيراً، وما حاسبنا رسولُ الله ◌ِوَّهِ بالذي أعطانا صاحبُنا، ولا عاب عليه
ما صنع، فكان لكل رجلٍ ثلاثة عشر بعيراً بنفله(٤). وهذا اضطرابٌ في حديث
ابن عمر، على أنَّه يُمكن أن تُحمل روايةُ مَن رفع ذلك إلى رسول الله وَ له على أنَّه
لما بلغه ذلك أجازه، وسوَّغه. والله تعالى أعلم. أو تكون رواية عبيد الله عن نافع
في الرَّفع وهماً، وبمقتضى رواية ابن إسحاق عن نافع قال الأوزاعيُّ، وأحمدُ،
وإسحاق، وأبو عبيد كما قدمناه آنفاً من مذهبهم، لكنَّ محمَّد بن إسحاق كذَّبه
مالكٌ(٥)، وضعَّفه غیرُه.
(١) رواه مالك في الموطأ (٢/ ٤٥٠).
(٢) في (ع): واحدٍ.
(٣) في (ع): اثني.
(٤) رواه أبو داود (٢٧٤٣).
(٥) انظر الأجوبة التي ذكرها ابن سيد الناس في عيون الأثر (٦٣/١ - ٦٧) في الرَّد عمّا-
٥٣٩
(١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٦) باب: في قوله تعالى: ﴿ويسألونك عن الأنفال﴾
[١٢٦٧] وعنه، قال: نَفَّلنا رسولُ اللهِ وَّهِ نَفَّلاً سِوى نصيبنا من
الخُمُس، فأصابَتي شارفٌ.
والشارف: المُسِنُّ الكبيرُ.
رواه مسلم (١٧٥٠) (٣٨ و ٣٩).
[١٢٦٨] وعنه، أنَّ رسولَ الله ◌ِّهِ قد كانَ يُتَفِّلُ بعضَ مَنْ يَبعثُهُ مِن
السَّرايا لأنفسهم خَاصَّةً، سوى قَسْمِ عامَّةِ الجيش،
و (قوله: ونفلنا رسولُ الله نَفَلاً سوى نصيبنا من الخُمُس) هذا المجرور الذي
هو (من الخُمُس) هو في موضع الصِّفَة لـ (نفل)، يعني: أنه نفلهم نَفَّلاً من
الخُمُس، وليس في موضع الحال من (نصيبنا)؛ لأنه كان يلزمُ عليه أن يكونَ لهم
نصيبٌ في الخُمُس غير النفل، ولم يُنْقَلْ هذا بوجهٍ، ولا قاله أحدٌ فيما علمته.
و (الشارف): المسُّ الكبير من النُّوق.
و (قوله: كان رسولُ اللهِوَله ينفِّلُ بعضَ مَن يبعثُ من السَّرايا) يدلُّ: على أنَّ
ذلك ليس حتماً واجباً على الإمام، وإنما ذلك بحسب ما يظهرُ له من المصلحة
والتَّنشيط كما يقوله مالكٌ. وقد كره مالكٌ أن يحرِّض الإمامُ العسكرَ بإعطاء جزءٍ
من الغنيمة قبل القتال؛ لما يُخاف من فساد النيّة. وقد أجازه بعضُ السَّلف، وأجاز
النخعيُّ، وبعضُ العلماء أن ينفّل السَّريّة جميع ما غنمت. والكافَّة على خلافه.
= رُمي به ابن إسحاق من الكذب، وبخاصة من مالك، إذ كان قريناً ومعاصراً له. ورحم
الله تعالى الذهبي حينما قال في ميزان الاعتدال (٢٠٢/٢): كلام النُّظراء والأقران
ينبغي أن يُتأَمَّل ويُتَأَنَّى فيه .
٥٤٠
(١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٧) باب: للإمام أن يخصّ القاتل بالسلب
والخمسُ في ذلك واجبٌ كلُّه.
رواه مسلم (١٧٥٠) (٤٠).
*
(٧) باب
للإمام أن يخصَّ القاتلَ بالسَّلَب
[١٢٦٩] عن أبي قتادةَ قالَ: خرجنا مع رسولِ الله وَّهِ عامَ حُنينٍ،
فلمَّا التقيْنَا، كانتْ للمسلمينَ جولةٌ. قال: فرأيتُ رجلاً مِن المشركينَ قد
عَلَا رَجُلاً مِن المسلمينَ، فاستدرتُ إليه حتَّى أتيتُهُ مِن ورائِهِ، فضربتُه على
حَبْل عَاتِقِه، فأقبلَ عليَّ فضَمَّنِي ضَمَّةً وجدتُ منها ريحَ الموتِ، ثم أدركَه
لا بدَّمن
و (قوله: والخُمُس في ذلك واجبٌ كلُّه) يعني: أنَّ التخميسَ لا بُدَّ منه فيما
التخميس في غنمته السّريَّةُ، وفيما غنمه الجيش. وعلى هذا يكونُ (كلّه) مخفوضاً تأكيداً
لـ (ذلك) المجرور بـ (في)، وقد قيَّدناه بالرفع على أن يكون تأكيداً لـ (الخُمُس)
المرفوع. وفيه بُعْدٌ.
الغنائم
(٧) ومن باب: للإمام أن يَخُصَّ القاتِلَ بالسَّلَب
(الجولة): الاضطراب. ويعني به: انهزام المنهزمة يوم حُنين على ما يأتي.
و (حَبْل العاتق): هو موصل ما بين العُنق والكاهل. وقيل: هو حَبْلُ الوريد.
والوريدُ: عرقٌ بين الحلقوم والعلباوين(١).
و (قوله: فضمَّني ضمَّةً وجدتُ فيها ريح الموت) أي: ضمَّة شديدةً أشرف
(١) في (ز): اللغاديد. وهي: اللحمات بين الحنك وصفحة العنق. والعلباوان، مثنى
عِلباء، وهو عصب غليظ في العنق.